Verse. 3242 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّۃٍ فَوْجًا مِّمَّنْ يُّكَذِّبُ بِاٰيٰتِنَا فَہُمْ يُوْزَعُوْنَ۝۸۳
Wayawma nahshuru min kulli ommatin fawjan mimman yukaththibu biayatina fahum yoozaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «يوم نحشر من كل أمة فوجاً» جماعة «ممن يكذب بآياتنا» وهم رؤساؤهم المتبعون «فهم يوزعون» أي يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون.

83

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن يوم القيامة وحشر الظالمين من المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله عز وجل؛ ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا؛ تقريعاً وتوبيخاً وتصغيراً وتحقيراً، فقال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} أي: من كل قوم وقرن فوجاً، أي: جماعة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـآيَـٰتِنَا} كما قال تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ} تفسير : [التكوير: 7] وقوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون. وقال قتادة: وزعة يرد أولهم على آخرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا} ووقفوا بين يدي الله عز وجل في مقام المساءلة، {قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـآيَـٰتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}؟ أي: فيسألون عن اعتقادهم وأعمالهم، فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله عنهم: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31 ــــ 32] فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال الله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35 ــــ 36] الآية، وهكذا قال ههنا: {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} أي: بهتوا، فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية. ثم قال تعالى منبهاً على قدرته التامة، وسلطانه العظيم وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته، والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاؤوا به من الحق الذي لا محيد عنه، فقال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} أي: في ظلام الليل؛ لتسكن حركاتهم بسببه، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: منيراً مشرقاً، فبسبب ذلك يتصرفون في المعاش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً } جماعة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِئَايَٰتِنَا } وهم رؤساؤهم المتبعون {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يجمعون يردّ آخرهم إلى أوّلهم ثم يساقون.

الشوكاني

تفسير : ثم ذكر سبحانه طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة. فقال: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً } العامل في الظرف فعل محذوف خوطب به النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحشر الجمع. قيل: والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق، و"من" لابتداء الغاية، والفوج: الجماعة كالزمرة، و «من» في {مّمَّن يُكَذّبُ بِـئَايَـٰتِنَا } بيانية {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أوّلهم على آخرهم، وقد تقدّم تحقيقه في هذه السورة مستوفى، وقيل معناه: يدفعون، ومنه قول الشماخ:شعر : وسمه وزعنا من خميس جحفل تفسير : ومعنى الآية: واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذّبين بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أوّلهم على آخرهم، أو يدفعون أي اذكر لهم هذا، أو بينه تحذيراً لهم، وترهيباً. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا } إلى موقف الحساب قال الله لهم توبيخاً، وتقريعاً: {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم والحال أنكم {لَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } بل كذبتم بها بادىء بدء جاهلين لها غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها، أو بطلانها تمرّداً، وعناداً، وجرأة على الله وعلى رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ؛ لأن من كذب بشيء، ولم يحط به علماً فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء الفهم، وقصور الإدراك، ومن هذا القبيل من تصدّى لذمّ علم من العلوم الشرعية، أو لذمّ علم هو مقدّمة من مقدّماتها، ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر علماً، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله، وسنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل طاعن على العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ما لا يعرفه، ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول، وركاك الأديان، ورعاع المتلبسين بالعلم زوراً وكذباً. و"أم" في قوله: {أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } هي المنقطعة، والمعنى: أم أيّ شيء كنتم تعملون حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها، والتفكر في معانيها؟ وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم. {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم } قد تقدّم تفسيره قريباً، والباء في {بِمَا ظَلَمُواْ } للسببية أي وجب القول عليهم بسبب الظلم الذي أعظم أنواعه الشرك بالله {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ } عند وقوع القول عليهم، أي ليس لهم عذر ينطقون به، أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول العظيم. وقال أكثر المفسرين: يختم على أفواههم فلا ينطقون. ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد، وعلى الحشر، وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد وإبلاء للمعذرة، فقال: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } أي جعلنا الليل للسكون والاستقرار والنوم، وذلك بسبب ما فيه من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش، والنهار مبصراً، ليبصروا فيه ما يسعون له من المعاش الذي لا بدّ له منهم، ووصف النهار بالإبصار، وهو وصف للناس مبالغة في إضاءته كأنه يبصر ما فيه. قيل: في الكلام حذف، والتقدير: وجعلنا الليل مظلماً ليسكنوا، وحذف مظلماً لدلالة مبصراً عليه، وقد تقدّم تحقيقه في الإسراء وفي يونس {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لآيَاتٍ } أي علامات ودلالات {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله سبحانه. ثم ذكر سبحانه علامة أخرى للقيامة فقال: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ } هو معطوف على {وَيَوْمَ نَحْشُرُ } منصوب بناصبه المتقدّم. قال الفراء: إن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، والأوّل أولى. والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدّم في الأنعام استيفاء الكلام عليه. والنفخات في الصور ثلاث: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة البعث. وقيل: إنها نفختان، وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق، أو إلى نفخة البعث، واختار هذا القشيري، والقرطبي، وغيرهما. وقال الماوردي: هذه النفخة المذكورة هنا يوم النشور من القبور {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } أي خافوا وانزعجوا لشدّة ما سمعوا، وقيل: المراد بالفزع هنا: الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا: إذا أسرعت إلى إجابتك، والأوّل أولى بمعنى الآية. وإنما عبر بالماضي مع كونه معطوفاً على مضارع: للدلالة على تحقق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان. وقال الفراء: هو محمول على المعنى؛ لأن المعنى إذا نفخ {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } أي إلا من شاء الله أن لا يفزع عند تلك النفخة. واختلف في تعيين من وقع الاستثناء له، فقيل: هم الشهداء والأنبياء. وقيل: الملائكة، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وقيل: الحور العين. وقيل: هم المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ } ويمكن أن يكون الاستثناء شاملاً لجميع المذكورين فلا مانع من ذلك {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } قرأ الجمهور: "آتوه" على صيغة اسم الفاعل مضافاً إلى الضمير الراجع إلى الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب وحمزة وحفص عن عاصم: "أتوه" فعلاً ماضياً، وكذا قرأ ابن مسعود. وقرأ قتادة: "وكل أتاه". قال الزجاج: إن من قرأ على الفعل الماضي فقد وحد على لفظ كل، ومن قرأ على اسم الفاعل فقد جمع على معناه، وهو غلط ظاهر، فإن كلا القراءتين لا توحيد فيها، بل التوحيد في قراءة قتادة فقط، ومعنى {داخرين}: صاغرين ذليلين، وهو منصوب على الحال، قرأ الجمهور: {داخرين}، وقرأ الأعرج: "دخرين" بغير ألف، وقد مضى تفسير هذا في سورة النحل. {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } معطوف على {ينفخ}. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكلّ من يصلح للرؤية، و {تحسبها جامدة} في محل نصب على الحال من ضمير ترى أو من مفعوله؛ لأن الرؤية بصرية. وقيل: هي بدل من الجملة الأولى، وفيه ضعف، وهذه هي العلامة الثالثة لقيام الساعة، ومعنى {تحسبها جامدة} أي قائمة ساكنة، وجملة: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } في محل نصب على الحال، أي وهي تسير سيراً حثيثاً كسير السحاب التي تسيرها الرياح. قال القتيبي: وذلك أن الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال القشيري: وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى: {أية : وَسُيّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً } تفسير : [النبأ: 20]. قرأ أهل الكوفة تحسبها بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء } انتصاب {صنع} على المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما، أي صنع الله ذلك صنعاً، وقيل: هو مصدر مؤكد لقوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ }. وقيل: منصوب على الإغراء، أي انظروا صنع الله، ومعنى {ٱلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء }: الذي أحكمه، يقال: رجل تقن أي حاذق بالأشياء، وجملة: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } تعليل لما قبلها من كونه سبحانه صنع ما صنع، وأتقن كل شيء، والخبير: المطلع على الظواهر والضمائر. قرأ الجمهور بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الخبر. {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } الألف واللام للجنس، أي من جاء بجنس الحسنة فله من الجزاء والثواب عند الله خير منها أي أفضل منها، وأكثر. وقيل: خير حاصل من جهتها، والأول أولى. وقيل: المراد بالحسنة هنا: لا إله إلاّ الله. وقيل: هي الإخلاص. وقيل: أداء الفرائض، والتعميم أولى ولا وجه للتخصيص وإن قال به بعض السلف. قيل: وهذه الجملة بيان لقوله: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }، وقيل: بيان لقوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ }. قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {وهم من فزع} بالتنوين وفتح ميم {يومئذٍ}. وقرأ نافع بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون بإضافة فزع إلى يومئذٍ. قال أبو عبيد: وهذا أعجب إليّ لأنه أعم التأويلين؛ لأن معناه: الأمن من فزع جميع ذلك اليوم، ومع التنوين يكون الأمن من فزع دون فزع. وقيل: إنه مصدر يتناول الكثير فلا يتم الترجيح بما ذكر، فتكون القراءتان بمعنى واحد. وقيل: المراد بالفزع ها هنا هو: الفزع الأكبر المذكور في قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103]. ووجه قراءة نافع أنه نصب يوم على الظرفية لكون الإعراب فيه غير متمكن، ولما كانت إضافة الفزع إلى ظرف غير متمكن بني، وقد تقدّم في سورة هود كلام في هذا مستوفى {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }. قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم حتى قيل: إنه مجمع عليه بين أهل التأويل: إن المراد بالسيئة هنا: الشرك، ووجه التخصيص قوله: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }، فهذا الجزاء لا يكون إلاّ بمثل سيئة الشرك، ومعنى {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }: أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها، يقال: كببت الرجل: إذا ألقيته لوجهه فانكبّ وأكبّ، وجملة {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بتقدير القول، أي يقال ذلك، والقائل خزنة جهنم، أي: ما تجزون إلاّ جزاء عملكم. {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا } لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ، والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة، أي قل يا محمد: إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له، والمراد بالبلدة: مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون فيها بيت الله الحرام، ولكونها أحبّ البلاد إلى رسوله، والموصول صفة للربّ، وهكذا قرأ الجمهور. وقرأ ابن عباس وابن مسعود: "التي حرّمها" على أن الموصول صفة للبلدة، ومعنى {حَرَّمَهَا }: جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلى خلالها {وَلَهُ كُلُّ شَيء } من الأشياء خلقاً وملكاً وتصرّفاً، أي ولله كل شيء {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. والمراد بقوله: {أَنْ أَكُونَ }: أن أثبت على ما أنا عليه {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءانَ } أي أداوم تلاوته، وأواظب على ذلك. قيل: وليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلاّ تلاوة الدعوة إلى الإيمان، والأول أولى {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } لأن نفع ذلك راجع إليه، أي فمن اهتدى على العموم، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه، فعمل بما فيه من الإيمان بالله، والعمل بشرائعه. قرأ الجمهور: {وأن أتلو} بإثبات الواو بعد اللام على أنه من التلاوة، وهي القراءة، أو من التلوّ، وهو الاتباع. وقرأ عبد الله: "وأن اتل" بحذف الواو أمراً له صلى الله عليه وسلم وكذا وجهه الفراء. قال النحاس: ولا نعرف أحداً قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف {وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ } أي ومن ضلّ بالكفر وأعرض عن الهداية، فقل له: إنما أنا من المنذرين، وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم، وليس عليّ غير ذلك. وقيل: الجواب محذوف، أي فوبال ضلاله عليه، وأقيم {إنما أنا من المنذرين} مقامه لكونه كالعلة له. {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على نعمه التي أنعم بها عليّ من النبوّة والعلم، وغير ذلك، وقوله: {سَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، أي سيريكم الله آياته في أنفسكم، وفي غيركم {فَتَعْرِفُونَهَا } أي تعرفون آياته، ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار؛ لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند حضور الموت. ثم ختم السورة بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }، وهو كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم. قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم: {تعملون} بالفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {دٰخِرِينَ } قال: صاغرين. وأخرج هؤلاء عنه في قوله: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } قال: قائمة {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء } قال: أحكم. وأخرج ابن أبي جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء } قال: أحسن كل شيء خلقه، وأوثقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } قال: "حديث : هي: لا إله إلاّ الله"تفسير : {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ } قال: "حديث : هي: الشرك"تفسير : ، وإذا صحّ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه في تفسير كلام الله سبحانه متعين، ويحمل على أن المراد قال: لا إله إلاّ الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة: جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه، فيقول الله للإيمان: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار»تفسير : ، ثم تلا رسولا الله صلى الله عليه وسلم: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا }، يعني: قول: لا إله إلاّ الله {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } يعني: الشرك {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }. وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعاً. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ } يعني: "شهادة أن لا إله إلاّ الله" {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } يعني بالخير: "الجنة" {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } يعني: "الشرك" {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }، وقال: "حديث : هذه تنجي، وهذه تردي»تفسير : . وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ } قال: لا إلٰه إلاّ الله، {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } قال: بالشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم: {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } قال: له منها خير، يعني: من جهتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } قال: ثواب. وأخرج أيضاً عنه أيضاً قال: البلدة: مكة.

