Verse. 3250 (AR)

٢٧ - ٱلنَّمْل

27 - An-Naml (AR)

اِنَّمَاۗ اُمِرْتُ اَنْ اَعْبُدَ رَبَّ ہٰذِہِ الْبَلْدَۃِ الَّذِيْ حَرَّمَہَا وَلَہٗ كُلُّ شَيْءٍ۝۰ۡوَّاُمِرْتُ اَنْ اَكُوْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ۝۹۱ۙ
Innama omirtu an aAAbuda rabba hathihi albaldati allathee harramaha walahu kullu shayin waomirtu an akoona mina almuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة» أي مكة «الذي حرمها» جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم إنسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها، وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب «وله» تعالى «كل شيء» فهو ربه وخالقه ومالكه «وأمرت أن أكون من المسلمين» لله بتوحيده.

91

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال: قل يا محمد إني أمرت بأشياء: الأول: أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له شريكاً، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمداً بأن يقول لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها، فإني مصر عليها غير مرتاب فيها ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه. أما قوله: {ٱلَّذِى حَرَّمَهَا } فقرىء (التي حرمها)، وإنما وصفها بالتحريم لوجوه: أحدها: أنه حرم فيها أشياء على من يحج وثانيها: أن اللاجيء إليها آمن وثالثها: لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليَّ أن أخصه بالعبادة وثانيها: وصف الله تعالى بقوله: {وَلَهُ كُلُّ شَىء } وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقاً لجميع النعم فأجمل ههنا تلك المفصلات، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته الثاني: أمر بأن يكون من المسلمين الثالث: أمر بأن يتلو القرآن عليهم، ولقد قام بكل ذلك صلوات الله عليه أتم قيام فمن اهتدى في هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهي التوحيد والحشر والنبوة {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } أي منفعة اهتدائه راجعة إليه {وَمَن ضَلَّ } فلا علي وما أنا إلا رسول منذر، ثم إنه سبحانه ختم هذه (السورة) بخاتمة في نهاية الحسن وهي قوله: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار {سَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } القاهرة {فَتَعْرِفُونَهَا } لكن حين لا ينفعكم الإيمان {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } لأنه من وراء جزاء العاملين، والله أعلم. تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} يعني مكة التي عظّم الله حرمتها؛ أي جعلها حرماً آمناً؛ لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر؛ على ما تقدّم بيانه في غير موضع. وقرأ ابن عباس: {الَّتِي حَرَّمَهَا} نعتاً للبلدة. وقراءة الجماعة {الَّذِي} وهو في موضع نصب نعت لـ{ـرب} ولو كان بالألف واللام لقلت المحرِّمَها؛ فإن كانت نعتاً للبلدة قلت المحرِّمِها هو؛ لا بدّ من إظهار المضمر مع الألف واللام؛ لأن الفعل جرى على غير من هو له؛ فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو. {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} خلقاً وملكاً. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي من المنقادين لأمره، الموحِّدين له. {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ} أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه. {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} فله ثواب هدايته. {وَمَن ضَلَّ} فليس عليّ إلا البلاغ؛ نسختها آية القتال. قال النحاس: {وَأَنْ أَتْلُوَ} نصب بأن. قال الفرّاء: وفي إحدى القراءتين {وَأَنِ اتْلُ} وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحداً قرأ هذه القراءة، وهي مخالفة لجميع المصاحف. قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي على نعمه وعلى ما هدانا. {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53]. {فَتَعْرِفُونَهَا} أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السموات وفي الأرض؛ نظيره قوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 20 ـ 21]. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ أهل المدينة وأهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب؛ لقوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} فيكون الكلام على نسق واحد. الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله {فَمَنِ اهْتَدَى} فأخبر عن تلك الآية. كملت السورة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً رسوله، وآمراً له أن يقول: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} كما قال تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} تفسير : [يونس: 104] وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها، والاعتناء بها؛ كما قال تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3 ــــ 4]، وقوله تعالى: {ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} أي: الذي إنما صارت حراماً شرعاً وقدراً؛ بتحريمه لها؛ كما ثبت في "الصحيحين" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها، ولا يختلى خلاها» تفسير : الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب "الأحكام"، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي: الموحدين المخلصين، المنقادين لأمره، المطيعين له. وقوله: {وَأَنْ أَتْلُوَا ٱلْقُرْءَانَ} أي: على الناس، أبلغهم إياه، كقوله تعالى: {أية : ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [آل عمران: 58] وكقوله تعالى: {أية : نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [القصص: 3] الآية، أي: أنا مبلغ ومنذر، {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} أي: لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخلصوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله تعالى؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40] وقال: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولهذا قال تعالى: {سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. وقوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي: بل هو شهيد على كل شيء. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر، حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أيها الناس لا يغترن أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلاً شيئاً، لأغفل البعوضة والخردلة والذرة» تفسير : وقال أيضاً: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني خالد بن قيس عن مطر عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلاً شيئاً، لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم، وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له، وإما لغيره:شعر : إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْماً فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولكنْ قُلْ عَلَيَّ رقيبُ ولا تَحْسَبَنَّ اللّهَ يَغْفُلُ ساعَةً ولا أَنَّ ما يَخْفى عليهِ يغيبُ تفسير : آخر تفسير سورة النمل، ولله الحمد والمنّة.

المحلي و السيوطي

تفسير : قل لهم: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ } أي مكة {ٱلَّذِى حَرَّمَهَا } أي جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم الإنسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها، وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب {وَلَهُ } تعالى {كُلُّ شَىْءٍ } فهو ربه وخالقه ومالكه {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } لله بتوحيده.

الماوردي

تفسير : قوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدُ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدِةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} فيها قولان: أحدهما: مكة، قاله ابن عباس. الثاني: مِنى، قاله أبو العالية، وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها. {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} يعني ملك كل شيء مما أحله وحرمه فيحل منه ما شاء ويحرم منه ما شاء لأن للمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء. قوله: {سَيُرِيكُمْ ءَآيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} فيه وجهان: أحدهما: يريكم في الآخرة فتعرفونها على ما قال في الدنيا، قاله الحسن. الثاني: يريكم في الدنيا ما ترون من الآيات في السموات والأرض فتعرفونها أنها حق، قاله مجاهد. {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من خير أو شر فلا بد أن يجازي عليه، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْبَلْدَةِ} مكة، أو منى {حَرَّمَهَا} بتعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها {وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ} ملكه فيحل منه ما يشاء ويحرم ما يشاء.

