٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة وهي تسيير الجبال، والوجه في حسبانهم أنها جامدة فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً. أما قوله: {صُنْعَ ٱللَّهِ } فهو من المصادر المؤكدة كقوله: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ } تفسير : [النساء: 95] و { أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 138] إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التي لا يقدر عليها سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب قال القاضي عبد الجبار فيه دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه والجواب: أن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات فيمتنع وصف الأعراض بها، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ } تبصرها وقت النفخة {تَحْسَبُهَا } تظنها {جَامِدَةً } واقفة مكانها لعظمها {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } المطر إذا ضربته الريح أي تسير سيره حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير ]{أية : كَالعِهْنِ}تفسير : [70: 9 و101: 5] ثم تصير { أية : هبآءً مَّنثُوراً } تفسير : [23:25] {صُنْعَ ٱللَّهِ } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله: أي صنع الله ذلك صنعاً {ٱلَّذِى أَتْقَنَ } أحكم {كُلَّ شَىْء } صنعه {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } بالياء والتاء أي أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة.
ابن عطية
تفسير : هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ في الصور، و"الرؤية" هي بالعين وهذه الحال لـ {الجبال} هي في أول الأمر تسير وتموج وأمر الله تعالى ينسفها ويفتها خلال ذلك فتصير كالعهن، ثم تصير في آخر الأمد هباء منبثاً، و"الجمود"، التضام والتلزز في الجوهر، قال ابن عباس {جامدة} قائمة، ونظيره قول الشاعر [النابغة]: [الطويل] شعر : بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج تفسير : و {صنع الله} مصدر معرف والعامل فيه فعل مضمر من لفظه، وقيل هو نصب على الإغراء بمعنى انظروا صنع الله، و"الإتقان" الإحسان في المعمولات وأن تكون حساناً وثيقة القوة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "يفعلون" بالياء وقرأ الباقون "تفعلون" بالتاء على الخطاب، و"الحسنة" الإيمان، وقال ابن عباس والنخعي وقتادة:" هي لا إله إلا الله، وروي عن علي بن الحسين أنه قال: كنت في بعض خلواتي فرفعت صوتي بــ"لا إله إلا الله" فسمعت قائلاً يقول إنها الكلمة التي قال الله فيها {من جاء بالحسنة فله خير منها} وقوله {خير منها} يحتمل أن يكون للتفضيل، ويكون في قوله {منها} حذف مضاف تقديره خير من قدرها واستحقاقها، بمعنى أن الله تعالى تفضل عليه فوق ما تستحق حسنته، قال ابن زيد: يعطى بالواحدة عشراً والداعية إلى هذا التقدير أن الحسنة لا يتصور بينها وبين الثواب تفضيل، ويحتمل أن يكون خبر ليس للتفضيل بل اسم للثواب والنعمة، ويكون قوله تعالى: {منها} لابتداء الغاية، أي هذا الخير الذي يكون له هو من حسنته وبسببها، وهذا قول الحسن وابن جريج، وقال عكرمة: ليس شيء خيراً من لا إله إلا الله، وإنما له الخير منها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "من فزع" بالإضافة، ثم اختلفوا في فتح الميم وكسرها من {يومئذ} فقرأ أكثرهم بفتح الميم على بناء الظرف لما أضيف إلى غير متمكن، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع بكسر الميم على إعمال الإضافة، وذلك أن الظروف إذا أضيفت إلى غير متمكن جاز بناؤها وإعمال الإضافة فيها. ومن ذلك قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل] شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمّا أصحُ والشيب وازع تفسير : فإنه يروى "على حين" بفتح النون و"على حينِ" بكسرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "من فزعٍ" بالتنوين وترك الإضافة ولا يجوز مع هذه القراءة إلا فتح الميم من "يومَئذ"، و "السيئة" التي هي في هذه الآية هي الكفر والمعاصي فيمن ختم الله تعالى عليه من أهل المشيئة بدخول النار، و {كبت} معناه جعلت تلي النار، وجاء هذا كباً من حيث خلقتها في الدنيا تعطي ارتفاعها، وإذا كبت الوجوه فسائر البدن أدخل في النار إذ الوجه موضع الشرف والحواس، وقوله {هل تجزون} بمعنى يقال لهم ذلك وهذا على جهة التوبيخ، وقوله {إنما أمرت} بمعنى قل يا محمد لقومك {إنما أمرت}، و {البلدة} المشار إليها مكة، وقرأ جمهور الناس "الذي حرمها"، وقرأ ابن عباس وابن مسعود "التي حرمها" وأضاف في هذه الآية التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه وأضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم في قوله "حديث : إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة"تفسير : ، من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته فليس بين الآية والحديث تعارض، وفي قوله {حرمها} تعديد نعمته على قريش في رفع الله تعالى عن بلدهم الغارات والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقوله {وله كل شيء} معناه بالملك والعبودية، وقرأ جمهور الناس "أن أتلو" عطفاً على قوله {أن أكون} وقرأ ابن مسعود "وأن اتل القرآن" بمعنى وقيل لي اتل القرآن و"اتل" معناه تابع بقراءتك بين آياته واسرده وتلاوة القرآن سبب الاهتداء إلى خير كثير، وقوله {فمن اهتدى} معناه من تكسب الهدى والإيمان ونظر نظراً ينجيه فـ {لنفسه} سعيه. قال القاضي أبو محمد: فنسبة الهدى والضلال إلى البشر في هذه الآية إنما هي بالتكسب والحرص والحال التي يقع عليها الثواب والعقاب والكل أيضاً من الله تعالى بالاختراع، وقوله {سيريكم آياته} توعد بعذاب الدنيا كبدر، والفتح، ونحوه وبعذاب الآخرة، وقرأ جمهور القراء "عما يعملون"، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم عما "تعملون" بالتاء من فوق على مخاطبتهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَامِدَةً} واقفة {تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} لا يرى سيرها لبعد أطرافها، مثل ضُرب للدنيا تظن أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال، أو للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب وعلمه صاعد إلى السماء. {أَتْقَنَ} أحكم، أو أحصى، أو أحسن، أو أوثق سريانية، أو عربية من إتقان الشيء إذا أُوثق وأحكم، وأصله التقن وهو ما ثقل في الحوض من طينة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى {وترى الجبال تحسبها جامدة} أي قائمة واقفة {وهي تمر مر السحاب} أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جسم كبير وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه وبعد ما بين أطرافه فهو في حساب الناظر