Verse. 3235 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اِنَّ ہٰذَا الْقُرْاٰنَ يَقُصُّ عَلٰي بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ اَكْثَرَ الَّذِيْ ہُمْ فِيْہِ يَخْتَلِفُوْنَ۝۷۶
Inna hatha alqurana yaqussu AAala banee israeela akthara allathee hum feehi yakhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل» الموجودين في زمان نبينا «أكثر الذي هم فيه يختلفون» أي ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا.

76

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه لما تمم الكلام في إثبات المبدإ والمعاد، ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة، ولما كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن، لا جرم بين الله تعالى أولاً كونه معجزة من وجوه: أحدها: أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في التوراة والإنجيل مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أمياً، وأنه لم يخالط أحداً من العلماء ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم، فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل الله تعالى، واختلفوا فقال بعضهم أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم، وقال بعضهم بل أراد به أخبار الأنبياء، والأول أقرب وثانيها: قوله: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ } وذلك لأن بعض الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوة، وشرح صفات الله تعالى وبيان نعوت جلاله ما لم نجده في شيء من الكتب، ووجدنا ما فيه من الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها، وجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة على جمع كتاب على هذا الوجه، فعلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة وثالثها: أنه هدى ورحمة للمؤمنين، لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجز، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزاً دالاً على الرسالة ذكر بعده أمرين: الأول: قوله: {إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، لكن لا تكن أنت في قيدهم، فإن ربك هو الذي يقضي بينهم، أي بين المصيب والمخطىء منهم، وذلك كالزجر للكفار فلذلك قال: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي القادر الذي لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا الحق، فإن قيل القضاء والحكم شيء واحد فقوله: {يَقْضِى بِحُكْمِهِ } كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه والجواب: معنى قوله: {بِحُكْمِهِ } أي بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، أو أراد بحكمه، ويدل عليه قراءة من قرأ (بحكمه) جمع حكمة الثاني: أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على الله، ولا يلتفت إلى أعداء الله، ويشرع في تمشية مهمات الرسالة بقلب قوي، فقال {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ثم علل ذلك بأمرين: أحدهما: قوله: {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقّ ٱلْمُبِينِ } وفيه بيان أن المحق حقيق بنصرة الله تعالى وأنه لا يخذل وثانيهما: قوله: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ } وإنما حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل، وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئاً فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته، فالله سبحانه وتعالى قطع محمداً صلى الله عليه وسلم عنهم بأن بين له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين كما ينبغي، فإن قيل ما معنى قوله: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } جوابه: هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته. أما قوله تعالى: {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } فالمعنى ما يجدي إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها فهم مسلمون، أي مخلصون من قوله: { أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } تفسير : [البقرة: 112] يعني جعله سالماً لله تعالى خالصاً له، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وذلك أنهم اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضاً فنزلت. والمعنى: إن هذا القرآن يبيّن لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به، وذلك ما حرّفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام. {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به. {إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} أي يقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحقّ والمبطل. وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرّفوه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع الغالب الذي لا يردّ أمره {ٱلْعَلِيمُ } الذي لا يخفى عليه شيء. قوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوّض إليه أمرك واعتمد عليه؛ فإنه ناصرك. {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} أي الظاهر. وقيل: المظهر لمن تدبر وجه الصواب. {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} يعني الكفار لتركهم التّدبر؛ فهم كالموتى لا حسّ لهم ولا عقل. وقيل: هذا فيمن علم أنه لا يؤمن. {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} يعني الكفار الذين هم بمنزلة الصم عن قبول المواعظ؛ فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون؛ نظيره: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} تفسير : [البقرة: 18] كما تقدّم. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو: {وَلاَ يَسْمَعُ} بفتح الياء والميم {الصُّمُّ} رفعاً على الفاعل. الباقون {تُسْمِعُ} مضارع أسمعت {الصُّمَّ} نصباً. مسألة: وقد احتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية؛ فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أنتم بِأَسْمَعَ مِنْهم»تفسير : قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صلى الله عليه وسلم في أن رّد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين. قلت: روى البخاري رضي الله عنه؛ حدّثني عبد الله بن محمد سمع رَوْح بن عُبادة قال: حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال: ذَكَر لَنا أنس بن مالك حديث : عن أبي طلحة أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقُذِفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر خَبيثٍ مُخْبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومَ الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلُها ثم مشى وتبعه أصحابُه، قالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الرَّكِيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؛ فإنا قد وجدنا ما وَعَدنا ربّنا حقًّا فهل وجدتم ما وَعَد رَبُّكم حقًّا؛ قال فقال عمر: يا رسول اللهٰ ما تُكلِّم من أجساد لا أرواح لها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»تفسير : قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونِقمةً وحسرةً وندماً. خرجه مسلم أيضاً. قال البخاري: حدّثنا عثمان قال حدّثنا عَبْدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قلِيب بدر فقال: «هل وجدتم ما وَعَد رَبُّكُمْ حَقًّا» ثم قال: «إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأتْ {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر وبالسلام على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ذلك؛ فلو لم يسمع الميت لم يُسلَّم عليه. وهذا واضح وقد بيّناه في كتاب «التذكرة». قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} أي كفرهم؛ أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم. وقرأ حمزة: {وَمَا أَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ} كقوله: {أية : أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} تفسير : [يونس: 43]. الباقون: {بِهَادِي الْعُمْي} وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي «الروم» مثله. وكلهم وقف على {بِهَادِي} بالياء في هذه السورة وبغير ياء في «الروم» اتباعاً للمصحف، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعاً بالياء. وأجاز الفراء وأبو حاتم: {وَمَا أَنْتَ بهَادٍ الْعُمْيَ} وهي الأصل. وفي حرف عبد الله {وَمَا أَنْ تَهْدِي الْعُمْيَ}. {إِن تُسْمِعُ} أي ما تسمع. {إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} قال ابن عباس: أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان: أنه يقص على بني إسرائيل، وهم حملة التوراة والإنجيل {أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} كاختلافهم في عيسى، وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام؛ كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} تفسير : [مريم: 34]، وقوله: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} أي: هدى لقلوب المؤمنين به، ورحمة لهم في العمليات. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} أي: يوم القيامة {بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: في انتقامه {ٱلْعَلِيمُ} بأفعال عباده وأقوالهم، {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: في جميع أمورك، وبلغ رسالة ربك {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} أي: أنت على الحق المبين، وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليه الشقاوة، وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية، ولهذا قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: لا تسمعهم شيئاً ينفعهم، فكذلك هؤلاء، على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} أي: إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضعُ لله ولما جاء عنه على ألسنة الرسل عليهم السلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءِيلَ } الموجودين في زمان نبينا {أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} الآية، لما تمَّمَ الكلام في إثبات المبدأ والمعاد، ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة، ولمَّا كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي القرآن لا جرم بيّن الله تعالى أولاً كونه معجزة من وجوه. أحدها: أنّ الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة للمذكور في التوراة والإنجيل، مع العلم بأنه - عليه السلام - كان أُمّيّاً - ولم يخالط العلماء، ولم يشتغل بالاستفادة والتعلّم، فإذن لا يكون ذلك إلاّ من قِبَل الله تعالى، وأراد ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقبل ما حرّفه بعضهم، وقيل: إخبار الأنبياء. وثانيها: قوله {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ}، وذلك لأنّا تأملنا في القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنشر والنبوّة وشرح صفات الله ما لم نجده في كتاب من الكتب، ووجدناه مبرءاً من النقص والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الوجوه، ووجدنا القوى البشرية قاصرة عن جمع كتاب على هذا الوجه، فعَلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة. وثالثها: {إِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ} لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزُوا عن معارضته وذلك معجزة. قوله: "بحُكْمِهِ" العامة على ضم الحاء وسكون الكاف، وجناح بن حبيش بكسرها وفتح الكاف، جمع حكمة، أي: نقضي بين المختلفين يوم القيامة بحكمة الحق "وَهُوَ العَزِيزُ" والمنيع فلا يرد له أمر، "العَلِيمُ" بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فإنْ قيل: القضاء والحكم شيء واحد، فقوله: {يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه!! فالجواب: معنى قوله: "بِحُكْمِهِ" أي: بما يحكم به وهو عدله لا يقضي إلا بالعدل، أو أراد بحكمه على القراءة بكسر الحاء. قوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} أي البيّن، {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} يعني الكفار، وإنّما حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل، لأن الإنسان ما دام يطمع في أخذ شيء فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته، فاللَّه تعالى قطع طمع محمد - عليه السلام - بأن بيَّن أنهم كالموتى وكالصم والعمي فلا يسمعون ولا يفهمون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه - عليه السلام - على إظهار الدين كما ينبغي. قوله: {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} قرأ ابن كثير: "لاَ يَسْمَعُ" بالياء مفتوحة، وفتح الميم "الصُّمُّ" رفع وكذلك في سورة الروم، وقرأ الباقون بالتاء وضمها وكسر الميم "الصُّمَّ" نصب {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}: معرضين. فإن قيل: ما معنى قوله: "وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ" وإذا كانوا صمّاً لا يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟ قيل ذكره تأكيداً ومبالغة، وقيل: الأصم إذا كان حاضراً قد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولّى مُدبراً لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ولّى مُدبراً ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. والمعنى: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميّت الذي لا سبيل إلا إسماعه والأصم الذي لا يسمع. قوله: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ} العامة على "بِهَادِي" مضافاً لـ "العُمْي"، وحمزة "تَهْدِي" فعلاً مضارعاً و "العُمْيَ" نصب على المفعول به. وكذلك التي في الروم. ويحيى بن الحارث وأبو حيوة "بِهَادٍ" منوناً "العُمْيَ" منصوب به وهو الأصل. واتفق القراء على أن يقفوا على "هَادٍ" في هذه السورة بالياء، لأنها رُسمت في المصحف ثابتةً، واختلفوا في الروم، فوقف الأخوان عليها بالياء أيضاً كهذه، أما حمزة، فلأنه يقرأها "تَهْدِي" فعلاً مضارعاً مرفوعاً فياؤه ثابتة. قال الكسائي: من قرأ "تَهْدِي" لزمه أن يقف بالياء، وإنّما لزمه ذلك لأن الفعل لا يدخله تنوين في الوصل تحذف له الياء، فيكون في الوقف كذلك، كما يدخل التنوين على "هَادٍ" ونحوه، فتذهب الياء في الوصل، فيجري الوقف على ذلك لمن وقف بغير ياء انتهى. ويلزم على ذلك أن يوقف على "يقضي الحقّ" و {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الإسراء: 11] بإثبات الياء والواو، ولكن يلزم حمزة مخالفة الرسم دون القياس، وأمّا الكسائي فإنه يقرأ "بِهَادِي" اسم فاعل كالجماعة، فإثباته للياء بالحمل على "هَادِي" في هذه السورة، وفيه مخالفة الرسم السلفي. قوله: "عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "تَهْدِي" وعدي بـ (عن) لتضمنه معنى تصرفهم. الثاني: أنه متعلق بالعمي، لأنك تقول: عمى عن كذا ذكره أبو البقاء. فصل المعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان أن يسمع {إلا من يؤمن بآياتنا} إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله، {فَهُم مُسْلِمُونَ} مخلصون لله. "مِنْ" في قوله: {أية : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}تفسير : [البقرة: 112] يعني سالماً لله خالصاً لله.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل‏} ‏ يعني اليهود والنصارى ‏ {‏أكثر الذي هم فيه يختلفون‏}‏ يقول‏:‏ هذا القرآن يبين لهم الذي اختلفوا فيه‏.‏ وأخرج الترمذي وابن مردويه عن علي قال‏:‏ قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏ إن امتك ستفتتن من بعدك‏.‏ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سئل ما المخرج منها‏؟‏ فقال ‏"حديث : ‏كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل ‏"‏‏.