النسفي

تفسير : {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ } مكة {ٱلَّذِى حَرَّمَهَا } جعلها حرماً آمناً يأمن فيها اللاجيء إليها ولا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها {وَلَهُ كُلُّ شَىء } مع هذه البلدة فهو مالك الدنيا والآخرة {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } المنقادين له. {وَأَنْ أَتلُوَا ٱلْقُرْءانَ} من التلاوة أو من التلو كقوله: {أية : وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبّكَ }تفسير : [الأحزاب: 2] أمر رسوله بأن يقول أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا اتخذ له شريكاً كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام، وأن أتلو القرآن لأعرف الحلال والحرام وما يقتضيه الإسلام. وخص مكة من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأعظمها عنده وأشار إليها بقوله {هذه} إشارة تعظيم لها وتقريب دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ } باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في الملة الحنيفية واتباع ما أنزل عليّ من الوحي {فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ } أي ومن ضل ولم يتبعني فلا عليّ وما أنا إلا رسول منذر {أية : وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } تفسير : (العنكبوت) {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في الآخرة فيستيقنون بها. وقيل: هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالتاء مدني وشامي وحفص ويعقوب خطاب لأهل مكة، وبالياء غيرهم أي كل عمل يعملونه فإن الله عالم به غير غافل عنه فالغفلة والسهو لا يجوزان عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {إِنَّمَا أُمِرْتُ} المعنى قل يا محمد؛ لقومك: إنما أمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة، يعني: مكةَ، {وَأَنْ أَتْلُواْ ٱلْقُرْءانَ} معناه تَابعْ فِي قراءتِك، أي: بَيْنَ آياتِه واسْرُدْ. قال * ص *: {وَأَنْ أَتْلُوَاْ} معطوفٌ على «أَنْ أَكُونَ». وقرأ عبد اللّه: «وَأَنِ ٱتْلُ» بغير واو وقوله: {ومَنْ ضَلّ} جوابُه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فَوَبَالُ ضلالهِ عَلَيْهِ، أو يكونَ الجوابُ: فَقل، ويُقَدَّرُ ضميرٌ عائدٌ من الجوابِ على الشرط؛ لأنه اسمٌ غَيرُ ظَرْفٍ، أي: من المنذرين له، انتهى. وتلاوة القرآن سببُ الاهتداءِ إلى كل خير. وقوله تعالى: {سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ} توعُّدٌ بعذابِ الدُّنيَا كَبَدْرِ ونَحوه، وبعذاب الآخرة. {وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيه وعيدٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله: "إِنَّمَا أُمِرْتُ" أي: قل يا محمد إنما أمرت (أي: أمرت) أن أخص الله وحده بالعبادة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة، والمراد مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها احب بلاده إليه وأكرمها، عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها وطن نبيه ومهبط وحيه. قوله: "الَّذِي حَرَّمَهَا" هذه قراءة الجمهور صفة للربِّ، وابن مسعود وابن عباس "الَّتِي" صفة للبلدة، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة. والمعنى: جعلها الله حرماً آمناً لا سفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها ولا يختلأ خلاؤها، وله كل شيء خلقاً وملكاً، وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة، وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله فكأنه قال: لما علمت وعلمتهم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليّ أن أخصه بالعبادات، و {أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} لله. قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ} العامة على إثبات الواو بعد اللام، وفيها تأويلان: أظهرهما: أنه من التلاوة وهي القراءة، وما بعده يلائمه. والثاني: من التلو وهو الاتباع كقوله: {أية : وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 109]، وقرأ عبد الله: "وَأَنِ اتْلُ" أمراً له عليه السلام، فـ "أنْ" يجوز أن تكون المفسرة وأن تكون المصدرية، وصلت بالأمر، وتقدم ما فيه. فصل المعنى: وأمرت أن أتلوَ القرآن، ولقد قام بذلك صلوات الله عليه وسلامه أتم قيام "فَمَن اهْتَدَى" فيما تقدم من المسائل، وهي التوحيد والحشر والنبوة، {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}، أي منفعة اهتدائه راجعة إليه، "ومَنْ ضَلَّ" عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى، {فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} المخوفين فليس عليَّ إلا البلاغ، نسختها آية القتال. قوله: "وَمَنْ ضَلَّ" يجوز أن يكون الجواب قوله: {فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ}، ولا بد من حذفِ عائدٍ على اسم الشرط أي: مِنَ المُنْذِرينَ لهُ، لما تقدم في البقرة وأن يكون الجواب محذوفاً أي: فَوَبَالُ ضَلاَلِهِ عليه. قوله: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة، أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة والإنذار، "سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ" القاهرة، "فَتَعْرِفُونَهَا" يعني يوم بدر من القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأديارهم، نظيره قوله تعالى: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37]. وقال مجاهد: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ في السَّماواتِ والأَرْضِ وَفِي أَنْفُسِكُم}، كما قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53] "فتعرفونها" أي تعرفون الآيات والدلالات، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرىء بالتاء والياء، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم. روى أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من قرأ طسۤ النمل كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان، وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم عليهم السلام، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أن أعبد رب هذه البلدة‏} ‏ قال‏:‏ مكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ زعم الناس أنها مكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ هي منى‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال في حرف ابن مسعود ‏ "‏وأن اتل القرآن‏" ‏ على الأمر وفي حرف أُبي بن كعب ‏"واتل عليهم القرآن‏"‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏سيريكم آياته فتعرفونها‏}‏ قال‏:‏ في أنفسكم، وفي السماء، وفي الأرض، وفي الرزق‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما كان في القرآن ‏"‏وما الله بغافل عما تعملون‏"‏ بالتاء، وما كان ‏"‏وما ربك بغافل عما يعملون‏"‏ بالياء‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا} أُمر عليه الصَّلاة والسَّلام أنْ يقولَ لهم ذلك بعد ما بـيَّن لهم أحوالَ المبدأِ والمعادِ وشرحَ أحوالَ القيامةِ تنبـيهاً لهم على أنَّه قد أتمَّ أمرَ الدَّعوةِ بما لا مزيدَ عليه ولم يبقَ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد ذلك شأنٌ سوى الاشتغالِ بعبادةِ الله عزَّ وجلَّ. والاستغراقِ في مُراقبتهِ غيرَ مُبالٍ بهم ضلُّوا أمْ رشدُوا صلحُوا أو فسدُوا ليحملَهم ذلك على أنْ يهتمُّوا بأمورِ أنفسِهم ولا يتوهَّمُوا من شدَّةِ اعتنائِه عليه الصَّلاة والسَّلام بأمرِ دعوتِهم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام يُظهر لهم ما يُلجئهم إلى الإيمانِ لا محالةَ ويشتغلوا بتداركِ أحوالِهم ويتوجَّهُوا نحوَ التَّدبرِ فيما شاهدُوه من الآياتِ الباهرةِ. والبلدةُ هي مكَّةُ المعظمةُ وتخصيصُها بالإضافةِ لتفخيمِ شأنِها وإجلال مكانِها، والتعرض لتحريمهِ تعالى إيَّاها تشريفٌ لها بعد تشريفٍ وتعظيمٌ إثرَ تعظيمٍ مع ما فيه من الإشعارِ بعلَّةِ الأمرِ وموجبِ الامتثالِ به كَما في قولِه تعالى: { أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ} تفسير : [سورة قريش: الآية 3, 4] ومن الرَّمزِ إلى غايةِ شَنَاعةِ ما فعلُوا فيها ألا يَرَى أنَّهم مع كونِها محرَّمةً من أنْ تنتهكَ حرمتُها باختلاءِ خلاها وعضْدِ شجرِها وتنفيرِ صيدِها وإرادةِ الإلحادِ فيها بوجهٍ من الوجوهِ قد استمرُّوا فيها على تعاطِي أفجرِ أفرادِ الفُجور وأشنعِ آحادِ الإلحادِ حيثُ تركُوا عبادةَ ربَّها ونصبُوا فيها الأوثانَ وعكفُوا على عبادتِها قاتلَهم الله أنَّى يؤفكون. وقُرىء حَرَمَها بالتَّخفيفِ. وقولُه تعالى {وَلَهُ كُلُّ شَىء} أي خلقاً وملكاً وتصرُّفاً من غيرِ أنْ يشارَكه شيءٌ في شيءٍ من ذلكَ تحقيقٌ للحقِّ وتنبـيهٌ على أنَّ إفرادَ مكَّةَ بالإضافةِ لما ذُكر من التَّفخيمِ والتَّشريفِ مع عُمومِ الرُّبوبـيةِ لجميعِ الموجُوداتِ. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي أثبت على ما كنتُ عليهِ من كونِي من جُملةِ الثَّابتين على ملَّة الإسلامِ والتَّوحيدِ أي الذين أسلمُوا وجوهَهم لله خالصةً من قوله تعالى: { أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} تفسير : [سورة النساء: الآية 125] {وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْءانَ} أي أواظبَ على تلاوتِه لتنكشفَ لي حقائقُه الرائعةُ المخزونةُ في تضاعيفهِ شيئاً فشيئاً أو على تلاوتِه على النَّاسِ بطريقِ تكريرِ الدَّعوةِ وتثنيةِ الإرشادِ فيكونَ ذلك تنبـيهاً على كفايتهِ في الهدايةِ والإرشادِ من غيرِ حاجةٍ إلى إظهارِ مُعجزةٍ أُخرى. فمعنى قولِه تعالى {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ} حينئذٍ فمنِ اهتدى بالإيمانِ به والعملِ بما فيهِ من الشَّرائعِ والأحكامِ. وعلى الأولِ فمنِ اهتدَى باتَّباعِه إيَّاي فيما ذُكر من العبادةِ والإسلامِ وتلاوةِ القُرآن فإنَّما منافعُ اهتدائهِ عائدةٌ إليهِ لا إليَّ. {وَمَن ضَلَّ}بالكفرِ به والإعراضِ عن العملِ بما فيه أو بمُخالِفتي فيما ذُكر {فَقُلْ} في حقَّه {إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} وقد خرجتُ عن عُهدة الإنذارِ فليسَ عليَّ وبالِ ضلالِه شيءٌ وإنَّما هُو عليه فَقَطْ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} [الآية: 91]. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت الحسين علوية يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الناس فى العبادة على سبع درجات: جاهل، وعاص، وخائف، وراج، ومتوكل، وزاهد، وعارف، فجاهل عامل على العجلة، وعاص عمل على العادة، وخائف عمل على الرهبة، وراج عمل على الرغبة، ومتوكل عمل على الفراغة، وزاهد عمل على الحلاوة، وعارف عمل على رؤية المنة. قال بعضهم: لم يزين الله تعالى الخلق بزينة أزين من العبودية، ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم كيف قدم العبودية على الرسالة؟ فقال فى تشهده وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال بعضهم: العبودية لباس الأولياء. والرسالة لباس الأنبياء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ}. أخبر أنه أمره بالدين الحنيفيِّ، والتبرِّي من الشِّركِ؛ الجليِّ منه والخفيِّ، وبملازمةِ الطريق السَّويِّ. وأخبر أَنَّ مَنْ اتبعه وصَدَّقَه أوجب الحقُّ ذمامه وحقَّه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} مقام العبودية لكل عارف شغبها على قدر مواجيده ومعرفته ومشاهدته فالكامل منهم ان بكون عبودتيه حفظ الاسرار من النظر الى الاغيار وبذل وجوده بنعت الشوق الى الله له لان هذا حد الانقياد فى جنات المراد والا ترى الى قوله {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} من الباذلين انفسهم بنعت الفناء الله فى الله قال بعضهم العبودية لباس الانبياء والاولياء.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما امرت ان اعبد رب هذه البلدة الذى حرمها} العبادة غاية التذلل والبلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه واقامتهم فيه ولاعتبار الاثر قيل بجلده بلدة اى اثر والمراد بالبلدة هنا مكة المعظمة وتخصيصها بالاضافة تشريف لها وتعظيم لشأنها مثل ناقة الله وبيت الله ورجب شهر الله. قال فى التكملة خص البلدة بالذكر وهى مكة وان كان رب البلاد كلها ليعرف المشركون نعمته عليهم ان الذى ينبغى لهم ان يبعدوه هو الذى حرم بلدتهم انتهى قوله الذى نعت لرب والتحريم جعل الشىء حراما ممنوعا منه والتعرض لتحريمه تعالى اياها اجلال لها بعد اجلال ومعناه يحرمها من انتهاك حرمتها بقطع شوكها وشجرها ونباتها وتنفير صيدها وارادة الالحاد فيها بوجه من الوجوه وفى الحديث "حديث : ان مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"تفسير : اى كان تحريمها من الله بامر سماوى لامن الناس باجتهاد شرعى واما قوله عليه السلام "حديث : ان ابراهيم حرم مكة"تفسير : فمعناه اظهر الحرمة الثابتة او دعا فحرمها الله حرمة دائمة. ومعنى الآية قل لقومك يا محمد امرت من قبل الله ان اخصه وحده بالعبادة ولا اتخذ له شريكا فاعبدوه انتم ففيه عزكم وشرفكم ولا تتخذوا له شريكا وقد ثبتت عليكم نعمته بتحريم بلدتكم. قال بعضهم العبودية لباس الانبياء والاولياء {وله} اى ولرب هذه البلدة خاصة {كل شىء} خلقا وملكا وتصرفا لايشاركه فى شىء من ذلك احد. وفيه تنبيه على ان