٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلِ } بمعنى هل {ٱدَّٰرَكَ } بتشديد الدال وأصله( تدارك) أبدلت التاء دالاً وأدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل تتابع وتلاحق وفي قراءة (أدرك) بوزن أكرم ) أي بلغ ولحق{عِلْمُهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ } أي بها حتى سألوا عن وقت مجيئها، ليس الأمر كذلك {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } من عمى القلب وهو أبلغ مما قبله والأصل عميون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها.
ابن عبد السلام
تفسير : {ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} هذا ذم أي غاب علمهم "ع"، أو لم يدرك علمهم، أو اضمحل أو ضل، أو هو مدح لعلمهم وإن كانوا مذمومين أي أدرك علمهم، أو أجمع، أو تلاحق.
النسفي
تفسير : {بَلِ ٱدّرَكَ} {أدرك} مكي وبصري ويزيد والمفضل أي انتهى وتكامل من أدركت الفاكهة تكاملت نضجاً {بَلِ ٱدارَكَ} عن الأعشى افتعل. {بَلِ ادّارك} غيرهم استحكم وأصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وزيد ألف الوصل ليمكن التكلم بها {عِلْمُهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ } أي في شأن الآخرة ومعناها، والمعنى أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته وهم شاكون جاهلون وذلك قوله {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى. وقد جعل الآخرة مبتدأ عماهم ومنشأة فلذا عداه بـــــ «من» دون «عن» لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التدبر والتفكر. ووجه ملاءمة مضمون هذه الآية ــ وهو وصف المشركين ــ بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب وأن العباد لا علم لهم بشيء منه، أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب وكان هذا بياناً لعجزهم ووصفاً لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزاً أبلغ منه وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. وجاز أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس «ما أعلمك» على سبيل الهزؤ وذلك حيث شكوا عموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك فضلاً أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته، ويجوز أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولك «أدركت الثمرة» لأن تلك غايتها التي عندها تعدم، وقد فسرها الحسن بإضمحل علمهم في الآخرة. وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {بل ادارك علمهم في الآخرة} قال: حين لم ينفع العلم. وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ "بل ادرك علمهم في الآخرة" قال: لم يدرك علمهم قال أبو عبيد: يعني أنه قرأها بالاستفهام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس "بل ادرك علمهم في الآخرة" يقول: غاب علمهم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {بل ادارك علمهم في الآخرة} قال: ام ادرك علمهم {أية : أم هم قوم طاغون}تفسير : [الذاريات: 53] بل هم قوم طاغون. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {بل ادارك علمهم} مثقلة مكسورة اللام على معنى تدارك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {بل ادارك علمهم في الآخرة} قال: تتابع علمهم في الآخرة بسفههم وجهلهم {بل هم عنها عمون} قال: عموا عن الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرأ "بل ادرك علمهم في الآخرة" قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة. وفي قوله {فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} قال: كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {عسى أن يكون ردف لكم} قال: اقترب لكم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {عسى أن يكون ردف لكم} قال: اقترب منكم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {عسى أن يكون ردف لكم} قال: عجل لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ردف لكم} قال: أزف لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج {ردف لكم بعض الذي تستعجلون} قال: من العذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} قال: يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وليعلم ما تكن صدورهم} قال: السر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب} يقول: ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {وما من غائبة} يقول: ما من قولي ولا عملي في السماء والأرض إلا وهو عنده {في كتاب} في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض.
