٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود، لأن الإله هو الذي يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت الآية ههنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب: هذه الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات، ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات والأرض كما يقول المتكلمون: الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها، لا يقال إن كونه في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازاً غير جائزة، لأنا نقول كونهم في السموات والأرض، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك حاصل مجازاً، وهو كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء. أما قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ } فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم الغيب وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله: {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } فأيان بمعنى متى وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت وقرىء {إِيَّانَ } بكسر الهمزة. أما قوله: {بَلِ ٱدرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } فاعلم أن كلام صاحب «الكشاف» فيه مرتب على ثلاثة أبحاث: البحث الأول: فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل أدرك بل ادارك بل تدارك بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل ادرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام بلى أدرك بلى أأدرك أم تدارك أو أدرك. البحث الثانث: ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وادَّرك افتعل. البحث الثالث: معنى ادَّرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه وجوه: أحدها: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون، وذلك قوله: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } يريد المشركين ممن في السماوات والأرض لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما يقال بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. فإن قيل الآية سيقت لاختصاص الله تعالى بعلم الغيب وإن العباد لا علم لهم بشيء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟ والجواب: كأنه سبحانه قال كيف يعلمون الغيب مع أنهم شكوا في ثبوت الآخرة التي دلت الدلائل الظاهرة القاهرة عليها فمن غفل عن هذا الشيء الظاهر كيف يعلم الغيب الذي هو أخفى الأشياء الوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا في إثبات ما الطريق إليه واضح ظاهر الوجه الثالث: أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، أما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على الاستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذا من قرأ أم أدرك وأم تدارك لأنها أم هي التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك فإنه لما جاء ببلى بعد قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ } كان معناه بلى يشعرون ثم فسر الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون، وأما من قرأ بلى أأدرك على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها وإذ أنكر علمهم بكونها وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها. فإن قلت هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت ماهي إلا بيان درجاتهم وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة مبدأ عماهم فلذلك عداه بمن دون عن لأن الفكر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. وعن بعضهم: أخفى غيبه على الخلق، ولم يَطَّلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة. و{مَنْ} في موضع رفع؛ والمعنى: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله؛ فإنه بدل من {مَن} قاله الزجاج. الفراء: وإنما رفع ما بعد {إلا} لأن ما قبلها جحد، كقوله: ما ذهب أحد إلا أبوك؛ والمعنى واحد. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء؛ يعني في الكلام. قال النحاس: وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدّق منجِّماً؛ وقال: أخاف أن يكفر بهذه الآية. قلت: وقد مضى هذا في «الأنعام» مستوفى. وقالت عائشة: من زعم أن محمداً يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية؛ والله تعالى يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} خرجه مسلم. وروي أنه دخل على الحجاج منجِّم فاعتقله الحجاج، ثم أخذ حصيات فعدّهن، ثم قال: كم في يدي من حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال: كذا؛ فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ؛ ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها؛ قال: لا. قال: فإني لا أصيب. قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حدّ الغيب، وهذا لم تحصه فهو غيب و{لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} وقد مضى هذا في «آل عمران» والحمد لله. قوله تعالى: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيـى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي. وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: {بَلْ أَدْرَكَ} من الإدراك. وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش: {بَلِ ادَّرَكَ} غير مهموز مشدّداً. وقرأ ابن محيصن: {بَلْ أَادَّرَكَ} على الاستفهام. وقرأ ابن عباس: {بَلَى} بإثبات الياء {أَدَّارَكَ} بهمزة قطع والدال مشدّدة وألف بعدها؛ قال النحاس: وإسناده إسناد صحيح، هو من حديث شُعبة يرفعه إلى ابن عباس. وزعم هارون القارىء أن قراءة أبيّ {بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ}. وحكى الثعلبي أنها في حرف أبىّ "أم تدارك". والعرب تضع بَلْ موضع (أم) و (أم) موضع بل إذا كان في أول الكلام استفهان؛ كقول الشاعر: شعر : فوالله لا أدري أسلمى تقولت أم القول أم كل إلى حبيب تفسير : القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد؛ لأن أصل «ٱدَّارَكَ» تدارك؛ أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل؛ وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وُعِدوا به معاينة فتكامل علمهم به. والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة؛ فقالوا تكون وقالوا لا تكون. القراءة الثانية فيها قولان: أحدهما: أن معناه كمل في الآخرة؛ وهو مثل الأوّل؛ قال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذِّبين. والقول الآخر: أنه على معنى الإنكار؛ وهو مذهب أبي إسحاق؛ واستدلّ على صحة هذا القول بأن بعده {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} أي لم يدرك علمهم علم الآخرة. وقيل: بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. والقراءة الثالثة: {بَلِ ادَّرَكَ} فهي بمعنى {بَلِ ادَّارَكَ} وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى؛ ولذلك صُحِّح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا. القراءة الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار؛ كما تقول: أأنا قاتلتك؟ٰ فيكون المعنى لم يدرك؛ وعليه ترجع قراءة ابن عباس؛ قال ابن عباس: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي لم يدرك. قال الفرّاء: وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجل تكذبه: بَلَى لعمري قد أدركت السَّلَفَ فأنت تَروي ما لا أروي! وأنت تكذبه. وقراءة سابعة: {بَلَ ادَّرَكَ} بفتح اللام؛ عدل إلى الفتحة لخفتها. وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في {قُمَ اللَّيْلَ} فإنه عدل إلى الفتح. وكذلك و(بعَ الثوبَ) ونحوه. وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرىء {بَلْ أَأَدَّرَكَ} بهمزتين {بَلْ آأَدَّرَكَ} بألف بينهما {بَلَى أَأَدَّرَكَ} {أَمْ تَدَارَكَ} {أَمْ أَدَّرَكَ} فهذه ثنتا عشرة قراءة، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة {بَلْ أَأَدَّرَكَ} على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: «أَمْ أَدَّرَكَ» و«أَمْ تَدَارَكَ» لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ: {بَلَى أَأَدَّرَكَ} على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن. {فِي الآخِرَةِ} في شأن الآخرة ومعناها. {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي في الدنيا. {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي بقلوبهم واحدهم عمو. وقيل: عَمٍ؛ وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلماً لجميع الخلق: أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱللَّهَ} استثناء منقطع أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل؛ فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] الآية، وقال تعالى: {أية : بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} تفسير : [لقمان: 34] إلى آخر السورة، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة؛ كما قال تعالى: {أية : ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} تفسير : [الأعراف: 187] أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، قالت: من زعم أنه يعلم ــــ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم - ما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية؛ لأن الله تعالى يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن أناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلاَّ يولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والدميم، وما علم هذا النجم، وهذه الدابة، وهذا الطير، بشيء من الغيب، وقضى الله تعالى أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. رواه ابن أبي حاتم بحروفه، وهو كلام جليل متين صحيح. وقوله: {بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي: انتهى علمهم، وعجز عن معرفة وقتها، وقرأ آخرون: {بَلْ أدركَ علمُهم} أي: تساوى علمهم في ذلك؛ كما في "الصحيح" لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل، وقد سأله عن وقت الساعة: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» تفسير : أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي: غاب، وقال قتادة: {بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} يعني: بجهلهم بربهم، يقول: لم ينفذ لهم علم في الآخرة، هذا قول، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} حين لم ينفع العلم، وبه قال عطاء الخراساني والسدي: أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [مريم: 38] وقال سفيان عن عمرو بن عبيد عن الحسن، أنه كان يقرأ: {بل أدرك علمهم} قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة. وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا} عائد على الجنس، والمراد الكافرون، كما قال تعالى: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} تفسير : [الكهف: 48] أي: الكافرون منكم. وهكذا قال ههنا: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي: شاكون في وجودها ووقوعها {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.
المحلي و السيوطي
تفسير : وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل:{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } من الملائكة والناس {ٱلْغَيْبَ } أي ما غاب عنهم {إِلا } لكن {ٱللَّهُ } يعلمه {وَمَا يَشْعُرُونَ } أي كفار مكة كغيرهم {أَيَّانَ } وقت {يُبْعَثُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} وفي صفة علمهم بهذه الصفة قولان: أحدهما: أنها صفة ذم فعلى هذا في معناه أربعة أوجه: أحدها: غاب عليهم، قاله ابن عباس. الثاني: لم يدرك علمهم، قاله ابن محيصن. الثالث: اضمحل علمهم، قاله الحسن. الرابع: ضل علمهم وهو معنى قول قتادة. فهذا تأويل من زعم أنها صفة ذم. والقول الثاني: أنها صفة حمد لعلمهم وإن كانوا مذمومين فعلى هذا في معناه ثلاثة أوجه: أحدها: أدرك علمُهم، قاله مجاهد. الثاني: اجتمع علمهم، قاله السدي. الثالث: تلاحق علمهم، قاله ابن شجرة. {فِي شَكٍّ مِّنْهَا} يعني من الآخرة فمن جعل ما تقدم صفة ذمٍ لعلمهم جعل نقصان علمهم في الدنيا فلذلك أفضى بهم إلى الشك في الآخرة، ومن جعل ذلك صفة حمد لعلمهم جعل كمال علمهم في الآخرة فلم يمنع ذلك أن يكونوا في الدنيا على شك في الآخرة.
