٢٧ - ٱلنَّمْل
27 - An-Naml (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما تكلم في علامات القيامة شرح بعد ذلك أحوال المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكون مطيعاً أو عاصياً، أما المطيع فهو الذي جاء بالحسنة وله أمران: أحدهما: أن له ما هو خير منها وذلك هو الثواب، فإن قيل الحسنة التي جاء العبد بها يدخل فيها معرفة الله تعالى والإخلاص في الطاعات والثواب، إنما هو الأكل والشرب فكيف يجوز أن يقال الأكل والشرب خير من معرفة الله جوابه من جوابه: أحدها: أن ثواب المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا هي المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، وقد دلت الدلائل على أن أشرف السعادات هي هذه اللذة، ولو لم تحمل الآية على ذلك لزم أن يكون الأكل والشرب خيراً من معرفة الله تعالى وأنه باطل وثانيها: أن الثواب خير من العمل من حيث إن الثواب دائم والعمل منقضي ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله تعالى وثالثها: {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة. السؤال الثاني: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم بل يكفي في تحققها حصول فرد، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً وأعلاها درجة وهو الإيمان، فلهذا قال ابن عباس من أفراد الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأن لا يعاقب أهل الإيمان وجوابه: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً الأمر الثاني: للمطيع هو أنهم آمنون من كل فزع، لا كما قال بعضهم إن أهوال القيامة تعم المؤمن والكافر، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في أول الآية: { أية : فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 87] فكيف نفى الفزع ههنا؟ جوابه: أن الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس لشدة تقع وهو يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه كما قيل، يدخل الرجل بصدر هياب وقلب وجاب، وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة، وأما الثاني فالخوف من العذاب. أما قراءة من قرأ من فزع بالتنوين فهي تحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأما ما يلحق الإنسان من الهيبة والرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد، وفي الأخبار ما يدل عليه، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف، وهو خوف النار وأمن يعدي بالجار وبنفسه كقوله تعالى: { أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 99] فهذا شرح حال المطيعين، أما شرح حال العصاة فهو قوله: {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } قيل السيئة الإشراك وقوله: {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } فاعلم أنه يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل فكبوا في النار كقوله: { أية : فَكُبْكِبُواْ } تفسير : [الشعراء: 94] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذاناً بأنهم يلقون على وجوههم فيها (مكبوبين). أما قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجوز فيه الالتفات، وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ } أي لا إلٰه إلا الله، يوم القيامة {فَلَهُ خَيْرٌ } ثواب {مِّنْهَا } أي بسببها وليس للتفضيل، إذ لا فعل خير منها. وفي آية أخرى«أية : عَشْرُ أَمْثَالِهَا »تفسير : [160:6] {وَهُمْ } أي الذين جاءوا بها {مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ } بالإضافة وكسر الميم وفتحها، و فزعٍ منوّناً وفتح الميم {ءَامِنُونَ}.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَسَنَةِ} أداء الفرائض كلها، أو التوحيد والإخلاص. {خَيْرٌ مِّنْهَا} الجنة، أو أفضل: بالحسنة عشر، أو فله منها خير الثواب العائد عليه "ع" {مِّن فَزَعٍ} القيامة. {ءَامِنُونَ} في الجنة، أو من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة.
النسفي
تفسير : {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ } أي بقول لا إله إلا الله عند الجمهور {فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } أي فله خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وعلى هذا لا يكون {خير} بمعنى أفضل ويكون {منها} في موضع رفع صفة لـــــ {خير} أي بسببها {وَهُمْ مّن فَزَعٍ } كوفي أي من فزع شديد مفرط الشدة وهو خوف النار أو من فزع ما وإن قل، وبغير تنوين غيرهم {يَوْمَئِذٍ } كوفي ومدني، وبكسر الميم غيرهم والمراد يوم القيامة {ءامِنُونَ } «أمن» يعدى بالجار وبنفسه كقوله {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 99] {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } بالشرك {فَكُبَّتْ } ألقيت {وُجُوهُهْم فِى ٱلنَّارِ } يقال كببت الرجل ألقيته على وجهه أي ألقوا على رؤوسهم في النار، أو عبر عن الجملة بالوجه كما يعبر بالرأس والرقبة عنها أي ألقوا في النار ويقال لهم تبكيتاً عند الكب {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الشرك والمعاصي
ابن عادل