الماوردي

تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أَمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِئَايَتِنَا} وهم كفارها المكذبون. وفي قوله {بَئَايَاتِنَا} وجهان: أحدهما: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. الثاني: جميع الرسل، وهو قول الأكثرين. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يجمعون، قاله ابن شجرة. الثاني: يدفعون، قاله ابن عباس. الثالث: يساقون، قاله ابن زيد والسدي، ومنه قول الشماخ. شعر : وكم وزعنا من خميس جحفل وكم حبونا من رئيس مسحل تفسير : الرابع: يُرَدُّ أولاهم على أُخراهم، قاله قتادة.

ابن عطية

تفسير : المعنى واذكر يوم، وهذا تذكير بيوم القيامة و {نحشر} نجمع، و {من كل أمة} يريد من كل قرن من الناس متقدم، لأن كل عصر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفرق بني آدم، و"الفوج" الجماعة الكثيرة من الناس والمعنى ممن حاله أنه مكذب بآياتنا، و {يوزعون} معناه يكفون في السوق أي يحبس أولهم على آخرهم، قال قتادة وغيره: ومنه وازع الجيش، وفيه يقول عبد الشارق بن عبد العزى:[الوافر] شعر : فجاؤوا عارضاً برداً وجئنا كمثل السيل نركب وازعينا تفسير : ثم أخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ {أكذبتم} الآية، ثم قال {أماذا كنتم تعملون} على معنى استيفاء الحجج، أي إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها، وقرأ أبو حيوة "أماذا كنتم تعملون" بتخفيف الميم، ثم أخبر عن وقوع القول عليه أن نفوذ العذاب وحتم القضاء وأنهم {لا ينطقون} بحجة لأنها ليست لهم وهذا في موطن من مواطن القيامة وفي فريق من الناس لأن القرآن يقتضي أنهم يتكلمون بحجج في غير هذا الموطن. ثم ذكر تعالى الآية في {الليل} وكونه وقت سكون واتداع لجميع الحيوان والمهم من ذلك بنو آدم، وكون {النهار مبصراً} أي ذا إبصار، وهذا كما تقول ليل قائم ونهار صائم، ومعنى ذلك يقام فيه ويصام، فكذلك هذا، معناه يبصر فيه فهو لذلك ذو إبصار، ثم تجوز بأن قيل {مبصراً} فهو على النسب كعيشة راضية، و"الآيات" في ذلك هي للمؤمنين والكافرين، هي آية لجميعهم في نفسها، لكن من حيث الانتفاع بها والنظر النافع إنما هو للمؤمنين فلذلك خصوا بالذكر، ثم ذكر تعالى يوم {ينفخ في الصور}، وهو القرن في قول جمهور الأمة، وهو مقتضى الأحاديث، وقال مجاهد: هو كهيئة البوق، وقالت فرقة: "الصور" جمع صورة كتمرة وتمر وجمرة وجمر والأول أشهر، وفي الأحاديث المتداولة أن إسرافيل عليه السلام هو صاحب "الصور" وأنه قد جثا على ركبته الواحدة وأقام الأخرى وأمال خده والتقم القرن ينتظر متى يؤذن له في النفخ، وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي نفخة الفزع، وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور، وقالت فرقة إنما هي نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق في نفخة واحدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى {أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} تفسير : [الزمر: 68] وقالوا: أخرى لا يقال إلا في الثانية. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح، و{أخرى} [الزمر: 68] يقال في الثالثة ومنه قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] شعر : "ولقد شفعتهما بآخر ثالث" تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : ومناة الثالثة الأخرى} تفسير : [النجم: 20]. وأما قول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه تفسير : فيحتمل أن يريد به ثانياً وثالثاً فلا حجة فيه. وقال تعالى: {ففزع} وهو أمر لم يقع بعد إشعاراً بصحة وقوعه وهذا معنى وضع الماضي موضع المستقبل، وقوله تعالى: {إلا من شاء الله} استثناء فيمن قضى الله تعالى من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور، قال أبو هريرة: هي في الشهداء، وذكر الرماني أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: هي في جبريل عليه السلام وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون أن لا ينالهم هذا. قال القاضي أبو محمد: على أن هذا في وقت ترقب وذلك في وقت أمن إذ هو إطباق جهنم على أهلها، وقرأ جمهور القراء "وكل آتوه" على وزن فاعلوه، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم "أتوه" على صيغة الفعل الماضي وهي قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة، وقرأ قتادة "أتاه" على الإفراد إتباعاً للفظ "كل" وإلى هذه القراءة أشار الزجاج ولم يذكرها، و"الداخر" المتذلل الخاضع، قال ابن زيد وابن عباس: "الداخر" الصاغر، وقرأ الحسن "دخرين" بغير ألف، وتظاهرت الروايات بأن الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم أهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} وهم كفارها. {بِآيَاتِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم، أو بالرسل عند الأكثرين. {يُوزَعُونَ} يجمعون، أو يدفعون، أو يساقون، أو يرد أولاهم على أخراهم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ويوم نحشر من كل أمة فوجاً} أي نحشر من كل قرن جماعة {ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون} أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعون ثم يساقوا إلى النار {حتى إذا جاؤوا} يعني يوم القيامة {قال} الله تعالى لهم {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً} أي ولم تعرفوها حق معرفتها {أم ماذا كنتم تعملون} أي حين لم تتفكروا فيها وقيل: معنى الآية أكذبتم بآياتي غير عالمين بها ولم تتفكروا في صحتها بل كنتم بها جاهلين {ووقع القول} أي وجب العذاب {عليهم بما ظلموا} أي بما أشركوا {فهم لا ينطقون} أي بحجة قيل إن أفواههم مختومة {ألم يروا أنا جعلنا} أي أنا خلقنا {الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً} أي مضيئاً يبصر فيه. وفي الآية دليل على البعث بعد الموت لأن القادر على قلب الضياء ظلمة، والظلمة ضياء قادر على الإعادة بعد الموت {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي يصدقون فيعتبرون. قوله تعالى {ويوم ينفخ في الصور} هو قرن ينفخ فيه إسرافيل قال الحسن: الصور هو القرن ومعنى كلامه إن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب في الأجساد فتحيا بها الأجساد {ففزع} أي فصعق {من في السموات ومن في الأرض} أي ماتوا. والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. وقيل ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات، نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين {إلا من شاء الله} روى أبو هريرة "حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى {إلا من شاء الله} قال "هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش""تفسير : وقال ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل إليهم الفزع. وقيل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل فيأخذ نفسه ثم يقول: من بقي يا ملك الموت فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم بقي جبريل وميكائيل، وملك الموت فيقول: خذ نفس ميكائيل. فيأخذ نفس ميكائيل فيقع، كالطود العظيم فيقول من بقي من خلقي: فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل، وملك الموت فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام بقي وجهك الدائم الباقي وجبريل، الميت الفاني فيقول الله: يا جبريل لا بد من موتك فيقع ساجداً يخفق بجناحيه. فيروى أن فضل خلقه على ميكائيل كفضل الطود العظيم على ظرب من الظراب. ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش ثم روح ملك الموت، فإذا لم يبق أحد إلا الله تبارك وتعالى طوى السماء كطي السجل للكتاب ثم يقول الله "حديث : أنا الجبار لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول الله تعالى: لله الواحد القهار"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من رفع رأسه فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان ممن استثنى الله عز وجل أم رفع رأسه قبلي، ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"تفسير : وقيل الذين استثنى الله هم رضوان والحور ومالك والزبانية. وقوله تعالى {وكل} أي وكل الذين أحيوا بعد الموت {أتوه} أي جاؤوه {داخرين} أي صاغرين.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً}: هو تذكيرٌ بيومِ القيامةِ، والفوجُ: الجماعة الكثيرة، و{يُوزَعُونَ} معناه: يُكَفُّونَ في السَّوق، أي يَحْبِسُ أولُهُم عَلى آخرهم؛ قاله قتادة، ومنه وَازَع الجيشَ، ثم أخبر تعالى عن توقيفِه الكفرةَ يومَ القيامةِ وسؤالِهم على جهة التوبيخ: {أَكَذَّبْتُم...} الآية، ثم قال: {أمَّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} على معنى استيفاء الحُجَجِ، أي: إن كان لكم عملٌ أو حُجَّةٌ فهاتوها. ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي: نفوذُ العذابِ وحَتْمُ القَضَاءِ وأنهم لا ينطقونَ بحجَّةٍ، وهذا في موطن من مواطِنِ القيامةِ. ولما تكلَّم المحاسِبيُّ على أهوال القيامة، قال: واذكرِ الصِّراطَ بِدقَّتهِ وهو له؛ وزلَّتِه وعَظِيم خطره؛ وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له مِنْ مَنظرٍ؛ ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهُ، فتَوهَّمْ ذلِكَ بقلبٍ فارغٍ، وعقلٍ جامعٍ، فإن أهوالَ يومِ القيامةِ إنما خَفَّتْ علَى الذِينَ تَوَهَّمُوهَا في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيَا الهُمُومَ خَوْفاً مِن مَقامِ رَبِّهِمْ، فَخَفَّفَها مَوْلاَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْهم، انتهى من «كتاب التوهم». {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} وهو القَرْنُ في قول جمهور الأمة، وصاحب الصور هو إسرافيل ـــ عليه السلام ـــ، وهذه النفخةُ المذكورة هنا هي نفخة الفَزَع، ورَوى أبو هريرةَ أنها ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفَزَعِ، وهو فزع حياةِ الدُّنيَا وليْسَ بالفَزَع الأكْبَرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيام من القبور. وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ في نفخةٍ وَاحِدَةٍ مستدلين بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ...} تفسير : الآية [الزمر:68]. قالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية. قال * ع *: والأول أصحُّ، وأخرى يقال في الثالثةِ، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم:20]. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن شَاءَ ٱللَّهُ} استثناءٌ فيمن قَضَى اللّه سبحانه مِنْ ملائكتِه، وأنبيائه، وشهداءِ عبيدِه أن لا ينالهم فزعُ النَّفْخِ في الصورِ، حَسَبَ ما ورد في ذلك من الآثار. قال * ع *: وإذا كان الفزعُ الأَكْبَرُ لاَ ينالهُم فَهُمْ حَرِيُّونَ أن لا ينالَهم هَذا. وقرأ حمزة: «وَكُلُّ أَتَوْهُ» على صيغة الفعل الماضي، والدَّاخِرُ: المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قال ابن عباس وابن زيد: الداخرُ: الصاغرُ، وقد تظاهرَتِ الرواياتُ بأنَّ الاستثناءَ فِي هذِه الآيةِ إنما أريد به الشهداءُ: لأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرْزَقُونَ، وهم أهلٌ للفزعِ؛ لأنَّهُمْ بشر لكن فُضِّلُوا بالأمن في ذلك اليوم. * ت *: واختار الحليميُّ هذا القولَ قال: ـــ وهو مروي عن ابن عباس ـــ: إن المستَثْنَى هم الشهداء. وضعَّفَ ما عداه من الأقوال، قال القرطبي، في تذكرته: وَقَدْ وَرَدَ في حديث أبي هريرة؛ بِأَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ، وهو حديثٌ صحيح، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏ويوم نحشر من كل أمة فوجا‏ً} ‏ قال‏:‏ زمرة‏.‏ وفي قوله ‏ {‏فهم يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يحبس أولهم على آخرهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏يوزعون‏}‏ قال‏:‏ يساقون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏ووقع القول‏}‏ قال‏:‏ وجب القول‏.‏ والقول الغضب وفي قوله ‏ {‏والنهار مبصرا‏ً} ‏ قال‏:‏ منيراً والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً} بـيانٌ إجماليٌّ لحال المُكذِّبـينَ عند قيامِ السَّاعةِ بعد بـيانِ بعضِ مَبَاديها. ويومَ منصوبٌ بمضمرٍ خُوطب به النبـيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام. والمرادُ بهذا الحشرِ هو الحشرُ للعذابِ بعدَ الحشرِ الكُليِّ الشَّاملِ لكافَّةِ الخَلْق. وتوجيهُ الأمرِ بالذكرِ إلى الوقتِ مع أنَّ المقصودَ تذكيرُ ما وقعَ فيه من الحوادثِ قد مرَّ بـيانُ سرِّه مراراً أي واذكرُ لهم وقتَ حشرنا أي جمعِنا من كلِّ أمةٍ من أممِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام أو من أهلِ كلِّ قَرن من القُرون جماعةً كثيرةً فمن تبعيضيةٌ لأنَّ كلَّ أمةٍ منقسمةٌ إلى مصدَّقٍ ومكذِّبٍ، وقولُه تعالى: {مّمَّن يُكَذّبُ بِـئَايَـٰتِنَا} بـيانُ للفوجِ أي فوجاً مكذبـين بها {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يُحبس أوَّلُهم على أخرِهم حتىَّ يتلاحقُوا ويجتمعُوا في موقفِ التَّوبـيخِ والمُناقشةِ وفيهِ من الدِّلالةِ على كثرةِ عددِهم وتباعُدِ أطرافِهم ما لاَ يخفي. وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أبوُ جهلٍ والوليدُ بن المُغيرة وشَيُبةُ بنُ ربـيعةَ يُساقون بـين يَدَي أهلِ مكَّةَ وهكذا يُحشر قادةُ سائرِ الأُمم بـينَ أيديهم إلى النَّارِ. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوا} إلى موقفِ السُّؤالِ والجَوَاب والمُناقشةِ والحسابِ {قَالَ} أي الله عزَّ وجلَّ موبَّخاً لهم على التَّكذيبِ والالتفاتِ لتربـيةِ المهابةِ {أَكَذَّبْتُم بِئَايَـٰتِى} النَّاطقةِ بلقاءِ يومِكم هذا. وقولُه تعالى {وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً} جملةٌ حاليَّةٌ مفيدةٌ لزيادةِ شَنَاعة التَّكذيبِ وغايةِ قُبْحهِ ومؤكدةٌ للإنكارِ والتَّوبـيخِ أي أكذَّبتُم بها بادىءَ الرَّأي غيرَ ناظرينَ فيها نظراً يُؤدِّي إلى العلمِ بكُنهِها وأنَّها حقيقةٌ بالتَّصديقِ حَتماً، وهذا نصٌ في أنَّ المرادَ بالآياتِ فيما في الموضعينِ هي الآياتُ القُرآنيةُ لأنَّها هيَ المُنطويةُ على دَلائلِ الصِّحةِ وشواهدِ الصِّدقِ التي لم يُحيطوا بها علماً مع وجُوبِ أنْ يتأمَّلوا ويتدبَّروا فيها لا نفسُ السَّاعة وما فيها. وقيلَ: هو معطوف على كذَّبتم أي أجمعتُم بـين التكذيب وعدم التَّدبرِ فيها {أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي أمْ أيُّ شيءٍ كنتُم تعملون بها وأمُ أيُّ شيءٍ كنتمُ تعملون غيرَ ذلكَ بمعنى أنَّه لم يكُن لهم عملٌ غيرُ ذلكَ كأنَّهم لم يُخلقوا إلا للكفر والمَعَاصي مع أنَّهم ما خُلقوا إلا للإيمانِ والطَّاعةِ يخُاطيون بذلك تبكيتاً ثم يُكبُّون في النَّار. وذلك قولُه تعالى: {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم} أي حلَّ بهم العذابُ الذي هو مدلولُ القولِ النَّاطقِ بحلولِه ونزولِه {بِمَا ظَلَمُواْ} بسببِ ظُلمِهم الذي هو تكذيبُهم بآياتِ الله {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} لانقطاعِهم عن الجوابِ بالكُلِّية وابتلائِهم بشغلٍ شاغلٍ من العذابِ الأليمِ.