ابن عادل
تفسير : قوله (تعالى: {قُل) لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} لما بين أنه مختص بالقدرة، بين أنه المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك، ثبت أنه الإله المعبود. وفي هذا الاستثناء أوجه: أحدها: أنه فاعل "يعلم"، و "من" مفعوله، و "الغيب" بدل من "من في السموات" أي: لا يعلم غيب من في السموات والأرض إلا الله، أي: الأشياء الغائبة التي تحدث في العالم، وهو وجه غريب ذكره أبو حيان. الثاني: أنه مستثنى متصل من "من"، ولكن لا بد من الجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة على هذا الوجه، وبيانه أن الظرفية المستفادة من "مَنْ في" حقيقة بالنسبة إلى غير الله تعالى، ومجاز بالنسبة إلى الله تعالى بمعنى: أن علمه في السموات والأرض فيندرج (في) {مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ} بهذا الاعتبار، وهو مجاز، وغيره من مخلوقاته في السموات والأرض حقيقة، فبذلك الاندراج المؤول استثني من "مَنْ"، وكان الرفع على البدل أولى، (لأن الكلام غير موجب، قال مكي: الرفع في اسم الله - عز وجل - على البدل) من من. ورد الزمخشري هذا بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز وأوجب أن يكون منقطعاً، فقال: فإن قلت: لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض؟ قلت: جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما فيها إلا حمار، كأنَّ أحداً لم يذكر، ومنه قوله: شعر : 3969 - عَشِيَّةَ مَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا وَلاَ النَّبْلُ إلاَّ المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ تفسير : وقولهم: ما أتاني زيد "إلا عمرو"، وما أعانني أخوانكم إلا إخوانه، فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ قلت: دعيت إليه نكتة سرية، حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلاَّ اليَعَافِيرُ، بعد قوله: لَيْسَ بِهَا أنِيس: ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب يعني أن علمهم الغيب - في استحالته - كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى "ما في البيت" إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتّاً للقول بخلوها من الأنيس. فإن قلت: هلا زعمت أن الله ممن في السموات والأرض، كما يقول المتكلمون: "إن الله في كل مكان" على معنى: أن علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا يحمل على مذهب بني تميم؟ قلت: يأبى ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازاً غير صحيح، على أن قولك: من في السموات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام وتسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته، ألا ترى كيف قال عليه السلام لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى: "حديث : بئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْت ". تفسير : فقد رجح الانقطاع، واعتذر في ارتكاب مذهب التميميين بما ذكر، وأكثر العلماء أنه لا يجمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، وقد قال به الشافعي. فصل نزلت هذه الآية في المشركين، حيث سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن وقت قيام الساعة. و "مَا يَشْعُرُون" صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم بالغيب، وذكر في جملة الغيب: متى البعث؛ بقوله: "أيَّانَ يُبْعَثُونَ"، و "أَيَّانَ" بمعنى متى، وهي كلمة مركبة من: أي والآن، وهو الوقت. وقرىء: "إيّان" بكسر الهمزة، قرأ بها السلمي، وهي لغة قومه بني سليم، وهي منصوبة بـ "يُبْعَثُونَ" ومعلقة لـ "يَشْعُرُونَ" فهي مع ما بعدها في محل نصب بإسقاط الباء، أي ما يشعرون بكذا. قوله: "ادّارَكَ" قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "أَدْرَك" كأكرم، والباقون من السبعة "ادَّارَكَ" بهمزة وصل وتشديد الدال المفتوحة بعدها ألف - والأصل (تدارك) وبه قرأ أبي، فأريد إدغام التاء في الدال، فأبدلت دالاً وسكنت، فتعذر الابتداء بها، لسكونها، فاجتلبت همزة الوصل، فصار: "ادَّارك" كما ترى - وتقدم تحقيق هذا في قوله: {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 72]. وقراءة ابن كثير، قيل: يحتمل أن يكون "أفعل" فيها بمعنى "تفاعل"، فتتحد القراءتان، وقيل: أدرك، بمعنى بلغ وانتهى. وقرأ سليمان وعطاء ابنا يسار: "بَل ادّرك" بفتح لام "بَلْ" وتشديد الدال دون ألف بعدها وتخريجها: أن الأصل: (ادْتَرَكَ) على وزن افْتَعَل، فأبدلت تاء الافتعال دالاً، لوقوعها بعد الدال، قال أبو حيان: فصار فيه قلب الثاني للأول، كقولهم: أثَّرَدَ، وأصله: اثترد من الثرد، انتهى. قال شهاب الدين: ليس هذا مما قلب فيه الثاني للأول لأجل الإدغام، كاثَّرَدَ في اثترد، لأن تاء الافتعال تبدل دالاً بعد أحرف منها الدال، نحو: ادَّانَ في افْتَعَلَ من الدين، فالإبدال لأجل كون الدال فاء لا للإدغام، فليس مثل اثَّرَدَ في شيء، فتأمله فإنه حسن، فلما أدغمت الدال في الدال أدخلت همزة الاستفهام، فسقطت همزة الوصل، فصار اللفظ، أَدْرَكَ بهمزة قطع مفتوحة، ثم نقلت حركة هذه الهمزة إلى لام "بَلْ" فصار اللفظ: "بَلْ دَّرَكَ". وقرأ أبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج وابن عباس وتروى عن عاصم كذلك إلا أنه بكسر لام "بَلْ" على أصل التقاء الساكنين، فإنهم لم يأتوا بهمزة استفهام. وقرأ عبد الله بن عباس والحسن وابن محيصن "آدَّرَكَ" بهمزة ثم ألف بعدها، وأصلها همزتان أبدلت ثانيهما ألفاً تخفيفاً، وأنكرها أبو عمرو. وقد تقدم أول البقرة أنه قرىء "أَأَنْذَرْتَهُمْ" بألف صريحة - فلهذه بها أسوة. وقال أبو حاتم: لا يجوز الاستفهام بعد "بَلْ"، (لأن "بَلْ") إيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار بمعنى: "لَمْ يَكُنْ" كقوله تعالى: {أية : أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}تفسير : [الزخرف: 19] أي: لم يشهدوا، فلا يصح وقوعهما معاً للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار. قال شهاب الدين: وفي منع هذا نظر، لأنّ "بَلْ" لإضراب الانتقال، فقد أضرب عن الكلام الأول، وأخذ في استفهام ثانٍ، وكيف ينكر هذا والنحويون يقدرون "أَمْ" المنقطعة ببل والهمزة، وعجبت من الشيخ - يعني أبا حيان - كيف قال هنا: وقد أجاز بعض المتأخرين الاستفهام بعد "بَلْ"، وشبهه بقول القائل: أَخُبْزاً أكَلْتَ بَلْ أَمَاءً شَرِبْتَ؟ على ترك الكلام الأول، والأخذ في الثاني انتهى. فتخصيصه ببعض المتأخرين يؤذن بأن المتقدّمين وبعض المتأخرين يمنعونه، وليس كذلك لما حكيت عنهم في "أم" المنقطعة. وقرأ ابن مسعود: "أَأَدْرَكَ" بتحقيق الهمزتين، وقرأ ورش في رواية: "بَل ادْرَكَ" بالنقل، وقرأ ابن عباس أيضاً: "بَلَى أَدْرَكَ" بحرف الإيجاب أخت نعم، و"بَلَى آأدْرَكَ" بألف بين همزتين، وقرأ أبي ومجاهد "أن" بدل ("بَلْ") وهي مخالفة للسواد. قوله: "فِي الآخِرَةِ" فيه وجهان: أحدهما: أن "فِي" على بابها و "أَدْرَكَ" وإن كان ماضياً لفظاً فهو مستقبل معنى، لأنه كائن قطعاً، كقوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]، وعلى هذا فـ "فِي" متعلق بـ "أدْرَكَ". والثاني: أنّ "فِي" بمعنى الباء، أي: بالآخرة، وعلى هذا فيتعلق بنفس علمهم، كقولك: على يزيد كذا. وأمّا قراءة من قرأ "بَلَى"، فقال الزمخشري: لمّا جاء ببلى بعد قوله: "وَمَا يَشْعُرُونَ" كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: "أدْرَكَ علمهم في الآخِرَةِ" على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، ثم قال: وأمّا قراءة: "بَلَى أأَدْرَكَ" على الاستفهام فمعناه: بَلَى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصّل لهم شعور بوقت كونها، لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن، ثم قال: فإن قلت ما معنى هذه الإضرابات الثلاثة؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنّهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية انتهى. فإن قيل: (عَمِيَ) يتعدى بـ (عَنْ) تقول: عَمِي فلان عن كذا، فلم عدي بـ (مِنْ) قوله "مِنْهَا عَمُونَ"؟ فالجواب: أنّه جعل الآخرة مبدأ عَمَاهُم ومنشأه. فصل المعنى على قراءة ابن كثير: "أَدْرَكَ" أي بلغ ولحق، كما تقول: أدركه علمي، إذَا لحقه وبلغه يريد: ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة. قال مجاهد: يدريك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها، حين لا ينفعهم علمهم. وقال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكّوا وعمُوا عنه في الدنيا. كقوله {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا}، أي هم اليوم في شك من الساعة. وعلى قراءة "ادَّارَكَ"، تتابع علمهم في الآخرة أنها كائنة "وَهُمْ فِي شَكٍّ" في وقتهم. وقيل استفهام معناه: هل تدارك وتتابع بذلك في الآخرة يعني لم يتتابع، وضلّ وغاب علمهم به، فلم يبلغوه ولم يُدركوه، لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد. وقال علي بن عيسى: بل ههنا لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكُّوا بل هُم مِنْهَا عَمُونَ جمع عمٍ، وهو الأعمى القلب.