افراد مكة بالاضافة للتفخيم مع عموم الربوبية لجميع الموجودات شعر : صنعش كه همه جهان بياراست تفسير : {وامرت ان اكون من المسلمين} من الثابتين على ملة الاسلام والتوحيد او من الذين اسلموا وجوههم لله خاصة وفى التأويلات النجمية يشير الى ان المسلم الحقيقى من يكون اسلامه فى استعمال الشريعة مثل استعمال النبى عليه السلام الشريعة فى الظاهر وهذا كمال العناية فى حق المسلمين لانه لو قال وامرت ان أكون من المؤمنين لما كان احد يقدر على ان يكون ايمانه كايمان النبى عليه السلام نظيره قوله تعالى {أية : وانا اول المسلمين}تفسير : ولهذا قال عليه السلام "صلوا كما رأيتمونى اصلى" يعنى فى الظاهر ولو قال صلوا كما انا اصلى لما كان احد يقدر على ذلك لانه كان يصلى ولصدره ازيز كازيز المرجل من البكاء وكان فى صلاته يرى من خلفه كما يرى من امامه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: قل لكفار قريش، بعد تبيين أحوال المبعث، وشرح أحوال القيامة، بما لا مزيد عليه: {إنما أُمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة} أي: مكة، أي: إنما أمرني ربي أن أعبده، وأستغرق أوقاتي في مراقبته ومشاهدته، غير مبالٍ بكم، ضللتم أم رشِدتم، وما عليّ إلا البلاغ، وقد بلغتكم وأنذرتكم. وتخصيص مكة بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها، {الذي حَرَّمها} أي: جعلها حرماً آمناً، يأمن الملتجأ إليها، ولا يختلي خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفّر صيدها. والتعرض لبيان تحريمه إياها تشريف لها بعد تشريف، وتعظيم إثر تعظيم، مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر بعبادة ربها، وأنهم مُكلفون بذلك، كما في قوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 3، 4]. ومن الإشارة إلى غاية شناعة ما فعلوا فيها، ألا يُرى أنهم مع كونها محرمة أن تنتهك حرمتها، ويلحد فيها بإثم، قد استمروا فيها على تعاطي أفجر الفجور، وأشنع الإلحاد، حيث تركوا عبادة ربها، ونصبوا الأوثان، وعكفوا على عبادتها، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون. قاله أبو السعود. ثم قال تعالى: {وله كلُّ شيء} خلقاً وملكاً وتصرفاً، من غير ان يشاركه أحد في شيء من ذلك، تحقيقاً للحق، وتنبيهاً على إن إفراد مكة بالإضافة لما ذكر من التفخيم والتشريف، مع عموم الربوبية لجميع الموجودات. {وأُمرتُ أن أكون من المسلمين} المنقادين له، الثابتين على ما كنا عليه، من ملة الإسلام والتوحيد. الذين أسلموا وجوهم له تعالى، وانقادوا إليه بالكلية. {وإن أتلوَ القرآن} أي: أُواظب على تلاوته, لتنكشف حقائقه الرائقة, المخزونة في تضاعيفه, شيئاً فشيئاً. أو: على تلاوته على الناس؛ بطريق تكرير الدعوة، وتثنية الإرشاد، فيكون ذلك تنبيهاً على كفايته في الهداية والإرشاد، من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى. {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع والأحكام، فإنما منافع هدايته عائدة إليه، لا إلى غيره. {ومن ضلّ} بالكفر به، والإعراض عن العمل بما فيه {فقلْ} في حقه: {إنما أنا من المنذرينَ} وقد خرجتُ من عهدة الإنذار، فليس عليَّ من وبال ضلالته شيء. قال الصفاقسي: جواب "من": محذوف، يدل عليه ما قبله، أي: فوبال ضلاله عليه، أو: يكون الجواب: "فقل"، ويقدر ضمير عائد من الجواب إلى الشرط؛ لأنه اسم غير ظرف، أي: من المنذرين له. هـ. {وقل الحمدُ لله} على ما أفاض عليّ من نعمائه، التي أجلُها نعمة النبوة، المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية، ووفقني لتحمل أعبائها، وتبليغ أحكامها إلى كافة الورى، بالآيات البينة والبراهين النيرة، {سيُريكُم آياته} قطعاً في الدنيا، التي وعدكم بها، كخروج الدابة وسائر الأشراط، {فتعرفونها} أي: فتعرفون أنها آيات الله، حين لا تنفعكم المعرفة، أو: سيضطركم إلى معرفة آياته، والإقرار بأنها آيات الله حين ظهورها، {وما ربك بغافل عما تعملون}، بل محيط بعمل المهتدي والضال، غير غافل، فيجازي كلاًّ بما يستحقه. وتخصيص الخطاب أولاً به - عليه الصلاة والسلام - وتعميمه ثانياً للكفرة تغليباً، أي: وما ربك بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما تعملون أنتم - أيها الكفرة - من السيئات، فيجازي كلاً بعمله. ومن قرأ بالغيب فهو وعيد محض، أي: وما ربك بغافل عن أعمالهم، فسيعذبهم ألبتة، فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن أعمالهم، بل يمهل ولا يهمل. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا فرغ الواعظ من وعظه وتذكيره، أو: العالم من تدريسه وتعليمه، أقبل على عبادة ربه، إما عبادة الجوارح الظاهرة، من صلاة وذكر وتلاوة، أو عبادة القلوب، كتفكر واعتبار، أو استخراج علوم وحكم ودُرر. وإما عبادة الأرواح، كنظرة وفكرة وشهود واستبصار. وهذه عبادة الفحول من الرجال، فمن اهتدى إليها فلنفسه، ومن ضل عنها فقل إنما أنا من المنذرين. والحمد لله رب العالمين - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} يعنى مكّة فانّها شريفة عندكم وربّها يستحقّ العبادة {ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} جعلها حراماً هتكها {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ} تعميم بعد تخصيص {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المنقادين.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ} مكة وخصها بالذكر وأشار اليها بلفظ القريب لأنها أحب البلاد اليه سبحانه وهي مهبط وحيه وموطن نبيه أمره أن يقول لهم بعد ما بين لهم أمر المبدأ والمعاد وشرح لهم أحوال القيامة اني أمرت أن اخص بعبادتي خالق هذه البلدة الشريفة كغيرها ولا أشرك به شيئا كما فعلتم يا قريش وفي ذلك تلويح بأنه قد تم الدعوة وما عليه إلا الاشتغال بشأنه والاستغراق في عبادة ربه. {الَّذِي} نعت رب وقريء (التي) فهو نعت البلد. {حَرَّمَهَا} وعلى القراة الثانية تكون الصلة جارية على غير ما هي له ومعنى تحريمها تعظيمها لا يسفك فيها دم انسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يقطع أو يقلع نباتها وذلك موجود انعاما على قريش وترى القتل والظلم وغيرها مما شاع في البلاد وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج مهاجرا وبلغ العرورة واستقبلها بوجهه الكريم: "حديث : إِني أَعلم أَنك أَحب البلاد الى الله سبحانه ولولا أن أَهلك أَخرجوني ما خرجت "تفسير : . وانما ذكر الله سبحانه انه هو الذي حرمها لأن العرب معترفون بأن الذي حرمها لا الأصنام. {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} خلقا وملكا. {وَأُمِرتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ} لله بتوحيده وعبادته الدائمين على ذلك.