القشيري
تفسير : فهم في الجملة يَشُكُّون فيه؛ فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه.. وهكذا حُكْمُ كلِّ مريضٍ القلب، فلا حياةَ له في الحقيقة، ولا راحةَ له من يأسه، إذ هو من البعث في شكٍّ، ومن الحياة الثانية في استبعاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {بل ادارك علمهم فى الآخرة} اصله تدارك فابدلت التاء دالا واسكنت للادغام واجتلبت همزة الوصل للابتداء ومعناه تلاحق وتدارك. قال فى القاموس جهلوا علمها ولا علم عندهم من امرها انتهى وهو قول الحسن وحقيقته انتهى علمهم فى لحوق الآخرة فجهلوها كما فى المفردات. وقال بعضهم تدارك وتتابع حتى انقطع من قولهم تدارك بنوا فلان اذا تتابعوا فى الهلاك فهو بيان لجهلهم بوقت البعث مع تعاضد اسباب المعرفة. والمعنى تتابع علمهم فى شأن الآخرة حتى انقطع ولم يبق لهم علم شىء مما سيكون فيها قطعا لكن لا على انه كان لهم علم بذلك على الحقيقة ثم انتفى شيئا فشيئا بل على طريقة المجاز بتنزيل اسباب العلم ومباديه من الدلائل العقلية والسمعية منزلة نفسه واجراء ساقطها عن اعتبارهم كلما لاحظوها مجرى تتابعها الى الانقطاع وتنزيل اسباب العلم بمنزلة العلم سنن مسلوك ثم اضرب وانتقل من بيان علمهم بها الى بيان ماهو اسوأ منه وهو حيرتهم فى ذلك حيث قيل {بل هم فى شك منها} من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير فى امر لايجد عليه دليلا فضلا عن الامور التى ستقع فيها ثم اضرب عن ذلك الى بيان ان ماهم فيه اشد وافظع من الشك حيث قيل {بل هم منها عمون} جاهلون بحيث لايكادون يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم بالكلية جمع عم وهو اعمى القلب. قال فى المفردات العمى يقال فى افتقاد البصر وافتقاد البصيرة ويقال فى الاول اعمى والثانى عمى وعم وعمى القلب اشد ولااعتبار لافتقاد البصر فى جنب افتقاد البصيرة اذ رب اعمى فى الظاهر بصير فى الباطن ورب بصير فى الصورة اعمى فى الحقيقة كحال الكفار والمنافقين والغافلين وعلاج هذا العمى انما يكون بضده وهو العلم الذى به يدرك الآخرة وما تحيه من الامور. قال سهل بن عبدالله التسترى قدس سره ما عصى الله احد بمعصية اشد من الجهل قيل ياابا محمد هل تعرف شيئا اشد من الجهل قال نعم الجهل بالجهل فالجهل جهلان جهل بسيط هو سلب العلم وجهل مركب هو خلافه والاول ضعيف والثانى قوى لايزول الا ان يتداركه الله تعالى: قيل شعر : سقام الحرص ليس له شفاء وداء الجهل ليس له طبيب تفسير : وقيل شعر : وفى الجهل قبل الموت لاهله واجسامهم قبل القبور قبور وان امرأ لم يحيى بالعلم ميت وليس له حين النشور نشور اى كه دارى هنرندارى مال مكن از كردكار خود كله نعمت جهل را مخواه كه هست روضه درميان مزبله تفسير : اللهم اجعلنا من العلماء ورثة الانبياء
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قرأ الجمهور: "ادّارَكَ" بالمد، وأصله: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، ودخلت همزة وصل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "ادّرك"، وأصله: افتعل، بمعنى تفاعل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "أدرك" أفعل. يقول الحق جل جلاله: {بل ادّارك} أي: تدارك وتناهى وتتابع أسباب {عِلْمُهم في الآخرة} أي: بالآخرة، أو: في شأنها، بما ذكرنا لهم من البراهين القطعية، والحجج العقلية، على كمال قدرتنا. ومع ذلك لم يحصل لهم بها يقين، {بل هم في شكٍّ منها}، والمعنى: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكّنوا من معرفته, بما تتابع لهم من الدلائل. زمع ذلك لم يحصل لهم شيء من علمها، بل شكّوا. أو: أدرك علمهم، بمعنى: يدركهم في الآخرة حين يرون الأمر عياناً، ولا ينفعهم ذلك. قاله ابن عباس وغيره. {بل هم} اليوم {في شكٍّ منها بل هم منها عَمُونَ} لا يُبصرون