البقاعي
تفسير : ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب، لأنه لا يخرج الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به، لأنه لا قدرة أصلاً لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في طه، وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك، وكانوا ربما قالوا: سنأتي به، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه، بل البرهان قائم على خلافه، فقال: {قل} أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم: {لا يعلم} أحد، ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال: {من} لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل، عبر بالظرف تنبيهاً على أن المظروف محجوب، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه، فقال: {في السماوات والأرض الغيب} أي الكامل في الغيبة، وهو الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلاً، ولا دلت عليه أمارة، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه. ولما كان الله تعالى منزهاً عن أن يحويه مكان. جعل الاستثناء هنا منقطعاً، ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذاً، لكنه رفع بإجماع العشرة بدلاً على لغة بني تميم، فقيل: {إلا الله} أي المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : بمعنى: إن كانت اليعافير أنيساَ ففيها أنيس، بتاً للقول بخلوها من الأنيس، فيكون معنى الآية: إن كان الله جل وعلا ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، ويصح كونه متصلاً، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو الصفة، والرفع أفصح من النصب، لأنه من منفي، وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل "لا يعلم أحد الغيب إلا هو" وهو التنبيه على المظروفية والحاجة، وأن الظرف حجاب، لا يرتاب فيه مرتاب، وجعل ابن مالك متعلق الظرف خاصاً تقديره: يذكر، وجعل غيره "من" مفعولاً والغيب بدل اشتمال، والاستثناء مفرغاً، فالتقدير: لا يعلم غيب المذكورين - أي ما غاب عنهم - كلهم غيره. ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - قد يخبر به الكهان، أو أحد من الجان، من أجواف الأوثان، وكانوا يسمون هذا غبياً وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة، وكانت الساعة قد ثبت أمرها، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها، بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه، وكان علم وقتها من الغيب المحض، قال: {وما يشعرون} أي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا {أيان} أي أيّ وقت {يبعثون*} فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه، ومن تخرص ظهر كذبه. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض، وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحاً، وبعضهم لزوماً، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به، قال متهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك! استهزاء به مستدركاً لنفي شعورهم بها بياناً لكذبهم باضطراب قولهم: {بل ادّارك} أي بلغ وتناهي {علمهم في الآخرة} أي أمرها مطلقاً: علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم عليه، وتنويع العبارات فيه، وتفريع القول في أمره - هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وكذا في قراءة الباقين: ادّارك بمعنى تدارك يعني تتابع واستحكم. ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم، مرتبكين في جهلهم، وقد يعبرون - دليلاً على أنه لا علم من ذلك عندهم - بالشك، قال تعالى: {بل هم في شك} ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة، عبر بمن، أي مبتدىء {منها} ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال: {بل هم} ولما كان الإنسان مطبوعاً على نقائص موجبة لطغيانه، ومبالغته في العلو في جميع شأنه، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه، الموجب لجهله. وتماديه على قبيح فعله، فقال مقدماً للجار: {منها عمون*} أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم، بل انعكس نفعها ضراً، وخيرها شراً، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر، وتناهي وصفه، وأنه يجب على الكل الاعتناء به، والوقوف على حقه، والتناهي عن باطله، أو لشك البعض وسكوت الباقي لقصد تهويله، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء، وهو معرض عنه، فقد فوّت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا همّ لها إلا لذة البطن والفرج، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطاً خبط عشواء، ويكون أمره على خصمه هيناً أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك، أو أنهم لعدم علم الوقت بعينة كأنهم في شك بل عمى، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من أمرها، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر. ومن أخذ شيئاً من علمها عن غيرهم ضل. ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم، فقالوا مقسمين جهد أيمانهم: لا تأتينا الساعة، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى، وكان الأصل: وقالوا، ولكنه قال: {وقال الذين كفروا} أي ستروا دلائل التوحيد والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء، تعليقاً للحكم بالوصف، مستفهمين استفهام المستبعد المنكر: {أإذا كنا تراباً وآباؤنا} وكرروا الاستفهام إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود، وعد ما استبعدوه محالاً، فقالوا: {أئنا} أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم، وتمكن البلى فيهم {لمخرجون*} أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من الحياة والقوة، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلاً لاستبعادهم: {لقد وعدنا}. ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة، قدم قوله: {هذا} أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة - على قوله: {نحن وآباؤنا} بخلاف ما سبق في سورة المؤمنون، وقالوا: {من قبل} زيادة في الاستبعاد، أي أنه قد مرت الدهور على هذا الوعد، ولم يقع منه شيء، فلذلك دليل على أنه لا حقيقة له فكأنه قيل: فما المراد به؟ فقالوا: {إن} أي ما {هذا إلا أساطير الأولين*} أي ما سطروه كذباً لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة لمعناه، فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب المحيط العلم، وتارة يستبعدون دأب الشاك، المركب الجهل، الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى الإضرابات - والله الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فقالت عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: وما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجلي علي ألم يقل الله {ولقد رآه بالأفق المبين؟!..} {أية : ولقد رآه نزلة أخرى} تفسير : [النجم: 13] فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سأل عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل: لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطاً من السماء. ساد أعظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض قالت: أو لم تسمع الله عز وجل يقول {أية : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} تفسير : [الأنعام: 103] أو لم تسمع الله يقول {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً}تفسير : [الشورى: 51] إلى قوله {علي حكيم}. ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله جل ذكره يقول {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} إلى قوله {أية : والله يعصمك من الناس} تفسير : [المائدة: 67] قالت: ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} .
التستري
تفسير : قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}[65] قال: أخفى غيبه عن المخلوقين بجبروته، ولم يطلع عليه أحداً، لئلا يأمن أحد من عبيده مكره، فلا يعلم أحد ما سبق له منه، فيكون همهم في إبهام العواقب ومجاري السوابق، لئلا يدعو ما لا يليق بهم من أنواع الدعاوى في المحبة والمعرفة وغير ذلك. قال: كان مائة ألف صديق ظاهرين للخلق، حتى كان لا يسمع أصوات الميازيب ببيت المقدس من المجتهدين بالميل، فلما ظهر شيئان، سألوا الله تعالى فأماتهم دعوى الحب ودعوى التوكل. فقيل له في القول قول الحارث حيث قال: سهرت ليلي وأظمأت نهاري. فقال: يعني لا حاجة لي إلى الكشف، لأنه حظ الكفار في الدنيا، فأنا لا أشاركهم في حظهم، فلذلك قلت: أنا مؤمن. قيل له: قوم يقولون مثل ما قال الحارث، فقال: دعواهم باطلة، وكيف تصح لهم الدعوى، ولم يدع ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وكانت شعرة في صدرهما أفضل من الحارث، وإنما قال ذلك الحارث رضي الله عنه لا بنفسه، وإنما أظهر الله ذلك فتنة لمن بعده من المدعين، فكيف يصح لهؤلاء أن يدعوا ذلك لأنفسهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [الآية: 65]. قال سهل: خفى غيبه عن الخلق لجبروته، ولم يطلع عليه أحدًا لئلا يأمن أحدٌ من عبيده مكره فلا يعلم أحدٌ ما سبق له منه همهم فى اتهام العواقب ومجارى السوابق لئلا يدعو ما لا يليق بهم من أنواع الدعاء فى المعرفة والمحبة وغيرها.
القشيري
تفسير : {ٱلْغَيْبَ}: ما لا يطلع عليه أحد، وليس عليه للخلْق دليل، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقُّ، وعلومُ الخَلْق عنه متقاصرة، ثم يريد اللَّهُ أن يخصَّ قوماً بعلمه أفردهم به. {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}: فإنه أخفى علَم الساعة عن كل أحدٍ.
