Verse. 3234 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَمَا مِنْ غَاۗىِٕبَۃٍ فِي السَّمَاۗءِ وَالْاَرْضِ اِلَّا فِيْ كِتٰبٍ مُّبِيْنٍ۝۷۵
Wama min ghaibatin fee alssamai waalardi illa fee kitabin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما من غائبة في السماء والأرض» الهاء للمبالغة: أي شيء في غاية الخفاء على الناس «إلا في كتاب مبين» بَيِّن هو اللوح المحفوظ ومكنون علمه تعالى ومنه تعذيب الكفار.

75

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِى ٱلسَّمآءِ وَٱلأَرْضِ } الهاء للمبالغة: أي شيء في غاية الخفاء على الناس {إِلاَّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } بيّن هو اللوح المحفوظ ومكنون علمه تعالى، ومنه تعذيب الكفار.

ابن عطية

تفسير : التاء في {غائبة} للمبالغة، أي ما من شيء في غائبة الغيب والخفاء {إلا في كتاب} عند الله عز وجل وفي مكنون علمه، ثم نبه تعالى على {إن هذا القرآن} أخبر {بني إسرائيل} بأكثر الأشياء التي كان بينهم الخلاف في صفتها فجاءت في القرآن على وجهها، ثم وصفه تعالى بأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كما أنه عمى على الكافرين المحتوم عليهم ومعنى ذلك أن كفرهم استتب مع قيام الحجة ووضوح الطريق فكثر عماهم بهذه الجهة ثم أخبر أن ذلك كله بقضاء من الله وحكم قضاه فيهم وبينهم، ثم أمره بالتوكل عليه والثقة بالله وبأنه {على الحق} أي إنك الجدير بالنصرة والظهور، ثم سلاه عنهم وشبههم بـ {الموتى} من حيث الفائدة في القول لهؤلاء وهؤلاء معدومة فشبههم مرة بـ {الموتى} ومرة بـ {الصم}، قال العلماء: الميت من الأحياء هو الذي يلقى الله بكفره. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: واحتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما أنتم بأسمع منهم" تفسير : فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد عليه السلام في أن رد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم. وقد عورضت هذه الآية بالسلام على القبور وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير معارض للآية لأن السلام على القبور إنما هو عبادة وعند الله الثواب عليها وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة الموتى في حياتهم، وإن جوزنا مع هذا أن الأرواح في وقت على القبور فإن سمع فليس الروح بميت وإنما المراد بقوله {إنك لا تسمع الموتى} الأشخاص الموجودة مفارقة لأرواحها، وفيها تقول خرفت العادة لمحمد عليه السلام في أهل القليب وذلك كنحو قوله صلى الله عليه وسلم في الموتى "حديث : إذا دخل عليهم الملكان إنهم يسمعون خفق النعال"تفسير : ، وقرأ ابن كثير "ولا يسمع" بالياء من تحت "الصمُّ" رفعاً ومثله في الروم، وقرأ الباقون "تُسمع" بالتاء "الصمَّ" نصباً، وقرأ جمهور القراء "بهادي العمي" بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة "بهادٍ العميَ" بتنوين الدال ونصب "العميَ"، وقرأ حمزة وحده "وما أنت تهدي العمي" بفعل مستقبل وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن يعمر، وفي مصحف عبد الله "وما أن تهدي العمي"، ومعنى قوله {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض}، إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله تعالى في ذلك أي حتمه عليهم، وقضاؤه وهذا بمنزلة قوله تعالى: {أية : حقت كلمة العذاب} تفسير : [الزمر: 71] فمعنى الآية وإذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ينقطع الخير ولا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب، كما أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ووقع، عبارة عن الثبوت واللزوم وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط وإن لم تعين الأولى وكذلك الدجال. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الأحاديث والروايات أن الشمس آخرها لأن التوبة تنقطع معها وتعطي الحال أن الإيمان لا يبقى إلا في أفراد وعليهم تهب الريح التي لا تبقي إيماناً وحينئذ ينفخ في الصور، ونحن نروي أن الدابة تسم قوماً بالإيمان وتجد أن عيسى ابن مريم يعدل بعد الدجال ويؤمن الناس به وهذه الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة قاله عبد الله بن عمر، وقال عبد الله بن عمرو نحوه، وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث خرجات، وروي أنها دابة مزغبة شعراء، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وذكر الثعلبي عن أبي الزبير نحوه، وروي أنها دابة مبثوث نوعها في الأرض فهي تخرج في كل بلد وفي كل قوم، فعلى هذا التأويل {دابة} إنما هو اسم جنس، وحكى النقاش عن ابن عباس أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، وقرأ جمهور الناس "تكلمهم" من الكلام، وفي مصحف أبيّ "تنبئهم"، وفسرها عكرمة بتسمهم قال قتادة: وفي بعض القراءة تحدثهم. وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريج "تكلِمهم" بكسر اللام من الكلم وهو الجرح، قال أبو الفتح: وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وقال ابن عباس: كلا والله تفعل تكلمهم وتكلمهم. قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا أنها تمر على الناس فتسم الكافر في جبهته وتزجره وتشتمه وربما حطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ذلك الإيمان والكفر من أثرها، وقرأ جمهور القراء "إن الناس" بكسر "إن" وقرأ حمزة والكسائي وعاصم " أن" بفتح الألف، وفي قراءة عبد الله "تكلمهم بأن" وهذا تصديق للفتح، وعلى هذه القراءة يكون قوله {إن الناس} إلى آخر القراءة من تمام كلام الدابة، وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله عز وجل.