دلائلها، ولا يلتفتون إلى العمل لها. والإضرابات الثلاثة تنزيل لأحوالهم، وتأكيد لجهلهم. وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة مع تتابع أسباب علمها، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو اسوأ حالاً، وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذا عداه بـ "من" دون "عن"؛ لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التفكر والتدبر. ووجه اتصال مضمون هذه الآية – وهو وصف المشركين – بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله، وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء بذلك: هو أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، وكان هذا بياناً لعجزهم، ووصفاً لقصور علمهم، وصل به أن عندهم عجزاً أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه – وهو وقت بعثهم، ومجازاتهم على أعمالهم: لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه، لا محالة. هـ. قاله النسفي. {وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرَجُونَ} أي: أنُخرج من القبور أحياء إذا صرنا تراباً وآباؤنا. وتكرير الاستفهام في "أئذا" و"أَئِنا" في قراءة عاصم، وحمزة؛ وخلف، إنكار بعد إنكار، وجحود بعد جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في (إذا): مادلّ عليه {لمخرجون} وهو: نُخرج، لا مخرجون، لموانع كثيرة. والضمير في "أئنا" لهم ولآبائهم. {لقد وُعِدْنَا هذا} البعث {نحن وآباؤنا من قبلُ}؛ من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قدّم هنا "هذا" على "نحن" وفي المؤمنون قدّم "نحن"؛ ليدل هنا أن المقصود بالذكر هو البعث وثمَّ المبعوث؛ لأن هنا تكررت أدلة البعث قبل هذا القول كثيراً، فاعتنى به بخلاف "ثم". ثم قالوا: {إنْ هذا إلا أساطيرُ الأولينَ}: ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم. وقد كذبوا، ورب الكعبة. الإشارة: العلم بالآخرة يَقْوى بقوة العلم بالله، فكلما قوي اليقين في جانب الله قوي اليقين في جانب ما وعد الله به؛ من الأمور الغيبية، فأهل العلم بالله الحقيقي أمور الآخرة عندهم نُصب أعينهم، واقعة في نظرهم؛ لقوة يقينهم. وانظر إلى قول حارثة رضي الله عنه حين "حديث : قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة إيمانك؟ "فقال: يا رسول الله؛ عزَفَتُ الدنيا من قلبي، فاستوى عندي وذهبها ومدرها. ثم قال: وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار يتعاوون فيها، فقال له صلى الله عليه وسلم: "قد عرفت فالزمْ، عبدٌ نوّر الله قلبَه"تفسير : . اللهم نَوِّر قلوبنا بأنوار معرفتك الكاملة، حتى نلقاك على عين اليقين وحق اليقين. آمين. ثم أمرهم بالاعتبار بمن قبلهم، فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير، وأهل البصرة بل {أدراك} بقطع الهمزة، يقال: تدارك زيد أمره وأدارك بمعنى واحد، ومثله {أية : إنا لمدركون} تفسير : وقد شدد الاعرج وروى السموني - بكسر اللام - ووصل الهمزة وتشديد الدال من غير ألف. الباقون {بل ادارك} بمعنى تتابع علمهم وتلاحق حتى كمل. والمعنى بل ادارك في الآخرة أي حين لم ينفعهم اليقين مع شكهم في الدنيا - على ما ذكره ابن عباس - وقيل: انه قرأ {بلى ادارك} وادارك العلم لحاق الحال التي يظهر فيها معلومه، ففي الآخرة يظهر الحق بما يرى من الأمور التي من شأنها أن يقع عندها علم بمقتضى ما يحدث من عظم الأمور وقيل: معنى {بل} ها هنا (هل) فكأنه قال: هل ادارك علمهم، ومعناه انهم لا يعلمون الآخرة {بل هم في شك منها} ومن شدد الدال قال أصله تدارك فأدغموا التاء في الدال وقلبوا ألف الوصل. وقرأ اهل المدينة {إذا} على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام، ويحقق الهمزتين ابن عامر وأهل الكوفة وروح، إلا أن هشاماً يفصل