٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو العلامة الثانية لقيام القيامة. أما قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } ففيه وجوه: أحدها: أنه شيء شبيه بالقرن، وأن إسرافيل عليه السلام ينفخ فيه بإذن الله تعالى، فإذا سمع الناس ذلك الصوت وهو في الشدة بحيث لا تحتمله طبائعهم يفزعون عنده ويصعقون ويموتون وهو كقوله تعالى: { أية : فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } تفسير : [المدثر: 8] وهذا قول الأكثرين وثانيها: يجوز أن يكون تمثيلاً لدعاء الموت فإن خروجهم من قبورهم كخروج الجيش عند سماع صوت الآلة وثالثها: أن الصور جمع الصور وجعلوا النفخ فيها نفخ الروح والأول أقرب لدلالة الظاهر عليه ولا مانع يمنع منه. أما قوله: {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } فاعلم أنه إنما قال (ففزع) ولم يقل فيفزع للإشعار بتحقيق الفزع وثبوته، وأنه كائن لا محالة لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعاً به والمراد فزعهم عند النفخة الأولى. أما قوله: {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } فالمراد إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا هم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت، وقيل الشهداء، وعن الضحاك الحور وخزنة النار وحملة العرش، وعن جابر موسى منهم لأنه صعق مرة ومثله قوله تعالى: { أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68] وليس فيه خبر مقطوع، والكتاب إنما يدل على الجملة. أما قوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } فقرىء (أتوه) و(أتاه) ودخرين وداخرين فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ والداخر والدخر الصاغر، وقيل معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية، ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمر الله وانقيادهم له.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} أي واذكر يوم أو ذَكِّرهم يوم ينفخ في الصور. ومذهب الفرّاء أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور؛ وأجاز فيه الحذف. والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل. قال مجاهد: كهيئة البوق. وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن. وقد مضى في «الأنعام» بيانه وما للعلماء في ذلك. {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قال أبو هريرة قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الله لما فرغ من خلق السموات خلق الصُّور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة» قلت: يا رسول الله ما الصُّور؟ قال: «حديث : قَرْن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فِيهِ كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصَّعْق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين» تفسير : وذكر الحديث. ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن العربي. وقد ذكرته في كتاب «التذكرة» وتكلمنا عليه هنالك، وأن الصحيح في النفخ في الصّور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما؛ أي فزعوا فزعاً ماتوا منه؛ أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره؛ فإنه قال في كلامه على هذه الآية: والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين يقولون: {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}تفسير : [يۤس: 52]؛ ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم؛ وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء. قاله قتادة وقال الماورديّ: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ}. هو يوم النشور من القبور، قال وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك. والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا. وهذا أشبه القولين. قلت: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر ويدلّ على أنهما نفختان لا ثلاث؛ خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب «التذكرة» وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان؛ قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدلّ على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حيّ والأخرى يحيـي الله بها كل ميت»تفسير : فإن قيل: فإن قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } تفسير : [النازعات: 6 ـ 7] إلى أن قال: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } تفسير : [النازعات: 13] وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث. قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم؛ كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان: أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله. وقال عطاء: {الرَّاجِفَةُ} القيامة و{الرادِفَةُ} البعث. وقال ابن زيد: {الراجفة} الموت و{الرادفة} الساعة. والله أعلم. {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ثم اختلف في هذا المستثنى مَن هم. ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء؛ وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش. وقال القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم؛ لأن لهم الشهادة مع النبوّة وقيل: الملائكة. قال الحسن: استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقيل: الحور العين. وقيل: هم المؤمنون؛ لأن الله تعالى قال عقيب هذا: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}. وقال بعض علمائنا: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. قلت: خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي فليعوّل عليه؛ لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد. والله أعلم. وقيل: غير هذا على ما يأتي في «الزُّمَر». وقوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ} ماض و{يُنْفَخُ} مستقبل فيقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟ فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى؛ لأن المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع. {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} نصب على الاستثناء. {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير: {آتُوهُ} جعلوه فعلاً مستقبلاً. وقرأ الأعمش ويحيـى وحمزة وحفص عن عاصم: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} مقصوراً على الفعل الماضي، وكذلك قرأه ابن مسعود. وعن قتادة {وَكُلٌّ أَتَاهُ دَاخِرِينَ}. قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات (من قرأ): {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} وحدَّه على لفظ {كُلّ} ومن قرأ: {آتُوهُ} جمع على معناها، وهذا القول غلط قبيح؛ لأنه إذا قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} فلم يوحّد وإنما جمع، ولو وحّد لقال: {أَتَاهُ} ولكن من قال: {أَتَوْهُ} جمع على المعنى وجاء به ماضياً لأنه رده إلى {فَفَزِعَ} ومن قرأ: {وَكُلٌّ آتَوْهُ} حمله على المعنى أيضاً وقال: {آتُوهُ} لأنها جملة منقطعة من الأول. قال ابن نصر: قد حكي عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم يقله، ونص أبي إسحاق: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} ويقرأ: {آتُوهُ} فمن وحّد فللفظ {كُلّ} ومن جمع فلمعناها. يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر {كلّ} فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى؛ فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى. قال المهدوي: ومن قرأ {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} فهو فعل من الإتيان وحمل على معنى {كل} دون لفظها، ومن قرأ: {وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخرِينَ} فهو اسم الفاعل من أتى. يدلك على ذلك قوله تعالى: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95]. ومن قرأ: {وَكُلٌّ أَتَاهُ} حمله على لفظ {كلّ} دون معناها وحمل {دَاخرِينَ} على المعنى؛ ومعناه صاغرين؛ عن ابن عباس وقتادة. وقد مضى في «النحل». قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} قال ابن عباس: أي قائمة وهي تسير سيراً حثيثاً. قال القتبي: وذلك أن الجبال تُجمع وتُسيَّر، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير؛ وكذلك كل شيء عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر، لكثرته وبعد ما بين أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير. قال النابغة في وصف جيش:شعر : بِأَرْعَنَ مثل الطَّودِ تَحسبُ أنَّهمْ وقُوفٌ لِحَاجٍ والرِّكَابُ تُهملِجُ تفسير : قال القشيريّ: وهذا يوم القيامة؛ أي هي لكثرتها كأنها جامدة؛ أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب، والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهي تسير؛ أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء، فقال الله تعالى؛ {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} تفسير : [النبأ: 20] ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها؛ وإبراز ما كانت تواريه؛ فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل الزلزلة؛ ثم تصير كالعهن المنفوش؛ وذلك إذا صارت السماء كالمُهْل، وقد جمع الله بينهما فقال: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ * وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ } تفسير : [المعارج: 8 ـ 9]. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تنقطع بعد أن كانت كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدّمة قارّة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها. والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعدٍ حسبها لتكاثفها أجساداً جامدة، وهي بالحقيقة مارّة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة أن تكون سراباً فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً منها كالسراب. قال مقاتل: تقع على الأرض فتسوَّى بها. ثم قيل هذا مثل. قال الماوردي: وفيما ضُرِب له ثلاثة أقوال: أحدها أنه مَثَلٌ ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب؛ قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثلٌ ضربه الله للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش. {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي هذا من فعل الله، و(ما) هو فعل منه فهو متقَن. و{تَرَى} من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. والأصل تَرْأَى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحرّكت الراء وحذفت الهمزة، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن، إلا أن التخفيف لازم لتَرَى. وأهل الكوفة يقرؤون: {تَحْسَبُهَا} بفتح السين وهو القياس؛ لأنه من حَسِب يحسَب إلا أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل، فتكون على فَعِل يفعِل مثل نعِم ينعِم وبَئِس يبئِس وحكي يَئس ييَئِس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف. {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} تقديره مرّاً مثل مرّ السحاب، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه؛ فالجبال تُزال من أماكنها من على وجه الأرض؛ وتُجمع وتُسيَّر كما تُسيّر السحاب، ثم تُكسّر فتعود إلى الأرض كما قال: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً}تفسير : [الواقعة: 5]. {صُنَعَ اللَّهِ} عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر؛ لأنه لما قال عز وجل: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} دلّ على أنه قد صنع ذلك صنعاً. ويجوز النصب على الإغراء؛ أي انظروا صنع الله. فيوقف على هذا على {السَّحَابِ} ولا يوقف عليه على التقدير الأوّل. ويجوز رفعه على تقدير ذلك صنع الله. {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي أحكمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله من عمل عملاً فأتقنه»تفسير : . وقال قتادة: معناه أحسن كل شيء. والإتقان الإحكام؛ يقال: رجل تِقْن أي حاذق بالأشياء. وقال الزهري: أصله من ابن تِقْن، وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل؛ يقال: أَرْمَى من ابن تِقْن ثم يقال لكل حاذق بالأشياء تقن. {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء. قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: الحسنة لا إلٰه إلا الله. وقال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف بالله الذي لا إلٰه إلا هو ولا يستثني أن الحسنة لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: غزا رجل فكان إذا خلا بمكان قال: لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له؛ فبينما هو في أرض الروم في أرض جلفاء وبردى رفع صوته فقال: لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له؛ فخرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض فقال له: والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}. حديث : وروى أبو ذَرّ قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال: «اتق الله وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها»قال قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إلٰه إلا الله؟ قال: «من أفضل الحسنات» وفي رواية قال: «نعم هي أحسن الحسنات»تفسير : ذكره البيهقي. وقال قتادة: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} بالإخلاص والتوحيد. وقيل: أداء الفرائض كلها. قلت: إذا أتى بلا إلٰه إلا الله على حقيقتها وما يجب لها ـ على ما تقدّم بيانه في سورة «إبراهيم» ـ فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض. {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} قال ابن عباس: أي وصل إليه الخير منها؛ وقاله مجاهد. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو الجنة. وليس {خير} للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خير منها يعني من الإيمان فلا؛ فإنه ليس شيء خيراً ممن قال لا إلٰه إلا الله ولكن له منها خير. وقيل: {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد؛ قاله ابن عباس. وقيل: يرجع هذا إلى الإضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشراً وبالإيمان في مدّة يسيرة الثواب الأبديّ؛ قاله محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد. {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} قرأ عاصم وحمزة والكسائي {فَزَعِ يَوْمَئِذٍ} بالإضافة. قال أبو عبيد: وهذا أعجب إليّ لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: {مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} صار كأنه فزع دون فزع دون فزع. قال القشيري: وقرىء: {مِنْ فَزَعٍ} بالتنوين ثم قيل يعني به فزعاً واحداً كما قال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء: 103]. وقيل: عنى الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة. قلت: فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. قال المهدوي: ومن قرأ: {مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} بالتنوين انتصب {يَوْمَئِذٍ} بالمصدر الذي هو {فَزَع}. ويجوز أن يكون صفة لفزع ويكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف بها، ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو {آمِنُونَ}. والإضافة على الاتساع في الظروف. ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه لأنه ظرف زمان، وليس الإعراب في ظرف الزمان متمكناً، فلما أضيف إلى غير متمكن ولا معرب بني. وأنشد سيبويه:شعر : على حينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهمْ فَنَدلاً زُرَيْق المالِ نَدْلَ الثَّعَالِبِ تفسير : قوله تعالى: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} أي بالشرك؛ قاله ابن عباس والنَّخعيّ وأبو هريرة ومجاهد وقيس بن سعد والحسن، وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إلٰه إلا الله، وأن السيئة الشرك في هذه الآية. {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} قال ابن عباس: ألقيت. وقال الضحاك: طرحت؛ يقال كببت الإناء أي قلبته على وجهه، واللازم منه أكب؛ وقلّما يأتي هذا في كلام العرب. {هَلْ تُجْزَوْنَ} أي يقال لهم هل تجزون. ثم يجوز أن يكون من قول الله، ويجوز أن يكون من قول الملائكة. {إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي إلا جزاء أعمالكم.
