Verse. 3253 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

طٰسۗمّۗ۝۱
Taseenmeem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«طسم» الله أعلم بمراده بذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {طسم } كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها و {تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة و {ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } هو إما اللوح وإما الكتاب الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة هي آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد، أو لأنه يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال. أما قوله تعالى: {نتلو عَلَيْكَ } أي على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان يتلو على محمد حتى يحفظه، وقوله: {مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ} فهو مفعول {نتلو عَلَيْكَ } أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين، كقوله: { أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20] وقوله: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضاً لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا فهو كقوله: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2]، والثاني: يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم وتكون إرادته لمن لا يؤمن كالتبع، قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } قرىء فرعون بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس {عَلاَ } استكبر وتجبر وتعظم وبغى، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } أي فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضاً في استخدامه أو أصنافاً في استخدامه أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له أطوع أو المراد ما فسره بقوله: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } أي يستخدمهم {ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } فهذا هو المراد بالشيع. قوله: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } تلك الطائفة بنو إسرائيل، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه: أحدها: أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفاً من بني إسرائيل. قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل؟ وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة، وأيضاً فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته، وأيضاً فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثاً. واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل وثانيها: وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور وثالثها: أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول، قال صاحب «الكشاف»: {يَسْتَضْعِفُ } حال من الضمير في {وَجَعَلَ } أو صفة لشيعا، أو كلام مستأنف و {يُذَبّحُ } بدل من {يَسْتَضْعِفُ } وقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى. أما قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } فهو جملة معطوفة على قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصاً له، واللفظ في قوله: {وَنُرِيدُ } للاستقبال ولكن أريد به حكاية حال ماضية ويجوز أن يكون حالاً من {يَسْتَضْعِفُ } أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم، فإن قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ قلنا لما كان منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. أما قوله: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } أي متقدمين في الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة إلى الخير وعن قتادة ولاة كقوله: { أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } تفسير : [المائدة: 20]، {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده. أما قوله: {وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه(أو يرقد) فوطأه ومهده، ونظيره أرض له ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم وقوله: {وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } قرىء {وَيَرَى فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا } أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود بني إسرائيل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {طسۤمۤ } تقدّم الكلام فيه. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } {تِلْكَ} في موضع رفع بمعنى هذه تلك و{آيَاتُ} بدل منها. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ{ـنَتْلُو} و{آيَاتُ} بدل منها أيضاً؛ وتنصبها كما تقول: زيداً ضربت. و{الْمُبِينِ} أي المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال: بان الشيء وأبان (اتضح). {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبيّن أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض وتجبّر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلوّ في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون. {نَتْلُواْ عَلَيْكَ} أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا {مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ} أي من خبرهما و{من} للتبعيض و{مِنْ نَبَإ} مفعول {نَتْلُو} أي نَتْلو عليك بعض خبرهما؛ كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20]. ومعنى: {بِالْحَقِّ} أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يصدّقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند الله؛ فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه حق. قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي استكبر وتجبّر؛ قاله ابن عباس والسّديّ. وقال قتادة: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية. وقيل: بملكه وسلطانه فصار عالياً على من تحت يده. «فِي الأَرْضِ» أي أرض مصر. {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي فرقاً وأصنافاً في الخدمة. قال الأعشى:شعر : وبلدة يَرْهَبُ الجوَّابُ دجلتَها حتى تراه عليها يَبْتَغي الشِّيعَا تفسير : {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} أي من بني إسرائيل. {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تقدّم القول في هذا في «البقرة» عند قوله: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}تفسير : [البقرة: 49]الآية؛ وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجِّمون له ذلك، أو رأى رؤيا فعبِّرت كذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل. وقيل: جعلهم شيعاً فاستسخر كل قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد. {إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي نتفضل عليهم وننعم. وهذه حكاية مضت. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} قال ابن عباس: قادة في الخير. مجاهد: دعاة إلى الخير. قتادة: ولاة وملوكاً؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} تفسير : [المائدة: 20]. قلت: وهذا أعمّ فإن الملِك إمام يؤتم به ويقتدى به. {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} لملك فرعون؛ يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [الأعراف: 137]. قوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يُستولَى عليها؛ يعني أرض الشام ومصر. {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} أي ونريد أن نري فرعون. وقرأ الأعمش ويحيـى وحمزة والكسائي وخلف: {وَيَرَى} بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى {فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} رفعاً لأنه الفاعل. الباقون {نُرِيَ} بضم النون وكسر الراء على أنه فعل رباعي من أرى يُرِي، وهي على نسق الكلام؛ لأن قبله {وَنُرِيدُ} وبعده {وَنُمَكِّنَ}. {فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} نصباً بوقوع الفعل. وأجاز الفراء {وَيُرِيَ فِرْعَوْنَ} بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء بمعنى ويري الله فرعون {مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل {مِنْهُمْ} فأراهم الله {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}. قال قتادة: كان حَازياً لفرعون ـ والحازي المنجم ـ قال إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك؛ فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة. وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : مكية وقيل إلا قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله لا نبتغي الجاهلين وهي ثمان وثمانون آية {بسم الله الرحمن الرحيم} {طسم}. {تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ }. {نَتْلُو عَلَيْكَ} نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازاً. {مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ} بعض نبئهما مفعول {نتلو}. {بِٱلْحَقّ} محقين. {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم المنتفعون به. {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلاْرْضِ} استئناف «مبين» لذلك البعض، والأرض أرض مصر. {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} فرقاً يشيعونه فيما يريد، أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته أو أصنافاً في استخدامه استعمل كل صنف في عمل، أو أحزاباً بأن أغرى بينهم العداوة كي لا يتفقوا عليه. {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ} وهم بنو إسرائيل، والجملة حال من فاعل {جَعَلَ } أو صفة لـ {شِيَعاً } أو استئناف، وقوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} بدل منها، كان ذلك لأن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده، وذلك كان من غاية حمقه فإنه لو صدق لم يندفع بالقتل وإن كذب فما وجهه. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد. {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أن نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه، {وَنُرِيدُ} حكاية حال ماضية معطوفة على {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} من حيث إنهما واقعان تفسير للـ {نَبَأَ}، أو حال من {يَسْتَضْعِفُ} ولا يلزم من مقارنة الإِرادة للاستضعاف مقارنة المراد له، لجواز أن يكون تعلق الإِرادة به حينئذ تعلقاً استقبالياً مع أن منة الله بخلاصهم لما كانت قريبة الوقوع منه جاز أن تجري مجرى المقارن. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} مقدمين في أمر الدين. {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} لما كان في ملك فرعون وقومه. {وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أرض مصر والشام، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكاناً يتمكن فيه ثم استعير للتسليط. وإِطلاق الأمن. {وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ} من بني إسرائيل. {مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. وقرأ حمزة والكسائي {ويري} بالياء و {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا} بالرفع. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ} بإلهام أو رؤيا. {أَنْ أَرْضِعِيهِ} ما أمكنك إخفاؤه. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} بأن يحس به. {فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمّ} في البحر يريد النيل. {وَلاَ تَخَافِى } عليه ضيعة ولا شدة. {وَلاَ تَحْزَنِى} لفراقه. {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} عن قريب بحيث تأمنين عليه. {وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} روي أنها لما ضر بها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها، فلما وقع موسى على الأرض هالها نور بين عينيه وارتعشت مفاصلها ودخل حبه في قلبها بحيث منعها من السعاية، فأرضعته ثلاثة أشهر ثم ألح فرعون في طلب المواليد واجتهد العيون في تفحصها فأخذت له تابوتاً فقذفته في النيل. {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تعليل لالتقاطهم إياه بما هو عاقبته ومؤداه تشبيهاً له بالغرض الحامل عليه. وقرأ حمزة والكسائي {وَحَزَناً}. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ} في كل شيء فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفاً لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم، فالجملة اعتراض لتأكيد خطئهم أو لبيان الموجب لما ابتلوا به، وقرىء «خاطين» تخفيف {خَـٰطِئِينَ} أو «خاطين» الصواب إلى الخطأ.

ابن كثير

تفسير : فقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقوله: {تِلْكَ} أي: هذه {ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} أي: الواضح الجلي، الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان، وما هو كائن. وقوله: {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ} الآية؛ كما قال تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] أي: نذكر لك الأمر على ما كان عليه، كأنك تشاهد، وكأنك حاضر، ثم قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي تكبر وتجبر وطغى {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي: أصنافاً، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته. وقوله تعالى: { يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} يعني: بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد، يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلاً ونهاراً في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم؛ إهانة لهم، واحتقاراً وخوفاً من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل عليه السلام، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ــــ إلى قوله ــــ {يَحْذَرُونَ} وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} تفسير : ــــ إلى قوله ــ {أية : يَعْرِشُونَ} تفسير : [الأعراف: 137]. وقال تعالى: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59] أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسىٰ، فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، ولا يغلب، بل نفذ حكمه، وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلـله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه؛ لتعلم أن رب السموات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {طسم } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : الكلام في فاتحة هذه السورة قد مرّ في فاتحة الشعراء وغيرها، فلا نعيده، وكذلك مرّ الكلام على قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } فاسم الإشارة مبتدأ خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف، و{آيات} بدل من اسم الإشارة، ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب بـ {نتلو}، والمبين: المشتمل على بيان الحق من الباطل. قال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وهو من أبان بمعنى: أظهر {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي نوحي إليك من خبرهما ملتبساً بالحق، وخص المؤمنين؛ لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن، وقيل: إن مفعول نتلو محذوف، والتقدير: نتلو عليك شيئاً من نبئهما، ويجوز أن تكون "من" مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى وفرعون، والأولى أن تكون للبيان على تقدير المفعول كما ذكر أو للتبعيض، ولا ملجىء للحكم بزيادتها، والحق: الصدق، وجملة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } وما بعدها مستأنفة مسوقة لبيان ما أجمله من النبأ. قال المفسرون: معنى {علا}: تكبر، وتجبر بسلطانه، والمراد بالأرض أرض مصر. وقيل: معنى {علا}: ادعى الربوبية، وقيل: علا عن عبادة ربه {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } أي فرقاً، وأصنافاً في خدمته يشايعونه على ما يريد، ويطيعونه، وجملة: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً، ويجوز أن تكون في محلّ نصب على الحال من فاعل جعل، أي جعلهم شيعاً حال كونهم مستضعفاً طائفة منهم، ويجوز أن تكون صفة لطائفة، والطائفة هم بنو إسرائيل، وجملة: {يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْييِ نِسَاءهُمْ } بدل من الجملة الأولى، ويجوز أن تكون مستأنفة للبيان، أو حالاً، أو صفة كالتي قبلها على تقدير عدم كونها بدلاً منها، وإنما كان فرعون يذبح أبناءهم، ويترك النساء؛ لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل. قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقاً عنده فما ينفع القتل، وإن كان كاذباً فلا معنى للقتل {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } في الأرض بالمعاصي والتجبر، وفيه بيان أن القتل من فعل أهل الإفساد. {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ } جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية، واستحضار صورتها، أي نريد أن نتفضل عليهم بعد استضعافهم، والمراد بهؤلاء: بنو إسرائيل، والواو في {ونريد} للعطف على جملة {إن فرعون علا}، وإن كانت الجملة المعطوف عليها اسمية؛ لأن بينهما تناسباً من حيث أن كل واحدة منهما للتفسير والبيان، ويجوز أن تكون حالاً من فاعل {يستضعف} بتقدير مبتدأ، أي ونحن نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض كما في قول الشاعر:شعر : نجوت وأرهنتهم ملكاً تفسير : والأوّل أولى {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } أي قادة في الخير، ودعاة إليه، وولاة على الناس، وملوكاً فيهم {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } لملك فرعون، ومساكن القبط، وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم، ويسكنون في مساكنه، ومساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم {وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } أي نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرّفون به كيف شاؤوا. قرأ الجمهور: {نمكّن} بدون لام، وقرأ الأعمش: "لنمكن" بلام العلة. {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا } قرأ الجمهور: {نرى} بنون مضمومة وكسر الراء على أن الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف: "ويرى" بفتح الياء التحتية والراء، والفاعل فرعون. والقراءة الأولى ألصق بالسياق؛ لأن قبلها نريد ونجعل ونمكّن بالنون. وأجاز الفراء: "ويري فرعون" بضم الياء التحتية، وكسر الراء، أي ويرى الله فرعون، ومعنى {مِنْهُمْ }: من أولئك المستضعفين {مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } الموصول هو المفعول الثاني على القراءة الأولى، والمفعول الأوّل على القراءة الثانية، والمعنى: أن الله يريهم، أو يرون هم الذي كانوا يحذرون منه، ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين. {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } أي ألهمناها وقذفنا في قلبها، وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، وقيل: كان ذلك رؤيا في منامها، وقيل: كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك. وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية، وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما، وقد سلمت على عمران بن حصين الملائكة كما في الحديث الثابت في الصحيح فلم يكن بذلك نبياً، و"أن" في {أَنْ أَرْضِعِيهِ } هي المفسرة، لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية، أي بأن أرضعيه، وقرأ عمر بن عبد العزيز بكسر نون أن، ووصل همزة أرضعيه فالكسر لالتقاء الساكنين، وحذف همزة الوصل على غير القياس {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } من فرعون بأن يبلغ خبره إليه {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمّ }، وهو بحر النيل، وقد تقدّم بيان الكيفية التي ألقته في اليمّ عليها في سورة طه {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي} أي لا تخافي عليه الغرق، أو الضيعة، ولا تحزني لفراقه {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } عن قريب على وجه تكون به نجاته {وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } الذين نرسلهم إلى العباد. والفاء في قوله: {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ } هي الفصيحة، والالتقاط: إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر، وفي الكلام حذف، والتقدير: فألقته في اليمّ بعد ما جعلته في التابوت، فالتقطه من وجده من آل فرعون، واللام في {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } لام العاقبة، ووجه ذلك: أنهم إنما آخذوه؛ ليكون لهم ولداً، وقرّة عين لا ليكون عدوّاً فكان عاقبة ذلك إنه كان لهم عدوًّا وحزناً، ولما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم، وثمرة له شبهت بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، ومن هذا قول الشاعر:شعر : لدوا للموت وابنوا للخراب تفسير : قول الآخر:شعر : وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : قرأ الجمهور: {وحزناً} بفتح الحاء، والزاي، وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف: "وحزناً" بضم الحاء وسكون الزاي، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم وهما لغتان كالعَدَم والعُدْم، والرَّشَد والرُّشْد، والسَّقَم والسُّقْم، وجملة {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ } لتعليل ما قبلها، أو للاعتراض لقصد التأكيد؛ ومعنى {خَـٰطِئِينَ }: عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم، وهو مأخوذ من الخطأ المقابل للصواب، وقرىء: "خاطين" بياء من دون همزة، فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور، ولكنها خففت بحذف الهمزة، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو، أي تجاوز الصواب. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّي وَلَكَ } أي قالت امرأة فرعون لفرعون، وارتفاع {قرّة} على أنه خبر مبتدأ محذوف، قاله الكسائي، وغيره. وقيل: على أنه مبتدأ، وخبره: {لاَ تَقْتُلُوهُ } قاله الزجاج، والأوّل أولى. وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها، وأخرجته من التابوت، وخاطبت بقولها: {لاَ تَقْتُلُوهُ } فرعون، ومن عنده من قومه، أو فرعون وحده على طريقة التعظيم له. وقرأ عبد الله بن مسعود: "وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرّة عين لي ولك"، ويجوز نصب "قرّة" بقوله: {لاَ تَقْتُلُوهُ } على الاشتغال. وقيل: إنها قالت: لا تقتلوه فإن الله أتى به من أرض بعيدة، وليس من بني إسرائيل. ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم، أو التنبي له، فقالت: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا } فنصيب منه خيراً {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وكانت لا تلد، فاستوهبته من فرعون فوهبه لها، وجملة: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } في محل نصب على الحال، أي وهم لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، ولا يشعرون أن هلاكهم على يده؛ فتكون حالاً من آل فرعون، وهي من كلام الله سبحانه. وقيل: هي من كلام المرأة، أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، وهم لا يشعرون، قال الكلبي، وهو بعيد جداً. وقد حكى الفراء عن السديّ عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أن قوله: {لاَ تَقْتُلُوهُ } من كلام فرعون، واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ، ويكفي في ردّه ضعف إسناده. {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } قال المفسرون: معنى ذلك: أنه فارغ من كل شيء إلاّ من أمر موسى كأنها لم تهتمّ بشيء سواه. قال أبو عبيدة: خالياً من ذكر كل شيء في الدنيا إلاّ من ذكر موسى، وقال الحسن وابن إسحاق، وابن زيد: فارغاً مما أوحى إليها من قوله: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي}، وذلك لما سوّل الشيطان لها من غرقه وهلاكه. وقال الأخفش: فارغاً من الخوف والغمّ لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدّم من الوحي إليها، وروى مثله عن أبي عبيدة أيضاً. وقال الكسائي: ناسياً ذاهلاً، وقال العلاء بن زياد: نافراً. وقال سعيد بن جبير: والهاً كادت تقول: وا ابناه من شدّة الجزع، وقال مقاتل: كادت تصيح شفقة عليه من الغرق. وقيل: المعنى: أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع، والدهش، قال النحاس: وأصحّ هذه الأقوال الأوّل، والذين قالوه أعلم بكتاب الله، فإذا كان فارغاً من كل شيء إلاّ من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي، وقول من قال: فارغاً من الغمّ غلط قبيح؛ لأن بعده: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد ابن السميفع وأبو العالية وابن محيصن: "فزعا" بالفاء، والزاي، والعين المهملة من الفزع، أي خائفاً وجلاً، وقرأ ابن عباس: "قرعا" بالقاف المفتوحة، والراء المهملة المكسورة، والعين المهملة من قرع رأسه: إذا انحسر شعره، ومعنى {وَأَصْبَحَ }: وصار، كما قال الشاعر:شعر : مضى الخلفاء في أمر رشيد وأصبحت المدينة للوليد تفسير : {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } "إن" هي: المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، أي إنها كادت لتظهر أمر موسى، وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش والخوف والحزن، من بدا يبدو: إذا ظهر، وأبدى يبدي: إذا أظهر، وقيل: الضمير في {به} عائد إلى الوحي الذي أوحى إليها، والأوّل أولى. وقال الفراء: إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها. قال الزجاج: ومعنى الربط على القلب: إلهام الصبر، وتقويته، وجواب لولا محذوف، أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت، واللام في: {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } متعلق بـ {ربطنا}، والمعنى: ربطنا على قلبها؛ لتكون من المصدّقين بوعد الله، وهو قوله: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } قيل: والباء في {لَتُبْدِي بِهِ } زائدة للتأكيد، والمعنى: لتبديه كما تقول: أخذت الحبل وبالحبل. وقيل: المعنى: لتبدي القول به {وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ } أي: قالت أمّ موسىٰ لأخت موسىٰ، وهي مريم: قصيه، أي تتبعي أثره، واعرفي خبره، وانظري أين وقع، وإلى من صار؟ يقال: قصصت الشيء: إذا اتبعت أثره متعرّفاً لحاله {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } أي أبصرته عن بعد، وأصله عن مكان جنب، ومنه الأجنبي. قال الشاعر:شعر : فلا تحرميني نائلاً عن جنابة فإني امرؤ وسط الديار غريب تفسير : وقيل: المراد بقوله: {عن جنب} عن جانب، والمعنى: أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة، ويؤيد ذلك قراءة النعمان بن سالم عن جانب، ومحلّ: {عن جنب} النصب على الحال إما من الفاعل، أي بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، وإما من المجرور، أي بعيداً منها. قرأ الجمهور: {بصرت} به بفتح الباء وضم الصاد، وقرأ قتادة بفتح الصاد، وقرأ عيسى بن عمر بكسرها. قال المبرّد: أبصرته، وبصرت به بمعنى، وقرأ الجمهور: {عن جنب} بضمتين، وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن عليّ بفتح الجيم وسكون النون، وروي عن قتادة أيضاً أنه قرأ بفتحهما. وروي عن الحسن أيضاً أنه قرأ بضم الجيم وسكون النون. وقال أبو عمرو بن العلاء: إن معنى {عَن جُنُبٍ }: عن شوق. قال: وهي لغة جذام يقولون: جنبت إليك أي: اشتقت إليك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها تقصه وتتبع خبره، وأنها أخته. {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ } المراضع جمع مرضع، أي منعناه أن يرضع من المرضعات. وقيل: المراضع جمع مرضع بفتح الضاد، وهو الرضاع، أو موضعه، وهو الثدي، ومعنى {مِن قَبْلُ }: من قبل أن نردّه إلى أمه، أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها لأثره، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسىٰ المرضعات ليرضعنه، فلم يرضع من واحدة منهنّ فعند ذلك {قَالَتْ } أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أي: يضمنون لكم القيام به، وإرضاعه {وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ } أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. وفي الكلام حذف، والتقدير: فقالوا لها: من هم؟ فقالت: أمي، فقيل لها: وهل لأمك لبن؟ قالت: نعم لبن أخي هارون: فدلتهم على أمّ موسى، فدفعوه إليها، فقبل ثديها، ورضع منه، وذلك معنى قوله سبحانه: {فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } بولدها {وَلاَ تَحْزَنْ } على فراقه {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } أي جميع وعده، ومن جملة ذلك ما وعدها بقوله: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ }. {حَقّ } لا خلف فيه واقع لا محالة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي أكثر آل فرعون لا يعلمون بذلك، بل كانوا في غفلة عن القدر وسرّ القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله وعدها بأن يردّه إليها. وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } قال: فرّق بينهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة: {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } قال: يستعبد طائفة منهم، ويدع طائفة ويقتل طائفة ويستحيي طائفة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } قال: يوسف وولده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ } قال: هم: بنو إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } أي ولاة الأمر {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } قال: ما كان القوم حذروه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } أي ألهمناها الذي صنعت بموسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال: قال ابن عباس في قوله: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } قال: أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } قال: فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلاّ من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } قال: خالياً من كل شيء غير ذكر موسى. وفي قوله: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } قال: تقول: يا ابناه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله: {وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ } أي اتبعي أثره {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } قال: عن جانب. وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «حديث : أما شعرت أن الله زوّجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة فرعون؟» تفسير : قالت: هنيئاً لك يا رسول الله، وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي روّاد مرفوعاً بأطول من هذا، وفي آخره: أنها قالت: بالرفاء والبنين. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } قال: لا يؤتى بمرضع فيقبلها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ببغيه في استعباد بني إسرائيل وقتل أولادهم، قاله قتادة. الثاني: بكفره وادعاء الربوبية. الثالث: بملكه وسلطانه. وهذه الأرض أرض مصر لأن فرعون ملك مصر، ولم يملك الأرض كلها، ومصر تسمى الأرض ولذلك قيل لبعض نواحيها الصعيد. وفي علوه وجهان: أحدهما: هو لظهوره في غلبته. الثاني: كبره وتجبره. {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي فرقاً. قاله قتادة: فَرّق بين بني إسرائيل والقبط. {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} وهم بنو إسرائيل بالاستعباد بالأعمال القذرة. {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ} قال السدي: إن فرعون رأى في المنام أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فسأل علماء قومه عن تأويله، فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل فقال القبط لفرعون: إن شيوخ بني إسرائيل قد فنوا بالموت وصغارهم بالقتل فاستبقهم لعملنا وخدمتنا أن يستحيوا في عام ويقتلوا في عام فولد هارون في عام الاستحياء وموسى في عام القتل. وطال بفرعون العمر حتى حكى النقاش أنه عاش أربعمائة سنة وكان دميماً قصيراً. وكان أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مائة وعشرين سنة. قوله: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ} فيهم قولان: أحدهما: بنو إسرائيل، قاله يحيى بن سلام. الثاني: يوسف وولده، قاله علي رضي الله عنه. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمََّةً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ولاة الأمر، قاله قتادة. الثاني: قادة متبوعين، قاله قتادة. الثالث: أنبياء لأن الأنبياء فيما بين موسى وعيسى كانوا من بني إسرائيل أولهم موسى وآخرهم عيسى وكان بينهما ألف نبي، قاله الضحاك. {وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنهم بعد غرق فرعون سبَوا القبط فاستعبدوهم بعد أن كانوا عبيدهم فصاروا وارثين لهم، قاله الضحاك. الثاني: أنهم المالكون لأرض فرعون التي كانوا فيها مستضعفين. والميراث زوال الملك عمن كان له إلى من صار إليه، ومنه قول عمرو بن كلثوم: شعر : ورثنا مجد علقمة بن سيف أباح لنا حصون المجد دينا

