Verse. 3226 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا ءَ اِذَا كُنَّا تُرٰبًا وَّاٰبَاۗؤُنَاۗ اَىِٕنَّا لَمُخْرَجُوْنَ۝۶۷
Waqala allatheena kafaroo aitha kunna turaban waabaona ainna lamukhrajoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين كفروا» أيضاً في إنكار البعث «أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون» من القبور.

67

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما تكلم في حال المبدأ تكلم بعده في حال المعاد، وذلك لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة، أو في كمال العلم فإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، وعالماً بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة إليها وإذا ثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر فلما بين الله تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية، لا جرم لم يحكه في هذه الآية، فحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء وقد صاروا تراباً وطعنوا فيه من وجهين: الأول: قولهم: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا } أي هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن قبلنا، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار، فإن قيل ذكر ههنا {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا } وفي آية أخرى: { أية : لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هَـٰذَا } تفسير : [المؤمنون: 83] فما الفرق؟ قلنا التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله، ثم إنه سبحانه لما كان قد بين الدلالة على هذين الأصلين، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير، لا جرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل: كيف كانت عاقبة المجرمين؟ جوابه: لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم. السؤال الثاني: لم لم يقل عاقبة الكافرين؟ جوابه: الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم وقوله: {وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ } أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقاً وضيقاً بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم الوجه الثاني: للكفار قولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } وقوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ } وهو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } تفسير : [البقرة: 195] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم، ومعناه تبعكم ولحقكم، وقرأ الأعرج {رَدِفَ لَكُم } بوزن ذهب وهما لغتان، والكسر أفصح، وههنا بحثان: البحث الأول: أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده. الثاني: أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار، ولذلك قال: { أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [المطففين: 15، 16] فقدم الحجاب على الجحيم، ثم إنهم كانوا محجوبين في الحال، فكان سبب العذاب بكماله حاصلاً، إلا أن الاشتغال بالدنيا ولذاتها كالعائق عن إدراك ذلك الألم، كما أن العضو الخدر إذا مسته النار، فإن سبب الألم حاصل في الحال، لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم لقيام العائق، فإذا زال العائق عظم البلاء، فكذا ههنا إذا زال البدن عظم عذاب الحجاب، فقوله سبحانه: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ } يعني المقتضي له والمؤثر فيه حاصل، وتمامه إنما يحصل بعد الموت، ثم إنه سبحانه بين السبب في ترك تعجيل العذاب فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } والفضل الإفضال ومعناه أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها، وهذه الآية تبطل قول من قال إنه لا نعمة لله على الكفار ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في قلوبهم فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } وههنا بحث عقلي، وهو أنه قدم ما تكنه صدورهم على ما يعلنون من العلم والسبب أن ما تكنه صدورهم هو الدواعي والقصود، وهي أسباب لما يعلنون، وهي أفعال الجوارح، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فهذا هو السبب في ذلك التقديم، قرىء (تكن) يقال كننت الشيء وأكننته إذا سترته وأخفيته، يعني أنه تعالى يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة الرسول ومكايدهم. أما قوله: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ } فقال صاحب «الكشاف»: سمى الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، فكانت التاء فيها بمنزلتها في العاقبة والعافية والنطيحة والذبيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالراوية في قولهم: ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه تعالى قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء، إلا وقد علمه الله تعالى وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ والمبين الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني مشركي مكة. {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة: «العنكبوت». وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة. وقرأ عاصم وحمزة أيضاً باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعاً واحداً. وقرأ الكسائي وابن عامر ورُويس ويعقوب: {أَئِذَا} بهمزتين {إِنَّنَا} بنونين على الخبر في هذه السورة؛ وفي سورة: «العنكبوت» باستفهامين؛ قال أبو جعفر النحاس: القراءة {إِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاأُنَا آيِنَّا لَمُخْرَجُونَ} موافقة للخط حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال وهذا معنى كلامه: «إِذَا» ليس باستفهام و{آيِنَّا} استفهام وفيه {إنّ} فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله؟ٰ وكيف يجوز أن يعمل ما بعد {إنّ} فيما قبلها؟ٰ وكيف يجوز غداً إن زيداً خارج؟ٰ فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلاً لما ذكره. وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة مشكلة، وهي قول الله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [سبأ: 7] فقال: إن عمل في {إذَا} {ينبئكم} كان محالاً؛ لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد {إنّ} كان المعنى صحيحاً وكان خطأ في العربية أن يعمل ما قبل {إنّ} فيما بعدها؛ وهذا سؤال بيّن رأيت أن يذكر في السورة التي هو فيها؛ فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع وردّ على من جمع بين استفهامين، واستدلّ بقوله تعالى: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ}تفسير : [آل عمران: 144] وبقوله تعالى: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34] وهذا الردّ على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئاً؛ والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد؛ ومعنى: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34] أفإن مِتّ خلدوا. ونظير هذا: أزيد منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق؛ لأنها بمنزلة شيء واحد وليس كذلك الآية؛ لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الاستفهام، والأوّل كلام يصلح فيه الاستفهام؛ فأما من حذف الاستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ: {أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاأُنَا إِنَّنَا} فحذفه من الثاني؛ لأن في الكلام دليلاً عليه بمعنى الإنكار. قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تقدّم في سورة «المؤمنين». وكان الأنبياء يقرِّبون أمر البعث مبالغة في التحذير؛ وكل ما هو آت فقريب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن منكري البعث من المشركين: أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظماً ورفاتاً وتراباً، ثم قال: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ} أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعاً، وقولهم: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان، {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: أخذه قوم عمن قبلهم من كتب يتلقاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة، قال الله تعالى مجيباً لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء: {سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي: المكذبين بالرسل، وبما جاؤوهم به من أمر المعاد وغيره؛ كيف حلت بهم نقمة الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسله الكرام، ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته، ثم قال تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: المكذبين بما جئت به، ولا تأسف عليهم، وتذهب نفسك عليهم حسرات، {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} أي في كيدك، ورد ما جئت به؛ فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أيضاً في إنكار البعث {أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَآؤُنَآ أَءِنَّا لَمُخْرَجُونَ } من القبور؟

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه أن المشركين في شكّ من البعث، وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبههم، وهي مجرّد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَاؤُنَا أَءِنَّا لَمُخْرَجُونَ }. والعامل في "إذا" محذوف دلّ عليه {مخرجون} تقديره: أنبعث، أو نخرج إذا كنا، وإنما لم يعمل فيه مخرجون لتوسط همزة الاستفهام، وإنّ ولام الابتداء بينهما. قرأ أبو عمرو باستفهامين إلاّ أنه خفف الهمزة. وقرأ عاصم، وحمزة باستفهامين، إلاّ أنهما حققا الهمزتين. وقرأ نافع بهمزة. وقرأ ابن عامر وورش ويعقوب {أإذا} بهمزتين و{إننا} بنونين على الخبر، ورجح أبو عبيد قراءة نافع، وردّ على من جمع بين استفهامين؛ ومعنى الآية: أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا تراباً، ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث، فقالوا: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا } يعنون: البعث {نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } أي من قبل وعد محمد لنا، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدّرة بالقسم لزيادة التقرير {إِنَّ هَذَا } الوعد بالبعث {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة، وقد تقدّم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنون. ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث. فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به، وكيف كانت عاقبتهم، فقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلاْرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } بما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث، ومعنى النظر هو: مشاهدة آثارهم بالبصر فإن في المشاهدة زيادة اعتبار. وقيل: المعنى: فانظروا بقلوبكم، وبصائركم كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم، والأوّل أولى لأمرهم بالسير في الأرض {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } لما وقع منهم من الإصرار على الكفر {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ } الضيق: الحرج، يقال: ضاق الشيء ضيقاً بالفتح، وضيقاً بالكسر قرىء بهما، وهما لغتان. قال ابن السكيت: يقال: في صدر فلان ضيق وضيق، وهو ما تضيق عنه الصدور. وقد تقدّم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي بالعذاب الذي تعدنا به {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في ذلك. {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } يقال: ردفت الرجل، وأردفته: إذا ركبت خلفه، وردفه: إذا أتبعه، وجاء في أثره، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم، ولحقكم، فتكون اللام زائدة للتأكيد، أو بمعنى: اقترب لكم، ودنا لكم، فتكون غير زائدة. قال ابن شجرة: معنى ردف لكم: تبعكم، قال: ومنه ردف المرأة؛ لأنه تبع لها من خلفها، ومنه قول أبي ذؤيب:شعر : عاد السواد بياضاً في مفارقه لا مرحباً ببياض الشيب إذ ردفا تفسير : قال الجوهري: وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى. قال خزيمة بن مالك بن نهد:شعر : إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا تفسير : قال الفراء: ردف لكم دنا لكم، ولهذا قيل: لكم. وقرأ الأعرج: "ردف لكم" بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر. وقرأ ابن عباس "أزف لكم" وارتفاع {بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } أي على أنه فاعل ردف، والمراد: بعض الذي تستعجلونه من العذاب أي عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك، قيل: هو عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل: هو عذاب القبر. ثم ذكر سبحانه فضله في تأخير العذاب، فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } في تأخير العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم، ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } فضله وإنعامه ولا يعرفون حق إحسانه. ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم، فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } أي ما تخفيه. قرأ الجمهور: {تكن} بضم التاء من أكنّ. وقرأ ابن محيصن وابن السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف، يقال: كننته بمعنى سترته وخفيت أثره {وَمَا يُعْلِنُونَ } وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم. {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } قال المفسرون: ما من شيء غائب، وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلاّ في كتاب مبين إلاّ هو مبين في اللوح المحفوظ، وغائبة هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة. قال الحسن: الغائبة هنا هي: القيامة. وقال مقاتل: علم ما تستعجلون من العذاب هو مبين عند الله وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه، وغيبه عنهم مبين في أمّ الكتاب، فكيف يخفى عليه شيء من ذلك؟ ومن جملة ذلك ما يستعجلونه من العذاب فإنه موقت بوقت، ومؤجل بأجل علمه عند الله فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرٰءيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وذلك لأن أهل الكتاب تفرّقوا فرقاً، وتحزّبوا أحزاباً يطعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن مبيناً لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرّقهم. {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ } أي وإنّ القرآن لهدى ورحمة لمن آمن بالله، وتابع رسوله، وخصّ المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل. {إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ } أي يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، وقيل: يقضي بينهم في الدنيا، فيظهر ما حرّفوه. قرأ الجمهور: {بحكمه} بضم الحاء وسكون الكاف. وقرأ جناح بكسرها وفتح الكاف جمع حكمة {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } العزيز: الذي لا يغالب، والعليم بما يحكم به، أو الكثير العلم. ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة، فقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } والفاء لترتيب الأمر على ما تقدّم ذكره، والمعنى: فوّض إليه أمرك، واعتمد عليه فإنه ناصرك. ثم علل ذلك بعلتين: الأولى: قوله {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقّ ٱلْمُبِينِ } أي الظاهر، وقيل: المظهر. والعلة الثانية: قوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع، أو كحال الصمّ الذين لا يسمعون، ولا يفهمون، ولا يهتدون صار ذلك سبباً قوياً في عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حسّ لهم ولا عقل، وبالصمّ الذين لا يسمعون المواعظ، ولا يجيبون الدعاء إلى الله. ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده، فقال: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } أي إذا أعرضوا عن الحق إعراضاً تاماً، فإن الأصمّ لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلاً فكيف إذا كان معرضاً عنه مولياً مدبراً. وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخصّ منه إلاّ ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم خاطب القتلى في قليب بدر، فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها، وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق: "لا يسمع" بالتحتية مفتوحة، وفتح الميم، وفاعله الصمّ. وقرأ الباقون: {تسمع} بضم الفوقية، وكسر الميم من أسمع. قال قتادة: الأصمّ إذا ولى مدبراً، ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. ثم ضرب العمى مثلاً لهم، فقال: {وَمَا أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ } أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشاداً يوصله إلى المطلوب منه وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } تفسير : [القصص: 56] قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمي. وقرأ يحيـى بن الحارث، وأبو حيان: "بهاد العمي" بتنوين هادٍ. وقرأ حمزة: "تهدي" فعلاً مضارعاً، وفي حرف عبد الله: "وما أن تهدي العمي". {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي ما تسمع إلاّ من يؤمن لا من يكفر، والمراد بمن يؤمن بالآيات: من يصدّق القرآن، وجملة: {فَهُم مُّسْلِمُونَ } تعليل للإيمان، أي فهم منقادون مخلصون. ثم هدّد العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها: فقال: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم }. واختلف في معنى وقوع القول عليهم، فقال قتادة: وجب الغضب عليهم. وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقيل: حق العذاب عليهم، وقيل: وجب السخط، والمعاني متقاربة. وقيل: المراد بالقول ما نطق به القرآن من مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقيل: وقع القول بموت العلماء، وذهاب العلم. وقيل: إذا لم يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر. والحاصل أن المراد بوقع: وجب، والمراد بالقول: مضمونه، أو أطلق المصدر على المفعول أي القول، وجواب الشرط: {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ }. واختلف في هذه الدابة على أقوال، فقيل: إنها فصيل ناقة صالح يخرج عند اقتراب القيامة ويكون من أشراط الساعة. وقيل: هي دابة ذات شعر، وقوائم طوال يقال لها: الجساسة. وقيل: هي دابة على خلقة بني آدم، وهي في السحاب، وقوائمها في الأرض. وقيل: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إيَّل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعاً. وقيل: هي الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، والمراد: أنها هي التي تخرج في آخر الزمان، وقيل: هي دابة ما لها ذنب ولها لحية، وقيل: هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد رجح القول الأوّل القرطبي في تفسيره. واختلف من أيّ موضع تخرج؟ فقيل: من جبل الصفا بمكة، وقيل: تخرج من جبل أبي قبيس. وقيل: لها ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس، وتكثر الدماء ثم تكمن، وتخرج في القرى ثم تخرج من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها. وقيل: تخرج من بين الركن والمقام. وقيل: تخرج في تهامة. وقيل: من مسجد الكوفة من حيث فار التنور. وقيل من أرض الطائف. وقيل: من صخرة من شعب أجياد. وقيل: من صدع في الكعبة. واختلف في معنى قوله: {تكلمهم} فقيل: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقيل: تكلمهم بما يسوؤهم. وقيل: تكلمهم بقوله تعالى: {أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} أي بخروجها؛ لأن خروجها من الآيات. قرأ الجمهور: {تكلمهم} من التكليم، ويدلّ عليه قراءة أبيّ: "تنبئهم"، وقرأ ابن عباس وأبو زرعة وأبو رجاء والحسن: "تكلمهم" بفتح الفوقية، وسكون الكاف من الكلم، وهو الجرح. قال عكرمة: أي تسمهم وسماً، وقيل: تجرحهم. وقيل: إن قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم بفتح الكاف، وسكون اللام، وهو الجرح، والتشديد للتكثير، قاله أبو حاتم. قرأ الجمهور: "إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون" بكسر إن على الاستئناف، وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق بفتح «أن». قال الأخفش: المعنى على قراءة الفتح: "بأن الناس". وكذا قرأ ابن مسعود: "بأن الناس" بالباء. وقال أبو عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي: تخبرهم أن الناس، وعلى هذه القراءة فالذي تكلم الناس به هو قوله: {أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} كما قدّمنا الإشارة إلى ذلك. وأما على قراءة الكسر فالجملة مستأنفة كما قدّمنا، ولا تكون من كلام الدابة. وقد صرّح بذلك جماعة من المفسرين، وجزم به الكسائي والفراء. وقال الأخفش: إن كسر «إن» هو على تقدير القول أي تقول لهم: "إِنَّ ٱلنَّاسَ" إلخ، فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى القراءة الثانية، والمراد بالناس في الآية: هم الناس على العموم، فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل: المراد الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة، والأوّل أولى. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } قال: اقترب لكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } قال: يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ } الآية يقول: ما من شيء في السماء والأرض سرًّا ولا علانية إلا يعلمه. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم } الآية قال: إذا لم يأمروا بمعروف، ولم ينهوا عن منكر. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية: أنه فسر {وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم } بما أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {دَابَّةً مّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ } قال: تحدّثهم. وأخرج ابن جرير عنه قال: كلامها: تنبئهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود نفيع الأعمى قال: سألت ابن عباس عن قوله: {تُكَلّمُهُمْ } يعني: هل هو من التكليم باللسان، أو من الكلم، وهو الجرح؟ فقال: كل ذلك، والله تفعل، تكلم المؤمن وتكلم الكافر أي تجرحه. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس ذلك حديثاً، ولا كلاماً، ولكنها سمة تسم من أمرها الله به، فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض، ولا يجرح جارح، حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك، ونجا من نجا، كان أوّل خطوة تضعها بإنطاكية»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: الدابة ذات وبر وريش، مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج. وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة، فيقال له: ممن اشتريتها؟ فيقول: من الرجل المخطم»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: «حديث : إن للدابة ثلاث خرجات»تفسير : ؛ وذكر نحو ما قدّمنا. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال: «حديث : تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تخرج من بعض أودية تهامة. وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر»تفسير : ، وأخرج الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، فقال: «حديث : لها ثلاث خرجات من الدهر»تفسير : . وذكر نحو ما قدّمنا في حديث طويل. وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ومتى تخرج أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف. وأما كونها تخرج، وكونها من علامات الساعة، فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة. ومنها ما هو ثابت في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعاً: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات» تفسير : . وذكر منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة، وكحديث: «حديث : بادروا بالأعمال قبل طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة» تفسير : . فإنه في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وكحديث ابن عمر مرفوعاً: «حديث : إن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى» تفسير : فإنه في صحيح مسلم أيضاً.