بينهما بالف، وابن كثير وابو عمرو ورويس يخففون الأولى ويلينون الثانية. ويفصل بينهما بالف أبو عمرو، واما {أئنا} فقراءته على الخبر، وزاد فيه نوناً ابن عامر والكسائي. الباقون بهمزتين وخففهما عاصم وحمزة وخلف وروح. الباقون يخففون الأولى ويلينون الثانية، ويفصل بينهما بالف أهل المدينة إلا ورشاً، وابو عمرو. وقد مضى تعليل هذه القراءات فيما مضى. لما اخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لا يشعرون متى يحشرون يوم القيامة وانهم ساخرون في ذلك، أخبر انهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة حين يبعثهم الله، وانه لا ينفعهم علمهم في ذلك الوقت مع شكهم في دار الدنيا. وأخبر انهم في شك من البعث في دار الدنيا، وأنهم عمون عن معرفة حقيقته. وهو جمع (عمى) وشبه جهلهم بذلك بالعمى، لان كل واحد منها يمنع بوجوده من ادراك الشيء على ما هو به، لأن الجهل مضاد العلم، والعمى مناف للرؤية. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا متعجبين من البعث والنشور {أئذا كنا تراباً} ويكون {آباؤنا} تراباً ايضاً {ائنا لمخرجون} من قبورنا ومبعوثون، يقولون ذلك مستهزئين منكرين. ثم اخبر انهم يحلفون ويقولون {لقد وعدنا هذا} البعث {نحن} فيما مضى وكذلك وعد به {آباؤنا} ولم نعرف حقيقة ذلك، ثم حكى انهم يقولون ليس {هذا إلا أساطير الأولين} وانما اشتبه عليهم النشأة الثانية لطول المدة في النشأة الاولى على مجرى العادة، ولو نظروا في أن من اجرى هذه العادة حكيم، وانه قادر على نقض العادة، كما قدر على اجرائها لزالت شبهتهم. ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} لأنهم يرون آثار آبائهم وكيف أهلكهم الله وخرب ديارهم كعاد وثمود وغيرهم، فيعلمون عند ذلك صحة ما قلناه، ولا يأمنوا أن يحل بهم مثل ما حل بهم. ثم نهى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يحزن عليهم ويتأسف على تركهم الايمان وأن لا يكون في ضيق نفسه {مما يمكرون}، فان وبال مكرهم عائد عليهم.
الجنابذي
تفسير : {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} اى يفنى علمهم فى الآخرة او يتكامل ويتلاحق علمهم فى الآخرة او فنى علمهم فى حقّ الآخرة بمعنى انّهم لا يعلمون شيئاً من الآخرة او تلاحق اسباب علمهم فى حقّ الآخرة من الآيات والعلامات الدّالّة على وجود الآخرة، قرئ بل ادّارك مغيّر تفاعل وبل ادرك من باب الافعال، وبل ادّرك من الافتعال وبل درك بفتح الّلام وسكون الدّال الخفيفة من باب الافعال بنقل حركة الهمزة الى الّلام وحذفها وبل اءدرك وبل اتدارك وبلى ادرك وبلى اءدرك وام ادرك وام تدارك {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا} اى من الآخرة {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} فانّ الشّاكّ فى شيءٍ يتصوّر ذلك الشّيء ثمّ يشكّ فى ثبوته او يثبته او ينفيه وهؤلاء كانوا عمياناً من امر الاخرة لا يدركونها لا بالتّصوّر ولا بالتّصديق، وترتّب الاضرابات ووجه ترتّبها بحسب معانى الادراك موكول الى ذوق النّاظر.
اطفيش
تفسير : {بَلِ أدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} الأصل تدارك أبدلت التاء دالا وسكنت وأدغمت في الدال فجيء بهمزة الوصل فانما وزنه تفاعل لا افاعل وهذه قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي أي تتابع علمهم حتى استحكم او تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان اذا تتابعوا في الهلاك او انتهى بأن يتحقق في الآخرة فلا يكذبون فيها وهو تفسير ابن عباس والزجاج وقريء بل تدارك على الاصل والمعنى واحد وذلك أن القيامة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون كما قال الله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكِّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا} أي