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما أغنى عن الإعادة، فمن قال إن هذه الحروف من أسماء الله تعالى قال إن الطاء من الطول الذي لله تعالى والسين من السلام والميم من المنعم أو الرحيم ونحو هذا، وقوله تعالى: {تلك} يتقدر موضعها بحسب كل قول من الأقوال في الحروف، فمن جعل {طسم} مثالاً لحروف المعجم جاءت الإشارة بـ {تلك} إلى حروف المعجم، ومن قطعها قال {تلك} في موضع هذه، وساغ هذا من حيث لم تكن حاضرة عتيدة بل هي أقوال ينقضي بعضها شيئاً فشيئاً فسائغ أن يقال في الإشارة إليها {تلك}. قال القاضي أبو محمد: والأصل أن {تلك} إشارة إلى ما غاب و"هذه" إشارة إلى ما حضر، وقد تتداخل متى كان في الغيبة حصول وثقة به تقوم مقام الحضور- ومتى كان في الحضور بعدما يقوم مقام الغيبة فمن ذلك قوله تعالى {أية : وما تلك بيمينك يا موسى} تفسير : [طه: 17] لما كان موسى لا يرى ربه تعالى، فهو وعصاه في منزل غيب، فساغ ذلك، ومن النقيض قول المؤلف لكتاب ونحوه هذا كتاب وما جرى هذا المجرى فتتبعه فهو كثير فيشبه في آياتنا هذه أن تكون {تلك} بمنزلة هذه {آيات الكتاب المبين}، ويشبه أن تكون متمكنة من حيث الآيات كلها وقت هذه المخاطبة لم تكن عتيدة، و {نتلو} معناه نقص ونتابع القصص، وخص تعالى بقوله {لقوم يؤمنون} من حيث هم المنتفعون بذلك دون غيرهم فخصوا تشريفاً، و {علا في الأرض} من علو الطغيان والتغلب، وقوله {في الأرض} يريد في أرض مصر وموضع ملكه، ومتى جاءت {الأرض} هكذا عامة فإنما يراد بها الأرض التي تشبه قصة القول المسوق لأن الأشياء التي تعم الأرض كلها قليلة والأكثر ما ذكرناه، و"الشيع" الفرق، وكان هذا الفعل من فرعون بأن جعل القبط ملوكاً مستخدِمين، وجعل بني إسرائيل عبيداً مستخدَمين، وهم كانوا الطائفة المستضعفة، و {يذبح} مضعف للمبالغة والعبارة عن تكرار الفعل، وقال قتادة كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماؤه إن غلاماً لبني إسرائيل يفسد ملكك، وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا - فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحيي عاماً، فولد هارون في عام الاستحياء وولد موسى في عام الذبح، وقرأ جمهور القراء "يُذبح" بضم الياء وكسر الباء على التكثير، وقرأ أبو حيوة، وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال، قال وهب بن منبه: بلغني أن فرعون ذبح في هذه المحاولة سبعين ألفاً من الأطفال، وقال النقاش، جميع ما قتل ستة عشر طفلاً. قال الفقيه الإمام القاضي: طمع بجهله أن يرد القدر وأين هذا المنزع من قول النبي عليه السلام "فلن تقدر عليه" يعني ابن صياد، وباقي الآية بين.

النسفي

تفسير : مكية وهي ثمان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم {طسم تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } يقال بان الشيء وأبان بمعنى واحد، ويقال أبنته فأبان لازم ومتعدٍ أي مبين خيره وبركته أو مبين للحلال والحرام والوعد والوعيد والإخلاص والتوحيد {نَتْلُواْ عَلَيْكَ } نقرأ عليك أي يقرؤه جبريل بأمرنا ومفعول {نتلو} {مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ } أي نتلو عليك بعض خبرهما {بِٱلْحَقّ } حال أي محقين {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لمن سبق في علمنا أنه مؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم {إِنَّ فِرْعَوْنَ } جملة مستأنفة كالتفسير للجمل كأن قائلاً قال: وكيف كان نبؤهما؟ فقال: إن فرعون {عَلاَ } طغى وجاوز الحد في الظلم واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية {فِى ٱلأَرْضِ} أي أرض مملكته يعني مصر {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه. لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه أو فرقاً مختلفة يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } هم بنو إسرائيل {يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ } أي يترك البنات أحياء للخدمة، وسبب ذبح الأبناء أن كاهناً قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. وفيه دليل على حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل، وإن كذب فما معنى القتل. ويستضعف حال من الضمير في {وجعل} أو صفة لـــــ {شيعاً} أو كلام مستأنف و{يذبح} بدل من {يستضعف} {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي إن القتل ظلماً إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {طسم تلك} إشار إلى آيات السورة {آيات الكتاب المبين} قيل هو اللوح المحفوظ وقيل هو الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ويرى} بفتح الياء وإمالة الراء {فرعون وهامان وجنودهما} مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله {وحزناً} بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها. الوقوف: {طسم} كوفي. {المبين} ه {يؤمنون} ه {نساءهم} ط {المفسدين} ه {الوارثين} ه لا للعطف {يحذرون} ه {أرضعيه} ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية {ولا تحزني} ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا. {من المرسلين} ه {وحزنا} ط {خاطئين} ه {ولك} ط {لا تقتلوه} ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي. {لا يشعرون} ه {فارغاً} ط {المؤمنين} ه {قصيه} ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت {لا يشعرون} ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله {فقالت} عطف على قوله {فبصرت} والحال معترض {ناصحون} ه {لا يعلمون} ه {وعلماً} ه {المحسنين} ه {يقتتلان} لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من {عدوّه} الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من {عدوّه} الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل {الشيطان} ط {مبين} ه {فغفر له} ط {الرحيم} ه {للمجرمين} ه {يستصرخه} ط {مبين} ط {لهما} لا لأن ما بعده جواب "لما" {بالأمس} ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل {المصلحين} ه {يسعى} ز لعدم العاطف مع اتحاد القول {من الناصحين} ه {يترقب} ز لما قلنا في {يسعى} {الظالمين} ه. التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء. {نتلو عليك} على لسان جبرائيل {من نبأ موسى وفرعون} أي طرفاً من خبرها متلبساً {بالحق} أو محقين {لقوم يؤمنون} لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء. ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟ فقال مستأنفاً {إن فرعون علا في الأرض} أي طغى وتكبر في أرض مملكته {وجعل أهلها شيعاً} فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط. وقوله {يستضعف} حال من الضمير في {جعل} أو صفة {شيعاً} أو مستأنف. و{يذبح} بدل منه. وقوله {إنه كان من المفسدين} بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة {ونريد} حكاية حال ماضية معطوفة على قوله {إن فرعون علا} فهذه أيضاً تفسير للنبأ. وجوز أن يكون حالاً من الضمير في {يستضعف} اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع. {ونجعلهم أئمة} مقدمين في أمور الدين والدنيا. وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً. ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد. قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها. فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟ قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة. فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟ فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً. فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله تعالى أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل. فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر. وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون. وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس. فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها. فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله. قال علماء البيان: اللام في قوله {ليكون لهم عدوّاً} لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً. ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم. قال النحويون {قرة عين} خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و {لا تقتلوه} خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب. روي في حديث أن آسية حين قالت {قرة عين لي ولك} قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها. ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء. قال في الكشاف {وهم لا يشعرون} حال من آل فرعون. وقوله {إن فرعون} الآية. جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً. وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل {قالت} أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه. وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه. قوله سبحانه {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله {أية : وأفئدتهم هواء} تفسير : [إبراهيم: 43] أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً. وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا {فألقيه في اليم ولا تخافي} الغرق وسائر المخاوف {ولا تحزني} والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه. ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله تعالى يقول {لولا أن ربطنا على قلبها} وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله {إن كادت لتبدي به} هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس. وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع. وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون. ثم قال {لولا أن ربطنا على قلبها} بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن {لتكون من المؤمنين} المصدّقين بوعد الله وهو قوله {إنا رادوه إليك}. وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه. والأول أظهر بدليل قوله {وقالت لأخته قصيه} اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم {فبصرت به} أي أبصرته {عن جنب} عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة {وهم لا يشعرون} بحالها وغرضها. والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه. وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه تعالى منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه. وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها. و{المراضع} جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و {من قبل} أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. روي أنها لما قالت {وهم له ناصحون} قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون. والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد. والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه. فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها. فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟ قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها. قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة. قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله تعالى سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال سبحانه {ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم} أي أكثر الناس {لا يعلمون} حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله. وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها. قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف {أية : والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} تفسير : [يوسف: 21] وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً. وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك. وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله {ولتعلم} المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن. ثم بين سبحانه كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: {ولما بلغ أشده} وزاد ههنا قوله {واستوى} فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد. والأصح أنهما متغايران. والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة. وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين. وهو عند الأطباء سن الوقوف. فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف. والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله {ودخل المدينة} لا تفيد الترتيب. قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره تعالى في هذه السورة. وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى {أية : فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً}تفسير : [الشعراء: 20 ـ 21] وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه. أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر. وقال الضحاك: هي عين شمس. وقيل: هي مصر. وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو. وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره. قاله السدي. وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر. قال الزجاج: قوله {هذا} {وهذا} وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط. واحتج عليه بأن موسى قال له {إنك لغويّ مبين} والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه. وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً. يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون. وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري {فاستغاثه} سأله أن يخلصه منه {فوكزه} أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف {فقضى عليه} أي أماته وقتله. الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال {هذا من عمل الشيطان} وقال {رب إني ظلمت نفسي} وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟ وأيضاً قوله {هذا من عدوّه} يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز. وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر. فقوله {هذا من عمل الشيطان} معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به {فاغفر لي} فاستره على هذا كله. إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله {هذا من عمل الشيطان} دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله. ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا. قوله {بما أنعمت عليّ} قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية. وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً. وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها. وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة. عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل. فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى. وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز {أصبح} موسى من غد ذلك اليوم {خائفاً يترقب} الأخبار وما يقال فيه {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد. فغويّ بمعنى غاوٍ. وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء. قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف. وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله {إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر. قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل. وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله {وجاء رجل من أقصى المدينة} أي من ابعد مسافاتها إليه. وقوله {يسعى} صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً. قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً. والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى {يأتمرون بك} يتشاورون بسببك. وقوله {لك من الناصحين} كقوله {أية : فيه من الزاهدين}تفسير : [يوسف: 20] وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة. {فخرج منها خائفاً يترقب} المكروه من جهتهم وأن يلحق به {قال} ملتجئاً إلى الله {رب نجني من القوم الظالمين} وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص. التأويل: {إن فرعون} النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية {وجعل أهلها} وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات {يستضعف طائفة} وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن {إنه كان من المفسدين} للاستعداد الفطري. {ونرى فرعون} النفس {وهامان} الهوى {وجنودهما} من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية {أم موسى} السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر {أن أرضعيه} من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية. {فألقيه في اليم} في الدنيا في تابوت القالب {وجاعلوه من المرسلين} أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي {فالتقطه آل فرعون} وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل {ليكون لهم} في العاقبة {عدوّاً} يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات. {وحزناً} بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله. {وقالت امرأة فرعون} النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات. {عسى أن ينفعنا} بأن ينجينا من النار. قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر. {وهم لا يشعرون} أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم. {فؤاد أم موسى} هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل. ودخل مدينة القالب {على حين غفلة من أهلها} وهم الصفات النفسانية {فوجد فيها رجلين} صفتين. إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس. وفي قوله {هذا من عمل الشيطان} إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة {إنك لغويّ مبين} لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس. {وجاء رجل} هو العقل {من أقصى} مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية {يسعى} في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية {خائفاً} من سطوات فرعون النفس {يترقب} مكايدهم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ...} الآية، معنى {نَتْلُواْ}: نَقُصُّ وخَصَّ تعالى بقوله {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} من حيث إنهم هم المنْتَفِعُونَ بذلكَ دونَ غيرهم، و {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: عُلُوَّ طُغْيَانٍ وتَغَلَّبَ، و {فِي ٱلأَرْضِ} يريد أرض مصر، والشيعُ: الفرقُ، والطائفةُ المستضعفةُ: هم بنو إسرائيل، {يُذَبِّحُ أَبْنِاءَهُمْ} خوفَ خرابِ مُلْكِه على ما أخبرته كَهَنَتُه، أو لأجل رؤيا رآها؛ قاله السدي. وطمع بجهله أن يَرُدَّ القدرَ، وأين هذا المنزعُ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ: «حديث : إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ»تفسير : يعني: ابنَ صَيَّادٍ؛ إذ خافَ عمرُ أَن يكونَ هو الدَّجَّالَ، وباقي الآيةِ بيِّن؛ وتقدَّم قصصُه. والأئمة: ولاة الأمور؛ قاله قتادة. {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ} يريدُ: أرضَ مصرَ والشامِ، وقرأ حمزة: «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» ـــ باليَاء وفتح الراء والمعنى: ويقعُ فرعونُ وقومُه فيما خافُوه وحذِرُوه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو وزيرُ فرعونَ وأكبَرُ رجالِه, وهذا الوَحْي إلى أم موسى، قيل: وَحْيُ إلهامٍ، وقيلَ: بمَلَكٍ. وقيل: في مَنَامٍ وجملة الأمرِ أنها عَلِمَتْ أنَّ هذا الذي وقع في نفسِها هو من عند اللّه، قال السدي وغيره: أُمِرَتْ أن تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلاَدَةِ، وَتَصْنَعَ بهِ مَا فِي الآية؛ لأَن الخوفَ كانَ عَقِبَ كلِّ وِلاَدَة، واليمُّ: معظم الماء، والمرادُ: نِيلُ مِصر، واسم أم موسى يوحانذ ورُوِيَ في قَصَصِ هذهِ الآيةِ: أن أمَّ مُوسَى لَفَّتْهُ في ثِيابهِ وَجَعَلَتْ له تابوتاً صَغِيراً، وسَدَّتْه عليه بقُفْلٍ، وعَلَّقَتْ مِفْتَاحَه عَلَيْه، وأسلمَتْهُ ثقةً باللّه وانتظاراً لوعدِه سبحانه، فلما غابَ عنها عاودَها بثُّها وأَسِفَتْ عليه، وأَقْنَطَهَا الشيطانُ فاهْتَمَّتْ به وكَادَتْ تَفْتَضِحُ، وجعلتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أي: تَطْلُبُ أثَرَه وتَقَدَّم باقي القصةِ في «طه» وغيرِها، والالتقاط: اللقاء عن غير قصد، وآل فِرْعَوْنَ: أهله وجملتُه، واللامُ في {لِيَكُونَ}: لام العَاقِبَة. وقال * ص *: {لِيَكُونَ}: اللامُ للتعليلِ المجازيِّ، ولمَّا كانَ مآله إلى ذلك، عبَّر عَنْه بلام العاقبة، وبلام الصَّيْرَوَرَةِ، انتهى. وقرأ حمزة، والكسائي «وحْزُناً» - بضمِّ الحاءِ وسكونِ الزاي -، والخاطىء: متعمدُ الخطإ، والمخطىء الذي لا يتعمده. وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: بأنه هو الذي يَفْسَدُ ملكُ فرعونَ على يده؛ قاله قتادة وغيره.

ابن عادل

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: "نَتْلُوا عَلَيْكَ" يجوز أن يكون مفعول "نَتْلُو" محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: {مِنْ نَّبَإِ مُوسَىٰ} (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ "مِنْ" مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى). قوله: "بِالحَقِّ" يجوز أن يكون حالاً من فاعل "نَتْلُو"، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرهما مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس "نَتْلُو" بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و "لِقَوْم" متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و "يُؤْمِنُونَ" يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا. قوله: "إِنَّ فِرْعْونَ" هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة. وقرىء "فِرْعَونَ" بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} استكبر وتجبَّر {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه. قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً. الثاني: أنه حال من فاعل "جَعَلَ" أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم. الثالث: أنه صفة لـ "طَائِفَةٍ". قوله: "يُذْبِّحُ" يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً لـ "يَسْتَضْعِف". أو الحال من فاعله أو صفة ثانية لـ "طَائِفَة". والعامة على التشديد في "يُذَبِّح" للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن "يَذْبَح" مفتوح الياء والباء مضارع "ذَبَحَ" مخففاً. فصل المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً: قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل. قوله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: "إِنَّ فِرْعَوْنَ" عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ. الثاني: أنه حالٌ من فاعل "يَسْتَضْعِفُ" وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله: شعر : 3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا تفسير : وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم. وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. قوله: "وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً" قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً"، وقيل: يهتدى بهم في الخير، "وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ" يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. قوله: "وَنُمَكِّنَ" العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ" بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده. قوله: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} قرأ الأخوان: "وَيَرَى" بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى "فِرْعَوْنَ" وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى)، فلذلك نصب "فِرْعَونَ" وما عطف عليه مفعولاً أول، "وَمَا كَانُوا" هو الثاني. و "مِنْهُم" متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا بــ "يَحْذَرُونَ" لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه. قوله: "أَنْ أَرْضِعِيهِ" يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما.

البقاعي

تفسير : {طسم*} مشيراً بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم، وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام عميم. ولما كانت هذه إشارات عالية، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية، قال مشيراً إلى عظمتها: {تلك} أي الآيات العالمية الشأن {آيات الكتاب} أي المنزل على قلبك، الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية {المبين*} أي الفاصل الكاشف الموضح المظهر، لأنه من عندنا من غير شك، ولكل ما يحتاج إليه من ذلك وغيره، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول، ويلقي إليه السمع وهو شهيد؛ ثم أقام الدليل على إبانته. وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم يختلفون، بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم، على وجه معلم بما انتقم به من فرعون وآله، ومن لحق بهم كقارون، وأنعم به على موسى عليه الصلاة والسلام وأتباعه، ولذلك بسط فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال: {نتلوا} أي نقص قصاً متتابعاً متوالياً بعضه في أثر بعض {عليك} بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام. ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بياناً للآيات بعلم الجليات والخفيات، والمحاسبة والمجازاة، لا جميع الأخبار، قال: {من نبأ موسى وفرعون} أي بعض خبرهما العظيم متلبساً هذا النبأ وكائناً {بالحق} أي الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله: {لقوم يؤمنون*} أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم، فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الأمي بالاطلاع علىالمغيبات، والتهديد بعلمه المحيط، وقدرته الشاملة، وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه، ولا ينفع حذر من قدرة، فصح أنها دليل على قوله تعالى آخر تلك {سيريكم آياته فتعرفونها} الآية، ولذلك لخصت رؤوس أخبار القصة، فذكرت فيها أمهات الأمور الخفية ودقائق أعمال من ذكر فيها من موسى عليه الصلاة والسلام وأمه وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي، ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكرُ صلى الله عليه وسلم، فانحصر الأمر في الثاني، يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى في آخر القصة {وما كنت بجانب الغربي} {وما كنت بجانب الطور} واتباع القصة بقوله تعالى: {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} فالمراد بهذا السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى، فلا تكرير في شيء من ذلك - والله الهادي. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمن قوله سبحانه { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} - إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذار والتهديد لما انجرّ معه الإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استضعفته قريش من المؤمنين، اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون، واستيلائه عليهم، وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى {سيريكم آياته فتعرفونها} وفي الثانية بقوله: {وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} ثم قص ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن ذلك عنه من قدر الله شيئاً، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل على أنه سبحانه المتفرد بملكه، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، لا يزعه وازع، ولا يمنعه عما يشاء مانع، {قل الله مالك الملك} وقد أصح قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} - الآية بما أشار إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص، ونحن نزيده بياناً بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى معلماً لنبيه صلى الله عليه وسلم وآمراً {إنما أمرت أن أعبد} إلى قوله: {سيريكم آياته} لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد، وشديد الوعيد، ثم في قوله: {رب هذه البلدة} إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيفتحها ويملكها، لأنه بلد ربه وملكه، وهو عبده ورسوله، وقد اختصه برسالته، وله كل شيء، فالعباد والبلاد ملكه، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد} وقوله تعالى: {وأن أتلو القرآن} أي ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة، ويلحظ سنة الله في العباد والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى و كذب واستكبر، فكيف وقصه الله وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في الأرض وأعز رسله وأتباعهم {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون، وقوله: {سيريكم آياته} يشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم يكن يظن انقياده، وإهلاك من طال تمرده وعناده، وانقياد العرب بجملتها بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً، وعزة أقوام وذلة آخرين، بحاكم {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما وعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، فكان كما وعد، فلما تضمنت هذه الآية ما أشير إليه، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل: ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله، ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح أبنائهم. فهلا تأملتم عاقبة الفريقين، وسلكتم أنهج الطريقين؟ {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} - إلى قوله: {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للتقوى، فقال سبحانه بعد افتتاح السورة إن فرعون علا في الأرض، ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة، وذكر سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى عليه السلام وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه إياه {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} فلم يزل يذبح الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولي بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير والإمضاء، وكيف نفوذ سابق الحكم والقضاء، فهلا سألت قريش وسمعت وفكرت واعتبرت {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} ثم أتبع سبحانه ذلك بخروج موسى عليه السلام من أرضه فخرج منها خائفاً يترقب، وما ناله عليه السلام في ذلك الخروج من عظيم السعادة، وفي ذلك منبهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه من مكة وتعزية له وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه عليه، وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} وهذا كاف فيما قصد - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما هذا المقصوص من هذا النبأ؟ قال: {إن فرعون} ملك مصر الذي ادعى الإلهية {علا} أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره لهم {في الأرض} أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلباً واحداً فأنفذنا بذلك كلمته، وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ما يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها. ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف: فكفر تلك النعمة، عطف عليه قوله: {وجعل} بما جعلنا له من نفوذ الكلمة {أهلها} أي الأرض المرادة {شيعاً} أي فرقاً يتبع كل فرقة شيئاً وتنصره، والكل تحت قهره وطوع أمره، قد صاروا معه كالشياع، وهو دق الحطب، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه، فلا يصل إلى ما يريده منهم، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم، فالآية من الاحتباك، ذكر العلو أولاً دليلاً على السفول ثانياً، والافتراق ثانياً دليلاً على الاجتماع أولاً، جعلهم كذلك حال كونه {يستضعف} أي يطلب ويوجد أن يضعف، أو هو استئناف {طائفة منهم} وهم بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم، وهو يوسف عليه السلام. وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده، ومع ذلك كافؤوه في أولاده وإخوته بأن استعبدوهم، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديماً وحديثاً، ثم بين سبحانه الاستضعاف بقوله: {يذبح} أي تذبيحاً كثيراً {أبناءهم} أي عند الولادة، وكل بذلك أناساً ينظرون كلما ولدت امرأة ذكراً ذبحوه خوفاً على ملكه زعم من مولود منهم {ويستحيي نساءهم} أي يريد حياة الإناث فلا يذبحهن. ولما كان هذا أمراً متناهياً في الشناعة، ليس مأموراً به من جهة شرع ما، ولا له فائدة أصلاً، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر، قال تعالى مبيناً لقبحه، شارحاً لما أفهمه ذلك من حاله: {إنه كان} أي كوناً راسخاً {من المفسدين*} أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف، فلا يدع أن يقع منه هذا الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي. ولما كان التقدير كما أرشد إليه السياق لمن يسأل عن سبب فعله هذا العجيب: يريد بذلك زعم دوام ملكه بأن لا يسلبه إياه واحد منهم أخبره بعض علمائه أنه يغلبه عليه ويستنقذ شعبه من العبودية، عطف عليه قوله يحكي تلك الحال الماضية: {ونريد} أو هي حالية، أي يستضعفهم والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم. أي يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة {أن نمن} أي نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديراً بأن نمتن به {على الذين استضعفوا} أي حصل استضعافهم وهان هذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم {في الأرض} أي أرض مصر فذلوا وأهينوا، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم وفق ما يحبون وفوق ما يأملون {ونجعلهم أئمة} أي مقدمين في الدين والدنيا، علماء يدعون إلى الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون، وذلك مع تصييرنا لهم أيضاً بحيث يصلح كل واحد منهم لأن يقصد للملك بعد كونهم مستعبدين في غاية البعد عنه {ونجعلهم} بقوتنا وعظمتنا {الوارثين*} أي لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط، ولكل بلد أمرناهم بقصدها، وهذا إيذان بإهلاك الجميع.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه‏:‏ أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والزجرة‏.‏ وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له‏:‏ يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر‏.‏ فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط‏:‏ انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فادخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وادخلوا غلمانهم‏.‏ فذلك حين يقول ‏ {‏إن فرعون علا في الأرض‏} ‏ يقول‏:‏ تجبر في الأرض ‏ {‏وجعل أهلها شيعا‏ً}‏ يعني بني إسرائيل ‏{‏يستضعف طائفة منهم‏}‏ حين جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير‏. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم‏.‏ فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا‏:‏ إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم‏.‏ فأمر أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام‏.‏ فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالا‏ً،‏ فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته‏.‏ فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال‏:‏ إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا‏.‏ فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت‏:‏ خذه ‏{أية : ‏قرة عين لي ولك‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 9‏]‏ قال فرعون‏:‏ هو قرة عين لك - قال عبد الله بن عباس‏:‏ ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به، ولكنه أبى - فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون‏:‏ عليَّ بالذباحين هو ذا‏.‏ قالت آسية‏:‏ لا تقتله ‏{أية : ‏عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا‏ً}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 9‏]‏ إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فاخرجت له ياقوتاً، ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فاحرقت لسانه، فارادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ‏. فجاءت أخته فقالت‏:‏ ‏{‏هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون‏}‏ فأخذوها فقالوا‏:‏ إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت‏:‏ ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون‏.‏ فلما جاءته أمه أخذ منها‏.‏ وكادت تقول‏:‏ هو ابني‏.‏ فعصمها الله فذلك قوله ‏{‏إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين‏}‏ قال‏:‏ قد كانت من المؤمنين ولكن بقول‏:‏ ‏{‏إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين‏}‏ قال السدي‏:‏ وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون‏}‏ يقول‏:‏ في هذا القرآن نبؤهم ‏{‏إن فرعون علا في الأرض‏}‏ أي بغى في الأرض ‏ {‏وجعل أهلها شيعاً‏}‏ أي فرقاً‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وجعل أهلها شيعا‏ً} ‏ قال‏: ‏فرق بينهم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وجعل أهلها شيعاً‏} ‏ قال‏:‏ يتعبد طائفة، ويقتل طائفة، ويستحيي طائفة‏. أما قوله تعالى:‏ {إنه كان من المفسدين‏}‏‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ لقد ذكر لنا أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيجز أقدامهن حتى أن المرأة منهم لتضع بولدها، فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه وتتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها‏.‏ حتى أسرف في ذلك وكان يفنيهم قيل له‏:‏ أفنيت الناس، وقطعت النسل، وإنما هم خولك وعمالك، فتأمر أن يقتلوا الغلمان عاماً، ويستحيوا عاماً، فولد هرون عليه السلام في السنة التي يستحيي فيها الغلمان، وولد موسى عليه السلام في السنة التي فيها يقتلون، وكان هرون عليه السلام أكبر منه بسنة، فلما أراد الله بموسى عليه السلام ما أراد واستنقاذ بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء، أوحى الله إلى أم موسى حين تقارب ولادها ‏{أية : ‏أن أرضعيه‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 7‏]‏.

ابو السعود

تفسير : (سورة القصص) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {طسم تِلْكَ ءايَاتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} قد مرَّ ما يتعلقُ به من الكلام بالإجمال والتَّفصيلِ في أشباهه {نتلواُ عَلَيْكَ} أي نقرأُ بواسطة جبريلَ عليهِ السَّلامُ، ويجوزُ أن تكونَ التِّلاوةُ مجازاً من التَّنزيلِ {مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ} مفعولُ نتلُو أي بعضَ نبئِهما {بِٱلْحَقّ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل نتلُو أو من مفعوله أو صفةٌ لمصدرِه أي نتلُو عليكَ بعضَ نبئِهما مُلتبسينَ أو ملتبساً بالحقِّ أو تلاوةً ملتبسةً بالحقِّ {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} متعلقٌ بنتلو، وتخصيصُهم بذلكَ مع عُموم الدَّعوةِ والبـيانِ للكلِّ لأنَّهم المنتفعونَ بِه. {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} استئنافٌ جارٍ مجرى التَّفسيرِ للمُجمل الموعودِ، وتصديرُه بحرف التَّأكيدِ للاعتناء بتحقيقِ مضمُونِ ما بعدَهُ أي أنَّه تجبَّر وطغا في أرضِ مصرَ وجاوزَ الحدودَ المعهودةَ في الظُّلم والعُدوانِ {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي فِرقاً يشيِّعونه في كلِّ ما يُريده من الشرِّ والفسادِ، أو يشيِّعُ بعضُهم بعضاً في طاعته، أو أصنافاً في استخدامه، يستعملُ كلَّ صنفٍ في عملٍ ويُسخِّرُه فيهِ من بناءٍ وحرثٍ وحفرٍ وغيرِ ذلكَ من الأعمالِ الشَّاقةِ ومَن لم يستعملْه ضربَ عليه الجزيةَ، أو فرقاً مختلفةً قد أغرى بـينهم العداوةَ والبغضاءَ لئلاَّ تتفقَ كلمتُهم {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ} وهم بنُو إسرائيلَ. والجملةُ إمَّا حالٌ من فاعلِ جعلَ، أو صفةٌ لشيعاً، أو استئنافٌ. وقولُه تعالى: {يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيي نِسَاءهُمْ} بدلٌ منها. وكان ذلكَ لِما أنَّ كاهناً قال له: يُولد في بني إسرائيلَ مولودٌ يذهبُ ملكُك على يدِه وما ذاك إلا لغايةِ حُمقِه إذْ لو صدقَ فما فائدةُ القتلِ وإن كذبَ فما وجهُه {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي الرَّاسخينَ في الإفسادِ ولذلكَ اجترأَ على مثل تلك العظيمةِ من قتلِ المعصومينَ من أولادِ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام. {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} أي نتفضلُ {عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ} على الوجهِ المذكورِ بإنجائِهم من بأسِه. وصيغةُ المضارعِ في نُريد حكايةُ حالٍ ماضيةٍ وهو معطوفٌ على إنَّ فرعونَ علا الخ لتناسبُهما في الوقوعِ في حيِّزِ التَّفسيرِ للنبأ، أو حالٌ من يستضعفُ بتقدير المبتدأ أي يستضعفُهم فرعونُ ونحنُ نريدُ أنْ نمنَّ عليهم وليس من ضرورةِ مقارنةِ الإرادةِ للاستضعاف مقارنةُ المرادِ له لما أنَّ تعلُّقَ الإرادةِ للمنِّ تعلُّقٌ استقباليٌّ على أنَّ مِنَّةَ الله تعالى عليهم بالخلاص لمَّا كانتْ في شرفِ الوقوعِ جازَ إجراؤُها مُجرى الواقعِ المقارنِ له. ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لإبانةِ قدرِ النِّعمةِ في المنَّة بذكر حالتِهم السَّابقةِ المُباينةِ لها {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} يُقتدى بهم في أمور الدِّينِ بعد أنْ كانُوا أتباعاً مسخَّرين لآخرين {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} لجميع ما كان منتظماً في سلك مُلك فرعونَ وقومِه وراثةً معهودةً فيما بـينهم كما يُنبىء عنه تعريفُ الوارثينَ. وتأخيرُ ذكرِ وراثتِهم له عن ذكرِ جعلِهم أئمةً مع تقدمِها عليه زماناً لانحطاطِ رُتبتها عن الإمامةِ ولئلاَّ ينفصلَ عنه ما بعده مع كونِه من روادفِه، أعني قولَه تعالى:

القشيري

تفسير : "الطاء" تشير إلى طهارة نُفُوسِ العابدين عن عبادة غير الله، وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله، وطهارة أسرار الموحِّدين عن شهود غير الله. "والسين" تشير إلى سِرِّ اللَّهِ مع العاصين بالنجاة، ومع المطيعين بالدرجات، ومع المحبين بدوام المناجاة. "والميم" تشير إلى مِنَّتِه على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات في سبيل الخيرات.

البقلي

تفسير : اطلاع الحق صلى اسرار المحبين وتجلى قدسه بنعت سنا الازل لفواد المقربين فيما اطيب هيجان سر الموحدين الى طيب وصال بساتين ملكوت الغيب وجبروت النور طوبى لهم وحسن ماب وقال الاستاذ الطاء بشير الى طهارة نفس العارفين عن عبادة غير الله وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله وطهارة ارواح المواجدين عن محبة غير الله وطهارة اسرار الموحدين عن شهود غير الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {طسم} يشير الى القسم بطاء طوله تعالى وطاء طهارة قلب حبيبه عليه السلام عن محبة غيره وطاء طهارة اسرار موحديه عن شهود سواه وبسين سره مع محببه وبميم مننه على كافة مخلوقاته بالقيام بكفاياتهم على قدر حاجاتهم كذا فى التأويلات النجمية [امام قشيرى آورده كه طا اشارت است بطهارت نفوس عابدان از عبادت اغيار وطهارت قلوب عارفان از تعظيم غير جبار وطهارت ارواح محبان از محبت مسوى وطهارت اسرار موحدان از شهود غير خداى. سلمى رحمه الله كويد سين رمزيست از اسرار الهى باعصيان بنجات وبا مطيعان بدرجات ومحبان بدوام مناجات ومرامات. امام يافعى رحمه الله فرموده كه حق سبحانه وتعالى اين حروف را سبب محافظت قرآن كردانيده ازتطرق سمات زياده ونقصان وسر مشار اليه در آيت وانا لحافظون اين حروفست] كما فى تفسير الكاشفى وقد سبق غير هذا من الاشارات الخفية والمعانى اللطيفة فى اول سورة الشعراء فارجع اليه تغنم بمالا مزيد عليه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {طسم}، إما مختصرة من أسماء الله تعالى، أقسم على حقّية كتابه، وما يتلى فيه، كأنها مختصرة من طهارته - أي: تنزيهه - وسيادته، ومجده، أو: من أسماء رسوله - وهو الأظهر - أي: أيها الطاهر السيد المجيد {تلك آيات الكتابُ المبين}، إما من بان، أو: أبان، أي: بيِّن خيره وبركتُه، أو مُبين للحلال والحرام، والوعد والوعيد، والإخلاص والتوحيد، {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعونَ} أي: بعض خبرهما العجيب. قال القشيري: كرَّر الحقُّ قصةَ موسى؛ تعجيباً بشأنه، وتعظيماً لأمره، ثم زيادة في البيان لبلاغة القرآن، ثم أفاد زوائد من الذكر في كل موضعٍ يُكرره. هـ. هذا مع الإشارة إلى نصر المستضعفين، والامتنان عليهم بالظفر والتمكين، ففيه تسلية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ووعد جميل له ولأمته. وقوله: {بالحق}: حال من فاعل {نتلو}، أو: من مفعوله, أو: صفة لمصدر محذوف, أي ملتبسين, أو: ملتبساً بالحق, أو: تلاوة ملتبسة بالحق. {لقومٍ يؤمنون}؛ لمن سبق في علمنا أنه يُؤمن؛ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم، فهو متعلق بنتلو. والله تعالى أعلم. الإشارة: تقديم هذه الرموز، قبل سرد القصص، إشارة إلا أنه لا ينتفع بها كل الانتفاع حتى يتطهر سره، وَيُلْقِيَ سَمْعَهُ، وهو شهيد، فحينئذٍ يكون طاهراً سيداً مجيداً ينتفع بكل شيء، ويزيد إلى الله بكل شيء. ولذلك خص تلاوة قصص موسى بأهل الإيمان الحقيقي؛ لأنهم هم أهل الاعتبار والاستبصار. والله تعالى أعلم. ثم شرع في بيان شأنهما، فقال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ...}

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه. عد الكوفي {طسم} آية ولم يعدها الباقون. قد بينا معنى هذه الحروف في أوائل السور في عدة مواضع، فلا فائدة في إعادته، وقوينا قول من قال: إنها اسماء للسور. وقوله {تلك آيات الكتاب} أي تلك آيات الكتاب التي وعدتم بانزالها. وقيل معناه هذا القرآن هو الكتاب المبين - ذكره الحسن - وقيل: في معنى {المبين} قولان: احدهما - قال قوم: المبين أنه من عند الله. وقال قتادة: المبين الرشد من الغي. والمبين هو البين أيضاً. وأضاف الآيات إلى الكتاب، وهي الكتاب كما قال {أية : إنه لحق اليقين}. تفسير : ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال {نتلو عليك} يا محمد طرفاً من اخبار {موسى وفرعون بالحق} على حقيقة البيان وهو اظهار المعنى للنفس بما تميزه من غيره مشتق من أبنت كذا من كذا إذا فصلته منه. والبرهان إظهار المعنى للنفس بما يدعو إلى انه حق مما هو حق في نفسه. والتلاوة الاتيان بالثاني بعد الأول في القراءة بما يتلوه تلاوة، فهو تلل لمقدم، والمقدم والتالي مثل الأول والثاني. والنبأ الخبر عما هو أعظم شأناً من غيره. والحق هو ما يدعو اليه العقل، ونقيضه الباطل، وهو ما صرف عنه العقل. وقوله {لقوم يؤمنون} معناه إنا نتلو عليك هذه الأحبار لقوم يصدقون بالله، وبما أنزل عليك، لانهم المنتفعون به، والايمان الصديق بفعل ما يؤمن من العقاب. ثم اخبر تعالى فقال {إن فرعون علا في الأرض} أي تجبر وبغي - في قول قتادة وغيره - ببغيه واستعباده بني إسرائيل، وقتل أولادهم. وقيل: بقهره وادعائه الربوبية. وقيل: بشدة سلطانه {وجعل أهلها شيعاً} أي قوماً {يستضعف طائفة منهم} فيستعبدهم و {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم} أي يستبقي بناتهم فلا يقتلهن، وقيل: إنه كان يأمر باخراج أحيائهن الذي فيه الولد والأول هو الصحيح. ثم اخبر تعالى وحكم بأن فرعون {كان من المفسدين} في الارض والعاملين بمعاصي الله. ثم وعد تعالى فقال {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} وهو عطف على قوله {يستضعف طائفة منهم} ونحن نريد أن نمن. وقال قتادة: يعنى من بني اسرائيل {ونجعلهم أئمة} يقتدى بهم {ونجعلهم الوارثين} لمن تقدمهم من قوم فرعون. وروى قوم من أصحابنا أن الآية نزلت في شأن المهدي (ع) وأن الله تعالى يمن عليه بعد أن استضعف. ويجعله إماماً ممكناً، ويورثه ما كان في ايدي الظلمة. قال السدي: إن فرعون رأى في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل فسأل علماء قومه، فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده، فامر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل، فقالت القبط لفرعون: ان شيوخ بني إسرائيل قد فنوا، وصغارهم قد قتلتهم فاستبقهم لعملنا وخدمتنا، فأمرهم أن يستحيوا في عام، ويقتلوا في عام، فولد في عام الاستحياء هارون، وولد في عام القتل موسى، قال الضحاك: عاش فرعون أربع مئة سنة، وكان قصيراً وسيماً، وهو أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مئة وعشرين سنة. وقيل: ان فرعون كان من أهل الاصطخر.

الجنابذي

تفسير : اى الظّاهر او المظهر الّذى هو عبارة عن القلم الا على او عن اللّوح المحفوظ او القرآن التّدوينىّ.

الأعقم

تفسير : المعنى: {طسم}، قيل: اسم السورة، وقيل: حرف [اسم] من أسماء الله وقد تقدم الكلام فيه {تلك} إشارة إلى السورة، ومعناه هذه {آيات} القرآن التي وعدتك، وقيل: هذا القرآن هو {الكتاب المبين} {نتلو عليك} أي نقرأ عليك {من نبأ موسى} أي من خبر موسى {وفرعون بالحق} أي بالصدق {لقوم يؤمنون} أي يصدقون بالحق {إن فرعون علا في الأرض} أي تكبر وتجبّر {وجعل أهلها شيعاً} فرقاً وأصنافاً، قيل: جعل بني إسرائيل فرقاً في أعمالهم، وقيل: في الخدمة والتسخير {يستضعف طائفة منهم} وهم بنو إسرائيل {يذبح أبناءهم} لأنه أخبر أنه يولد فيهم من يكون زوال ملكه على يديه {ويستحيي نساءهم} أي يبقيهن أحياء {إنه كان من المفسدين} {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض} وهم بنو إسرائيل {ونجعلهم أئمة} قادة، وقيل: دعاة إلى الخير {ونجعلهم الوارثين} للنبوة والحكم {ونمكن لهم في الأرض} يعني أرض مصر والشام بعد هلاك قوم فرعون {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يدي مولود منهم.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {طسۤمۤ تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ} قد فسّرناه في طسم الشعراء. قوله: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ} أي: لقوم يصدّقون. قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} أي: بغى في الأرض، [يعني أرض مصر] {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي: فِرقاً. {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَآءهُمْ} أي: فيذبح طائفة ويعذّب طائفة ويستعبد طائفة، يعني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر في يد فرعون. والطائفة التي كان يذبح: الأبناء، والطائفة التي كان يستحيي: النساء، فلا يقتلهن. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ} أي: في الأرض بشركه وعمله السوء. قوله: {وَنُرِيدُ} أي: كان يفعل هذا فرعون يومئذ ونحن نريد {أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} يعني بني إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي: يقتدى بهم، أي: أئمة في الدين. {وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ} أي: يرثون الأرض بعد فرعون وقومه؛ ففعل الله ذلك بهم.