ابن عبد السلام

تفسير : {غَآئِبَةٍ} جمع ما خفي عن الخلق، أو القيامة، أو ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض. {كِتَابٍ مُّبِينٍ} اللوح المحفوظ، أو القضاء المحتوم.

القشيري

تفسير : ما من شيء إلاَّ مُثْبَتٌ في اللوح المحفوظ حُكْمُه، ماضيةٌ فيه مشيئته، متعلِّقٌ به عِلْمُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما من غائبة فى السماء والارض الا فى كتاب مبين} [وهيج نيست بوشيده در آسمان وزمين مرك نوشته در كتابى روشن يعنى لوح محفوظ وباوعلم حق محيط] والغائبة من الصفات التى تدل على الشدة والغلبة والتاء للمبالغة كأنه قال وما من شىء شديد الغيبوبة والخفاء الا وقد علمه الله تعالى واحاط به فالغيب والشهادة بالنسبة الى علمه تعالى وشهوده على السواء كما قال فى بحر الحقائق هذا يدل على انه ماغاب عن علمه شىء من المغيبات الموجود منها والمعدوم واستوى فى علمه وجودها وعدمها على ماهى به بعد ايجادها فلا تغيرفى علمه تعالى عند تغيرها بالايجاد فيتغير المعلوم ولا يتغير العلم بجميع حالاته على ماهو به انتهى فعلى الانسان ترك النسيان والعصيان فان الله تعالى مطلع عليه وعلى افعاله وان اجتهد فى الاخفاء: قال الشيخ سعدى فى البستان شعر : بكى متفق بود بر منكرى كذر كرد بروى نكو محضرى نشست ازخجالت عرق كرده روى كه ايا خجيل كشتم از شيخ كوى شندي اين سخن شيخ روشن روان بروبر بشوريد وكفت اى جوان نيايد همى شرمت از خويشتن كه حق حاضر وشرم دارى زمن جنان شرم دار ازخداوند خويش كه شرمت زبيكانكانست وخويش نياسايى از جانب هيج كس بروجانب حق نك دار وبس بترس ازكناهان خويش اين نفس كه روز قيامت نه ترسى زكس نر يزد خدا آب روى كسى كه ريزد كناه آب جشمش بسى تفسير : ثم انه ينبغى للمؤمن ان يكون سليم الصدر ولا يكن فى نفسه حقدا وحسدا وعداوة لاحد وفى الحديث "حديث : ان اول من يدخل من هذا الباب رجل من اهل الجنة" فدخل عبدالله بن سلام رضى الله عنه فقام اليه ناس من اصحاب رسول الله فاخبروه بذلك وقالوا لو اخبرتنا باوثق عملك نرجو به فقال انى ضعيف وان اوثق ما ارجو به سلامة الصدر وترك مالا يعنينى تفسير : ففى هذا الخبر شيآن احدهما اخباره عليه السلام عن الغيب ولكن بواسطة الوحى وتعليم الله تعالى فان علم الغيب بالذات مختص بالله تعالى والثانى ان سلامة الصدر من اسباب الجنة وفى الحديث "حديث : لايبلغنى احد من اصحابى عن احد شيئا فانى احب ان اخرج اليكم وانا سليم الصدر"تفسير : وذلك ان المرء مادام لم يسمع عن اخيه الا مناقبه يكون سليم الصدر فى حقه فاذا سمع شيئا من مساويه واقعا او غير واقع يتغير له خاطره شعر : بدى در قفا عيب من كرد وخفت بترزو قرينى كه آورد وكفت يكى تيرى افكند ودرره فتاد وجودم نيازرد ورنجم نداد تو برداشتى وآمدى سوى من همى درسبوزى به يهلوى من تفسير : والنصيحة فىهذا للعقلاء ان يصيخوا الى الواشى والنمام والغياب والعياب فان عرض المؤمن كدمه ولا ينبغى اساءة الظن فى حق المؤمن بادنى سبب وقد ورود (الفتنة نائمة لعن الله من ايقضها) شعر : ازان همنشين تاتوانى كريز كه مرفتنه خفته را كفت خير كسى را كه نام آمد اندر ميان به نيكوا ترين نام ونعتش بخوان جو همواره كويى مردم خرند مبر ظن كه نامد جو مردم برند كسى بيش من درجهان عاقلست كه مشغول خوددرجهان غافلست كسانى كه بيغام دشمن برند زدشمن همانا كه دشمن ترند كسى قول دشمن نيارد بدوست مكر آنكهى دشمن يار اوست مريز آب روى برادر بكوى كه دهرت نريزد بشهر آب روى ببد كفتن خلق جون دم زدى اكر راست كويى سخن هم بدى تفسير : نسأل الله العصمة