واقف وهو سائر كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه {صنع الله الذي أتقن كل شيء} يعني أنه تعالى، لما قدم هذه الأشياء كلها التي لا يقدر عليها غيره جعل ذلك الصنع من الأشياء التي أتقنها وأحكمها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب {إنه خبير بما تفعلون}. قوله تعالى {من جاء بالحسنة} أي بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الإخلاص في العمل، وقيل الحسنة كل طاعة عملها لله عز وجل {فله خير منها} قال ابن عباس فيها يصل إلى الخير بمعنى أن له من تلك الحسنة خير يوم القيامة وهو الثواب والأمن من العذاب أما من يكون له شيء خير من الإيمان فلا، لأنه لا شيء خير من لا إله إلا الله، وقيل: هو جزاء الأعمال والطاعات الثواب والجنة وجزاء الإيمان والإخلاص رضوان الله والنظر إليه لقوله {أية : ورضوان من الله}تفسير : [التوبة: 72] وقيل: معنى خير منها الأضعاف أعطاه الله بالواحدة عشر أضعافها، لأن الحسنة استحقاق العبد والتضعيف تفضيل الرب تبارك وتعالى {وهم من فزع يومئذٍ آمنون} فإن قلت كيف نفى الفزع هنا وقد قال قبله ففزع من في السموات ومن في الأرض. قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع وهول يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه فأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه. وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد {ومن جاء بالسيئة} يعني بالشرك {فكبت وجوههم في النار} عبر بالوجه عن جميع البدن كأنه قال كبوا وطرحوا جميعهم في النار {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي تقول لهم خزنة جهنم {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} في الدنيا من الشرك. وقوله تعالى {إنما أمرت} يعني يقول الله تعالى لرسوله قل إنما أمرت {أن أعبد رب هذه البلدة} يعني أمرت أن أخص بعبادتي وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة يعني مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بالذكر لأنها مضافة إليه وأحب البلاد وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لأنها موطن نبيه ومهبط وحيه {الذي حرمها} أي جعلها الله حرماً آمناً لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاله ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها لأن العرب كانوا معترفين بفضلية مكة، وأن تحريمها من الله لا من الأصنام {وله كل شيء} أي خلقاً وملكاً {وأمرت أن أكون من المسلمين} لله المطيعين له {وأن أتلوا القرآن} أي أمرت أن أتلو القرآن ولقد قام صلى الله عليه وسلم بكل ما أمر به أتم قيام على ما أمر به {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي نفع اهتدائه يرجع إليه {ومن ضل} أي عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى {فقل إنما أنا من المنذرين} أي من المخوفين، وما علي إلا البلاغ نسختها آية القتال {وقل الحمد لله} أي على جميع نعمه، وقيل: على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة والإنذار {سيريكم الآية} الباهرة ودلائله القاهرة قيل: هو يوم بدر وهو ما أراهم من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وقيل: آياته في السموات والأرض وفي أنفسكم {فتعرفونها} أي فتعرفون الآيات والدلالات {وما ربك بغافل عما تعملون} فيه وعيد بالجزاء على أعمالهم والله سبحانه وتعالى أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...} الآية، هذا وصفُ حالِ الأشياءِ يومَ القيامةِ عَقِبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، والرؤية: هي بالعَيْن، قال ابن عباس: جامدةً: قائمةً، والحَسَنَةُ الإيمانُ، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا اللّه» ورُوِيَ عَنْ علي بن الحسين أنه قال: كُنْتُ في بعض خَلَواتِي فَرفَعْتُ صَوْتي: بـ «لا إله إلا اللّه» فسمعتُ قائلاً يقول: إنها الكلمةُ التي قال اللّه فيها: «من جاء بالحسنة فله خير منها». وقال ابن زيد: يُعْطَى بالحَسَنَةِ الواحدةِ عَشْراً. قال * ع *: والسيئةُ التي في هذه الآية هي الكُفْر والمَعَاصِي. فيمن حتَّم اللّه عليه من أهل المشيئة بدخول النار.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} هذه العلامة الثالثة لقيام القيامة، وهي قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ}تفسير : [الكهف: 47] "جَامِدَةً" قائمة واقعة، و "تَحْسَبُهَا جَامِدَةً" هذه الجملة حالية من فاعل "تَرَى" أو من مفعوله، لأن الرؤية بصرية. قوله: "وَهِيَ تَمُرُّ" الجملة حالية أيضاً، وهكذا الأجرام العظيمة تراها واقفة وهي مارة قال النابغة الجعدي يصف جيشاً كثيفاً: شعر : 3973 - بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسِبُ أَنَّهُمْ وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تُهَمْلِجُ تفسير : و"مَرَّ السَّحَابِ": مصدر تشبيهي، قوله: "صُنْعَ اللَّهِ" مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة عامله مضمر، أي: صنع الله ذلك صنعاً، ثم أضيف بعد حذف عامله، وجعله الزمخشري مؤكداً للعامل في {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ}تفسير : [النمل: 87] وقدره: ويوم ينفخ وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المسيئين في كلام طويل جرياً على مذهبه، وقيل منصوب على الإغراء، أي: انظروا صنع الله وعليكم به. والإتقان: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو من قولهم: تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة، وأرض تقنة، والتقن فعل ذلك بها، والتقن أيضاً: ما رمي به في الغدير من ذلك أو الأرض، ومعنى {أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: أحكمه. {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالغيبة جرياً على قوله "وَكُلٌّ أَتَوْهُ"، والباقون بالخطاب جرياً على قوله "وتَرَى"، لأن المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وترى الجبال تحسبها جامدة} قال: قائمة {صنع الله الذي أتقن كل شيء} قال: احكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وترى الجبال تحسبها جامدة} قال: ثابتة في أصولها لا تتحرك {وهي تمر مر السحاب} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {صنع الله الذي أتقن كل شيء} يقول: أحسن كل شيء خلقه وأتقنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {صنع الله الذي أتقن كل شيء} قال: أحسن كل شيء. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {الذي أتقن كل شيء} قال: أوثق كل شيء. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {الذي أتقن كل شيء} قال: ألم تر إلى كل دابة كيف تبقى على نفسها.