اطفيش

تفسير : {طسَمَ تِلْكَ آيَاتِ الكِتَابِ المُبِينِ} قيل الاشارة إلى آيات السورة والكتاب قيل اللوح المحفوظ وقيل القرآن ووصفه بالمبين لوضوحه أو لأنه يبين الحلال والحرام والحدود والأحكام.

اطفيش

تفسير : {طسم * تلْكَ} أى هذه السورة أشار إليها بالبعد لغيبة أكثرها عنه صلى الله عليه وسلم، قبل نزولها، وللتعظيم أو الى الآيات مطلقاً {آيات الكتاب} القرآن لأن السورة بعضه كما هو تلاوة السورة قبل هذه، أو اللوح المحفوظ، لأن القرآن مكتوب فيه {المُبِين * نَتْلوا عَليْك} نقرأ، سميت القراءة تلاوة، لأن فيها تلو حرف لحرف، وتستعمل التلاوة بمعنى تتبع القرآن بالقول والعمل، وشهرت بمعنى القراءة أو التغلب فى القراءة تقول: قرأ بمعنى نطق، وتقول تلا بمعنى نطق، وتلا بمعنى تبع بالعمل. والقراءة باعتبار أنها نطق بالقرآن أو بغيره، أعم من التلاوة المختصة به عملا أو نطقا، واسناد التلاوة الى الله عز وجل مجاز عقلى، لأن الناطق بالقرآن جبريل عليه السلام، ولا يوصف الله بالنطق، أو مجاز لغوى، إمَّا مجاز مرسل عن التنزيل، لأن تنزيله سبب للقراءة وملزوم، وإما استعارى، لأن كلا من التنزيل والتلاوة طريق للتبليغ، أى ننزل عليك {من نبإ} نعت لمفعول محذوف، أى شيئا ثابتا من نبإ {مُوسَى وفرعون} أى خبرهما، ومن تبغيضية، أو ابتدائية أو بيانية، تتلوا عليك شيئا هو نبأ موسى وفرعون، ويكفى فى البيان ما ذكره منه بلا استقصاء {بالحقِّ} بالصدق {لقوْمٍ يُؤمنون} نفع لهم أو لأجلهم، يؤمنون بعد التلاوة بقرب أو بعد، ولو بعد موته صلى الله عليه وسلم، وذلك شامل لمن تقدم إيمانه، لأن كل ما ينزل يؤمن به على حدة بعد نزوله، ولو تقدم إيمان عام وابتدأ ذكر الموعود بأنزاله بقوله: {إنَّ فرعَون علا} طغا وتجبر {فى الأرْضِ} أرض مصر {وجَعَل أهلهَا شِيعاً} فرقا يشيعونه، أى تتبعه كل فرقة فيما يريد من شر وفساد، ومنه الاغراء بينهم بالعداوة، وفى بناء وحرث وغرس وعمل الآجر، وسائر الأعمال الشاقة، وضرب الجزية على من لا يقدر على العمل، ويتتابعون فى طاعته {يسْتَضعفُ طائفةً منْهُم} هى بنو إسرائيل هم أقوياء يصيرهم ضعفاء بنزع أموالهم، والشتم والاستخدام، وإهانتهم بكل ما أراد، وسمى ينى اسرائيل أنهم من أهل مصر ان اهلها القبط تغليبا للقبط. أو لأنهم كانُوا فيها فى ذلك العصر، ولو كانوا فى الشام أيضا، أو لأنهم كانوا فيها قبل ذلك زماناً طويلا، والمضارع لجعل الماضى حاضرا بتأخره الى زمانه صلى الله عليه وسلم، أو بتقدمه صلى الله عليه وسلم اليه، فيكون كالمشاهد والجملة حال من المستتر فى جعل، أو من أهل أو نعت شيعا، أو استئناف نحوى من جملة نبئها، ولا يتبادر أنه جواب قائل ماذا صنع بعد جعلهم شيعا. {يذبِّح أبناءهم} شدَّد للمبالغة فى الذبح وللتكثير {ويسْتَحْيى} إسناد التذبيح والاستحياء اليه مجاز عقلى {نِساءهُم} يعالج حياة البنات الصغار، سماهن نساء لمجاز الأول أو النساء الكبار استحياهن من صغرهن، أو يعالج النفساء او من شق بطنها لما فيه من جنين، قال كاهن: يولد طفل فيهم يذهب ملك فرعون، أو رأى فى نومه نارا من المقدس أحرقت بيوت القبط دون بنى إسرائيل ففسرها علماؤه برجل هلاك مصر على يده، فنازعته نفسه الى أنه يقدر على إبطال ما قيل له إنه مقدر منتظر، واذا أراد ذلك لم يقابل بقولك: إن صدق المقدر المنتظر فما فائدة القتل، وإلا فما وجهه {إنَّه كان من المُفْسدين} اجترأ على ذلك، ولا سيما أنهم ذرية للأنبياء لرسوخه فى الفساد.