البيضاوي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} في الصور أو القرن، وقيل إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق. {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} من الهول وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه. {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} أن لا يفزع بأن يثبت قلبه. قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وقيل الحور والخزنة وحملة العرش، وقيل الشهداء، وقيل موسى عليه الصلاة والسلام لأنه صعق مرة ولعل المراد ما يعم ذلك. {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية، أو راجعون إلى أمره وقرأ حمزة وحفص {أَتَوْهُ} على الفعل، وقرىء «أتاه» على التوحيد للفظ الكل. {دٰخِرِينَ} صاغرين وقرىء «دخرين». {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } ثابتة في مكانها. {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} في السرعة، وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها. {صُنْعَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد لنفسه وهو لمضمون الجملة المتقدمة كقوله {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ } تفسير : [الروم:60] {ٱلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي. {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} عالم بظواهر الأفعال وبواطنها فيجازيكم عليها كما قال: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } إذ ثبت له الشريف بالخسيس والباقي بالفاني وسبعمائة بواحدة، وقيل {خَيْرٌ مّنْهَا} أي خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وهشام »خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ« بالياء والباقون بالتاء. {وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} يعني به خوف عذاب يوم القيامة، وبالأول ما يلحق الإِنسان من التهيب لما يرى من الأهوال والعظائم لذلك يعم الكافر والمؤمن، وقرأ الكوفيون بالتنوين لأن المراد فزع واحد من أفزاع ذلك اليوم، وآمن يتعدى بالجار وبنفسه كقوله {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف: 99] وقرأ الكوفيون ونافع {يَوْمَئِذٍ} بفتح الميم والباقون بكسرها. {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } قيل بالشرك. {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} فكبوا فيها على وجوههم، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم كما أريدت بالأيدي في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }تفسير : [البقرة: 195] {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} على الالتفات أو بإضمار القول أي قيل لهم ذلك. {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك بعدما بين المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة، إشعاراً بأنه قد أتم الدعوة وقد كملت وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه والاستغراق في عبادة ربه، وتخصيص مكة بهذه الإِضافة تشريف لها وتعظيم لشأنها وقرىء «التي حرمها». {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} خلقاً وملكاً. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المنقادين أو الثابتين على ملة الإِسلام. {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءَانَ} وأن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئاً فشيئاً، أو اتباعه وقرىء «واتل عليهم» «وأن أتل». {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ} باتباعه إياي في ذلك، {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} فإن منافعه عائدة إليه. {وَمَن ضَلَّ} بمخالفتي. {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} فلا علي من وبال ضلاله شيء إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغت. {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على نعمة النبوة أو على ما علمني ووفقني للعمل به. {سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ} القاهرة في الدنيا كوقعة بدر وخروج دابة الأرض، أو في الآخرة. {فَتَعْرِفُونَهَا} أنها آيات الله ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة طس كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان وكذب به وهوداً وصالحاً وإبراهيم وشعيباً، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث: «حديث : قرن ينفخ فيه» تفسير : وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولاً نفخة الفزع، ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السموات ومن في الأرض {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللهُ} وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم، سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله أو: لا إله إلا الله، أو كلمة نحوهما، لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً يخرب البيت، ويكون ويكون ــــ ثم قال ــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين ــــ لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً ــــ فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل، لدخلته عليه حتى تقبضه» تفسير : قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّ رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً ــــ قال ــــ وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله ــــ أو قال: ينزل الله ــــ مطراً كأنه الطل ــــ أو قال: الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق».تفسير : وقوله: «حديث : ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً، ورفع ليتاً» تفسير : الليت: هو صفحة العنق، أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيداً، فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق، وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق، ولهذا قال تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ} قرىء بالمد وبغيره على الفعل، وكل بمعنى واحد، وداخرين، أي: صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 52] وقال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 25] وفي حديث الصور: أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح، فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور، طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها، فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج: 43]. وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي: تزول عن أماكنها؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } تفسير : [الطور: 9 ــــ 10] وقال تعالى: {أية : وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 105 ــــ 107]. وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} تفسير : [الكهف: 47] وقوله تعالى: {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ} أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة {ٱلَّذِىۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ} أي: أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء. ثم بيّن تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ، فقال: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} قال قتادة: بالإخلاص، وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله، وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها، {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} كما قال في الآية الأخرى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] وقال تعالى: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [فصلت: 40] وقال تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37] وقوله تعالى: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} أي: من لقي الله مسيئاً لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه، ولهذا قال تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. وقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم، والزهري والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} يعني: بالشرك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } القرن النفخة الأولى من إسرافيل {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت كما في آية أخرى « أية : فَصَعِقَ»تفسير : [68:39] والتعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه{إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وعن ابن عباس: هم الشهداء إذ هم {أية : أَحيآءٌ عِندَ رَبِّهمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [169:3] {وَكُلٌّ } تنوينه عوض عن المضاف إليه أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة {أَتَوْهُ } بصيغة الفعل واسم الفاعل {دَٰخِرِينَ } صاغرين، والتعبير في الإِتيان بالماضي لتحقق وقوعه.
الماوردي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} وهو يوم النشور من القبور وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الصور جمع صورة، والنفخ فيها إعادة الأرواح إليها. الثاني: أنه شيء ينفخ فيه كالبوق يخرج منه صوت يحيا بن الموتى. الثالث: أنه مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد بخروجهم فيه كخروج الجيش إذا أُنذروا بنفخ البوق فاجتمعوا في الخروج وقتاً واحداً. {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} وفي هذا الفزع هنا قولان: أحدهما: أنه الإجابة والإسراع إلى النداء من قولك فزعت إليه من كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك قال الشاعر: شعر : كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب تفسير : فعلى هذا يكون {إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ} استثناء لهم من الإِجابة والإسراع إلى النار. ويحتمل من أريد بهم وجهين: أحدهما: الملائكة الذين أخروا عن هذه النفخة. والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين فعلى هذا يكون قوله {إِلاَّ مَن شَآءَ} استثناء لهم من الخوف والفزع. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم، قاله ابن عيسى. الثاني: أنهم الشهداء. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الشهداء ولولا هذا النص لكان الأنبياء بذلك أحق لأنهم لا يقصرون عن منازل الشهداء وإن كان في هذا النص تنبيه عليهم. وقيل إن إسرافيل هو النافخ في الصور. {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: راغمين، قاله السدي. الثاني: صاغرين، قاله ابن عباس وقتادة ويكون المراد بقوله {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} من فزع ومن استثني من الفزع بقوله {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} وهذا يكون في النفخة الثانية، والفزع بالنفخة الأولى، وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَاماً ". تفسير : قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي واقفة. {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} أي لا يرى سيرها لبعد أطرافها كما لا يرى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه وهذا مثل، وفيم ضرب له ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثل ضربه الله للإيمان، تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى القدس. {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيىْءٍ} أي فعل الله الذي أتقن كل شيء. وفيه أربعة أوجه: أحدها: أحكم كل شيء، قاله ابن عباس. الثاني: أحصى، قاله مجاهد. الثالث: أحسن، قاله السدي. الرابع: أوثق، واختلف فيها فقال الضحاك: هي كلمة سريانية، وقال غيره: هي عربية مأخوذ من إتقان الشيء إذا أحكم وأوثق، وأصلها من التقن وهو ما ثقل من الحوض من طينة. قوله: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ} فيها وجهان: أحدهما: أنها أداء الفرائض كلها. الثاني: أفضل منها لأنه يعطى بالحسنة عشراً، قاله زيد بن أسلم. الثالث: فله منها خير للثواب العائد عليه، قاله ابن عباس ومجاهد. {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} فيه وجهان: أحدهما: وهم من فزع يوم القيامة آمنون في الجنة. الثاني: وهم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة. {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةٍ} الشرك في قول ابن عباس وأبي هريرة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ} يوم النشور من القبور. {الصُّورِ} جمع صورة ينفخ فيها أرواحها، أو شيء كالبوق يخرج منه صوت يحيى به الموتى، أو مثل ضُرب لخروج الموتى في وقت واحد كخروج الجيش عند نفخ البوق. {فَفَزِعَ} أسرع إلى إجابة النداء فزعت إليك في كذا أسرعت إلى ندائك في معونتك. {إِلا مَن شَآءَ اللَّهُ} استثناء من الإسراع والإجابة إلى النار، أو الفزع الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من أجداثهم فخافوا {إِلا مَن شَآءَ اللَّهُ} فلا يفزعون وهم الملائكة أو الشهداء، وقيل إن إسرافيل هو النافخ في الصور. {دَاخِرِينَ} راغمين، أو صاغرين "ع" فالفزع في النفخة الأولى وإتيانهم صاغرين في النفخة الثانية.