اطفيش

تفسير : {قل} يا محمد لمن لم يتدبر من أمتك تلك الآيات طريق موادعتهم، ومتاركتهم، إذ بلغت لهم، ولم يتأثروا: {إنما أمرت أن أعبد ربَّ هذه البَلْدة} مكة لا ما قيل منى، خصت بالذكر تعظيما لها، وتلويحا بزيادة قبحهم بفعل أعظم المعاصى، وهو الاشراك فى أفضل البلاد، مع أنها أيضاً شرف لهم، واحترام لهم، ولصيدها وشجرها كما قال {التى حَرَّمها} ولا عاقل يقول الحرم الآمن، أو البلد الحرام، أو نحو ذلك اسم لمنى {وله} وحده {كلُّ شىءٍ} خلقا وملكا وتصرفا لا مكة فقط. {وأمِرْتُ } أولا {أن أكونَ منَ المسْلِمين} فكنت والحمد لله ولم أخالف أو أمرت بالثبات على الكون من المسلمين، والمراد بالمسلمين أهل التوحيد الجارين على مقتضاه، أو الذين أسلموا وجوههم لله خالصة كقوله تعالى: "أية : ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله"تفسير : [النساء: 125] واسم الفاعل ولو كان أصله الوصف المحقق، كما فى هذا التفسير لا مانع من استعماله فى مطلق الحدث، فيجوز أن يكون المعنى أمرت أن أكون من الموحدين، من القائلين: لا إله إلا الله، هكذا مطلقاً، وباقى الخصال من خارج.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا } استئناف بتقدير قل قبله وهو أمر له عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهؤلاء الكفرة ذلك بعد ما بين لهم أحوال المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة إثارة لهممهم بألطف وجه إلى أن يشتغلوا بتدارك أحوالهم وتحصيل ما ينفعهم والتوجه نحو التدبر فيما قرع أسماعهم من الآيات الباهرة الكافية في إرشادهم والشافية لعللهم والبلدة على ما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما هي مكة المعظمة، وفي «تاريخ مكة» أنها منى قال حدثنا يحيـى بن ميسرة عن خلاد بن يحيـى عن سفيان أنه قال: البلدة منى والعرب تسميها بلدة إلى الآن. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي العالية تفسيرها بذلك أيضاً، وذكر بعض الأجلة أن أكثر المفسرين على / الأول وتخصيصها بالإضافة لتفخيم شأنها وإجلال مكانها والتعرض لتحريمه تعالى إياها تشريف لها بعد تشريف وتعظيم إثر تعظيم مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر وموجب الامتثال به كما في قوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ } تفسير : [قريش: 3-4] ومن الرمز إلى غاية شناعة ما فعلوا فيها ألا ترى أنهم مع كونها محرمة من أن تنتهك حرمتها باختلاء خلاها وعضد شجرها وتنفير صيدها وإرادة الإلحاد فيها قد استمروا فيها على تعاطي أفظع أفراد الفجور وأشنع آحاد الإلحاد حيث تركوا عبادة ربها ونصبوا فيها الأوثان وعكفوا على عبادتها قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، ولا تعارض بين ما في الآية من نسبة تحريمها إليه عز وجل وما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة وأنا حرمت المدينة»تفسير : من نسبة تحريمها إلى إبراهيم عليه السلام لأن ما هنا باعتبار أنه هو المحرم في الحقيقة وما في الحديث باعتبار أن إبراهيم عليه السلام مظهر لحكمه عز شأنه. وقرأ ابن عباس وابن مسعود (التي) صفة للبلدة وقراءة الجمهور أبلغ في التعظيم، ففي «الكشف» أن إجراء الوصف على الرب تعالى شأنه، تعظيم لشأن الوصف ولشأن ما يتعلق به الوصف وزيادة اختصاص له بمن أجرى عليه الوصف على سبيل الإدماج وجعل ذلك كالمسلم المبرهن ولا كذلك لو وصفت البلدة بوصف تخصيصاً أو مدحاً. وقوله تعالى: {وَلَهُ كُلُّ شَىء } أي خلقاً وملكاً وتصرفاً، من غير أن يشاركه سبحانه شيء في شيء من ذلك تحقيق للحق، وتنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة لما مر من التفخيم والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات، واستدل به بعض الناس لجواز ما يقوله جهلة المتصوفة شيء لله، لأنه في معنى كل شيء لله عز وجل، نحو تمرة خير من جرادة، وأنت تعلم أنهم لا يأتون به لإرادة ذلك بل يقولون: شيء لله يا فلان لبعض الأكابر من أهل القبور، إما على معنى أعطني شيئاً لوجه الله تعالى يا فلان، أو أنت شيء عظيم من آثار قدرة الله تعالى؛ وقد وجهه بذلك من لم يكفرهم به وهو الحق وإن كان في ظاهره على أول التوجيهين طلب شيء ممن لا قدرة له على شيء نعم الأولى صيانة اللسان عن أمثال هذه الكلمات. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي أثبت على ما كنت عليه من كوني من جملة الثابتين على ملة الإسلام والتوحيد أو الذين أسلموا وجوههم لله تعالى خالصة من قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله }تفسير : [النساء: 125].