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ} عطفٌ على يُنفخ داخلٌ في حكمِ التَّذكيرِ. وقولُه عزَّ وجلَّ {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي ثابتةً في أماكنِها إمَّا بدلٌ منه أو حالٌ من ضميرِ تَرَى أو من مفعولِه. وقولُه تعالى: {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} حالٌ من ضميرِ الجبالِ في تحسبُها أو في جامدةً أي تَرَاها رأيَ العينِ ساكنةً والحالُ أنَّها تمرُّ مرَّ السَّحابِ التي تسيرها الرِّياح سيراً حثيثاً، وذلكَ أنَّ الأجرامَ العظامَ إذا تحركتْ نحوَ سمتٍ لا تكادُ تتبـينُ حركتُها وعليهِ قولُ مَن قالَ شعر : بأرعنَ مثلِ الطَّودِ تَحْسَبُ أنَّهم وقوفٌ لحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ تفسير : وقد أُدمج في هذا التشبـيهِ تشبـيهُ حالِ الجبالِ بحالِ السَّحابِ في تخلخل الأجزاءِ وانتفاشِها كما في قولِه تعالى: { أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} تفسير : [سورة القارعة: الآية 5] وهذا أيضاً ممَّا يقعُ بعد النَّفخةِ الثَّانيةِ عند حشرِ الخلقِ يُبدِّلُ الله عزَّ وجلَّ الأرضَ غيرَ الأرضِ يُغير هيآتِها ويُسيِّر الجبالَ عن مقارّها على ما ذُكر من الهيئةِ الهائلةِ ليُشاهدَها أهلُ المحشرِ وهيَ وإنِ اندكتْ وتصدعتْ عند النَّفخةِ الأولى لكنْ تسيـيرُها وتسويِةُ الأرضِ إنَّما يكونانِ بعد النَّفخةِ الثانية كما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ} تفسير : [سورة طه: الآيات 105 - 108] وقولُه تعالى: { أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [سورة إبراهيم: الآية 48] فإنَّ اتباع الدَّاعِي الذي هُو إسرافيلُ عليه السَّلام وبروز الخلقِ لله تعالى لا يكونُ إلا بعدَ النَّفخةِ الثَّانيةِ وقد قالُوا في تفسيرِ قولِه تعالى: { أية : وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـٰهُمْ} تفسير : [سورة الكهف: الآية 47] إنَّ صيغةَ الماضِي في المعطوفِ عليه مُستقبلاً للدِّلالةِ على تقدمِ الحشرِ على التسيـيرِ والرؤيةِ كأنَّه قيلَ وحشرناهُم قبلَ ذلك هذا وقد قيلَ إنَّ المرادَ هي النَّفخةُ الأُولى والفزعُ هو الذي يستتبعُ الموتَ لغايةِ شدَّةِ الهولِ كما في قولِه تعالى: { أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 68] الآيةَ فيختصُّ أثرُها بمنَ كان حيَّا عندَ وقوعِها دُونَ مَن ماتَ قبلَ ذلك من الأُمم. وجُوِّز أنَّ يرادَ بالإتيانِ داخرينَ رجوعُهم إلى أمرِه تعالى وانقيادُهم له ولا ريبَ في أنَّ ذلك ممَّا ينبغي أنْ تنزه ساحةُ التَّنزيل عن أمثالِه. وأبعدُ مِن هذا ما قِيل إنَّ المرادَ بهذه النَّفخةِ نفخةُ الفزعِ التي تكونُ قبل نفخةِ الصَّعقِ وهي التي أريدتْ بقولِه تعالى: { أية : مَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} تفسير : [سورة ص: الآية 15] فيسيِّرُ الله تعالى عندها الجبالَ فتمرُّ مرَّ السَّحابِ فتكون سراباً وتُرجُّ الأرضُ بأهلِها رجَّاً فتكون كالسَّفينةِ الموثقة في البحرِ أو كالقنديلِ المعلَّق ترججه الأرواحُ فإنَّه ممَّا لا ارتباطَ له بالمقامِ قطعاً، والحقُّ الذي لا محيدَ عنه ماقدمناه ومَّما هُو نصٌّ في البابِ ما سيأتي من قولِه تعالى: {أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } تفسير : [سورة النمل: الآية 89] {صُنْعَ ٱللَّهِ} مصدرٌ لمضمونِ ما قبله أي صنعَ الله ذلك صُنعاً على أنَّه عبارةٌ عمَّا ذُكر من النَّفخِ في الصُّورِ وما ترتَّب عليهِ جميعاً قُصد به التنبـيهُ على عظَمِ شأنِ تلك الأفاعيلِ وتهويلِ أمرِها والإيذانُ بأنَّها ليستْ بطريقِ إخلالِ نظامِ العالمِ وإفسادِ أحوالِ الكائناتِ بالكُلِّية من غيرِ أنْ يدعوَ إليها داعيةٌ أو يكونَ لها عاقبةٌ بل هي من قبـيلِ بدائعِ صُنعِ الله تعالى المبنية على أساسِ الحكمةِ المستتبعةِ للغاياتِ الجميلةِ التي لأجلِها رُتبت مقدماتُ الخلقِ ومبادىءُ الإبداعِ على الوجهِ المتينِ والنَّهجِ الرَّصينِ كما يُعرب عنه قولُه تعالى: {ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء} أي أحكَم خلقَهُ وسوَّاهُ على ما تقتضيِه الحكمةُ. وقولُه تعالى: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تعليلٌ لكون ما ذُكر صُنعاً مُحكماً له تعالى ببـيانِ أنَّ عِلمَهُ تعالى بظواهرِ أفعالِ المُكلفينَ وبواطنِها مَّما يدعُو إلى إظهارِها وبـيانِ كيفيَّاتِها على ما هِيَ عليه من الحُسنِ والسُّوء وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرِهم، وجعلُ السَّمواتِ والأرضِ والجبالِ على وُفقِ ما نطقَ به التَّنزيلُ ليتحققُوا بمشاهدةِ ذلك أنَّ وعدَ الله حقٌّ لا ريبَ فيه. وقُرىء خبـيرٌ بما يفعلونَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً}[88] قال: إن الله تعالى نبه عباده على تقضي الأوقات وغفلتهم فيها، فجعل الجبال مثلاً للدنيا، يظن الناظر أنها واقفة معه، وهي آخذة بحظها منه، ولا يبقى بعد الانقضاء إلا الحسرة على الفائت الناظر أنها واقفة معه، وهي آخذة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} [الآية: 88]. قال سهل: إن الله تعالى نبَّه عباده على تقصى الأوقات عليهم، وغفلتهم فيه فجعل الجبال مثلاً للدنيا يظن الناظر أنها واقفة معه، وهى آخذة بحظها منه، ولا يبقى بعد الانقضاء إلا الحسرة على الفائت. قال ابن عطاء رحمه الله: الإيمان ثابت فى قلب العبد كالجبال الرواسى، وأنواره تحرق الحجب الأعلى وقال إن قول لا إله إلا الله يسرى كالسحاب، حتى يقف بين يدى الله عز وجل فيقول الله تعالى: اسكن مديحتى فوجلالى ما أجريتك على لسان عبد من عبيدى فأعذبه بالنار. قال جعفر رحمه الله: ترى الأنفس جامدة عند خروج الروح والروح يسرى فى القدس لتأوى إلى مكانها من تحت العرش. قال الصادق رحمه الله: نور قلب الموحدين، وانزعاج أنين المشتاقين يَمُرُّ من بين السحاب حتى يشاهدوا الحق فيسكنون. قال عثمان: يرى الأنبياء والأولياء وقوفًا مع الحق على حد الرسوم كواحد منهم. وبركاتهم تصبُّ عليهم صبًا كالسحاب تراها مارة وهى سبب حياة الخلق والبهائم. قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء: 30]. وقال ابن عطاء فى قوله: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}، لا يلتفت الى شىء سواه، ولا له قرار مع غيره. سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت جعفر الخلدى يقول: حضر الجنيد رحمه الله مجلس سماع مع أصحابه، وإخوانه فانبسطوا وتحركوا وبقى الجنيد على حاله لم يؤثر فقال له بعض أصحابه: لا تنبسط كما انبسط إخوانك فقال الجنيد: وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب. قوله تعالى: {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [الآية: 88]. قال ابن عطاء: ربوبيته التى ترد الأشباح إلى قيمتها وتجعل الأسرار والقلوب إلى مستقرها وجعل لخلقه مقامًا إليه منتهاهم. فالسعيد من لزم حدَّه والشقى من علا طوره.