الالوسي

تفسير : قد مر ما يتعلق به من الكلام في أشباهه.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة مكية، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان. نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه، ولو كان مجرداً من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلاً. ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء، وقصة قارون مع قومه ـ قوم موسى ـ في الختام.. الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان. قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر؛ وفي مواجهتها موسى طفلاً رضيعاً لا حول له ولا قوة، ولا ملجأ له ولا وقاية. وقد علا فرعون في الأرض، واتخذ أهلها شيعا، واستضعف بني إسرائيل، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وهو على حذر منهم، وهو قابض على أعناقهم. ولكن قوة فرعون وجبروته، وحذره ويقظته، لا تغني عنه شيئاً؛ بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العيون، وتتحدى به فرعون وجنده تحدياً سافراً، فتدفع به إلى حجره، وتدخل به عليه عرينه، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه، مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه! والقصة الثانية تعرض قيمة المال، ومعها قيمة العلم. المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته، وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء. والعلم الذي يعتز به قارون، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال. ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه، ولا تستخفهم زينته؛ بل يتطلعون إلى ثواب الله، ويعلمون أنه خير وأبقى. ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض، لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه؛ وتتدخل تدخلاً مباشراً سافراً كما تدخلت في أمر فرعون، فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين. لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان؛ ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال. وكانت النهاية واحدة، هذا خسف به وبداره، وذلك أخذه اليم هو وجنوده. ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة. إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حداً للبغي والفساد، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد. ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزاً والصلاح حسيراً؛ ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال. عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية، بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حد للشر والفساد. وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فيها بدلالة القصص ـ في سورة القصص ـ ويفتح أبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة، وفي مصارع الغابرين تارة، وفي مشاهد القيامة تارة.. وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص، وتساوقها وتتناسق معها؛ وتؤكد سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان. وقد قال المشركون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {أية : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}. تفسير : فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم، لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم، ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه. فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون، تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؛ وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس؛ وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها. وعقب على مقالتهم {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن؛ وهو الذي يديم عليهم أمنهم، أو يسلبهم إياه؛ ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر: {أية : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين }. تفسير : ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولاً. وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير: {أية : وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون }. تفسير : ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد؛ فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا؛ وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان. وتنتهي السورة بوعد من الله لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه، لا بد رادّه إلى بلده، ناصره على الشرك وأهله. وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها؛ وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون. سيعود آمناً ظافراً مؤيداً. وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده. فقد عاد موسى ـ عليه السلام ـ إلى البلد الذي خرج منه خائفاً طريداً. عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم، وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين.. ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير: {أية : ولا تدع مع الله إلهاً آخر، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون }. تفسير : هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة، فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة: قصة موسى. والتعقيب عليها. وقصة قارون. وهذا الوعد الأخير... تبدأ السورة بالأحرف المقطعة: {طا. سين. ميم.. تلك آيات الكتاب المبين}.. تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين، البعيدة الرتبة، المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف، في لغة البشر الفانين: {تلك آيات الكتاب المبين}.. فهذا الكتاب المبين ليس إذن من عمل البشر، وهم لا يستطيعونه؛ إنما هو الوحي الذي يتلوه الله على عبده، ويبدو فيه إعجاز صنعته، كما يبدو فيه طابع الحق المميز لهذه الصنعة في الكبير والصغير: {نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون}.. فإلى القوم المؤمنين يوجه هذا الكتاب؛ يربيهم به وينشئهم ويرسم لهم المنهاج، ويشق لهم الطريق. وهذا القصص المتلو في السورة، مقصود به أولئك المؤمنين، وهم به ينتفعون. وهذه التلاوة المباشرة من الله، تلقي ظلال العناية والاهتمام بالمؤمنين؛ وتشعرهم بقيمتهم العظيمة ومنزلتهم العالية الرفيعة. وكيف؟ والله ذو الجلال يتلو على رسوله الكتاب من أجلهم، ولهم؛ بصفتهم هذه التي تؤهلهم لتلك العناية الكريمة: {لقوم يؤمنون}. وبعد هذا الافتتاح يبدأ في عرض النبأ. نبأ موسى وفرعون. يبدأ في عرضه منذ أول حلقة في القصة ـ حلقة ميلاده ـ ولا تبدأ مثل هذا البدء في أية سورة أخرى من السور الكثيرة التي وردت فيها. ذلك أن الحلقة الأولى من قصة موسى، والظروف القاسية التي ولد فيها؛ وتجرده في طفولته من كل قوة ومن كل حيلة؛ وضعف قومه واستذلالهم في يد فرعون.. ذلك كله هو الذي يؤدي هدف السورة الرئيسي؛ ويبرز يد القدرة سافرة متحدية تعمل وحدها بدون ستار من البشر؛ وتضرب الظلم والطغيان والبغي ضربة مباشرة عندما يعجز عن ضربها البشر؛ وتنصر المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة؛ وتمكن للمعذبين الذين لا حيلة لهم ولا وقاية. وهو المعنى الذي كانت القلة المسلمة المستضعفة في مكة في حاجة إلى تقريره وتثبيته؛ وكانت لكثرة المشركة الباغية الطاغية في حاجة إلى معرفته واستيقانه. ولقد كنت قصة موسى ـ عليه السلام ـ تبدأ غالباً في السور الأخرى من حلقة الرسالة ـ لا من حلقة الميلاد ـ حيث يقف الإيمان القوي في وجه الطغيان الباغي؛ ثم ينتصر الإيمان وينخذل الطغيان في النهاية. فأما هنا فليس هذا المعنى هو المقصود؛ إنما المقصود أن الشرّ حين يمتحض يحمل سبب هلاكه في ذاته؛ والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدفعه من البشر؛ بل تتدخل يد القدرة وتأخذ بيد المستضعفين المعتدى عليهم، فتنقذهم وتستنقذ عناصر الخير فيهم، وتربيهم، وتجعلهم أئمة، وتجعلهم الوارثين. فهذا هو الغرض من سوق القصة في هذه السورة؛ ومن ثم عرضت من الحلقة التي تؤدي هذا الغرض وتبرزه، والقصة في القرآن تخضع في طريقة عرضها للغرض المراد من هذا العرض. فهي أداة تربية للنفوس، ووسيلة تقرير لمعان وحقائق ومبادئ. وهي تتناسق في هذا مع السياق الذي تعرض فيه، وتتعاون في بناء القلوب، وبناء الحقائق التي تعمر هذه القلوب. والحلقات المعروضة من القصة هنا هي: حلقة مولد موسى ـ عليه السلام ـ وما أحاط بهذا المولد من ظروف قاسية في ظاهرها، وما صاحبه من رعاية الله وعنايته. وحلقة فتوته وما آتاه الله من الحكم والعلم، وما وقع فيها من قتل القبطي، وتآمر فرعون وملئه عليه، وهربه من مصر إلى أرض مدين، وزواجه فيها، وقضاء سنوات الخدمة بها. وحلقة النداء والتكليف بالرسالة. ثم مواجهة فرعون وملئه وتكذيبهم لموسى وهارون. والعاقبة الأخيرة ـ الغرق ـ مختصرة سريعة. ولقد أطال السياق في عرض الحلقة الأولى والحلقة الثانية ـ وهما الحلقتان الجديدتان في القصة في هذه السورة ـ لأنهما تكشفان عن تحدي القدرة السافرة للطغيان الباغي. وفيها يتجلى عجز قوة فرعون وحيلته وحذره عن دفع القدر المحتوم والقضاء النافذ: {ونرِيَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}. وعلى طريقة القرآن في عرض القصة، قسمها إلى مشاهد؛ وجعل بينها فجوات فنية يملؤها الخيال، فلا يفوت القارئ شيء من الأحداث والمناظر المتروكة بين المشهد والمشهد، مع الاستمتاع الفني بحركة الخيال الحية. وقد جاءت الحلقة الأولى في خمسة مشاهد. والحلقة الثانية في تسعة مشاهد والحلقة الثالثة في أربعة مشاهد. وبين الحلقة والحلقة فجوة كبيرة أو صغيرة. وبين كل مشهد ومشهد، كما يسدل الستار ويرفع عن المنظر أو المشهد. وقبل أن يبدأ القصة يرسم الجو الذي تدور فيه الأحداث، والظرف الذي يجري فيه القصص، ويكشف عن الغاية المخبوءة وراء الأحداث، والتي من أجلها يسوق هذا القصص.. وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصة. تساوق موضوعها وأهدافها في هذا الموضع من القرآن: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}.. وهكذا يرسم المسرح الذي تجري فيه الحوادث، وتنكشف اليد التي تجريها. وتنكشف معها الغاية التي تتوخاها. وانكشاف هذه اليد، وبروزها سافرة بلا ستار منذ اللحظة الأولى مقصود في سياق القصة كلها، متمش مع أبرز هدف لها. ومن ثم تبدأ القصة هذا البدء. وذلك من بدائع الأداء في هذا الكتاب العجيب. ولا يعرف على وجه التحديد من هو الفرعون الذي تجري حوادث القصة في عهده، فالتحديد التاريخي ليس هدفاً من أهداف القصة القرآنية؛ ولا يزيد في دلالتها شيئاً. ويكفي أن نعلم أن هذا كان بعد زمان يوسف ـ عليه السلام ـ الذي استقدم أباه وإخوته. وأبوه يعقوب هو "إسرائيل" وهؤلاء كانوا ذريته. وقد تكاثروا في مصر وأصبحوا شعباً كبيراً. فلما كان ذلك الفرعون الطاغية {علا في الأرض} وتكبر وتجبر، وجعل أهل مصر شيعاً، كل طائفة في شأن من شئونه. ووقع أشد الاضطهاد والبغي على بني إسرائيل، لأن لهم عقيدة غير عقيدته هو وقومه؛ فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب؛ ومهما يكن قد وقع في عقيدتهم من فساد وانحراف، فقد بقي لها أصل الاعتقاد بإله واحد؛ وإنكار ألوهية فرعون والوثنية الفرعونية جميعاً. وكذلك أحس الطاغية أن هناك خطراً على عرشه وملكه من وجود هذه الطائفة في مصر؛ ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها وهم جماعة كبيرة أصبحت تعد مئات الألوف، فقد يصبحون إلباً عليه مع جيرانه الذين كانت تقوم بينهم وبين الفراعنة الحروب، فابتكر عندئذ طريقة جهنمية خبيثة للقضاء على الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة التي لا تعبده ولا تعتقد بألوهيته، تلك هي تسخيرهم في الشاق الخطر من الأعمال، واستذلالهم وتعذيبهم بشتى أنواع العذاب. وبعد ذلك كله تذبيح الذكور من أطفالهم عند ولادتهم، واستبقاء الإناث كي لا يتكاثر عدد الرجال فيهم. وبذلك يضعف قوتهم بنقص عدد الذكور وزيادة عدد الإناث، فوق ما يصبه عليهم من نكال وعذاب. وروي أنه وكل بالحوامل من نسائهم قوابل مولدات يخبرنه بمواليد بني إسرائيل، ليبادر بذبح الذكور، فور ولادتهم حسب خطته الجهنمية الخبيثة، التي لا تستشعر رحمة بأطفال أبرياء لا ذنب لهم ولا خطيئة. هذه هي الظروف التي تجري فيها قصة موسى ـ عليه السلام ـ عند ولادته، كما وردت في هذه السورة: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. إنه كان من المفسدين}.. ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون؛ ويقدر غير ما يقدر الطاغية. والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم، فينسون إرادة الله وتقديره؛ ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون. ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون. والله يعلن هنا أرادته هو، ويكشف عن تقديره هو؛ ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما، بأن احتياطهم وحذرهم لن يجديهم فتيلاً: {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}. فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ويسومهم سوء العذاب والنكال. وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه؛ فيبث عليهم العيون والأرصاد، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار! هؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهباته من غير تحديد؛ وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيداً ولا تابعين؛ وأن يورثهم الأرض المباركة (التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح) وأن يمكن لهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين. وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما، وما يتخذون الحيطة دونه، وهم لا يشعرون! هكذا يعلن السياق قبل أن يأخذ في عرض القصة ذاتها. يعلن واقع الحال، وما هو مقدر في المآل. ليقف القوتين وجهاً لوجه: قوة فرعون المنتفشة المنتفخة التي تبدو للناس قادرة على الكثير. وقوة الله الحقيقية الهائلة التي تتهاوى دونها القوى الظاهرية الهزيلة التي ترهب الناس! ويرسم بهذا الإعلان مسرح القصة قبل أن يبدأ في عرضها. والقلوب معلقة بأحداثها ومجرياتها، وما ستنتهي إليه، وكيف تصل إلى تلك النهاية التي أعلنها قبل البدء في عرضها. ومن ثم تنبض القصة بالحياة؛ وكأنها تعرض لأول مرة، على أنها رواية معروضة الفصول، لا حكاية غبرت في التاريخ. هذه ميزة طريقة الأداء القرآنية بوجه عام. ثم تبدأ القصة. ويبدأ التحدي وتنكشف يد القدرة تعمل سافرة بلا ستار: لقد ولد موسى في ظل تلك الأوضاع القاسية التي رسمها قبل البدء في القصة؛ ولد والخطر محدق به، والموت يتلفت عليه، والشفرة مشرعة على عنقه، تهم أن تحتز رأسه.. وها هي ذي أمه حائرة به، خائفة عليه، تخشى أن يصل نبؤه إلى الجلادين، وترجف أن تتناول عنقه السكين. ها هي ذي بطفلها الصغير في قلب المخافة، عاجزة عن حمايته، عاجزة عن إخفائه، عاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه؛ عاجزة عن تلقينه حيلة أو وسيلة.. ها هي ذي وحدها ضعيفة عاجزة مسكينة. هنا تتدخل يد القدرة، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة، وتلقي في روعها كيف تعمل، وتوحي إليها بالتصرف: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني}.. يا لله! يا للقدرة! يا أم موسى أرضعيه. فإذا خفت عليه وهو في حضنك. وهو في رعايتك. إذا خفت عليه وفي فمه ثديك، وهو تحت عينيك. إذا خفت عليه {فألقيه في اليم}!! {ولا تخافي ولا تحزني} إنه هنا.. في اليم.. في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها، اليد التي لا خوف معها. اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها. اليد التي تجعل النار برداً وسلاماً، وتجعل البحر ملجأ ومناما. اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولا جبابرة الأرض جميعاً أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب. {إنا رادوه إليك}.. فلا خوف على حياته ولا حزن على بعده.. {وجاعلوه من المرسلين}.. وتلك بشارة الغد، ووعد الله أصدق القائلين. هذا هو المشهد الأول في القصة. مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح. وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور برداً وسلاماً. ولا يذكر السياق كيف تلقته أم موسى، ولا كيف نفذته. إنما يسدل الستار عليها، ليرفعه فإذا نحن أمام المشهد الثاني: {فالتقطه آل فرعون}.. أهذا هو الأمن؟ أهذا هو الوعد؟ أهذه هي البشارة؟ وهل كانت المسكينة تخشى عليه إلا من آل فرعون؟ وهل كانت ترجف إلا أن ينكشف أمره لآل فرعون؟ وهل كانت تخاف إلا أن يقع في أيدي آل فرعون؟ نعم! ولكنها القدرة تتحدى. تتحدى بطريقة سافرة مكشوفة. تتحدى فرعون وهامان وجنودهما. إنهم ليتتبعون الذكور من مواليد قوم موسى خوفاً على ملكهم وعرشهم وذواتهم. ويبثون العيون والأرصاد على قوم موسى كي لا يفلت منهم طفل ذكر.. فها هي ذي يد القدرة تلقي في أيديهم بلا بحث ولا كد بطفل ذكر. وأي طفل؟ إنه الطفل الذي على يديه هلاكهم أجمعين! ها هي ذي تلقيه في أيديهم مجرداً من كل قوة ومن كل حيلة، عاجزاً عن أن يدفع عن نفسه أو حتى يستنجد! ها هي ذي تقتحم به على فرعون حصنه وهو الطاغية السفاح المتجبر، ولا تتعبه في البحث عنه في بيوت بني إسرائيل، وفي أحضان نسائهم الوالدات! ثم ها هي ذي تعلن عن مقصدها سافرة متحدية: {ليكون لهم عدواً وحزناً}. ليكون لهم عدواً يتحداهم وحزناً يدخل الهم على قلوبهم: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين}.. ولكن كيف؟ كيف وها هو ذا بين أيديهم، مجرداً من كل قوة، مجرداً من كل حيلة؟ لندع السياق يجيب: {وقالت امرأة فرعون: قرة عين لي ولك، لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً؛ وهم لا يشعرون}.. لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته، بعد ما اقتحمت به عليه حصنه. لقد حمته بالمحبة. ذلك الستار الرقيق الشفيف. لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال. حمته بالحب الحاني في قلب امرأة. وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره.. وهان فرعون على الله أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف! {قرة عين لي ولك}.. وهو الذي تدفع به القدرة إليهم ليكون لهم ـ فيما عدا المرأة ـ عدواً وحزناً! {لا تقتلوه}.. وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده! {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}.. وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلاً! {وهم لا يشعرون}.. فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون! وينتهي المشهد الثاني ويسدل الستار عليه إلى حين. ذلك شأن موسى. فما بال أمه الوالهة وقلبها الملهوف؟ {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً. إن كادت لتبدي به. لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين. وقالت لأخته: قصيه}.. لقد سمعت الإيحاء، وألقت بطفلها إلى الماء. ولكن أين هو يا ترى وماذا فعلت به الأمواج؟ ولعلها سألت نفسها: كيف؟ كيف أمنت على فلذة كبدي أن أقذف بها في اليم؟ كيف فعلت ما لم تفعله من قبل أُمٌ؟ كيف طلبت له السلامة في هذه المخافة؟ وكيف استسلمت لذلك الهاتف الغريب؟ والتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية: {فارغاً}.. لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف! {إِن كادت لتبدي به}.. وتذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أنا أضعته. أنا أضعت طفلي. أنا ألقيت به في اليم اتباعاً لهاتف غريب! {لولا أن ربطنا على قلبها}.. وشددنا عليه وثبتناها، وأمسكنا بها من الهيام والشرود. {لتكون من المؤمنين}.. المؤمنين بوعد الله، الصابرين على ابتلائه، السائرين على هداه. ولم تسكت أم موسى عن البحث والمحاولة! {وقالت لأخته: قصيه}.. اتبعي أثره، واعرفي خبره، إن كان حياً، أو أكلته دواب البحر أو وحوش البر.. أو أين مقره ومرساه؟ وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق. فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه؛ وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع: {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون. وحرمنا عليه المراضع من قبل. فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟}.. إن القدرة التي ترعاه تدبر أمره، وتكيد به لفرعون وآله؛ فتجعلهم يلتقطونه، وتجعلهم يحبونه، وتجعلهم يبحثون له عن ظئر ترضعه، وتحرم عليه المراضع، لتدعهم يحتارون به؛ وهو يرفض الثديّ كلما عرضت عليه، وهم يخشون عليه الموت أو الذبول! حتى تبصر به أخته من بعيد، فتعرفه وتتيح لها القدرة فرصة لهفتهم على مرضع، فتقول لهم: {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون}؟ فيتلقفون كلماتها، وهم يستبشرون، يودون لو تصدق فينجو الطفل العزيز المحبوب! وينتهي المشهد الرابع؛ فنجدنا أمام المشهد الخامس والأخير في هذه الحلقة. وقد عاد الطفل الغائب لأمه الملهوفة. معافى في بدنه، مرموقاً في مكانته، يحميه فرعون، وترعاه امرأته، وتضطرب المخاوف من حوله وهو آمن قرير. وقد صاغت يد القدرة الحلقة الأولى من تدبيرها العجيب: {فرددناه إلى أمه، كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. ويسكت سياق القصة بعد هذا عن السنوات الطوال ما بين مولد موسى ـ عليه السلام ـ والحلقة التالية التي تمثل شبابه واكتماله. فلا نعلم ماذا كان بعد رده إلى أمه لترضعه. ولا كيف تربى في قصر فرعون. ولا كيف كانت صلته بأمه بعد فترة الرضاعة. ولا كيف كان مكانه في القصر أو خارجه بعد أن شب وكبر إلى أن تقع الأحداث التالية في الحلقة الثانية. ولا كيف كانت عقيدته، وهو الذي يصنع على عين الله، ويعد لوظيفته، في وسط عباد فرعون وكهنته.. يسكت سياق القصة عن كل هذا ويبدأ الحلقة الثانية مباشرة حين بلغ أشده واستوى، فقد آتاه الله الحكمة والعلم، وحزاه جزاء المحسنين: {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلما. وكذلك نجزي المحسنين}.. وبلوغ الأشد اكتمال القوى الجسمية. والاستواء اكتمال النضوج العضوي والعقلي. وهو يكون عادة حوالي سن الثلاثين. فهل ظل موسى في قصر فرعون، ربيباً ومتبنى لفرعون وزوجه حتى بلغ هذه السن؟ أم إنه افترق عنهما، واعتزل القصر، ولم تسترح نفسه للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة كنفس موسى ـ عليه السلام ـ؟ وبخاصة أن أمه لا بد أن تكون قد عرّفته من هو ومن قومه وما ديانته. وهو يرى كيف يسام قومه الخسف البشع والظلم الشنيع، والبغي اللئيم؛ وهو يرى أبشع صورة للفساد الشائع الأثيم. ليس لدينا من دليل. ولكن سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئاً من هذا كما سيجيء؛ والتعقيب على إتيانه الحكمة والعلم: {وكذلك نجزي المحسنين} يشي كذلك بأنه أحسن فأحسن الله إليه بالحكمة والعلم: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان: هذا من شيعته وهذا من عدوه؛ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه؛ فوكزه موسى فقضى عليه. قال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين. قال: رب إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فغفر له، إنه هو الغفور الرحيم. قال: رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}.. ودخل المدينة.. والمفهوم أنها العاصمة وقتئذ.. فمن أي مكان جاء فدخلها؟ وهل كان من القصر في عين شمس؟ أم إنه كان قد اعتزل القصر والعاصمة، ثم دخل إليها على حين غفلة من أهلها، في وقت الظهيرة مثلاً حين تغفو العيون؟ لقد دخل المدينة على كل حال {فوجد فيها رجلين يقتتلان. هذا من شيعته وهذا من عدوه. فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}.. وقد كان أحدهما قبطياً ـ يقال إنه من حاشية فرعون، ويقال إنه طباخ القصر. والآخر إسرائيلي. وكانا يقتتلان. فاستغاث الإسرائيلي بموسى مستنجداً به على عدوهما القبطي. فكيف وقع هذا؟ كيف استغاث الإسرائيلي بموسى ربيب فرعون على رجل من رجال فرعون؟ إن هذا لا يقع إذا كان موسى لا يزال في القصر، متبنى، أو من الحاشية. إنما يقع إذا كان الإسرائيلي على ثقة من أن موسى لم يعد متصلاً بالقصر، وأنه قد عرف أنه من بني إسرائيل. وأنه ناقم على الملك والحاشية، منتصر لقومه المضطهدين. وهذا هو الأنسب لمن في مقام موسى ـ عليه السلام ـ فإنه بعيد الاحتمال أن تطيق نفسه البقاء في مستنقع الشر والفساد.. {فوكزه موسى فقضى عليه}.. والوكز الضرب بجمع اليد. والمفهوم من التعبير أنها وكزة واحدة كان فيها حتف القبطي. مما يشي بقوة موسى وفتوته، ويصور كذلك انفعاله وغضبه؛ ويعبر عما كان يخالجه من الضيق بفرعون ومن يتصل به. ولكن يبدو من السياق أنه لم يكن يقصد قتل القبطي، ولم يعمد إلى القضاء عليه. فما كاد يراه جثة هامدة بين يديه حتى استرجع وندم على فعلته، وعزاها إلى الشيطان وغوايته؛ فقد كانت من الغضب، والغضب شيطان، أو نفخ من الشيطان: {قال: هذا من عمل الشيطان. إنه عدو مضل مبين}.. ثم استطرد في فزع مما دفعه إليه الغضب، يعترف بظلمه لنفسه أن حملها هذا الوزر، ويتوجه إلى ربه، طالباً مغفرته وعفوه: {قال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}.. واستجاب الله إلى ضراعته، وحساسيته، واستغفاره: {فغفر له. إنه هو الغفور الرحيم}.. وكأنما أحس موسى بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه، أن ربه غفر له. والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء، فور الدعاء، حين يصل إرهافه وحساسيته إلى ذلك المستوى؛ وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد.. وارتعش وجدان موسى ـ عليه السلام ـ وهو يستشعر الاستجابة من ربه، فإذا هو يقطع على نفسه عهداً، يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه: {قال: رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}.. فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً ومعيناً. وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها. حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل. وهذه الارتعاشة العنيفة، وقبلها الاندفاع العنيف، تصور لنا شخصية موسى ـ عليه السلام ـ شخصية انفعالية، حارة الوجدان، قوية الاندفاع. وسنلتقي بهذه السمة البارزة في هذه الشخصية في مواضع أخرى كثيرة. بل نحن نلتقي بها في المشهد الثاني في هذه الحلقة مباشرة: {فأصبح في المدينة خائفاً يترقب؛ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه، قال له موسى: إنك لغوي مبين. فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين}.. لقد انتهت المعركة الأولى بالقضاء على القبطي، وندم موسى على فعلته، وتوجهه إلى ربه، واستغفاره إياه، ومغفرته له، وعهده على نفسه ألا يكون ظهيراً للمجرمين. ومر يوم وأصبح في المدينة خائفاً من انكشاف أمره، يترقب الافتضاح والأذى. ولفظ {يترقب} يصور هيئة القلق الذي يتلفت ويتوجس، ويتوقع الشر في كل لحظة.. وهي سمة الشخصية الانفعالية تبدو في هذا الموقف كذلك. والتعبير يجسم هيئة الخوف والقلق بهذا اللفظ، كما أنه يضخمها بكلمتي {في المدينة} فالمدينة عادة موطن الأمن والطمأنينة، فإذا كان خائفاً يترقب في المدينة، فأعظم الخوف ما كان في مأمن ومستقر! وحالة موسى هذه تلهم أنه لم يكن في هذا الوقت من رجال القصر. وإلا فما أرخص أن يزهق أحد رجال القصر نفساً في عهود الظلم والطغيان! وما كان ليخشى شيئاً فضلاً على أن يصبح {خائفاً يترقب} لو أنه كان ما يزال في مكانه من قلب فرعون وقصره. وبينما هو في هذا القلق والتوجس إذا هو يطلع: {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه}! إنه صاحبه الإسرائيلي الذي طلب بالأمس نصرته على القبطي. إنه هو مشتبكاً مع قبطي آخر؛ وهو يستصرخ موسى لينصره؛ ولعله يريد منه أن يقضي على عدوهما المشترك بوكزة أخرى! ولكن صورة قتيل الأمس كانت ما تزال تخايل لموسى. وإلى جوارها ندمه واستغفاره وعهده مع ربه. ثم هذا التوجس الذي يتوقع معه في كل لحظة أن يلحقه الأذى. فإذا هو ينفعل على هذا الذي يستصرخه، ويصفه بالغواية والضلال: {قال له موسى: إنك لغوي مبين}.. غوي بعراكه هذا الذي لا ينتهي واشتباكاته التي لا تثمر إلا أن تثير الثائرة على بني إسرائيل. وهم عن الثورة الكاملة عاجزون، وعن الحركة المثمرة ضعفاء. فلا قيمة لمثل هذه الاشتباكات التي تضر ولا تفيد. ولكن الذي حدث أن موسى ـ بعد ذلك ـ انفعلت نفسه بالغيظ من القبطي، فاندفع يريد أن يقضي عليه كما قضى على الأول بالأمس! ولهذا الاندفاع دلالته على تلك السمة الانفعالية التي أشرنا إليها، ولكن له دلالته من جانب آخر على مدى امتلاء نفس موسى ـ عليه السلام ـ بالغيظ من الظلم، والنقمة على البغي، والضيق بالأذى الواقع على بني إسرائيل، والتوفز لرد العدوان الطاغي، الطويل الأمد، الذي يحتفر في القلب البشري مسارب من الغيظ وأخاديد. {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما، قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين}.. وإنه ليقع حينما يشتد الظلم، ويفسد المجتمع، وتختل الموازين، ويخيم الظلام، أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف؛ ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه؛ بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم؛ ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره {جباراً في الأرض} كما قال القبطي لموسى. ذلك أنهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون، حتى وهموا أن هذا هو الأصل، وأن هذا هو الفضل، وأن هذا هو الأدب، وأن هذا هو الخلق! وأن هذا هو الصلاح! فإذا رأوا مظلوماً يدفع الظلم عن نفسه، فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها.. إذا رأوا مظلوماً يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا، وسمَّوا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكاً أو جباراً، وصبوا عليه لومهم ونقمتهم. ولم ينل الظالم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل! ولم يجدوا للمظلوم عذراً ـ حتى على فرض تهوره ـ من ضيقه بالظلم الثقيل! ولقد طال الظلم ببني إسرائيل، فضاقت به نفس موسى ـ عليه السلام ـ حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى ويندم، ثم يندفع في المرة الثانية لما ندم عليه حتى ليكاد يفعله، ويهم أن يبطش بالذي هو عدو له ولقومه. لذلك لم يتخل الله عنه، بل رعاه، واستجاب له، فالله العليم بالنفوس يعلم أن للطاقة البشرية حداً في الاحتمال. وأن الظلم حين يشتد، وتغلق أبواب النصفة، يندفع المضطهد إلى الهجوم والاقتحام. فلم يهول في وصف الفعلة التي فعلها موسى، كما تهول الجماعات البشرية التي مسخ الظلم فطرتها بإزاء مثل هذا العمل الفطري مهما تجاوز الحدود تحت الضغط والكظم والضيق. وهذه هي العبرة التي تستشف من طريقة التعبير القرآنية عن الحادثتين وما تلاهما، فهو لا يبرر الفعلة ولكنه كذلك لا يضخمها. ولعل وصفها بأنها ظلم للنفس إنما نشأ من اندفاع موسى بدافع العصبية القومية. وهو المختار ليكون رسول الله، المصنوع على عين الله.. أو لعله كان لأنه استعجل الاشتباك بصنائع الطغيان؛ والله يريد أن يكون الخلاص الشامل بالطريقة التي قضاها، حيث لا تجدي تلك الاشتباكات الفردية الجانبية في تغيير الأوضاع. كما كف الله المسلمين في مكة عن الاشتباك حتى جاء الأوان. ويبدو أن رائحة فاحت عن قتيل الأمس، وأن شبهات تطايرت حول موسى. لما عرف عن كراهيته من قبل لطغيان فرعون وملئه، إلى جانب ما يكون قد باح به صاحبه الإسرائيلي سراً بين قومه، ثم تفشى بعد ذلك خارج بني إسرائيل. نرجح هذا لأن قتل موسى لأحد رجال فرعون في معركة بينه وبين إسرائيلي في مثل هذه الظروف يعد حدثاً مريحاً لنفوس بني إسرائيل، يشفى بعض غيظهم، فيشيع عادة وتتناقله الألسنة في همس وفرح وتشف، حتى يفشو ويتطاير هنا وهناك. وبخاصة إذا عرف عن موسى من قبل نفرته من البغي، وانتصاره للمظلومين. فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة، لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة، وهو يراه يهم أن يبطش به، وقال له تلك المقالة: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟}. أما بقية عبارته: {إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين}.. فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكاً يعرف به أنه رجل صالح مصلح، لا يحب البغي والتجبر. فهذا القبطي يذكره بهذا ويورِّي به؛ ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه. يريد أن يكون جباراً لا مصلحاً، يقتل الناس بدلاً من إصلاح ذات البين، وتهدئة ثائرة الشر. وطريقة خطابه له وموضوع خطابه، كلاهما يلهم أن موسى لم يكن إذ ذاك محسوباً من رجال فرعون. وإلا ما جرؤ المصري على خطابه بهذه اللهجة، ولما كان هذا موضوع خطابه. ولقد قال بعض المفسرين: إن هذا القول كان من الإسرائيلي لا من القبطي، لأنه لما قال له موسى: {إنك لغوي مبين}، ثم تقدم نحوه وهو غاضب ليبطش بالذي هو عدو لهما، حسب الإسرائيلي أنه غاضب عليه هو، وأنه يتقدم ليبطش به هو، فقال مقالته، وأذاع بالسر الذي يعرفه وحده.. وإنما حملهم على هذا القول أن ذلك السر كان مجهولاً عند المصريين. ولكن الأقرب أن يكون القبطي هو الذي قال ما قال. وقد عللنا شيوع ذلك السر. وأنها قد تكون فراسة أو حدساً من المصري بمساعدة الظروف المحيطة بالموضوع. والظاهر أن موسى لم يقدم بعد إذ ذكره الرجل بفعلة الأمس، وأن الرجل أفلت لينهي إلى الملأ من قوم فرعون أن موسى هو صاحبها. فهنا فجوة في السياق بعد المشهد السابق. ثم إذا مشهد جديد. رجل يجيء إلى موسى من أقصى المدينة، يحذره ائتمار الملأ من قوم فرعون به، وينصح بالهرب من المدينة إبقاء على حياته: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى. قال: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فاخرج إني لك من الناصحين}.. إنها يد القدرة تسفر في اللحظة المطلوبة، لتتم مشيتها! لقد عرف الملأ من قوم فرعون، وهم رجال حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنها فعلة موسى. وما من شك أنهم أحسوا فيها بشبح الخطر. فهي فعلة طابعها الثورة والتمرد، والانتصار لبني إسرائيل. وإذن فهي ظاهرة خطيرة تستحق التآمر. ولو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها فرعون والملأ والكبراء. فانتدبت يد القدرة واحداً من الملأ. الأرجح أنه الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، والذي جاء ذكره في سورة (غافر) انتدبته ليسعى إلى موسى {من أقصى المدينة} في جد واهتمام ومسارعة، ليبلغه قبل أن يبلغه رجال الملك: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين}.. {فخرج منها خائفاً يترقب. قال: رب نجني من القوم الظالمين}.. ومرة أخرى نلمح السمة الواضحة في الشخصية الانفعالية. التوفز والتلفت. ونلمح معها، التوجه المباشر بالطلب إلى الله، والتطلع إلى حمايته ورعايته، والالتجاء إلى حماه في المخافة، وترقب الأمن عنده والنجاة: {رب نجني من القوم الظالمين}.. ثم يتبعه السياق خارجاً من المدينة، خائفاً يترقب، وحيداً فريداً، غير مزود إلا بالاعتماد على مولاه؛ والتوجه إليه طالباً عونه وهداه: {ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}.. ونلمح شخصية موسى ـ عليه السلام ـ فريداً وحيداً مطارداً في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز. مسافات شاسعة، وأبعاد مترامية، لا زاد ولا استعداد، فقد خرج من المدينة خائفاً يترقب، وخرج منزعجاً بنذارة الرجل الناصح، لم يتلبث، ولم يتزود ولم يتخذ دليلاً. ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة إلى ربه، مستسلمة له، متطلعة إلى هداه: {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}.. ومرة أخرى نجد موسى ـ عليه السلام ـ في قلب المخافة، بعد فترة من الأمن. بل من الرفاهية والطراءة والنعمى. ونجده وحيداً مجرداً من قوى الأرض الظاهرة جميعاً، يطارده فرعون وجنده، ويبحثون عنه في كل مكان، لينالوا منه اليوم ما لم ينالوه منه طفلاً. ولكن اليد التي رعته وحمته هناك ترعاه وتحميه هنا، ولا تسلمه لأعدائه أبداً. فها هو ذا يقطع الطريق الطويل، ويصل إلى حيث لا تمتد إليه اليد الباطشة بالسوء: {ولما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان. قال: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل، فقال: رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}.. لقد انتهى به السفر الشاق الطويل إلى ماء لمدين. وصل إليه وهو مجهود مكدود. وإذا هو يطلع على مشهد لا تستريح إليه النفس ذات المروءة، السليمة الفطرة، كنفس موسى ـ عليه السلام ـ وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء. والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة، أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولاً، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما. ولم يقعد موسى الهارب المطارد، المسافر المكدود، ليستريح، وهو يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف. بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب: {قال: ما خطبكما؟}.. {قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير}.. فأَطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود. إنه الضعف، فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال. وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال! وثارت نخوة موسى ـ عليه السلام ـ وفطرته السليمة. فتقدم لإقرار الأمر في نصابه. تقدم ليسقي للمرأتين أولاً، كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة. وهو غريب في أرض لا يعرفها، ولا سند له فيها ولا ظهير. وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد. وهو مطارد، من خلفه أعداء لا يرحمون. ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف، وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس: {فسقى لهما}.. مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت على عين الله. كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل. ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه. فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب. {ثم تولى إلى الظل}.. مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر، وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر. {فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}.. إنه يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه، ويأوى إلى الظل العريض الممدود. ظل الله الكريم المنان. بروحه وقلبه: {رب. إني لما أنزلت إلي من خير فقير}. رب إني في الهاجرة. رب إني فقير. رب إني وحيد. رب إني ضعيف. رب إني إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محووج. ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن، والركن الركين، والظل الظليل. نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي، والانعطاف الرفيق، والاتصال العميق: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}.. وما نكاد نستغرق مع موسى ـ عليه السلام ـ في مشهد المناجاة حتى يعجل السياق بمشهد الفرج، معقباً في التعبير بالفاء، كأنما السماء تسارع فتستجيب للقلب الضارع الغريب. {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء. قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}.. يا فرج الله: ويا لقربه ويا لنداه! إنها دعوة الشيخ الكبير استجابة من السماء لدعوة موسى الفقير. دعوة للإيواء والكرامة والجزاء على الإحسان. دعوة تحملها: {إحداهما} وقد جاءته {تمشي على استحياء} مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال. {على استحياء}. في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء. جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله، يحكيه القرآن بقوله: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}. فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح؛ لا التلجلج والتعثر والربكة. وذلك كذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة. فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب. الاضطراب الذي يطمع ويغري ويهيج؛ إنما تتحدث في وضوح بالقدر المطلوب، ولا تزيد. وينهي السياق هذا المشهد فلا يزيد عليه، ولا يفسح المجال لغير الدعوة من الفتاة، والاستجابة من موسى. ثم إذا مشهد اللقاء بينه وبين الشيخ الكبير. الذي لم ينص على اسمه. وقيل: إنه ابن أخي شعيب النبي المعروف. وإن اسمه يثرون. {فلما جاءه وقص عليه القصص، قال: لا تخف. نجوت من القوم الظالمين}.. فقد كان موسى في حاجة إلى الأمن؛ كما كان في حاجة إلى الطعام والشراب. ولكن حاجة نفسه إلى الأمن كانت أشد من حاجة جسمه إلى الزاد. ومن ثم أبرز السياق في مشهد اللقاء قول الشيخ الوقور: {لا تخف} فجعلها أول لفظ يعقب به على قصصه ليلقي في قلبه الطمأنينة، ويشعره بالأمان. ثم بين وعلل: {نجوت من القوم الظالمين} فلا سلطان لهم على مدين، ولا يصلون لمن فيها بأذى ولا ضرار. ثم نسمع في المشهد صوت الأنوثة المستقيمة السليمة: {قالت: إحداهما: يا أبت استأجره. إن خير من استأجرت القوي الأمين}. إنها وأختها تعانيان من رعي الغنم، ومن مزاحمة الرجال على الماء، ومن الاحتكاك الذي لا بد منه للمرأة التي تزاول أعمال الرجال. وهي تتأذى وأختها من هذا كله؛ وتريد أن تكون امرأة تأوي إلى بيت؛ امرأة عفيفة مستورة لا تحتك بالرجال الغرباء في المرعى والمسقى. والمرأة العفيفة الروح، النظيفة القلب، السليمة الفطرة، لا تستريح لمزاحمة الرجال، ولا للتبذل الناشئ من هذه المزاحمة. وها هو ذا شاب غريب طريد وهو في الوقت ذاته قوى أمين. رأت من قوته ما يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق ويسقي لهما. وهو غريب. والغريب ضعيف مهما اشتد. ورأت من أمانته ما يجعله عف اللسان والنظر حين توجهت لدعوته. فهي تشير على أبيها باستئجاره ليكفيها وأختها مؤنة العمل والاحتكاك والتبذل. وهو قوي على العمل، أمين على المال. فالأمين على العرض هكذا أمين على ما سواه. وهي لا تتلعثم في هذه الإشارة ولا تضطرب، ولا تخشى سوء الظن والتهمة. فهي بريئة النفس، نظيفة الحس؛ ومن ثم لا تخشى شيئاً، ولا تتمتم ولا تجمجم وهي تعرض اقتراحها على أبيها. ولا حاجة لكل ما رواه المفسرون من دلائل قوة موسى. كرفع الحجر الذي يغطي البئر وكان لا يرفعه ـ فيما قالوا ـ إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل. فالبئر لم يكن مغطى، إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم وسقى للمرأتين، أو سقى لهما مع الرعاء. ولا حاجة كذلك لما رووه عن دلائل أمانته من قوله للفتاة: امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها. أو أنه قال لها هذا بعد أن مشى خلفها فرفع الهواء ثوبها عن كعبها.. فهذا كله تكلف لا داعي له، ودفع لريبة لا وجود لها. وموسى ـ عليه السلام ـ عفيف النظر نظيف الحس، وهي كذلك، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف عند لقاء رجل وامرأة. فالعفة تتضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع! واستجاب الشيخ لاقتراح ابنته. ولعله أحس من نفس الفتاة ونفس موسى ثقة متبادلة، وميلاً فطرياً سليماً، صالحاً لبناء أسرة. والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة الله. فجمع الرجل بين الغايتين وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين. فإن زادها إلى عشر فهو تفضل منه لا يلزم به. {قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج. فإن أتممت عشراً فمن عندك. وما أريد أن أشق عليك. ستجدني إن شاء الله من الصالحين}. وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد ـ ولعله كان يشعر كما أسلفنا ـ أنها محددة، وهي التي وقع التجاوب والثقة بين قلبها وقلب الفتى. عرضها في غير تحرج ولا التواء. فهو يعرض نكاحاً لا يخجل منه. يعرض بناء أسرة وإقامة بيت وليس في هذا ما يخجل، ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة، تمنع الوالد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته؛ وتحتم أن يكون الزوج أو وليه أو وكيله هو الذي يتقدم، أولا يليق أن يجيء العرض من الجانب الذي فيه المرأة! ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أن الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدثون ويختلطون ويتكشفون بعضهم لبعض في غير ما خطبة ولا نية نكاح. فأما حين تعرض الخطبة أو يذكر النكاح، فيهبط الخجل المصطنع، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة! ولقد كان الآباء يعرضون بناتهم على الرجال على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل كانت النساء تعرض نفسها على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو من يرغب في تزويجهن منهم. كان يتم هذا في صراحة ونظافة وأدب جميل، لا تخدش معه كرامة ولا حياء.. عرض عمر ـ رضي الله عنه: ابنته حفصة على أبي بكر فسكت وعلى عثمان فاعتذر، فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا طيب خاطره، عسى أن يجعل الله لها نصيباً فيمن هو خير منهما. ثم تزوجها ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعرضت امرأة نفسها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاعتذر لها. فألقت إليه ولاية أمرها يزوجها ممن يشاء. فزوجها رجلاً لا يملك إلا سورتين من القرآن، علمها إياهما فكان هذا صداقها. وبمثل هذه البساطة والوضاءة سار المجتمع الإسلامي يبني بيوته ويقيم كيانه. في غير ما تلعثم ولا جمجمة ولا تصنع ولا التواء. وهكذا صنع الشيخ الكبير ـ صاحب موسى ـ فعرض على موسى ذلك العرض واعداً إياه ألا يشق عليه ولا يتعبه في العمل؛ راجياً بمشيئة الله أن يجده موسى من الصالحين في معاملته ووفائه. وهو أدب جميل في التحدث عن النفس وفي جانب الله. فهو لا يزكي نفسه، ولا يجزم بأنه من الصالحين. ولكن يرجو أن يكون كذلك، ويكل الأمر في هذا لمشيئة الله. وقبل موسى العرض وأمضى العقد؛ في وضوح كذلك ودقة، وأشهد الله: {قال: ذلك بيني وبينك. أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ. والله على ما نقول وكيل}. إن مواضع العقد وشروط التعاقد لا مجال للغموض فيها، ولا اللعثمة، ولا الحياء. ومن ثم يقر موسى العرض، ويبرم العقد، على ما عرض الشيخ من الشروط. ثم يقرر هذا ويوضحه: {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ}.. سواء قضيت ثماني سنوات أو أتممت عشراً، فلا عدوان في تكاليف العمل، ولا عدوان في تحتيم العشر؛ فالزيادة على الثمانية اختيار.. {والله على ما نقول وكيل}. فهو الشهيد الموكل بالعدل بين المتعاقدين. وكفى بالله وكيلاً. بين موسى ـ عليه السلام ـ هذا البيان تمشياً مع استقامة فطرته، ووضوح شخصيته، وتوفية بواجب المتعاقدين في الدقة والوضوح والبيان. وهو ينوي أن يوفي بأفضل الأجلين كما فعل. "حديث : فقد روي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر أنه: قضى أكثرهما وأطيبهما. " تفسير : وهكذا اطمأن بموسى ـ عليه السلام ـ المقام في بيت حميه؛ وقد أمن من فرعون وكيده. ولحكمة مقدرة في علم الله كان هذا الذي كان.. فلندع الآن هذه الحلقة تمضي في طريقها حتى تنقضي. فقد سكت السياق فيها عند هذا الحد وأسدل الستار.. وتمضي السنوات العشر التي تعاقد عليها موسى ـ عليه السلام ـ لا يذكر عنها شيء في سياق السورة، ثم تعرض الحلقة الثالثة بعد ما قضى موسى الأجل وسار بأهله، عائداً من مدين إلى مصر، يسلك إليها الطريق الذي سلكه منذ عشر سنوات وحيداً طريداً. ولكن جو العودة غير جو الرحلة الأولى.. إنه عائد ليتلقى في الطريق ما لم يخطر له على بال. ليناديه ربه ويكلمه، ويكلفه النهوض بالمهمة التي من أجلها وقاه ورعاه، وعلمه ورباه. مهمة الرسالة إلى فرعون وملئه، ليطلق له بني إسرائيل يعبدون ربهم لا يشركون به أحداً؛ ويرثون الأرض التي وعدهم ليمكن لهم فيها؛ ثم ليكون لفرعون وهامان وجنودهما عدواً وحزناً، ولتكون نهايتهم على يديه كما وعد الله حقاً: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً، قال لأهله: امكثوا، إني آنست ناراً، لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون. فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين؛ وأن ألق عصاك، فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب، يا موسى أقبل ولا تخف، إنك من الآمنين. اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه، إنهم كانوا قوماً فاسقين. قال: رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لساناً، فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون. قال: سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما. بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}.. وقبل أن نستعرض هذين المشهدين في هذه الحلقة نقف قليلاً أمام تدبير الله لموسى ـ عليه السلام ـ في هذه السنوات العشر، وفي هذه الرحلة ذهاباً وجيئة، في هذا الطريق.. لقد نقلت يد القدرة خطى موسى ـ عليه السلام ـ خطوة خطوة. منذ أن كان رضيعاً في المهد حتى هذه الحلقة. ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون. وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه. ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفساً. وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها. وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر. ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.. هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، ومن التلقي والتجريب، قبل النداء وقبل التكليف.. تجربة الرعاية والحب والتدليل. وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة والفزع. وتجربة الغربة والوحدة والجوع. وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة، والمشاعر المتباينة، والخوالج والخواطر، والإدراك والمعرفة.. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة. إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي، إلى جانب هبة الله اللدنية، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير. ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر ـ عدا رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأقدمهم عرشاً، وأثبتهم ملكاً، وأعرقهم حضارة. وأشدهم تعبداً للخلق واستعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه، فمردوا عليه واستكانوا دهراً طويلاً. والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن؛ ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس. فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير. وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة؛ انحرفوا عنها، وفسدت صورتها في قلوبهم. فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة؛ ولا هي باقية على عقيدتها القديمة. ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة. والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسراً. وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة، بل لإنشائها من الأساس. فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعباً مستقلاً، له حياة خاصة، تحكمها رسالة. وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير. ولعله لهذا المعنى كانت عناية القرآن الكريم بهذه القصة، فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة، وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية. وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل. فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى ـ عليه السلام ـ وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة. إن لحياة القصور جواً خاصاً، وتقاليد خاصة، وظلالاً خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية. والرسالة معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، والواجد والمحروم، وفيهم النظيف والوسخ، والمهذب والخشن؛ وفيهم الطيب والخبيث والخير والشرير. وفيهم القوي والضعيف، والصابر والجزوع.. وفيهم وفيهم.. وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم، وطريقة فهمهم للأمور، وطريقة تصورهم للحياة، وطريقة حديثهم وحركتهم، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم.. وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ومشاعر الذين تربوا في القصور؛ ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلاً على معاناتها وعلاجها، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخير مستعدة للصلاح، لأن مظهرهم وطبيعة عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور! وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحياناً.. وقلوب أهل القصور ـ مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة ـ لا تصبر طويلاً على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة. فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى ـ عليه السلام ـ أن تخفض ما اعتادته نفسه من تلك الحياة؛ وأن تزج به في مجتمع الرعاة، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون راعي غنم يجد القوت والمأوى، بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع. وأن ينزع من حسه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء، وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم؛ وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم. وأن تلقي به في خضم الحياة كثيراً بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيراً، ليمرن على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها.. فلما أن استكملت نفس موسى ـ عليه السلام ـ تجاربها، وأكملت مرانتها ودربتها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغربة، قادت يد القدرة خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه، ومجال رسالته وعمله، سالكة به الطريق التي سلكها أول مرة وحيداً طريداً خائفاً يتلفت. فما هذه الجيئة والذهوب في ذات الطريق؟ إنها التدريب والمرانة والخبرة حتى بشعاب الطريق. الطريق الذي سيقود فيه موسى خطى قومه بأمر ربه، كي يستكمل صفات الرائد وخبرته، حتى لا يعتمد على غيره ولو في ريادة الطريق. فقومه كانوا في حاجة إلى رائد يقودهم في الصغيرة والكبيرة، بعد أن أفسدهم الذل والقسوة والتسخير؛ حتى فقدوا القدرة على التدبير والتفكير. وهكذا ندرك كيف صنع موسى على عين الله، وكيف أعدته القدرة لتلقي التكليف. فلنتبع خطى موسى تنقلها يد القدرة الكبرى، في طريقه إلى هذا التكليف. {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً. قال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً، لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون}.. ترى أي خاطر راود موسى، فعاد به إلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفاً يترقب؟ وأنساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفساً؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه؟ إنها اليد التي تنقل خطاه كلها، لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة، وإلى الوطن والبيئة، وأنسته الخطر الذي خرج هارباً منه وحيداً طريداً. ليؤدي المهمة التي خلق لها ورعي منذ اللحظة الأولى. على أية حال ها هو ذا عائد في طريقه، ومعه أهله، والوقت ليل، والجو ظلمة؛ وقد ضل الطريق، والليلة شاتية، كما يبدو من أنسه بالنار التي شاهدها، ليأتي منها بخبر أو جذوة.. هذا هو المشهد الأول في هذه الحلقة. فأما المشهد الثاني فهو المفاجأة الكبرى: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة}.. فها هو ذا يقصد إلى النار التي آنسها، وها هو ذا في شاطئ الوادي إلى جوار جبل الطور، الوادي إلى يمينه، {في البقعة المباركة}.. المباركة، منذ هذه اللحظة.. ثم هذا هو الكون كله تتجاوب جنباته بالنداء العلوي الآتي لموسى {من الشجرة} ولعلها كانت الوحيدة في هذا المكان: {أن يا موسى إني انا الله رب العالمين}: وتلقى موسى النداء المباشر. تلقاه وحيداً في ذلك الوادي العميق، في ذلك الليل الساكن. تلقاه يتجاوب به الكون من حوله، وتمتلئ به السماوات والأرضون. تلقاه لا ندري كيف وبأية جارحة وعن أي طريق. تلقاه ملء الكون من حوله، وملء كيانه كله. تلقاه وأطاق تلقيه لأنه صنع على عين الله حتى تهيأ لهذه اللحظة الكبرى. وسجل ضمير الوجود ذلك النداء العلوي؛ وبوركت البقعة التي تجلى عليها ذو الجلال؛ وتميز الوادي الذي كرّم بهذا التجلي، ووقف موسى في أكرم موقف يلقاه إنسان. واستطرد النداء العلوي يلقي إلى عبده التكليف: {وأن ألق عصاك}.. وألقى موسى عصاه إطاعة لأمر مولاه؛ ولكن ماذا؟ إنها لم تعد عصاه التي صاحبها طويلاً، والتي يعرفها معرفة اليقين. إنها حية تدب في سرعة، وتتحرك في خفة، وتتلوى كصغار الحيات وهي حية كبرى: {فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب}.. إنها المفاجأة التي لم يستعد لها؛ مع الطبيعة الانفعالية، التي تأخذها الوهلة الأولى.. {ولى مدبراً ولم يعقب} ولم يفكر في العودة إليها ليتبين ماذا بها؛ وليتأمل هذه العجيبة الضخمة. وهذه هي سمة الانفعاليين البارزة تتجلى في موعدها! ثم يستمع إلى ربه الأعلى: {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}.. إن الخوف والأمن يتعاقبان سريعاً على هذه النفس، ويتعاورانها في مراحل حياتها جميعاً. إنه جو هذه الحياة من بدئها إلى نهايتها؛ وإن هذا الانفعال الدائم المقصود في تلك النفس، مقدر في هذه الحياة، لأنه الصفحة المقابلة لتبلد بني إسرائيل، ومرودهم على الاستكانة ذلك الأمد الطويل. وهو تدبير القدرة وتقديرها العميق الدقيق. {أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}.. وكيف لا يأمن من تنقل يد القدرة خطاه، ومن ترعاه عين الله؟ {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء}.. وأطاع موسى الأمر، وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ثم أخرجها. فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة. إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض، وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة. إنها إشارة إلى إشراق الحق ووضوح الآية ونصاعة الدليل. وأدركت موسى طبيعته. فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة. ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة. ذلك أن يضم يده على قلبه، فتخفض من دقاته، وتطامن من خفقاته: {واضمم إليك جناحك من الرهب}.. وكأنما يده جناح يقبضه على صدره، كما يطمئن الطائر فيطبق جناحه. والرفرفة أشبه بالخفقان، والقبض أشبه بالاطمئنان. والتعبير يرسم هذه الصورة على طريقة القرآن. والآن وقد تلقى موسى ما تلقى، وقد شاهد كذلك ما شاهد، وقد رأى الآيتين الخارقتين، وقد ارتجف لهما ثم اطمأن.. الآن يعرف ما وراء الآيات، والآن يتلقى التكليف الذي كان يعد من طفولته الباكرة ليتلقاه.. {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه. إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. وإذن فهي الرسالة إلى فرعون وملئه. وإذن فهو الوعد الذي تلقته أم موسى وهو طفل رضيع: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}.. الوعد اليقين الذي انقضت عليه السنون. وعد الله لا يخلف الله وعده وهو أصدق القائلين. هنا يتذكر موسى أنه قتل منهم نفساً، وأنه أخرج من بينهم طريداً، وأنهم تآمروا على قتله فهرب منهم بعيداً. وهو في حضرة ربه. وربه يكرمه بلقائه، ويكرمه بنجائه، ويكرمه بآياته، ويكرمه برعايته، فما له لا يحتاط لدعوته خيفة أن يقتل فتنقطع رسالته: {قال: رب إن قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون}.. يقولها لا ليعتذر، ولا ليتقاعس، ولا لينكص؛ ولكن ليحتاط للدعوة، ويطمئن إلى مضيها في طريقها، لو لقي ما يخاف. وهو الحرص اللائق بموسى القوي الأمين: {وأخي هارون هو أفصح مني لساناً، فأرسله معي ردءاً يصدقني، إني أخاف أن يكذبون}. إن هارون أفصح لساناً فهو أقدر على المنافحة عن الدعوة. وهو ردء له معين، يقوي دعواه، ويخلفه إن قتلوه. وهنا يتلقى موسى الاستجابة والتطمين: {قال: سنشد عضدك بأخيك، ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما. بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}.. لقد استجاب ربه رجاءه؛ وشد عضده بأخيه. وزاده على ما رجاه البشارة والتطمين: {ونجعل لكما سلطاناً}.. فهما لن يذهبا مجردين إلى فرعون الجبار. إنما يذهبان إليه مزودين بسلطان لا يقف له في الأرض سلطان؛ ولا تنالهما معه كف طاغية ولا جبار: {فلا يصلون إليكما}.. وحولكما من سلطان الله سياج، ولكما منه حصن وملاذ. ولا تقف البشارة عند هذا الحد. ولكنها الغلبة للحق. الغلبة لآيات الله التي يجبهان بها الطغاة. فإذا هي وحدها السلاح والقوة، وأداة النصر والغلبة: {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}. فالقدرة تتجلى سافرة على مسرح الحوادث؛ وتؤدي دورها مكشوفاً بلا ستار من قوى الأرض، لتكون الغلبة بغير الأسباب التي تعارف عليها الناس، في دنيا الناس، وليقوم في النفوس ميزان جديد للقوى والقيم. إيمان وثقة بالله، وما بعد ذلك فعلى الله. وينتهي هذا المشهد الرائع الجليل؛ ويطوي الزمان ويطوي المكان، فإذا موسى وهارون في مواجهة فرعون، بآيات الله البينات؛ وإذا الحوار بين الهدى والضلال؛ وإذا النهاية الحاسمة في هذه الدنيا بالغرق، وفي الحياة الأخرى باللعنة. في سرعة واختصار: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. وقال موسى: ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده، ومن تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون. وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين. واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون. فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم. فانظر كيف كان عاقبة الظالمين. وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون؛ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين}.. إن السياق هنا يعجل بالضربة القاضية؛ ويختصر حلقة السحرة التي تذكر في سور أخرى بتفصيل أو إجمال. يختصرها ليصل من التكذيب مباشرة إلى الإهلاك. ثم لا يقف عند الأخذ في الدنيا، بل يتابع الرحلة إلى الآخرة.. وهذا الإسراع في هذه الحلقة مقصود، متناسق مع اتجاه القصة في السورة: وهو تدخل يد القدرة بلا ستار من البشر، فما إن يواجه موسى فرعون حتى يعجل الله بالعاقبة، وتضرب يد القدرة ضربتها الحاسمة، بلا تفصيل في المواجهة أو تطويل. {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}... وكأنما هي ذات القولة التي يقولها المشركون لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة يومذاك.. {ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}.. فهي المماراة في الحق الواضح الذي لا يمكن دفعه. المماراة المكرورة حيثما واجه الحق الباطل فأعيا الباطل الجواب. إنهم يدعون أنه سحر، ولا يجدون لهم حجة إلا أنه جديد عليهم، لم يسمعوا به في آبائهم الأولين! وهم لا يناقشون بحجة، ولا يدلون ببرهان، إنما يلقون بهذا القول الغامض الذي لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً ولا يدفع دعوى. فأما موسى ـ عليه السلام ـ فيحيل الأمر بينه وبينهم إلى الله. فما أدلوا بحجة ليناقشها، ولا طلبوا دليلاً فيعطيهم، إنما هم يمارون كما يماري أصحاب الباطل في كل مكان وفي كل زمان، فالاختصار أولى والإعراض أكرم، وترك الأمر بينه وبينهم إلى الله: {وقال موسى: ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار، إنه لا يفلح الظالمون}. وهو رد مؤدب مهذب، يلمح فيه ولا يصرح. وفي الوقت ذاته ناصع واضح، مليء بالثقة والطمأنينة إلى عاقبة المواجهة بين الحق والباطل. فربه أعلم بصدقه وهداه، وعاقبة الدار مكفولة لمن جاء بالهدى، والظالمون في النهاية لا يفلحون. سنة الله التي لا تتبدل. وإن بدت ظواهر الأمور أحياناً في غير هذا الاتجاه. سنة الله يواجه بها موسى قومه ويواجه بها كل نبي قومه. وكان رد فرعون على هذا الأدب وهذه الثقة ادعاء وتطاولا، ولعبا ومداورة، وتهكماً وسخرية: {وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري. فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين}.. يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.. كلمة فاجرة كافرة، يتلقاها الملأ بالإقرار والتسليم. ويعتمد فيها فرعون على الأساطير التي كانت سائدة في مصر من نسب الملوك للآلهة. ثم على القهر، الذي لا يدع لرأس أن يفكر، ولا للسان أن يعبر. وهم يرونه بشراً مثلهم يحيا ويموت، ولكنه يقول لهم هذه الكلمة فيسمعونها دون اعتراض ولا تعقيب! ثم يتظاهر بالجد في معرفة الحقيقة، والبحث عن إله موسى، وهو يلهو ويسخر: {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى}.. في السماء كما يقول! وبلهجة التهكم ذاتها يتظاهر بأنه شاك في صدق موسى، ولكنه مع هذا الشك يبحث وينقب ليصل إلى الحقيقة: {وإني لأظنه من الكاذبين}! وفي هذا الموضع كانت حلقة المباراة مع السحرة. وهي محذوفة هنا للتعجيل بالنهاية: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون}.. فلما توهموا عدم الرجعة إلى الله استكبروا في الأرض بغير الحق، وكذبوا بالآيات والنذر (التي جاء ذكرها في مطلع هذه الحلقة، ووردت بالتفصيل في سور أخرى). {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم}. هكذا في اختصار حاسم. أخذ شديد ونبذ في اليم. نبذ كما تحذف الحصاة أو كما يرمى بالحجر. اليم الذي ألقي في مثله موسى الطفل الرضيع، فكان مأمناً وملجأ. وهو ذاته الذي ينبذ فيه فرعون الجبار وجنوده فإذا هو مخافة ومهلكة. فالأمن إنما يكون في جناب الله، والمخافة إنما تكون في البعد عن ذلك الجناب. {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين}.. فهي عاقبة مشهودة معروضة للعالمين. وفيها عبرة للمعتبرين، ونذير للمكذبين. وفيها يد القدرة تعصف بالطغاة والمتجبرين في مثل لمح البصر، وفي أقل من نصف سطر! وفي لمحة أخرى يجتاز الحياة الدنيا؛ ويقف بفرعون وجنوده في مشهد عجيب.. يدعون إلى النار، ويقودون إليها الأتباع والأنصار: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}.. فيا بئساها دعوة! ويا بئساها إمامة! {ويوم القيامة لا ينصرون}.. فهي الهزيمة في الدنيا، وهي الهزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة. وليست الهزيمة وحدها، إنما هي اللعنة في هذه الأرض، والتقبيح في يوم القيامة: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين}. ولفظة {المقبوحين} ترسم بذاتها صورة القبح والفضيحة والتشنيع، وجو التقزز والاشمئزاز. ذلك في مقابل الاستعلاء والاستكبار في الأرض، وفتنة الناس بالمظهر والجاه، والتطاول على الله وعلى عباد الله. ويعبر السياق هنا مرحلة الخروج ببني إسرائيل من مصر، وما حدث خلالها من أحداث، ليعجل بعرض نصيب موسى بعد عرض نصيب فرعون: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى، بصائر للناس، وهدى ورحمة، لعلهم يتذكرون}.. هذا نصيب موسى. وهو نصيب عظيم: وهذه عاقبة موسى. وهي عاقبة كريمة.. كتاب من الله يبصر الناس كأنه بصائرهم التي بها يهتدون، {وهدى ورحمة}.. {لعلهم يتذكرون}.. يتذكرون كيف تتدخل يد القدرة بين الطغاة والمستضعفين، فتختم للطغاة بالهلاك والتدمير، وتختم للمظلومين بالخير والتمكين. وهكذا تنتهي قصة موسى وفرعون في هذه السورة. شاهدة بأن الأمن لا يكون إلا في جانب الله. وأن المخافة لا تكون إلا في البعد عن الله. ذلك إلى تدخل يد القدرة سافرة متحدية للطغيان والطغاة، حين تصبح القوة فتنة يعجز عن صدها الهداة. وهي المعاني التي كانت الجماعة المسلمة الصغيرة المستضعفة في مكة في حاجة إلى الاطمئنان إليها. وكان المشركون المستكبرون في حاجة إلى تدبرها. وهي المعاني المتجددة الدائمة حيثما كانت دعوة إلى الهدى، وحيثما كان طغيان يقف في وجه الهدى. وهكذا يجيء القصص في القرآن مادة تربية للنفوس، وتقرير لحقائق وسنن في الوجود {لعلهم يتذكرون}..