الجنابذي
تفسير : {قُل} يا محمّد (ص) {لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. معنى الغيب اعلم، انّ السّماء تطلق على ما له علوّ وارتفاع وتأثير فيما دونه، والارض تطلق على ما له دنوّ وانفعال، وهذان المعنيان لا اختصاص لهما بالسّماء والارض الطّبيعيّتين بل جملة عالم الارواح بهذا المعنى سماواتٌ وجملة عالم الاجسام الملكيّة والملكوتيّة العلويّة والسّفليّة اراضٍ، والغيب ما كان غائباً عن نظر من كان ذلك الغيب غيباً له سواء كان مشهوداً حاضراً لغيره او لم يكن، والمراد بمن فى السّماوات والارض من كان متحدّداً بحدودهما غير خارجٍ من حجب تعيّناتهما، فانّ الانسان الملكىّ هو الّذى يكون محتجباً تحت حدود الملك ويكون ادراكاته مقصورة على المحسوسات فانّ المدرك فى ادراكه لا بدّ وان يكون سنخاً للمدرك بل متّحداً معه فالمدرك اذا كان ملكيّاً كان مدركه ايضاً ملكيّاً وهذا المدرك يكون جميع ما فى السّماوات من السّماوات الطّبيعيّة وسماوات الارواح غيباً بالنّسبة اليه والانسان الملكوتىّ لا يتجاوز ادراكه الملكوت ولا يكون مدركه مجرّداً صرفاً ويكون المجرّدات عن التَقدّ رغيباً بالنّسبة اليه والانسان الجبروتىّ المتّحدد بحدود العقول لا يتجاوز ادراكه الى عالم المشيّة وعالم المشيّة غيب بالنّسبة اليه فصحّ ان يقال: لا يعلم جميع المتّحدّدين بحدود سماوات الارواح واراضى الاشباح الغيب الّذى هو عالم الاسماء والصّفات الاّ الله ويكون الاستثناء منقطعاً ان خصّص لفظة من الموصولة بالممكنات، او متّصلاً ان لم تخصّص. علم الائمّة (ع) والاشكال بانّ الائمّة كانوا يعلمون علم ما كان وما هو كائن وما يكون الى يوم القيامة وانّ عليّاً (ع) واصحابه كانوا يعلمون علم المنايا والبلايا والانساب غير واردٍ، فانّهم غير من فى السّماوات والارض لعدم تحدّدهم بحدودهما لخروجهم الى مقام الاطلاق الّذى هو المشيّة وفى ذلك المقام لا فرق بينهم وبين حبيبهم فعلمهم فى ذلك المقام علم الله، وامّا سائر مقاماتهم المقيّدة بحدود السّماوات او الارض فانّهم فى تلك المقامات يعلمون بتعليم الله اى بتعليم مقامهم المطلق الّذى لا فرق بينهم وبينه بمعنى انّهم فى ذلك فانون من انانيّاتهم وباقون بوجود الله لا بوجوداتهم فهم يعلمون بعلم الله الغيب عن السّماوات والارض ويعلّمون بتعليم الله سائر مقاماتهم المحدودة بحدودات المقامات النّازلة، روى انّ امير المؤمنين (ع) اخبر يوماً ببعض الامور الّتى لم يأت بعد فقيل له: اعطيت يا امير المؤمنين علم الغيب؟- فضحك وقال: ليس هو بعلم غيبٍ انّما هو تعلّم من ذى علمٍ؛ وانّما علم الغيب علم السّاعة وما عدّده الله سبحانه بقوله: انّ الله عنده (الآية) فيعلم سبحانه ما فى الارحام من ذكرٍ او انثى، وقبيحٍ او جميلٍ، وسخىٍّ او بخيلٍ وشقىٍّ او سعيدٍ، ومن يكون للنّار حطباً او فى الجنان للنّبيّين مرافقاً فهذا علم الغيب الّذى لا يعلمه الاّ الله، وما سوى ذلك فعلم علّمه الله نبيّه (ص) فعلّمينه ودعا لى ان يعيه صدرى وتضمّ عليه جوارحى، وبعد ما سبق لا حاجة لك الى بيان اجزاء الحديث {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ} اى فى اىّ مقام من مقامات البعث {يُبْعَثُونَ} فانّ المحدود بحدّ من حدود السّماوات والارض لا يعلم وقت قيامه من مرقد حدّه ولا مقام قيامه منه والمطلق من ذلك الحدّ يعلم وقت بعثه ومقامه بعلم الله لا بعلم نفسه.
الهواري
تفسير : قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} الغيب ها هنا القيامة. أي: لا يعلم مجيئها إلا الله {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: وما يشعر جميع الخلق {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} متى يموتون ومتى يبعثون. قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ} أي: علموا في الآخرة أن الأمر كما قال الله، فآمنوا حين لم ينفعهم علمهم ولا إيمانهم. وقال الحسن: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ} على الاستفهام، أي: تبعاً للاستفهام الأول، أي: لم يبلغ علمهم في الآخرة، أي: لو بلغ علمهم أن الآخرة كائنة لآمنوا بها في الدنيا كما آمن بها المؤمنون. وقال بعضهم: إن علمهم بذلك لم يبلغ في الدنيا؛ يسفّههم بذلك. وقال مجاهد: معناه عندي: (أَمْ أَدْرَكَ) أي: لم يدرك؛ وهو مجامع للقول الأول الذي ذكرنا قبله. قال: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} أي: من الآخرة {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي: عموا عن الآخرة. وقال الكلبي: {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي: لا يدرون ما الحساب فيها وما العذاب. قوله: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَآؤُنَا} على الاستفهام {أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي: لمبعوثون. كقوله: (أية : إِءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) تفسير : [مريم: 66] أي: لا نبعث. وهذا على الاستفهام، استفهام منهم على إنكار.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لا يَعْلمُ مَن فِي السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ} والتفرد بعلم الغيب كالازم للقدرة التامة الفائقة العامة المذكورة والاستثناء منقطع قالت عائشة: من زعم انه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية. وعن بعض: أخفي الغيب لئلا يؤمن مكره لأن الله جل وعلا لا يوصف بكونه في السماوات والأرض ككون الخلق فيهن فمن غير شامل له تعالى أي لكن الله يعلمه كما أن الاستثناء منقطع في نحو ما جاء زيد إلا عمرا وما جاء بنوا زيد الا بني عمر ولعدم شمول لفظ زيد لعمرو وعدم شمول بني زيد لبني عمرو وانما ارتفع مع الانقطاع بناء على لغة تميم من جواز الابدال في المنقطع واختيرت لغتهم هنا تلويحا الى معنى قولك: ان كان الله ممن في السماوات والأرض ففيهن من يعلم الغيب ولا يخفى انه ليس في بني آدم والجن والأصنام والملائكة وغيرها من يعلم الغيب فعلم أن الاله ليس شيئا من ذلك فعلمهم الغيب محال كاستحالة كون الله منهم ومن أجاز الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد أجاز جعل الاستثناء متصلا وأن كون الخليقة في السماوات والأرض على معنى الحلول وهو حقيقة وكون الله فيهن على معنى العلم مجاز فيكون قوله {مَن فِي السَّمَٰوَاتِ والأَرضِ} شاملا للخليقة ولله جل وعلا ومن منع الجمع بينهما مع ذلك وهو مذهب جار الله والمنع في الآية أولى حذر للابهام ابهام التسوية بين كون الخلق فيهن والابهامات مزالة عنه وعن صفاته وأجاز القاضي أن يكون متصلا على أن المراد بمن في السماوات والأرض من تعلمه بها واطلع عليها الاطلاع الخاص فيها فانه يعم الله تعالى وأولي العلم من خلقه وهو موصول أو موصوف فاعل بعلم وجعل ابن مالك الاستثناء متصلا بتقدير متعلق الظرف خاصا أي من يذكر في السماوات والأرض فيكون من مفعولا والغيب بدل اشتمال مه والله فاعلا. {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أيان بسيطة وقيل: مركبة من أي وان وقرىء بفتح الهمزة وكسرها والضمير لمن وقيل الكفرة وإيان ظرف زمان اسم استفهام متعلق بيبعثون والجملة مفعول يشعرون معلق عنها. فائدة. قال جار الله: لو سمي بإيان لكان فعالا من أن بين ولا نصرف.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لا يعْلَم مَنْ} فاعل {فى السَّماوات والأرْض الغَيبَ} مفعول به {إلاَّ الله} بدل مِن مَنْ، والاستثناء متصل باعتبار ان الله فى السماوات والرض بالعلم والخلق والذكر له فيهما، ولو اختلف كونه فيهما، وكونه غيره فيهما وجد هذا الاختلاف يكون منقطعاً، فيجب النصب، ولكن جاء على لغة تميم، وقيل: ان كان يخلف المبدل منه ما يعم المبدل جاز الابدال، ولو عند الحجاز بين، وما علم بالجن والكهانة، وخط الرمل والنجوم، فهو ظن لا علم، ولو وافق وما علم بالهام أو ملك أو وحى فعلم باخبار لا على غيب ما يتحقق ان شاء الله حدوث حادثة فى مضاب عند ثلاث وأربعين سنة وثلاثمائة وألف تقريباً. والحق عند الله عز وجل، وما ذكرته علم باخبار لا إخبار بغيب، وذلك ذهاب الأجانب عنها، ولا تنفعهم قوتهم، ولا بأس بحساب أو إخبار جنى صديق لك بلا جزم، بل تنتظر هل يقع، وقد حسب الامام أفلح رضى الله عنه فقال: او ما يذبح فى السوق غداً بقرة صفراء فى بطنها عجل أغر، وحسبت وقته وقالت: صدق حسابك فى البقرة ولونها والعجل، وأخطأ فى الغرة، فان العجل لا غرة له، وذلك البياض الذى استظهرته من حسابك هو فى رأس ذنب العجل التومى حتى صار على جبهته، واتفق ذلك من الغد كما قالت، ولا يجوز ما يوهم الباطل مثل ان تقول: الله لا يعلم الغيب، على معنى لا يغيب عنه بشىء فضلا عن ان يقول لا يعلم الغيب، إذ لا غيب بالنسبة اليه، وأن تقول أكره الحق وأحب الفتنة وأفر من الرحمة بمعنى الموت، والولد والمال والمطر، وروى أنه أخذ الحجاج حصيات عدها فقال المنجم: كم هي؟ فأصاب المنجم، وأخذ حصيات لم يعدها، فحسب المنجم وأعاد وأخطأ وقال: يا أمير المؤمنين أظنك لم تعرف عددها، فقال ما الفرق؟ فقال أحصيت الأولى فخرجت عن من حد الغيب، ولم تحص الأخرى فلم تخرج عنه، ولا يعلم الغيب إلا الله عز وجل {وما يشْعرون} أى الكرة ولكن غيرهم مثلهم فى عدم الشعور {أيَّان} متن متعلق بقوله: {يبْعَثُون} معلق ليشعرون له.