القشيري
تفسير : وكثيرٌ من الناس اليومَ من أصحاب التمكين، هم ساكنون بنفوسهم سائحون في الملكوت بأسرارهم.. قيل: إن الإشارة اليومَ إليهم. كما قالوا: العارف كائنٌ بائِنٌ؛ كائنٌ مع الناس بظاهره، بائنٌ عن جميع الخَلْق بسرائره.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} اعلمنا الحق سبحانه من غلبة سلطان عظمته وكبريائه على قلوب الخليقة يوم القيامة بحيث لا يعلمون انقلاب الكون من صولة شهود عظمته على وجوههم وايضا هذا وصف العارفين فى طريان ارواحهم الى الملكوت باجنحة انوار الجبروت حين اشباحهم مستقيمة فى نعوت الخليقة فى مقام العبودية قال ابن عطا الايمان ثابت فى قلب العبد كالجبال الرواسى وانواره تخرق الحجب الاعلى قال جعفر ترى الانفس حامدة عند خروج الروح والروح تسرى فى القدس لتاوى الى مكانها من تحت العرش وقال الصادق نور قلوب الموحدين وانزعاج انين المشتاقين تمرمر السحاب حتى يشاهدون الحق فيسكنون قال جعفر الخلدى حضر الجنيد مجلس السماع مع اصحابه واخوانه فانبسطوا وتحركوا وبقى الجنيد على حاله لم يؤثر فيه فقال له بعض اصحابه الا تتبسط كما انبسط اخوانك فقال الجنيد وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب قال الاستاذ كثير من الناس اليوم من اصحاب التمكين الساكنين بنفوسهم السايحين فى الملكوت اسرارهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وترى الجبال} عطف على ينفخ داخل معه فى حكم التذكير اى تراها يومئذ حال كونك {تحسبها جامدة} تظنه ثابتة فى اماكنها من جمد الماء وكل سائل قام وثبت ضد ذاب {وهى} والحال انها تمر مثل مر السحاب التى تسيرها الرياح سيرا سريعا وذلك لان كل شىء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر ولايحيط به لكثرته وعظمته فهو فى حسبان الناظر واقف وهو يسير وهذا ايضا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق فان الله تعالى يبدل الارض غير الارض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ماذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها اهل المحشر وهى وان اندكت وتصدعت عند النفخة الاولى فتسييرها وتسوية الارض انما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى {أية : ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرناهم}تفسير : فان صيغة الماضى فى المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلا للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية كأنه قيل وحشرنا قبل ذلك. قال جعفر الخلدى حضر الجنيد مجلس سماع مع اصحابه واخوانه فانبسطوا وتحركوا وبقى الجنيد على حاله لم يؤثر فيه فقال له اصحابه ألا تنبسط كما أنبسط اخوانك فقال الجنيد وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب قال بعضهم وكثير من الناس اليوم من اصحاب التمكين ساكنون بنفوسهم سائحون فى الملكوت باسرارهم [محققى فرموده كه اوليا نيز درميان خلق برحد رسوم واقفند وخلق آن حركات بواطن ايشان كه بيكدم هزار عالم طى ميكنند خبر ندارند] شعر : تومبين اين بايهرا بر زمين زآنكه بردل ميرود عاشق يقين ازره ومنزل زكوتاه ودراز دل جه داند كوست مست دلنواز آن دراز وكوته اوصاف تنست رفتن ارواح ديكر رفتن است دست نى وباى نى سرتا قدم آنجنانكه تاخت جانها از قدم تفسير : قال ابن عطاء الايمان ثابت فى قلب العبد كالجبال الرواسى وانواره تخرق الحجاب الاعلى. وقال جعفر الصادق ترى الانفس جامدة عند خروج الروح والروح تسرى فى القدس لتأوى الى مكانها من تحت العرش {صنع الله} الصنع اجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا ولا ينسب الى الحيوانات كما ينسب اليها الفعل كما فى المفردات وهو مصدر مؤكد لمضمون ماقبله اى صنع الله ذلك صنعا وفعله على انه عبارة عما ذكر من النفخ فى الصور وماترتب عليه جميعا {الذى اتقن كلى شىء}. قال فى المختار فى تقن صنع الله الذى أتقن اتقان الشىء احكامه. والمعنى احكم خلقه وسواه على ماينبغى: وبالفارسية [استوار كرد همه جيز هارا وبيارست بروجهى كه شايد]. قال فى الارشاد قصد به التنبيه على عظم شان تلك الافاعل وتهويل امرها والايذان بانها ليست بطريق اخلال نظام العالم وافساد احوال الكائنات بالكلية من غير ان تدعو اليها داعية ويكون لها عاقبة بل هى من قبيل بدائع صنع الله المبينة على اساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التى لاجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادى الابداع على الوجه المتين والمنهج الرصين {انه خبير بما تفعلون} عالم بظواهر افعالكم وبواطنها ايها المكلفون ولذا فعل مافعل من النفخ والبعث ليجازيكم على اعمالكم كما قال {من} [هركه ازشما] {جاء} [بيايد] {بالحسنة} بكلمة الشهادة والاخلاص فانها الحسنة المطلقة واحسن الحسنات {فله خير منها} نفع وثواب حاصل من جهتها ولاجلها وهو الجنة فخير اسم من غير تفضيل اذ ليس شىء خيرا من قول لا اله الا الله ويجوز ان يكون صيغة تفضيل ان اريد بالحسنة غير هذه الكلمة من الطاعات فالمعنى اذا فعله من الجزاء ماهو خير منها اذا ثبت له الشريف بالخسيس والباقى بالفانى وعشرة بل سبعمائة بواحد {وهم} اى الذين جاؤا بالحسنات {من فزع} اى عظيم هائل لا يقادر قدره وهو الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهور الحسنات والسيآت وهو الذى فى قوله تعالى {أية : لايحزنهم الفزع الاكبر}،تفسير : وعن الحسن حين يؤمر بالعبد الى النار. وقال ابن جريج حين يذبح الموت وينادى يااهل الجنة خلود بلا موت ويااهل النار خلود بلا موت {يومئذ} اى يوم ينفخ فى الصور {آمنون} لايعتريهم ذلك الفزع الهائل ولا يلحقهم ضرره اصلا واما الفزع الذى يعترى كل من فى السموات ومن فى الارض غير من استثناه الله فانما هو التهيب والرعب الحاصل فى ابتداء النفخة من معاينة فنون الدواهى والاهوال ولايكاد يخلو منه احد بحكم الجبلة وان كان آمنا من لحوق الضرر
الجنابذي
تفسير : {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ} الخطاب لمحمّدٍ (ص) او عامّ، وان كان الخطاب لمحمّدٍ (ص) كان المراد انّك ترى الجبال ببصرك البشرىّ او كان الكلام على ايّاك اعنى واسمعى يا جارة {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} اى واقفة ساكنة فى امكنتها فانّ الجمود قد يستعمل فى الوقوف عن الحركة كما يستعمل مقابل السّيلان {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} اى تسير نحو سير السّحاب فى سرعة الحركة وقطع المسافة، وهذا يجوز ان يكون اشارة الى تجدّد الامثال بنحو الاتّصال ويكون الانعدام والانوجاد بنحو الاتّصال غير محسوس بالانظار كما انّ الدّائرة المحسوسة الحاصلة من الحركة التّوسّطيّة الّتى تكون للشّعلة الجوّالة غير موجودة فى نفس الامر ولكن بواسطة اتّصال الانعدامات والانوجادات ترى بالابصار دائرة؛ وعليه العرفاء الكاملون وبتلك الآية يستشهدون، ويجوز ان يكون اشارةً الى حركة الارض دون الشّمس؛ وعليه الطّبيعيّون من الافرنج وعليه بناء هيئتهم الجديدة، وان يكون اشارةً الى انحلال الابدان واغتذائها ببدل ما يتحلّل منها، وان يكون اشارةً الى تبدّل انانيّة النّفس بانانيّة الله وانانيّة العقل او تبدّل انانيّة العقل بانانيّة الشّيطان، وان يكون اشارة الى سير النّفوس الكاملة فانّ سيرهم يكون كلّ آنٍ الى عرش ربّهم، واليه اشار المولوىّ قدّس سرّه: شعر : سير زاهد هر مهى تا بيشكَاه سير عارف هر دمى تا تخت شاه تفسير : وان يكون اشارةً الى القيامة ووقت ان يكون الجبال كالعهن المنفوش فانّها حينئذٍ تكون فى الحركة السّريعة لا يدرك بالابصار حركتها لبعد اطرافها وعدم احاطة النّظر باطرافها لكن قوله تعالى {صُنْعَ ٱللَّهِ} فى مقام مدحه يدلّ على المعانى السّابقة {ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} بحيث لا يدرك ما فيه من الاوصاف ويدرك على خلاف ما له من الاوصاف {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تعليل لقوله: ترى الجبال تحسبها جامدةً؛ باعتبار لازم الحكم الّذى هو العلم برؤيتها وحسبانها كذلك او هو بمنزلة النّتيجة لقوله: اتقن كلّ شيءٍ فانّه اذا اتقن كلّ شيءٍ أتقن كلّ نفسٍ وتعلّقها ببدنها وتصرّفها فى حركاتها وسكناتها فهو خبير بما تفعلون من الخير والشّرّ وهو وعدٌ ووعيدٌ ولذلك عقّبه بقوله {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي: ساكنة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} وتكون الجبال كالعهن، أي: كالصوف المنفوش، وتكون كثيباً مهيلاً، وتُبَس بَسّاً كما يُبسُّ السويق، وتكون سَراباً، ثم تكون هباءً منبثّاً؛ فذلك حين تذهب من أصولها فلا يرى منها شيء، فتصير الأرض كلها مستوية. قوله: {صُنعَ اللهِ الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: أحكم كل شيء {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ}. قوله: {مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ} أي: بالإِيمان، وهو شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به حق من الله، وعمل صالحاً وعمل جميع الفرائض. {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} أي: فله منها خير، وهو الجنة. وفي الآية تقديم، أي: فله منها خير. قال: {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ}. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة على رجل يشهد ألا إله إلا الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ". تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: تنفخ النفخة الأولى وما يعبد الله يومئذ في الأرض. قوله: {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} أي: ألقوا في النار على وجوههم. ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من مات لا يشرك بالله شيئاً وعمل بفرائض الله دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار. تفسير : قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا، يقال لهم ذلك في الآخرة. قوله: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ} يعني مكة {الذِي حَرَّمَهَا} أي: إنما أمرت أن أعبد ربها الذي حرّمها {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ} أي: وأمرت أن أتلو القرآن {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ} أي: لا أستطيع أن أكرهكم عليه، أي: ليس عليّ إلا أن أنذركم.