تفسير : قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} في "خَيْر" وجهان: أحدهما: أنها للتفصيل باعتبار زعمهم، أو على حذف مضاف، أي: خير من قدرها واستحقاقها "مِنْهَا" في محل نصب، وألا يكون للتفصيل، فيكون (مِنْهَا) في موضع رفع صفة لها. قوله {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} قرأ أهل الكوفة "مِنْ فَزَع" بالتنوين، "يَوْمَئِذٍ" بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة، لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من "يومَئذ" وتقدم في هود فتح "يَوْم" وجره و "إِذْ" مضافة للجملة حذفت وعوض عنها التنوين، والأحسن أن تقدر يومئذ جاء بالحسنة، وقيل: يومئذ ترى الجبال، وقيل: يومئذ ينفخ في الصور، والأولى أولى، لقرب ما قدر منه. فصل لما تكلم في علامات القيامة شرح - بعد ذلك - أحوال المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكوم مطيعاً أو عاصياً، أما (المطيع، فهو) الذي جاء بالحسنة وهي كلمة الإخلاص قال أبو معشر يحلف ما استثنى: إنّ الحسنة لا إله إلا الله وقيل: كل طاعة. {فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}، قال ابن عباس: يعني له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو: الأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فإنه ليس شيء خيراً من قوله لا إله إلا الله، وقيل: خير منها يعني رضوان الله، قال تعالى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة: 72]، وقال محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد: خير منها يعني الأضعاف، أعطاه الله بالواحدة عشراً، فصاعداً، وهذا حسن، لأن للأضعاف خصائص وقيل: إن الثواب خير من العمل، لأن الثواب دائم والعمل منقض، ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله. {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} أي: آمنون من كل فزع، فإن قيل: أليس قال - في أول الآية - {أية : فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضَ}تفسير : [النمل: 87]؟ فكيف نفى الفزع هاهنا؟ فالجواب: أن الفزع الأول ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع أو هول يفجأ، وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه، وأما الثاني: فهو الخوف من العذاب. وأما من قرأ "مِنْ فَزَع" بالتنوين، فهو محتمل معنيين: من فزع واحد، وهو خوف العذاب، وإما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدته، فلا ينفك عنه أحد. فإن قيل: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم، بل يكفي في تحققها حصول فرد من أفرادها، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً، وأعلاها درجة وهو الإيمان، ولهذا قال ابن عباس: الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأنه لا يعاقب أهل الإيمان، فالجواب: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً. و"أمن" يتعدى بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأعراف: 99]. قوله: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} يعني الإشراك {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ}، يجوز أن يكون ذكر الوجه إيذاناً بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكبين، يقال: كببت الرجل إذا ألقيته على وجهه فأكب وانكب. قوله: "هَلْ تُجْزُوْنَ" على إضمار قول، وهذا القول حال مما قبله، أي كُبَّتْ وجوههم مقولاً لهم ذلك القول.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر"حديث : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {من جاء بالحسنة فله خير منها} قال: هي لا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} قال: هي الشرك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين قال {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} قال: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقي الله يشرك به دخل النار . تفسير : وأخرج الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا كان يوم القيامة جاء الايمان والشرك يجثوان بين يدي الرب فيقول الله للإِيمان: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة. ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {من جاء بالحسنة فله خير منها} يعني: قول لا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة} الشرك {فكبت وجوههم في النار} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجيء الاخلاص والشرك يوم القيامة، فيجثوان بين يدي الرب فيقول الرب للاخلاص: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ثم يقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا هذه الآية {من جاء بالحسنة} بشهادة أن لا إله إلا الله {فله خير منها} يعني: بالخير الجنة {ومن جاء بالسيئة} بالشرك {فكبت وجوههم في النار} ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله {من جاء بالحسنة فله خير منها} يعني بها شهادة أن لا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة} يعني بها الشرك يقال: هذه تنجي. وهذه تردي. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود {من جاء بالحسنة} قال: بلا إله إلا الله {ومن جاء بالسيئة} قال: بالشرك. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قال: كان حذيفة جالساً في حلقة فقال: ما تقولون في هذه الآية {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} فقالوا: نعم يا حذيفة من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها. فأخذ كفا من حصى يضرب به الأرض وقال: تباً لكم. وكان حديداً وقال: من جاء بلا إله إلا الله وجبت له الجنة، ومن جاء بالشرك وجبت له النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس {من جاء بالحسنة} قال: بلا إله إلا الله {فله خير منها} قال: فمنها وصل إلى الخير {ومن جاء بالسيئة} قال: الشرك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {من جاء بالحسنة} قال: لا إله إلا الله {من جاء بالسيئة} قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم وأبي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة ومجاهد. ومثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فله خير منها} قال: ثواب. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {من جاء بالحسنة} قال شهادة أن لا إله إلا الله {فله خير منها} قال يعطي به الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثمن الجنة لا إله إلا الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن زرعة بن إبراهيم {من جاء بالحسنة} قال: لا إله إلا الله {فله خير منها} قال: لا إله إلا الله خير. ليس شيء أخير من لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {وهم من فزع يومئذ آمنون} ينون فزع وينصب يومئذ.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا} بـيانٌ لما أُشير إليه بإحاطةِ علمِه تعالى بأفعالِهم من ترتيبِ أجزيتِها عليها أي مَن جاءَ منكُم أو من أولئكَ الذين أتَوه تعالى بالحسنة فله من الجزاءِ ما هو خيرٌ منها إمَّا باعتبارِ أنَّه أضعافُها وإمَّا باعتبارِ دوامِه وانقضائِها. وقيلَ فلُه خيرٌ حاصلٌ من جهتِها وهو الجنَّةُ. وعن ابنِ عَّباسٍ رضي الله عنهما: الحسنةُ كلمةُ الشَّهادةِ {وَهُمْ} أي الذينَ جاءوا بالحسناتِ {مّن فَزَعٍ} أي عظيمٍ هائلٍ لا يُقادر قَدرُه وهو الفزعُ الحاصِلُ من مشاهدة العذابِ بعد تمامِ المُحاسبةِ وظهورِ الحَسَنات والسيئاتِ وهُو الذي في قولِه تعالى: { أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [سورة الأنبياء: الآية 103] وعن الحَسَنِ رحَمهُ الله تعالى حينَ يُؤمر بالعبدِ إلى النَّارِ. وقالَ ابنُ جريجٍ: حينَ يذُبح الموتُ ويُنادِي المنادي: يا أهلَ الحنَّةِ خلودٌ فلا موتَ ويا أهلَ النَّارِ خلودٌ فلا موتَ. {يَوْمَئِذٍ} أي يومِ إذْ يُنفخ في الصُّور {ءامِنُونَ} لا يعتريهم ذلكَ الفزعُ الهائلُ ولا يلحقهم ضررُه أصلاً، وأما الفزعُ الذي يعتري كلَّ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ غيرَ مَنِ استثناه الله تعالى فإنَّما هو التَّهيبُ والرُّعبُ الحاصلُ في ابتداءِ النَّفخةِ من معاينةِ فنونِ الدَّواهي والأهوالِ، ولا يكادُ يخلُو منه أحدٌ بحكم الجبلَّةِ وإنْ كان آمِناً من لُحوق الضَّررِ. والأمنُ يُستعمل بالجارِّ وبدونِه كما في قولِه تعالى: { أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 99] وقُرىء من فزعِ يومئذٍ يالإضافةِ مع كسر الميم وفتحِها أيضاً والمرادُ هو الفزعُ المذكورُ في القراءةِ الأُولى لا جميعُ الأفزاعِ الحاصلةِ يومئذٍ. ومدارُ الإضافةِ كونُه أعظمَ الأفزاعِ وأكبرُها كأنَّ ما عداهْ ليس بفزعٍ بالنسبةِ إليهِ. {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ} قيل هو الشركُ {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ} أي كُبُّوا فيها على وجوهِهم منكوسين أو كُبَّت فيها أنفسُهم على طريقةِ { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 195] {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} على الالتفاتِ للتَّشديدِ أو على إضمارِ القولِ أي مقولاً لهم ذلك.
القشيري
تفسير : يحتمل أن يكون {خَيْرٌ} ها هنا للمبالغة؛ لأن الذي له في الآخرةِ من الثوابِ خيرٌ مِمَّا منه من القُرَب: ويحتمل فله نصيب خيرٌ أو عاقبة خيرٌ أو ثواب خيرٌ منها. وهم آمنون مِنْ فَزَعِ القيامة. ومن جاء بالسيئة: فكما أن حالَهم اليوم من المطيعين بالعكس فَحُكْمُهم غَداً في الآخرة بالضدِّ.
الجنابذي
تفسير : {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} الى العشرة الى ما شاء الله، اوله خيرٌ ناشٍ من تلك الحسنة {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} والمراد بالحسنة الجنس او الحسنة المعهودة الّتى هى ولاية علىٍّ (ع) الحاصلة للانسان بالبيعة الخاصّة الولويّة وبالتّوبة والتّلقين فانّه اذا لم يبايع الانسان مع ولىّ امره لم يحصل له لبّ كما اذا لم يؤبّر النّخلة لم يحصل لها ثمرٌ، واذا حصل له لبٌّ بالولاية ولم يستر فعليّته الحاصلة بالولاية بأغشية الأهوية والآمال يكون آمناً من جميع ما يفزع غيره يوم القيامة وهذا هو المراد بقرينة قرينه الّذى هو قوله تعالى {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ}.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ قال: حَدَّثَنا إسْماعِيْلُ بنُ أَبانٍ، عن فُضَيْلِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَن أَبِي دَاوُدَ السَّبِيْعِيِّ، عن: أَبِي عَبْدِ الله الجَدَلِيِّ، قالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يا أَبا عَبْدِ الله أَلاَ أُنَبِّئُكَ بِالْحَسَنَةِ الَّتِي مَنْ جَاءَ بِها أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ وَفَعَلَ بِهِ (وَفَعَلَ). وَالسَّيِّئَةِ الَّتِي مَنْ جَاءَ بِها أُكَبَّهُ الله في النَّارِ، وَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ مَعَهَا عَمَلٌ؟! قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، يا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ! فَقَالَ: اَلْحَسَنَةُ حُبُّنا، وَالسَّيِّئَةُ بُغْضُنا. [فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا: أَيْ فَلَهُ مِنْ هذِهِ الْحَسَنَةِ خَيْرٌ، يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَهُوَ الثُّوابُ والأَمْنُ]. {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}