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول في نظيره في فاتحة سورة الشعراء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- طسم: حروف صوتية سيقت لبيان أن القرآن المعجز من هذه الحروف التى يتألف منها حديثكم، ولتنبيه السامعين. 2- هذه الآيات التى نوحيها إليك - أيها الرسول - آيات القرآن المبين الواضح، المظهر للحق من الباطل، وللحلال من الحرام، والوعد بالثواب، والوعيد بالعقاب. 3- نقُص عليك بعض أخبار موسى وفرعون بالصدق، ليعتبر بما فيه المؤمنون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: طسۤمۤ: هذه إحدى الحروف المقطعة تكتب طسم وتقرأ: طا، سيْن، ميمْ. تلك: أي الآيات المؤلفة من مثل هذه الحروف هي آيات القرآن الكريم. نتلو عليك: أي نقرأ عليك قاصين شيئاً من نبأ موسى وفرعون أي من خبرهما. لقوم يؤمنون: أي لأجل المؤمنين ليزدادوا إيماناً ويوقنوا بالنصر وحسن العاقبة. علا في الأرض: أي تكبر وظلم فادعى الربوبية وظلم بني إسرائيل ظلماً فظيعاً. شيعاً: أي طوائف بعضهم عدوّ لبعض من باب فَرِّق تَسُدْ. ويستحي نساءهم: أي يبقي على النساء لا يذبح البنات لأنه لا يخاف منهن ويذبح الأولاد لخوفه مستقبلاً على ملكه منهم. ونريد أن نمن: أي ننعم على الذين استضعفوا فنجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ما كانوا يحذرون: من المولود الذي يولد في بني إسرائيل ويذهب بملكهم. معنى الآيات: {طسۤمۤ}: هذا اللفظ الله أعلم بمراده منه، وقد أفاد فائدتين عظيمتين الأولى هي إعجاز القرآن الموجب للإِيمان به وبمنزلة من أنزل عليه القرآن وهو محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنّ هذا القرآن الذي أعجز العرب أن يأتوا بسورة مثله قد تألف من مثل هذه الحروف المقطعة فدل ذلك على أنه كلام الله ووحيه. والثانية أنه لما خاف المشركون من تأثير القرآن على نفوس السامعين له وأمروا باجتناب سماعه واستعملوا وسائل شتى لمنع الناس في مكة من سماعه كانت هذه الحروف تضطرهم إلى السماع لغرابتها عندهم فإذا قرأ القارئ طسم وجد أحدهم نفسه مضطراً إلى السماع، فإذا ألقى سمعه نفذ القرآن إلى قلبه فاهتدى به إن شاء الله تعالى له الهداية كما حصل لكثيرين منهم. وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} أي هذه آيات الكتاب المبين أي القرآن المبين للهدى من الضلال والخير من الشر والحق من الباطل، وقوله {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ} أي نقرأ قاصين عليك أيها الرسول شيئاً من نبأ موسى وفرعون أي من خبر موسى وفرعون وقوله {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} باعتبارهم أنهم هم الذين ينتفعون بما يسمعون في حياتهم ولأنهم في ظرف صعب يحتاجون معه إلى سماع مثل هذا القصص ليثبتوا على إيمانهم حتى ينصرهم الله كما نصر الذين من قبلهم بعد ضعف كان أشد من ضعفهم وقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ..} إلى آخر الآية هذا بيان لما أخبر أنه يقصه للمؤمنين، يخبر تعالى فيقول: {إِنَّ فِرْعَوْنَ..} إلى آخر الآية إن فرعون الحاكم المصري المسمى بالوليد بن الريان الطاغية المدعى الربوبية والألوهية {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض البلاد المصرية ومعنى علا طغى وتكبر وتسلط وقوله {وَجَعَلَ أَهْلَهَا} أي أهل تلك البلاد المصرية {شِيَعاً} أي طوائف فرق بينها إبقاء على ملكه على قاعدة فَرِّق تَسُدْ المذهب السياسي القائم الآن في بلاد الكفر والظلم وقوله {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً} من تلك الطوائف وهي طائفة بني إسرائيل وكيفية استضعافهم أنه يذبح أبناءهم ساعة ولادتهم {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} أي بناتهم ليكبرن للخدمة وتذبيح الأولاد سببه أن كهانة وسياسييه أعلموه أن ملكه مهدد بوجود بني إسرائيل أقوياء كثر في البلاد فاستعمل طريقة تقليلهم والحد من كثرتهم بذبح الأولاد الذكور منهم وإبقاء الإِناث منهم وهي سياسة تشبه تحديد النسل اليوم التي يستعملها الهالكون اليوم وهم لا يشعرون. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} هذا تعليل لعلو فرعون وطغيانه فذكر أن سبب ذلك الذي يرتكبه من السياسة العمياء الظالمة أنه {مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي في الأرض بارتكاب الجرائم العظام التي لا توصف. وقوله تعالى {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ} أي من بعض خبرهما أنا نريد أي أردنا أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض أرض مصر وهم بنو إسرائيل، نَمُنُّ عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون وتسلطه ونجعلهم قادةً في الخير {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} لحكم البلاد وسياستها بعد إهلاك فرعون وجنوده وهو معنى قوله: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}. وقوله {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ} أي من جملة ما نتلو عليك أنا أردنا أن {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ} أي من بني إسرائيل ما كانوا يحذرونه من مولود يولد في بني إسرائيل فيذهب بملك فرعون وذلك بما سيذكر تعالى من أسباب وترتيبات هي عجب! تبتدىء من قوله تعالى {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ..} تفسير : [القصص: 7]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير إعجاز القرآن الذي هو آية أنه كتاب الله حقاً. 2- تقرير النبوة المحمدية بهذا الوحي الإلهي. 3- التحذير من الظلم والاستطالة على الناس والفساد في الأرض. 4- المؤمنون هم الذين ينتفعون بما يتلى عليهم لحياة قلوبهم. 5- تقرير قاعدة لا حذر مع القدر. 6- تحريم تحديد النسل بإلزام المواطن بان لا يزيد على عدد معين من الأطفال.