اطفيش
تفسير : {وَتَرَى الجبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} تبصرها وقت النفخ تظنها واقفة مكانها لعظمها. {وَهَيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} تسير سيرا مثل سير المطر اذا ضربته الريح حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة ثم تصير كالعهن ثم تصير هباء منثورا فتصير الأرض كلها مستوية ويقال جمد الشيء أي سكن وروي ان الجبال تجتمع فتسير فاذا نظر اليها ناظر حسبها واقفة ثابتة في مكان واحد وهي تمر مرا حثيثا كما يمر السحاب وهكذا الاجرام المتكاثرة العدد اذا تحركت لا تتبين حركتها. {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} صنع مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله وعامله محذوف وجوبا وأضيف الفاعل ذلك العامل والأصل صنع الله ذلك صنعا والمضمون الجملة في يوم ينفخ في الصور تقدر هكذا أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين يوم ينفخ في الصور كان كذا وكذا وكذا فمعنى صنع الله أثابه والعقاب والاتقان أحكام الشيء فان مقابلة الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة من جملة اتقان الأشياء واحكامها فانه عليم بأفعال العباد ومجازيهم عليها كما لخص ذلك بقوله: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ، مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} الخ، وقرأ (يفعلون) بالتحتية ابن كثير وابو عمرو وهشام قيل: لا اله الا الله وقيل: الاخلاص في العمل وقيل: الحسنة كل طاعة قال الشيخ هود: الحسنة أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وانما جاء به حق من الله وعمل صالحا وعمل جميع الفرائض، والأول قول ابن عباس ومراده من جاء بها غير منقوصة بانكار نبي أو موت على كبيرة وهو نفس كلام الشيخ هود. وعن علي ابن الحسين كنت في بعض خلواتي فرفعت صوتي بلا اله إلا الله فسمعت قائلا يقول: انها الكلمة التي قال الله فيها من جاء بالحسنة وخير منها هو الجنة وخير اسم تفضيل ومن تفضيلية ومعنى كونها خيرا من إلا الله مع انه لا شيء أفضل منه انها نعم لا تحصى ولا تنقضي وقولك لا اله إلا الله النطق به واعتقاده والعمل بمقتضاه غير صعب بالنسبة اليها عند التوفيق وقيل: الذي هو خير منها رضوان الله وهو أفضل من كل شيء قيل: جزاء الأعمال الجنة وجزاء الايمان رضوان لله وقيل: معنى قوله (خير منها) انه يضاعف لها الثواب لأن الحسنة بشعر فاكثروا معنى كونها خيرا منها ان الجنة تدوم والعمل لا يدوم واما عمل الله وهو الاثابة بالجنة خير من عمل العبد وقيل الخير ما يرغب فيه وليس اسم تفضيل فمن سببية متعلقة له او ما تعلق به وله وانما علقته بله لنيابته عما يجوز التعليق به ويجوز كونها ابتدائية اي يحصل له الخير من جهتها وهو قول عن ابن عباس {وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} باضافة فزع ليوم وخفض اليوم بالاضافة وفتح اليوم فتح بتاء لاضافته لمبني وبتنوين فزع ونصب اليوم على الظرفية او فتحة للبناء فيعلق بآمنون قال ابن عمرو الداني: قرأ الكوفيون فزع بالتنوين والباقون بغير تنوين والكوفيون ونافع يومئذ بفتح الميم والباقون بكسرها. والمراد بالفزع الذي يأمنون منه الفزع الذي يصيب الشقاة من العذاب فلا ينافي {أية : ففزع من في السمٰوات ومن في الأرض }تفسير : فان الفزع الذي يصيب الانسان عند المشاهدة الأهوال فلا ينفك عنه احد والا من يتعدى بنفسه وبالجار وان قلت ما هذا الفزع الواحد في قراءة التنوين؟ قلت فزع خاص بمن هو شقي وهو فزع مفرط لا يوصف وقيل: خوف النار لعلمهم لانهم سعداء وربما أصابهم خوف لنسيان ذلك.
اطفيش
تفسير : {وتَرَى الجبال} بعينك عطف على ينفخ، داخل فى حيز التذكير {تحْسَبها جامدةً} ثابتة لا تتحرك، الجملة حال من ضمير ترى أو من الجبال {وهى تَمرُّ} بعد جمودها، لا فى حاله لأن المرور مزايل للجمود، والجملة الاسمية حال من ها {مرَّ السَّحاب} فى السرعة بريح حثيثة، واختار السحاب فى التشبيه لأنها طويلة متضامة، وما كذلك كالجبال لا تظهر حركته مجموعا لا لذهولهم للهول، حتى حسبوها جامدة، مع أنها تسير كما قال بعض، وذلك كقول نابغة الجعدى فى وصف جيش: شعر : باركين مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج تفسير : والحاج بتخفيف الجيم اسم جمع حاجة، وقيل شبهت بالسحاب لكون سير السحاب متوسطاً كقول الأعشى: شعر : كأن مشيتها من بيت جارتها مرُّ السحاب لا ريث ولا عجل تفسير : وفى الآية تلويح بتفتتها كتفتت السحابة، حتى تفنى، والآية فيما بعد البعث لقوله تعالى: "أية : ويسألونك عن الجبال"تفسير : [طه: 105] الى: "أية : يتبعون الداعى"تفسير : [طه: 108] وقوله تعالى: "أية : يوم تبدل الأرض"تفسير : [إبراهيم: 48] الى: "أية : وبرزوا لله الواحد القهار"تفسير : [إبراهيم: 48] لأن اتباع الداعى وهو إسرافيل، والبروز لله تعالى بعد البعث تصدع الجبال وتندك فى نفخة الموت وتسييرها، وتسوية الأرض حتى كأنها أرض أخرى، أو هى أخرى يكونان بع البعث، وقيل: الآية فى النفخة الأولى، فلا يكون الخطاب فى ترى له صلى الله عليه وسلم، بل لمطلق من يشاهد تلك الحالة، أو يرى صلى الله عليه وسلم الجبال فى حياته بعينه جامدة، ويوم القيامة تمر مرَّ السحاب، واليوم فى هؤلاء الآيات عبارة عن الزمان والمتسع لما ذكر فيهن، أو كما تقول جئته عام كذا، أو شهر كذا، والمراد فى بعضه، وذكر بعض أن تبديل الأرض مرتان: مرة قبل النفخة الأولى، ومرة بعد الثانية قال بعض إنها ترجف. {صُنْع الله} صنع الله ذلك صنعا، أى ذلك امر عظيم ابتدعه لا يقدر عليه غيره، وما بالك بفعل من لا يصدر منه إلا ما هو حكمة متقنة كما قال: {الَّذى أتْقن كلَ شىءٍ} قد خلقه، فحذف الفعل والمفعول، وأضاف المصدر الى الفاعل، وهو مصدر مؤكد لقوله: {وهى تمرُّ مرَّ السحاب} أو لقوله: "أية : ونفخ فى الصور"تفسير : [الكهف: 99] نحو: ابنى انت حقاً، وهو مؤكد لغيره، فان النفخ والمرور غير قوله: {صنع الله} لا مؤكد لنفسه نحو: له على ألف اعترافا، فان قولك: له على ألف، اعتراف بالألف، فقولك اعترافا نفس ذلك، ولا يصح أن يقال مؤكد لمحذوف ناصب ليوم، أى يوم ينفخ فى الصور، وكان كذا وكذا، أثاب الله المؤمنين، وعاقب الكافرين، لأن التأكيد أن يذكر شىء ويزداد ذكر ما يقويه، فالحذف ينافى التأكيد والاعتناء، وإذا ورد مصدر أو فعل لله تعالى أخذ له منه اسم فنقول: الله صانع، لكن هذا ورد فى حديث الطبرانى والحاكم: "حديث : اتقوا الله تعالى فان الله تعالى فاتح لكم وصانع"تفسير : إلا انه يحتمل أن يكون صانع فى الحديث بمعنى منعم. وورد: أنبتنا لكم فنقول: الله منبت، وما ورد مقيداً ولو بمقابلة استعمل كما، ورد نحو: "حديث : انتم تزرعونه أم نحن الزارعون"تفسير : وحديث: "حديث : يا صاحب كل نجوى وأنت الصاحب فى السفر"تفسير : وقيل: يستعمل مطلقاً، وأفعال المخلوق مخلوقة لله، فهى متقنة ولو قبيحة بالكفر أو بالطبع، لأن الحكمة اقتضتها {إنَّه خَبيرٌ بما تفْعَلون} تعليل جملى لكون النفخ وما بعده صنعاً محكما، لأنه يجرى على علمه بما تفعلونه من خير أو شر، جزاء واحتجاجا، والخطاب عام، وقيل: للكفار تهديداً لهم.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ } عطف على {أية : يُنفَخُ}تفسير : [النمل: 87] داخل في حكم التذكير؛ وترى من رؤية العين، وقوله تعالى: {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } أي ثابتة في أماكنها لا تتحرك حال من فاعل {تَرَى} أو من مفعوله، وجوز أن يكون بدلاً من سابقه، وقوله عز وجل. {وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } حال من ضمير {الجبال} في {تحسبها}، وجوز أن يكون حالاً من ضميرها في {جامدة} ومنعه أبو البقاء لاستلزامه أن تكون جامدة ومارة في وقت واحدة أي وترى الجبال رأي العين ساكنة والحال أنها تمر في الجور مر السحاب التي تسيرها الرياح سيراً حثيثاً، وذلك أن الأجرام المجتمعة المتكاثرة العدد على وجه الالتصاق إذا تحركت نحو سمت لا تكاد تبين حركتها، وعليه قول النابغة الجعدي في وصف جيش:شعر : بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج تفسير : وقيل: شبه مرها بمر السحاب في كونها تسير سيراً وسطاً كما قال الأعشى:شعر : كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحائب لا ريث ولا عجل تفسير : والمشهور في وجه الشبه السرعة وأن منشأ الحسبان المذكور ما سمعت، وقيل: إن حسبان الرائي إياها جامدة مع مرورها لهول ذلك اليوم فليس له ثبوت ذهن في الفكر في ذلك حتى يتحقق كونها جامدة وليس بذاك وقد أدمج في التشبيه المذكور تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما في قوله تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } تفسير : [القارعة: 5]. واختلف في وقت هذا، ففي «إرشاد العقل السليم» أنه مما يقع بعد النفخة الثانية - كالفزع المذكور - عند حشر الخلق يبدل الله تعالى شأنه الأرض غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ } تفسير : [طه: 105-108]، وقوله سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }تفسير : [إبراهيم: 48] فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل وبروز الخلق لله تعالى لا يكونان إلا بعد النفخة الثانية وقد قالوا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـٰهُمْ } تفسير : [الكهف: 47] إن صيغة الماضي في المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلاً للدلالة على تقدم الحشر على التسيير والرؤية كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك اهـ. وقال بعضهم إنه مما يقع عند النفخة الأولى وذلك أنه ترجف الأرض والجبال ثم تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجو ثم تسقط فتصير كثيباً مهيلاً ثم هباءً منبثاً، ويرشد إلى أن هذه الصيرورة مما لا يترتب على الرجفة ولا تعقبها بلا مهلة العطف بالواو دون الفاء في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً } تفسير : [المزمل: 14] والتعبير بالماضي في قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـٰهُمْ } تفسير : [الكهف: 47] لتحقق الوقوع كما مر آنفاً واليوم في قوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105] الآية، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [إبراهيم: 48] الخ يجوز أن يجعل اسماً للحين الواسع الذي يقع فيه ما يكون عند النفخة الأولى من النسف والتبديل وما يكون عند النفخة الثانية من اتباع الداعي والبروز لله تعالى الواحد القهار، وقد حمل اليوم على ما يسع ما يكون عند النفختين في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ } تفسير : [الحاقة: 13-15] {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ }تفسير : [الحاقة: 18] وهذا كما تقول جئته عام كذا وإنما مجيئك في وقت من أوقاته وقد ذهب غير واحد إلى أن تبديل الأرض كالبروز بعد النفخة الثانية لما في «صحيح مسلم» حديث : عن عائشة «قلت يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} [إبراهيم: 48] فأين يكون الناس [يومئذ]؟ قال على الصراط» تفسير : وجاء في غير خبر ما يدل على أنه قبل النفخة الأولى، وجمع صاحب «الإفصاح» بين الأخبار بأن التبديل يقع مرتين مرة قبل النفخة الأولى وأخرى بعد النفخة الثانية، وحكي في «البحر» أن أول الصفات ارتجاجها ثم صيرورتها كالعهن المنفوش ثم كالهباء بأن تتقطع بعد أن كانت كالعهن ثم نسفها بإرسال الرياح عليها ثم تطييرها بالريح في الجو كأنها غبار ثم كونها سراباً، وهذا كله على ما يقتضيه كلام السفاريني قبل النفخة الثانية، ومن تتبع الأخبار وجدها ظاهرة في ذلك، والآية هنا تحتمل كون الرؤية المذكورة فيها قبل النفخة الثانية وكونها قبلها فتأمل. {صُنْعَ ٱللَّهِ } الظاهر أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة وهي جملة الحال والعامل فيه ما دلت عليه من كون ذلك من صنعه تعالى فكأنه قيل: صنع الله تعالى ذلك صنعاً وهذا نحو له على ألف عرفاً ويسمى في اصطلاحهم المؤكد لنفسه وإلى هذا ذهب الزجاج وأبو البقاء. وقال بعض المحققين: مؤكد لمضمون ما قبله على أنه عبارة عما ذكر من النفخ في الصور وما ترتب عليه جميعاً قصد به التنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان بأنها ليست بطريق إخلال نظام العالم وإفساد أحوال الكائنات بالكلية من غير أن يكون فيه حكمة بل هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى المبنية على أساس الحكمة المستتبعة للغايات الجميلة التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادي الإبداع على الوجه المتين والنهج الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى: {ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } أي أتقن خلقه وسواه على ما تقتضيه الحكمة اهـ، وحسنه ظاهر. وقال الزمخشري هو من المصادر المؤكدة إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب لـِ {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ}تفسير : [النمل: 87] والمعنى ويوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت أثاب الله تعالى المحسنين وعاقب المجرمين ثم قال سبحانه: {صنع الله} يريد / عز وجل به الإثابة والمعاقبة إلى آخر ما قال، وهو يدل على أنه فرض اليوم ممتداً شاملاً لزمان النفختين وما بعدهما وجعل المصدر مؤكداً لهذا المحذوف المدلول عليه بالتفصيل في قوله تعالى الآتي: {أية : وَمَن جَاء}تفسير : [النمل: 89] {أية : وَمَن جَاء} تفسير : [النمل: 90 ] وباستدعاء {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ} تفسير : [النمل: 87] ناصباً وفرع عليه ما فرع وتعقبه أبو حيان بأن المصدر المؤكد لمضمون الجملة لا يجوز حذف جملته لأنه منصوب بفعل من لفظه فيجتمع حذف الفعل الناصب وحذف الجملة التي أكد مضمونها بالمصدر وذلك حذف كثير مخل ومن تتبع مساق هذه المصادر التي تؤكد مضمون الجملة وجد الجمل مصرحاً بها لم يرد الحذف في شيء منها إذ الأصل أن لا يحذف المؤكد إذ الحذف ينافي التأكيد لأنه من حيث أكد معتنى به ومن حيث حذف غير معتنى به، وكأن الداعي له إلى العدول عن الظاهر على ما قيل أن الصنع المتقن لا يناسب تسيير الجبال ظاهراً وأنت تعلم أن هذا على طرف الثمام نعم الأحسن جعله مؤكداً لمضمون ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده وجىء به للتنبيه على عظم شأن تلك الأفاعيل على ما سمعته عن بعض المحققين. وقيل هو منصوب على الإغراء بمعنى انظروا صنع الله وهو كما ترى. واستدل بالآية على جواز إطلاق الصانع على الله عز وجل وهو مبني على مذهب من يرى أن ورود الفعل كاف. واستدل بعضهم على الجواز المذكور بالخبر الصحيح «حديث : إن الله صانع كل صانع وصنعته»تفسير : وتعقب بأن الشرط أن لا يكون الوارد على جهة المقابلة نحو {أية : أأنتم تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزارِعُونَ }تفسير : [الواقعة: 64] خلافاً للحليمي على ما يقتضيه قوله يستحب لمن ألقى بذراً في أرض أن يقول الله تعالى الزارع والمنبت والمبلغ، وما في هذا الحديث من هذا القبيل وأيضاً ما في الخبر بالإضافة فلا يدل على جواز الخالي عنها ألا ترى أن حديث : قوله صلى الله عليه وسلم يا صاحب كل نجوى أنت الصاحب في السفر تفسير : لم يأخذوا منه أن الصاحب من غير قيد من أسمائه تعالى فكذا هو لا يؤخذ منه أن الصانع من غير قيد من أسمائه تعالى فتأمله، ونحو هذا الاستدلال بخبر مسلم «حديث : ليعزم في الدعاء فإن الله تعالى صانع ما شاء لا مكره له» تفسير : فإن ما فيه من قبيل المضاف أو المقيد والأولى الاستدلال بما صح في حديث الطبراني والحاكم «حديث : اتقوا الله تعالى فإن الله تعالى فاتح لكم وصانع»تفسير : ولا فرق بين المعرف والمنكر عند الفقهاء لأن تعريف المنكر لا يغير معناه ولذا يجوزون في تكبيرة الإحرام: الله الأكبر. واستدل القاضي عبد الجبار بعموم قوله سبحانه: {أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } على أن قبائح العبد ليست من خلقه سبحانه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة والإجماع مانع منه وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض لأن الإتقان بمعنى الإحكام وهو من أوصاف المركبات ولو سلم فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص ولو سلم فالإجماع المذكور ممنوع بل هي متقنة أيضاً بمعنى أن الحكمة اقتضتها. {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } جعله بعض المحققين تعليلاً لكون ما ذكر من النفخ في الصور وما بعده صنعاً محكماً له تعالى ببيان أن علمه تعالى بظواهر أفعال المكلفين وبواطنها مما يستدعي إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي عليه من الحسن والسوء وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم وتسيير الجبال حسبما نطق به التنزيل.
ابن عاشور