فرات الكوفي
تفسير : [قال حدثنا. ب] فرات [بن إِبراهيم الكوفي. أ، ب. قال: حديث : حدثنا. ر. محمد بن أحمد. أ، ر] معنعناً: عن علي [عليه السلام. أ، ب] في قوله [تعالى. ر]: {وهم من فزع يومئذ آمنون} قال: فقال لي علي [عليه السلام. ب]: بلى يا أصبغ ما سألني أحد عن هذه الآية ولقد سألت رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم كما سألتني فقال لي: [قد. أ، ب] سألت جبرئيل [عليه السلام. ر] عنها فقال: يا محمد إذا كان يوم القيامة حشرك الله [أنت. أ، ب] وأهل بيتك ومن يتولاك وشيعتك حتى يقفوا بين يدي الله [تعالى. ر] فيستر الله عوراتهم ويؤمنهم [من ر، ب] الفزع الأكبر بحبهم لك ولأهل [ر: أهل] بيتك ولعلي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب]! يا علي شيعتك فوالله آمنون فرحون يشفعون فيُشفعون. ثم قرأ [قوله. أ، ب]: {فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} تفسير : [101/ المؤمنون]. قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: حديث : عن الأصبغ بن نباتة عن [ب: قال: سألت] علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {وهم من فزع يومئذٍ آمنون} قال: فقال: يا أصبغ ما سألني أحدٌ عن هذه الآية ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [عنها. ر] كما سألتني فقال لي: سألت جبرئيل عنها فقال: يا محمد إذا كان يوم القيامة حشرك الله أنت وأهل بيتك ومن يتولاك وشيعتك حتى يقفوا بين يدي الله فيستر [الله. ر، أ] عوراتهم ويؤمنهم من [ر:عن] الفزع الأكبر بحبهم لك ولأهل بيتك ولعلي بن أبي طالب. قال: جبرئيل [عليه السلام. أ، ر] أخبرني فقال: [يا. ر، أ] محمد من اصطنع إلى [أحدٍ من. ر، أ] أهل بيتي معروفاً كافيته يوم القيامة. يا علي شيعتك والله آمنون فرحون [ر، أ: يرجون] فيَشفعون فيُشفعون [ب، ر: ويشفعون] ثم قرأ: {فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} . تفسير : [فرات بن إِبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري [قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر القصباني عن الربيع بن محمد بن عمرو بن حسان المسلي الأصم عن فضيل (بن الزبير) الرسان عن أبي داود السبيعي: قال: أخبرني، ش. ن: عن] أبي [ر، ش: أبو] عبد الله الجدلي: عن [أمير المؤمنين. ن. ش: علي.عليه السلام. ب] قال: قال لي يا أبا عبد الله ألا أخبرك بالحسنة التي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة؟ [قلت: بلى. قال. ب] حبنا أهل البيت [ثم قال. ب]: ألا أخبرك بالسيئة التي من جاء بها أكبه الله [تعالى. أ، ر] على وجهه في نار جهنم؟. [قلت: بلى. قال. ب] بغضنا أهل البيت. ثم تلا أمير المؤمنين [صلوات الله عليه. أ، ب]: {من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {من جاء بالحسنة} من أتى القيامة بحسنات عملها وحفظها، يعني جميع الطاعات {فله خير منها} يعني خير من الحسنة وهو الأمان من العذاب والفوز بالثواب، وقيل: هو الأضعاف فله عشر أمثالها، وعن ابن عباس: قول لا إله إلاَّ الله {وهم من فزع يومئذ آمنون}، قيل: هو اطباق باب النار على أهلها يفزعون فزعة عظيمة وأهل الجنة آمنون، وقيل: من كل فزع في القيامة {ومن جاء بالسيئة} بالشرك والمعاصي {فكبّت وجوههم في النار} يعني يلقون على وجوههم في النار، ويقال لهم على وجه التوبيخ والذم: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}، قوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة} مكة {الذي حرّمها} الله تعالى واختصّها من بين سائر البلاد بإضافة إسمه إليها لأنها أحب بلدة إليه وأكرمها عليه وأعظمها عنده، وهكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين خرج في مهاجرة الحرورة فلما بلغ الحروة فاستقبلها بوجهه الكريم فقال: "حديث : إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"تفسير : ، ووصفها بأنها محرمة لا يهتك حرمتها إلا ظالم، وقيل: إن الله تعالى حرم الاستحقار بها وأوجب التعظيم لها، قوله تعالى: {وله كل شيء} خلقاً وملكاً {وأمرت أن أكون من المسلمين} {وأن أتلو القرآن} أي أقرأ عليهم القرآن {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لأن نفعه يعود عليه {ومن ضل} يعني ضل عن الدين {فقل إنما أنا من المنذرين} يعني ليس علينا إلا الاعلام {وقل} يا محمد {الحمد لله} على نعمه {سيريكم آياته}، قيل: أشراط الساعة، وقيل: سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة والإِقرار بأنها آيات الله وذلك حين لا تنفعهم المعرفة في الآخرة، وقيل: ما نزل بهم يوم بدر {فتعرفونها} حينئذٍ {وما ربك بغافل} أي لا يخفى عليه شيء {عما تعملون} فيجازيهم على ذلك.