عنها. {عَمُونَ} لا يدركون دليلها أو من للابتداء فان اتصافهم بالعمى جاء لهم من قبل أمر الآخرة وعمون جمع عم بتخفيف الميم كفرح لكن حذفت الياء منه كحذفها من قاض ولما ذكر ان العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث ووقته وكان هذا بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه وهو انهم يقولون للكائن الذي لا بد من كونه وهو البعث للجزاء لا يكون مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به أو وصفهم باستحكام العلم تهكما بهم كما تقول للأجهل: ما اعلمك، حيث شكوا في البعث انه أمر واضح فكيف يعرفون وقته الذي لا طريق الى معرفته واذا رددنا الضمير للكفرة فلا اشكال وان رددناه الى من في السماوات والأرض فالحكم على من فيهن بالتدارك والشك والعمي حكم على المجموع ومحطه الكفرة كما تقول: بنوا فلان يفعلون كذا. وقرأ عاصم (بل ادرك) باسقاط الألف بوزن افتعل اصله اذ ترك ابدلت التاء دالا وادغمت فيه الدال ومعناهما قد مر، ويقال الدرك بمعنى انتهى وادركت الثمرة بلغت الأوان الذي تقطع فيه وقد فسره الحسن باضمحل وقرأ (بل ادرك) بالنقل وتركه، بوزن اكرم بمعنى انتهى ايضا وهي رواية عن ابن كثير وابي عمرو بترك النقل وهمزته قطع والهمزات في القرآن السابقة وصل وقريء (بل ادراك) بضم الكاف وتشديد الدال بوزن الافتعال ابدلت التاء دالا وادغمت فيها الدال وهو مبتدأ وهمزته للوصل والخبر قوله (في الآخرة) أي ادراك علمهم في أمر الآخرة او تناهيه في الآخرة بأن يتحقق عند القيامة وقريء (بل ادراك) بهمزة الاستفهام وهمزة ادرك بوزن اكرم بتحقيق وبتسهيل وبادخال الف بينهما وبل ادرك بالاستفهام والتشديد وحذف همزة الوصل من بين همزة الاستفهام والدال بالنقل وتركه في هذه القراءة والتي قبلها بأوجهها والاستفهام انكار لادراك علمهم وقريء (بل ادرك) بتخفيف وبالتشديد و (بلي تدارك) و (ام ادرك) بالتشديد و (ام تدارك) وام بمعنى بل والهمزة وجه القراءة ببلى انه أثبتَ بها ما نفي بقوله (وما يشعرون) على التهكم مبالغة في النفي وفسر هذا المثبت بقوله {ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الآخِرَةِ} وبل بعد ذلك اضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على ان شعورهم بها انهم شاكون بل عمون او ردا لشعورهم او المعنى ان شعورهم به وقت الآخرة انهم لا يعلمون وقتها ووجه القراءة ببلى مع الاستفهام ان المعنى بلى يشعرون متى يبعثون ثم انكر علمهم بكونه لم يحصل لهم شعور بوقته لان العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن في الآخرة في شأن الآخرة ومعناها، والاضرابات الثلاث تنزيل لا حوالهم والأول إضراب عن نفي الشعور بوقت القيامة عنهم وقيل: (في) بمعنى (الباء) أي بتحقق علمهم ويثبت بالآخرة.
اطفيش
تفسير : {بل ادَّاركَ} تدارك أدغمت التاء فى الدال فجىء بهمزة الوصل السكون اول الكلمة {عِلْمهُم فى الآخرِةِ} متعلق بعلم أى بشأن الآخرة ولكن نزل دلائل العلم بالآخرة منزلة العلم واعراضهم عنها منزلة التدارك وهو التساقط مطلقا، أو مع اهلاك يقال تداركوا تتابعوا، وتلاحقوا فى امر مطلقا، وتداركوا تتابعوا فى الهلاك، أو يقدر إدراك أسباب علمهم، أو متعلق بقوله: {ادّارك} تلاحق علمهم بصحة البعث إذا بعثوا بعد إذ ضيعوه فى الدنيا، أو إدراك استحكم علمهم فيه، والمضى على الوجهين لتحقق الوقوع. {بَلْ هُم فى شكٍّ} حيرة عظيمة {مِنْها} من شأن الآخرة أو فيه {بلْ هُم منها عَمُون} أى عنها، أو من للابتداء بجعل أمر الآخرة مبدأ عما هم، والمراد بل هم من دلائلها، أو عن الحق مطلقا، فيدخل دلائلها أولا، وقدم عما بعده للفاصلة، وعلى طريق الاهتمام، وتدارك علمهم فى الآخرة مؤكد لعدم اعترافهم ولا فحشة، والشك فى الشىء بعد استشعاره أقبح من مطلق عدم العلم به والعمى، مع وضوح الدلائل أقبح من الشك.