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} هذه العلامة الثانية لقيام القيامة، والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، فإذا سمع الناس ذلك الصوت يصيحون ثم يموتون، وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن: الصور هو الصوَر، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجتمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد، فتحيا الأجساد. قوله: {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} قال: "فَفَزَعَ" بلفظ الماضي ولم يقل فيفزع لتحققه وثبوته وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، كقوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]. والمعنى: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا، قيل: ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين. قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فالمراد إلا من ثبّت الله قلبه من الملائكة، قالوا: وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وجاء في الحديث: أنهم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش، قال سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس هم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم. وعن الضحاك: هم رضوان والحور وخزنة النار وحملة العرش. و "كُلٌّ أَتَوْهُ" أي الذين أُحْيُوا بعد الموت. قوله: "أَتَوْهُ" قرأ حمزة وحفص: "أَتَوْهُ" فعلاً ماضياً ومفعوله الهاء، والباقون: "آتوه": اسم فاعل مضافاً للهاء، وهذا حمل على معنى "كُلّ" وهي مضافة تقديراً، أي: وكلهم. وقرأ قتادة: "أتَاهُ" ماضياً مسنداً لضمير "كلّ" على اللفظ، ثم حمل على معناها، فقرأ "دَاخِرِين"، والحسن والأعرج "دَخِرِينَ" بغير ألف أي: صاغرين.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر هذا الحشر الخاص، والدليل على مطلق الحشر والنشر، ذكر الحشر العام، لئلا يظن أنه إنما يحشر الكافر، فقال مشيراً إلى عمومهم بالموت كما عمهم بالنوم، وعمومهم بالإحياء كما عمهم بالإيقاظ: {ويوم ينفخ} أي بأيسر أمر {في الصور} أي القرن الذي جعل صوته لإماتة الكل. ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه محققاً مقطوعاً به كأنه وجد ومضى، يكون في آن واحد، أشار إلى ذلك وسرعة كونه بالتعبير بالماضي فقال: {ففزع} أي صعق بسسب هذا النفخ {من في السماوات}. ولما كان الأمر مهولاً، كان الإطناب أولى، فقال: {ومن في الأرض} أي كلهم {إلا من شاء الله} أي المحيط علماً وقدرة وعزة وعظمة، أن لا يفزع؛ ثم أشار إلى النفخ لإحياء الكل بقوله: {وكل} أي من فزع ومن لم يفزع {أتوه} أي بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها، دليلاً على تمام القدرة في كونه أقامهم بما به أنامهم {داخرين*} أي صاغرين منكسرين؛ واستغنى عن التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك، ويؤيده التعبير بالفزع، ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يصعق الناس يوم القيامة" تفسير : - الحديث، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظاً ومعنى، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر. ولما ذكر دخورهم، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقاً، وأهول أمراً، فقال: عاطفاً على ناصب الظرف مما تقديره: كانت أمور محلولة، معبراً بالمضارع لأن ذلك وإن شارك الفزع في التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئاً فشيئاً: {وترى الجبال} أي عند القيام من القبور، والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم ليدل ذلك - لكونه صلى الله عليه وسلم أنفذ الناس بصراً وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلاً للخطاب بعد غيبتهم في التراب {تحسبها جامدة} أي قائمة ثابته في مكانها لا تتحرك، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصاً {وهي تمر} أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثاً بقوله: {مر السحاب} أي مراً سريعاً لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر، يكون سائراً، والناظر الحاذق يظنه واقفاً. ولما كان ذلك أمراً هائلاً، أشار إلى عظمته بقوله، مؤكداً لمضمون الجملة المتقدمة: {صنع الله} أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعاً، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته، والمنادي على سداده، والصارخ بعلو مقداره، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا، ثم زاد في التعظيم بقوله دالاً على تمام الإحكام في ذلك الصنع: {الذي أتقن كل شيء}. ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن، والنظام الأمكن، أنتج قطعاً قوله: {إنه} أي الذي أحكم هذه الأمور كلها {خبير بما يفعلون*} أي لأن الإتقان نتيجة القدرة، وهي نتيجة العلم، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام القدرة، وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لا، لأنه في سياق البيان لعماهم، ونفي العلم عنهم، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي للرضا، المرهب من الإبعاد، المقرون بالسخط، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض الموقع في الخيبة، وما أبدع ما لاءم ذلك ولاحمه ما بعده على تقدير الجواب لسؤال من كأنه قال: ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير؟ فقال: من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب {من جاء بالحسنة} أي الكاملة وهي الإيمان {فله} وهو من جملة إحكامه للأشياء {خير} أي أفضل {منها} مضاعفاً، أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله، وأكرمت وجوههم عن النار، وهؤلاء أهل القرب الذين سبقت لهم الحسنى {وهم من فزع يومئذ} أي إذا وقعت هذه الأحوال، العظيمة الأهوال {آمنون*} أي حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفزع إفزاعاً واحداً، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشقاشق والادعاء {ومن جاء بالسيئة} أي التي لا سيئة مثلها، وهي الشرك لقوله: {فكبت} أي بأيسر أمر {وجوههم في النار} مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا سبيل للنار عليها، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان، والمكبوب عليه منكوس. ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله، فوضعوا الشيء في غير موضعه، فعظموا ما حقه التحقير، واستهانوا أمر العلي الكبير. وكان الوجه محل ظهور الحياء والانكسار، لظهور الحجة، وكانوا قد حدقوا الأعين جلادة وجفاء عند العناد، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد، بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك: وهم من فزع يومئذ خائفون، وليس لهم إلا مثل سيئتهم: {هل} أي مقولاً لهم: هل {تجزون} أي بغمس الوجوه في النار؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء، لا كونه من معين، وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر، لأن من المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره {إلا ما كنتم} أي بما هو لكم كالجبلة {تعملون*} أي تكررون عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه أنه مماثل لأعمالكم سواء بسواء، وهو شامل أيضاً لأهل القسم الأول، والآية من الاحتباك: ذكر الخيرية والأمن أولاً دليلاً على حذف المثل والخوف ثانياً، والكب في النار ثانياً دليلاً على الإكرام عنه أولاً. ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة: المبدأ والمعاد والنبوة، ومقدمات القيامة وأحوالها، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب، مرهبة أعظم ترهيب، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول: فما الذي نعمل ومن نعبد؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي. المأمور بإبلاغ هذه الجوامع، الداعي لمن سمعه، الهادي لم اتبعه، بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه، وهو ما أمره به ربه، فقال: {إنما أمرت} أي بأمر من لا يرد له أمر، ولا يعد أن يكون بدلاً من قوله {الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى} فيكون محله نصباً بقل، وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال: {أن أعبد} أي بجميع ما أمركم به {رب} أي موجب ومدبر وملك؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفاً وتكريماً بقوله: {هذه البلدة} أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها، ثم تؤمن أهل السعادة، أخصه بذلك لا أعبد شيئاً مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهم شركاء، وهم من جملة ما خلق؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة، فقال: {الذي حرمها} تذكيراً لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده، بما ألقى في القلوب من أنها حرم، لا يسفك بها دم، ولا يظلم أحد، ولا يباح بها صيد، ولا يعضد شجرها، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم. ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف، قال احتراساً عما لعله يتوهم: {وله كل شيء} أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقاً وملكاً وملكاً، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم. ولما كانوا ربما قالوا: ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى، عين الدين الذي تكون به العبادة فقال: {وأمرت} أي مع الأمر بالعبادة له وحده، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال: {أن أكون} أي كوناً هو في غاية الرسوخ {من المسلمين*} أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد، ثابتاً على ذلك غاية الثبات.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن أبي هريرة في قوله {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: هم الشهداء. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عاصم أنه قرأ {وكل أتوه داخرين} ممدودة مرفوعة التاء على معنى فاعلوه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ {وكل أتوه داخرين} خفيفة بنصب التاء على معنى جاؤوه. يعني بلا مد. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النمل {وكل أتوه داخرين} على معنى جاؤوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {داخرين} قال: صاغرين. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة، مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: {الداخر} : الصاغر الراهب، لأن المرء إذا فرع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، فلما نفخ في الصور فزعوا فلم يكن لهم من الله منجا.
القشيري
تفسير : أخبر أن اليومَ الذي يُنْفَخُ فيه في الصور هو يومُ إزهاق الأَرواح، وإخراجها عن الأجساد؛ فَمِنْ روحٍ ترقى إلى عِلِّيين، ومِنْ روحٍ تذهب إلى سجِّين.. أولئك في حواصل طيرٍ تسرح في الجنة تأوي بالليلِ إلى قناديلَ معلقةٍ من تحت العرش صفتها التسبيح والرّوْح والراحة، ولبعضها الشهود والرؤية... على مقادير استحقاقهم لِمَا كانوا عليه في دنياهم. وأمَّا أرواحُ الكفار ففي النار تُعّذَّبُ على مقادير أجرامهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} اذا نفخ القهر فى ناقور الهيبة حين تلاطمت بحار العظمة بحار العظمة اضمحلت الاكوان والحدثان فى سطوات عظمة الرحمن فهناك اهل معرفته ومحبته وشوقه لا يفزعون من رؤية ملك العظائم لانهم فى كناف الوصلة مستانسون بجمال المشاهدة وهم المستثنون بقوله {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال لا يحزنهم الفزع الاكبر ثم بين سبحانه ان الكل فى ميادين عظمته وجلال كبريائه يفنون فى انوار سطوات قدمه بقوله {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} قال بعضهم صاغرين خاضعين لعظمته وكبريائه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم ينفخ فى الصور} النفخ نفخ الريح فى الشىء ونفخ بفمه اخرج منه الريح. والصور هو القرن الذى ينفخ فيه اسرافيل عليه السلام للموت والحشر فكأن اصحاب الجيوش من ذلك اخذوا البوقات لحشر الجند وفى الحديث "حديث : لما فرغ الله من خلق السموات والارض خلق الصور فاعطاه اسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره الى العرش متى يؤمر" قال الراوى ابو هريرة رضى الله عنه قلت يارسول ماالصور قال "القرن" قلت كيف هو قال "عظيم والذى نفسى بيده ان اعظم دارة فيه كعرض السماء والارض فيؤمر بالنفخ فيه فينفخ نفخة لايبقى عندها فى الحياة احد الامن شاء الله وذلك قوله تعالى ونفخ فى الصور فصعق الى قوله الا من شاء الله ثم يؤمر باخرى فينفخ نفخة لايبقى معها ميت الا بعث وقام وذلك قوله تعالى ونفخ فيه اخرى الآية"تفسير : وقد سبق بعض مايتعلق بالمقام فى سورة الكهف والمراد بالنفخ ههنا هى النفخة الثانية. والمعنى واذكر يا محمد لقومك يوم ينفخ فى الصور نفخة يعنى ينفخها اسرافيل يوم القيامة لرد الارواح الى اجسادها {ففزع من فى السموات ومن فى الارض} اى فيفزع ويخاف والتعبير بالماضى للدلالة على وقوعه لان المستقبل من فعل الله تعالى متيقن الوقوع كتيقن الماضى من غيره لان اخباره تعالى حق. والفزع انقباض ونفار يعترى الانسان من الشىء المخوف ولايقال فزعت من الله كما يقال خفت منه والمراد بالفزع هنا مايعترى الكل مؤمنا وكافرا عند البعث والنشور بمشاهدة الامور الهائلة الخارقة للعادات فى الانفس والآفاق من الرعب والتهيب الضرورين الجبلين {الا من شاء الله} اى ان لايفزع بان يثبت قلبه وهم الانبياء والاولياء والشهداء الذى لاخوف عليهم ولاهم يحزنون والملائكة الاربعة وحملة العرش والخزنة والحور ونحوهم وان اريد صعقه الفزع يسقط الكل