القشيري

تفسير : وهم يُخْفُون بعضاً، وبعضاً يُظْهِرُون، ومع ما يَهْوَوْن يدورون. وفي هِذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابَهم، وعَصَمَ مِنَ التغيير والتبديل ما به يدينون. وهذه نعمةٌ عظيمةٌ قليلٌ منهم مَنْ عليها يشكرون؛ فالقرآن هدًى ورحمة للمؤمنين، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادقُ أنهم له مُحَرِّفون مُبَدِّلُون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان هذا القرآن} المنزل على محمد {يقص} يبين {على بنى اسرائيل اكثر الذى هم فيه} لجهالتهم {يختلفون} مثل اختلافهم فى شأن المسيح وعزير واحوال المعاد الجسمانى والروحانى وصفات الجنة والنار واختلافهم فى التشبيه والتنزيه وتناكرهم فى اشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا فلو انصفوا واخذوا بالقرآن واسلموا لسلموا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل}؛ يُبين لهم {أكثرَ الذي هم فيه يختلفون} من أمر الدين الذي اشتبه عليهم. ومن جملة ما اختلفوا فيه: المسيح، وتحزّبوا فيه أحزاباً، وركبوا متن العند والغلو في الإفراط والتفريط، ووقع بينهم المناكرة في أشياء، حتى لعن بعضُهم بعضاً. وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه، لو أنصفوا وأخذوا به، وأسلموا. يريد اليهود والنصارى، وإن كانت الآية خاصة باليهود. {وإنه} - أي: القرآن {لهُدىً ورحمةٌ للمؤمنين} على الإطلاق، فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولاً أولياً. {إنَّ ربك يقضي بينهم} أي: بين بني إسرائيل، أو: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، {بحُكْمِه} أي: بعدله؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكماً. أو: بحكمته، ويدل على قراءة من قرأ "بِحِكَمه": جمع: حِكمة؛ لأن أحكامه تعالى كلها حِكَم بديعة. {وهو العزيزُ}، فلا يُردّ حُكمه وقضاؤه، {العَليمُ} بجميع الأشياء، ومن جملتها: من يقضي له ومن يقضي عليه. أو: العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بين المختلفين. {فتوكلْ على الله}، الفاء لترتيب ما قبله من ذكر شؤونه - عز وجل - فإنها موجبة للتوكل عليه، داعية إلى الأمر به، أي: فتوكل على الله الذي هذا شأنه. وهذه أوصافه، فإنه موجب لكل أحد يتوكل عليه، ويفوض جميع أموره إليه. أو: فتوكل على الله ولا تُبالي بأعدادء الدين. {إنك على الحق المبين}، تعليل للأمر بالتوكل بأنه الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتطرقه شك ولا ريب. وفيه تنبيه على أن أصحاب الحق حقيق بالوثوق بالله في نصرته. وقد تضمنت الآية من أولها ثناء على القرآن، بنفي ما رموه من كون أساطير الأولين. ثم وصفه بكونه هدى ورحمة للمؤمنين. ثم توعد الرامين له بحُكمه عليهم بما يستحقونه، ثم أمره بالتوكل عليه في كفايته أمرهم ومكرهم. ثم بيّن سبب طعنهم في القرآن، بأنهم ليس فيهم قابلية الإدراك؛ لكونهم موتى صماً، لا حياة لهم ولا سمعَ استبصار، قال تعالى: {إنك لا تُسمع الموتى}، شُبِّهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يُتلى عليهم من القوارع والزواجر، {ولا تُسمِع الصمَّ الدعاءَ} أي: الدعوة إلى أمر من الأمور {إذا وَلَّوا مدبرين} عنك. وتقييد النفي بالإدبار؛ لتكميل التنبيه وتأكيد النفي، فإنهم مع صمَمهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي، مولون على أدبارهم. ولا ريب أن الأصم لا يسمع الدعاء، مع كون الداعي بمقابلة صماخة، قريباً منه، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه؟. {وما أنت بهادي العُمى عن ضلالتهم} هدايةً موصلةً إلى المطلوب، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص:56]؛ فإن الاهتداء منوط بالصبر في الحس، وبالبصيرة في المعنى. ومَن فقدهما لا يتصور منه اهتداء، و "عن" متعلق بهادي؛ باعتبار تضمنه معنى الصرف، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. {إن تُسْمِعُ} أي: ما تُسمع سماعاً يجدي السامع وينفعه {إلا من يؤمن بآياتنا} أي: من عَلِمَ الله أنهم يؤمنون بآياته. {فهم مسلمون}؛ مخلصون، من قوله: {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 112] أي: جعله سالماً لله خالصاً. جعلنا الله ممن أسلم بكليته إليه. آمين. الإشارة: إذا وقع الاختلاف في الأحكام الظاهرة، وهي ما يتعلق بالجوارح الظاهرة، رُجع فيه إلى الكتاب العزيز، أو السُنَّة المحمدية، أو الإجماع، أو القياس، وإن وقع الاختلاف في الأمور القلبية، وهي ما يتعلق بالعقائد التوحيدية، من طريق الأذواق أو العلوم، يُرجع فيه إلى أرباب القلوب الصافية، فإنه لا يتجلى فيها إلا ما هو حق وصواب. فلا يمكن قلع عروق الشكوك والأوهام، والوساوس من القلوب المُسوسة، إلا بالرجوع إليهم وصحبتهم، ومن جمع بين الظاهر والباطن، رجع إليه في الأمرين معاً. ذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان يُناظر جماعة من المعتزلة، ليردهم إلى الحق، فدخل عليه رجل من القراء، يُقال له: أبو مروان، فسلَّم عليه، فقال له الشيخ: اقرأ علينا آية من كتاب الله، فأجرى الله على لسانه، من غير قصد، قوله تعالى: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} إلى قوله: {ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون} فتهلل وجه الشيخ، وقال: ما بعد بيان الله من بيان، فتابوا واهتدوا إلى الحق، ورجعوا عن مذهبهم، وشفا الله قلوبهم من مرض الاعتزال. فهذا شأن العارفين بالله، جعلهم الله شفاء من كل داء، لكن الأعمى والأصم لا يُبصر الداعي، ولا يَسمع المنادي. ولذلك قال تعالى: {فإنك لا تُسمع الموتى..