الالوسي
تفسير : {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره، وأصل {ٱدَّارَكَ} تدارك فأدغمت التاء في الدال فسكنت فاجتلبت همزة الوصل وهو من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك وهو مراد من فسر التدارك هنا بالاضمحلال والفناء، وإلا فأصل التدارك التتابع والتلاحق مطلقاً، {وَفِي ٱلأَخِرَةِ } متعلق - بعلمهم - والعلم يتعدى بفي كما يتعدى بالباء، وهي حينئذٍ بمعنى الباء كما نص عليه الفراء وابن عطية وغيرهما، والمعنى بل تتابع علمهم في شأن الآخرة التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها حتى انقطع وفنى ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعاً مع توفر أسبابه فهو ترق عن وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش، وليس تدارك علمهم بذلك على معنى أنه كان لهم علم به على الحقيقة فانتفى شيئاً فشيئاً، بل على طريقة المجاز بتنزيل أسباب العلم ومباديه من الدلائل العقلية والسمعية منزلة نفسه، وإجراء تساقطها عن درجة اعتبارهم كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع. وجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي ـ ادّارك ـ أسباب علمهم، والتدارك مجاز عما ذكر من التساقط. وقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا } إضراب وانتقال عن عدم علمهم بها إلى ما هو أفحش منه على نحو ما مر وهو حيرتهم في ذلك أي بل هم في شك عظيم من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلاً فضلاً عن الأمور التي ستقع فيها، وقوله سبحانه: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } إضراب وانتقال عن وصفهم بكونهم شاكين إلى وصفهم بما هو أفظع منه وهو كونهم عمياً قد اختلت بصائرهم بالكلية بحيث لا يكادون يدركون طريق العلم بها وهو الدلائل الدالة على أنها كائنة لا محالة، فالمراد عمون عن دلائلها أو عمون عن كل ما يوصلهم إلى الحق ويدخل فيه دلائلها دخولاً أولياً، و {مِنْهَا } متعلق - بعمون - قدم عليه رعاية للفواصل، ولعل تعديته بمن دون عن لجعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، والكفر بالعاقبة والجزاء يدع الشخص عاكفاً على تحصيل مصالح بطنه وفرجه لا يتدبر ولا يتبصر فيما عدا ذلك. وجوز أن يكون {ٱدَّارَكَ} بمعنى استحكم وتكامل ووصفهم باستحكام علمهم بذلك وتكامله من باب التهكم بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل الهزء، ومآل التهكم المذكور نفي علمهم بذلك كما في الوجه السابق لكن على الوجه الأبلغ، والإضرابان من باب الترقي من الوصف بالفظيع إلى الوصف بالأفظع نحو ما تقدم وهو وجه حسن، ويشعر كلام بعض المحققين بترجيحه على ما ذكرنا أولاً. وجوز أيضاً أن يكون المراد - بالادّراك - الاستحكام لكن على معنى استحكم أسباب علمهم بأن القيامة كائنة لا محالة من الآيات القاطعة والحجج الساطعة وتمكنوا من المعرفة فضل تمكن وهم جاهلون في ذلك، وفيه / أن دلالة النظم الكريم على إرادة وهم جاهلون ليست بواضحة. وقال الكرماني: التدارك التتابع، والمراد بالعلم هنا الحكم والقول؛ والمعنى بل تتابع منهم القول والحكم في الآخرة وكثر منهم الخوض فيها، فنفاها بعضهم وشك فيها بعضهم واستبعدها بعضهم وفيه ما فيه. وقيل: إن {في الآخرة} متعلق - بادّارك - وإليه ذهب الزجاج والطبرسي، واقتضته بعض الآثار المروية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمعنى على هذا عند بعضهم بل استحكم في الآخرة علمهم بما جهلوه في الدنيا حيث رأوا ذلك عياناً، وكان الظاهر يدّارك بصيغة الاستقبال إلا أنه عبر بصيغة الماضي لتحقق الوقوع. وقيل: التدارك عليه من تداركت أمر فلان إذا تلافيته، ومفعوله هنا محذوف أي بل تدارك في الآخرة