الا من استنثى نحو ادريس عليه السلام كما فى التيسير وموسى عليه السلام لانه صعق فى الطور فلا يصعق مرة اخرى {وكل} اى جميع الخلائق {اتوه} تعالى اى حضروا الموقف بين يدى رب العزة للسؤال والجواب والمناقشة والحساب {داخرين} اذلاء: وبالفارسية [خوار شدكان] يقال ادخرته فدخر اى ازللته فذل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {يومَ يُنفَخُ فِي الصُّور}، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما فرغ الله تعالى من خلق السموات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرش، حتى يؤمر، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي نفسي بيده إن أعظم دارة فيه كعرض السموات والأرض"تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة، فيأمر بالنفخ فيه، فينخ نفخة، لا يبقى عندها في الحياة أحد، غير من شاء الله تعالى؛ وذلك قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} [الزمر: 68]، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخة لا يبقى معها ميت إلا بُعث" تفسير : . وفي رواية: "حديث : فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، فتملأ ما بين السماء والأرض، وتأتي كل روح إلى جسدها، كما تأتي النحل إلى وكرها. وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] . تفسير : قال أبو السعود: والذي يستدعيه النظم الكريم أن المراد بالنفخ ها هنا: النفخة الثانية، وفي الفزع في قوله تعالى: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض} ما يعتري الكل عند البعث والنشور، بمشاهدة الأمور الهائلة، الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، من الرعب والتهيب، الضروريين، الجبلين في كل نفس. وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه مضارعاً؛ للدلالة على تحقيق وقوعه. هـ. وظاهره أن النفخ مرتان فقط، واعتمده القرطبي وغيره، وصحح ابن عطية أنها ثلاث، ورُوي ذلك عن أبي هريرة: نفخة الفزع؛ وهي فزع حياة الدنيا، وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور. وقوله: {إلا من شاء الله} أي: ألاَّ يفزع، وهو من ثبّت الله قلبه، فإن قلنا: المراد بها النفخة الثانية، فالمستثنى: هم من سبقت لهم الحسنى، بدليل قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] وإن قلنا: هي نفخة الصعق، فالمستثنى: قيل: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، لكن يموتون بعد صعق الخلق. وقيل: الحور وحَملةُ العرش، وإن قلنا: المراد نفخة الفزع في الدنيا، فالمستثنى: أرواح الأنبياء والأولياء والشهداء والملائكة. ثم قال تعالى: {وكلٌّ أَتَوْهُ} بصيغة الماضي، أي: وكل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروه في موقف الحساب، بين يدي الله جل جلاله، والسؤال والجواب: أو: وكل حاضروه، على قراءة إسم الفاعل، وأصله: آتيوه، حال كونهم {داخرين}: صاغرين أذلاء. {وترى الجبالَ} حال الدنيا {تحسبُها جامدةً}؛ واقفة ممسّكة عن الحركة، من: جمد في مكانه: إذا لم يبرح. {وهي تمرُّ مرَّ السحابِ} أي: مراً مثل مر السحاب، التي تسيرها الرياح، سيراً حثيثاً، والمعنى: أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد؛ لِعظمها، وهي تسير سيراً سريعاً، كالحساب إذا ضربته الرياح، وهكذا الأجرام العظام، إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها. ومثال ذلك: الشمس؛ لعظم جرمها وبُعدها لا تتبين حركتها، مع كونها أسرع من الريح. والذي في حديث أبي هريرة: أنَّ تسيير الجبال يكون بعد نفخة الفزع وقبل الصعق. ونص الحديث - بعد كلام تقدم: "حديث : فيأمر إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض، إلا من شاء الله، فيأمره فيمدها - أي: النفخة - ويطيلها، فيُسير الله الجبالا، فتمر مر السحاب، فتكون سراباً، وتَرْتج الأرض بأهلها رجاً، فتكون كالسفينة تضربها الأمواج، وتقلبها الرياح وهو في قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} [النازعات: 6] الآية، فتميد الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين، هاربة من الفزع، حتى تأتي الأقطار هاربة، فتلقاها الملائكة تضرب وجهها وأدبارها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو قوله: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...} [غافر: 33] الآية فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض، من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً، لم يروا مثلهتفسير : . ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : والأموات يومئذٍ لا يعلمون بشيء من ذلك"تفسير : . قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله فمن استثنى الله من الفزع؟ قال: "أولئك الشهداء". قلت: ومثلهم الأنبياء والأولياء؛ إذ هم أعظم منهم، وأحياء مثلهم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: " وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يُرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وهو عذاب يبعثه الله على شرار خلقه". وهو قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج: 1] إلى قوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}تفسير : [الحج: 2] فيمكثون طويلاً، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق من في السموات، ومن في الأرض، إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا في البرزخ، جاء ملك الموت إلى الجبار، فيقول: قد مات أهلُ السموات والأرض، إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا في البرزخ, جاء ملك الموت إلى الجبار, فيقول: قد مات أهل السموات والأرض, إلا من شئتَ, فيقول الله تعالى، وهو أعلم: مَن بقي؟ فيقول: بقيتَ أنت الحي القيوم، الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وإسرافيل, وبقيتُ أنا، فيقول تعالى: فليمتْ جبريل وميكائيل، فينطق الله العرش، فيقول: أيّ رب يموت جبريل، وميكائيل! فيقول: اسكت، إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي، فيموتان. ثم يأتي ملك الموتُ الجبارَ، فيقول: أي رب قد مات جبريل وميكائيل، فيقول - وهو أعلم: من بقي؟ بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي إسرافيل، وبقيتُ أنا. فيقول: ليمتْ حملة العرش، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يقول: ليمت إسرافيل، فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب؛ قد مات حملة عرشك، فيقول، وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق من خلقي، خلقتك لِما رأيتَ، فمتْ، فيموت. فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فكان آخراً، كما كان أولاً، طوى السماء طي السجل للكتاب، فيقول: أنا الجبار، {لِمن الملك اليوم}؟ فلا يجيبه أحد، ثم يقول تعالى: {لله الواحد القهار} ثم تُبدل الأرض غير الأرض، والسموات يبسطها بسطاً، ثم يمدها مدّ الأديم العكاظي، لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمتاً. ثم قال: ثم ينزل ماء من تحت العرش، كمني الرجل، ثم يأمر الله السحاب أن تمطر أربعين يوماً، حتى يكون فوقهم اثني عشر ذراعاً، ويأمر الله تعالى الأجساد أن تنبت كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، كما كانت، قال الله تعالى: ليحيَى حملة العرش، فيحيون، ثم يقول الله تعالى: ليحيى جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيحيون، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يدعو الله تعالى الأرواح، فيؤتى بها تتوهج أرواح المؤمنين نوراً، والأخرى ظلمة، فيقبضها، ثم يلقيها في الصور، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح، كأنها النحل، وقد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول تعالى: لترجعن كل روح إلى جسدها، فتدخل الأرواح الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد، مشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم سراعاً، فأنا أول من تنشق عنه، فتخرجون منها إلى ربكم تنسلون، عراةً، حفاةً، غُرلاً، مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافر: هذا يوم عسير. نقله الثعلبي. ثم قال تعالى: {صُنعَ الله}، هو مصدر مؤكد لمضمون ما قبله، أي: صَنَعَ الله ذلك صُنعاً، على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور، وما ترتب عليه جميعاً. قصد به التنبيه على عِظَم شأن تلك الأفاعيل، وتهويل أمرها، والإيذان بأنها ليست بطريق الإخلال بنظم العالم، وإفساد أحوال الكائنات، من غير أن تدعو إليه داعية، بل هي من بدائع صنع الله تعالى، المبنية على أساس الحكمة، المستتبعة للغايات الجليلة، التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع، على الوجه المتين، والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله: {الذي أتقنَ كلَّ شيء} أي: أحكم خلقه وسوّاه، على ما تقتضيه الحكمة. وقوله تعالى: {إنه خبير بما تفعلون}: تعليل لكون ما ذكر صنعاً محكماً له تعالى؛ لبيان أن علمه بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها، مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفياتها، على ما هي عليه من الحسن والسوء، وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم. وقوله تعالى: {من جاء بالحسنةِ فله خير منها}: بيان لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها، أي: من جاء من أولئك الذين أتوه بالحسنة فله خير منها، باعتبار أنه أضعفها بعشر، أو: باعتبار دوامه وانقضائها، وعن ابن عباس رضي الله عنه: "الحسنة: كلمة الشهادة" {وهم} أي: الذين جاؤوا بالحسنات {من فزَعٍ يومئذ} أي: من فزع هائل، وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب، بعد تمام المحاسبة، وظهور الحسنات والسيئات. وهو المراد في قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103]. وقال ابن جريج: حين يُذبح الموت ويُنادى: يا أهل الجنة؛ خلود لا موت، ويا أهل النار؛ خلود لا موت. فيكون هؤلاء {من فزع يومئذٍ}، أي: يوم إذ ينفخ في الصور وما بعده {آمنون} لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل، ولا يلحقهم ضرره أصلاً. وأما الفزع الذي يعتري كل من السموات ومن في الأرض، غير ما استثناه اله تعالى، فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة، من معاينة فنون الدواهي والأهوال، ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة، وإن كان آمناً من لحوق الضرر. قال جميعه أبو السعود. {ومن جاء بالسيئة} قيل: هو الشرك. {فكُبَّتْ وجُوهُهُم في النار}، أي: كُبوا فيها على وجوههم منكوسين. ويقال لهم: {هل تُجزَون إلا ما كنتم تعملون} في الدنيا من الشرك والمعاصي. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أراد أن يكون ممن استثنى الله من الفزع والهول، فليكن قلبه معموراً بالله، ليس فيه غير مولاه، ولا مقصود له في الدارين إلا الله، وظاهره معموراً بطاعة الله، متمسكاً بسنة رسول الله، هواه تابع لِما جاء من عند الله، لا شهوة له إلا ما يقضي عليه مولاه، فبهذا ينخرط في سلك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين سبقت لهم الحسنى، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون. جعلنا الله من خواصهم، بمنِّه وكرمه آمين. وقوله تعالى: {وترى الجبالَ تحسَبها جامدةً...} الآية. كذلك قلوب الراسخين في العلم بالله، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية، بل تهزهم في الباطن، وظواهرهم ساكنة، كالجبال الراسية، قيل للجنيد: قد كنت تتواجدُ عند السماع، والآن لا يتحرك فيك شيء؟ فتلى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب}. وقوله تعالى: {من جاء بالحسنة} أي: بالخصلة الحسنة، وهي المعرفة {فله خير منها} وهو دوام النظرة والحبرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، {ومن جاء بالسيئة} هي الجهل بالله، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين. والعياذ بالله. ولمّا بلّغ الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره الله من بيان عواقب الأمور، تبرأ منهم، فقال: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ...}
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ} عطف على يوم نحشر {فِي ٱلصُّورِ} هو كما مضى جمع الصّورة سواء كان مخفّف الصّور بضمّ الصّاد وفتح الواو او كان بنفسه جمعاً، او هو قرن من حديد ينفخ فيه النّفخة الاولى لاماتة الاشياء، والنّفخة الثّانية لاحيائها وبعثها، ويحتمل ان يراد النّفخة الاولى ويكون قوله {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} فزع الموت، وقيل: ينفخ ثلاث نفخاتٍ؛ نفخة الفزع، ونفخة الاماتة، ونفخة الاحياء، ويجوز ان يراد نفخة الاحياء فيكون المراد بالفزع فزع الحيٰوة بعد الموت {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} ان لا يفزعوا او لا يموتوا، وهم الملائكة الّذين هم باقون ببقاء الله لا ببقاء انفسهم، موجودون بوجود الله لا بوجود انفسهم، وكذلك الانبياء (ع) الّذين كانوا على تلك الحال، وقيل: هم جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل (ع)، وقيل: روى فى خبرٍ: انّ المراد بهم الشّهداء فانّهم لا يفزعون فى ذلك اليوم والمراد بالآمنين من جاء بالحسنة فانّه تعالى قال: {وهم من فزع يومئذٍ آمنون} كما يجيء {وَكُلٌّ} من الفزعين {أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} وان كان المراد بالفزع فزع الموت كان المراد به انّ كلّهم بعد احيائهم يأتونه صاغرين.