اطفيش
تفسير : {من جاء بالحَسَنة} جاء الى الله عز وجل بها بالموت عليها غير مبطل لها فى حياته باصرار على ذنب، وجاء فى الحديث أنها شهادة أن لا إله إلا الله، والمجئ بها أن يجئ بمضمونها من اداء الفرائض، وعدم الاصرار، فمن كفر برسول، أو لم يؤد فريضة، أو أصر ولو على صغيرة، ولم يصدق أنه جاء بها، بل أبطلها، وقيل: الحسنة على عمومها بشرط عدم الابطال {فلهُ خيرٌ منها} بالعدد، وهو تسع معها فصاعدا الى سبعمائة فصاعدا، ويدل لذلك قوله تعالى:" أية : فله عشر أمثالها"تفسير : [الأنعام: 160] الخ، وخير اسم تفضيل، ومن تفضيلية، وقيل خير بمعنى نفع وثواب ومنها نعت، ومن للابتداء، أى ثواب حاصل منها. {وهُم} عائد الى من مراعاة لمعناها مع مراعاة لفظها {مِن فَزَع يَومئذٍ} إذ جئ بالحسنة، أو إذ نفخ فى الصور متعلق بقوله: {آمنُونَ} قدم للفاصلة، ولطريق الاهتمام، وفتح يوم مع إضافة فزع اليه، لأنه بنى لاضافته الى مبنى، قيل إضافة الفزع لليوم لعموم إفزاع اليوم، وقيل: المراد الفزع الأكبر، وهو الصحيح، لأن افزاع اليوم يصيب المؤمن والكافر، والفزع الأكبر ما يحصل للكافر من مشاهدة العذاب بعد تمام الحساب، أو حين يؤمر به الى النار أو حين يصور الموت كبشاً، وينادى اهل المحشر، ويذبح بمنظرهم: يا أهل النار خلود لا موت، ويا أهل الجنة خلود لا موت، أو حين تطبق جهنَّم على أهلها.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } بياناً لما أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها. وقال العلامة الطيبـي قوله تعالى {إن الله} إلخ استئناف وقع جواباً لقول من يسأل فماذا يكون بعد هذه القوارع فقيل إن الله خبير بعمل العاملين فيجازيهم على أعمالهم وفصل ذلك بقوله سبحانه {من جاء} الخ. والخطاب في {أية : تَفْعَلُونَ } تفسير : [النمل: 88] لجميع المكلفين وقرأ العربيان وابن كثير {يَفْعَلُونَ } بياء الغيبة، والمراد بالحسنة على ما روي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن / والنخعي وأبـي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة شهادة أن لا إله إلا الله. وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبـي هريرة وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم فسرها بذلك والمراد بهذه الشهادة التوحيد المقبول وقيل المراد بالحسنة ما يتحقق بما ذكر وغيره من الحسنات وهو الظاهر، نظراً إلى أن اللام حقيقة في الجنس. وقال بعضهم: الظاهر الأول، لأن الظاهر حمل المطلق على الكامل وأكمل جنس الحسنة التوحيد ولو أريد العموم لكان الظاهر الإتيان بالنكرة، ويكفي في ترجيح الأول ذهاب أكثر السلف إليه وإذا صح الحديث فيه لا يكاد يعدل عنه. وكان النخعي يحلف على ذلك ولا يستثني، والظاهر أن خيراً للتفضيل وفضل الجزاء على الحسنة كائنة ما كانت. قيل باعتبار الأضعاف أو باعتبار الدوام. وزعم بعضهم أن الكلام بتقدير مضاف أي خير من قدرها وهو كما ترى. وقال بعض الأجلة ثواب المعرفة النظرية والتوحيد الحاصل في الدنيا هي المعرفة الضرورية على أكمل الوجوه في الآخرة والنظر إلى وجهه الكريم جل جلاله وذلك أشرف السعادات. وقيل إن خيراً ليس للتفضيل و(من) لابتداء الغاية أي فله خير من الخيور مبدؤه ومنشؤه منها أي من جهة الحسنة. وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن جريج وعكرمة. {وَهُمْ } أي الذين جاءوا بالحسنة {مّن فَزَعٍ } أي فزع عظيم هائل لا يقادر قدره {يَوْمَئِذٍ } ظرف منصوب بقوله تعالى: {ءامِنُونَ } وبه أيضاً يتعلق {مّن فَزَعٍ } والأمن يستعمل بالجار وبدونه كما في قوله: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأعراف: 99]، وجوز أن يكون الظرف منصوباً بفزع وأن يكون منصوباً بمحذوف وقع صفة له أي من فزع كائن في ذلك الوقت، وقرأ العربيان وابن كثير وإسماعيل بن جعفر، عن نافع (فزع يومئذٍ) بإضافة فزع إلى يوم، وكسر ميم يوم، وقرأ نافع في غير رواية إسماعيل كذلك إلا أنه فتح الميم فتح بناء لإضافة يوم إلى غير متمكن وتنوين إذ للتعويض عن جملة، والأولى على ما في «البحر» أن تكون الجملة المحذوفة المعوض هو عنها ما قرب من الظرف أي يوم إذا جاء بالحسنة، وجوز أن يكون التقدير يوم إذ ينفخ في الصور لا سيما إذا أريد بذلك النفخ النفخة الثانية، واقتصر عليه شيخ الإسلام، وفسر الفزع بالفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهور الحسنات والسيئات وهو الذي في قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ }تفسير : [الأنبياء: 103] وحكي عن الحسن أن ذاك حين يؤمر بالعبد إلى النار، وعن ابن جريج أنه حين يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت وهو كذلك في قراءة التنوين وقراءة الإضافة ولا يراد به في القراءة الثانية جميع الأفزاع الحاصلة يومئذٍ، ومدار الإضافة كون ذلك أعظم الأفزاع وأكبرها كأن ما عداه ليس بفزع بالنسبة إليه وقال تبعاً لغيره إن الفزع المدلول عليه بقوله تعالى: {أية : فَفَزِعَ }تفسير : [النمل: 87] الخ ليس إلا التهيب والرعب الحاصل في ابتداء الإحساس بالشيء الهائل ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة وإن كان آمناً من لحاق الضرر به. وقال أبو علي: يجوز أن يراد بالفزع في القراءتين فزع واحد وأن يراد به الكثرة لأنه مصدر فإن أريد الكثرة شمل كل فزع يكون في القيامة وإن أريد الواحد فهو الذي أشير إليه بقوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تتمة للكلام في الآية.