ابن عطية

تفسير : استبعد الكفار أن تبعث الأجساد والرمم من القبور واستملحوا ذلك فذكر ذلك عنهم على جهة الرد عليهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير "أ. ذا. أ. نا" مهموز، غير أن أبا عمرو يمد وابن كثير لا يمد، وقرأ عاصم وحمزة "أإذا أإنا" بهمزتين فيهما، وقرأ نافع "إذا" مكسورة الألف "أنا." ممدودة الألف، وقرأ الباقون "آيذا" ممدودة "إننا" بنونين وكسر الألف، ثم ذكر الكفار أن هذه المقالة مما قد وعد بها قبل وردوا على جميع الأنبياء وجعلوها من الأساطير، ثم وعظهم تعالى بحال من كذب من الأمم فأمر نبيه أن يأمرهم بالسير والتطلع على حال مجرمي الأمم وبالحذر أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وهذا التحذير يقتضيه المعنى، ثم سلى نبيه عليه السلام عنهم، وهذا بحسب ما كان عنده من الحرص عليهم الاهتمام بأمرهم، وقرأ ابن كثير "في ضِيق" بكسر الضاد ورويت عن نافع، وقرأ الباقون بفتحها و"والضِّيق" و "الضَّيق" مصدران بمعنى واحد، وكره أبو علي أن يكون "ضيق" كهين ولين مسهلة من ضيق قال: لأن ذلك يقتضي أن تقام الصفة مقام الموصوف، ثم ذكر استعجال قريش بأمر الساعة والعذاب بقولهم {متى هذا الوعد}، على معنى التعجيز للواعد به، فأمر تعالى نبيه يتوعدهم بأنه عسى أن يأذن الله في أن يقرب منهم بعض ما استعجلوه من الساعة والعذاب. و {ردف} معناه قرب وأزف قاله ابن عباس وغيره، ولكنها عبارة عما يجيء بعد الشيء قريباً منه ولكونه بمعنى هذه الأفعال الواقعة تعدى بحرف وإلا فبابه أن يتجاوز بنفسه، وقرأ الجمهور بكسر الدال، وقرأ الأعرج "ردَف" بفتح الدال، وقرأ جمهور الناس، "تُكن" من أكن وقرأ ابن محيصن وابن السميفع "تكن" من كن وهما بمعنى.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ } من قبورنا أحياء وتكرير حرف الاستفهام في {أءذا} و{أءنا} في قراءة عاصم وحمزة وخلف، إنكار بعد إنكار وجحود عقيب جحود ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والعامل في {إذا} ما دل عليه {لمخرجون} وهو نخرج لأن اسم الفاعل والمفعول بعد همزة الاستفهام، أو إن «أو لام الابتداء لا يعمل فيما قبله فكيف إذا اجتمعن»؟ والضمير في «إنا» لهم ولآبائهم لأن كونهم تراباً قد تناولهم وآباءهم لكنه غلبت الحكاية على الغائب، و{آباؤنا} عطف على الضمير في {كنا} لأن المفعول جرى مجرى التوكيد {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا } أي البعث {نَحْنُ وَءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قدم هنا {هذا} على {نحن وآباؤنا} وفي المؤمنون {نحن وآباؤنا} على {هذا} ليدل على أن المقصود بالذكر هو البعث هنا وثمة المبعوثون {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } ما هذا إلا أحاديثهم وأكاذيبهم {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي آخر أمر الكافرين. وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم كقوله تعالى: {أية : فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ }تفسير : [الشمس: 15] وقوله {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ } تفسير : [نوح:25] {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } لأجل أنهم لم يتبعوك ولم يسلموا فيسلموا {وَلاَ تَكُن فِى ضَيْقٍ } في حرج صدر {مّمَّا يَمْكُرُونَ } من مكرهم وكيدهم لك فإن الله يعصمك من الناس. يقال ضاق الشيء ضيقاً بالفتح وهو قراءة غير ابن كثير وبالكسر وهو قراءته {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي وعد العذاب {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن العذاب نازل بالمكذب.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أيذا} {أينا} بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد. مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد {أيذا} بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة {إنا} بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل {إذا} من غير همزة الاستفهام {آينا} بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون {أئذا} بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة {إنا} بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة {أئذا} {أئنا} بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم. {ولا يسمع} بفتح الياء التحتانية {الصم} بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم". الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ {وما أنت تهدي} على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة. الباقون {بهادي} على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل. الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام. {فزع} بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف {يومئذ} بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها {تعملون} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص. الوقوف: {لمخرجون} ه {من قبل} لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار {الأولين} ه {المجرمين} ه {يمكرون} ه {صادقين} ه {تستعجلون} ه {لا يشكرون} ه {وما يعلنون} ه {مبين} ه {يختلفون} ه {للمؤمنين} ه {بحكمه} ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين {العليم} ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل {على الله} ط {المبين} ه {مدبرين} ه {ضلالتهم} ط {مسلمون} ه {تكلمهم} ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن {لا يوقنون} ه {يوزعون} ه {تعملون} ه {لا ينطقون} ه {مبصراً} ط {يؤمنون} ه {من شاء الله} ط {داخرين} ه {السحاب} ط {كل شيء} ط {تفعلون} ه {خير منها} لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء {آمنون} ه لا لعطف جملتي الشرط {في النار} ه {تعملون} ه {شيء} ز للعارض وطول الكلام مع العطف {المسلمين} ه لا للعطف {القرآن} ج {لنفسه} ج {المنذرين} ه {فتعرفونها} ط {تعملون} ه. التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس. قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه {أئنا لمخرجون} وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة. وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار. والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله {لقد وعدنا} وبيان المتشابه فليدّكر. ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة. ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم. والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع. ومعنى قوله {ولا تحزن عليهم} الآية. قد مر في آخر "النحل". وفي هذه الآي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كان يناله من قومه. ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم {عسى أن يكون} وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون. وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال {ردف لكم بعض الذي} دون أن يقول "ردف لكم الذي". واللام زائدة للتأكيد كالباء في {أية : ولا تلقوا بأيديكم} تفسير : [البقرة: 195] أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم. وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض. ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن. ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك. ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة. ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه صلى الله عليه وسلم أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم. ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً {وهو العزيز} الذي لا يغالب فيما يريد {العليم} بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم. ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله {إنك لا تسمع الموتى} لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم. وقوله {إذا ولوا مدبرين} تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة". ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته {فهم مسلمون} أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية. ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال {وإذا وقع القول} اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه {عليهم} وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب {أخرجنا لهم دابة من الأرض} وهي الجساسة. وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها. فقيل: إن طولها ستون ذراعاً. وقيل: إن راسها يبلغ السحاب. وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً. وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي رضي الله عنه أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. ورابعها مكان خروجها، حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله تفسير : يعني المسجد الحرام. وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية. وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات. ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت {بآياتنا} أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا. وإنما هي خيل مولاه وبلاده. عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك. روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر". وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار. وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم. ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً {ويوم} أي واذكر يوم {نحشر من كل أمة فوجاً} أي جماعة كثيرة {ممن يكذب} هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله {بآياتنا} يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة. وقد مر معنى قوله {فهم يوزعون} في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. والواو في قوله {ولم تحيطوا} للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب. ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه. قال جار الله: {أمّاذا كنتم تعملون} للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك. وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله. وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟ لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل. قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله {ووقع القول عليهم} أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار. ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال {ألم يروا} الآية. ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟ ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس". والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب. ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال {ويوم ينفخ في الصور} وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين". وقوله {ففزع} كقوله {أية : ونادى}تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق} تفسير : [الزمر: 73] والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون {إلا من شاء الله} قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة. وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وقيل: هم الشهداء. وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش. وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة {ففزع} موافقة لقوله {وهم من فزع يومئذ آمنون} وفي "الزمر" قال {أية : فصعق}تفسير : [الزمر: 68] لأن معناه فمات وقد سبق {أية : إنك ميت وإنهم ميتون}تفسير : [الزمر: 30]. ومعنى {داخرين} صاغرين أذلاء. وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية. وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له. قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله سبحانه أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد. {وهي تمرّ مرّ السحاب} قال جار الله {صنع الله} من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ {يوم ينفخ} والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب. قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ {يوم ينفخ} هو "اذكر" مقدراً، ويكون {صنع الله} مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله. قال القاضي عبد الجبار: في قوله {أتقن كل شيء} دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه. وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات. قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله {إنه خبير بما تفعلون} وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم. ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله {من جاء بالحسنة فله خير منها} إلى آخر الآيتين. وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك. وقيل: المراد فله خير حاصل منها. وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان. واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم. وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً. ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله {وهم من فزع يومئذ آمنون} وآمن يعدّى بالجار وبنفسه. والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون. وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين. وقوله {هل تجزون} الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول. ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب سبحانه. ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله. وفيه نوع منة عليهم كقوله {أية : حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}تفسير : [العنكبوت: 67] وثانيهما عام وهو قوله {وله كل شيء} ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه. ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}تفسير : [طه: 2] ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار. ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان. قاله الحسن. وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا. {وما ربك بغافل عما تعملون} ولكنه من وراء جزاء العاملين. التأويل: {قل سيروا} في أرض البشرية {فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم} لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال {وما من غائبة} من الخواص في سماء القلب وأرض القالب {إلا في كتاب مبين} وهو علم الله تعالى أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال {إن ربك يقضي بينهم} اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مقام المحبة. فاتبعوني يحببكم الله {وهو العزيز} الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه {العليم} بمن يستحق هذا المقام. {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} في دعوة الخلق إلى الله {وإذا وقع القول عليهم} وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية {أخرجنا لهم} من تحت أرض البشرية {دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل. {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون} من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة {قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون} بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً} جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل. {ويوم ينفخ} إسرافيل المحبة في صور القلب {ففزع} من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية {إلا من شاء الله} من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب. وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة {إلا من شاء الله} وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية {وترى} جبال الأشخاص {جامدة} على حالها {وهي تمر} بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق {مر السحاب} {رب هذه البلدة} وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال {أية : يوسوس في صدور الناس}تفسير : [الناس: 5] دون أن يقول "في قلوب الناس" {سيريكم آياته فتعرفونها} فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰباً وَءَابَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها. ثم ذكر - تعالى - استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} على معنى التَّعْجِيزِ، و {رَدِفَ} مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ؛ قاله ابن عباس وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريباً منه، والهاءُ في {غَائِبَة} للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللّهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إلٰه إلا هو. ثم نبَّه ـــ تعالى ـــ على أنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ. وقرأ حمزة: «وَمَا أَنتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيِ» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم}، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من اللّه في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: {أية : حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الزمر:71]. فمعنى الآية وإذا أراد اللّهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ، و {وَقَعَ} عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ؛ قاله ابن عمر وغيره، وقيل غيرُ هذا. وقرأ الجمهور: {تُكَلِّمُهُمْ} من الكلام. وقرأ ابن عباس وغيرُه، {تُكَلّمُهُمْ} ـــ بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام ـــ، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم»؟ فقال: كل ذلك، واللّهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «حديث : تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا؛ وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ»تفسير : . رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ». وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» ـــ بكسر «إن». وقرأ حمزةُ والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» ـــ بفتحها. وفي قراءة عبد اللّه: «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ»، وعلى هذه القراءة؛ فيكونُ قوله: «أَنَّ النَّاسَ» إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس. ويحتملُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلاَمِ اللّهِ تعالَىٰ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني مشركي مكة، "أَئِذَا" تقدم الكلام في الاستفهامين إذا اجتمعا في سورة الرعد. والعامل في "إِذَا" محذوف يدلّ عليه "لَمُخْرجُونَ" تقديره: نبعث ونخرج, ولا يجوز أن يعمل فيها "مُخْرجُونَ" لثلاثة موانع: الاستفهام، وأنّ، ولام الابتداء، وفي لام الابتداء في خبر إنّ خلاف، وذكر الزمخشري هنا عبارة حُلوة، فقال: لأنّ بين يدي عمل اسم الفاعل فيها عقاباً، وهي همزة الاستفهام، وإن، ولام الابتداء، وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟ وقال أيضاً: فإنْ قلت: لم قَدّم في هذه الآية "هذَا" على "نَحْنُ وآبَاؤُنَا" وفي آية أخرى قدّم "نَحْنُ وَآبَاؤُنَا" على "هَذَا"؟ قلت: التقديم دليل على أن المقدّم هو المعنى المعتمد بالذكر وأن الكلام إنّما سيق لأجله: ففي إحدى الآيتين دلّ على اتخاذ البعث الذي هو يعمد بالكلام، وفي الأخرى على اتخاذ المبعوث بذلك الصدد. و "آبَاؤُنَا" عطف على اسم كان، وقام الفصل بالخبر مقام الفصل بالتوكيد. فصل "إِنَّا لَمُخْرَجُونَ" من قبورنا أحياء، {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ} أي: من قبل محمد: وليس ذلك بشيء، "إِنْ هذَا" ما هذَا، {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها، {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل (كيف كانت) عاقبة المجرمين؟ فالجواب أنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنّ المعنى: كيف كان آخر أمرهم؟. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل عاقبة الكافرين؟ فالجواب: أنّ هذا يحصل في التخويف لكل العصاة. ثم إنّه تعالى صبّر رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما يناله من الكفار، فقال: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} على تكذيبهم إيّاك، {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة، و "الضِّيقُ": الحرج، يقال: ضاق الشيء ضَيقاً وضِيقاً بالفتح والكسر. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ}. قوله: "رَدِفَ لَكُمْ" فيه أوجه: أظهرها: أنَّ "رَدِفَ" ضُمّن معنى فعل يتعدى باللام، أي: دَنا وقرب وأزف، وبهذا فسّره ابن عباس، و "بَعْضُ الَّذِي" فاعلٌ به، وقد عدّي بـ (من) أيضاً على تضمنه معنى "دَنَا"، قال: شعر : 3970 - فَلَمَّا رَدِفْنَا مِن عُمَيْرٍ وَصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِرَاعاً وَالمَنِيَّةُ تَعْنِقُ تفسير : أي: دنونا من عمير. والثاني: أنّ مفعوله محذوف واللام للعلّة: أي: ردف الخلق لأجلكم ولشؤمكم. الثالث: أنّ اللام مزيدة في المفعول تأكيداً كزيادتها في قوله: شعر : 3971 - أَنَخْنَا لِلْكَلاَكِلِ فَارْتَمَيْنَا تفسير : وكزيادتها في قوله: {أية : لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}تفسير : [الأعراف: 154] وكزيادة الباء في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة: 195] وعلى هذه الأوجة الوقف على "تَسْتَعْجِلُونَ". الرابع: أن فاعل "رَدِفَ" ضمير الوعد، أي: ردف الوعد، أي: قرب ودنا مقتضاه و "لَكُمْ" خبر مقدّم، و "بَعْضُ" مبتدأ مؤخر، والوقف على هذا على "رَدِفَ" وهذا فيه تفكيك للكلام. والخامس: أنّ الفعل محمول على مصدره، أي: الرادفة لكم، وبعض على تقرير ردافة بعض، يعني: حتى يتطابق الخبر والمخبر عنه، وهذا أضعف مما قبله. وقرأ الأعرج: "رَدَفَ" بفتح الدال، وهي لغة، والكسر أشهر. {بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} من العذاب حل بهم ذلك يوم بدر. قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} قال مقاتل: على أهل مكة، حيث لم يعجل عليهم العذاب. والفضل: الإفضال ومعناه أنه متفضل، وهذه الآية تبطل قول من قال: إنه لا نعمة لله على الكفار. قوله: "لاَ يَشْكُرُونَ" يجوز أن يكون مفعوله محذوفاً، أي: لا يشكرون نعمه، ويجوز أن لا يقدر بمعنى: لا يعترفون بنعمةٍ، فعبّر عن انتفاء معرفتهم بالنعمة بانتفاء ما يترتب على معرفتها، وهو الشكر. قوله:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ} العامة على ضم تاء المضارعة من: أَكنَّ، قال تعالى: "أَوْ أَكْنَنْتُمْ"، وابن محيصن وابن السميفع وحُميد بفتحها وضم الكاف، يقال: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ، بمعنى: أخفيت وسترت. قوله: {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ} في هذه التاء قولان: أحدهما: أنّها للمبالغة، كراويةٍ وعلاّمة، وقولهم: ويل للشاعر من رواية السوء، كأنه تعالى قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد عَلِمه الله. والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو: العافية والعاقية، قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرّمية في أنها أسماء غير صفات. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي: في اللوح المحفوظ والمبين: الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بـيانٌ لجهلِهم بالآخرةِ وعَمَهِهم منها بحكايةِ إنكارِهم للبعثِ، ووضعُ الموصولِ موضَع ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز صلته والإشعارِ بعلَّة حُكمهم الباطلِ في قولِهم {أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي أنخرجُ من القبورِ إذا كنَّا تُراباً كما ينبىءُ عنه مخرجونَ ولا مساغَ لأنْ يكونَ هو العاملَ في إذا لاجتماعِ موانعَ لو تفرَّدَ واحدٌ منها لكَفَى في المنعِ، وتقيـيدُ الإخراجِ بوقتِ كونِهم تُراباً ليس لتخصيصِ الإنكارِ بالإخراجِ حينئذٍ فقط فإنَّهم مُنكرون للإحياءِ بعدَ الموتِ مُطلقاً وإنْ كانَ البدنُ على حالِه بل لتقويةِ الإنكارِ بتوجيههِ إلى الإخراجِ في حالةٍ منافيةٍ له. وقولُه تعالَى وآباؤُنا عطفٌ على اسمِ كانَ، وقامَ الفصلُ مع الخبرِ مقامَ الفصلِ بالتأكيدِ، وتكريرُ الهمزةِ في أئنا للمبالغةِ والتَّشديدِ في الإنكارِ. وتحليةُ الجُملةِ بأنَّ واللامِ لتأكيدِ الإنكارِ لا لإنكار التَّأَكيدِ كما يُوهمه ظاهرُ النَّظمِ فإنَّ تقديمَ الهمزةِ لاقتضائِها الصدارةَ كَما في قولِه تعالى: { أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [سورة البقرة: الآيات 44, 76, وسورة آل عمران: الآية 65, وسورة الأنعام: الآية 32 وسورة الأعراف: الآية 169, وسورة يونس: الآية 16, وسورة هود: الآية 51, وسورة يوسف: الآية 109, وسورة الأنبياء: الآيات 10 و 67, وسورة المؤمنون: الآية 80, وسورة القصص: الآية 60, وسورة الصافات: الآية 138] ونظائِره عَلَى رَأي الجُمهورِ فإنَّ المَعْنى عندَهُم تعقيبُ الإنْكارِ لا إنكارُ التَّعقيبِ كما هو المشهورُ. وقُرىءَ إذَا كنَّا بهمزةٍ واحدةٍ مكسورةٍ، وقُرىء إنَّا لمخرجُون على الخبرِ.

القشيري

تفسير : وُعِدَ آباؤنا بذلك من قبل، ثم لم يكن لهم تحقيق، وما نحن إلا مِثْلُهم، وكانوا يسألون متى الساعة؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين كفروا} اى مشركوا مكة {أئذا كنا ترابا} [آياجون كرديم ماخاك] {وآباؤنا} [وبدران مانيزخاك شوند] وهو عطف على ضمير كنا بلا تأكيد لفصل ترابا بينهما {أئنا لمخرجون} [آياما بيرون آورندكانيم از كورها زنده شده] والضمير فى أئنالهم ولآبائهم لان كونه ترابا يتناولهم وآباءهم والعامل فى اذا مادل عليه ائنا لمخرجون وهو نخرج لامخرجون لان كلا من الهمزة وان واللام مانعة من عمله فيما قبلها. والمعنى أنخرج من القبور اذا كنا ترابا اى هذا لايكون وتكرير الهمزة للمبالغة فى الانكار وتقييد الانكار بوقت كونهم ترابا لتقويته بتوجيهه الى الاخراج فى حالة منافية له والا فهم منكرون للاحياء بعد الموت مطلقا اى سواء كانوا ترابا اولا

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالآخرة والبعث {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} جواب اذا محذوف وقوله اءنّا لمخرجون تأكيد للاوّل والتّقدير ءاذا كنّا تراباً نخرج ءانّا لمخرجون.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} من حال الموت لحال الحياة أو من القبور للجزاء بأعمالنا والاستفهام انكار وهمزة ان تسهل وتحقق وبالتسهيل نقرأ وجملة (أَءِنا) لمخرجون مفعول القول وجواب (اذا) محذوف وقرأ غير نافع (أَءذا) بهمزتين بتسهيل الثانية وبتحقيقها وقرأ ابن عامر والكسائي (أننا) بهمزة واحدة ونونين وقريء (أءذا) و(أئنا) بهمزتين فيهما لتأكيد الانكار وآباء معطوف على الف كنا للفصل وذلك كالبيان لعلمهم أي ان علمهم هو انكار البعث.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذينَ كفرُوا أإذا كُنَّا} أى بحذف همزة الاستفهام كما دل عليه ذكره فى أينا {تُراباً} حقيقة، أو مشبهين به، وذكروا التراب لتقوية الانكار لا للتقييد، لأنهم أنكروا بعث من صار تراباً، ومن بقى ولم يصر تراباً، ويمكن أن يكون قيداً بأن يتوهموا أن ما بقى يشمل إحياءه، كما ينفخ الروح فى الجنين، ولا صعب على الله عز وجل، والتقدير أنخرج إذا كنا تراباً، ولا يتعلق بمخرجون لصدارة الاستفهام مع امتناع تقدم معمول خبر إن عليها {وآباؤنا} عطف على نا {أإنا لمخرجون} من القبور أحياء، أو من الموت الى الحياة، والمعنى واحد والأول أولى لذكر القبور فى غير هذه الآية {لقد وُعِدْنا هذا} هذا الاخراج من الله {نحْن وآباؤنا مِنْ قَبل} أى قبل أن يعد به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا من جملة المحكى، يقال قللوه على طريق ذكر الشىء للتدبر لا للجزم، وقد نفوه بقولهم: {إنْ هذا إلاَّ أساطير الأولين} أكاذيبهم المكتوبة، أنكروه لأنه لم يجىء به من يعتد به قبله صلى الله عليه وسلم عندهم، وقدم هنا هذا المشار به الى الاخراج، لأن المقصود بالذات هنا الاخراج، وفيه عنادهم، واحتجاجهم بخلاف قد أفلح فقدم فيه نحن على الأصل، لأنه تأكيد لنا، ولا مقتضى للعدول عنه، إذ المذكور فيها مجرد اتباع اسلافهم.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَءذَا كُنَّا تُرَاباً وَءابَاؤُنَا أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ} كالبيان لجهلهم بالآخرة وعما هم منها ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز صلته والإشعار بعلة حكمهم الباطل الذي تضمنه مقول القول، و - إذا - ظرف لمحذوف دل عليه - مخرجون - أي أنخرج إذا كنا تراباً ولا مساغ لأن يكون ظرفاً {لَمُخْرَجُونَ } لأن كلاً من الهمزة وإن اللام على ما قيل: مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها فكيف بها إذا اجتمعت، ولم يعتبر بعضهم اللام مانعة بناءاً على ما قرر في النحو من جواز تقدم معمول خبر إن المقرون باللام عليه نحو إن زيداً طعامك لآكل، ويكفي حينئذٍ مانعان وأظن أن من قال: يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها لا يقول باطراد الحكم في مثل هذا الموضع ومرادهم بالإخراج الإخراج من القبور، وجوز أن يكون الإخراج من حال الفناء إلى الحياة، والأول هو الظاهر، وتقييد الإخراج بوقت كونهم تراباً ليس لتخصيص الإنكار بالإخراج حينئذٍ فقط فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت مطلقاً وإن كان البدن على حاله بل لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في حالة منافية له بزعمهم، وقوله سبحانه: {وَءابَاؤُنَا } عطف على اسم كان واستغنى بالفصل بالخبر عن الفصل بالتأكيد، وتكرير الهمزة في ـ أئنا ـ للمبالغة والتشديد في الإنكار، وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم الكريم، فإن تقديم الهمزة لأصالتها في الصدارة، والضمير في ـ أئنا ـ لهم ولآبائهم لأن الكون تراباً قد تناولهم وآباءهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو - أئذا وأئنا - بالجمع بين الاستفهامين، وقلب الثانية ياءاً وفصل بينهما بألف أبو عمرو. وقرأ نافع - إذا - بهمزة واحدة مكسورة فهمزة الاستفهام مقدرة مع الفعل المقدر لأن المعنى ليس على الخبر، و - آينا - بهمزة الاستفهام وقلب الثانية ياءاً وبينهما مدة، وقرأ آخرون - أئذا - باستفهام ممدود أننا بنونين من غير استفهام.