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} يوم معطوف على يوم أو مستأنف مفعول لمحذوف وفي الصور نابت ينفخ والصور القرن والنافخ اسرافيل والمراد النفخة الاولى نفخة الصعق والثانية نفخة البعث وقال ابو هريرة: النفخات ثلاث نفخة الفزع وهي المراد في الآية ونخفة الصعق ونفخة البعث. ويجوز ان يراد بالنفخ في الصور التمثيل لانبعاثهم بانبعاث الجيش اذا نفخ لهم في البوق واستدل من قال بالنفختين فقط بقوله {أية : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون }تفسير : والأخرى انما يقال في الثانية وقال عياض الأصح القول بالثلاث والاخرى يقال في الثالثة ايضا كما قال ومنات الثالثة الاخرى ويأتي كلام في هذه الآية ان شاء الله وقد يقال لا دليل في قوله {أية : ثم نفخ فيه أخرى }تفسير : الخ. ولو قيل ان الاخرى لا يقال في الثالثة لجواز ان يكون عبّر بالاخرى في الثالثة باعتبار انها ثانية والثانية اول لها. {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَٰوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} اي ماتوا كذا قال بعض وقيل الفزع شدة الخوف. {إِلا مَن شَاءَ اللهُ} هم الشهداء متقلدي سيوفهم حول العرش احياء عند ربهم يرزقون لا يصلهم الفزع قاله ابو هريرة حديثا وابن عباس وقيل جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل يبقون بعد النفخة. ويقول الله لعزرائيل خذ نفس اسرافيل فيأخذه فيقول الله سبحانه: من بقى؟ فيقول: أنت الباقي الدائم بقى جبرائيل وميكائيل وعزرائيل، فيقول: خذ نفس ميكائيل فيأخذها فيقع كالطود العظيم فيقول: من بقى؟ فيقول: سبحان ربي بقى جبرائيل وعزرائيل، فيقول: مت يا ملك الموت فيموت، فيقول: يا جبرائيل من بقى؟ فيقول: وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني، يا جبريل لا بد من الموت. فيقع ساجدا يخفق بجناحيه وجسمه اضعاف ميكائيل، وقيل: يموت آخر الخلق عزرائيل يخر بين الجنة والنار ميتا. ويروى انه يؤمر بالسير بينهما فيسير فيموت ويروى انه يقول لو علمت شدة الموت لخففت عن المؤمنين ويروى انه يبقى مع الأربعة حملة العرش فتقبض روح جبريل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم حملة العرش ثم عزرائيل فاذا لم يبق الا الله طوى السماء كطي السجل ويقول أنا الجبار لمن الملك اليوم فلا يجاب فيقول: {أية : لله الواحد القهار }تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يفنخ في الصور فيصعق من في السماوت والأرض الا من شاء الله ثم ينفخ فيه اخرى فأكون أول من رفع رأسه فاذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا ادري أكان ممن استثناه الله أم رفع رأسه قبلي ومن قال انا خير من يونس بن متى فقد كذب "تفسير : وقيل: الذي استثنى الله هم رضوان والحور ومالك خازن النار وعن الضحاك الحور والخزنة والحملة وقيل موسى لانه صعق مرة وفي مختصر القناطر انه قرأ (الصور) بفتح الواو جمع صورة وينفخ فيها فتحيى بإذن الله وهو قول الحسن وقتادة وان الاكثر انه قرن يعني فيقرء بضم فاسكان ويدل لهذا قوله فيه (لا فيها) الا ان تكون الصور في القرن فيكون النفخ فيه نفخا فيها وان مجاهدا قال قرن كقرن الثور وانه قيل رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وانه قال "حديث : والذي بعثني بالحق لعظم دوره كعرض السماء والأرض ينفخ فيها ثلاث نفخات ونفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث "تفسير : وفي رواية نفختان. وانه قيل: من شاء هم الأنبياء. وان مقاتلا قال: هم الملائكة وانه لما قال صلى الله عليه وسلم " حديث : إِن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها امتي ويدخل الجنة منها سبعون الفا بغير حساب قام عكاشة فقال: ادع ان يجعلني منهم، فقال (أَنت منهم) أو قال (اللهم اجعله منهم)، وقال آخر مثل ذلك فقال (سبقك بها عكاشة) "تفسير : وان زلزلة الساعة قبل اشراطها وقيل الرجفة عند البعث وقال أبيّ: النفخة الأولى ينادي مناد من السماء الدينا: يا ايها الناس أتى أمر الله، فيسمعه جميع اهل الأرض فيفزعون فزعا شديدا وانه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أراد ان ينظر الى القيامة رأي العين فليقرأ {إذا الشمس كورت} وان الآية في النفخة الأولى وان المستثنين من الفزع هم من ذكره " تفسير : وان ابن عباس قال: هم الشهداء وان الثاني هي المشار اليه بقوله {أية : ونفخ في الصور فصعق }تفسير : أي مات {أية : من في السمٰوات ومن في الأرض إلا من شاء الله }تفسير : قال كعب: جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ثم يموتون. وقيل: الشهداء، وقيل: رضوان ومالك والزبانية والحور والولدان، ثم يقول للملائكة المستثنين: موتوا فيموتوا. وانه قال الحسن: نفختان الأولى أماتة كل حي والثانية أحيتهم. وعن الربيع بن انس: قسم الله الماء الذي كان عليه عرشه قبل ان يخلق الخلق نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور ولا تنقص منه قطرة حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فينزل منه ماء كالنقطة فتنبت به الاجسام وتصفا تحت الأرض السفلى. {وَكُلٌّ أَتُوْهُ دَاخِرِينَ} ذليلين وآتوه اسم فاعل وقرأ حفص وحمزة (أتوه) بصيغة الماضي فلا الف بعد الهمزة والتاء مفتوحة وسكون الواو حي واسم الفاعل في القراءة الاولى مستعمل في الاستقبال وفي الماضي لتحقق الوقوع كأنه قد وقع احياء الخلق بعد موتهم كلهم ووقع الاتيان والماضي في الثانية كذلك مستعمل في المستقبل بمعنى المضارع أو في المضي تجوزاً في تنزيل غير الواقع منزلة الواقع وقريء (آتاه) على الافراد مراعاة للفظ كل ولا يخفى ان الاتيان المجيىء بالبعث ويجوز ان يراد رجوعهم الى امره وانقيادهم اليه وقريء (دخرين) باسقاط الالف وعن عكرمة: النفخة الاولى من الدنيا والاخرى من الآخرة وعن ابن عمر انه ينفخ ملكان في السماء الثانية رأس احدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ورأس احدهما في بالمغرب ورجلاه بالمشرق وقيل ينادي اسرافيل من صخرة بيت المقدس.
اطفيش
تفسير : {ويَوْم} معطوف على يوم ناصبة ناصب يوم الأول، وقد يقدر اذكر معطوفاً على اذكر الناصب للأول للبعد {يُنْفخ} ينفخ إسرافيل، وقيل له عون آخر نفخة البعث {فى الصُّور} قرن عظيم دائرة فيه كعرض السماوات والأرض، فيه ثقب على قدر ما يبعث من الحيوانات لكل ميت ثقبة تكون فيها روحه، ينفخ فيه فترجع كل روح الى بدنها كالنفخ فى المزمار المعروف الآن، ليجمع الناس هو فى فم إسرافيل مذ خلق يقظ لا تصيبه غفلة مخافة أن يؤمر بالنفخ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنعم وقد التقم إسرافيل الصور"تفسير : فاشتد على الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم لهم: "حديث : قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل"تفسير : زعم بعض أن الصور جمع صورة لا قرن، فهو ينفخ الأرواح فى الصورات التى هى الأبدان والأحاديث ترده صحيحاً ورد بقوله: "أية : ثم نفخ فيه"تفسير : [الزمر: 68] ولو كان جمع صورة لقال فيها، ولا يلزم لجواز تذكير ما مفرده بالتاء كهاء يرفعه العائدة الى الكلم، وأما تذكير الطيب وإفراده فقد يقال لشبهة بمصدر السير والصوت، ولا يقبل جعل الكلام من باب التمثيل بالنفخ. {ففزع من فى السماوات} من الملائكة، ومن شاء الله فيها، والمراد بالسماوات جهة العلو، فشمل العرش والكرسى، ومن حول العرش وحملته، ومن فى الجنة فان ذلك كله خارج عن السماوات السبع {ومن فى الأرض} من الجن والانس وغيرها، يفزعون اولا بها، ويحيون ففزعهم وحياتهم مقترنان {إلاَّ مَنْ شاء الله} منهم، فانه يحيى بلا فزع، وهم خازن النار، ورضوان خازن الجنة، والحور والولدان، وقيل: الشهداء والولدان الحور، وحملة العرش، وخزنة الجنة، وجبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل وموسى، فقيل: موسى لأنه صعق فى الدنيا ولم يذكر فى هذه الآية نفخة الموت، ولا نفخة الفزع قبلها، جاء بها حديث يختلط بها الجن والوحش، الى الانس استئناسا لهم، ولا يسمعها إلا من هو حى، وفزعها غير فزع البعث، وذكر نفخة الموت، ونفخة البعث فى آية فيها، ثم نفخ فيه اخرى. وقيل: نفخة هذه السورة نفخة الموت، والذين لا يفزعون بها الملائكة الأربعة، وقيل: الولدان والحور، وحملة العرش، وخزنة الجنة، وتنشق السماوات والأرض انشقاقاً بصوت شديد، سماه بعضهم نفخة، وحمل بعضهم الآية عليه، وسماها نفخة الفزع، وتطوى السماوات بعد شقها قبل البعث، وقيل: بعده، ويقال: يلقى الفزع على الخلق حتى يموتوا، ويقال: ينفخ إسرافيل فى الصور نفخة الفزع، ونفخة الصعق، أى الموت، ونفخة القيام لرب العالمين، وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {إلاَّ من شاء الله} فقال: "حديث : هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش" تفسير : رواه أبو هريرة. قال ابن عباس: الشهداء أحياء عند ربهم لا يصلهم الفزع، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، لا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة، فيقول الله تعالى لعزرائيل: خد نفس إسرافيل فيأخذه، ويقول من بقى؟ فيقول: سبحانك ربى تعاليت وتباركت، يا ذا الجلال والاكرام، وجهك الباقى الدائم بقى جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول خذ نفس ميكائيل فيأخذه، فيقول من بقى؟ فيقول: تباركت وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام، بقى جبريل وملك الموت، فيقول الله تعالى مت يا ملك الموت، فيموت فيقول لجبريل قد علمت أنه لا بد من الموت فمن بقى؟ فيقول بقى وجهك الدائم والعبد القانى جبريل، فيقول مت يا جبريل فيخر ساجدا يحرك جناحيه حتى يموت، وقيل: يموت الثلاثة بتوسط عزرائيل، فيقول الله تعالى، لا بد من الموت اذهب الى ما بين الجنة والنار فمت، فيموت بالله بالله تعالى، وقيل يبقى مع الأربعة حملة العرش، فيموتون هم ثم الثلاثة، وعزرائيل رابعهم، وقوله عز وجل: {وكلٌ أتوْه داخِرينَ} يدل أن المراد فى الآية نفخة البعث، كل واحد من المبعوثين حاضروه، أى حاضر موضع حسابه أذلاء او مقرين بالبعث، منقادين له لمشاهدته، وأتوه اسم فاعل جمع المذكر السالم حذفت النون للاضافة للهاء، والأصل آتيوه بكسر التاء ثقلت الضمة على الياء فنقلت للتاء فحذفت الياء للساكن بعدها، أو حذفت الضمة للثقل، فجئ بأخرى للتاء، وداخرين حال من المستتر فى أتوه، لا من الواو لأنها حرف.