القشيري

تفسير : وعند ذلك لا ينفع الإيمانُ ولا يُقْبَلُ العُذْرُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم نحشر من كل امة فوجا} يوم منصوب باذكر. والحشر الجمع والمراد به هنا هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلى الشامل لكافة الخلق والامة جماعة ارسل اليهم رسول كما فى القاموس والفوج الجماعة من الناس كالزمرة كما فى الوسيط والجماعة المارة المسرعة كما فى المفردات. والمعنى واذكر يامحمد لقومك وقت حشرنا اى جمعنا من كل امة من امم الانبياء او من اهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة فمن تبعيضية لان كل امة منقسمة الى مصدق ومكذب {فمن يكذب بآياتنا} بيان للفوج اى فوجا مكذبين بها لان كل امة وكل عصر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفريق بنى آدم والمراد بالآيات بالنسبة الى هذه الامة الآيات القرآنية {فهم يوزعون} فسر فى هذه السورة فى قصة سليمان اى يحبس اولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا فى موقع التوبيخ والمناقشة وهو عبارة عن كثرة عددهم وتباعد اطرافهم او المراد بالفوج رؤساء الامم المتبوعون فى الكفر والتكذيب فهم يحبسون حتى يلتحق بهم اسافلهم التابعون كما قال ابن عباس رضى الله عنهما ابو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة من ربيعة يساقون بين يدى اهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الامم بين ايديهم الى النار وفى الحديث "حديث : امرؤا القيس صاحب لواء الشعراء الى النار "