ابن عاشور

تفسير : أعقب وصف عماية الزاعمين علم الغيب بذكر شبهتهم التي أرتهم البعث مستحيل الوقوع، ولذلك أسند القول هنا إلى جميع الذين كفروا دون خصوص الذين يزعمون علم الغيب، ولذلك عطفت الجملة لأنها غايرت التي قبلها بأنها أعم. والتعبير عنهم باسم الموصول لما في الموصول من الإيماء إلى علة قولهم هذه المقالة وهي ما أفادته الصلة من كونهم كافرين فكأنه قيل وقالوا بكفرهم أإذا كنا تراباً.. إلى آخره استفهاماً بمعنى الإنكار. أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب بزعمهم. والتأكيد بـــ{إنّ} لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار. والتأكيد تهكم. وقرأ نافع وأبو جعفر {إذا كنا تراباً} بهمزة واحدة هي همزة (إذا) على تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين، أو بجعل (إذا) ظرفاً مقدّماً على عامله والمستفهم عنه هو {إنا لمخرجون}. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في {أإذا وأإنا} على اعتبار تكرير همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من الهمزتين في الموضعين وعاصماً وحمزة حققاهما. وهؤلاء كلهم حذفوا نون المتكلم المشارك تخفيفاً من الثقل الناشىء من وقوع نون المتلكم بعد نون (إن). وقرأ ابن عامر والكسائي {أإذا} بهمزتين و{إننا} بهمزة واحدة وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام، وكلها استعمال فصيح. وقد تقدم في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن اسم الإشارة الأول وقع مؤخراً عن {أية : نحن}تفسير : في سورة المؤمنين (83) ووقع مقدماً عليه هنا، وتقديمه وتأخيره سواء في أصل المعنى لأنه مفعول ثانٍ لــــ{وعدنا} وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين. وإنما يتجه أن يُسأل عن تقديمه على توكيد الضمير الواقع نائباً على الفاعل. وقد ناطها في «الكشاف» بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله. وبينه السكاكي في «المفتاح» بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه. وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على المرفوع لكونه فيها أهم، يدلك على ذلك أن الذي قبله {إذا كنا تراباً وءاباؤنا} والذي قبل آية سورة المؤمنين {أية : أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً} تفسير : [المؤمنون: 82] فالجهة المنظور فيها هناك (في سورة المؤمنين) هي كون أنفسهم تراباً وعظاماً، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون أنفسهم وكون آبائهم تراباً لا جزء هناك من بناهم (جمع بنية) على ــــ أي باقياً ــــ صورة نفسه (أي على صورته التي كان عليها وهو حي). ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا العارض أهم اهــــ. وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوباً من مقالهم {أية : بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أإذا متنا} تفسير : [المؤمنون: 81، 82] {لقد وُعدنا هذا نحن وءاباؤنا}. وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة السابعة. والأساطير: جمع أسطورة، وهي القصة والحكاية. وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : في سورة النحل (24). والمعنى: ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطّروه وتلقفه من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَإِذَا} {تُرَاباً} {َآبَآؤُنَآ} {أَإِنَّا} (67) - وَقَالَ الكَافِرُونَ باللهِ، وَالمُكَذِّبُونَ لِرُسُلِهِ، المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ: هَلْ سَنَخْرُجُ مِنْ قُبُورِنا أحياءً كَهَيئتنا مِنْ بعدِ مَمَاتِنا، وَبَعْدَ أَنْ نَكَونَ قَد بَلِينَا، وَأَصْبَحَتْ عِظَامُنا تُراباً؟

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} يعني مشركي مكة {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} من قبورنا أحياء {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا} البعث {نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ} وليس ذاك بشيء {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينََ} أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ} على تكذيبهم إيّاك عنك {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصتّهم. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} أي دَنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أُدخل في قوله: {أية : لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}تفسير : [الأعراف: 154] و {أية : لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}تفسير : [يوسف: 43] وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له {بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ} تخفي {صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ} أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. {فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} وهو اللوح المحفوظ. {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ * إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم} أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة {بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع فلا يردّ له أمر {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} البيّن {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} الكفار كقوله {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ}تفسير : [الأنعام: 122] وقوله {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ}تفسير : [فاطر: 22]. {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} نظيره {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}تفسير : [البقرة: 18، 171]. {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل ههنا وفي سورة النمل {إِن تُسْمِعُ} وتفهم {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} بأدلّتنا وحجتنا {فَهُم مُّسْلِمُونَ} في علم الله سبحانه وتعالى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريدون أنْ يستدلوا بعدم بعث الآباء على عدم بَعْثهم، لكن مَنْ قال لهم: إن الآخرة ستأتي مع الدنيا، ما سُميِّت الآخرة إلا لأنها تأتي آخراً بعد انقضاء الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، ذكر هنا شبهات المشركين في الإِيمان بالآخرة والبعث والنشور، وأردفها بذكر الدلائل القاطعة، وذكر بعض الأهوال التي تكون بين يدي الساعة. اللغَة: {رَدِفَ} اقترب ودنا {تُكِنُّ} تُسِرُّ وتخفي {دَاخِرِينَ} ذليلن صاغرين {فَوْجاً} الفوج: الجماعة {جَامِدَةً} الجمود: سكون الشيء وعدم حركته {أَتْقَنَ} الإِتقان: الإِتيانُ بالشيء على أحسن حالاته من التمام والكمال والإِحكام {كُبَّتْ} الكبُّ: الطرح والإِلقاء يقال: كببتُ الرجل ألقيتُه على وجهه، وكببتُ الإِناء قلبتُه. التفسِير: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} أي قال مشركو مكة المنكرون للبعث: أئذا متنا وأصبحنا رفاتاً وعظاماً بالية، فهل سنخرج من قبورنا ونحيا مرة ثانية؟ {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ} أي لقد وَعدنا محمدٌ بالبعث كما وعَدَ من قبله آباءنا الأولين، فلو كان حقاً لحصل {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما هذا إلا خرافات وأباطيل السابقين. ينكرون البعث وينسون أنهم خُلقوا من العدم، وأن الذي خلقهم أولاً قادر على أن يعيدهم ثانياً! {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهؤلاء الكفار: سيروا في أرجاء الأرض {فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي فانظروا - نظر اعتبار - كيف كان مآل المكذبين للرسل؟ ألم يهلكهم الله ويدمّرهم؟ فما حدث للمجرمين من قبل، يحدث للمجرمين من بعد، والآيةُ وعيدٌ وتهديد {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} تسلية للرسول عليه السلام أي لا تحزن يا محمد ولا تأسف على هؤلاء المكذبين إنْ لم يؤمنوا، ولا يضقْ صدرك من مكرهم فإِن الله يعصمك منهم {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي يقولون استهزاءً: متى يجيئنا العذاب إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} أي لعلَّ الذي تستعجلون به من العذاب قد دنا وقرُب منكم بعضه قال المفسرون: هو ما أصابهم من القتل والأسر يوم بدر {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي لذو إفضالٍ وإِنعامٍ على الناس بترك تعجيل عقوبتهم على معاصيهم وكفرهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} أي ولكنَّ أكثرهم لا يعرفون حقَّ النعمة، ولا يشكرون ربهم {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي وإِنه تعالى ليعلم ما يُخْفون وما يعلنون من عداوة الرسول وكيدهم له وسيجازيهم عليه {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي ليس من شيء في غاية الخفاء على الناس والغيبوبة عنهم إلا وقد علمه الله وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ عنده، فلا تخفى عليه سبحانه خافية قال ابن عباس: معناه ما من شيءٍ سرٍّ في السماوات والأرض أو علانية إلا وعند الله علمه {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} لما