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ } إما معطوف على {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ}تفسير : [النمل: 83] منصوب بناصبه، أو منصوب بمضمر معطوف على ذلك الناصب، والصور ـ على ما في «التذكرة» - قرن من نور، وذكر البخاري عن مجاهد أنه كالبوق. وأخرج الترمذي «حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء أعرابـي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: قرن ينفخ فيه»تفسير : ، والمشهور أن صاحب الصور هو إسرافيل عليه السلام. وذكر القرطبـي أن الأمم مجمعة على ذلك وهو مخلوق اليوم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ؟! فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله: صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام لهم. قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل»تفسير : وروي أيضاً عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : ما أطرق صاحب الصور مذ وكل به مستعداً بحذاء العرش مخافة أن يؤمر بالصيحة قبل أن يرتد طرفه كأن عينيه كوكبان دريان»تفسير : . وجاء عن أبـي هريرة من حديث مرفوع «حديث : إن عظم دائرة فيه كعرض السماوات والأرض»تفسير : وهذا مما يؤمن به وتفوض كيفيته إلى علام الغيوب. وقيل: إن الصور بسكون الواو بمعنى الصور بضم الصاد وفتح الواو جمع صورة - وعليه أبو عبيدة - والكلام في الوجهين على حقيقته، وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية شبه هيئة انبعاث الموتى من القبور إلى المحشر إذا نودوا بالقيام بهيئة قيام جيش نفخ لهم في المزمار المعروف وسيرهم إلى محل عين لهم، والأول قول الأكثرين - وعليه المعول - لأن قوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ } تفسير : [الزمر: 68] ظاهر في أن الصور ليس جمع صورة وإلا لقال سبحانه: فيها بدل فيه، وارتكاب التأويل بجعل الكلام من باب التمثيل ظاهر في إنكار أن يكون هناك صور حقيقة، وهو خلاف ما نطقت به الأحاديث الصحاح، وقد قال أبو الهيثم على ما نقل عنه القرطبـي في «تفسيره»: من أنكر أن يكون الصور قرناً فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات، وهذا النفخ قيل: المراد به النفخة الثانية، وإليه ذهب صاحب «الغنيان»، واختاره العلامة أبو السعود وقال: الذي يستدعيه سياق النظم الكريم وسباقه ذلك، وأن المراد بالفزع في قوله تعالى: {فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } ما يعتري الكل عند البعث والنشور من الرعب والتهيب الضروريين الجبليين بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق، ثم قال: وقيل: المراد بالنفخ هي النفخة الأولى، وبالفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما في قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 68] فيختص أثرها بمن كان حياً عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم. وقيل: إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق التي أريدت بقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ}تفسير : [ص: 15] وشنع على كلا القولين بما هو مذكور في «تفسيره». وقال العلامة الطيبـي الحق أن المراد بقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ } هو النفخة الأولى، وقوله تعالى الآتي: {وَكُلٌّ } الخ إشارة إلى النفخة الثانية. واعلم أنهم اختلفوا في عدد النفخة فقيل: ثلاث: نفخة الصعق المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الزمر: 68]، ونفخة البعث المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] ونفخة الفزع المذكورة في الآية المذكورة هٰهنا، وهو اختيار ابن العربي. وقيل: اثنتان، ونفخة الفزع هي نفخة الصعق لأن الأمرين: الفزع بمعنى الخوف والصعق بمعنى الموت لا زمان لها، قال القرطبي: والسنة - كحديث مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو طويل منه مع حذف «ثم ينفخ في الصور فأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم يصعق الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» - تدل على أن النفخ مرتين لا ثلاثة وهو الصحيح. ونفخ الفزع هو نفخ الصعق بعينه لاتحاد الاستثناء في آيتيهما. وتعقب في الرسالة المسماة «بشرح العشر في معشر الحشر» المنسوبة لابن الكمال بأنه لا دلالة في الحديث على عدم النفخة الثالثة، غايته أنه وسائر الأحاديث الواردة على نسقه ساكت عنها، ولا يلزم من ذلك عدمها، وكذا لا دلالة في اتحاد الاستثناء في الآيتين أن يكون المذكور فيهما نفخة واحدة، وهذا ظاهر، ثم قال: والصحيح عندي ما في القول الأول، من أن نفخة الفزع غير نفخة الصعق، فإن حديث «الصحيحين» حديث : لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى عليه السلام أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور تفسير : صريح في أن الصعق يوم القيامة، وأن لا موت فيه فهو فزع بلا موت، فمن قال: هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ثم نفخة الصعق وهو الموت، ثم نفخة البعث فقد أصاب في التفرقة بين نفخة الفزع ونفخة الصعق، إلا أنه لم يصب في زعمه أن نفخة الفزع قبل نفخة الصعق، كيف وقد دل حديث «الصحيحين» المذكور على عموم حكم نفخة الفزع للأنبياء عليهم السلام الذين ماتوا قبل نفخة الصعق أي الموت، قال القاضي عياض: إن نفخة الفزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض، فظهر أن النفخات ثلاث بل أربع: نفخة يميت الله تعالى جميع الخلق بها كما جاء في الحديث وعند ذلك ينادي سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر: 16] وينادي على ذلك قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. ونفخة البعث كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] ونفخة الصعق وهي نفخة الفزع بعينها وقد سمعت آيتيهما، ونفخة للإفاقة كما قال تعالى بعد ذكر نفخة الصعق {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }تفسير : [الزمر: 68] وقد عرفت ما في زعم أن نفخة الصعق هي نفخة الفزع / بعينها فتدبر انتهى. وتعقبه بعضهم بأنه يلزم حينئذ على القول بالمغايرة بين نفخة الفزع ونفخة الصعق أن تكون النفخات خمساً ولم نسمع متنفساً يقول بذلك، وأيضاً فيه القول بأن نفخة الصعق بعد نفخة البعث، ويأباه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أول من تنشق عنه الأرض فأرفع رأسي فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش فما أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى»تفسير : فإن انشقاق الأرض عنه صلى الله عليه وسلم بعد نفخة البعث لا محالة فإذا عقبه رفع رأسه عليه الصلاة والسلام ومفاجأة كون موسى عليه السلام متعلقاً بقائمة من قوائم العرش فأين نفخة الصعق؟ ولا يخفى أن كون النفخات خمساً لم يسمع هو الغالب على الظن ويتوقف قبول ما ذكره ثانياً على صحة ما ذكره من الخبر، ولعل القائل بما تقدم من وراء المنع. وقيل: الأظهر أن النفخات ثلاث: الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت كما هو أحد معنييه المدلول عليها بقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الزمر: 68]، والثانية نفخة البعث المدلول عليها بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] وقوله سبحانه: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] والثالثة نفخة الفزع المدلول عليها بما هنا وهي على ما سمعت عن القاضي عياض بعد النشر حين تنشق السماوات والأرض. وأصله كما قال الراغب ((انقباض ونفار يعترى الشخص من الشيء المخيف)) والمراد به الرعب الشديد، ولعل الصعق المذكور في حديث «الصحيحين» هو غشي يترتب عليه بلا واسطة وعلى النفخ بواسطته وقد نص في «الأساس» على هذا المعنى له قال ((يقال صعق الرجل إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه)) ويدل على أنه بمعنى الغشي قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : فأكون أول من يفيق»تفسير : لأن الإفاقة إنما تكون من الغشي دون الموت ولم يعبر هنا بالصعق مراداً به الغشي المذكور في الحديث لئلا يتوهم إرادة معنى الموت منه لخلوه هنا عن القرينة التي في الحديث واقترانه بما يلائم ذلك. وقد يختار ما هو المشهور من أن النفخة اثنتان ويجاب عما يشعر بالزيادة فالنفخة الأولى نفخة الصعق بمعنى الموت بحال هائلة فبها يموت من في السماوات والأرض من الأحياء قبيل ذلك إلا من شاء الله تعالى، ويدل عليها آية {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ}تفسير : [الزمر: 68] الخ، والنفخة الثانية نفخة البعث المدلول عليها بآية {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] وبينهما في المشهور أربعون سنة، وفي «الصحيحين» عن أبـي هريرة مرفوعاً «أربعون» بدون ذكر التمييز فقيل أربعون يوماً فقال أبو هريرة أبيت فقيل أربعون شهراً فقال أبيت فقيل أربعون سنة فقال أبيت، ونفخة الفزع بمعنى الرعب والخوف هي هذه النفخة بعينها ووجه ذلك أنه ينفخ في الصور للبعث فيبعث الخلق وينشرون فإذا تحققوا يوم القيامة وشاهدوا آثار عظمة الله تعالى فزعوا ورعبوا إلا من شاء الله تعالى وترتب الفزع على النفخ بالفاء للإشارة إلى قلة الزمان الفاصل لسرعة تحققهم ومشاهدتهم ما ذكر، والإضافة في قولنا نفخة البعث وقولنا نفخة الفزع من إضافة السبب إلى المسبب إلا أن سببية النفخ للبعث بلا واسطة وسببيته للفزع بواسطة، وحديث «الصحيحين» «حديث : لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة»تفسير : الخ ليس فيه سوى إثبات الصعق بمعنى الغشي كما يرشد إليه ذكر الإفاقة للناس يوم القيامة ولا تعرض له لنفخ يترتب عليه ذلك، نعم التعبير بالصعق على ما ذكروا في معناه يقتضي أن يكون هناك هدة أو صوت شديد يسمعه من يسمعه فيغشى عليه إلا أنه لا يعين النفخ لجواز أن يكون ذلك من صوت حادث من انشقاق السماوات الكائن / بعد البعث والفزع من يوم القيامة وما شاهدوا من أهواله. ومنع بعضهم اقتضاءه ذلك لجواز أن يراد به الغشي لحدوث أمر عظيم من أمور يوم القيامة غير النفخ، وقيل: هو من فروع النفخ للبعث وذلك أنه ينفخ فتبعث الخلائق فيتحققون ما يتحققون ويشاهدون ما يشاهدون فيفزعون فيغشى عليهم إلا ما شاء الله تعالى، وحديث «الصحيحين» مما لا يأبـى ذلك واحتياج الإفاقة لنفخة أخرى في حيز المنع؛ وقيل: في بيان اتحاد نفخة البعث ونفخة الفزع أن المراد بالفزع الإجابة والإسراع للقيام لرب العالمين وقد صرحت الآيات بإسراع الناس عند البعث فقال تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] وقال سبحانه: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ }تفسير : [المعارج: 43] ولا يخفى بعده واحتياج توجيه الاستثناء بعد عليه إلى تكلف فالأولى أن يوجه الاتحاد بما سبق فتأمل، وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف أعني {ينفخ} مضارعاً للدلالة على تحقق الوقوع كما في قوله تعالى: {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } بعد قوله تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ }تفسير : [هود: 98] ووجه تأخير بيان الأحوال الواقعة في ابتداء هذه النفخة عن بيان ما يقع بعد من حشر المكذبين قد تقدم الكلام فيه فتذكر فما في العهد من قدم. {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } استثناء متصل كما هو الظاهر من (من) ومفعول المشيئة محذوف أي إلا من شاء الله تعالى أن لا يفزع، والمراد بذلك على ما قيل: من جاء بالحسنة لقوله تعالى فيهم: {أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } تفسير : [النمل: 89] وتعقب بأن الفزع في تلك الآية غير الفزع المراد من قوله سبحانه: {فَفَزِعَ } الخ وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى، واختلف الذين حملوا النفخ هنا على النفخة الأولى التي تكون للصعق - أي الموت - في تعيينهم فقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وروي ذلك عن مقاتل والسدي. وقال الضحاك: هم الولدان والحور العين وخزنة الجنة وحملة العرش. وحكى بعضهم هذين القولين في المراد بالمستثنى على تقدير أن يراد بالنفخ النفخة الثانية وبالفزع الخوف والرعب وأورد عليهما أن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض لأن السماوات في داخل الكرسي ونسبتها إليه نسبة حلقة في فلاة ونسبة الكرسي إلى العرش كهذه النسبة أيضاً فكيف يكون حملته في السماوات وكذا الولدان والحور وخزنة الجنة لأن هؤلاء