ابن عاشور

تفسير : أتت هذه السورة على كثير من مطاعن المشركين في القرآن وفيما جاء به من أصول الإسلام من التوحيد والبعث والوعيد بأفانين من التصريح والتضمن والتعريض بأحوال المكذبين السالفين مفصلاً ذلك تفصيلاً ابتداء من قوله {أية : تلك ءايات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين}تفسير : [النمل: 1، 2] إلى هنا، فلما كان في خلال ذلك إلحافهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بما وعدهم أو أن يعين لهم أجل ذلك ويقولون {أية : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : [النمل: 71]. وأتت على دحض مطاعنهم وتعللاتهم وتوركهم بمختلف الأدلة قياساً وتمثيلاً، وثبت الله رسوله بضروب من التثبيت ابتداء من قوله {أية : إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً}تفسير : [النمل: 7] وقوله {أية : فتوكل على الله إنك على الحق المبين} تفسير : [النمل: 79]، وما صاحب ذلك من ذكر ما لقيه الرسل السابقون. بعد ذلك كله استؤنف الكلام استئنافاً يكون فذلكة الحساب، وختاماً للسورة وفصل الخطاب، أفسد به على المشركين ازدهاءهم بما يحسبون أنهم أفحموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ألقوه عليه ويطير غراب غرورهم بما نظموه من سفسطة، وجاءوا به من خلبطة، ويزيد الرسول تثبيتاً وتطميناً بأنه أرضى ربه بأداء أمانة التبليغ وذلك بأن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} فهذا تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم والجملة مقول قول محذوف دل عليه ما عطف عليه في هذه الآية مرتين وهو {أية : فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله}تفسير : [النمل: 92، 93] فإن الأول: مفرّع عليه فهو متصل به. والثاني: معطوف على أول الكلام. وافتتاح الكلام بأداة الحصر لإفادة حصر إضافي باعتبار ما تضمنته محاوراتهم السابقة من طلب تعجيب الوعيد، وما تطاولوا به من إنكار الحشر. والمعنى: ما أمرت بشيء مما تبتغون من تعيين أجل الوعيد ولا من اقتلاع إحالة البعث من نفوسكم ولا بما سوى ذلك إلا بأن أثبت على عبادة رب واحد وأن أكون مسلماً وأن أتلو القرآن عليكم، ففيه البراهين الساطعة والدلالات القاطعة فمن اهتدى فلا يمن علي اهتداءه وإنما نفع به نفسه؛ ومن ضل فما أنا بقادر على اهتدائه، ولكني منذره كما أنذرت الرسل أقوامها فلم يملكوا لهم هدياً حتى أهلك الله الضالين. وهذا في معنى قوله تعالى {أية : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} تفسير : [آل عمران: 20]. وقد أدمج في خلال هذا تنويهاً بشأن مكة وتعريضاً بهم بكفرهم بالذي أسكنهم بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله {أية : وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} تفسير : [النمل: 74]. فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة، دون أن يكون الموصول للبلدة فلذا لم يقل: التي حرمها الله، لما تتضمنه الصلة من التذكير بالنعمة عليهم ومن التعريض بضلالهم إذ عبدوا أصناماً لا تملك من البلدة شيئاً ولا أكسبتها فضلاً ومزية، وهذا كقوله {أية : فليعبدوا رب هذا البيت}تفسير : [قريش: 3]. والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها للأنظار. والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى {أية : وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة}تفسير : [هود: 60] وقال {أية : إنا مهلكوا أهل هذه القرية} تفسير : [العنكبوت: 31]. والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة من التعظيم. وتبيين اسم الإشارة بالبلدة لأن البلدة بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم. ومعنى {حرمها} جعلها حراماً، والحرام الممنوع، والتحريم المنع. ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع. فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر. فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة. وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتاً لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال {أية : رب اجعل هذا بلداً ءامناً} تفسير : [البقرة: 126]. فالتحريم يكون كمالاً للمحرم ويكون نقصاً على اختلاف اعتبار سبب التحريم وصفته، فتحريم المكان والزمان مزية وتفضيل، وتحريم الفواحش والميتة والدم والخمر تحقير لها، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة. فتحريم المكان: منع ما يضرّ بالحال فيه. وتحريم الزمان، كتحريم الأشهر الحرم: منع ما فيه ضر للموجودين فيه. وتعقيب هذا بجملة {وله كل شيء} احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى البلدة اقتصار ملكه عليها ليعلم أن تلك الإضافة لتشريف المضاف إليه لا لتعريف المضاف بتعيين مظهر ملكه. وتكرير (أمرت) في قوله {وأمرت أن أكون من المسلمين} للإشارة إلى الاختلاف بين الأمرين فإن الأول أمر يعمله في خاصة نفسه وهو أمر إلهام إذ عصمه الله من عبادة الأصنام من قبل الرسالة. والأمر الثاني أمر يقتضي الرسالة وقد شمل دعوة الخلق إلى التوحيد. ولهذه النكتة لم يكرر (أمرت) في قوله {وأن أتلوا القرءان} لأن كلاً من الإسلام والتلاوة من شؤون الرسالة. وفي قوله {أن أكون من المسلمين} تنويه بهذه الأمة إذ جعل الله رسوله من آحادها، وذلك نكتة عن العدول عن أن يقول: أن أكون مسلماً. والتلاوة: قراءة كلام معين على الناس، وقد تقدم في قوله تعالى {أية : الذين ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته}تفسير : [البقرة: 121]، وقوله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} في سورة البقرة (102). وحذف متعلق التلاوة لظهوره، أي أن أتلوا القرآن على الناس. وفرع على التلاوة ما يقتضي انقسام الناس إلى مهتد وضال، أي منتفع بتلاوة القرآن عليه وغير منتفع مبيناً أن من اهتدى فإنما كان اهتداؤه لفائدة نفسه. وهذا زيادة في تحريض السامعين على الاهتداء بهدي القرآن لأن فيه نفعه كما آذنت به اللام. وإظهار فعل القول هنا لتأكيد أن حظ النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة المعرضين الضالين أن يبلغهم الإنذار فلا يطمعوا أن يحمله إعراضهم على أن يلح عليهم قبول دعوته. والمراد بالمنذرين: الرسل، أي إنما أنا واحد من الرسل ما كنت بدعاً من الرسل وسنتي سنة من أرسل من الرسل قبلي وهي التبليغ {أية : فهل على الرسل إلا البلاغ المبين}تفسير : [النحل: 35].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} تفسير : [يونس: 104] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3ـ4] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ ٱلْقُرْآنَ}. قد قدمنا الآيات التي فيها زيادة إيضاح لقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} تفسير : [الأنعام: 14] الآية. وقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله تعالى هنا: وأن أتلوا القرآن في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} تفسير : [الكهف: 27] الآية. قوله تعالى: {وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ}. جاء معناه مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40] وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} تفسير : [هود: 12] وقوله تعالى: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} تفسير : [الذاريات: 54] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هذه البلدة: أي مكة المكرمة والاضافة للتشريف. الذي حرمها: أي الله الذي حرم مكة فلا يختلى خلاها ولا ينفَّر صيدها ولا يقاتل فيها. من المسلمين: المؤمنين المنقادين له ظاهراً وباطناً وهم أشرف الخلق. وأن أتلو القرآن: أي أمرني أن أقرأ القرآن إنذاراً وتعليماً وتعبداً. سيريكم آياته: أي مدلول آيات الوعيد فيعرفون ذلك وقد أراهموه في بدر وسيرونه عند الموت. وما ربك بغافل عما يعملون: أي وما ربك أيها الرسول بغافل عما يعمل الناس وسيجزيهم بعملهم. معنى الآيات: إنه بعد ذلك العرض الهائل لأحداث القيامة والذي المفروض فيه أن يؤمن كل من شاهده ولكن القوم ما آمن أكثرهم ومن هنا ناسب بيان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أنه عبد مأمور بعبادة ربه لا غير ربه الذي هو رب هذه البلدة الذي حرمها فلا يقاتل فيها ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلالها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن يعرفها، وله كل شيء خلقاً وملكاً وتصرفاً فليس لغيره معه شيء في العوالم كلها علويّها وسفلِيّها وقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي وأمرني ربي أن أكون في جملة المسلمين أي المنقادين لله والخاضعين له وهم صالحو عباده من الأنبياء والمرسلين. وقوله: {وَأَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ} أي وأمرني أن أتلو القرآن تلاوة إنذار وتعليم وتعبداً وتقرباً إليه تعالى وبعد تلاوتي فمن اهتدى عليها فعرف طريق الهدى وسلكه فنتائج الهداية وعائدها عائد عليه هو الذي ينتفع بها. ومن ضل فلم يقبل الهدى وأقام على ضلالته فليس علي هدايته لأن ربي قال لي قل لمن ضل {إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} لا من واهبى الإِيمان والهداية إنما يهب الهداية ويمن بها الله الذي بيده كل شيء {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} وأمرني أن أحمده على كل ما وهبني من نعم لا تعد ولا تحصى ومن أجلِّها إكرامه لي بالرسالة التي شرفني بها على سائر الناس فالحمد لله والمنة له وقوله {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} أي وأعلم هؤلاء المشركين أن الله ربي سيريكم آياته في مستقبل أيامكم وقد أراهم أول آية في بدر وثاني آية في الفتح وآخر آية عند الموت يوم تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم وتقول لهم {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [آل عمران: 181] وقوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي وما ربك الذي أكرمك وفضلك أيها الرسول {بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أيها الناس مؤمنين وكافرين وصالحين وفاسدين وسيجزى كلاً بعمله وذلك يوم ترجعون إليه ففي الآية وعد ووعيد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها عبادة الله والإِسلام له، وتلاوة القرآن إنذاراً وإِعذاراً وتعليماً وتَعَبُّداً به وتقرباً إلى منزله عز وجل. 2- بيان وتقرير حرمة مكة المكرمة والحرم. 3- الندب إلى حمد الله تعالى على نعمة الظاهرة والباطنة ولا سيما عند تجدد النعمة وعند ذكرها. 4- بيان أن عوائد الكسب عائدة على الكاسب خيراً كانت أو شراً. 5- بيان معجزة القرآن الكريم إذ ما أعلم به المشركين أنهم سيرونها قد رأوه فعلاً وهو غيب، فظهر كما أخبر.