} إلخ: قال الورتجبي: الميت: من ليس له استعداد لقبول المعرفة الحقيقية بغير الدلائل، والأصم: من كان أذن قلبه مسدودة بغواشي القهر، ومن كان بهذه الصفة لا يقبل إلا ما يليق بطبعه وشهواته. هـ. ثم ذكر بعض مقدمات الساعة، التي كانوا يستعجلونها، فقال: {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير {ولا يسمع} بياء مفتوحة وفتح الميم {الصم} بالرفع. ومثله في الروم. الباقون {تسمع} بالتاء وكسر الميم {الصم} بالنصب، فوجه قراءة ابن كثير انه أضاف الفعل إلى الصم، فلذلك رفعه. ووجه قراءة الباقين أنهم أضافوا الفعل إلى النهي (صلى الله عليه وسلم) وجعلوا الصم مفعولا ثانياً. اخبر الله تعالى أن هذا القرآن الذي انزله على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {يقص على بني إسرائيل أكثر} الاشياء التي اختلفوا فيها الكفار. والقصص كلام يتلو بعضه بعضاً فيما ينبئ عن المعنى، ومن اجاب غيره عما سأل لم يقل له انه يقص لانه اقتصر على مقدار ما يقتضيه السؤال. والاختلاف ذهاب كل واحد إلى خلاف ما ذهب اليه صاحبه. والاختلاف ايضاً امتناع احد الشيئين أن يسد مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته. واختلاف بني اسرائيل نحو اختلافهم في المسيح حتى قالت اليهود فيه ما قالت، وكذبت بنبوته. وقالت النصارى ما قالته من نبوته، ووجوب إلهيته، وكاختلاف اليهود في نسخ الشريعة، فأجازه قوم في غير التوراة وأباه آخرون، فلم يجيزوا النسخ أصلا، واعتقدوا أنه بدأ. وكاختلافهم في المعجز، فقال بعضهم: لا يكون إلا بما لا يدخل تحت مقدور العباد. وقال آخرون: قد يكون إلا أنه ما يعلم أنه لا يمكن العباد الاتيان به، وكاختلافهم في صفة المبشر به في التوراة، فقال بعضهم: هو يوشع بن نون. وقال آخرون: بل هو منتظر لم يأت بعد. وكل ذلك قد دل القرآن على الحق فيه. وقيل: قد بين القرآن اختلافهم في من سلف من الأنبياء. وقيل: ان بني اسرائيل اختلفوا حتى لعن بعضهم بعضاً كالاسماعينية والعنانية والسامرة. ثم وصف تعالى القرآن بـ {إنه لهدى ورحمة للمؤمنين} معناه انه بيان للحق فيما وقع الاختلاف فيه من بني اسرائيل وغيرهم إذا رجعوا اليه علموا مفهومه، وانه من عند حكيم، لا يقول إلا بالحق، فالهدى الدلالة على طريق الحق الذي من سلكه اداه إلى الفوز بالنعيم في جنة الخلد، فالقرآن هدى من هذا الوجه، ورحمة للمؤمنين في تأديته إلى ما فيه من مرضات الله تعالى. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال {ان ربك} يا محمد {يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم} أي العزيز في انتقامه من المبطلين العليم بالمحق المبين منهم من المبطل. وقيل: العليم بصحة ما يقضي به العزيز بما لا يمكن رد قضائه، فهو يقضي بين المختلفين بما لا يمكن أن يرد ولا يلتبس بغير الحق. وفى الآية تسلية للمحقين الذين خولفوا في أمر الدين، لان أمرهم يؤول إلى ان يحكم بينهم رب العالمين بمالا يمكن دفعه ولا تلبيسه. ثم خاطب بينه (صلى الله عليه وسلم) فقال {فتوكل على الله} يا محمد {إنك على الحق المبين} الظاهر البين في ما تدعو اليه، ثم شبه الكفار بالموتى الذين لا يسمعون ما يقال لهم، وبالصم الذين لا يدركون دعاء من يدعوهم، من حيث انهم لم ينتفعوا بدعائه ولم يصيروا إلى ما دعاهم اليه، فقال {إنك} يا محمد {لا تسمع الموتى} لأن ذلك محال {ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين} أي اعرضوا عن دعائك ولم يلتفتوا اليه ولم يفكروا في ما تدعوهم اليه، فهؤلاء الكفار بترك الفكر في ما يدعوهم اليه النبي (صلى الله عليه وسلم) بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وبمنزلة الصم الذين لا يدركون الأصوات.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} كلام منقطع عن سابقه لفظاً ومعنىً او جوابٌ لسؤالٍ مقدّر عن علّة الحكم ولذلك لم يأت باداة الوصل {أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الجنّة واوصافها، والجحيم وآلامها، والخلود وعدمه، والتّشبيه والتّنزيه، وسائر الاوصاف الرّبوبيّة والنّبىّ الموعود الّذى بشّر به موسى (ع) وسائر الانبياء (ع) واحكام التّوراة الّتى يخفون اكثرها واختلفوا فيها.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} عليه السلام. {أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ببيان ما اختلفوا فيه ولو اخذوا به لسلموا وذلك ان اليهود والنصارى اختلفوا أحزابا فهم يتلاعنون فقائل بالتشبيه وقائل بالتنزيه وقائل في أحوال الجنة كذا وقائل كذا وكذا في عزير والمسيح.