الالوسي
تفسير : {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } بعد ما تحقق تفرده تعالى بالألوهية ببيان اختصاصه بالقدرة الكاملة التامة والرحمة الشاملة العامة عقب بذكر ما لا ينفك عنه، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب تكميلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده من أمر البعث، وفي «البحر» قيل: سأل الكفار عن وقت القيامة - التي وعدوها - الرسول صلى الله عليه وسلم وألحوا عليه عليه الصلاة والسلام فنزل قوله: {قُل لاَّ يَعْلَمُ } الآية، فمناسبتها على هذا لما قبلها من قوله تعالى: {أية : أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ }تفسير : [النمل: 64] أتم مناسبة، والظاهر المتبادر إلى الذهن أن (من) فاعل {يعلم} وهو موصول أو موصوف، و{الغيب} مفعوله، والاسم الجليل مرفوع على البدلية من {مِنْ } والاستثناء على ما قيل: منقطع تحقيقاً متصل تأويلاً على حدّ ما في قول الراجز:شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : بناءاً على إدخال اليعافر في الأنيس بضرب من التأويل فيفيد المبالغة في نفي علم الغيب عمن في السماوات والأرض بتعليق علمهم إياه بما هو بين الاستحالة من كونه تعالى منهم كأنه قيل: إن كان الله تعالى ممن فيهما ففيهم من يعلم الغيب يعني أن استحالة علمهم الغيب كاستحالة أن يكون الله تعالى منهم، ونظير هذا مما لا استثناء فيه قوله:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : وقيل: هو منقطع على حد الاستثناء في قوله:شعر : عشية ما تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم تفسير : يعني أنه من اتباع أحد المتباينين الآخر نحو ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وقد ذكرهما سيبويه، وذكر ابن مالك أن الأصل فيهما: ما أتاني أحد إلا عمرو، وما أعانه أحد إلا إخوانه فجعل مكان أحد بعض مدلوله وهو زيد وإخوانكم، ولو لم يذكر الدخلاء فيمن نفى عنه الإتيان والإعانة، ولكن ذكرا توكيداً لقسطهما من النفي دفعاً لتوهم المخاطب أن المتكلم لم يخطر له هذا الذي أكد به، فذكر تأكيداً، وعليه يكون الأصل في الآية: لا يعلم أحد الغيب إلا الله فحذف أحد وجعل مكانه بعض مدلوله وهو {من في السماوات والأرض} والبعض الآخر من ليس فيهما، ويكفي في كونه مدلولاً له صدقه عليه ولا يجب في ذلك وجوده في الخارج، فقد صرحوا أن من الكلي ما يمتنع وجود بعض أفراده أو كلها في الخارج على أن من أجلة الإسلاميين من قال بوجود شيء غير الله عز وجل، وليس في السماوات ولا في الأرض وهو الروح الأمرية فإنها لا مكان لها عندهم على نحو العقول المجردة عند الفلاسفة، وقال: إن شرط الاتباع في هذا النوع أن يستقيم حذف المستثنى منه والاستغناء عنه بالمستثنى فإن لم يوجد هذا الشرط تعين النصب عند التميمي والحجازي كما في قوله تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } تفسير : [هود: 43] فإن الاستغناء فيه بالمستثنى عما قبله ممتنع إلا بتكلف، وزعم المازني أن اتباع المنقطع من تغليب العاقل على غيره، ويلزم عليه أن يختص بأحد وشبهه وهو فاسد - كما قال ابن خروف - لأن ما يبدل منه في هذا الباب غير ما ذكر أكثر من أن يحصى اهـ. وكلام الزمخشري يوم صدره أن الاستثناء هنا من قبيل الاستثناء في المثالين اللذين ذكرهما سيبويه، وفي البيت الذي ذكرناه قبيلهما، ويفهم عجزه أنه من قبيل الاستثناء في الرجز السابق، وأن الداعي إلى اختيار المذهب التميمي نكتة المبالغة التي سمعتها، وقد صرحوا أن إفادة تلك النكتة إنما تتأتى إذا جعل الاستثناء منقطعاً تحقيقاً متصلاً تأويلاً، ولعل الحق أنه إذا أريد الدلالة على قوة النفي تعين جعل الاستثناء نحو الاستثناء في قوله: {وبلدة} / الخ، وإذا أريد الدلالة على عموم النفي تعين جعله نحو الاستثناء في قولهم: ما أعانه إخوانكم إلا إخوانه فتدبر، وجوز كونه متصلاً كما هو الأصل في الاستثناء على أن المراد بمن في السماوات والأرض من اطلع عليهما اطلاع الحاضر فيهما مجازاً مرسلاً أو استعارة، وأياً مّا كان فهو معنى مجازي عام له تعالى شأنه ولذوي العلم من خلقه وهو المخلص من لزوم ارتكاب الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلف في صحته كما فعله بعض القائلين بالاتصال، وقيل: يعلق الجار والمجرور على ذلك التقدير بنحو يذكر من الأفعال المنسوبة على الحقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين لا بنحو استقر مما لا يصح نسبته إليه سبحانه على الحقيقة أي لا يعلم من يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ويجوز تعليقه باستقر أيضاً إلا أنه يجعل مسنداً إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه أي لا يعلم من استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله فحذف الفعل والمضاف واستتر الضمير لكونه مرفوعاً، وهذا ما قبله كما ترى، واعترض حديث الاتصال بأنه يلزم عليه التسوية بينه تعالى وبين غيره في إطلاق لفظ واحد وهو أمر مذموم، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم «حديث : أن رجلاً خطب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله»تفسير : ، وأجيب بأن ذلك مما يذم إذا صدر من البشر أما إذا صدر منه تعالى فلا يذم على أن كونه مما يذم إذا صدر من البشر مطلقاً ممنوع، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان من كان الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما» تفسير : الحديث، ولعل مدار الذم والمدح تضمن ذلك نكتة لطيفة وعدم تضمنه إياها، وقد قيل في حديث أنس: النكتة في تثنية الضمير الإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، والنكتة في إفراده في حديث عدي الإشعار بأن كلاً من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، وقد مر الكلام في هذا المبحث فتذكر، وجوز أن يعرب من مفعول - {يعلم} و {الغيب} - بدل اشتمال منه، والاسم الجليل فاعل {يَعْلَمْ } ويكون استثناءً مفرغاً أي لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله ولا يخفى بعده. والغيب في الأصل مصدر غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن العين، واستعمل في الشيء الغائب الذي لم تنصب له قرينة وكون ذلك غيباً باعتباره بالناس ونحوهم لا بالله عز وجل فإنه سبحانه لا يغيب عنه تعالى شيء لكن لا يجوز أن يقال: إنه جل وعلا لا يعلم الغيب قصداً إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه ليقال يعلمه، وقد شنع الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي المشهور بالإمام الرباني في «مكتوباته» - على من قال ذلك قاصداً ما ذكر - أتم تشنيع كما هو عادته جزاه الله تعالى خيراً فيمن لم يتأدب بآداب الشريعة الغراء. والظاهر عموم الغيب، وقيل: المراد به الساعة، وقيل: ما يضمره أهل السماوات والأرض في قلوبهم، وقيل: المراد جنس الغيب، ويلزم من نفي علم جنسه عن غيره عز وجل نفي علم كل فرد من أفراده عن ذلك الغير، ولا يضر في ذلك أن الآية لا تدل حينئذٍ على ثبوت علم كل غيب له عز وجل بل قصارى ما تدل عليه ثبوت علم جنس الغيب له سبحانه لأنه المنفي صريحاً عن المستثنى منه ولا يلزم من ثبوت علم هذا الجنس ثبوت علم كل فرد من أفراده لأنها لم تسق للاستدلال بها على ذلك، وكم وكم من دليل عقلي ونقلي يدل عليه، وتعقب بأن الغيب من حيث إنه غيب لا يتفاوت فمتى ثبت العلم ببعض أفراده ثبت العلم بجميعها دفعاً للزوم الترجيح بلا مرجح فتأمل. / واختار بعضهم الاستغراق أي لا يعلم من في السماوات والأرض كل غيب إلا الله فإنه سبحانه يعلم كل غيب لأنه الأوفق بالمقام، واعترض بأنه يلزم أن يكون من أهل السماوات والأرض من يعلم بعض الغيوب، وظاهر كلام كثير من الأجلة يأبـى ذلك، ويؤيده ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وجماعة من المحدثين من حديث مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بما يكون في غد - وفي بعض الروايات - يعلم ما في غد فقد أعظم على الله تعالى الفرية والله تعالى يقول: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }، وجوز بعضهم أن يكون منهم من يعلم بعض الغيوب، ففي «بيان قواطع الإسلام» تأليف العلامة ابن حجر بعد الرد على من أكفر من قيل له: أتعلم الغيب؟ فقال: نعم لأن فيما قاله تكذيب النص وهو قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] وقوله تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ }تفسير : [الجن: 26-27] ما نصه: وعلى كل فالخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو قضايا كما وقع لكثير منهم واشتهر، والذي اختص به تعالى إنما هو علم الجميع وعلم مفاتح الغيب المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }تفسير : [الأنعام: 59] الآية، وينتج من هذا التقرير أن من ادعى علم الغيب في قضية أو قضايا لا يكفر وهو محمل ما في «الروضة»، ومن ادعى علمه في سائر القضايا يكفر وهو محمل ما في أصلها إلا أن عبارته لما كانت مطلقة تشمل هذا وغيره ساغ للنووي الاعتراض عليه فإن أطلق فلم يرد شيئاً، فالأوجه ما اقتضاه كلام النووي من عدم الكفر انتهى. ولعل الحق أن يقال: إن علم الغيب المنفي عن غيره جل وعلا هو ما كان للشخص لذاته أي بلا واسطة في ثبوته له، وهذا مما لا يعقل لأحد من أهل السماوات والأرض لمكان الإمكان فيهم ذاتاً وصفة وهو يأبـى ثبوت شيء لهم بلا واسطة، ولعل في التعبير عن المستثنى منه بمن في السماوات والأرض إشارة إلى علة الحكم، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيء ضرورة أنه من الواجب عز وجل أفاضه عليهم بوجه من وجوه الإفاضة فلا يقال: إنهم علموا الغيب بذلك المعنى ومن قاله كفر قطعاً، وإنما يقال: إنهم أظهروا أو اطلعوا - بالبناء للمفعول - على الغيب أو نحو ذلك مما يفهم الواسطة في ثبوت العلم لهم، ويؤيد ما ذكر أنه لم يجىء في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره تعالى أصلاً، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه من رسول لا يقال: يجوز على هذا أن يقال: أعلم فلان الغيب بالبناء للمفعول أيضاً على معنى أن الله تعالى أعلمه وعرفه ذلك بطريق من طرق الإعلام والتعريف، ومتى جاز هذا جاز أن يقال: علم فلان الغيب بقصد نسبة علمه الحاصل من إعلامه إليه لأنا نقول: لا كلام في جواز - أعلم - بالبناء للمفعول، وإنما الكلام في قولك: ومتى جاز هذا جاز أن يقال الخ، فنقول: إن أريد بالجواز في تالي الشرطية الجواز معنى أي الصحة من حيث المعنى فمسلم لكن ليس كل ما جاز معنى بهذا المعنى جاز شرعاً استعماله، وإن أريد الجواز شرعاً بمعنى عدم المنع من استعماله فهو ممنوع لما فيه من الإيهام والمصادمة لظواهر الآيات كآية {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } وغيرها؛وقد سمعت عن الإمام الرباني قدس سره النوراني أنه حط كل الحط على من قال: الله سبحانه لا يعلم الغيب متأولاً له بما تقدم لما فيه من المصادمة للنصوص القرآنية وغيرها، وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه، وقد شنعوا أيضاً على من قال: أكره الحق وأحب الفتنة وأفر من الرحمة مريداً بالحق الموت وبالفتنة المال أو الولد وبالرحمة المطر لما في ظاهره من الشناعة والبشاعة ما لا يخفى، / نعم لا يكفر قائل ذلك بذلك القصد ويلزمه التعزير كيلا يعود إلى قوله. ثم إن علم غير الغيب من المحسوسات والمعقولات وإن كان لا يثبت لشيء من الممكنات بلا واسطة في الثبوت أيضاً إلا أنه في نسبته لشيء منها لم يعتبر إلا اتصافه به غير مقيد بنفي تلك الواسطة لما أنه لم يرد حصر ذلك العلم به عز وجل ونفيه عمن سواه جل وعلا بل صرح في مواضع أكثر من أن تحصى بنسبته إلى غيره سبحانه ولو ورد فيه ما ورد في علم الغيب لا التزم فيه ما التزم فيه، وعلى ما تقرر لا يكون علم العقول بما لم يكن بعد من الحوادث على ما يزعمه الفلاسفة من علم الغيب بل هو لو سلم علم حصل لهم من الفياض المطلق جل شأنه بطريق من الطرق التي تقتضيها الحكمة فلا ينبغي أن يقال فيهم: إنهم عالمون بالغيب، وقائله إما كافر أو مسلم آثم، وكذا يقال في علم بعض المرتاضين من المسلمين الصوفية والكفرة الجوكية فإن كل ما يحصل لهم من ذلك فإنما هو بطريق الفيض ومراتبه وأحواله لا تحصى، والتأهل له قد يكون فطرياً، وقد يكون كسبياً، وطرق اكتسابه متشعبة لا تكاد تستقصى، وإفاضة ذلك على كفرة المرتاضين وإن أشبهت إفاضته على المؤمنين المتقين إلا أن بين الأمرين فرقاً عظيماً عند المحققين، وقد ذكر بعض المتصوفة أنه ما من حق إلا وقد جعل له باطل يشبهه لأن الدار دار فتنة وأكثر ما فيها محنة، ويلحق بعلم المرتاضين من الجوكية علم بعض المتصوفة المنسوبين إلى الإسلام المهملين أكثر أحكامه الواجبة عليهم المنهمكين في ارتكاب المحظورات في نهارهم وليلهم، فلا ينبغي اعتقاد أن ذلك كرامة بل هو نقمة مفضية إلى حسرة وندامة. وأما علم النجومي بالحوادث الكونية حسبما يزعمه فليس من هذا القبيل لأن تلك الحوادث التي يخبر بها ليست من الغيب بالمعنى الذي ذكرناه إذ هي وإن كانت غائبة عنا إلا أنها على زعمه مما نصب لها قرينة من الأوضاع الفلكية والنسب النجومية من الاقتران والتثليث والتسديس والمقابلة ونحو ذلك، وعلمه بدلالة القرائن التي يزعمها ناشىء من التجربة وما تقتضيه طبائع النجوم والبروج التي دل عليها بزعمه اختلاف الآثار في عالم الكون والفساد فلا أرى العلم بها إلا كعلم الطبيب الحاذق إذا رأى صفراوياً مثلاً علم رتبة مزاجه وحققها يأكل مقداراً معيناً من العسل أنه يعتريه بعد ساعة أو ساعتين كذا وكذا من الألم، وإطلاق علم الغيب على ذلك فيه ما فيه، وإن أبيت إلا تسمية ذلك غيباً فالعلم به لكونه بواسطة الأسباب لا يكون من علم الغيب المنفي عن غيره تعالى في شيء وكذا كل علم بخفي حصل بواسطة سبب من الأسباب كعلمنا بالله تعالى وصفاته العلية وعلمنا بالجنة والنار ونحو ذلك، على أنك إذا أنصفت تعلم أن ما عند النجومي ونحوه ليس علماً حقيقياً وإنما هو ظن وتخمين مبني على ما هو أوهن من بيت العنكبوت كما سنحقق ذلك بما لا مزيد عليه في محله اللائق به إن شاء الله تعالى. وأقوى ما عنده معرفة زمني الكسوف والخسوف وأزمنة تحقق النسب المخصوصة بين الكواكب وهي ناشئة من معرفة مقادير الحركات للكواكب والأفلاك الكلية والجزئية وهي أمور محسوسة تدرك بالأرصاد والآلات المعمولة لذلك وبالجملة علم الغيب بلا واسطة كلاً أو بعضاً مخصوص بالله جل وعلا لا يعلمه أحد من الخلق أصلاً، ومتى اعتبر فيه نفي الواسطة بالكلية تعين أن يكون من مقتضيات الذات فلا يتحقق فيه تفاوت بين غيب وغيب، فلا بأس بحمل أل في {الغيب} على الجنس، ومتى حملت على الاستغراق فاللائق أن لا يعتبر في الآية سلب العموم بل يعتبر عموم السلب، ويلتزم أن القاعدة أغلبية، وكذا يقال في السلب والعموم في جانب الفاعل فتأمل؛ فهذا ما عندي ولعل ما عندك خير منه؛ والله تعالى أعلم. / {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي متى ينشرون من القبور مع كونه مما لا بد لهم منه، ومن أهم الأمور عندهم - فأيان - اسم استفهام عن الزمان، ولذا قيل: إن أصلها أيّ آن أي أيّ زمان، وإن كان المعروف خلافه وهي معمولة ليبعثون، والجملة في موضع النصب - بيشعرون - وعلقت {يَشْعُرُونَ } لمكان الاستفهام، وضمير الجمع للكفرة وإن كان عدم الشعور بما ذكر عاماً لئلا يلزم التفكيك بينه وبين ما يذكر بعد من الضمائر الخاصة بهم قطعاً، وقيل: الكل لمن وإسناد خواص الكفرة إلى الجميع من قبيل بنو فلان فعلوا كذا والفاعل بعض منهم، وفيه بحث. وقرأ السلمي - إيان - بكسر الهمزة وهي لغة بني سليم.