د. أسعد حومد

تفسير : (91) - يَأْمُرُ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بأَنْ يَقُولَ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبينَ: إِنَّهُ أُمِرَ بعِبَادَةِ رَبِّ مَكَّةَ التي جَعَلَهَا بَلَداً حَراماً، لاَ يُسْتَبَاحُ فِيها دَمٌ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكُهُ، لا إٍِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ رَسُولَهُ بأَنْ يَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ لَهُ، المُوَحِّدِينَ المُخْلِصِينَ لِجَلاَلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فما دام أن الله تعالى أعطانا هذه المعلومات التي تلفتنا إلى قدرته في آياته الكونية، وذكَّرنا بالآخرة، وما فيها من الثواب والعقاب، فما عليك إلا أنْ تلتزم (عرفت فالزم) واعلم أن مَنْ أبلغك منهج الله سيسبقك إلى الالتزام به، فالشرع كما أمرك أمرني. {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ..} [النمل: 91] فإنْ طلبتُ منكم شيئاً من التكاليف فقد طالبتُ نفسي به أولاً؛ لأنني واثق بصدق تبليغي عن الله؛ لذلك ألزمتُ نفسي به. والعبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود فيما أمر وفيما نهى؛ لأن ربك خلقك من عَدَم، وأمدك من عُدْم، ونظّم لك حركة حياتك، فإنْ كلَّفك فاعلم أن التكليف من أجلك ولصالحك؛ لأنه رب مُتولٍّ لتربيتك، فإنْ تركك بلا منهج، وبلا افعل ولا تفعل، كانت التربية ناقصة. إذن: من تمام الربوبية أن يوجهني ربي كما نُوجِّه نحن أولادنا الصغار ونُربِّيهم، ومن تمام الربوبية أن توجد هذه الأوامر وهذه النواهي لمصلحة المربِّي، وما دام أن ربك قد وضعها لك فلا بُدَّ أن تطيعه. لذلك نلحظ في هذه الآية {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ..} [النمل: 91] ولم يقُلْ: أُمِرت أن أطيع الله؛ لأن الألوهية تكليف، أمّا الربوبية فعطاء وتربية، فالآية تُبيِّن حيثية سماعك للحكم من الله، وهي أنه تعالى يُربِّيك بهذه الأوامر وبهذه النواهي، وسوف تعود عليك ثمرة هذه التربية. لذلك، الصِّديق أبو بكر حينما حدثوه عن الإسراء والمعراج لم يُمرِّر المسألة على عقله، ولم يفكر في مدى صِدْقها، إنما قال عن رسول الله: "إن كان قال فقد صدق" فالميزان عنده أن يقول رسول الله، ثم يُعلِّل لذلك فيقول: إني لأُصدِّقه في الخبر يأتي من السماء، فكيف لا أُصدِّقه في هذه. وقال تعالى: {رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ..} [النمل: 91] أي: مكة وخصّها بالذكْر؛ لأن فيها بيته {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ..}تفسير : [آل عمران: 96] ثم يذكر سبحانه وتعالى من صفات مكة {ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ..} [النمل: 91] فهي مُحرَّمة يحرم فيها القتال، وهذه وسيلة لحماية العالم من فساد الحروب وفساد الخلاف الذي يُفضي بكل فريق لأنْ تأخذه العزة، فلا يجد حلاً إلا في السيف. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطي لخَلْقه فرصة للمداراة وعُذْراً يستترون خلفه، فلا ينساقون خلف غرورهم، فحين تمنعهم من الحروب حُرْمة المكان في الحرم، وحُرْمة الزمان في الأشهر الحرم - لأن كل فعل لا بُدَّ له من زمان ومكان - حين يمنعهم الشرع عن القتال فإن لأحدهم أن يقول: لم أمتنع عن ضعف. ولولا أن الله منعني لفعلْتُ وفعلْتُ، ويستتر خلف ما شرَّع الله من منع القتال، إلى أنْ يذوق حلاوة السلام فتلين نفسه، وتتوق للمراجعة. ولحرمة مكة كان الرجل يلاقي فيها قاتل أبيه، فلا يتعرَّض له احتراماً لحرمة البيت، وقد اتسعتْ هذه الحرمة لتشمل أجناساً أخرى، فلا يُعضد شجرها، ولا يُصاد صَيْدها. ثم يقول تعالى: {وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ ..} [النمل: 91] لأن الله تعالى حين يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، ويصطفي من الأرض أمكنة، ومن الزمان، يريد أن يشيع الاصطفاء في كل شيء. فالحق - تبارك وتعالى - لا يُحَابي أحداً، فحين يرسل رسولاً يُبلِّغ رسالته للناس كافة، فيعود نفعه على الجميع، وكذلك في تحريم المكان أو الزمان يعود نفعه على الجميع؛ لذلك عطف على {ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ..} [النمل: 91] فقال {كُلُّ شَيءٍ ..} [النمل: 91] فالتحريم جُعل من أجل هؤلاء. ثم يقول سبحانه: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91] أي: المنفذين لمنهج الله يعني: لا أعتقد عقائد أخبر بها ولا أُنفِّذها، وقد قرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن فائدة الإيمان أنْ تعملَ به، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..}تفسير : [العصر: 1-3]. فالله تعالى يريد أن يُعدِّي الإيمان والأحكام إلى أن تكون سلوكاً عملياً في حركة الحياة.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ لمَّا أمر سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما أوحي إليه من الوعد والوعيد، والأوامر والنواهي المصلحة لأحوال الأنام في النشأتين، وبيان مبدئهم ومعاهدهم، وما يؤول إليه أمرهم بعدما انقرضوا من هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار، إما إلى دركات النيران وإما إلى درجات الجنان، ثمَّ بيَّن لهم طريق الوصول إلى مقر التوحيد، والتمكن في مقام التجريد والتفريد آمراً أيضاً، بأن قال لهم إمحاضاً للنصح كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة، خالياً عن وصمة الميل إلى الهوى: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ} الله الواحد الأحد الصمد عبادة خالصة عن الرياء والرعونات {رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} أراد بها مكة. شرفها الله - خصها بالإضافة للتعظيم، وإلا فهو رب جميع البلاد والأماكن {ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} هذه البلدة من الأمور التي أباحها في غيرها من البلاد {وَلَهُ} سبحانه {كُلُّ شَيءٍ} خلقه وملكه، وتصرف فيه كشف يشاء وأراد بلا منازع ومخاصم {وَ} بالجملة: {أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91] المنقادين لأحكامه سبحانه، الممتثلين لأوامره ونواهيه بلا التفات إلى إيمان أحد وكفره وهدايته وضلاله. {وَ} أُمرت