الجنابذي

تفسير : {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ} مصدر او اسم مصدر بمعنى ما غاب او اسم خالص بمعناه او وصف بمعنى خصلة او ذرّة غائبة {فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} ظاهر بنفسه او ظاهر ما فيه او مظهر ما فيه، وهذا من قبيل التّعميم يعنى يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون بل جميع الذّرّات الغائبة عن جميع الخلق فى السّماوات والارض.

اطفيش

تفسير : {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ} من صلة للتأكيد وغائبة صفة لمذكر محذوف فتاؤه للمبالغة اي ما من شيء غائبة او لمؤنث محذوف فالتاء للتأنيث أي ما من فعله أو جملة غائبة او اسم لما غاب فالتاء للتأنيث أي ما من فعلة او جملة غائبة او اسم لما غاب فالتاء تاء النقل من الوصفية كالعاقبة والعافية والنصيحة والأولى أولى أي ما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء عن الخليقة. {فِي السَّمَاءِ والأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} مثبت في اللوح المحفوظ وهو المبين الظاهر لمن ينظر فيه من الملائكة.

اطفيش

تفسير : {ومَا مِنْ غائبةٍ فى السَّماء والأرض} اسم للأشياء الغائبة تغلبت عليه الاسمية من اول الموضع، فتاؤه ليست للتأنيث، بل للنقل من الوصفية الى الاسمية، والفرق بين المنقول والمنقول عنه، أو للمبالغة ويجرى على المذكر والمؤنث كالرواية للرجل الكثير الرواية، أو مأخوذ من الوصف والمتغلب الاسمية، يجوز اجراؤه على موصوف مذكر، والمنقول من الوصف لا يجرى على موصوف، وقيل: الغائبة يوم القيامة وأحواله، وقيل: الحوادث والنوازل، وقيل: أعمال العباد، وقيل: أنواع عذاب السماء والأرض. {إلاَّ فى كتاب مُبينٍ} ظاهر أو مظهر لما يخفى بالوحى، أو بمطالعة الملائكة له، والمراد من الدين والدنيا، لا كل شىء، لأن الأشياء لا تتناهى بعد البعث، فلا يسعها اللوح، نعم هى فى علم الله كلها، مع انها لا تتناهى ومحصور له مع عدم تناهيها، وهذا مما يختص به الله، وقيل: المراد علمه الأزلى للذى هو مبدئى لاظهار الأشياء بالقدرة والإرادة، وقيل القرآن بحسب إدراكات العقول له.