ابن عاشور
تفسير : لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام. ويؤمن بذلك المشركون. وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله {إلا الله.} وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام. وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض. فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها. وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب} في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب. واستثناء {إلا الله}منه لتأويل {من في السماوات والأرض} بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي. فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى. وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى. ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة {من في السماوات والأرض} لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض. وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26، 27]. فأضاف (غيب) إلى ضمير الجلالة. وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه. فذلك موقع قوله {وما يشعرون أيان يبعثون،} أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم. و{أيان} اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل {يشْعرون} عن العمل في مفعوليه. وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته. و{بل} للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم بــــ{ما يشعرون أيان يبعثون} وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك. وقرأ الجمهور {إدَّارك} بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله (تدارك) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيهما بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن. قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدّرك بفتحتين وهو اللحاق. وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف. والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضاً. وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه {أية : وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين}تفسير : [النمل: 67 ــــ 68]. وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين (81) {أية : بل قالوا مثل ما قال الأولون}تفسير : . الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة. وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله. وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون {ادارك}مبالغة في (أدْرَك) ومفعوله محذوفاً تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف (في) على أصله من الظرفية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر {بل أدرك} بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة. يقال: أدرك، إذا فني. وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس». وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال: أدرك الشيء إذا فني. وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات. قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها. فحاصل المعنى على قراءة الجمهور {وما يشعرون أيان يبعثون} وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة. وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة. أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً. وأما جملة {بل هم في شك منها}فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة. و(من) للابتداء المجازي، أي في شك ناشىء عن أمر الآخرة. وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم. وجملة {بل هم منها عمون} ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة. و{عمون}: جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى. وقال زهير:شعر : وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدً عم تفسير : فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس. و(من) في قوله {منها عمون} للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشىء لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم. وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق بــــ{عمون}. وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة. وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله {بل هم في شك منها}. وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد. ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور {أدّارك} من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول. وضمائر جمع الغائبين في قوله {يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون} عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}. و(من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي. والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً. ومنه قوله تعالى {أية : وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن}تفسير : [البقرة: 228] فإن ضمير {بعولتهن} عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن}تفسير : [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن. وبهذا تعلم أن التعبير بــــ{أية : الذين كفروا}تفسير : [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله {لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب}.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] الآية، وفي مواضع أخر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من في السماوات والأرض: الملائكة والناس. الغيب إلا الله: أي ما غاب عنهم ومن ذلك متى قيام الساعة إلا الله فإنه يعلمه. أيَّان يبعثون: أي متى يبعثون. بل ادارك علمهم في الآخرة: أي تلاحق وهو ما منهم أحد إلا يظن فقط فلا علم لهم بالآخرة بالمرة. بل هم منها عمون: أي في عمى كامل لا يبصرون شيئاً من حقائقها. أئنا لمخرجون: أي أحياء من قبورنا. لقد وعدنا هذا: أي البعث أحياء من القبور. أساطير الأولين: أي أكاذيبهم التي سطروها في كتبهم. كيف كان عاقبة المجرمين: أي المكذبين بالبعث كانت دماراً وهلاكاً وديارهم الخاوية شاهدة بذلك. معنى الآيات: قوله تعالى: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} لما سأل المشركون من قريش النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة أمره تعالى أن يجيبهم بهذا الجواب {قُل لاَّ يَعْلَمُ} الخ.. والساعة من جملة الغيب بل هي أعظمه. {مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ} من الملائكة {وٱلأَرْضِ} من الناس {إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لكن الله تعالى يعلم غيب السماوات والأرض أما غيره فلا يعلم إلا ما علمه الله علام الغيوب. وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي وما يشعر أهل السماوات وأهل الأرض متى يبعث الأموات من قبورهم للحساب والجزاء وهذا كقوله تعالى في سورة الأعراف. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} تفسير : [الآية: 187]. وقوله تعالى: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} قرئ (بل أَدْرَكَ علمهم في الآخرة) أي بلغ حقيقته يوم القيامة إذ يصبح الإِيمان بها الذي كان غيباً شهادة ولكن لا ينفع صاحبه يومئذ. وقرئ (بل ادارك علمهم) أي علم المشركين بالآخرة. أي تلاحق وأدرك بعضه بعضاً وهو أنه لا علم لهم بها بالمرة. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي لا يرون شيئاً من دلائلها، ولا حقائقها بالمرة ويدل على هذا ما أخبر به تعالى عنهم من أنهم لا يؤمنون بالساعة بالمرة في قوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي من قبورنا أحياء. والاستفهام للانكار الشديد ويؤكدون إنكارهم هذا بقولهم: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ} أي من قبل أن يعدنا محمد. {إِنْ هَـٰذَآ} أي الوعد بالبعث والجزاء {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أكاذيبهم وحكاياتهم التي يسطرونها في الكتب ويقرأونها على الناس. وقوله تعالى في آخر آية من هذا السياق [69] {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا رسولنا سيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً أو غرباً {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي أهلكناهم لما كذبوا بالبعث كما كذبتم، فالقادر على خلقهم ثم إماتتهم قادر قطعاً على بعثهم وإِحيائهم لمحاسبتهم وجزائهم بكسبهم. فالبعث إذاً ضروري لا ينكره ذو عقل راجح أبداً. هداية الآيات: من هدية الآيات: 1- حصر علم الغيب في الرب تبارك وتعالى. فمن ادعى أنه يعلم ما في غد فقد كذب. 2- تساوي علم أهل السماء والأرض في الجهل بوقت قيام الساعة. 3- المكذبون بيوم القيامة سيوقنون به في الآخرة ولكن لا ينفعهم ذلك. 4- إهلاك الله الأمم المكذبة بالبعث بعد خلقهم ورزقهم دليل على قدرته تعالى على بعثهم لحسابهم وجزائهم.