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "ماذا" تأتي على أوجه؛ أحَدُها: أن تكون "ما": استفهاماً، و "ذا": إشارة نحو: ماذا التواني. الثاني: أن تكون "ما": استفهاماً، و"ذا": موصولة، كقول لبيد: شعر : ألا تَسْأَلانِ المرْءَ ماذا يُحاوِلُ؟ أَنَحْبٌ فَيُقْضَى، أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ؟ تفسير : الثالث: "ماذا" كله: استفهام على التركيب، كقولك: لماذا جئت؟. الرابع: أن تكون "ماذا" كله: اسم جنس بمعنى شيء, أو: بمعنى "الذي" كقوله: دعني ماذا علمت؟، وتكون "ذا" زائدة. انظر القاموس. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يوم نحشُرُ من كل إمةٍ فوجاً}، الفوج، الجماعة الكثيرة. و"مِنْ": للتبعيض، أي: واذكر يوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء جماعة كثيرة {ممن يُكَذِبُ بآياتنا}، "مِن": لبيان الفوج، أي: فوجاً مكذبين بآياتنا، المنزلة على أنبيائنا، {فهم يُوزَعُون}: يُحبس أولهم على آخرهم، حتى يجتمعوا، حين يُساقون إلى موضع الحساب. وهذه عبارة عن كثرة العدد، وتباعد أطرافهم، والمراد بهذا الحشر: الحشر للعذاب، والتوبيخ والمناقشة، بعد الحشر الكلي، الشامل لكافة الخلق. وعن ابن عباس: (المراد بهذا الفوج: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يُساقون بين يدي أهل مكة) وهكذا يُحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. {حتى إِذا جاؤوا} إلى موقف السؤال والجواب، والمناقشة والحساب، {قال} أي: الله عز وجل، موبخاً لهم على التكذيب: {أَكَذَّبتم بآياتي} المنزلة على رسلي، الناطقة بلقاء يومكم، {و} الحال أنكم {لم تُحيطوا بها علماً} أي: أكذبتم بها في بادئ الرأي، من غير فكر، ولا نظر، يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتماً. وهذا نص في أن المراد بالآيات في الموضعين هي الآيات القرآنية. وقيل: هو عطف على "كذبتم"، أي: أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر فيها. {أم ماذا كنتم تعملون}؟ حيث لم تتفكروا فيها، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً. أو: أيُّ شيء كنتم تعملون، استفهام، على معنى استبعاد الحجج، أي: إن كانت لكم حجة وعمل فهاتوا ذلك. وخطابهم بهذا تبكيت لهم. ثم يُكبون في النار، وذلك قوله تعالى: {ووقع القولُ عليهم} أي: حلَّ بهم العذاب، الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله، {بما ظَلموا}: بسبب ظلمهم، الذي هو تكذيبهم بآيات الله {فهم لا ينطقون}؛ لانقطاعهم عن الجواب بالكلية، وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم، يشغلهم العذاب عن النطق والاعتذار. ثم ذكر دلائل قدرته على البعث، وما ينشأ بعد ذلك، بقوله: {ألم يروا أنَّا جعلنا الليلَ ليَسكُنوا فيه}، الرؤية هنا قلبية، أي: ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم والقرار. {والنهارَ مبصراً} أي: يُبصروا، بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش. وبولغ فيه، حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس، حالاً له، ووصفاً من أوصافه، بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك؛ لأن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير النهار في الإبصار. قاله أبو السعود. قلت: وقد جعله كذلك في قوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} تفسير : [الأنعام: 96] فانظره. {إنَّ في ذلك لآياتٍ} كثيرة {لقوم يؤمنون}؛ يُصدِّقون، فيعتبرون، فإنَّ من تأمل في تعاقب الليل والنهار، واختلافهما على وجوه بديعة، مبنية على حِكَمٍ رائقة، تحار في فهمها العقول، وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل، المحاكية للموت، بضياء النهار، المضاهي للحياة، وعاين في نفسه غلبة النوم، الذي هو يضاهي الموت، وانتباهه منه، الذي هو يضاهي البعث، قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. قال لقمان لابنه: يا بُني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام قهراً؛ كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك؛ كذلك تُبعث بعد موتك هـ. وبالله التوفيق. الإشارة: يوم نَحشر من كل أمة فوجاً يُنكر على أهل الخصوصية، ممن يكذب بآياتنا، وهم العارفون بنا، الدالون علينا، المعرِّفون بنا، فهم يُوزعون: يُجمعون للعتاب، حتى إذا جاؤوا إلينا بقلب سقيم، قال: أكذَّبتم بأوليائي، الدالين على حضرتي، بعد التطهير والتهذيب، ولم تُحيطوا بهم علماً، منعكم من ذلك حب الرئاسة والجاه، أم ماذا كنتم تعملون؟. ووقع القول عليهم بالبقاء مع عامة أهل الحجاب، فهم لا ينطقون، ولا يجدون اعتذاراً يُقبل منهم. ألم يعلموا أنهم يموتون على ما عاشوا عليه، ويُبعثون على ما ماتوا عليه، فهلاّ صحبوا أهل اليقين الكبير، - وهو عين اليقين أو حق اليقين المستفاد من شهود الذات الأقدس - فيكتسبوا منهم اليقين، حتى يموتوا على اليقين ويُبعثوا على اليقين. وبالله التوفيق. ثم ذكر النفخ في الصور، وما يكون بعده من الأهوال، فقال: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} يعنى يوم الرّجعة ويوم ظهور القائم (ع) فى الصّغير او فى الكبير، ويجوز ان يراد يوم القيامة وهو عطف على اذا او مقدّر باذكر {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبس اوّلهم على آخرهم حتّى يتلاحقوا.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} يعني كفار كل أمة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} لهم وَزَعةٌ ترد أولاهم على أخراهم. قال: {حَتَّى إِذَا جَآءُو} أي: حتى إذا قُدِم بهم على الله {قَالَ} الله: {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} أي: بحجتي {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً} أي: بأن ما عبدتم من دوني ما خلقوا معي شيئاً ولا رزقوا معي شيئاً، وإن عبادتكم إياهم لم تكن بإحاطة علم علمتموه، إنما كان ذلك منكم على الظّنّ. {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يستفهمهم بذلك وهو أعلم بذلك منهم؛ أي: يحتجّ عليهم. قال: {وَوَقَعَ القَوْلُ} أي: الغضب {عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا} أي: بما أشركوا {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ}. قوله: {أَلَمْ يَرَوا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهَارَ مُبْصِراً} أي: منيراً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُّؤمِنُونَ}. قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} والصور قرن. وقال مجاهد: كهيئة البوق. {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللهُ}. وهذه النفخة الأولى. وقال الحسن في قوله: {إِلاَّ مَنْ شَآءَ اللهُ}: استثنى الله طوائف من أهل السماء يموتون بين النفختين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ} يعني الشهداء، فإنهم قالوا: ما أحسن هذا الصوت كأنه الأذان في الدنيا، فلم يفزعوا ولم يموتوا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشقّ عنه الأرض، فأجد موسى متعلّقاً بالعرش، فلا أدري أَصُعِق فيمن صعق، أم أَجْزَته الصعقة الأولى. تفسير : وذكروا عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : فأجد موسى متعلّقاً بالعرش فلا أدري أحوسب بالصعقة الأولى، أم خرج قبلي . تفسير : قوله: {وَكُلُّ أَتَوهُ دَاخِرِينَ} يعني صاغرين. يعني النفخة الآخرة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بين النفختين أربعون؛ الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله كل ميّت . تفسير : ذكروا عن عكرمة قال: النفخة الأولى من الدنيا والأخرى من الآخرة. ذكروا عن عبد الله بن عمرو أنه قال: النافخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، ورأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه. وذكر بعضهم أن المنادي، وهو صاحب الصور ينادي من الصخرة من بيت المقدس.