الالوسي

تفسير : {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } أي من شيء خفي ثابت الخفاء فيهما؛ على أن {غَائِبَةٍ } صفة غلبت في هذا المعنى فكثر عدم إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت وإن لم تنقل إلى الاسمية كمؤمن وكافر، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحظ لها موصوف تجري عليه كالراوية للرجل الكثير الرواية فهي تاء مبالغة، ويجوز أن تكون صفة منقولة إلى الاسمية سمي بها ما يغيب ويخفى، والتاء فيها للنقل كما في الفاتحة، والفرق بين المغلب والمنقول - على ما قال الخفاجي - أن الأول يجوز إجراؤه على موصوف مذكر بخلاف الثاني. والظاهر عموم الغائبة أي ما من غائبة كائنة ما كانت {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } أي بين، أو مبين لما فيه لمن يطالعه وينظر فيه من الملائكة عليهم السلام وهو اللوح المحفوظ، واشتماله على ذلك إن كان متناهياً لا إشكال فيه وإن كان غير متناه ففيه إشكال ظاهر ضرورة قيام الدليل على تناهي الأبعاد واستحالة وجود ما لا يتناهى، ولعل وجود الأشياء الغير المتناهية في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ على نحو ما يزعمونه من وجود الحوادث في «الجفر الجامع» وإن لم يكن ذلك حذو القذة بالقذة. وقيل: المراد بالكتاب المبين علمه تعالى الأزلي الذي هو مبدأ لإظهار الأشياء بالإرادة والقدرة، وقيل: حكمه سبحانه الأزلي وإطلاق الكتاب على ما ذكر من باب الاستعارة ولا يخفى ما في ذلك. وقيل: المراد به القرإن واشتماله على كل غائبة على نحو ما ذكرنا في اشتمال اللوح المحفوظ عليه، وقد ذكر أن بعض العارفين استخرج من الفاتحة أسماء السلاطين العثمانية ومدد سلطنتهم إلى آخر من يتسلطن منهم أدام الله تعالى ملكهم إلى يوم الدين ووفقهم لما فيه صلاح المسلمين. وذكر بعضهم في هذا الوجه أنه مناسب لما بعد من وصف القرآن وفيه ما فيه، وقال الحسن: الغائبة هو / يوم القيامة وأهوالها، وقال صاحب «الغنيان»: الحوادث والنوازل، وقيل: أعمال العباد، وقيل: ما غاب من عذاب السماء والأرض، والعموم أولى، وروي ذلك عن ابن عباس، فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: في الآية يقول سبحانه: ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه سبحانه وتعالى، وأخذ منه بعضهم حمل الكتاب على العلم الأزلي، وفيه نظر لجواز أن يكون قد جعل كون ذلك في كتاب مبين كناية عن علمه تعالى به. وذهب أبو حيان إلى أنه رضي الله تعالى عنه اعتبر في الآية حذف أحد المتقابلين اكتفاءاً بالآخر وكلامه رضي الله تعالى عنه محتمل لذلك، ويحتمل أنه ذكر العلانية في بيان المعنى لأن من علم السر علم العلانية من باب أولى، ويحتمل أن ذلك لأنه ما من علانية إلا وهي غيب بالنسبة إلى بعض الأشخاص، فيكون قد أشار رضي الله تعالى عنه ببيان المعنى وذكر السر والعلانية فيه إلى أن المراد - بغائبة - في الآية ما يشملهما وهو ما اتصف بالغيبة أعم من أن تكون مطلقة أو إضافية كذا قيل فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}تفسير : [النمل: 74]. وهو في معنى الذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم الله بضمائرهم فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض. وإنما جاء معطوفاً لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم الله تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما يعلنون. والغائبة: اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالتاء في العافية، والعاقبة، والفاتحة. وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد الحضور، والمراد: الغائبة عن علم الناس. استعمل الغيب في الخفاء مجازاً مرسلاً. والكتاب يعبر به عن علم الله، استعير له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم قبول التغيير. ويجوز أن يكون مخلوقاً غيبياً يسجل فيه ما سيحدث. والمبين: المفصل، لأن الشيء المفصل يكون بيّناً واضحاً. والمعنى: أن الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين. وذلك يقتضي أن كل ما يتلقاه الرسل من جانب الله تعالى فهو حق لا يحتمل أن يكون الأمر بخلافه. ومن ذلك ما كان الحديث فيه من أمر البعث الذي أنكروه وكذبوا بما جاء فيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {غَآئِبَةٍ} {كِتَابٍ} (75) - وَمَا مِنْ أَمرٍ مَكتُومٍ، وَسِرٍّ خَفِيٍّ، يَغِيب عَنِ النَّاظِرِينَ (غَائِبَةٍ)، في السَّماءِ ولا في الأَرْضِ، إِلاَّ وَيَعلَمُ اللهُ تَعَالى بهِ، وَقَدْ أَثبَتَهُ في أُمِّ الكِتَابِ، الذِي لا يُغَادِرُ صَغِيرةً ولا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا، وَقَدْ أَثبَتَ فيهِ تَعَالى كُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ، وَمَا سَيَكُونَ من ابتِداءِ الخَلْقِ حَتَّى قِيامِ السَّاعةِ. غَائِبَةٍ - مَا غَابَ عَنِ النَّاظِرينَ، وَخَفِيَ عَنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {غَآئِبَةٍ ..