ذكر تعالى أمر المبدأ والمعاد والنبوة، وكان القرآن من أعظم الدلائل والبراهين على صدق محمد وصدق ما جاء به، أعقبه هنا بذكر القرآن المجيد وذكر أوصافه والمعنى: إن هذا القرآن المنزَّل على خاتم الرسل لهو الكتاب الحق الذي يبين لأهل اكلتاب ما اختلفوا فيه من أمر الدين، ومن جملته اختلافهم في أمر المسيح وتفرقُهم فيه فرقاً كثيرة حتى لعن بعضهم بعضاً، فلو كانوا منصفين لأسلموا، لأن القرآن جاءهم بالرأي الساطع، والخبر القاطع {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} أي وإِنه لهداية لقلوب المؤمنين من الضلالة، ورحمة لهم من العذاب، قال القرطبي: وإِنما خصَّ المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به {إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} أي إن ربك يا محمد يفصل بين بني إسرائيل يوم القيامة بحكمه العادل، وقضائه المبرم، فيجازي المحقَّ والمبطل {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي المنيع الغالب الذي لا يُردُّ أمره {ٱلْعَلِيمُ} أي العليم بأفعال العباد فلا يخفى عليه شيء منهم {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوِّضْ إليه أمرك، واعتمد عليه في جميع شئونك فإِنه ناصرك {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} أي إنك يا محمد على الدين الحق، الواضح المنير، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي لا تُسمع الكفار لتركهم التدبر والاعتبار، فهم كالموتى لا حسَّ لهم ولا عقل {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} أي ولا تُسمعهم دعاءَك ونداءك إِذا ذكَّرتهم بالله أو دعوتهم إلى الإِيمان، لأنهم كالصُّم الذين في آذانهم وقرٌ، فلا يستجيبون الدعاء، لا سيما إذا تولَّوا عنك معرضين، فإِن الأصمَّ إذا تولى مدبراً ثم ناديته كان أبعد عن السماع حيث انضمَّ إلى صممه بُعدُ المسافة {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} أي وليس بوسعك يا محمد أن تصرف عُمي القلوب عن كفرهم وضلالهم {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} أي ما تُسمع - سماع تدبر وإِفهام - إلا المؤمنين، ولا يستجيب لدعوتك إلاّ أهل الإِيمان، وهم الذين انقادوا وأسلموا وجوههَم للرحمن.. شبَّه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى في أنهم لا يسمعون وإِن كانوا أحياء، ثم شبههم ثانياً بالصم وبالعُمي وإِن كانوا سليمي الحواس، وأكَّد عدم سماعهم بقوله {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} لأن الأصمَّ إذا أدبر زاد صممُه أو عُدم سماعُه بالكلية، والغرضُ من الآية أنَّ هؤلاء الكفار كالموتى، وكالصُمّ، وكالعُمي، لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون، ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل الكونية، أو الآيات القرآنية {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} هذا بيان لما يكون بين يدي الساعة أي وإِذا قَرُبَ نزولُ العذاب وقيام الساعة، وحان وقت عذاب الكفار {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} أي أخرجنا للكفار هذه الآية الكبيرة "دابة الأرض" تكلم الناس وتناظرهم وتقول من جملة كلامها: ألا لعنةُ الله على الظالمين، الذين لا يصدّقون ولا يؤمنون بآيات الله، وخروجُ الدابة من أشراط الساعة وفي الحديث "حديث : لا تقوم الساعةُ حتى تروا عشر آياتٍ.. وعدَّ منها طلوع الشمس من مغربها، وخروجَ الدابة.." تفسير : الحديث قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، عند فساد الناس وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، فتكلم الناس وتخاطبهم مخاطبة قال ابن عباس وعطاء: تكلمهم كلاماً فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وروي أن خروجها حين ينقطع الخير، ولا يُؤمر بمعروف ولا يُنهى عن منكر، ولا يبقى منيبٌ ولا تائب، وهي آية خاصة خارقة للعادة، ثم ذكر تعالى بعض مشاهد القيامة فقال {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} أي واذكر يوم نجمع للحساب والعقاب من كل أمةٍ من الأمم جماعة وزمرة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} أي من الجاحدين المكذبين بآياتنا ورسلنا {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي فهم يُجمعون ثم يُساقون بعنف {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً} أي حتى إذا حضروا موقف الحساب والسؤال قال لهم تعالى مُوبِخاً ومُقرِّعاً: أكذبتم بآياتي المنزلة على رسلي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، أو معرفة صدقها؟ {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تقريع وتوبيخ آخر أيْ أيَّ شيء كنتم تعملون في الدنيا؟ وبَّخهم أولاً بقوله {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} ثم اضرب عنه إلى استفهام تقرير وتبكيت كأنه قيل: دَعُوا ما نسبتُه إليكم من التكذيب وقولوا لي: أيَّ شيءٍ كنتم تعملونه في الدنيا غير التكذيب؟ {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ} أي بُهِتوا فلم يكن لهم جواب، وقامت عليهم الحجة وحقَّ عليهم العذاب، بسبب ظلمهم وهو تكذيبهم بآيات الله {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} أي فهم لا يتكلمون لأنه ليس لهم عذر ولا حجة، وقد شُغلوا بالعذاب عن الجواب.. ثم لما ذكر تعالى أهوال القيامة ذكر الأدلة والبراهين على التوحيد والحشر والنشر مبالغةً في الإِرشاد إلى الإِيمان فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي ألم يروا قدرة الله فيعتبروا أنه تعالى جعل الليل مظلماً ليناموا ويستريحوا من تعب الحياة، وجعل النهار منيراً مشرقاً ليتصرفوا فيه في طلب المعاش والرزق؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي إن في تقليب الليل والنهار من نور إلى ظلمة، ومن ظلمةٍ إلى نور لآيات باهرة، ودلائل قاطعة على قدرة الله لقومٍ يصدّقون فيعتبرون، ثم أشار تعالى إلى أحوال الناس في الآخرة فقال {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} أي واذكر يوم ينفخ إسرافيل في الصور "نفخة الفزع" فلا يبقى أحدٌ من أهل السماواتِ والأرض إلا خاف وفزع إلا من شار الله من الملائكة والأنبياء والشهداء قال المفسرون: هذه نفخة الفزع، ثم تتلوها نفخة الصَّعق - وهو الموت - ثم بعد ذلك نفخة النشور من القبور وهي نفخة القيام لرب العالمين، قال أبو هريرة: إن الملك له في الصور ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفزع - وهو فزع الحياة الدنيا - وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصَّعْق، ونفخة القيام من القبور {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} أي وكلٌّ من الأموات الذين أُحيوا أتَوْا ربَّهم صاغرين مطيعين لم يتخلف منهم أحد {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي وترى أيها المخاطب الجبال وقت النفخة الأولى تظنها ثابتة في مكانها وواقفة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} أي وهي تسير سيراً سريعاً كالسحاب قال الإِمام الفخر: ووجه حسبانهم أنها جامدة أن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهجٍ واحد ظنَّ الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مراً سريعاً {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي ذلك صنعُ الله البديع، الذي أحكم كل شيء خلقه، وأودع فيه من الحكمة ما أودع {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} أي هو عليم بما يفعل العباد من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.. ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم الرهيب فقال {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي من جاء يوم القيامة بحسنةٍ من الحسنات، فإِن الله يضاعفها له إلى عشر حسنات، ويعطيه بالعمل القليل الثواب الأبدي {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} أي وهم من خوف ذلك اليوم العصيب آمنون كما قال تعالى {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} قال ابن عباس: السيئة: الإِشراك بالله أي ومن جاء يوم القيامة مسيئاً لا حسنة له أو مشركاً بالله فإِنه يكبُّ في جهنم على وجهه منكوساً، ويُلقى فيها مقلوباً {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال لهم توبيخاً: هل تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من سيء الأعمال؟ {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} أي قل لهم يا محمد: لقد أُمرت أن أخصَّ الله وحده بالعبادة ربَّ البلد الأمين الذي جعل مكة حرماً آمناً لا يُسفك فيها دم، ولا يُظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها ولا يُختلى خلاها كما جاء في الحديث الصحيح {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} أي هو تعالى الخالق والمالك لكل شيء فهو رب كل شيء ومليكه {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي وأُمرتُ أن أكون من المخلصين لله بالتوحيد، المنقادين لأمره، المستسلمين لحكمه {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ} أي وأُمرتُ أيضاً بتلاوة القرآن لتنكشف لي حقائقه الرائعة، وأن أقرأه على الناس {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} أي فمن اهتدى بالقرآن، واستنار قلبه بالإِيمان، فإِن ثمرة هدايته راجعة إليه {وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} أي ومن ضلَّ عن طريق الهدى، فوبالُ ضلاله مختص به، إذْ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغتكم رسالة الله {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي قل يا محمد: الحمد لله على ما خصني به من شرف النبوة والرسالة، وما أكرمني من رفيع المنزلة والمقام {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} تهديد ووعيد أي سيريكم آياته الباهرة الدالة على عظيم قدرته وسلطانه في الأنفس والآفاق فتعرفونها حين لا تنفعكم المعرفة {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي وما ربك بغافل عن أعمال العباد بل هو على كل شيء شهيد، وفيه وعدٌ ووعيد. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام الإِنكاري {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ} وتكرير الهمزة {أَإِنَّا} للمبالغة في التعجب والإِنكار. 2- الوعيد والتهديد {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}. 3- التأكيد بإِن واللام {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ} {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ} {وَإِنَّهُ لَهُدًى}. 4- الطباق {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} لأن معنى {تُكِنُّ} تخفي. 5- الاستعارة البديعة {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ} لأن القصص لا يوصف به إلا الناطق المميز، ولكنَّ القرآن لما تضمَّن نبأ الأولين، كان الشخص الذي يقصُّ على الناس الأخبار ففيه استعارةٌ تبعية. 6- المبالغة {ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} لأن صيغة فعيل من صيغ المبالغة. 7- الاستعارة التمثيلية {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} التعبير بالموتى، والصم، والعمي، جاء كله بطريق الاستعارة، وهو تمثيل لأحوال الكفار في عدم انتفاعهم بالإِيمان بأنهم كالموتى والصم والعمي. 8- أسلوب التوبيخ والتأنيب {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؟ 9- الطباق {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ.. وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ}. 10- التشبيه البليغ {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} أي تمرُّ كمرِّ السحاب في السرعة، حذفت الأداة ووجه الشبه فأصبح تشبيهاً بليغاً مثل محمد قمر. 11- الإِحتباك {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} حُذف من أوله ما أُثبت في آخره وبالعكس، أصله جعلنا الليل مظلماً لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتتصرفوا فيه فحذف "مظلماً" لدلالة "مبصراً" عليه، وحذف "لتتصرفوا فيه" لدلالة {لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} وهذا النوع يسمى الإِحتباك وهم من المحسنات البديعية.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من شدة إنكارهم وتكذيبهم {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله وبجميع ما وعد سبحانه في يوم العرض والجزاء، على سبيل الاستبعاد والاستنكار مستفهمين مستهزئين: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ} أيضاً كذلك {أَإِنَّا} وهم {لَمُخْرَجُونَ} [النمل: 76] من قبورنا أحياة على الوجه الذي كنا عليه في مدة حياتنا قبل طريان الموت علينا، كلا وحاشا؛ إذ هو من جملة الأمور المستحيلة التي تأبى العقول عن قبولها. ولا منشأ له سوى أنَّا {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا} أي: البعث والحشر {نَحْنُ} اليوم على هذا المدعي للرسالة والنبوة {وَ} وعد {آبَآؤُنَا} أيضاً {مِن قَبْلُ} على ألسنة المدعين الآخرين الذين مضوا، وكان أسلافهم أيضاً كذلك على ألسنة أسلاف آخرين مدعين وهكذا، وبالجملة: {إِنْ هَـٰذَآ} أي: ما هذا الوعد بالبعث والجزاء {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النمل: 68] أي: أكاذيبهم الموروثة لأخلافهم اللاحقين المتأخرين عنهم، وبالجملة: ها ديدنة قديمة، وعادة مستمرة بقيت بين الأنام من قديم الأيام؛ لتخويف العوام بلا وقوع ولا إمكان وقوع أيضاً. ثمَّ لمَّا بالغ أولئك الهالكون في تيه الضلال في تكذيب يوم الجزاء، وأصروا على ما هم عليه من الكفر والإنكار من متابعة الأهواء والآراء {قُلْ} يا أكمل الرسل كلاماً خالياً عن وصمة المجادلة والمراء، وما درأ عن محض العبرة والحكمة والاستبصار آمراً لهم على سبيل الاعتبار: {سِيرُواْ} أيها المنكرون المكابرون ليوم العرض والجزاء {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل العبرة ونزول الاستبصار {فَٱنظُرُواْ} معتبرين متأملين {كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [النمل: 69] المكذبين كمال قدرة الله القادر المقتدر على كل ما أراد وشاء بلا فتور ولا قصور. ولا ينتهي قدرته دون مراد ومقدور، بل له إعادته كما له إبراؤه من جمع أجزائه ولوازمه وعوارضه من الزمان والمكان، والحركات والسكنات، وجميع الأطوار والأحوال الطارئة عليها من مبدأ حدوثها إلى منتهى حياتها؛ إذ جميع ما جرى عليه وصدر عنه حاضر عنده سبحانه، غير مغيب عنه بلا انقضاء في حضرة علمه، وإمضاء من لوح قضائه؛ إذ عنده سبحانه لا زمان ولا مكان؛ حتى يتصور الانقراض والانقضاء، واستبعاد هذه المسألة إنما يجيء من العقول السخيفة، والأحلام الضعيفة المحبوسة؛ لمضيق الزمان والمكان المتحصنة بحصون الجهات والأبعاد المقيدة بسلاسل الأيام وأغلال الليالي. ومن انكشف له بصر بصيرته، وارتفع عنه سبل السدل وحول التحويل، ومدد التغير والتبديل، واكتحل عن عبرته بكحل الكشف والشهود، اضمحل دونه الزمان والاستمرار ولم يبقَ في عين عبرته وشهوده سوى الله الواحد القهار لجميع الأغيار، فسمع عنه وأبصر به وأظهر عليه، وفني فيه وبقي لديه ورجع إليه، وبدأ منه وعاد عليه قائلاً لسان حاله ومقاله: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 156]، {أية : رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 53] برحمتك وجودك يا أرحم الراحمين. {وَ} بعدما هدد سبحانه مكذبي وعده ووعيده بما هدد، وأقرعهم بما قرع أراد سبحانه أن يسلي حبيبه صلى الله عليه وسلم بما لحق له من أذى المنكرين المكذبين بقوله: {لاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} إن كذبوك وأعرضوا عنك يا أكمل الرسل {وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ} وسآمة {مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل: 70] أي: من مكرهم وحيلهم، فإن الله يكفيك مؤنة شرورهم، وكن في نفسك يا أكمل الرسل واسع الصدر، طلق الوجه، مسرور القلب، فإن الله ناصرك ومعينك في كل الأحوال، يحفظك عن شرورهم ومكرهم وسيغلبك عليهم، ويظهر دينك على الأديان كلها في أقطار الأرض وأنحائها، {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}تفسير : [النساء: 6]. {وَ} من شدة شكيمتهم، وكمال إنكارهم وضغينتهم {يَقُولُونَ} متهكمين: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} والعذاب الموعود؟ وفي أي آنٍ يظهر؟ وأي زمان يقوم؟ عينوا لنا وقته أيها المدعون {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 71] في دعواكم وقوعه ونزوله. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما اقترحوا عليك وألحوا: {عَسَىٰ} أي: دنا وقرب {أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} أي: تبعكم ولحقكم، واللام للتوكيد {بَعْضُ} العذاب {ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل: 72] نزوله وحلوله فلحقهم، وهو عذاب يوم بدر. {وَ} سيلحقهم عن قريب كلها أيضاً، لكن من سنته سبحانه إمهال عباده زماناً؛ رجاء أن ينتبهوا، ويتوبوا عما أصروا عليه {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَذُو فَضْلٍ} عظيم ورحمة واسعة شاملة {عَلَى} جميع {ٱلنَّاسِ} الناسين سوابق عهودهم مع الله المدبر لأحوالهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [النمل: 73] نعمة الإمهال؛ حتى يخلصوا من نقمته وعذابه؛ لذلك لحقهم ما لحقهم من العذاب. ومن جملة كفرانهم بنعم الحق: إنهم أرادوا أن يخدعوا مع الله ورسوله، ولا يشكروا لنعمه الإرسال والإرشاد، بل ينكروا عليها في نفوسهم، ويظهروا على الناس أنهم مؤمنون مع أنهم ليسوا كذلك؛ وقصدوا بذلك التلبيس والخداع، ولا ينفع لهم هذا. {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {لَيَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا تُكِنُّ} وتخفي {صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74] ويظهرونه من إيمان وكفر، وفساد وصلاح، وعهد ونقض؛ إذ لا يخفى عليه سبحانه شيء من أحوال عباده، وما جرى عليهم في ظواهرهم وبواطنهم. {وَ} كيف يخفى عليه شيء من أحوالهم؛ إذ {مَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي} طي {ٱلسَّمَآءِ} و{وَٱلأَرْضِ} حتى النقير والقطمير، وما يعقل ويحس به، ويعبر عنه ويومئ إليه، ويرمز نحوه إلى ما شاء الله {إِلاَّ} مثبت محفوظ {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] هو لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي الذي فصل فيه جميع ما كان ويكون أزلاً وأبداً؛ بحيث لا يشذ عن حيطته ما من شأنه أن يعلم ويحس به.