اطفيش

تفسير : {وَ} اذكر. {يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} جماعة. {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا} وهم رؤساؤهم المتبوعون وعن بعضهم الفوج الجماعة الكبيرة قال ابن عباس: هم ابو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة. من الاولى للتبغيض والثانية للتبيين والامة تشمل المصدقين والمذكبين. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبسون أولهم على آخرهم ليتلاحقوا فيساقون وهو عبارة عن كثرة عددهم وتباعد اطرافهم.

اطفيش

تفسير : {ويَوْم} اذكر يا محمد يوم {نْحشُر من كل أمَّةٍ فَوْجاً} جماعة هم رؤساء فى الكفر {ممَّن يكذِّب بآياتنا} فنحشر من من أمتك: أبا لهب، وأبا جهل، والوليد بن الغيرة، وشيبة بن ربيعة، ونحوهم نجمعهم ونسوقهم الى النار {فَهُم يُوزَعُون} يحبس أولهم ويلتحق آخرهم، فيكون فيها بعض عتاب، ويلحق بهم أتباعهم، قيل: وهذه العبارة تفيد الكثرة، ومن الأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، لأن المراد بعض من يكذب، وهم رؤساء المكذبين، وإن قلنا: الفوج من كل أمة كفارها مطلقاً، فالثانية للبيان فيما قيل، ولا يصح ذلك، لأن المجموعين للنار كفارهم فقط، وهم الأكثرون، لا فوج فقط، ولك جعل الأولى للتبعيض على أن لا تعلق بنحشر، بل بمحذوف حال فوج.

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً مّمَّن يُكَذّبُ بِـئَايَـٰتِنَا } بيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مباديها، و {يوم} منصوب بفعل مضمر خوطب به نبينا صلى الله عليه وسلم أي اذكر يوم، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر بيان سره مراراً، والمراد بهذا الحشر الحشر للتوبيخ والعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق وهو المذكور فيما بعد من قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [النمل: 87] إلى آخره، ولعل تقديم ما تضمن هذا على ما تضمن ذلك دون العكس مع أن الترتيب الوقوعي يقتضيه للإيذان بأن كلا مما تضمنه هذا وذاك من الأحوال طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة قد أمر بذكرها كما مر في سورة البقرة مع أن الأنسب بذكر أن الكفرة لا يوقنون بالآيات المراد به أنهم يكذبون بها أن يذكر بعده ما تضمن التوبيخ منه عز وجل والتعذيب على ذلك التكذيب، و(من) الثانية بيانية جيء بها لبيان {فَوْجاً }، و(من) الأولى تبعيضية لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب، أي ويوم نجمع من كل أمة من أمم الأنبياء عليهم السلام أو من أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة مكذبة بآياتنا {فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمناقشة، وفيه من الدلالة على كثرة عددهم وتباعد أطرافهم ما لا يخفى، وقيل: {مِنْ } الثانية تبعيضية كالأولى، والمراد بالفوج جماعة من الرؤساء المتبوعين للكفرة، وعن ابن عباس أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة. وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. وهذه الآية من أشهر ما استدل بها الإمامية على الرجعة. قال الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان»: واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول {مِنْ} في الكلام يوجب التبعيض فدل بذلك على أنه يحشر قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه {أية : وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً }تفسير : [الكهف: 47]، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب بالقتل على أيدي شيعته أو الذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته. ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه وقد فعل الله تعالى ذلك من الأمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره عليه السلام، وصح عن النبـي صلى الله عليه وسلم قوله: «حديث : سيكون من أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتموه»تفسير : وتأول جماعة من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكليف وليس كذلك لأنه ليس فيها ما يلجىء إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعباناً وما أشبه ذلك / ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل عليها، وإنما المعول عليه في ذلك إجماع الشيعة الإمامية وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده انتهى. وأقول: أول من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ ولكن خصها بالنبـي صلى الله عليه وسلم، وتبعه جابر الجعفي في أول المائة الثانية فقال برجعة الأمير كرم الله تعالى وجهه أيضاً لكن لم يوقتها بوقت، ولما أتى القرن الثالث قرر أهله من الإمامية رجعة الأئمة كلهم وأعدائهم وعينوا لذلك وقت ظهور المهدي، واستدلوا على ذلك بما رووه عن أئمة أهل البيت، والزيدية كافة منكرون لهذه الدعوى إنكاراً شديداً، وقد ردّوها في كتبهم على وجه مستوفى بروايات عن أئمة أهل البيت أيضاً تعارض روايات الإمامية، والآيات المذكورة هنا لا تدل على الرجعة حسبما يزعمون ولا أظن أن أحداً منهم يزعم دلالتها على ذلك، بل قصارى ما يقول: إنها تدل على رجعة المكذبين أو رؤسائهم فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي يذكرونها، وفي كلام الطبرسي ما يشير إلى هذا. وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية لإفادتها أن الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عز وجل بل ظاهر ما بعد يقتضي أنه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه، والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة مع أنها تفيد أيضاً وقوع العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب ولم تفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو أشد منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم، فالظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر، ولا يتسنى ذلك إلا إذا كان حشر يوم القيامة، وربما يقال أيضاً: ـ مما يأبـى حمل الحشر المذكور على الرجعة - إن فيه راحة لهم في الجملة حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذبين كيفما كان أشد من عذاب الدنيا، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم الجناية، وأيضاً كيف تصح إرادة الرجعة منها، وفي الآيات ما يأبـي ذلك، منه قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلّى أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }تفسير : [المؤمنون: 99-100] فإن آخر الآية ظاهر في عدم الرجعة مطلقاً وكون الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عز وجل مما لا ينتطح فيه كبشان إلا أن الكلام في وقوعه وأهل السنة ومن وافقهم لا يقولون به ويمنعون إرادته من الآية ويستندون في ذلك إلى آيات كثيرة، والأخبار التي روتها الإمامية في هذا الباب قد كفتنا الزيدية مؤنة ردها، على أن الطبرسي أشار إلى أنها ليست أدلة وأن التعويل ليس عليها، وإنما الدليل إجماع الإمامية والتعويل ليس إلا عليه، وأنت تعلم أن مدار حجية الإجماع على المختار عندهم حصول الجزم بموافقة المعصوم ولم يحصل للسني هذا الجزم من إجماعهم هذا فلا ينتهض ذلك حجة عليه مع أن له إجماعاً يخالفه وهو إجماع قومه على عدم الرجعة الكاشف عما عليه سيد المعصومين صلى الله عليه وسلم، وكل ما تقوله الإمامية في هذا الإجماع يقول السنى مثله في إجماعهم، وما ذكر من قوله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في أمتي» الحديث لا تعلم صحته بهذا اللفظ بل الظاهر عدم صحته فإنه كان في بني إسرائيل ما لم يذكر أحد أنه يكون في هذه الأمة كنتق الجبل عليهم حين امتنعوا عن أخذ ما آتاهم الله تعالى من الكتاب والبقاء في التيه أربعين سنة حين قالوا لموسى عليه السلام: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] ونزول المن والسلوى عليهم فيه إلى غير ذلك. / وبالجملة القول بالرجعة حسبما تزعم الإمامية مما لا ينتهض عليه دليل، وكم من آية في القرآن الكريم تأباه غير قابلة للتأويل، وكأن ظلمة بغضهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم حالت بينهم وبين أن يحيطوا علماً بتلك الآيات فوقعوا فيما وقعوا فيه من الضلالات.