} [النمل: 75] يعني: الشيء الغائب، ولحقتْ به التاء الدالة على المبالغة، كما نقول في المبالغة: راوٍ وراوية، ونسَّاب ونسَّابه، وعالم وعلامة، كذلك غائب وغائبة، مبالغة في خفائها. و(مِنْ) هنا يرى البعض أنها زائدة، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له، والبعض تأدب مع القرآن فقال (من) هنا صلة، لكن صلة لأي شيء؟ إذن: لا بد أن لها معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي مال، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به، ولا يمنع أن يكون معك مثلاً عدة قروش لا يقال لها مال، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول: ما عندي من مال، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي. فالمعنى {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أن الله تعالى يحيط علمه أزلاً بكل شيء، مهما كان صغيراً لا يُعتدُّ به، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها أَزَلاً، فمثلاً لما ذكر الحق - تبارك وتعالى - وسائل النقلِ والمواصلات في زمن نزول القرآن قال: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 8]. فلولا تذييل الآية بقوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 8] لكان فيها مأخذ على القرآن، وإلاَّ فأين السيارة والطائرة والصاروخ في وسائل المواصلات؟ إذن: نستطيع الآن أنْ نُدخِل كل الوسائل الحديثة تحت {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 8]. وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق - سبحانه وتعالى - ألاَّ يُعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه باختياره، كما حدث في مسألة تحويل القبلة: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142]. فيعلنها الله تعالى صراحة، ويُسمِّيهم سفهاء؛ لأنهم يعادون الله ويعادون رسول الله، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا فعلاً ما حكاه القرآن عنهم. ولم نَرَ منهم عاقلاً يتأمل هذه الآية، ويقول: ما دام أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله، وفي هذه الحالة يجوز لهم أنْ يتهموا القرآن وينالوا من صِدْقه ومن مكانة رسول الله، لكن لم يحدث وقالوا فعلاً بعد نزول الآية: {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة، قالوه مع ما لهم من عقل واختيار. وهذه المسألة حدثتْ أيضاً في شأن أبي لهب لما قال الله عنه: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}تفسير : [المسد: 1-3]. لأنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ليبلغهم دعوة الله، فقال له: تباً لك ألهذا جمعتنا. وأبو لهب عم رسول الله، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه، فلعله يؤمن كما آمن حمزة وصار أسد رسول الله، وكما آمن العباس بن عبد المطلب. فلما نزلت {أية : تَبَّتْ يَدَآ ..}تفسير : [المسد: 1] كان بإمكانه أنْ يُكذِّبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو نفاقاً، فله على ذلك قدرة، وله فيه اختيار، لكنه لم يفعل. إذن: من عظمة كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أنْ يحكم حكماً على مختار كافر به، وهو قرآن يُتْلَى علانيةً على رؤوس الأشهاد، ومع ذلك لا يستطيع التصدِّي له، ويبقى القرآن حُجَّة الله على كل كافر ومعاند. ولما نتأمل قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولَّى حفظه بنفسه - سبحانه وتعالى - ولم يُوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثاً لم توجد بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويُسجِّلها ويعلنها، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة. فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألاَّ تطاوعه؛ لأنه مالكها، ألاَ ترى أن الإنسان يحفظ (الكمبيالة) التي له، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربُّنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى. واقرأ إن شئت: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45] فالله يُسجِّلها على نفسه ويحفظها؛ لأنه القادر على الإنفاذ، وفعلاً هُزِم الجمع وولَّوْا الأدبار وصدق الله.