٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا } خلقنا {الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} كغيرهم {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } بمعنى يُبْصَرُ فيه ليتصرّفوا فيه {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَٰتٍ } دلالات على قدرته تعالى {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإِيمان بخلاف الكافرين.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} الرؤيةٌ قلبـية لا بصريةٌ لأنَّ نفسَ الليلِ والنَّهارِ وإنْ كانَا من المُبصرات لكن جعلُهما كما ذُكر من قبـيلِ المعقولاتِ أي ألم يعلموا أنَّا جعلنا الليل بما فيهِ من الإظلامِ ليستريحُوا فيه بالنَّومِ والقرارِ. {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي ليبُصروا بما فيهِ من الإضاءةِ طرقَ التقلبِ في أمورِ المعاش فبُولغَ فيه حيثُ جُعل الإبصارُ الذي هو حالُ النَّاسِ حالاً له ووصفاً من أوصافِه التي جُعل عليها بحيثُ لا ينفكُّ عنها ولم يسلك في الليلِ هذا المسلكَ لما أنَّ تأثيرَ ظلامِ الليَّلِ في السُّكونِ ليس بمثابةِ تأثيرِ ضَوْء النَّهارِ في الأبصارِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في جعلِهما كما وُصفا، وما في اسمِ الإشارةِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ ببُعدِ درجتِه في الفضلِ.{لأَيَاتٍ} أي عظيمةً كثيرةً {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} دالةٌ على صحَّةِ البعثِ وصدقِ الآياتِ النَّاطقةِ به دلالةً واضحةً كيف لا وإنَّ مَن تأمَّلَ في تعاقُبِ اللَّيل والنهارِ واختلافِهما على وجوه بديعةٍ مبنيةٍ على حِكَمٍ رائعةٍ تحارُ في فهمِها العقولُ ولا يُحيطُ بها إلا الله عزَّ وجلَّ وشاهدَ في الآفاقِ تبدلَ ظُلمةِ الليلِ المحاكيةِ للموتِ بضياءِ النَّهارِ المُضاهي للحياةِ وعاينَ في نفسِه تبدلَ النَّومِ الذي هو أخوُ الموتِ بالانتباه الذي هو مثلُ الحَيَاةِ قَضَى بأنَّ السَّاعةَ آتية لا ريبَ فيها وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ قضاءً متقناً وجزمَ بأنَّه تعالى قد جعلَ هذا أُنموذجاً له ودليلاً يستدلُّ به على تحققِه وأنَّ الآياتِ الناطقةَ به وبكونِ حالِ اللَّيل والنهار بُرهاناً عليهِ وسائرَ الآياتِ كلِّها حقٌّ نازلٌ من عندِ الله تعالى. {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ} إمَّا معطوفٌ على يومَ نحشرُ منصوبٌ بناصبِه أو بمضمرٍ معطوفٍ عليه. والصُّور هو القَرْنُ الذي ينفخُ فيه إسرافيلُ عليه السَّلامُ « حديث : عنْ أبـي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لمَّا فرغَ الله تعالى مِن خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ خلقَ الصُّور فأعطاهُ إسرافيلَ فهو واضُعه على فيهِ شاخصٌ بصرُه إلى العرشِ متى يُؤمر" قال قلتُ: يا رسولَ الله ما الصُّور؟ قال: "القَرنُ" قال قلتُ: كيف هُو؟ قال: "عظيمٌ والذي نفسي بـيدِه إنَّ عظَم دارةٍ فيه كعرضِ السماءِ والأرضِ فيُؤمر بالنَّفخِ فيه فينفُخ نفخةً لا يبقى عندها في الحياةِ أحدٌ غيرُ مَن شاء الله تعالى وذلك قولُه تعالى: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} [سورة الزمر: الآية 68] ثم يُؤمر بأُخرى فينفخُ نفخَّة لا يبقي معها ميتٌ إلا بُعث وقامَ وذلك قولُه تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}" » تفسير : والذي يستدعيِه سباقُ النَّظمِ الكريمِ وسياقُه أنَّ المرادَ بالنَّفخ هَهُنا هي النفخة الثانية وبالفزعِ في قولِه تعالى {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} ما يعتري الكلَّ عند البعثِ والنِّشورِ بمشاهدةِ الأمورِ الهائلةِ الخارقةِ للعاداتِ في الأنفس والآفاق من الرُّعبِ والتَّهيبِ الضروريـينِ الجبلـينِ. وإيرادُ صيغةِ الماضي مع كونِ المعطوفِ عليه أعني ينفخُ مضارعاً للدِّلالةِ على تحقق وقوعِه إثرَ النَّفخِ، ولعلَّ تأخيرَ بـيانِ الأحوالِ الواقعةِ عند ابتداءِ النَّفخةِ عن بـيانِ ما يقعُ بعدها من حشرِ المكذبـينَ من كلِّ أُمَّة لتثنيةِ التَّهويل بتكريرِ التَّذكيرِ إيذاناً بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما طَّامةٌ كُبرى وداهيةٌ دهياء حقيقة بالتَّذكيرِ على حيالِها، ولو رُوعيَ التَّرتيبُ الوقوعيُّ لربما تُوهم أنَّ الكلَّ داهيةٌ واحدةٌ قد أُمر بذكرِها كما مرَّ في قصَّةِ البقرةِ {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} أي أنْ لا يفزعَ قيلَ: هُم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ وعزرائيلُ عليهم السَّلام، وقيلَ: الحُورُ والخَرَنةُ وحَمَلةُ العَرْشِ {وَكُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ من المبعوثينَ عند النَّفخةِ {أَتَوْهُ} حضُروا الموقف بـين يدي ربَّ العِزَّة جلَّ جلالُه للسؤالِ والجَوَابِ والمُناقشةِ والحسَابِ. وقُرىء أَتَاهُ باعتبارِ لفظِ الكلِّ كَما أنَّ القراءةَ الأُولى باعتبارِ معناهُ. وقُرىءَ آتُوه أي حاضِرُوه {دٰخِرِينَ} أي صاغِرينَ. وقُرىء دَخِرينَ.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم {وكل أتوه} مقصورة على وزن (فلوه) الباقون {آتوه} ممدودة ومضمومة التاء على وزن (فالوه) وقرأ اهل الكوفة {من فزع} منوناً {يومئذ} بفتح الميم. الباقون بغير تنوين على الاضافة إلا ورشاً فانه نصب الميم من {يومئذ} مع الاضافة. ووجه هذه القراءة انه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، لان إضافة (يوم) إلى (إذ) ليست محضة، لان الحروف لا يضاف اليها، ولا إلى الافعال، وانما أجازوا في اسماء الزمان الاضافة إلى الحروف وإلى الافعال نحو: هذا يوم ينفع، لما خص وكثر، وقرأ اهل البصرة وابن كثير وابو بكر إلا يحيى والداجوني عن ابن ذكوان {يفعلون} بالياء، الباقون بالتاء. وقرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب {عما تعملون} بالتاء. الباقون بالياء. يقول الله تعالى منبها لخلقه على وجه الاعتبار والتنبيه على النظر بالفكر بجعله تعالى الليل ليسكن فيه خلقه، من الحيوان من الحركات، لأن من جعل الشيء لما يصلح له من الانتفاع، فانما ذلك باختياره دون الطبع، وما يجري مجراه مما ليس مختار، ففي ذلك بطلان قول كل مخالف فيه. وقوله {والنهار مبصراً} يحتمل أمرين: احدهما - انه جعل النهار ذا إبصار، كما قال {أية : عيشة راضية} تفسير : أي ذات رضا، وكما قال النابغة: شعر : كليني لهم يا أمية ناصب تفسير : أي لهم ذي نصب. الثاني - لأنه يريك الاشياء كما يراها من يبصرها بالنور الذي تجلى عنها فقيل هو كقول جرير: شعر : لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : اي بالذي ينام فيه. ثم قال {إن في ذلك لآيات} يعني دلالات واضحات لقوم يصدقون بالله وبتوحيده. وقوله {ويوم ينفخ في الصور} منصوب بتقدير: واذكر {يوم ينفخ في الصور} أي وذلك يوم ينفخ في الصور، يعني قوله {وقع القول عليهم بما ظلموا.... يوم ينفخ في الصور} ويجوز أن يكون على حذف الجواب، وتقديره وتكون البشارة الثانية يوم ينفخ في الصور. وقيل: تقديره ويوم ينفخ في الصور يفزع، لان المعنى إذا نفخ في الصور فزع إلا أنه لما جاء الثاني بالفاء اغنى عن (يفعل) لأنها ترتب. وقال الحسن وقتادة: الصور صور الخلق. وقال مجاهد: هو قرن كالبوق ينفخ فيه. وقيل: النفخة الأولى نفخة الفزع. والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين. وقيل: معنى {ففزع من في السماوات ومن في الأرض} من شدة الاسراع والاجابة، يقال: فزعت اليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك. وقيل: هو ضد الأمن، وهو الأولى. وقيل: وجه النفخ في الصور أنه على تصور ضرب البوق للاجتماع على المسير إلى أرض الجزاء بالحال التي تعرف في دار الدنيا. ومن ذهب إلى أنه جمع صورة قال: المعنى نفخ الأرواح في الاجساد بردها إلى حال الحياة التي كانت عليها. وقوله {إلا من شاء الله} روي في الخبر أن الشهداء من جملة الخلق لا يفزعون ذلك اليوم. وقيل: {إلا من شاء الله} يعني من الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم. وقيل: اسرافيل هو النافخ في الصور بأمر الله تعالى. ثم قال {وكل أتوه داخرين} معناه إن جميع الخلق جاؤا لله داخرين أي صاغرين. فمن قصر، حمله على انهم اتوه أي جاؤه. ومن مدّ، حمله على أنهم جايؤه على وزن (فاعلوه). ولفظة (كل) ها هنا معرفة، لأنها قطعت عن الأضافة، كما قطع قوله {أية : من قبل ومن بعد}تفسير : إلا أنه لم يبن، لأنه قطع عن متمكن التمكن التام. وليس كذلك {أية : من قبل ومن بعد} تفسير : لأنه كان ظرفاً لا يدخله الرفع. وقوله {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} قال ابن عباس: تحسبها قائمة وهي تسير سيراً حثيثاً سريعاً قال النابغة الجعدي: شعر : ناز عن مثل الطود يحسب أنهم وقوف لحاح والركاب تهملج تفسير : أي من أجل كثرتهم وإلتفافهم يحسب انهم وقوف، فكذلك الجبال. وقوله {صنع الله الذي أتقن كل شيء} نصب {صنع الله} بما دل عليه ما تقدم من الكلام من قوله {تمر مر السحاب} فكأنه قال: صنع الله صنع الذي أتقن كل شيء إلا انه اظهر اسم الله في الثاني، لأنه لم يذكر في الأول وانما دل عليه. والاتقان حسن إيناق وقوله {إنه خبير بما تفعلون} أي عليم بأفعالهم فيجازيهم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم بين كيفية الجزاء، فقال {من جاء بالحسنة} يعني بالخصلة الحسنة {فله خير منها} أي خير يصيبه منها. وقيل: فله أفضل منها في عظم النفع لأن له بقيمتها وبالوعد الذي وعده الله بها كأنه قال: من اتى بالحسنة التي هي الايمان والتوحيد والطاعة لله يوم القيامة يكون آمناً لا يفزع كما يفزع الكفار والفساق. وقيل: هم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة. وقيل: من فزع يوم القيامة في الجنة آمنون. ثم قال {ومن جاء بالسيئة} يعني بالمعصية الكبيرة التي هي مثل الكفر والشرك، وما جرى مجراهما. وقال جميع المفسرين: إن السيئة - ها هنا - الشرك، فان الله تعالى يكبه على وجهه في النار. ويقال: كبه واكبه إذا نكسه، ويقال لهم {هل تجزون} بهذا العقاب {إلا} مكافأة لما كنتم تفعلون وتعملون في دار التكليف من المعاصي. ثم قال لنبيه {قل} لهم {انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة} يعني مكة - في قول ابن عباس - وقال غيره: منى، أي أمرت بعبادة رب هذه البلدة لم أؤمر بعبادة سواه {التي حرمها} وقيل: معنى {حرمها} عظم حرمتها من أن يسفك دم حرام فيها أو يظلم أحد فيها أو يصطاد صيدها أو يخلى خلاؤها وقيل: حرمها حتى أمن الوحش فيها، فلا يعدو الكلب على الغزال، ولا على الطير ولو خرج من الحرم لنفر أشد النفور، فذكر لهذه الآية في الحرم {وله كل شيء} أي يملك كل شيء بالتصرف فيه على وجه يريده ويختاره، وليس لأحد منعه منه {وأمرت ان أكون من المسلمين} الذين يسلمون بتوحيده واخلاص العبادة له مستسلمين له {وأمرت أن أتلو القرآن} عليكم وادعوكم إلى ما فيه {فمن اهتدى} إلى الحق والعمل بما فيه {فإنما يهتدي لنفسه} لأن جزاء ذلك وثوابه يصل اليه دون غيره {ومن ضل} عنه وجار ولم يعمل بما فيه ولم يهتد إلى الحق {فقل} له يا محمد {إنما أنا من المنذرين} الذين يخوفون بعقاب الله من معاصيه، ويدعون إلى طاعته. وفي ذلك دلالة على فساد قول المجبرة الذين يقولون: ان الله يخلق الايمان والهداية والكفر والضلالة. ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بان يقول {الحمد لله} اعترافا بنعمه {سيريكم آياته} يعني دلالاته التي ليس يمكنكم جحدها. وقال الحسن: معناه يريكم آياته في الآخرة فتعرفون انها على ما قال في الدنيا. وقيل: يركم في الدنيا ما ترون من الآيات في السماء والارض، فتعرفونها أنها حق. ذكره مجاهد. ئم قال وليس ربك يا محمد {بغافل عما تعملون} من قرأ بالياء يعني عما يفعله المشركون. ومن قرأ بالتاء، فعلى تقدير: قل لهم: ليس ربكم بغافل عما تعملونه بل هو عالم بجميع ذلك فيجازيكم عليه، وفى ذلك غاية التهديد.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هل يكون ذلك؟- فقال: انّه سيكون فانّه لم يدعكم فى الدّنيا مهملين مع انّها مقدّمة للآخرة وهيّأ لكم جميع ما تحتاجون اليه فى تعيّشكم فلا يدعكم فى الآخرة مهملين الم يروا {أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} بالنّوم وسكون القوى عن هيجانها، والرّوح عن انتشارها، والنّفس عن خيالاتها {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} مجاز عقلىّ او بمعنى سبب ابصار او بمعنى الجاعل بصيراً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} عديدة دالّة على علمه تعالى وقدرته وحكمته ورأفته بعباده وتربيته لهم بأحسن ما يكون وعدم اهماله لهم فى الدّنيا الّتى هى مقدّمة لدار آخرتهم وقنطرة للعبور الى منازلهم فلا يهملهم فى الآخرة من غير حسابٍ وثوابٍ وعقابٍ او من غير بقاءٍ وحيٰوةٍ {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله او بالآخرة.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا} أي خلقنا. {الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} كغيرهم. {وَالنَّهَارَ مُبْصِراً} أي مضيا لهم حتى صيرهم بصيرين أو يبصر فيه وذلك ليتصرفوا فيه ويجوز ان يكون اسند الأبصار الى النهار مبالغة كأنه بنفسه بصير من أبصر اللازم ومن قدر على تعقيب الظلمة بالضوء والضوء بالظلمة قادر على البعث ومن خلق الليل والنهار لمنافع الخلق لا يخفى ان ما أمرهم به أو نهاهم عنه ما هو الا لمنافع لهم في معاشهم ومعادهم وأغنى عن ذكر علة جعل النهار ذكر مبصرا وكأنه قيل والنهار ليتصرفوا فيه لوجود الضوء وبسطت ذلك في غير هذه الآية. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دلالات على قدرة الله سبحانه الكاملة وقيل التوحيد والبعث والارسال. {لِّقَوْمٍ يُؤمِنُونَ} وغيرهم ولكن خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.
اطفيش
تفسير : {أم يَروْا أنَّا جَعَلنا اللَّيل} خلقناه فله مفعول به واحد، وقوله: {ليسكنوا} متعلق بجعل، أو متعد لاثنين أى مقرا للسكنى، فليسكنوا نعتا لمقر، ولا يضره عود هاء {فيه} للقمر أو لليل، لأن الليل والمفر واحد، أو يقدر جعلنا الليل مظلما ليسكنوا فيه، كما دل عليه ضده فى مقابله، وهو مبصراً فى قوله عز وجل: {والنَّهار مُبصراً} على طريق الاحتباك، أى مبصراً للتحرك {إنَّ فى ذلك} الجعل البعيد علواً فى درجة الفضل {لآياتٍ} عظيمة كثيرة على البعث {لقومٍ يؤمنونَ} خصوا بالذكر مدحاً لهم ونصرة، ولأنهم المنتفعون وغيرهم، وكأنهم لم تنزل عليهم فى عدم الانتفاع، ووجه الدلالة أن إبدال الظلمة بالنور على الوجه المخصوص المستمر، بأن جعل الشمس دائرة جارية لمصالحهم، لا تمكث لحظة، شبيه بإبدال الموت بالحياة، ولا قادر على ذلك غيره، وكذلك النوم فى الليل كالموت، والانتباه كالحياة بعده، تكررت عليهم الآيات القرآنية، والمعجزات والأخبار م أهل الكتاب، يخبرون بألوف لخرجوا من ديارهم، والذى مر على قرية.