علمهم ما جهلوه في الدنيا أي تلافاه، وحاصل المعنى بل علموا ذلك في الآخرة حين لم ينفعهم العلم، والتعبير بصيغة الماضي على ما علمت، ولا يخفى أن في وجه ترتيب الإضرابات الثلاث حسب ما في النظم الكريم على هذين الوجهين خفاءاً فتدبر. وقرأ أبـيّ (أم تدارك) على الأصل وجعل أم بدل {بَلِ }، وقرأ سليمان بن يسار {بل أدَّرك} بنقل حركة الهمزة إلى اللام وشد الدال بناءاً على [أن] وزنه افتعل، فأدغم الدال وهي فاء الكلمة في التاء بعد قلبها دالاً فصار فيه قلب الثاني للأول كما في قولهم: أثرد وأصله اثترد من الثرد، والهمزة المحذوفة المنقول حركتها إلى اللام هي همزة الاستفهام أدخلت على ألف الوصل فانحذفت ألف الوصل ثم انحذفت هي وألقيت حركتها على لام (بل)، وقرأ أبو رجاء والأعرج وشيبة وطلحة وتوبة العنبري كذلك إلا أنهم كسروا لام {بَلِ }، وروي ذلك عن ابن عياش وعاصم والأعمش. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل مكة - بل أدرك - على وزن أفعل بمعنى تفاعل، ورويت عن أبـي بكر عن عاصم، وقرأ عبد الله في رواية وابن عباس في رواية أبـي حيوة وغيره عنه والحسن وقتادة وابن محيصن - بل آدّرك - بمدة بعد همزة الاستفهام، وأصله أأدرك فقلبت الثانية ألفاً تخفيفاً كراهة الجمع بين همزتين، وأنكر أبو بكر بن أبـي العلاء هذه الرواية، وقال أبو حاتم: لا يجوز الاستفهام بعد {بَلِ } لأن بل للإيجاب، والاستفهام في هذا الموضع إنكار بمعنى لم يكن كما في قوله تعالى: {أية : أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ }تفسير : [الزخرف: 19] أي لم يشهدوا خلقهم فلا يصح وقوعهما معاً للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار اهـ. وقد أجاز بعض المتأخرين - كما قال أبو حيان - الاستفهام بعد {بَلِ } وشبهه بقول القائل: أخبزاً أكلت، بل أماءاً شربت على ترك الكلام الأول والأخذ في الثاني، وقرأ مجاهد - أم أدرك - جعل أم بدل {بَلِ } وأدرك على وزن أفعل، وقرأ ابن عباس في رواية أيضاً {بَلِ أدارك} بهمزة داخلة على {ٱدَّارَكَ} فتسقط همزة الوصل المجتلبة لأجل الإدغام والنطق بالساكن، وقرأ ابن مسعود أيضاً (بل أأدرك) بهمزتين همزة الاستفهام وهمزة أفعل، وقرأ الحسن أيضاً والأعرج - بل أدرك - بهمزة، وإدغام فاء الكلمة وهي الدال في فاء افتعل بعد صيرورة التاء دالاً، وقرأ ورش في رواية - بل ادّرك - بحذف همزة أدرك، ونقل حركتها إلى اللام، وقرأ ابن عباس أيضاً - بلى أدرك - بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهم المنفي، وقرأ - بل آأدّارك - بألف بين الهمزتين. فهذه عدة قراآت فما فيه منها استفهام صريح أو مضمن فهو إنكار ونفي، وما فيه بلى فقد قال فيه أبو حاتم: إن كان بلى جواباً لكلام تقدم جاز أن يستأنف بعده كأن قوماً أنكروا ما تقدم من القدرة / فقيل لهم: بلى إيجاباً لما نفوا، ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا } بمعنى أم هم في شك منها لأن حروف العطف قد تتناوب، وكف عن الجملتين بقوله تعالى: {بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } اهـ، يعني أن المعنى أأدرك علمهم بالآخرة أم شكوا؟ فبل بمعنى أم عودل بها الهمزة، وتعقبه في «البحر» بأن جعل بل بمعنى أم ومعادلتها لهمزة الاستفهام ضعيف جداً، وقال بعض المحققين: ما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإدراك على وجه التهكم الذي هو أبلغ وجوه النفي والإنكار وما بعده من قوله تعالى: {بْل هُمْ فَى شَكّ } الخ إضراب عن التفسير مبالغة في النفي ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها بل أنهم منها عمون فهو على منوال:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أو رد وإنكار لشعورهم على أن الإضراب إبطالي فافهم.