ابن عاشور

تفسير : انتصب {يوم} على تقدير (اذكر) فهو مفعول به، أو على أنه ظرف متعلق بقوله {قال أكذبتم} مقدم عليه للاهتمام به. وهذا حشر خاص بعد حشر جميع الخلق المذكور في قوله تعالى بعد هذا {أية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : [النمل: 87] وهو في معنى قوله تعالى {أية : وامتازوا اليوم أيها المجرمون} تفسير : [يس: 59] فيحشر من كل أمة مكذبو رسولها. والفوج: الجماعة من الناس. و{من} الداخلة على {كل أمة} تبعيضية وأما (من) الداخلة على {من يكذب} فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة هو جماعة المكذبين منها، أي يحشر من الأمة كفارها ويبقى صالحوها. ويجوز جعل (من) هذه تبعيضية أيضاً بأن يكون المعنى إخراج فوج من المكذبين من كل أمة. وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأيمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى العذاب. وهذا قول ابن عباس إذ قال: مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها. وتقدم تفسير {أية : فهم يوزعون} تفسير : في قصة سليمان من هذه السورة (17). والمعنى هنا: أنهم يزجرون إغلاظاً عليهم كما يفعل بالأسرى. والقول في {حتى إذا جاءوا} كالقول في {أية : حتى إذا أتوا على واد النمل}تفسير : [النمل: 18] ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب، أي جهنم كما قال في الآية {أية : حتى إذا ما جاءوها}تفسير : [فصلت: 20]. و{حتى} في {حتى إذا جاءوا} ابتدائية. و{إذا} الواقعة بعد {حتى} ظرفية والمعنى: حتى حين جاءوا. وفعل {قال أكذبتم بآياتي} هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من تأخير للاهتمام. والتقدير: وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجاً وحين جاءوا. وفي {قال} التفات من التكلم إلى الغيبة. وقوله {أكذبتم بآياتي} قول صادر من جانب الله تعالى يسمعونه أو يبلغهم إياه الملائكة. والاستفهام يجوز أن يكون توبيخياً مستعملاً في لازمه وهو الإلجاء إلى الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتاً لهم، ولهذا عطف عليه قوله {أم ماذا كنتم تعملون}.j فحرف {أم} فيه بمعنى (بل) للانتقال ومعادل همزة الاستفهام المقدرة محذوف دل عليه قوله {ماذا كنتم تعملون}. والتقدير: أكذبتم بآياتي أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم توقنوا فماذا كنتم تعملون في مدة تكرير دعوتكم إلى الإسلام. ومن هنا حصل الإلجاء إلى الاعتراف بأنهم كذبوا. ومن لطائف البلاغة أنه جاء بالمعادل الأول مصرحاً به لأنه المحقق منهم فقال {أكذبتم بآياتي} وحذف معادله الآخر تنبيهاً على انتفائه كأنه قيل: أهو ما عهد منكم من التكذيب أم حدث حادث آخر، فجعل هذا المعادل متردداً فيه، وانتقل الكلام إلى استفهام. وهذا تبكيت لهم. قال في الكشاف: «ومثاله أن تقول لراعيك وقد علمت أنه راعي سوء: أتأكل نعمي أم ماذا تعمل بها، فتجعل ما ابتدأت به وجعلته أساس كلامك هو الذي صح عندك من أكله وفساده وترمي بقولك: أم ماذا تعمل بها، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل لتبهته. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً وتكون {أم} متصلة وما بعدها هو معادل الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل: أكذبتم أم لم تكذبوا فماذا كنتم تعملون إن لم تكذبوا فإنكم لم تتبعوا آياتي. وجملة {ولم تحيطوا بها علماً} في موضع الحال، أي كذبتم دون أن تحيطوا علماً بدلالة الآيات. وانتصب {علماً} على أنه تمييز نسبة {تحيطوا}، أي لم يحط علمكم بها، فعدل عن إسناد الإحاطة إلى العلم إلى إسنادها إلى ذوات المخاطبين ليقع تأكيد الكلام بالإجمال في الإسناد ثم التفصيل بالتمييز. وإحاطة العلم بالآيات مستعملة في تمكن العلم حتى كأنه ظرف محيط بها وهذا تعيير لهم وتوبيخ بأنهم كذبوا بالآيات قبل التدبر فيها. و{ماذا} استفهام واسم إشارة وهو بمعنى اسم الموصول إذا وقع بعد (ما). والمشار إليه هو مضمون الجملة بعده في قوله {كنتم تعملون}. ولكون المشار إليه في مثل هذا هو الجملة صار اسم الإشارة بعد الاستفهام في قوة موصول فكأنه قيل: ما الذي كنتم تعملون؟ فذلك معنى قول النحويين: إن (ذا) بعد (ما) و(من) الاستفهاميتين يكون بمعنى (ما) الموصولة فهو بيان معنىً لا بيان وضع.

الشنقيطي

تفسير : ظاهره هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات الله، ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق، كقوله تعالى بعد هذا بقليل: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87] وقوله تعالى: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 47] وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأنعام: 22] و [يونس: 28] وقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 38] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في آية النمل هذه في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} [النمل:83] الآية وبين قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87] ونحوها من الآيات، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} في الحشر العام لجميع الناس للحساب والجزاء. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} الآية. في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة، لأجل التوبيخ المنصوص عليه في قوله هنا: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } تفسير : [النمل: 84] الآية. وهذا يدل عليه القرآن كما ترى. وقال بعضهم: هذه الأفواج التي تحشر حشراً خاصاً هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم، وعليه فالآية كقوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 68ـ69] والفوج: الجماعة من الناس. ومنه قوله تعالى: {أية : يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} تفسير : [النصر: 2] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83] أي يرد أو لهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يدفعون جميعاً كما قاله غير واحد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 83- واذكر - أيها الرسول - يوم نجمع من كل أمة طائفة من المكذبين بآياتنا، وهم الزعماء المتَّبَعون فهم يساقون فى مقدمة أممهم إلى الحساب والجزاء. 84- وحينما يقفون بين يدى الله للحساب يقول - سبحانه - لهم تبكيتاً وتعنيفاً: قد كذبتم بكل آياتى وأنكرتموها دون تدبر ولا فهم. بل ماذا كنتم تعملون وأنتم لم تخلقوا عبثاً؟ 85- وحل بهم العذاب بسبب ظلمهم أنفسهم بالكفر، فهم عاجزون عن الدفاع والاعتذار. 86- لقد شاهدوا أن الله جعل الليل ليستريحوا فيه، وجعل النهار مضيئاً ليتصرفوا فيه ويسعوا على معايشهم؛ إن فى ذلك لدلالات واضحة على ألوهية الله ووحدانيته لقوم يتدبرونها فيؤمنون. 87- واذكر - أيها الرسول - يوم ينفخ إسرافيل فى البوق بإذن الله، فيرتعب من فى السموات ومن فى الأرض من هول النفخة إلا من طمأنه الله وأعفاه من الفزع، وكل المخلوقات يأتون إلى ربهم صاغرين. 88- وترى - أيها الرسول - الجبال تظنها ثابتة لا تتحرك، ولكنها فى واقع الأمر تتحرك بسرعة كالسحاب، وهذا من صنع الله الذى خلق كل شئ وأبدعه. إنه سبحانه كامل العلم بما يفعل الناس من طاعة ومعصية، ومجازيهم عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} (83) - يُخبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ يَومِ القِيَامَةِ، وَعَنْ حَشرِهِ الظَّالِمينَ المُكَذِّبينَ رُسُلَ الله وَآياتِهِ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ في الدَّارِ الدُّنْيا، تَقْرِيعاً لَهُمْ، وَتَصْغِيراً وَتَحقِيراً لِشَأنِهِمْ، فَفي ذلِكَ اليَومِ يَحْشُرُ اللهُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَأُمَّةٍ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَيُؤْمَرُونَ بِالتِزَامِ أَمَاكِنِهِمْ. (يُوزَعُونَ) لِيَجتَمِعُوا في مَوقِفِ التَّوبِيخِ والإِهَانَةِ. يُوزَعُونَ - يُوقَفُ أَوَائِلُهُمْ لِيَلْحَقَهُمْ أًَوَاخِرُهُمْ ثُمَّ يُسْأَلُونَ. فَوْجاً - جَمَاعَةً وَزُمْرَةً.