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ } الرؤية قلبية لا بصرية لأن نفس الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات أي ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالقرار والنوم، قال بعض الرجاز:شعر : النوم راحة القوى الحسية من حركات والقوى النفسية تفسير : {وَٱلنَّهَـٰرَ مُبْصِـراً } أي ليبصروا بما فيه من الإضاءة طرق التقلب في أمور معاشهم فبولغ حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالاً له ووصفاً من أوصافه التي جعل عليها بحيث لا ينفك عنها، ولم يسلك في الليل هذا المسلك لما أن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار، والمشهور أن في الآية صنعة الاحتباك والتقدير جعلنا الليل مظلماً ليسكنوا فيه والنهار مبصراً لينتشروا فيه. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في جعلهما كما وصفا وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإشعار ببعد درجته في الفضل {لأَيَـٰتٍ } عظيمة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإنه يدل على التوحيد وتجويز الحشر وبعث الرسل عليهم السلام لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص غير متعين بذاته لا يكون إلا بقدرة قاهرة ليست لما أشركه المشركون، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحد قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان، وأن من جعل الليل والنهار سببين لمنافعهم ومصالحهم لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم ومعادهم وهو بعثة الرسل عليهم السلام. وفي «إرشاد العقل السليم» لآيات عظيمة كثيرة لقوم يؤمنون دالة على صحة البعث وصدق الآيات الناطقة به دلالة واضحة كيف لا وأن من تأمل في تعاقب الليل والنهار واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم رائقة تحار في فهمها العقول ولا يحيط بها إلا علم الله جل وعلا وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحياة وعاين في نفسه تبدل النوم الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله تعالى يبعث من في القبور قضاءاً متقناً وجزم بأنه تعالى قد جعل هذا أنموذجاً له ودليلاً يستدل به على تحققه، وأن الآيات الناطقة به وبكون حال الليل والنهار برهاناً عليه وسائر الآيات كلها حق نازل من عند الله تعالى اهـ. ولعل الأول أولى لا سيما إذا ضم إلى الاستدلال على جواز الحشر مشابهة النوم واليقظة للموت والحياة لما في هذا من خفاء الدلالة، وتخصيص المؤمنين بالذكر لما أنهم هم المنتفعون بالآيات، ووجه ربط هذه الآية بما قبلها أنها كالدليل على صحة ما تضمنته من الحشر.
ابن عاشور
تفسير : هذا الكلام متصل بقوله {أية : ووقع القول عليهم بما ظلموا}تفسير : [النمل: 85] أي بما أشركوا، فذكرهم بدلائل الوحدانية بذكر أظهر الآيات وأكثرها تكراراً على حواسهم وأجدرها بأن تكون مقنعة في ارعوائهم عن شركهم. وهي آية ملازمة لهم طول حياتهم تخطر ببالهم مرتين كل يوم على الأقل. وتلك هي آية اختلاف الليل والنهار الدالة على انفراده تعالى بالتصرف في هذا العالم؛ فأصنامهم تخضع لمفعولها فتظلم ذواتهم في الليل وتنير في النهار، وفيها تذكير بتمثيل الموت والحياة بعده بسكون الليل وانبثاق النهار عقبه. والجملة معترضة بين جملة {أية : ووقع القول عليهم}تفسير : [النمل: 85] وجملة {أية : ويوم ينفخ في الصور} تفسير : [النمل: 87] ليتخلل الوعيد بالاستدلال فتكون الدعوة إلى الحق بالإرهاب تارة واستدعاء النظر تارة أخرى. والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حالهم