اطفيش

تفسير : {إنَّ هذا القرآن يقصُّ على بنى إسْرائيل} هم النصارى الاسرائيليون ومن تنصر معهم واليهود {أكثر الذى هم فيه يخْتلفُون} النصارى فيما بينهم، واليهود فيما بينهم، واليهود والنصارى، يصرح القرآن بما يخالف بعضا، ولا يتبعونه، كالمسيح هو رسول الله لا اب له وقال بعض النصارى، وبعض: إنه الله، وبعض: ابن الله وبعض: ثالث ثلاثة، وبعض اليهود: إنه كاذب ولد زنى حاشاه، والمبشر به فى التوراة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعض اليهود: هو يوشع، وقال بعض النصارى: هو عيسى، وقيل يأتى آخر الزمان وحرمت اليهود الخنزير، وأحلته النصارى.

الالوسي

تفسير : لما ذكر سبحانه ما يتعلق بالمبدأ والمعاد ذكر تعالى ما يتعلق بالنبوة فإن القرآن أعظم ما تثبت به نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فذكر جل وعلا أنه يقص على بني إسرائيل، والمراد بهم - كما روي عن قتادة - اليهود والنصارى أكثر ما تجدد واستمر اختلافهم فيه على وجهه ويبين لهم حقيقة الأمر فيه وذلك مما يقتضي إسلامهم لو تأملوا وأنصفوا لكنهم لم يفعلوا وكابروا مثلكم أيها المشركون، ومما اختلفوا فيه أمر المسيح عليه السلام، فمن قائل: هو الله تعالى، ومن قائل: ابن الله سبحانه، ومن قائل: ثالث ثلاثة، ومن قائل: هو نبـي كغيره من الأنبياء عليهم السلام، ومن قائل: هو - وحاشاه - كاذب في دعواه النبوة وينسب مريم فيه إلى ما هي منزهة عنه رضي الله تعالى عنها وهم اليهود الذين كذبوه، وأمر النبـي المبشر به في التوراة، فمن قائل: هو يوشع عليه السلام، ومن قائل: هو عيسى عليه السلام، ومن قائل: إنه لم يأت إلى الآن وسيأتي آخر الزمان. ومما اختلفوا فيه أمر الخنزير فقالت اليهود: بحرمة أكله، وقالت النصارى: بحله إلى غير ذلك.