القطان

تفسير : نتلو عليك: ننزل عليك، نقصّ عليك. من نبأ: من خبر عجيب. شِيعا: فرقاً مختلفة. نمنّ: نتفضل. نمكّن لهم: نقويهم ونجعلهم الحاكمين. هامان: وزير فرعون. طاسين ميم، هكذا تقرأ.. وهي حروف صوتية سبقت لبيان ان القرآن المعجز يتألّف من هذه الحروف التي يتألف منها حديثكم، ولتنبيه السامعين. والمعنى: ان هذه الآياتِ التي نوحيها إليك أيها الرسول آياتُ القرآن الواضح، وفيها نقصّ عليك بعض أخبار موسى وفرعون بالحقّ ليعتبر المؤمنون بما فيه. ان فرعون تعاظَمَ في نفسه، وجاوز الحدّ في ظلمه، واستكبر في مصر، وفرّق أهلها فجعلهم فِرقاً وطوائف، يصطفي بعضهم ويسخّر البعض الآخر. لقد كان يستضعف بني إسرائيل، فيذبح الذكور من أولادهم ويستبقي الاناث، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. وأراد الله ان يتفضّل على الذين استضعَفهم فرعونُ في الأرضِ، وان يمكّن لهم سلطانَهم، ويثبتَ لفرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخشونه من ذَهاب مُلكهم على يد مولود من بني اسرائيل. قراءات قرأ حمزة والكسائي: ويرى فرعونُ وهامان: بالياء وفرعون مرفوع وهامان كذلك. وقرأ الباقون: ويُري فرعونَ وهامانَ بضم النون، ونصب فرعون وهامان.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - طَاسِينْ مِيمْ -. وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، الله أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ} قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، {فِي ٱلأَرْضِ} يعني أرض مصر، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} فرقاً وأصنافاً في الخدمة والسحر، {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} يعني بني إسرائيل، {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني بني إسرائيل. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكاً، دليله قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}تفسير : [المائدة: 20]، مجاهد دعاة إلى الخير، {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} يعني ويوطِّي لهم في أرض مصر والشام ويُنزلهم إياها، {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى والكسائي وخلف بالتاء، وما بعده رفع على أنّ الفعل {لَهُمْ} ، وقرأ غيرهم {وَنُرِيَ} بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، {مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} وذلك أنّهم أُخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانوا يحذرون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن مرة يأتي حرف واحد مثل (ق، ن) أو حرفان مثل (طس، حم) أو ثلاثة أحرف مثل (الم، طسم) أو أربعة مثل (المر) أو خمسة مثل (حمعسق، كهيعص) وكل منها له مفتاح وأسرار لم يفتح علينا بعد لمعرفته وما قلنا في معنى هذه الحروف مجرد محاولات على الطريق.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {شِيَعاً} فِرقاً وأصنافاً {يَسْتَحْيِي} يتركه حيّاً ولا يقتله {نَّمُنَّ} نتفضل وننعم {ٱليَمِّ} البحر {فَارِغاً} خالياً {ٱلْمَرَاضِعَ} جمع مُرضِع، وأما المرضعة فجمعها مرضعات وهي التي ترضع الطفل اللبن {عَن جُنُبٍ} عن بعد ومنه الأجنبي للبعيد غير القريب {وَكَزَهُ} الوكز: الضرب بجُمْع الكف أي بكفه مجموعةً قال أهل اللغة: الوكزُ واللكز كلاهما بمعنى واحد وهو الضرب بجمع الكفّ على الصدر، وقيل: الوكز في الصدر، واللكزُ في الظهر، وجمع الكف: الكف المقوضةُ الأصابع {ظَهِيراً} عوناً {يَسْتَصْرِخُهُ} يستغيثه والاستصراخ الاستغاثة وهو من الصراخ لأن المستغيث يصرخ ويرفع صوته طلباً للغوث قال الشاعر: شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزعٌ كان الصراخ له قرع الظنابيب تفسير : {يَبْطِشَ} البطش: الأخذ بالشدة والعنف، بطش ويبطش ويبطش بالكسر والضم. التفسِير: {طسۤمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، والإِشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركبٌ من أمثال هذه الحروف الهجائية {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي هذه آيات القرآن الواضح الجلي، الظاهر في إعجازه، الواضح في تشريعه وأحكامه {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ} أي نقرأ عليك يا محمد بواسطة الروح الأمين من الأخبار الهامة عن موسى وفرعون من الحق الذي لا يأتيه الباطل، والصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لقومٍ يصدقون بالقرآن فينتفعون.. ثم بدأ بذكر قصة فرعون الطاغية فقال {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي استكبر وتجبَّر، وجاوز الحد في الطغيان في أرض مصر {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} أي جعل أهلها فرقاً وأصنافاً في استخدامه وطاعته {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} أي يستعبد ويستذل فريقاً منهم وهم بنوا إسرائيل فيسومهم سوء العذاب {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} أي يقتّل أبناءهم الذكور ويترك الإِناث على قيد الحياة لخدمته وخدمة الأقباط قال المفسرون: سبب تقتيله الذكور أن فرعون رأى في منامه أن ناراً عظيمةً أقبلت من بيت المقدس وجاءت إلى أرض مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل، فسأل عن ذلك المنجّمين والكهنة، فقالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يديه، ويكون هلاكك بسببه فأمر أن يقتل كل ذكر من أولاد بني إسرائيل {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي من الراسخين في الفساد، المتجبرين في الأرض، ولذلك ادعى الربوبية وأمعن في القتل وإذلال العباد {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي ونريد برحمتنا أن نتفضل وننعم على المستضعفين من بني إسرائيل فننجيهم من بأس فرعون وطغيانه {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي ونجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير بعد أن كانوا أذلاء مسخرين قال ابن عباس: {أَئِمَّةً} قادة في الخير، وقال قتادة: ولاةً وملوكاً {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} أي ونجعل هؤلاء الضعفاء وارثين لملك فرعون وقومه، يرثون ملكهم ويسكنون مساكنهم بعد أن كان القبط أسياد مصر وأعزتها {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي ونملكهم بلاد مصر والشام يتصرفون فيها كيف يشاءون قال البيضاوي: أصل التمكين أن تجعل للشيء مكاناً يتمكن فيه ثم استعيد للتسليط وإطلاق الأمر {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} أي ونري فرعون الطاغية، ووزيره "هامان" والأقباط من أولئك المستضعفين ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولودٍ من بني إسرائيل {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} أي قذفنا في قلبها بواسطة الإِلهام قال ابن عباس: هو وحيُ إلهام وقال مقاتل: أخبرها جبريل بذلك قال القرطبي: فعلى قول مقاتل هو وحيُ إعلام لا إلهام، وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث المشهور، وكذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلَّمت على "عمران بن حصين" فلم يكن نبياً {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} أي فإذا خفت عليه من فرعون فاجعليه في صندوق وألقيه في البحر - بحر النيل - {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ} أي لا تخافي عليه الهلاك ولا تحزني لفراقه {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي فإنا سنرده إليك ونجعله رسولاً نرسله إلى هذا الطاغية لننجّي بني إسرائيل على يديه {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} أي فأخذه وأصابه أعوان فرعون لتكون عاقبة الأمر أن يصبح لهم عدواً ومصدر حزن وبلاءٍ وهلاك قال القرطبي: اللام في "ليكون" لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن صار لهم عدواً وحزناً، فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر: شعر : وللمنايا تُربِّي كلُّ مرضعةٍ ودورُنا لخراب الدهر نبْنيها تفسير : {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} أي كانوا عاصين مشركين آثمين، قال العلماء: الخاطئ من تعمد الذنب والإِثم، والمخطئ من فعل الذنب عن غير تعمد {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} أي قالت زوجة فرعون لفرعون: هذا الغلام فرحة ومسرة لي ولك لعلنا نسر به فيكون قرة عين لنا قال الطبري: ذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون قال لها: أمَّا لك فنعم، وأما لي فليس بقرة عين، وقال ابن عباس: لو قال قرة عين لي لهداه الله به ولآمن ولكنه أبى {لاَ تَقْتُلُوهُ} أي لا تقتله يا فرعون، خاطبته بلفظ الجمع كما يُخاطب الجبارون تعظيماً له ليساعدها فيما تريد {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} عسى أن ينفعنا في الكبر، أو نتبناه فنجعله لنا ولداً تقَرُّ به عيوننا قال المفسرون: وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها قال تعالى {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي وهم لا يشعرون أن هلاك فرعون وزبانيته سيكون على يديه وبسببه {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} أي صار قلبها خالياً من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى، وقيل المعنى: طار عقلها من فرط الجزع والغم حين سمعت بوقوعه في يد فرعون {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي إنها كادت أن تكشف أمره وتظهر أنه ابنها من شدة الوجد والحزن قال ابن عباس: كادت تصيح واإبناه، وذلك حين سمعت بوقوعه في يد فرعون {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} أي لولا أن ثبتناها وألهمناها الصبر {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لتكون من المصدقين بوعد الله برده عليها {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي قالت أم موسى لأخت موسى: إتبعي أثره حتى تعلمي خبره قال مجاهد: قصي أثره وانظري ماذا يفعلون به؟ {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي فأبصرته عن بعد وهم لا يشعرون أنها أخته، لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى وصل الصندوق إلى بيت فرعون وهي ترقبه مستخفيةً عنهم {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} أي ومنعنا موسى أن يقبل ثدي أي مرضعة من المرضعات اللاتي أحضروهن لإِرضاعه من قبل مجيء أُمه قال المفسرون: بقي أياماً كلما أُتي بمرضع لم يقبل ثديها، فأهمهم ذلك واشتد عليهم الأمر فخرجوا به يبحثون له عن مرضعة خارج القصر فرأوا أخته {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} أي هل أدلكم على مرضعة له تكفله وترعاه؟ {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} أي لا يقصرون في إرضاعه وتربيته قال السدي: فدلتهم على أم موسى فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها فلما وجد ريح أُمه قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت منه فقد أبى كل ثديٍ إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها، فرجعت إلى بيتها من يومها ولم يبق أحدٌ من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالهدايا والجواهر فذلك قوله تعالى {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ} أي أعدناه إليها تحقيقاً للوعد كي تسعد وتهنأ بلقائه ولا تحزن على فراقه {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي ولتتحقق من صدق وعد الله برده عليها وحفظه من شر فرعون {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكن أَكثر الناس يرتابون ويشكون في وعد الله القاطع {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ} أي ولما بلغ كمال الرشد، ونهاية القوة، وتمام العقل والاعتدال قال مجاهد: هو سنُّ الأربعين {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي أعطيناه الفهم والعلم والتفقه في الدين مع النبُوَّة {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ومثل هذا الجزاء الكريم نجازي المحسنين على إحسانهم {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} أي دخل مصر وقت الظهيرة والناس يخلدون للراحة عند القيلولة {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي فوجد شخصين يتقاتلان: أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى، والآخر قبطي من جماعة فرعون {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} أي فاستنجد الإِسرائيلي بموسى وطلب غوثه ليدفع عنه شر القبطي {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي ضربه موسى بجمع كفه فقتله، قال القرطبي: فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه وكانت القاضية {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي هذا من إغواء الشيطان فهو الذي هيَّج غضبي حتى ضربت هذا {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} أي إن الشيطان عدوٌ لابن آدم، مضلٌ له عن سبيل الرشاد، ظاهر العداوة وقال الصاوي: نسبه إلى الشيطان من حيث إنه لم يؤمر بقتل القبطي، وظهر له أن قتله خلاف الأولى لما يترتب عليه من الفتن، والشيطان تفرحه الفتن ولذلك ندم على فعله {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي} أي إني ظلمت نفسي بقتل النفس فاعف عني ولا تؤاخذني بخطيئتي {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي إنه تعالى المبالغ في المغفرة للعباد، الواسع الرحمة لهم {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} أي بسبب إنعامك عليَّ بالقوة وبحق ما أكرمتني به من الجاه والعز، فلن أكون عوناً لأحد من المجرمين، وهذه معاهدة عاهد موسى ربه عليها وقيل: هو قسم وهو ضعيف {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فأصبح موسى في المدينة التي قتل فيها القبطي خائفاً على نفسه يتوقع وينتظر المكروه، ويخاف أن يؤخذ بجريرته {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي فإذا صاحبه الإِسرائيلي الذي خلَّصه بالأمس يقاتل قبطياً آخر فلما رأى موسى أخذ يصيح به مستغيثاً لينصره من عدوه {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} أي قال موسى للإِسرائيلي: إنك لبيَّنُ الغواية والضلال، فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه من قتل رجلٍ بسببك وتريد أن توقعني اليوم في ورطةٍ أخرى؟ {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي فحين أراد موسى أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدوٌ له وللإِسرائيلي {قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} أي قال القبطي: أتريد قتلي كما قتلت غيري بالأمس؟ {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة المفسدين في الأرض {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} أي وما تريد أن تكون من الذين يصلحون بين الناس. البَلاَغَة: تضمنت الآيات من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الإِشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبته في الكمال {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}. 2- حكاية الحالة الماضية {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} لاستحضار تلك الصورة في الذهن. 3- إيثارالجملة الإِسمية على الفعلية {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} ولم يقل سنرده ونجعله رسولاً وذلك للاعتناء بالبشارة لأن الجملة الإِسمية تفيد الثبوت والإِستمرار. 4- الاستعارة {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} شبه ما قذف الله في قلبها من الصبر بربط الشيء المنفلت خشية الضياع واستعار لفظ الربط للصبر. 5- صيغة التعظيم {لاَ تَقْتُلُوهُ} تخاطب فرعون ولم تقل لا تقتله تعظيماً له. 6- صيغة المبالغة {جَبَّار}، {غَوِيٌّ}، {مُّبِينٌ} لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة. 7- الطباق المعنوي {جَبَّاراً.. وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} لأن الجبار المفسد المخرّب، المكثر للقتل وسفك الدماء ففيه طباق في المعنى. 8- الاستعطاف {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}. 9- توافق الفواصل في كثير من الآيات مثل {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهو من المحسنات البديعية. لطيفَة: "حكى العلاَّمة القرطبي عن الأصمعي أنه قال سمعت جارية أعرابية تنشد: شعر : أستغفر الله لذنبي كله قتلتُ إنساناً بغير حلِّه مثل الغزال ناعماً في دله انتصف الليل ولم أُصلِّه تفسير : فقلت: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت: ويحك أويعد هذا فصاحة مع قول الله عز وجل {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} فقد جمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين وبشارتين".