لأنها لغرابتها تستلزم سؤال من يسأل عن عدم رؤيتهم فهذه علاقة أو مسوغ استعمال الاستفهام في التعجيب، وهي علاقة خفية أشار سعد الدين في «المطول» إلى عدم ظهورها وتصدى السيد الشريف إلى بيانها غاية البيان وأرجعها إلى المجاز المرسل فتأمله. والرؤية يجوز أن تكون قلبية وجملة {أنّا جعلنا} سادة مسد المفعولين، أي كيف لم يعلموا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً مع أن ذلك واضح الدلالة على هذا الجعل. واختير من أفعال العلم فعل الرؤية لشبه هذا العلم بالمعلومات المبصرة. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمصدر المنسبك من الجملة مفعول الرؤية والمعنى: كيف لم يبصروا جعل الليل للسكون والنهار للإبصار مع أن ذلك بمرأى من أبصارهم. والجعل مراد منه أثره وهو اضطرار الناس إلى السكون في الليل وإلى الانتشار في النهار. فجعلت رؤية أثر الجعل بمنزلة رؤية ذلك الجعل وهذا واسع في العربية أن يجعل الأثر محل المؤثر، والدال محل المدلول. قال النابغة:شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل تفسير : أي على مخافة وعل. والمبصر: اسم فاعل أبصر بمعنى رأى. ووصف النهار بأنه مبصر من قبيل المجاز العقلي لأن نور النهار سبب الإبصار. ويجوز أن تكون الهمزة للتعدية من أبصره، إذا جعله باصراً. وجملة {إن في ذلك لآيات} تعليل للتعجيب من حالهم إذ لم يستدلوا باختلاف الليل والنهار على الوحدانية ولا على البعث. ووجه كون الآيات في ذلك كثيرة كما اقتضاه الجمع هو أن في نظام الليل آيات على الانفراد بخلق الشمس وخلق نورها الخارق للظلمات، وخلق الأرض، وخلق نظام دورانها اليومي تجاه أشعة الشمس وهي الدورة التي تكوّن الليل والنهار، وفي خلق طبع الإنسان بأن يتلقّى الظلمة بطلب السكون لما يعتري الأعصاب من الفتور دون بعض الدواب التي تنشط في الليل كالهوام والخفافيش وفي ذلك أيضاً دلالة على تعاقب الموت والحياة، فتلك آيات وفي كل آية منها دقائق ونظم عظيمة لو بسط القول فيها لأوعب مجلدات من العلوم. وفي جعل النهار مبصراً آيات كثيرة على الوحدانية ودقة صنع تقابل ما تقدم في آيات جعل الليل سكناً. وفيه دلالة على أن لا إحالة ولا استبعاد في البعث بعد الموت، وأنه نظير بعث اليقظة بعد النوم، وفي جليل تلك الآيات ودقيقها عدة آيات فهذا وجه جعل ذلك آيات ولم يجعل آيتين. ومعنى {لقوم يؤمنون} لناس شأنهم الإيمان والاعترف بالحجة ولذلك جعل الإيمان صفة جارية على {قوم} لما قلناه غير مرة من أن إناطة الحكم بلفظ (قوم) يومىء إلى أن ذلك الحكم متمكن منهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم ومنه قوله تعالى {أية : ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون}تفسير : [التوبة: 56]، أي الفرق من مقومات قوميتهم فكيف يكونون منكم وأنتم لا تفرقون، أي في ذلك آيات لمن من شعارهم التدبر والاتصاف، أي فهؤلاء ليسوا بتلك المثابة. ولكون الإيمان مقصوداً به أنه مرجو منهم جيء فيه بصيغة المضارع إذ ليس المقصود أن في ذلك آيات للذين آمنوا لأن ذلك حاصل بالفحوى والأولوية، فصار المعنى: أن في ذلك لآيات للمؤمنين ولمن يرجى منهم الإيمان عند النظر في الأدلة. وقريب من هذا المعنى قوله تعالى {أية : إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم}تفسير : [التكوير: 27، 28]. ولهذا خولف بين ما هنا وبين ما في سورة يونس (67) إذ قال {أية : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}تفسير : لأن آية يونس مسوقة مساق الاستدلال والامتنان فخاطب بها جميع الناس من مؤمن وكافر فجاءت بصيغة الخطاب، وجعلت دلالتها لكل من يسمع أدلة القرآن فمنهم مهتد وضال ولذلك جيء فيها بفعل {أية : يسمعون}تفسير : [يونس: 