ابن عاشور
تفسير : {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ * وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ}. هذه الجملة بيان ناشىء عن قوله {أية : ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله}تفسير : [النمل: 87] لأن الفزع مقتضٍ الحشر والحضور للحساب. و(من) في كلتا الجملتين شرطية. والمجيء مستعمل في حقيقته. والباء في {بالحسنة} و{بالسيئة} للمصاحبة المجازية، ومعناها: أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة. وليس هذا كقوله {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} تفسير : في آخر الأنعام (160). فالمعنى هنا: من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة، فالمجيء ناظر إلى قوله {أية : وكل أتوه داخرين}تفسير : [النمل: 87] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل أفراده في المقام الخطابي، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله {وهم من فزع يومئذ ءامنون}، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه، كما اقتضاه قوله {فكبت وجوههم في النار}. و{خير منها} اسم تفضيل اتصلت به (من) التفضيلية، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى {أية : فله عشر أمثالها}تفسير : [الأنعام: 160] أو خير منها شرفاً لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء الله. وقوله {وهم من فزع يومئذ ءامنون} تبيين قوله آنفاً {أية : إلا من شاء الله} تفسير : [النمل: 87]. وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم. وكذلك قوله {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار}، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء. وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب. وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلاً أو بالآخارة، وأن السيئة لها أثرها السيء بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها {أية : فلا تظلم نفس شيئاً}تفسير : [الأنبياء: 47]. وقرأ الجمهور {من فزع يومئذ} بإضافة {فزع} إلى (يوم) من {يومئذ} وإضافة (يوم) إلى {إذ} ففتحة (يوم) فتحة بناء، لأنه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن فــــ{فزع} معرف بالإضافة إلى (يوم) و(يوم) معرف بالإضافة إلى (إذ) و(إذ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض. والتقدير: من فزع يوم إذ يأتون ربهم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين {فزع}، و{يومئذ} منصوباً على المفعول فيه فيه متعلقاً بــــ{آمنون}. والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله {أية : ففزع من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : [النمل: 87] فلما كان معيناً استوى تعريفه وتنكيره. فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد. والكب: جعل ظاهر الشيء إلى الأرض. وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض عند الكب كقول امرىء القيس:شعر : يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل تفسير : وهذا من قبيل قوله تعالى {أية : سحروا أعين الناس}تفسير : [الأعراف: 116] وقوله {أية : ولما سقط في أيديهم}تفسير : [الأعراف: 149] وقول الأعشى:شعر : وأقدِمْ إذا ما أعين الناس تفرق تفسير : {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. تذييل للزواجر المتقدمة، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب. وذكر ضمائرها ابتداء من قوله {أية : إنك لا تسمع الموتى} تفسير : [النمل: 80] وما بعده من الآيات إلى هنا. ومقتضى الظاهر أن يقال: هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة. ويجوز أن تكون مقولاً لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ، أي لا يقال لكل فريق: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}. والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء. وورود {هل} لمعنى النفي أثبته في «مغني اللبيب» استعمالاً تاسعاً قال: «أن يراد بالاستفهام بها النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها (إلا) نحو {أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} تفسير : [الرحمن: 60]. والباء في قوله:شعر : ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم تفسير : وقال في آخر كلامه: إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي. وهذا تنفرد به {هل} دون الهمزة. قال الدماميني في «الحواشي الهندية» قوله: يراد بالاستفهام بـــ{هل} النفي يشعر بأن ثمة استفهاماً لكنه مجازي لا حقيقي اه. وأقول: هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد:شعر : وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر تفسير : وقول النابغة:شعر : وهل عليّ بأن أخشاك من عار تفسير : حيث جاء بـ(من) التي تدخل على النكرة في سياق النفي لقصد التنصيص على العموم وشواهده كثيرة. ولعل أصل ذلك أنه استفهام عن النفي لقصد التقرير بالنفي. والتقدير: هل لا تجزون إلا ما كنتم تعملون، فلما اقترن به الاستثناء غالباً والحرف الزائد في النفي في بعض المواضع حذفوا النافي وأشربوا حرف الاستفهام معنى النفي اعتماداً على القرينة فصار مفاد الكلام نفياً وانسلخت (هل) عن الاستفهام فصارت مفيدة النفي. وقد أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى {أية : هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}تفسير : في الأعراف (147).