تفسير : الذي قاله جمهور المفسرين: إن الآية حكت حادثاً يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله {وترى الجبال تحسبها جامدة} عطفاً على {أية : ينفخ في الصور} تفسير : [النمل: 87] أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة الخ.. وجعلوا الرؤية بصرية، ومرّ السحاب تشبيهاً لتنقلها بمرّ السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصوداً منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله {أية : وتكون الجبال كالعهن المنفوش} تفسير : [القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله {ترى} لغير معين ليعم كل من يرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى {أية : ويوم نسير الجبال}تفسير : [الكهف: 47]. فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر لأن الآيات التي ورد فيها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها، فأجابوا بأنها تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله {أية : فقل ينسفها ربي نسفاً} تفسير : [طه: 105] إلى أن قال {أية : يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} تفسير : [طه: 108] لأن الداعي هو إسرافيل (وفيه أن للاتباع أحوالاً كثيرة، وللداعي معاني أيضاً). وقال بعض المفسرين: هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها. وكأنهم لم يجعلوا عطف {وترى الجبال} على {أية : ينفخ في الصور} تفسير : [النمل: 87] حتى يتسلط عليه عمل لفظ (يوم) بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف بها مع المعطوف عليه، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ثانياً. وجعل كلا الفريقين قوله {صنع الله} الخ مراداً به تهويل قدرة الله تعالى وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته، فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة صنع من معنى التركيب والإيجاد، فإن الإتقان إجادة، والهدم لا يحتاج إلى إتقان. وقال الماوردي: قيل هذا مثل ضربه الله، أي وليس بخبر. وفيما ضرب فيه المثل ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله التستري. الثاني: أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب، وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل للنفس عند خروج الروح، والروح تسير إلى العرش. وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة. ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة لأنه إن كان {الجبال} مشبهاً بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن كان لفظ {الجبال} مستعاراً لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير مصرح به ولا ضمنياً. وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذليل بقوله تعالى {صنع الله الذي أتقن كل شيء} فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله {أية : ففزع من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : [النمل: 87] إلى قوله {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون} تفسير : [النمل: 89] بأن يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجاً وجمعاً بين استدعاء للنظر، وبين الزواجر والنذر، كما صنع في جملة {أية : ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه}تفسير : [النمل: 86] الآية. أو هي معطوفة على جملة {أية : ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه}تفسير : [النمل: 86] الآية، وجملة {أية : ويوم ينفخ في الصور} تفسير : [النمل: 87] معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة. فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار، ويحسبون الأرض ساكنة. واهتدى بعض علماء اليونان إلى أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضي تقريباً وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية لأن الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر بواسطة الرياضي (غاليلي) الإيطالي. والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظملة دليلاً رمز إليه رمزاً، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزاً. وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال. ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركاً يحاكي دبيب النمل أشد وضوحاً للراصد، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والماء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنواء. ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى {أية : ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} تفسير : [النمل: 86] فجعل هنا بطريق الخطاب {وترى الجبال}. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تعليماً له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله {أية : ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه}تفسير : [النمل: 86] في هذا الخطاب، وادخاراً لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم عليه السلام على كيفية إحياء الموتى، اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك في وقته وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق بعلمه للناس مصلحة حنيئذ حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد أهل القرآن ذلك حقاً في كتابه فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابه. وهذا التأويل للآية هو الذي يساعد قوله {وترى الجبال} المقتضي أن الرائي يراها في هيئة الساكنة، وقوله {تحسبها جامدة} إذ هذا التأويل بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة. وقوله {وهي تمرّ} الذي هو بمعنى السير {مرّ السحاب} أي مرا واضحاً لكنه لا يبين من أول وهلة. وقوله بعد ذلك كله {صنع الله الذي أتقن كل شيء} المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام لأن خرم النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو نحو ذلك من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور. و{مر السحاب} مصدر مبين لنوع مرور الجبال، أي مروراً تنتقل به من جهة إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب إلى صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه. وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في قوله تعالى {أية : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة}تفسير : [الكهف: 47] فإن ذلك في وقت اختلال نظام العالم الأرضي. وانتصب قوله {صنع الله} على المصدرية مؤكداً لمضمون جملة {تمر مر السحاب} بتقدير: صنع الله ذلك صنعاً. وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك بهم ولا يشعرون. والجامدة: الساكنة، قاله ابن عباس. وفي «الكشاف»: الجامدة من جمد في مكانه إذا لم يبرح، يعني أنه جمود مجازي، كثر استعمال هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة والصنع. قال الراغب: إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعاً قال تعالى {أية : ويصنع الفلك}تفسير : [هود: 38] {أية : وعلمناه صنعة لبوس لكم}تفسير : [الأنبياء: 80] يقال للحاذق المجيد: صنع، وللحاذقة المجيدة: صنّاع. اهــــ. وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» واستدركه في «تاج العروس». قلت: وأما قولهم: بئس ما صنعت، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل فعلاً. حسناً ولم يتفطن لقبحه. فالصنع إذا أطلق انصرف للعمل الجيد النافع وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة. واعلم أن الصنع يطلق على العمل المتقن في الخير أو الشر قال تعالى {أية : تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر}تفسير : [طه: 69]، ووصف الله بــــ{الذي أتقن كل شيء} تعميم قصد به التذييل، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلاً لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع. وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من نوع الخرم والتفكيك. وجملة {إنه خبير بما تفعلون} تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله {الذي أتقن كل شيء} لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره. ثم جيء لتفصيل هذا بقوله {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها} تفسير : [النمل: 89] الآية فكان من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور، ومن جعلوا أمر الجبال من أحداث يوم الحشر جعلوا جملة {إنه خبير بما تفعلون} استئنافاً بيانياً لجواب سائل: فماذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي الله وتسيير الجبال، فأجيب جواباً إجمالياً بأن الله عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله {أية : من جاء بالحسنة فله خير منها..} تفسير : [النمل: 89] الآية. قرأ الجمهور {بما تفعلون} بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يفعلون} بياء الغائبين عائداً ضميره على {أية : من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : [النمل: 87].