أيضاً {أَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ} المنزل عليَّ من عند ربي، وأداوم على تلاوتة بين أظهر الأنام؛ لأنه إنما أوحي للهدى والإرشاد بالنسبة إلى جميع العباد {فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} به بعدما سمعه وتأمل معناه، وامتثل بمقتضاه {فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} نفع هدايته عائد إليها، مفيد لها {وَمَن ضَلَّ} أي: أعرض عنه بعدما سمع واستكبر وكذب {فَقُلْ} أي: أمرني ربي أن قُلْ للمكذبين: {إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ} [النمل: 92] أي: أمري منحسر بالإنذار والتخويف كسائر الرسل المنذرين، فالهداية والضلال إنما هو مفوض إلى الكبير المتعال. {وَ} بعدما أمرنن ربي بهذه المأمورات المذكورة أمرني بتجديد التحميد على تبليغ ما أُحيت به بقوله: {قُلِ} بعدما تلوت عليهم ما تلونا عليك {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} على ما علمني ربي من الحقائق والمعارف، وشرفني بأنواع المكاشفات والمشاهدات، ويسر عليَّ تبليغ ما أوحي إليَّ، وأُمرت بتبليغه إلى قاطبة الأنام، وإن أعرضوا عن قبول ما بلغت لهم من مصالح دينهم في النشأة الأولى والأخرى. قل لهم على سبيل التهديد: {سَيُرِيكُمْ} سبحانه في النشأة الأخرى وقيام الساعة الموعودة صدق {آيَاتِهِ} الدالة على عظمة ذاته، المتينة لمواعيده ووعيداته {فَتَعْرِفُونَهَا} حنيئذٍ، وتسمعونها سمع قبول ورضا، ولا يجديكم قبولها حينئذٍ نفعاً وفائدة؛ إذ قد مضى وقت الإرشاد والامتثال بها، والعمل بمقتضاها {وَ} بعدما بلغت لهم ما بلغت يا أكمل الرسل لا تبالِ بإعراضهم وإنكارهم؛ إذ {مَا رَبُّكَ} المطلع بالسرائر والخفايا {بِغَافِلٍ} ذاهل {عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل: 93] من الرد والقبول بعدما سمعوا منك وفهموا معناه، يجازيهم على مقتضى إطلاعه وعلمه. رنبا اشرح لنا صدورنا بتأمل آياتك المنزلة من عندك، ويسِّر لنا أمورنا بأن نمتثل بمقتضاها بفضلك وجودك. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المواظب على تلاوة كتاب الله اللازم للاسترشاد والاستهداء منه أن تلاحظ أولاً منطوقات ألفاظه المفردة، ثمَّ مفهومات الكلام المركب مها، ثمَّ التأمل والتدبر في رعاية المطابقة لمقتضيات الأحوال الموردة لأجلها، ثمَّ لتعمق في الأساليب والأغراض المسوقة لها الكلام، ثمَّ سرائر الأوامر والنواهي الموردة فيها، والعبر والأمثال المشتملة عليها الكلام، ثمَّ الحكم والمصالح الباعثة لإيراد الكلام على وجهها، ثمَّ التفطن والتنبه من النظم المتلو المقروء على المعارف والحقائق، والمكاشفات والمشاهدات التي هي العلل الغائية لإنشائه، والأسرار الباعثة لنظم كلماته وتأليف حروفه. وعليك أيها الفطن الخبير أن تدرك أن "حديث : للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن"تفسير : على ما نطق به الحديث الصحيح، صلوات الله على قائله وسلامه. وإياك إياك أن تقنع منه بألفاظه ومنطوقاته التي تعرفها عوام العرب، أو تقنع منه بالخواص والمزايا التي تعرفها أرباب اللسن منهم، بل لك أن تلاحظ على الوجه المذكور إلى أن صار علمك المتعلق به لدنياً ذوقياً خالياً، بحيث تسمعه من قلبك، وتفهمه بقلبك بلا وسائل الألفاظ والحروف الجارية على لسانك؛ إذ الألفاظ والحروف إنما هي من جملة الحجب الغليظة عند أولي الألباب الناظرين في لب القرآن، فحينئذٍ فزت بحظك منه، ونلت نصيبك من هدايته وإرشاده. ربِّ هب لي بفظلك من خزائن جودك التي أودعتها في كتابك الكريم، إنك أنت الوهاب الملهم بالخير والصواب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لهم يا محمد { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } أي: مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها فيجب أن يقابلوا ذلك بالشكر والقبول. { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } من العلويات والسفليات أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده. { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: أبادر إلى الإسلام، وقد فعل صلى الله عليه وسلم فإنه أول هذه الأمة إسلاما وأعظمها استسلاما. { و } أمرت أيضا { أن أَتْلُوَ } عليكم { الْقُرْآنُ } لتهتدوا به وتقتدوا وتعلموا ألفاظه ومعانيه فهذا الذي علي وقد أديته، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } نفعه يعود عليه وثمرته عائدة إليه { وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ } وليس بيدي من الهداية شيء. { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } الذي له الحمد في الأولى والآخرة ومن جميع الخلق، خصوصا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، فإن الذي ينبغي أن يقع منهم من الحمد والثناء على ربهم أعظم مما يقع من غيرهم لرفعة درجاتهم وكمال قربهم منه وكثرة خيراته عليهم. { سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } معرفة تدلكم على الحق والباطل، فلا بد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات. {أية : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ }. تفسير : { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل قد علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال وعلم مقدار جزاء تلك الأعمال وسيحكم بينكم حكما تحمدونه عليه ولا يكون لكم حجة بوجه من الوجوه عليه. تم تفسير سورة النمل بفضل الله وإعانته وتيسيره. ونسأله تعالى أن لا تزال ألطافه ومعونته مستمرة علينا وواصلة منه إلينا، فهو أكرم الأكرمين وخير الراحمين وموصل المنقطعين ومجيب السائلين. ميسر الأمور العسيرة وفاتح أبواب بركاته والمجزل في جميع الأوقات هباته، ميسر القرآن للمتذكرين ومسهل طرقه وأبوابه للمقبلين وممد مائدة خيراته ومبراته للمتفكرين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. على يد جامعه وممليه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وذلك في 22 رمضان سنة 1343. المجلد السادس من تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، من منن الله على الفقير إلى المعيد المبدي: عبده وابن عبده وابن أمته: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له آمين.