ابن عاشور

تفسير : إبطال لقول الذين كفروا {أية : إن هذا إلا أساطير الأولين}تفسير : [النمل: 68]. وله مناسبة بقوله {أية : وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين}تفسير : [النمل: 75]، فإن القرآن وحي من عند الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فكل ما فيه فهو من آثار علم الله تعالى فإذا أراد الله تعليم المسلمين شيئاً مما يشتمل عليه القرآن فهو العلم الحق إذا بلغت الأفهام إلى إدراك المراد منه على حسب مراتب الدلالة التي أصولها في علم العربية وفي علم أصول الفقه. ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن من تحقيق أمور الشرائع الماضية والأمم الغابرة مما خبطت فيه كتب بني إسرائيل خبطاً من جراء ما طرأ على كتبهم من التشتت والتلاشي وسوء النقل من لغة إلى لغة في عصور انحطاط الأمة الإسرائيلية، ولما في القرآن من الأصول الصريحة في الإلهيات مما يكشف سوء تأويل بني إسرائيل لكلمات كتابهم في متشابه التجسيم ونحوه، فإنك لا تجد في التوراة ما يساوي قوله تعالى {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11]. فالمعنى: نفي أن يكون أساطير الأولين بإثبات أنه تعليم للمؤمنين، وتعليم لأهل الكتاب. وإنما قص عليهم أكثر ما اختلفوا وهو ما في بيان الحق منه نفع للمسلمين، وأعرض عما دون ذلك. فموقع هذه الآية استكمال نواحي هدي القرآن للأمم فإن السورة افتتحت بأنه هدى وبشرى للمؤمنين، وأن المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعمهون في ضلالهم فلم ينتفعوا بهديه. فاستكملت هذه الآية ما جاء به من هدي بني إسرائيل لما يهم مما اختلفوا فيه. والتأكيد بــــ{إن} مثل ما تقدم في نظائره. وأكثر الذي يختلفون فيه هو ما جاء في القرآن من إبطال قولهم فيما يقتضي إرشادهم إلى الحق أن يبين لهم، وغير الأكثر ما لا مصلحة في بيانه لهم. ومن مناسبة التنبيه على أن القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ما هم فيه مختلفون، أن ما قصه مما جرى بين ملكة سبأ مع سليمان كان فيه مما يخالف ما في كتاب الملوك الأول وكتاب الأيام الثاني ففي ذينك الكتابين أن ملكة سبأ تحملت وجاءت إلى أورشليم من تلقاء نفسها محبة منها في الاطلاع على ما بلغ مسامعها من عظمة ملك سليمان وحكمته، وأنها بعد ضيافتها عند سليمان قفلت إلى مملكتها. وليس مما يصح في حكم العقل وشواهد التاريخ في تلك العصور أن ملكة عظيمة كملكة سبأ تعمد إلى الارتحال عن بلدها وتدخل بلد ملك آخر غير هائبة، لولا أنها كانت مضطرة إلى ذلك بسياسة ارتكاب أخف الضرين إذ كان سليمان قد ألزمها بالدخول في دائرة نفوذ ملكه، فكان حضورها لديه استسلاماً واعترافاً له بالسيادة بعد أن تنصلت من ذلك بتوجيه الهدية وبعد أن رأت العزم من سليمان على وجوب امتثال أمره. ومن العجيب إهمال كُتّاب اليهود دعوة سليمان بلقيس إلى عقيدة التوحيد وهل يظن بنبي أن يقر الشرك على منتحليه.

الشنقيطي

تفسير : ومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} تفسير : [الصف: 14] والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت افترت عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاحه في سورة مريم. وقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى ابن مريم، وهي: أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم قال: {أية : ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} تفسير : [مريم: 34] وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يقص على بني إسرائيل: أي يذكر أثناء آياته كثيراً مما اختلف فيه بنو إسرائيل. لهدى ورحمة للمؤمنين: أي به تتم هداية المؤمنين ورحمتهم. يقضي بينهم بحكمه: أي يحكم بين بني إسرائيل بحكمه العادل. وهو العزيز العليم: الغالب على أمره، العليم بخلقه. فتوكل على الله: أي ثق فيه وفوض أمرك إليه. إنك لا تسمع الموتى: أي لو أردت أن تسمعهم لأنهم موتى. ولا تسمع الصم الدعاء: أي ولا تقدر على إسماع كلامك الصم الذين فقدوا حاسة السمع. إذا ولوا مدبرين: أي إذا رجعوا مدبرين عنك غير ملتفتين إليك. إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا: أي ما تسمع إلا من يؤمن بآيات الله. معنى الآيات: قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} الكريم الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} المعاصرين لنزوله {أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} كاختلافهم في عيسى عليه السلام ووالدته، إذ غلا فيهما البعض وأفرطوا فألَّهوهما وفرط فيهما البعض فقالوا في عيسى ساحر، وفي مريم عاهرة لعنهم الله، وكاختلافهم في صفات الله تعالى وفي حقيقة المعاد، وكاختلافهم في مسائل شرعية وأخرى تاريخية. وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ} أي وإن القرآن الكريم لهدى، أي لهادٍ لمن آمن به إلى سبيل السلام ورحمة شاملة {لِّلْمُؤمِنِينَ} به، العاملين بما فيه من الشرائع والآداب والأخلاق. وقوله تعالى: {إِن رَبَّكَ} أي أيها الرسول {يَقْضِي بَيْنَهُم} أي بين الناس من وثنيين وأهل كتاب يوم القيامة بحكمه العادل الرحيم، {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الذي ينفذ حكمه فيمن حكم له أو عليه {ٱلْعَلِيمُ} بالمحقين من المبطلين من عباده فلذا يكون حكمه أعدل وأرحم ولذا {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أيها الرسول بالثقة فيه وتفويض أمرك إليه فإنه كافيك. وقوله: {إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ} أي إنك يا رسولنا على الدين الحق الذي هو الإِسلام وخصومك على الباطل فالعاقبة الحسنى لك، لا محالة. وقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} والكفار موتى بعدم وجود روح الإِيمان في أجسامهم والميت لا يسمع فلذا لا تقدر على إسماع هؤلاء الكافرين الأموات، كما إنك {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} أي الفاقدين لحاسة السمع {ٱلدُّعَآءَ} أي دعاءك {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} أي إذا رجعوا مدبرين غير ملتفتين إليك. {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} التي يعيشون عليها فهوِّن على نفسك ولا تكرب ولا تحزن {إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} أي ما تسمع إسماع تفهم وقبول إلا المؤمنين بآيات الله، {فَهُم مُّسْلِمُونَ} أي فهم من أجل إيمانهم مسلمون أي منقادون خاضعون لشرع الله وأحكامه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- شرف القرآن وفضله. 2- لن ينتهي خلاف اليهود والنصارى إلا بالإِسلام فإذا أسلموا اهتدوا للحق وانتهى كل خلاف بينهم. 3- كل خلاف بين الناس اليوم سيحكم الله تعالى بين أهله يوم القيامة بحكمه العادل ويوفى كلا ماله أو عليه وهو العزيز العليم. 4- الكفار أموات لخلو أبدانهم من روح الإِيمان فلذا هم لا يسمعون الهدى ولا يبصرون الآيات مهما كانت واضحات. فعلى داعيهم أن يعرف هذا فيهم وليصبر على دعوتهم ودعاويهم.