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضاً أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على المعنى، بكونه هو الغالب في القرآن، لأن غلبته فيه، تدل على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما معاً آية النمل هذه. وإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} [النمل: 88] يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشاً: شعر : بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج تفسير : والنوعان المذكوران من أنواع البيان يبينان عدم صحة هذا القول. أما الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته، فهو أن قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ} معطوف على قوله: ففزع، وذلك المعطوف عليه مرتب بالفاء على قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [النمل: 87] الآية. أي ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات، وترى الجبال، فدلت هذه القرينة القرنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. وأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح، لأن جميع الآيات التي فيها حركه الجبال كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} تفسير : [الطور: 9ـ10] وقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } تفسير : [الكهف: 47] وقوله تعالى: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} تفسير : [النبأ: 20] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 3] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] جاء نحوه في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المومنون: 14] وقوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} تفسير : [الملك: 3] وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}. قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} تفسير : [هود: 5] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [هود:5].
د. أسعد حومد
تفسير : (88) - وَفي ذَلكَ اليومِ يَرَى النَّاسُ الجِبَالَ ويَحْسَبُونَها ثَابِتَةً في أَمَاكِنَها، وَلكنَّها تَزُولٌ عَنْ أَمَاكِنِها وتَتَحَرَّكُ كَمَا يَتَحرِّكُ السَّحَابُ، وهذا مِنْ فِعلِ اللهِ ذِي القُدْرَةِ العَظِيمَةِ الذي أَتْقَنَ صُنْعَ كُلِّ شَيءٍ خَلَقَهُ، وأَودَعَ فيهِ الحِكْمَةَ، وَهُوَ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُهُ عِبَادُهُ مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيهِ الجَزَاءَ الأََوْفَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ..} [النمل: 88] اي: تظنها ثابتة، وتحكم عليها بعدم الحركة؛ لذلك نسميها الرواسي والأوتاد {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ..} [النمل: 88] أي: ليس الأمر كما تظن؛ لأنها تتحرك وتمر كما يمرّ السحاب، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ولا تلاحظها لأنك تتحرك معها بنفس حركتها. وهَبْ أننا في هذا المجلس، أنتم أمامي وأنا أمامكم، وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا، أيتغير وضعنا وموقعنا بالنسبة لبعضنا؟ إذن: لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنتَ أنت خارج الشيء المتحرك، ألاَ ترى أنك حين تركب القطار مثلاً ترى أن أعمدة التليفون هي التي تجري وأنت ثابت. ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها الخَلْق يزيل الله عنهم هذا العجب، فيقول {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ..} [النمل: 88] يعني: لا تتعجب، فالمسألة من صُنع الله وهندسته وبديع خَلْقه، واختار هنا من صفاته تعالى: {ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ..} [النمل: 88] يعني: كل خَلْق عنده بحساب دقيق مُتقَن. البعض فهم الآية على أن مرَّ السحاب سيكون في الآخرة، واستدل بقوله تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}تفسير : [القارعة: 5]. وقد جانبه الصواب لأن معنى {أية : كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}تفسير : [القارعة: 5] أنها ستتفتت وتتناثر، لا أنها تمر، وتسير هذه واحدة، والأخرى أن الكلام هنا مبنيٌّ على الظن {تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ..} [النمل: 88] وليس في القيامة ظن؛ لأنها إذا قامتْ فكلُّ أحداثها مُتيقنةٌ. ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته، وليس له موتور يُحركِّه، إنما يُحرِّكه الهواء، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتيةٌ فيها، فلم نَرَ جبلاَ تحرَّك من مكانه، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض؛ لأنها أوتاد عليها، فحركة الوتد تابعة للموتود فيه. لذلك لما تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن الجبال قال: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ..}تفسير : [النحل: 15]. ولو خُلِقتْ الأرض على هيئة السُّكون ما احتاجتْ لما يُثبِّتها، فلا بُدَّ أنها مخلوقة على هيئة الحركة. في الماضي وقبل تطور العلم كانوا يعتقدون في المنجِّمين وعلماء الفلك الكفرة أنهم يعلمون الغيب، أما الآن وقد توصَّل العلماء إلى قوانين حركة الأرض وحركة الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية واستطاعوا حساب ذلك كله بدقة مكّنتهم من معرفة ظاهرة الخسوف والكسوف مثلاً ونوع كل منهما ووقته وفعلاً تحدث الظاهرة في نفس الوقت الذي حددوه لا تتخلف. واستطاعوا بحساب هذه الحركة أنْ يصعدوا إلى سطح القمر، وأن يُطلِقوا مركبات الفضاء ويُسيِّروها بدقة حتى إنَّ إحداها تلتحم بالأخرى في الفضاء الخارجي. كل هذه الظواهر لو لم تكن مبنية على حقائق مُتيقَّنة لأدتْ إلى نتائج خاطئة وتخلفتْ. ومن الأدلة التي تثبت صحة ما نميل إليه في معنى حركة الجبال، أن قوله تعالى {صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ..} [النمل: 88] امتنان من الله تعالى بصنعته، والله لا يمتنُّ بصنعته يوم القيامة، إنما الامتنان علينا الآن ونحن في الدنيا.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [الآية: 88]. قال: أَترص كل شيء، أَي أَحسن [و] أَبرم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} [الآية: 89]. قال: هي كلمة الإِخلاص. هي: لا إِله إِلا الله، {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} [الآية: 90]. قال: هو الشرك. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [الآية: 93]. قال: يعني في أَنفسكم، وفي السماءِ والأَرض والرزق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن البصري في قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} [الآية: 89]. قال: لا إِله إِلا الله، {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} [الآية: 90]. قال الشرك.
همام الصنعاني
تفسير : 2184- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله: {أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}: [الآية: 88]، قال: أحكم كل شيءٍ. 2185- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عمرو بن زيد، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله، وسُئِلَ عن الموجبتين، فقال: من لقي الله لا يشرك به دَخَلَ الجنَّةَ، ومن لقَي الله الهل به دخل النار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):