الشنقيطي
تفسير : أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى: بل ادراك علمهم: أي تكامل علمهم في الآخرة، حين يعاينونها أي يعلمون في الآخرة علماً كاملاً، ما كانوا يجهلونه في الدنيا، وقوله: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل، يعلمونه في الآخرة علماً كاملاً لا يخالجه شك، عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء. وإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية لأن القرآن دل عليه دلالة واضحة في آيات متعددة كقوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [مريم: 38] فقوله: أسمع بهم، وأبصر يوم يأتوننا بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا: أي يوم القيامة، وهذا يوضح معنى قوله: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي تكامل علمهم فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإبصاره في ذلك الوقت. وقوله: {أية : لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [مريم: 38] يوضح معنى قوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} لأن ضلالهم المبين اليوم: أي في دار الدنيا، هو شكهم في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22] أي علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل حديد: أي قوي كامل. وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة الشورى، في الجواب عما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {أية : يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} تفسير : [الشورى: 45]، وقوله تعالى: {أية : فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22] أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: كمال العلم وقوة المعرفة. وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12] فقوله: إنا موقنون: أي يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} وكقوله تعالى: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} تفسير : [الكهف: 48] فعرضهم على ربهم صفاً يتدارك به علمهم، لما كانوا ينكرونه. وقوله:{أية : بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} تفسير : [الكهف: 48] صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء، كما ترى إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن قوله: بل ادارك فيه اثنتا عشرة قراءة اثنتان منها فقط سبعيتان، فقد قرأه عامة السبعة، غير ابن كثير وأبي عمرو: بل ادارك بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الأعراف: 117] وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل. والمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم: أي تدارك بمعنى: تكامل. كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 38] وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك. قال البغوي: أي بلغ ولحق. كما يقال أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، والإضراب في قوله تعالى: {بَلِ ٱدَّارَك} {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ} {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} إضراب انتقالي، والظاهر أن من في قوله تعالى: {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمى يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 64] وقول زهير في معلقته: شعر : واعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱدَّارَكَ} (66) - وَقَدْ قَصَّرَ عِلْمُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَعَجَزُوا عَنْ ذَلك وَغَابَ عَنْهُمْ، وَإِنَّ أكثرَ النّاسِ مِنَ الكَافِرينَ في شَكٍّ مِنْ حُدُوثِها وَوُقُوعِها، بَلْ هُم في عَمَايَةٍ وَجَهْلٍ كَبيرينِ مِنْ أمرِها وشَأْنِها. أدَّارَكَ - عِلْمُهُمْ - تَكَامَلَ واسْتَحْكَمَ عِلْمُهُمْ بأَحوَالِها. وَيقْصدُ تَعَالَى بِقَولِهِ هذَا التَّهكُّمَ عَلَيهِمْ. عَمُونَ - عُمْيُ البَصَائِرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {ٱدَّارَكَ ..} [النمل: 66] أي: تدارك، يعني: توالى وتتابع الحديث عنها عند كل الرسل، ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا ..}تفسير : [الأعراف: 38] يعني: جُمِع بعضهم على بعض. إذن: تتابع الإعلام بالآخرة عند كل رسل الله، فما منهم إلا وقد دعا إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر، وأتى بالدليل عليه. ومع متابعة التذكير بالآخرة قال الله عنهم {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ..} [النمل: 66] أي: من الآخرة، فلماذا؟ يقول تعالى: {بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66] أي: عميتْ أبصارهم وبصائرهم عنها، فلم يهتدوا، ولو تفتحتْ عيونهم وقلوبهم لآمنوا بها. يقول تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46]. إذن: هناك شيء موجود بالفعل، لكني أغفلته، أو تغافلت عنه بإرادتي، فآيات البعث والقيامة موجودة ومُتداركة، لكن الناس عَمُوا عنها فلم يَرَوْها. ومعنى: {عَمُونَ} [النمل: 66] جمع عَمٍ، وهو الذي عميتْ بصيرته عن دلائل القيامة الواضحة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} يقول الله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا} [الآية: 66]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {رَدِفَ لَكُم} [الآية: 72]. يقول عجل لكم. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} [الآية: 82]. يقول: وإِذا حق القول عليهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} [الآية: 82]. يعني: زمرة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ} معناه اجتمعَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):