القطان

تفسير : وقع: حدث وحصل. القول: مجيء الساعة. فوجا: جماعة. يُوزَعون: يمنعون ويجمعون ويزجرون. ان هذا الكتاب الذي أُنزل على محمد يبين لبني إسرائيلَ حقيقةَ ما جاء في التوراة من عقائدَ وأحكام وقصص، ويردّهم الى الصواب فيما اختلفوا فيه. وهو مصدرُ هداية للمؤمنين، ورحمة لمن صدَّق به وعمل بما فيه، يرحمهم به الله من الشك والقلق والحَيرة. وبعد ان ذكر فضله وشرفه أتبعه دليلَ عدله فقال: {إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} فهو يفصِل بين الناس جميعاً يوم القيامة بعدله، وهو العزيز الذي لا يُرَدُّ قضاؤه، العليم بأفعال العباد واقوالهم. ثم امر رسوله الكريم ان يتوكل عليه وحده في جميع اموره، فانه كافيه كلَّ ما يهمه، وناصرُهُ على اعدائه، لأنه على الحق الواضح: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ}. ثم يمضي في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأسيته على جموح القوم ولجاجهم في العناد واصرارهم على الكفر فيقول {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}. انك ايها الرسول لا تستطيع هدايتهم، لأنهم كالموتى في عدم الوعي، وكالصم في فقدان السمع فليسوا مستعدّين لسماع دعوتك، فلا أمل في استجابتهم للدعوة، ولا في قبولهم للحق. ثم اكّد ما سلف وقطع اطماعه في ايمانهم فقال: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} ولا تستطيع ان تهديَ الى الحق من عميتْ ابصارُهم وبصائرهم، ولا يمكنك ان تُسمع الا من يقبل الايمان بآياتنا فانهم هم الذين يسمعون منك ويؤمنون برسالتك. وبعد ان ذكر الله ما يدل على كمال علمه وقدرته، وأبان إمكان البعث والحشر والنشر، ثم فصّل القولَ في إعجاز القرآن الكريم، ونبه بذلك الى إثبات نبوة محمد لله - ذَكَرَ بعض أشراط الساعة، وبعض مشاهدها، ومقدِّمات القيامة وما يحدث من الاهوال حين قيامها، فذكر خروج دابةٍ تكلِّم الناسَ وتبين للذين لا يؤمنون بآيات ربهم أنهم على الباطل. وانه حينئذ ينفخ في الصور فيفزع من في السماوات والأرض الا من شاء الله فيثبتهم ويطمئنهم، وكل المخلوقات يأتون الى ربهم صاغرين. قراءات: قرأ ابن كثير: ولا يَسمع الصمُّ بفتح الياء ورفع الصم. والباقون: ولا تُسمع الصمَّ، بضم تاءِ تسمع ونصب الصم. وقرأ حمزة وحده: وما انت تهدي العُمْي.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} {إِسْرَائِيلَ} (76) - يُخبِرُ اللهُ تَعَالى أَنَّ هذا القُرآنَ قَدْ تَضَمَّنَ كَثيراً مِنَ الأُمُورِ التي اخْتَلَفَ حَولَها بَنُو إِسرائيلَ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ، ومِنْ وِلاَدَةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَرِسَالَتِهِ، وَمَا افتَرَوْهُ عَلَى أُمِّهِ مَريَمَ عَليها السّلاَمِ مِنَ الإِفْكِ والبُهْتَانِ، فَجَاءَ القُرآن بالقَولِ الفَصْلِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ، وَكَانَ عَلَيهِمْ لَوْ أَنْصَفُوا أَنْ يَتْبَعُوه، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْقِلُوا، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذلِكَ، عُتُوّاً واسْتِكْبَاراً عَنِ الحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فَرْق بين أن تخاطب خاليَ الذهن، وأنْ تخاطب مَنْ لديه فكرة مُسْبقة، فخالي الذهن يقبل منك، أما صاحب الفكرة المسْبقة فيعارضك، كذلك جاء من الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به، ومع أنهم أعداء الإسلام وكارهون له لكْن إنْ سألتَهم عما أخبر به القرآن يقولون: نعم نعرف هذا من كتبنا {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. لذلك سيدنا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى رسول الله علم أنه الرسول الحق، فمالتْ نفسه إلى الإسلام وقال: والله إنِّي لأعرف محمداً كمعرفتي بابني، ومعرفتي بمحمد أشد، وصدق الله حين قال عنهم: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 146]. علم عبد الله أن الإسلام هو الطريق الذي يُوصِّله إلى الله والذي ينبغي لكل عاقل أنْ يتبعه، فلما أراد أنْ يُسلم أحب أنْ يكسب الجولة بإعلان إسلامه وفضيحة المنافقين والكفار وأهل الكتاب، فقال: يا رسول الله لقد استشرفَتْ نفسي للإسلام، وأخاف إنْ أسلمتُ أن يذمَّني اليهود ويفعلوا بي كذا وكذا، فاسألهم عنِّي قبل أنْ أُسلِم، فسألهم رسول الله فقالوا: هو حَبْرنا وابن حَبْرنا .. وكالوا له الثناء والمديح، عندها قال عبد الله: أَما وقد قلتم ما قلتم، فاشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: بل هو شرُّنا وابن شرِّنا. وكالوا له عبارات السب والشتم. ثم يصف الحق سبحانه القرآن فيقول: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ ...}.