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}. اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات. الأول حسنة: هي فعل خير من أفعال العبد، كالإنفاق في سبيل الله، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة الله، ونحوه ذلك ومعنى قوله تعالى: {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات، أن الثواب مضاعف، فهو خير من نفس العمل، لأن من أنفق درهماً واحداً في سبيل الله فأعطاه الله ثواب سبعمائة درهم فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلاً، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد، وهذا لا إشكال فيه كما ترى. وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160] ومعلوم أن عشر أمثال الحسنة خير منها، هي وحدها وكقوله تعالى: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} تفسير : [النساء: 40] وقوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 261] الآية. وأما النوع الثاني من الحسنة: فكقول من قال من أهل العلم: إن المراد بالحسنة في هذه الآية: لا إله إلا الله، ولا يوجد شيء خير من لا إله إلا الله. بل هي أساس الخير كله، والذي يظهر على هذا المعنى أن لفظة خير ليست صيغة تفضيل. وأن المعنى فله خير عظيم عند الله حاصل له منها: أي من قبلها ومن أجلها وعليه فلفظة من في الآية كقوله تعالى: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25] أي من أجل خطيآتهم أغرقوا، فأدخلوا ناراً. وأما على الأول فخير صيغة تفضيل، ويحتمل عندي. أن لفظة خير على الوجه الثاني صيغة تفضيل أيضاً، ولا يراد بها تفضيل شيء على لا إله إلا الله، بل المراد أن كلمة لا إله إلا الله تعبد بها العبد في دار الدنيا، وتعبده بها فعله المحض، وقد أثابه الله في الآخرة على تعبده بها، وإثابة فعله جل وعلا، ولا شك أن فعل الله خير من فعل عبده، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}. دلت على معناه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في أمنهم من الفزع {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [الأنبياء: 103] الآية. وقوله تعالى في أمنهم {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} تفسير : [سبأ: 37] وقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [فصلت: 40] الآية. وقوله تعالى: {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} قرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بتنوين فزع، وفتح ميم يومئذ، وقرأه الباقون بغير تنوين، بل بالإضافة إلى يومئذ، إلا أن نافعاً قرأ بفتح ميم يومئذ مع إضافة فزع إليه، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بإضافة فزع إلى يومئذ مع كسر ميم يومئذ، وفتح الميم وكسرها من نحو يومئذ قد أوضحناه بلغاته وشواهده العربية مع بيان المختار من اللغات في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ} تفسير : [مريم: 15] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 89- كل من أتى بالحسنة فى الدنيا وهى الإيمان والإخلاص فى الطاعة فله فى الآخرة الثواب الأعظم من أجل ما تقدم. وأصحاب هذه الحسنات آمنون من الخوف والفزع يوم القيامة. 90- وكل من أتى فى الدنيا بالسيئة - وهى الشرك والمعصية - ومات على ذلك فجزاء هذا الفريق أن يكبهم الله على وجوههم فى النار يوم القيامة ويقال لهم حينئذ - توبيخاً - إنكم لا تجزون اليوم إلا بسبب شرككم ومعصيتكم. 91- قل - أيها الرسول - للناس: ما أمرت أن أعبد أحداً إلا الله رب مكة الذى كرمها، فجعلها حرماً آمناً، لا يسفك فيها دم، ولا يصاد صيدها، ولا يقطع شجرها. وله سبحانه كل ما فى الكون خلقاً وملكاً وأمرت أن أكون من الخاضعين لله. 92- وأمرت أن أواظب على تلاوة القرآن عبادة وتدبراً ودعوة إلى ما فيه، فمن اهتدى وآمن به واتبعك فإنما خير ذلك وجزاؤه لنفسه لا لك، ومن ضل عن الحق ولم يتبعك فقل: إنما أنا رسول أنذر وأبلغ.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} {آمِنُونَ} (89) - وَمَنْ جَاءَ في ذَلِكَ اليَومِ رَبَّهُ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ في الدُّنيا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، وَيُجَنِّبُهُ الفَزَعَ الأَكبرَ الذي يُصِيبُ المُجرِمينَ الأَشقِياءَ في ذلكَ اليومِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لهذه الآية صلة لطيفة بما قبلها: فكما أن الآيات الكونية التي أخبر بها الحق - تبارك وتعالى - حقيقة واقعة، وتأكدتَ أنت من صِدْقها حيث شاهدتها بنفسك وأدركتها بحواسك، فكما أخبرناك بهذه الآيات نُخبرك الآن بحقيقة أخرى ينبغي أن تصدقها، وأن تأخذ من صدْق ما شاهدتَ دليلاً على صِدْق ما غاب عنك، فربُّك يُخبِرك بأنه {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ..} [النمل: 89]. الحسنة: فعل الانفعال فيه يكون لمطلوب الله في العبادة، فإن فعلتَ الفعل على مراد الله تعالى كانت لك حسنة، والحسنة عند الله بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضِعْف على مقدار طاقة الفاعل من الإخلاص والتجرُّد لله في فعله. والمعنى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ..} [النمل: 89] أي: في الدنيا {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ..} [النمل: 89] أي: ناشىء عنها في الآخرة. ونسمع من البعض مَنْ يقول: إذا كان قولنا: لا إله إلا الله حسنة فالثواب عليها خَيْر منها. وهذا القول ناتج عن فَهْم غير دقيق لمعنى الآية؛ لأن الله تعالى الذي أُقر به في الشهادة هو الذي يهبني هذا الثواب، فمَنْ جاء بالحسنة له خير ناشىء من هذه الحسنة ومُسبّب عنها. كما لو قلت: مأمور المركز خير من وزير الداخلية: أي خَيْر جاءنا من ناحيته، ووصل إلينا من طرفه، أليس هو صاحب قرار تعيينه؟ ومن ذلك ما يقوله أصحاب الطريق والمجاذيب يقولون: محمد خير من ربه، وفي مثل هذه الأقوال لعب بأفكار الناس وإثارة لمشاعرهم، وربما تعرض للإيذاء، فكيف يقول هذه الكلمة ومحمد مُرْسَل من عند الله؟ وحين تُمعِن النظر في العبارة تجدها صحيحة، فمراد الرجل أن محمداً خير جاءنا من عند الله. أو: يكون المعنى {فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ..} [النمل: 89] أن الجزاء على الحسنة خير من الحسنة؛ لأنك تفعل الحسنة فِعْلاً موقوتاً، أمّا خيرها والثواب عليها، فسيظل لك خالداً بلا نهاية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} معناهُ يَقولُ لاَ إلهَ إِلاَّ الله، فَلَهُ خَيرٌ مِنهَا {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} معناه بالشِّركِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 89] لأنهم لا يجزنهم الفزع الأكبر وذلك لأنهم أصيبوا بفزع المحبة فحوسبوا عن فزع يومئذ {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} [النمل: 90] وهي حب الدنيا الذي يعمي ويصم أهلها من طلب الحق فيقطع طريق الطلب على طالبي الحق تعالى {فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} [النمل: 90] نار القطيعة وقيل لهم: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] يعني طلب الدنيا فإنها مبنية على وجه جهنم ودركاتها. وبقوله: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] يشير إلى أن العبد مأمور بعبادة رب بلدة القلب فإنه هو الله رب العالمين إلا بعبادة رب بلدة القالب فإنه هي النفس الأمارة التي حرمها أي حرم بلدة القلب على الشيطان أن يدخلها ولهذا قال: {أية : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 5] لأنه لا مدخل له في القلب {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} من أسباب الألوهية والربوبية. وبقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91] يشير إلى أن المسلم الحقيقي من يكون إسلامه في استعمال الشريعة مثل استعمال النبي صلى الله عليه وسلم نظيره قوله تعالى: {أية : وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 163]، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي" تفسير : يعني في الظاهر ولو قال: صلوا كما أنا أصلي لا أحد يقدر على ذلك لأنه كان يصلي ولصدره أزي كأزيز المرجل من البكاء وكان في صلاته يرى من خلفه كما يرى من أمامه {وَأَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [النمل: 92] أي بتلاوة القرآن وباستماعه {وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} [النمل: 92] فيه إشارة إلى نور القرآن يربي جوهر الهداية والضلالة في معدن قلب الإنسان السعيد أو الشقي، كما يربي ضوء الشمس الذهب والحديد في المعادن يدل عليه قوله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة: 26] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} على ما هداني بالقرآن {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} أي لو لم يكن الله أن يريكم آياته فتعرفون أنتم بنظركم {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل: 93] كل طائفة من أهل السعادة والشقاوة بل هو الذي خلقهم وخلق منهم أعمالهم كما قال تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات: 96] كأنه قال تعالى خلق الشجرة وخلق فيها ثمرتها كما قدر لها لقوله تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} تفسير : [الأعراف: 58].
همام الصنعاني
تفسير : 2186- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}: [الآية: 89]، قال: من جاء بلاَ إلَه إلا الله فإن له منها خيراً، {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ}: [الآية: 90]، يقول: بالشرك فكبت وجوههم في النَّارِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):