القطان
تفسير : أيان يُبعثون: متى يبعثون للحساب والجزاء. ادّارك: تدارك تلاحق. في شكل: في حيرة. عَمُون: عميان. أساطير: خرافات. رَدِف لكم: لحق بكم. تكنّ: تخفي. قل ايها الرسول للناس: لا يعلم جميعُ من في السماوات والارض الغيبَ غير الله وحده، ولا يعرفون متى يبعثون من قبورهم يوم القيامة. ثم اكّد الله جهلهم بهذا اليوم فقال: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} بل تلاحقَ علمُهم في الآخرة من جهل الى شك وحيرة، بل هم في ضلال وجهلٍ عظيم من أمرها. وقال الذين كفروا: أإذا استحالت اجسادُنا الى تراب نحن وآباؤنا، هل نخرج من قبورنا لحياة اخرى؟ لقد وعدنا الرسلُ هذا ووعدا آباءنا قبلنا، لكنّ هذا خرافات القدماء يتناقلونها. ثم أمر رسوله الكريم ان يرشدهم الى وجه الصواب مع التهديد والوعيد فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} تقدم مثل هذه الآية في آل عمران 137. ثم سلّى رسوله عليه الصلاة والسلام على ما يناله من عماهم عن السبيل القويم الذي يدعو اليه فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}. وتقدمت هذه الآية في النحل 127. ويقول الكافرون: متى يتم الوعد المنذِرُ بحلول العذاب ان كنتم صادقين؟. {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} قل ايها الرسول: عسى ان يكون قد لحق بكم وقرُب منكم بعض ما تستعجلونه من العذاب. ثم بين الله السبب في ترك تعجيل العذاب فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} ان ربك لهو المنعِم المتفضل على الناس جميعا بتأخير عقوبتهم ليتوبوا، ولكن اكثر الناس لا يشكرونه على ذلك. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} ان الله يعلم كل ما يفكر فيه الانسان ويكتمه في صدره، وكلّ ما يعلنه من الأقوال والأفعال. ثم بين ان كل ما يحصل في هذا الوجود محفوظٌ في كتاب واضح دقيقٍ لا يغادر كبيرةً ولا صغيرة الا أحصاها. قراءات: قرأ الجمهور: بل ادّارك بتشديد الدال المفتوحة بعدها الف. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ابو جعفر: بل أدْرك باسكان الدال وبدون الف بعدها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاواتِ} (65) - يَأْمُرُ الله تَعالى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم بأَنْ يُعْلِمَ الخَلاَئِقَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَهلِ السَّماواتِ والأَرضِ الغَيبَ، وإِنَّما يعلَمُهُ اللهُ وَحْدَهُ، وَعِنْدَهُ وَحْدَهُ مَفَاتِيحُ الغَيبِ، لاَ يعلَمُها إلاَّ هُو، وَلا يَشْعُرُ الخَلاَئِقُ المَوْجُودُونَ في السَّماواتِ والأَرْضِ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ ومَتَى يَبْعَثُ اللهُ الأَمواتَ مِنْ قُبُورِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كما قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [الأنعام: 59]. والغيب: كلّ ما غاب عن إدراكك وحِسِّك، لكن مرة يكون الغيب غيباً إضافياً يغيب عنك، ولا يغيب عن غيرك، فأنا لا أعرف مثلاً ما في جيوبكم لكن أنتم تعرفون، والذي سُرِق منه شيء وأخفاه السارق، فالمسروق منه لا يعلم أين هو، لكن السارق يعلم. وإما يكون الغيب غيْباً مطلقاً، وهو ما غاب عنّا جميعاً وهو قسمان: قسم يغيب عنا جميعاً، لكن قد نكتشفه ككل الاكتشافات التي اهتدى إليها البشر. وهذه يكون لها مقدمات تُوصِّل إليها، وهذا غيب نصف إضافي؛ لأنه غيب اليوم لكن نراه مشهداً بعد ذلك، فلا يكون غيباً. ومثال ذلك: تمرين الهندسة الذي نعطيه للأولاد بمقدِّمات ومعطيات، يُعمِلون فيها عقولهم حتى يتوصلوا إلى الحل المطلوب، وهذا النوع يقول الله عنه: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..}تفسير : [البقرة: 255]. فإذا شاء الله وجاء ميلاد هذا الغيب أطلعهم الله تعالى على المقدمات التي توصِّل إليه، إما بالبحث، وإما حتى مصادفة، وهذا يؤكده قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53]. ومن الغيب المطلق غَيْب حقيقي، لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا الله فقد استقل سبحانه وتفرَّد بمعرفته، وهذا الغيب يقول تعالى عنه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..}تفسير : [الجن: 26-27]. ومن هذا الغيب المطلق قضية القيامة {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} [النمل: 65] فالقيامة لا يعلم وقتها إلا الله سبحانه، إلا أنه جعل لها مُقدِّمات وعلامات تدلُّ عليها وتُنبىء بقُرْبها. قال عنها: {أية : أَكَادُ أُخْفِيهَا ..}تفسير : [طه: 15] البعض يظن أن {أية : أُخْفِيهَا ..}تفسير : [طه: 15] يعني: أداريها وأسترها، لكن المعنى ليس كذلك {أية : أُخْفِيهَا ..}تفسير : [طه: 15] يعني: أزيل خفاءها، ففرْق بين خَفى الشيء وأخفاه: خَفَى الشيء عني: ستره وداراه، أما أخفاه فيعني: أظهره، وهذه تُسمَّى همزة الإزالة، مثل: أعجم الشيء يعني: أزال عُجْمته. ومنه المعجم الذي يُوضِّح معاني المفردات. وكما تكون الإزالة بالهمزة تكون بالتضعيف. نقول: مرض فلان يعني: أصابه المرض، ومرَّض فلاناً يعني: عالجه وأزال مرضه، ومنه: قشَّر البرتقالة: يعني أزال قشرها. فالمعنى {أية : أَكَادُ أُخْفِيهَا ..}تفسير : [طه: 15] أي: أكاد أُظهِرها، ألاَ ترى أن للساعة علامات كبرى وعلامات صغرى، نرى بعضها الآن، وتتكشف لنا من الأيام علامة بعد أخرى. لكن يظل للقيامة وقتها الذي لا يعلمه إلا الله؛ لذلك يقول عنها: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [الأعراف: 187]. والنبي صلى الله عليه وسلم يفتخر بأنه لا يعلم موعدها، فيقول حين سُئِل عنها: "حديث : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". تفسير : فشَرفٌ لرسول الله ألاَّ يعلم شيئاًَ استأثر الله بعلمه، والقيامة غَيْبٌ مطلق لم يُعْطِ الله مفاتحه لأحد حتى الرسل. وقد يُكرِم الله تعالى بعض خَلْقه، ويُطلِعه على شيء من الغيب، ومن ذلك الغيبيات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون لها مُقدِّمات توصِّل إليها، فلا بُدَّ أنها أتته في وحي القرآن، كما في قوله تعالى: {أية : الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِين ..}تفسير : [الروم: 1-4]. وكان الروم أقرب إلى الله؛ لأنهم أهل كتاب، وكان الفرس كفاراً يعبدون النار، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته يتمنْون انتصار الروم على الفرس، فنزل الوحي على رسول الله يخبره {أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ}تفسير : [الروم: 2] لكنهم في النهاية {أية : سَيَغْلِبُونَ}تفسير : [الروم: 3] ولولا أن الله تعالى حدد غلبهم {أية : فِي بِضْعِ سِنِينَ ..}تفسير : [الروم: 4] لكان انتصارهم دائماً، لكن مَنْ يستطيع تحديد مصير معركة بين قوتين عُظميين بعد بضع سنين إلا الله؟ ولأن انتصار الروم يُفرِح المؤمنين بالله، قال سبحانه: {أية : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الروم: 4-5]. وتشاء قدرة الله أنْ يأتيَ انتصار الروم على الفرس في نفس اليوم الذي انتصر فيه المؤمنون على الكافرين في بدر. ومن الغيب الذي يفيض الله به على عبد من عباده ما حدث من الصِّديق أبي بكر - رضي الله عنه - وقد أعطى ابنته عائشة - رضي الله عنها - مالاً، فلما حضرتْه الوفاة قال لها: هاتي ما عندك من المال، إنما هما أخواك وأختاك: أخواك هما محمد وعبد الرحمن، وأختاك: لا نعلم أن لعائشة أختاً غير أسماء، فمن هي الأخرى؟ كان الصِّديق قد تزوج من ابنة خالته وكانت حاملاً، لكن الحق - تبارك وتعالى - تجلى عليه وألهمه أنها ستُنجب بنتاً تنضم إلى عائشة وأسماء. وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] أي: كما أننا لا نشعر بالموت ولا نعرف ميعاده، كذلك لا نشعر بالبعث، ولا متى سنُبعث. ثم يقول الحق سبحانه: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ} معناه مَتى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض كقوله تعالى: {أية : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } تفسير : وكقوله: {أية : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ } تفسير : إلى آخر السورة. فهذه الغيوب ونحوها اختص الله بعلمها فلم يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه فقال: { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي: وما يدرون { أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي: متى البعث والنشور والقيام من القبور أي: فلذلك لم يستعدوا. { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ } أي: بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم قوي ولا ضعيف وإنما { هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } أي: من الآخرة، والشك زال به العلم لأن العلم بجميع مراتبه لا يجامع الشك، { بَلْ هُمْ مِنْهَا } أي: من الآخرة { عَمُونَ } قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال بل أنكروها واستبعدوها، ولهذا قال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ } أي: هذا بعيد غير ممكن قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة. { لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا } أي: البعث { نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ } أي: فلم يجئنا ولا رأينا منه شيئا. { إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: قصصهم وأخبارهم التي تقطع بها الأوقات وليس لها أصل ولا صدق فيها. فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة ثم الإخبار بضعف علمهم فيها ثم الإخبار بأنه شك ثم الإخبار بأنه عمى ثم الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه. أي: وبسبب هذه الأحوال ترحل خوف الآخرة من قلوبهم فأقدموا على معاصي الله وسهل عليهم تكذيب الحق والتصديق بالباطل واستحلوا الشهوات على القيام بالعبادات فخسروا دنياهم وأخراهم. ثم نبههم على صدق ما أخبرت به الرسل فقال: { قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } فلا تجدون مجرما قد استمر على إجرامه، إلا وعاقبته شر عاقبة وقد أحل الله به من الشر والعقوبة ما يليق بحاله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):