كلهم في الجنة والجنان جميعها فوق السماوات ودون العرش على ما أفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سقف الجنة عرش الرحمن" تفسير : فما فيها من الولدان والحور والخزنة لا يصح استثناؤهم ممن في السماوات والأرض وأما جبرائيل ومن معه من الملائكة المقربين عليهم السلام فهم من الصافين المسبحين حول العرش وإذا كان العرش فوق السماوات لا يمكن أن يكون الاصطفاف حوله في السماوات، وأجيب بأنه يجوز أن يراد بالسماوات ما يعم العرش والكرسي وغيرهما من الأجرام العلوية فإنه الأليق بالمقام، وقد شاع استعمال من في السماوات والأرض عند إرادة الإحاطة والشمول. وقيل: لا مانع من حمل السماوات على السماوات السبع والتزام كون الاستثناء على القولين المذكورين منقطعاً ولا يخفى ما فيه، وعد بعضهم ممن استثنى موسى عليه السلام، وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إلا إذا أريد بالفزع الصعق يوم القيامة بعد النفخة الثانية، أما إذا أريد به ما يكون في الدنيا عند النفخة الأولى فلا، على أن / عده عليه السلام ممن لا يصعق يوم القيامة بعد قوله صلى الله عليه وسلم في حديث «الصحيحين» السابق «فلا أدري أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور» يحتاج إلى خبر صحيح وارد بعد ذلك. حديث : وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون تفسير : وصححه القاضي أبو بكر بن العربـي كما قال القرطبـي وبه رد على من زعم أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ولفظه «هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش» وكذا ذهب إليه الحليمي وقال: هو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثم ضعف غيره من الأقوال. وقد ذكره غير واحد من المفسرين إلا أن بعضهم ذكره في تفسير {أية : مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الزمر: 68] في آية الصعق وبعض آخر ذكره في تفسيره في آية الفزع فتدبر. {وَكُلٌّ } أي كل واحد من الفازعين المبعوثين عند النفخة {أَتَوْهُ } أي حضروا الموقف بين يدي رب العزة جل جلاله للسؤال والجواب والمناقشة والحساب، وقيل: أي رجعوا إلى أمره تعالى وانقادوا. وضمير الجمع باعتبار معنى {كُلٌّ } وقرأ قتادة (أتاه) فعلاً ماضياً مسنداً لضمير {كُلٌّ } على لفظها. وقرأ أكثر السبعة (آتوه) اسم فاعل {دٰخِرِينَ } أي أذلاء، وقرأ الحسن والأعمش (دخرين) بغير ألف وهو على القراءتين نصب على الحال من ضمير {كُلٌّ }.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : ويوم نحشر من كل أمة فوجاً}تفسير : [النمل: 83]، عاد به السياق إلى الموعظة والوعيد فإنهم لما ذكروا بــــ«يوم يحشرون إلى النار» ذكروا أيضاً بما قبل ذلك وهو يوم النفخ في الصور، تسجيلاً عليهم بإثبات وقوع البعث وإنذاراً بما يعقبه مما دل عليه قوله {ءاتوه داخرين} وقوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله}. والنفخ في الصور تقدم في قوله {أية : وله الملك يوم ينفخ في الصور} تفسير : في سورة الأنعام (73) وهو تقريب لكيفية صدور الأمر التكويني لإحياء الأموات وهو النفخة الثانية المذكورة في قوله تعالى {أية : ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}تفسير : [الزمر: 68]، وذلك هو يوم الحساب. وأما النفخة الأولى فهي نفخة يعنى بها الإحياء، أي نفخ الأرواح في أجسامها وهي ساعة انقضاء الحياة الدنيا فهم يصعقون، ولهذا فرع عليه قوله {ففزع من في السموات ومن في الأرض}، أي عقبه حصول الفزع وهو الخوف من عاقبة الحساب ومشاهدة معدات العذاب، فكل أحد يخشى أن يكون معذباً، فالفزع حاصل مما بعد النفخة وليس هو فزعاً من النفخة لأن الناس حين النفخة أموات. والاستثناء مجمل يبينه قوله تعالى بعد {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون}تفسير : [النمل: 89] وقوله {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] إلى قوله {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء: 103] وذلك بأن يبادرهم الملائكة بالبشارة. قال تعالى {أية : وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون}تفسير : [الأنبياء: 103] وقال {أية : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} تفسير : [يونس: 64]. وجيء بصيغة الماضي في قوله {ففزع} مع أن النفخ مستقبل، للإشعار بتحقق الفزع وأنه واقع لا محالة كقوله {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل: 1] لأن المضي يستلزم التحقق فصيغة الماضي كناية عن التحقق، وقرينة الاستقبال ظاهرة من المضارع في قوله {ينفخ}. والداخرون: الصاغرون. أي الأذلاء، يقال: دَخِرَ بوزن منع وفرِح والمصدر الدخر بالتحريك والدخور. وضمير الغيبة الظاهر في {ءاتوه} عائد إلى اسم الجلالة، والإتيان إلى الله الإحضار في مكان قضائه ويجوز أن يعود الضمير على {يوم ينفخ في الصور} على تقدير: ءاتون فيه والمضاف إليه (كل) المعوض عنه التنوين، تقديره: من فزع ممن في السموات والأرض آتوه داخرين. وأما من استثنى الله بأنه شاء أن لا يفزعوا فهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة. وقرأ الجمهور {آتوه} بصيغة اسم الفاعل من أتى. وقرأ حمزة وحفص {أتوه} بصيغة فعل الماضي فهو كقوله {ففزع}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويوم ينفخ في الصور: أي يوم ينفخ إسرافيل في البوق نفخة الفزع والفناء والقيام من القبور. وكل أتوه داخرين: أي وكل من أهل السماء والأرض أتوا الله عز وجل داخرين أي أذلاء صاغرين. وترى الجبال تحسبها جامدة: أي تظنها في نظر العين جامدة. وهي تمر مر السحاب: وذلك لسرعة تسييرها. من جاء بالحسنة: وهي الإِيمان والتوحيد وسائر الصالحات. فله خير منها: أي الجنة. ومن جاء بالسيئة: أي الشرك والمعاصي فله النار يكب وجهه فيها. وهم من فزع يومئذ آمنون: أي أصحاب حسنات التوحيد والعمل الصالح آمنون من فزع هول يوم القيامة. ومن جاء بالسيئة فكبت: أي جاء بالسيئة كالشرك وأكل الربا، وقتل النفس، فكبت وجوههم في النار والعياذ بالله أي القوا فيها على وجوههم. هل تجزون إلا ما كنتم تعملون: أي ما تجزون إلا بعملكم، ولا تجزون بعمل غيركم. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر أحداث القيامة تقريراً لعقيدة البعث والجزاء التي هي الباعث على الاستقامة في الحياة. فقال تعالى {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} أي ونفخ إسرافيل بإذن ربه في الصور الذي هو القرن أو البوق {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} وهي نفخة الفزع فتفزع لها الخلائق إلا من استثنى الله تعالى وهم الشهداء فلا يفزعون وهي نفخة الفناء أيضاً إذ بها يفنى كل شيء، وقوله تعالى {وَكُلٌّ أَتَوْهُ} أي أتوا الله تعالى {دَاخِرِينَ} اي صاغرين ذليلين أتوه إلى المحشر وساحة فصل القضاء وقوله {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي لا تتحرك وهي في نفس الواقع تسير سير السحاب {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي أوثق صنعه وأحكمه {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} وسيجزيكم أيها الناس بحسب علمه {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} وهي الإيمان والعمل الصالح {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} ألا وهي الجنة {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} وهي الشرك والمعاصي {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} فذلك جزاء من جاء بالسيئة. وقوله تعالى: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي لا تجزون إلا ما كنتم تعملونه في الدنيا من خير وشر وقد تم الجزاء بمقتضى ذلك فقوم دخلوا الجنة وآخرون كبت وجوههم في النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها مفصلة. 2- بيان كيفية خراب العوالم وفناء الأكوان. 3- فضل الشهداء حيث لا يحزنهم الفزع الأكبر وهم آمنون. 4- تقرير مبدأ الجزاء وهو الحسنة والسيئة، حسنة التوحيد وسيئة الشرك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {دَاخِرِينَ} (87) - وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ هَوْلَ يَومِ القِيَامَةِ، حِينَ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى إِسرافِيلَ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، فَيَنفُخُ في الصُّورِ، وحِينَما يَسْمَعُ الأَحياءُ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ذلِكَ الصَّوت يُصِيبُهُمُ الفَزَعُ، إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الأَبْرارِ المُخْلِصِينَ فَإِنَّهمْ لا يُصِيبُهُمُ الفَزَعُ. ثُمَّ يَنفُخُ إِسْرافِيلُ نَفْخَةُ أُخْرَى هي نَفْخَةُ الصّعْقِ، فَيُصْعَقُ كُلَّ مَنْ سَمِعَهَا مِنَ المَخْلُوقَاتِ. ثُمَّ يَنْفُخُ الثَّالِثَةَ المُؤْذِنَةَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَتَقُومُ الأَجسَادُ لِرَبِّ العِبَادِ، وَيأتُونَ رَبَّهم جَمِيعاً صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ لاَ يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنْ أمرِ رَبِّهِ. فَزِعَ - خَافَ خَوْفاً يَسْتَتْبعُ المُوتَ. دَاخِرينَ - صَاغِرِينَ ذَلِيلِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن الله تعالى يقول لي: التفتْ إلى العبرة في الآيات الكونية، حيث ستنفعك في يوم آت هو يوم القيامة {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ ..} [النمل: 87] وهو البوق {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ..} [النمل: 87] والفزع: الخوف الشديد الذي يأخذ كلَّ مَنْ في السماوات، وكل مَنْ في الأرض {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ..} [النمل: 87] قالوا: هم الملائكة: إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وجبريل، وميكائيل، وعزرائيل. لذلك لما تكلم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة الصعق هذه قال: "حديث : فأفيق من الصعقة فأجد أخي موسى ماسكاً بالعرش"تفسير : ذلك لأن موسى عليه السلام صعق في الدنيا مرة حين تجلَّى ربه للجبل، كما حكى القرآن: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..}تفسير : [الأعراف: 143]. وما كان الله تعالى ليجمع على نبيه موسى عليه السلام صعقتين، لذلك لم يُصعَق صعقة الآخرة. وقوله سبحانه: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] أي: صاغرين أذلاء، لا يتأبى على الله منهم أحد، حيث لا قدرةَ له على ذلك؛ لأن القيامة أنهتْ الاختيار الذي كان لهم في الدنيا، وبه ملّكهم الله شيئاً من المِلْك: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ..}تفسير : [آل عمران: 26]. فأعطى الله تعالى طرفاً من الملْك، ووهبه لبعض عباده في دنيا الأسباب والاختيار، أمَّا في الآخرة فالملْك لله تعالى وحده، لا ينازعه فيه أحد: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. في القيامة يُنزع منك كلّ شيء تملكه وكلّ قدرة لك على ما تملك حتى جوارحك لا قدرةَ لك عليها، ولا إرادةَ لتنفعل لك، هي تبع إرادتك في الدنيا، وبها ترى وتسمع وتمشي وتبطش، أمَّا في الآخرة فقد سُلِبت منك هذه الإرادة، بدليل أنها ستشهد عليك، وتُحاجّك يوم القيامة. ثم ينتقل السياق بنا مرة أخرى إلى آية كونية: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} أي صَاغرينَ خَاضعينَ.
الأندلسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} تقدم الكلام عليه وهذه النفخة هي نفخة الفزع وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع وهو فزع الحياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر ونفخة الصعق ونفخة القيام من القبور وعبر هنا بالماضي في قوله: ففزع وإن كان لم يقع إشعاراً بصحة وقوعه وأنه كائن لا محالة. {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} أي فلا ينالهم هذا الفزع وروي أبو هريرة حديثاً حديث : أنهم الشهداء متقلدون السيوف حول العرش تفسير : وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي وقرىء: أتوه فعلاً ماضياً وآتوه إسم فاعل والضمير في آتوه عائد على الموقف يجوز أن يراد رجوعهم إلى الله وانقيادهم له. و{دَاخِرِينَ} حال ومعناه منقادين ذليلين. {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ} هو من رؤية العين. {تَحْسَبُهَا} حال من فاعل ترى أو من الجبال وجامدة من جمد مكانه إذا لم يبرح منه وهذه الحال للجبال عقيب النفخ في الصور وهي أول أحوال الجبال تموج وتسير ثم ينسفها الله فتصير كالعهن ثم تكون هباءً منبثاً في آخر الأمر. {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} جملة حالية أي تحسبها في رأى العين ثابتة مقيمة في أماكنها وهي سائرة وتشبيه مرورها بمر السحاب في كونها تمر مراً حثيثاً كمر السحاب وانتصب. {صُنْعَ ٱللَّهِ} على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تليها. فالعامل فيه مضمر من لفظه والحسنة الإِيمان ورتب على ذلك شيئين أحدهما أنه له خير منها ويظهر أن خير ليس أفعل تفضيل ومن لابتداء الغاية أي له خير من الخيور مبدؤه ومنشؤه منها أي من جهة هذه الحسنة أو خير هنا الثواب والأجر والأمن من الفزع وقرىء: من فزع بالتنوين * ويومئذٍ منصوب على الظرف معمول لقوله آمنون أو لفزغ أو في موضع الصفة لفزع أي كائن في ذلك الوقت وقرىء بإِضافة فزع إلى يومئذٍ بكسر الميم حركة إعراب وفتحها حركة بناء لإِضافة إلى مبنى والتنوين في يومئذٍ تنوين العوض حذفت الجملة وعوض منها والأولى أن تكون الجملة المحذوفة ما قرب من الظرف أي يوم إذ جاء بالحسنة والسيئة الكفر والمعاصي فيمن ختم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار وخصت الوجوه إذ كانت أشرف الأعضاء ويلزم من كبها في النار كب الجميع أو عبر بالوجه عن جملة الإِنسان والظاهر من كب أنهم يلقون في النار منكوسين أعلاهم قبل أسفلهم. {هَلْ تُجْزَوْنَ} خطاب لهم على إضمار القول أي يقال لهم وقت الكب هل تجزون ثم أمر تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ} والآمر هو الله تعالى على لسان جبريل عليه السلام. {أَنْ أَعْبُدَ} أي أفرده بالعبادة والبلد هي مكة وأسند التحريم إليه تشريفاً لها واختصاصاً. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي المنقادين إلى أمر الله فأعبده كما أمرني. {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ} أي أتلو عليكم القرآن. {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} به ووحد الله تعالى وامتثل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام وآمن بما جاء به فثمرة هدايته مختصة به. {وَمَن ضَلَّ} فوبال ضلاله مختص به حذف جواب من ضل لدلالة مقابلة عليه ويحتمل أن يكون: {إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} ويحتاج إلى رابط يعود على من تقديره من المنذرين له. {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أمر أن يقول ذلك فيحمد ربه على ما خصه به من شرف النبوة والرسالة. {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} تهديد لأعدائه بما يريهم الله من آياته التي تضطرهم إلى معرفتها والإِقرار إلى أنها آيات الله تعالى ولما قسمهم إلى مهتد وضال أخبر تعالى أنه محيط بأعمالهم غير غافل عنها وقرىء يعملون بياء الغيبة التفاتاً من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل تنبيهاً على التائهين في بيداء الغفلة: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} وهو البوق؛ لحشر الأموات من أجداثهم {فَفَزِعَ} وارتعد من هول تلك الصدى {مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من سكانها {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} تمكنه وقرار قلبه مطمئن بلا قلق واضطراب، وهم الأولياء المتمكنون في مقر الفناء في الله، المتحققون بمقام البقاء ببقائه، الواصلون إلى شرف لقائه بلا تلوين، منسلخين عن جلباب ناسوتهم رأساً، وصاروا إلى حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. {وَ} بعدما أفاقوا من دهشتهم وهيبتهم العارضة إياهم من هول ما سمعوا {كُلٌّ} ممن يتأتى منهم الإتيان {أَتَوْهُ} على كلتا القراءتين فعلاً أو اسم فاعل؛ أي: حضروا عنده وحاضروه {دَاخِرِينَ} [النمل: 87] صارغرين ذليلين، منتظرين إلى ما جرى عليهم من حكم الله، يُساقون إلى النار بمقتضى عدله؟ أم إلى الجنة بمقتضى فضله وإحسانه؟. {وَتَرَى} أيها الرائي يومئذٍ {ٱلْجِبَالَ} الراسيات التي {تَحْسَبُهَا} وتظنها {جَامِدَةً} ثابتة مستقرة في مكانها بلا حركة وذهاب {وَهِيَ} في نفسها {تَمُرُّ} أي: تتحرك وتذهب {مَرَّ ٱلسَّحَابِ} أي: كمروره وسرعة سيره؟ إذ الأشياء العظيمة التي لا يحيط الأبصار بجميع جوانبها قلما يحس بحركتها وإن أسرع فيها، بل يظن أنها ثابتة في مقره، وهكذا حال الجبال وجميع الأظلال والأطلال قبل قيام الساعة لو تفطنت بمرورها أيها الفطن اللبيب، وجدتها في كل آن على التقضي والانصرام؛ إذ الأعراض لا قيام ولا قرار، بل كل يوم وآن في شأن، و{أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 26-27]. ومرور الجبال على هذا المنوال {صُنْعَ ٱللَّهِ} أي: من صنع الله {ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ} وأحكم {كُلَّ شَيْءٍ} إتقاناً بديعاً، ودبره تدبيراً أنيقاً عجيباً، وأودع فيه من الحكم والمصالح ما لم يطلع عليها أحد من عباده؛ إذ لا يسع لهم الإطلاع على أفعاله سبحانه، بل {إِنَّهُ} بذاته وبمقتضى أسمائه وصفاته {خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] أي: بجميع أفعالهم وأحوالهم، وأقوالهم الظاهر والباطنة، يجازيهم عليها على مقتضى خبرته، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. لذلك {مَن جَآءَ} من المكلفين في دار الابتلاء {بِٱلْحَسَنَةِ} أي: الخصلة الواحدة المقبولة عند الله وعند الناس {فَلَهُ} في دار الجزاء {خَيْرٌ مِّنْهَا} إذ يُعطى له بدله سبع مائة من الحسنة، وقد أبدل الخسيس بالشريف، سيما بأضعافه والفاني بالباقي {وَهُمْ} أيضاً مع وجود هذه المثوبات {مِّن فَزَعٍ} هائل مهول للناس {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم ينفخ في الصور {آمِنُونَ} [النمل: 89] مطمئنون متمكنون، ولا يضطربون من هولها ولا يفزعون. {وَمَن جَآءَ} في دا ر الاختبار {بِٱلسَّيِّئَةِ} المردودة عند الله، وعند الناس من الأمور التي حرمها الشرع والعقل والمروءة {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} أي: كُبُّوا على وجوههم في النار صاغرين، قيل لهم حنيئذٍ زجراً عليهم، وطرداً لهم: {هَلْ تُجْزَوْنَ} أي: ما تُجزون بهذا الهوان والصغار {إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] من السيئات الجالبة له في النشأة الأولى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخوف تعالى عباده ما أمامهم من يوم القيامة وما فيه من المحن والكروب، ومزعجات القلوب فقال: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ } بسبب النفخ فيه { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } أي: انزعجوا وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفا مما هو مقدمة له. { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع. { وَكُلٌّ } من الخلق عند النفخ في الصور { أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } صاغرين ذليلين، كما قال تعالى: { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } ففي ذلك اليوم يتساوى الرؤساء والمرءوسون في الذل والخضوع لمالك الملك. ومن هوله أنك { ترى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } لا تفقد [شيئا] منها وتظنها باقية على الحال المعهودة وهي قد بلغت منها الشدائد والأهوال كل مبلغ وقد تفتت ثم تضمحل وتكون هباء منبثا. ولهذا قال: { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } من خفتها وشدة ذلك الخوف وذلك { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } فيجازيكم بأعمالكم. ثم بين كيفية جزائه فقال: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } اسم جنس يشمل كل حسنة قولية أو فعلية أو قلبية { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } هذا أقل التفضيل. { وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } أي: من الأمر الذي فزع الخلق لأجله آمنون وإن كانوا يفزعون معهم. { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } اسم جنس يشمل كل سيئة { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } أي: ألقوا في النار على وجوههم ويقال لهم: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} [87] 401 - أنا عُبيدُ اللهِ بن سعيدٍ، نا يحيى عن التميمي، عن أسلم عن بشر بن شغافٍ، عن عبد الله بن عمرو، حديث : سأل أعرابيٌّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصُّورِ؟ فقال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2180- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أحْسَبُهُ عَنْ ابن المسيّب، في قوله: {فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}: [الآية: 87]، قال: بلغني أنَّ مسلماً ويَهُوديّاً تدارءا في أمْرٍ. فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على البشر، لقد كَانَ كذا وكذا، فقال اليهودي: والذي اصطفى مُوسَى على البشر، لقد كَانَ كذا وكذَا، فصكه المسلم. فأتى اليهودي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فَشكَا إليْهِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تخيروني على موسى، فإن الناسَ يُصْعَقُون، فأكون أول من يفيق فأرى مُوسى متعلقاً بالعرش فلا أدري! أبعث قبلي أمْ كَانَ فيمن استثنى الله "؟. تفسير : 2183- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}: الآية: 87]، قال: صاغِرينَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):