الجيلاني

تفسير : ومما يدل عليه، وعلى حيطة حضرة علمه الكتب الإلهية النازلة من عنده سبحانه المنتخبة من حضرة علمه ولوح قضائه، سيما القرآن {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ} من كمال جمعيته وإحاطته {يَقُصُّ} أي: يظهر ويبين {عَلَىٰ} علماء {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ} الامور والشأن {ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76] من الأمور المتعلقة لدينهم وملتهم. {وَإِنَّهُ} في نفسه {لَهُدًى} هادٍ موصل إلى طريق التوحيد {وَرَحْمَةٌ} نازلة {لِّلْمُؤمِنِينَ} [النمل: 77] الموحدين المحمديين من قبل الحق؛ ليهديهم إلى وحدة ذاته ويوصلهم إلى غاية ما جبلوا لأجله من المعرفة والتوحيد. {إِن رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {يَقْضِي بَيْنَهُم} أي: بين المختلفين من بني إسرائيل {بِحُكْمِهِ} المستنبط من حكمته المتقنة {وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب في أحكامه المبرمة {ٱلْعَلِيمُ} [النمل: 78] في حكمته المتقنة المتفرعة على عدالته الحقيقية. وإن كذبوك يا أكمل الرسل وكتابك، وجادلوا معك مراءً ومكابرةً {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} المتكفل لحفظك وحضانتك {إِنَّكَ} في أمر دينك وكتابك ورسالتك وهدايتك، وفي جميع ما جئت به من قِبَل ربك {عَلَى ٱلْحَقِّ} والصدق الذي لا يأتيه الباطل والكذب من بين يديه ولا من خلفه {ٱلْمُبِينِ} [النمل: 79] الظاهر حقيته عند ذوي البصائر وأولي الألباب المستكشفين عن لبّ الأمور، المعرضين عن قشورها، فإن أعرضوا عنك ولم يقبلوا إرشادك وهدايتك لا تبال بهم وبإعراضهم وانصرافهم؛ إذ هم أموات عند التحقيق لا حياة لهم حقيقة. {إِنَّكَ} وإن بالغت واجتهدت في إرشادك وهدايتك {لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ} ما جئت به من الأوامر والنواهي المقربة إلى الله، المبينة لطريق توحيده؛ إذ هم عن السمع معزولون {وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} أي: ليس في وسعك إسماع الدعاء للأصمين الفاقدين آلة الاستماع، سيما {إِذَا وَلَّوْاْ} وأعرضوا عنك {مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] بلا التفات وتوجه منهم إلى الاستماع والإصغاء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا خبر عن هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتفصيله وتوضيحه، لما كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل فقصه هذا القرآن قصا زال به الإشكال وبين به الصواب من المسائل المختلف فيها. وإذا كان بهذه المثابة من الجلالة والوضوح وإزالة كل خلاف وفصل كل مشكل كان أعظم نعم الله على العباد ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر. ولهذا بين أن نفعه ونوره وهداه مختص بالمؤمنين فقال: { وَإِنَّهُ لَهُدًى } من الضلالة والغي والشبه { وَرَحْمَةٌ } تنثلج له صدورهم وتستقيم به أمورهم الدينية والدنيوية { لِلْمُؤْمِنِينَ } به المصدقين له المتلقين له بالقبول المقبلين على تدبره المتفكرين في معانيه، فهؤلاء تحصل لهم به الهداية إلى الصراط المستقيم والرحمة المتضمنة للسعادة والفوز والفلاح.