الثعلبي

تفسير : قوله عزّ وجل: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} جماعة {مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يُساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يوزعون: يدفعون {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوا} يوم القيامة {قَالَ} الله سبحانه لهم {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً} ولم تعرفوا حقّ معرفتها {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ {وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ} ووجب العذاب {عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ} أشركوا {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 35-36] {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا} خلقنا {ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} مضيئاً يُبصَر فيه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكرت {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبدالله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبدالله بن عمرو قال: حديث : جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصُّور، فقال: "قرن ينفخ فيه ". تفسير : وقال مجاهد: الصُّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يُؤمَر فينفخ ". تفسير : وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: شعر : سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. تفسير : وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبدالله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأُولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلاّ من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: { وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} [ص: 15] فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سراباً، وترجّ الأرض بأهلها رجّاً فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} [النازعات: 6-8] فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [غافر: 32-33]. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمراً عظيماً لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليمٌ، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك" . حديث : قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [النمل: 87]. قال صلى الله عليه وسلم: «أُولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربّهم يرزقون ووقيهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] إلى قوله {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلاّ أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68] فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلاّ من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل،فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنتّ الحيّ الذي لا تموت وبقيتْ حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلقٌ من خلقي خلقتك لما رأيت فمتْ فيموت فإذا لم يبق إلاّ الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وكان آخراً كما كان أوّلا طوى السموات كطيّ السِجِلِّ للكتب. ثمّ قال: أنا الجبّار، لمن الملك اليوم، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك تعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لله الواحد القهّار {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكافي {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} [طه: 107]. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تُنزل بمطر أربعين يوماً حتى يكون)من فوقهم) إثنا عشر ذراعاً، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليَحيَ حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليَحيَ جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نوراً والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعاً ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعاً، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عُراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يومٌ عَسِر» . تفسير : قوله عزّ وجل: {فَفَزِعَ} أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. {مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص {أَتَوْهُ} مقصوراً على الفعل بمعنى جاءوه عطفاً على قوله: {فَفَزِعَ} و{أَتَوْهُ} اعتباراً بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبدالعزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبدالله بن مسعود {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} بتطويل الألف، فقال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} وهي قراءة علي رضي الله عنه {دَاخِرِينَ} صاغرين. قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ} يا محمّد {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} قائمة واقفة مستقرّة مكانها. {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويُعْد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: شعر : يأرعن مثل الطود تحسب أنّهم وقوف لحاج والركاب تهملج تفسير : {صُنْعَ ٱللَّهِ} نُصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وابصروا {ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي أحكم (كلّ شيء، قتادة): أحسن. {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} قرأ أهل الكوفة {تَفْعَلُونَ} بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: {أَتَوْهُ} إنّما هو خبر عنهم {مَن جَآءَ} أي وافى الله {بِٱلْحَسَنَةِ} بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إلهَ إلاّ الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبدالله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبدالله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ}. {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} وأخبرني أبو عبدالله محمّد بن عبدالله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان (النصيبي ببغداد) قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا اسماعيل بن أبان، عن (فضيل) بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبدالله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبدالله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حُبّنا والسيّئة بُغضنا {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، قال ابن عباس: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلاّ الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضاً {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خيرٌ من عمل العبد، وقيل: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة: 72]. وقال محمّد بن كعب وعبدالرحمن بن زيد {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} يعني الإضعاف،أعطاء الله الحسنة بالواحدة عشراً صاعداً، فهذا خيرٌ منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يُسئل عن عمله ولا يُسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} قرأ أهل الكوفة {فَزَعٍ} منوناً {يَوْمَئِذٍ} بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرأوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: {مِّن فَزَعٍ يومئذ} صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضاً، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء: 103] فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} يعني الشرك. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبدالله بن هاشم قال: حدّثنا عبدالرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} قال: لا إلهَ إلاّ الله. {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إلهَ إلاّ الله. {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} قال ابن عباس: أُلقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَآ أُمِرْتُ} يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد(عليه السلام) قل: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ} {أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} يعني مكّة جعلها حرماً آمناً، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس التي حرمها» إشارة إلى البلدة. {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} خلقاً ومُلكاً {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} {أية : وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ}تفسير : [يس: 17] نسختها آية القتال {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} على نعمه، {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37] وقال مجاهد: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله:{أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53] وقوله: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [الذاريات: 20-21] {فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الفوج: هم الجماعة والزمرة من الناس. وأول مَنْ يُجمع في هذا الموقف هم العتاة والجبابرة الذين تولَّوْا تكذيب آيات الله، يحشرهم الله أولاً أمام العامة يتقدمونهم ويسبقونهم إلى النار، كما قال سبحانه عن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ..}تفسير : [هود: 98]. فكما تقدَّمهم في الضلال في الدنيا يتقدمهم إلى النار في الآخرة، وحين يرى الضالون إمامهم في الضلال يقدمهم ينقطع أملهم في النجاة، فربما تعلَّقوا به في هذا الموقف ينتظرونه أنْ يُخلٍّصهم، لكن كيف وهو يسبقهم إلى هذا المصير. ومعنى {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 83] قلنا في معنى {يُوزَعُونَ} [النمل: 83] أي: يُمنعون، والمراد يمنعون أن يسبق أولهم آخرهم بحيث يدخلون جميعاً، فالحق - تبارك وتعالى - يجمع أولهم على آخرهم (ليشرفوا) سوياً في النار: التابع والمتبوع كلهم سواء في الذلة والمهانة، فربما حاول أحد العتاة أو الجبابرة أن يسبق حتى لا يراه تابعوه، فيفتضح أمره، فيؤخره الله ليفضحه على رؤوس الأشهاد.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً} معناه جَماعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حالة المكذبين في موقف القيامة وأن الله يجمعهم، ويحشر من كل أمة من الأمم فوجا وطائفة { مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ } يجمع أولهم على آخرهم وآخرهم على أولهم ليعمهم السؤال والتوبيخ واللوم. { حَتَّى إِذَا جَاءُوا } وحضروا قال لهم موبخا ومقرعا: { أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا } العلم أي: الواجب عليكم التوقف حتى ينكشف لكم الحق وأن لا تتكلموا إلا بعلم، فكيف كذبتم بأمر لم تحيطوا به علما؟ { أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: يسألهم عن علمهم وعن عملهم فيجد عليهم تكذيبا بالحق، وعملهم لغير الله أو على غير سنة رسولهم. { وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا } أي: حقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم الذي استمروا عليه وتوجهت عليهم الحجة، { فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ } لأنه لا حجة لهم.