67] المؤذن بالامتثال والإقبال على طلب الهدى. وأما هذه الآية فمسوقة مساق التعجيب والتوبيخ فجعل ما فيها آيات لمن الإيمان من شأنهم ليفيد بمفهومه أنه لا تحصل منه دلالة لمن ليس من شأنهم الانصاف والاعتراف ولذلك أوثر فيه فعل {يؤمنون}. وجاء ما في الليل من الخصوصية بصيغة التعليل باللام بقوله {ليسكنوا فيه}، وما في النهار بصيغة مفعول الجعل بقوله {مبصراً} تفنناً، ولما يفيده {مبصراً} من المبالغة. والمعنى على التعليل والمفعول واحد في المآل. وبهذا قال في «الكشاف» «التقابل مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف» أي ففي الآية احتباك إذ المعنى: جعلنا الليل مظلماً ليسكنوا فيه والنهار مبصراً لينتشروا فيه. واعلم أن ما قرر هنا يأتي في آية سورة يونس عدا ما هو من وجوه الفروق البلاغية فارجع إليها هنالك.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ} تفسير : [الإسراء: 12] الآية.
القطان
تفسير : الم يروا: الم يعلموا. ليسكنوا فيه: ليستريحوا فيه. مبصرا: ليبصروا فيه ويسعوا وراء معاشهم. الصُّور: البوق. داخرين: أذلاء صاغرين. جامدة: ثابتة في اماكنها. الحسنة: كل عمل صالح نافع. السّيئة: كل عمل مخالف للدين والنظام. فكُبَّتْ وجوهُهم: القيت منكوسة. البلدة: مكة. الم يعلموا ويشاهدوا بأنفسهم انا جعلنا الليل للراحة والهدوء، والنهار واضحا للسعي وراء معاشهم وتدبير امورهم، ان في ذلك لآيات دالةً على وجود الله ورحمته للمؤمنين. ويوم ينفخ اسرافيل في البوق ويدعى الناس للحساب يَفْزَعُ الناس ويخافون من هول ذلك اليوم الا من يشاء الله من المؤمنين فيطمئنهم ويجعلهم في امان. في ذلك اليوم ترى الجبال فتحسبها ثابتة، مع انها تسير بسرعة هائلة كما قال تعالى:{أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}تفسير : [الكهف:47]، ذلك من صنع الله الذي اتقن كل شيء وابدعه، انه سبحانه كامل العلم بما يتصل الناس. ثم بين حال السعداء والاشقياء يومئذ فقال: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا... وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. الذي يعملون في الدنيا الأعمالَ الصالحة آمنون في ذلك اليوم، ولهم خير مما قدموا، أما الذين كفروا وجحدوا واساؤا التصرف فانهم يكبّون على وجوههم في النار، ويقال لهم هذا جزاء ما كنتم تعملون. ثم تأتي خاتمة السورة بتوجيهات قدسيّة من الله لرسوله الكريمِ والمؤمنين، وبتنبيه المشركين الى ما هم فيه من الغفلة وسوءِ الحال، فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام: انما أُمِرتُ أن أعبد ربَّ هذه البلدة "مكة" الذي حرّمها الله (حتى ينبه المشركين بأنهم على خطأ في عبادة الاصنام، وتركِ عبادة رب البيت الذي له ملك كل شيء) وأُمرت ان اكون من المسلمين له المخلصين في عبادتي وديني، وان اتلو هذا القرآن على الناس، فمن اهتدى فإنما يهتدي لخير نفسه، ومن ضلّ فلست عليه حسيباً وانما أنا منذِرٌ للناس. وقل يا محمد: الحمد لله على ما افاض عليّ من نعم، وسيريكم ربكم آياته فيكشف لكم في الدنيا عن آثار قدرته، وفي الآخرة عن صدق ما اخبركم به فتعرفونها حق المعرفة، وما هو بغافل عما يعمل المشركون. والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْلَّيْلَ} {لآيَاتٍ} (86) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى هؤلاءِ المُكَذِّبينَ بسُلطَانِهِ العَظِيم، وشَأْنِهِ الرَّفيعِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنَ حَرَكَاتُهُمْ فِيهِ، وتَهدَأَ أَنفُسُهُمْ، وَيستَرِيحُوا مِنَ العَنَاءِ والتَّعَبِ في نَهَارِهِمْ. وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِراً مُشْرِقاً بالنُّورِ والضِّيَاءِ لِيَعْمَلُوا فِيهِ، وَيَتَصَرَّفُوا في مَعَايِشِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ وأَسْفَارِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ ومَا يَحتَاجُونَ إِليه مِنْ شُؤُونِهِم. وَفي ذلكَ دَلاَلاَتٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ وقُدْرَتِهِ عَلَى البَعْثِ والنُّشُورِ، وعَلى عِنَايَتِهِ ولُطْفِهِ بِعِبَادِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ينتقل السياق من الكلام عن الآخرة إلى آية كونية، وهذه سِمَة من سمات أسلوب القرآن الكريم، حيث يراوح بين الدعوة إلى الإيمان وبين بيان الآيات الكونية، فبعد أن حدثنا عن الآخرة ذكر هذه الآية الكونية، وكأنه يقول: لا عُذْر لمن يُكذِّب بآيات الله؛ لأن الآيات موجودة مشاهدة. لذلك قال: {أَلَمْ يَرَوْاْ ..} [النمل: 86] أي: ألم يعلموا ويشاهدوا {أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ ..} [النمل: 86] أي: للنوم وللراحة {وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ..} [النمل: 86] أي: بما فيه من الأشعة والضوء الذي يُسبب الرؤيا. وسبق أنْ بيَّنا دور العالم المسلم ابن الهيثم في تصحيح نظرية رؤية الأشياء، وكانوا يعتقدون أن الشيء يُرى إذا خرج الشعاع من العين إليه، والصحيح أن الشعاع يخرج من الشيء المرئي إلى العين، فكأن الشعاع هو الذي يُبصر، فهو سبب الرؤيا، ولولاه لا نرى الأشياء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل: 86] فربك - عزّ وجلّ - نظَّم لك حركة حياتك بليل تسكن فيه، وتخلد للراحة ونهار تسعى فيه وتبتغي من فضل الله كما قال تعالى: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [القصص: 73]. ولن تستقيم لنا حركة الحياة إلا إذا سِرْنا على هذا النظام الذي ارتضاه الله لنا، فإنْ قلبَ الناس هذه الطبيعة فسهروا حتى الفجر، فلا بُدَّ أنْ يلاقوا عاقبة هذه المخالفة في حركة حياتهم: تكاسلاً وتراخياً وقِلة في الإنتاج .. إلخ. والحق - تبارك وتعالى - يشرح لنا هذه القضية في موضع آخر: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص: 71-72]. ففي الكلام عن الليل قال: {أية : أَفَلاَ تَسْمَعُونَ}تفسير : [القصص: 71] وعن النهار قال: {أية : أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص: 72] لماذا؟ قالوا: لأن حاسة الإدراك في الليل هي السمع، وفي النهار البصر. وفي هذا إشارة إلى طبيعة كل منهما حتى لا نُغيِّرها نحن، فنسهر الليل، وننام النهار. وفي قوله تعالى {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [القصص: 73] ما يسميه العلماء باللف والنشر، أي: لفّ المحكوم عليه وهو الليل والنهار معاً، ثم نشر حكم كل منهما على وجه الترتيب: لتسكنوا فيه وهي تقابل الليل، ولتبتغوا من فضله، وهي تقابل النهار. إذن: بعد أنْ استدل الحق - تبارك وتعالى - بالموجود فعلاً من آيتي الليل والنهار أراد أنْ يستدل بعدمهما في {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً ..}تفسير : [القصص: 71] و {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً ..}تفسير : [القصص: 72]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى الحديث عن القيامة: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ألم يشاهدوا هذه الآية العظيمة والنعمة الجسيمة وهو تسخير الله لهم الليل والنهار، هذا بظلمته ليسكنوا فيه ويستريحوا من التعب ويستعدوا للعمل، وهذا بضيائه لينتشروا فيه في معاشهم وتصرفاتهم. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } على كمال وحدانية الله وسبوغ نعمته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):