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} الآية هذه السورة مكية كلها وقيل غير ذلك * ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها أنه تعالى أمر نبيه بحمده ثم قال سيريكم آياته وكان مما فسر به آياته تعالى معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه أضافها تعالى إليه إذ كان هو المجري بها على يديه فقال: تلك آيات الكتاب المبين فأضافها إلى الكتاب إذ الكتاب هو أعظم المعجزات وأكثر الآيات البينات والكتاب هو القرآن. {نَتْلُواْ} أي نقرأ عليك بقراءة جبريل عليه السلام ومفعول نتلو. {مِن نَّبَإِ} أي بعض نبأ. و{بِٱلْحَقِّ} متعلق بنتلو أي محقين أو في موضع الحال من نبأ أي متلبساً بالحق وخص المؤمنين لأنهم هم المنتفعون بالتلاوة. {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي تجبروا واستكبر حتى ادعى الربوبية والإِلهية والأرض أرض مصر * والشيع الفرق ملك القبط واستعبد بني إسرائيل. {وَنُرِيدُ} حكاية حال ماضية والجملة معطوفة على قوله ان فرعون لأن كلتيهما تفسير للبناء. {أَن نَّمُنَّ} أي بخلاصهم من فرعون وإغراقه. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي مقتدى بهم في الدين والدنيا. {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} أي يرثون فرعون وقومهم ملكهم وما كان لهم * والتمكين التوطئة في الأرض وهي أرض مصر والشام بحيث ينفذ أمرهم ويتسلطون على من سواهم وقرىء: ونرى مضارع أرى ونصب ما بعده ويرى مضارع رأى ورفع ما بعده. {وَهَامَانَ} وزير فرعون. و{يَحْذَرُونَ} أي من زوال ملكهم وإهلاكهم على يدي مولود من بني إسرائيل. {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} الآية الظاهر أن الإِيحاء هنا هو إرسال ملك إليها لقوله بعد إنا رادوه إليك وأجمعوا على أنها لم تكن نبية والظاهر أن هذا الإِيحاء هو بعد الولادة فيكون ثم جملة محذوفة أي وضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه فأوحينا وأن تفسيرية أو مصدرية. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} من جواسيس فرعون ونقبائه الذي يقتلون الأولاد. {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} واليم هنا نيل مصر. {وَلاَ تَخَافِي} أي من غرقه وضياعه ومن التقاطه فيقتل ولا تحزني لمفارقتك إياه. {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} وعد صادق بتسكين قلبها وتبشيرها وجعله رسولاً وقد تقدّم طرف من هذا الكلام في طه واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعراً فقالت: أبعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} الآية فصاحة وقد أجمع أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. {فَٱلْتَقَطَهُ} في الكلام حذف تقديره ففعلت ما أمرت به من إرضاعه ومن إلقائه في اليم واللام في ليكون للتعليل المجازي لما كان مآل التقاطه وتربيته إلى كونه عدواً لهم وحزناً وإن كانوا لم يلتقطوه إلا للتبني وكونه حبيباً يكون لهم ويعبر عن هذه اللام بلام العاقبة وبلام الصيرورة وقرة خبر مبتدأ محذوف هو قرة وتقدّم شرح القرة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملة حالية أي لا يشعرون أنه الذي يفسد ملكهم على يديه. {إِنَّ فِرْعَوْنَ} جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم. {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} الآية وأصبح أي صار فارغاً من الصبر وذلك حين بلغها أنه وقع في يد فرعون قد همها الأمر فطاش لبها وغلب عليها ما يغلب على البشر عند مفاجأة الخطب العظيم ثم استكانت بعد ذلك لموعود الله تعالى وجواب لولا محذوف تقديره لأبدت به والظاهر أن الضمير في به عائد على موسى فالباء زائدة أي لتظهره وقيل مفعول تبدي محذوف أي لتبدي القول به أي بسببه وأنه ولدها. {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي اتبعي أثره وتتبعي خبره فروي أنها خرجت في سكك المدينة مختفية فرأته عند قوم من حاشية إمرأة فرعون يتطلبون له إمرأة ترضعه حين لم يقبل المراضع وفي الكلام حذف تقديره فقصت أثره. {فَبَصُرَتْ بِهِ} أي أبصرته. {عَن جُنُبٍ} أي عن بعد. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بطلبها إياه ولا بإِبصارها وعن جنب عن شوق إليه. {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ} التحريم هنا بمعنى المنع أي منعناه أن يرضع ثدي إمرأة والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع. {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ} تقدم الكلام عليه والظاهر أن الضمير في له عائد على موسى ولما قالت لهم هل أدلكم فقالوا لها: إنك قد عرفتيه فأخبرينا من هو فقالت: ما أردت إلا أنهم ناصحون للملك فتخلصت منهم بهذا التأويل وفي الكلام حذف تقديره فمرت بهم إلى أمه وكلموها في إرضاعه ولما أخبر الله تعالى وعده في الرد ثبت عندها أنه سيكون رسولاً نبياً. {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} فعلنا ذلك. {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} تقدم الكلام عليه في يوسف. {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} الآية المدينة قال ابن عباس: هي منف ركب فرعون يوماً وسار إليها فعلم موسى بركوبه فلحق بتلك المدينة في وقت القائلة. {يَقْتَتِلاَنِ} في الدين إذ أحدهما إسرائيلي مؤمن والآخر قبطي كافر. {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ} وهو الإِسرائيلي. {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وهو القبطي وقيل اسمه فاتون وهذا حكاية حال ماضية والظاهر أن فاعل فقضى ضمير عائد على موسى وكان موسى لم يتعمد قتله ولكن وافقت وكزته الأجل فندم موسى عليه السلام. و{قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} وهو ما لحقه من الغضب حتى أدى إلى الوكزة التي قضت على القبطي وجعله من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه لأنه أدى إلى قتل من لم يؤذن له في قتله. {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي من قتل القبطي أن يؤخذ به يترقب وقوع المكروه به. {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ} أي الإِسرائيلي الذي كان قتل القبطي بسببه وإذا هنا للمفاجأة وبالأمس يعني اليوم الذي قبل يوم الاستصراخ. {يَسْتَصْرِخُهُ} يصبح به مستغيثاً من قبطي آخر. {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} الظاهر أن الضمير في له عائد على الإِسرائيلي. {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ} لكونك كنت سبباً في قتل القبطي بالأمس قال له ذلك على سبيل العتاب والتأنيب. {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ} الظاهر أن الضمير في أراد وأن يبطش هو لموسى. {بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي للمستصرخ وموسى هو القبطي قال القبطي: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} دفعاً لما ظن منه. {جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} قيل هو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون قال الكلبي واسمه جبريل بن شمعون * يسعى أي يشتد في مشيه ولما أمر فرعون بقتله وخرج الجلاوزة من الشارع الأعظم لطلبه فسلك هذا الرجل طريقاً أقرب إلى موسى عليه السلام ومن أقصى ويسعى صفتان ومعنى يأتمرون يتشاورون. {فَٱخْرُجْ} امتثل موسى عليه السلام ما أمره به ذلك الرجل وعلم صدقه ونصحه وخرج وقد أقبل طالبوه فلم يجدوه وكان موسى لا يعرف الطريق ولم يصحب أحداً فسلك مجهلاً واثقاً بالله تعالى داعياً راغباً إلى ربه في تنجيته من الظالمين. {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} الآية توجه رد وجهه تلقاء تقدم الكلام عليه في يونس أي ناحية وجهة استعمل المصدر استعمال الظرف وكان هناك ثلاث طرق فأخذ موسى في أواسطها وأخذ طالبوه في الآخرين وقالوا المريب لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلا في بنياتها فبقي في الطريق ثماني ليال وهو خاف لا يطعم الأوراق الشجر والظاهر من قوله عسى ربي أنه كان لا يعرف الطريق فسأل ربه أن يهديه أقصر الطريق بحيث أنه لا يضل إذا لو سلك ما لا يوصله إلى المقصود لتاه وعن ابن عباس قصد مدين وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله الله إلى مدين. {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} أي وصل إليه والورد يكون بمعنى الوصول أي الشىء وبمعنى الدخول فيه قيل وكان هذا بئراً والأمة الجمع الكثير ومعنى عليه أي على شفيره وحاشيته. {يَسْقُونَ} يعني مواشيهم. {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ} أي من الجهة التي وصل إليها قبل أن يصل إلى الأمة. {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} قال ابن عباس تذودان غنمهما عن الماء خوفاً من الرعاة الأقوياء وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واسم الصغرى عبرا والكبرى صبورا ولما رآهما موسى واقفتين لا يتقدمان للسقي سألهما فقال ما خطبكما والسؤال بالخطب إنكا يكون في مصاب أو مضطهد أو من يشفق عليه أو يأتي بمكروه من الأمر وفي سؤاله عليه السلام دليل على جواز مكالمة الأجنبية فيمن يعنّ ولم يكن لأبيهما أجير فكانتا تسوقان الغنم إلى الماء ولم يكن لهما قوة الاستسقاء وكان الرعاة يسقون من البئر فيسقون مواشيهم فإِذا صدروا فإِن بقي في الحوض شىء سقتا فوافى موسى عليه السلام ذلك اليوم وهما يمنعنان غنمهما عن الماء فرق عليهما وقال ما خطبكما وقرىء يصدر من صدر وقرىء يصدر من أصدر والرعاء فاعل والتقدير فيمن قرأ يصدر أن يكون المعنى حتى يصدر الرعاء عن الماء بغنمهم والمعنى على من قرأ يصدر أي يصدر الرعاء عن الماء غنمهم وجمع راع على رعاء شاذ في القياس وبابه أن يجمع على فعلة كقاض وقضاة خلافاً للزمخشري إذا زعم أن جمع راع على فعال قياس وقرىء الرعاء بضم الراء وهو اسم جمع كالرجال. {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخه وكبره واستعطاف لموسى عليه السلام في إعانتهما.

الجيلاني

تفسير : {طسۤمۤ} [القصص: 1] يا طالب السعادة المؤبدة المخلدلة، ويا طيب الطينة، وسالم السر والسريرة المنيرة، المقدس عن المكدرات الطبيعية المورثة لأنواع الجهالات الضلالات المنافية لصفاء مشرب التوحيد. {تِلْكَ} الآيات المتلوة عليك يا أكمل الرسل من هذه الصورة الحاكية عن قصص إخوانك من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم أجمعين - {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [القصص: 2] أي: نبذ مما ثبت في لوح القضاء وحضرة العلم الإلهي الظاهر إحاطته وشموله لجميع ما لاح عليه شروق شمس الوجود. {نَتْلُواْ عَلَيْكَ} ونحكي لك يا أكمل الرسل {مِن نَّبَإِ} أخيك {مُوسَىٰ} الكليم {وَفِرْعَوْنَ} المستكبر المستعلي، المفرط في العتو والعناد، إنما أنزلته إليك هذا ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع مع كونك خال الذهن عنه وعن أمثاله؛ لكونك أمياً لا تقدر على مطالعة كتب التواريخ؛ وإنما أنزلناه لتكون آية ودليلاً لك على صدك في دعواك {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] ويصدقون رسالتك ونبوتك. وذكل {إِنَّ فِرْعَوْنَ} المفسد المسرف {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر، وترقى أمره إلى حيث تفوه بأنا ربكم الأعلى {وَ} من كمال علوه واستكباره {جَعَلَ أَهْلَهَا} أي: أهل مصر ومن يسكنون حولها {شِيَعاً} أي: فرقاً وأحزاباً يشايعونه لدى الحاجة ويزدحمون عليه عند الإرادة طوعاً وكرهاً. وبعدما رأى فرعون في منامه ليلاً أن ناراً تخرج من دور بني إسرائيل، وتقع على داره وتحرقها وما حولها من ور القبط، ولم تضر بدور بني إسرائيل أصلاً فأصبح، وأمر بإحضار الكاهن العليم، فاستعبر منه الرؤيا فقال الكاهن: سيخرج من بني إسرائيل رجل يستولي عليك، ويستأصلك ومن معك، وبعدما سمع من الكاهن ما سمع صار {يَسْتَضْعِفُ} ويضعف {طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} هي بنو إسرائيل، وبالغ في إضعافهم إلى حيث {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ} أي: أمر الشرطة أن يقتلوا من ولد منهم ذكراً؛ لئلا يتقووا على قتاله، ولم يحدث بينهم من أخبر به الكاهن {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} ليتزوجهن القبط ظلماً ويزدادوا ويلحق العار والصغار على بني إسرائيل، وبالجملة: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ} أعظم {ٱلْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] في الأرض، يريد أن يظهر على الله بقتل ما أوجده سبحانه عتواً واستكباراً. {وَ} بعدما بالغ في الإفساد والعناد، وتمادى في الجور والفساد زماناً {نُرِيدُ} بمقتضى جودنا وسعة رحمتنا {أَن نَّمُنَّ} منة عظيمة {عَلَى} عبادنا {ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض العمالقة، وهم بنو إسرائيل الأُسراء المظلمون في أدي القبط {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} قدوة كراماً متبوعين بعدما كانوا أتباعاً أذلاء صاغرين {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} [القصص: 5] من ظالميهم، يرثون منهم أرضهم وديارهم وأموالهم. {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ} أي: نقررهم ونوطنهم {فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر والشام بعدما كانوا مضطرين متزلزلين {وَنُرِيَ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {فِرْعَوْنَ} المفرط في العتو والعناد {وَ} ظهيره {هَامَانَ} المفتخر على أهل الزمان بنيابته ووزارته {وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ} أي: بني إسرائيل {مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} [القصص: 6] منه، وهو ظهور مولود منهم يذهب به دولة القبط، وصار سبباً لهلاكهم بالمرة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {طسۤمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [القصص: 1-2] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {طسۤمۤ} يشير إلى القسم بطاء طوله تعالى، وطاء طهارة قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم عن محبة غيره، وطاء طهارة أسرار موحديه عن شهود سواه، وسين سره مع محبه، وبميم منه على كافة مخلوقاته بالقيام بكفاياتهم على قدر حاجاتهم {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي: يبين المستقيم إلى الله تعالى: {نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ} [القصص: 3] القلب {وَفِرْعَوْنَ} [القصص: 3] النفس {بِٱلْحَقِّ} [القصص: 3] {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] يعني بالحاجة الضرورية في معرفتهما لمن يؤمن بطلب الحق تعالى ووجدانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ} [القصص: 4] النفس الأمارة {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: استولى من في الأرض الإنسانية {وَجَعَلَ أَهْلَهَا} وهم الروح والسر والعقل {شِيَعاً} أصنافاً تبعاً به في استعمالهم في هواه واستيفاء شهواته {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ} يعني بني إسرائيل صفات القلب. {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ} [القصص: 4] أي: يفني الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص: 4] أيك يبقي الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن {إِنَّهُ كَانَ} يعني: فرعون النفس {مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} بإفساد الاستعداد الأصلي الروحاني {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} [القصص: 5] أي: ننعم عليهم وهم بنو إسرائيل صفات القلب ونخلصهم من استيلاء فرعون النفس وأسره {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص: 5] قدوة يقتدي بهم جميع الصفات الإنسانية في السير إلى الله {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} بعد هلاك فرعون النفس وقومه أي: صفاتها يرثونهم خواص صفاتهم وقوى البشرية وخواص الحواس.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } إلى آخر القصة. { تِلْكَ } الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد، ووضحها. ومن جملة ما أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ } فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان، ما يقبلون به على تدبُّر ذلك، وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه اللّه عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن يفقهوه. فأول هذه القصة { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ } في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، وينفذ فيهم ما أراد من قهره، وسطوته. { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم اللّه على العالمين، الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنه { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } في الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لا بد من تمكين في الأرض، وقدرة تامة، { وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة. { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ } فهذه الأمور كلها، قد تعلقت بها إرادة اللّه، وجرت بها مشيئته، { و } كذلك نريد أن { نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } وزيره { وَجُنُودَهُمَا } التي بها صالوا وجالوا، وعلوا وبغوا { مِنْهُمْ } أي: من هذه الطائفة المستضعفة. { مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يسعون في قمعهم، وكسر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محل ذلك، فكل هذا قد أراده اللّه، وإذا أراد أمرا سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه قدر وأجرى من الأسباب -التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه- ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود. فأول ذلك، لما أوجد اللّه رسوله موسى، الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة، التي يذبحون بها الأبناء، أوحى إلى أمه أن ترضعه، ويمكث عندها. { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } بأن أحسست أحدا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } أي نيل مصر، في وسط تابوت مغلق، { وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } فبشرها بأنه سيرده عليها، وأنه سيكبر ويسلم من كيدهم، ويجعله اللّه رسولا. وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى، ليطمئن قلبها، ويسكن روعها، فإنها خافت عليه، وفعلت ما أمرت به، ألقته في اليم، فساقه اللّه تعالى. { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } فصار من لقطهم، وهم الذين باشروا وجدانه، { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط، أن يكون عدوا لهم وحزنا يحزنهم، بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل، قيض اللّه أن يكون زعيمهم، يتربى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم. وعند التدبر والتأمل، تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومنع كثير من التعديات قبل رسالته، بحيث إنه صار من كبار المملكة. وبالطبع، إنه لا بد أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه هذا، وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف -الذي بلغ بهم الذل والإهانة إلى ما قص اللّه علينا بعضه - أن صار بعض أفراده، ينازع ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه. وهذا مقدمة للظهور، فإن اللّه تعالى من سنته الجارية، أن جعل الأمور تمشي على التدريج شيئا فشيئا، ولا تأتي دفعة واحدة. وقوله: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ونكيد هم، جزاء على مكرهم وكيدهم. فلما التقطه آل فرعون، حنَّن اللّه عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة " آسية " بنت مزاحم " وَقَالَتِ " هذا الولد { قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ } أي: أبقه لنا، لِتقرَّ به أعيننا، ونستر به في حياتنا. { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: لا يخلو، إما أن يكون بمنزلة الخدم، الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقيه منزلة أعلى من ذلك، نجعله ولدا لنا، ونكرمه، ونجله. فقدَّر اللّه تعالى، أنه نفع امرأة فرعون، التي قالت تلك المقالة، فإنه لما صار قرة عين لها، وأحبته حبا شديدا، فلم يزل لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبر ونبأه اللّه وأرسله، فبادرت إلى الإسلام والإيمان به، رضي اللّه عنها وأرضاها. قال اللّه تعالى هذه المراجعات [والمقاولات] في شأن موسى: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } ما جرى به القلم، ومضى به القدر، من وصوله إلى ما وصل إليه، وهذا من لطفه تعالى، فإنهم لو شعروا، لكان لهم وله، شأن آخر. ولما فقدت موسى أمه، حزنت حزنا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا من القلق الذي أزعجها، على مقتضى الحالة البشرية، مع أن اللّه تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها برده. { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: بما في قلبها { لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } فثبتناها، فصبرت، ولم تبد به. { لِتَكُونَ } بذلك الصبر والثبات { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } فإن العبد إذا أصابته مصيبة فصبر وثبت، ازداد بذلك إيمانه، ودل ذلك، على أن استمرار الجزع مع العبد، دليل على ضعف إيمانه. { وَقَالَتِ } أم موسى { لأخْتِهِ قُصِّيهِ } أي: اذهبي [فقصي الأثر عن أخيك وابحثي عنه من غير أن يحس بك أحد أو يشعروا بمقصودك فذهبت تقصه] { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: أبصرته على وجه، كأنها مارة لا قصد لها فيه. وهذا من تمام الحزم والحذر، فإنها لو أبصرته، وجاءت إليهم قاصدة، لظنوا بها أنها هي التي ألقته، فربما عزموا على ذبحه، عقوبة لأهله. ومن لطف اللّه بموسى وأمه، أن منعه من قبول ثدي امرأة، فأخرجوه إلى السوق رحمة به، ولعل أحدا يطلبه، فجاءت أخته، وهو بتلك الحال { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ }. وهذا جُلُّ غرضهم، فإنهم أحبوه حبا شديدا، وقد منعه اللّه من المراضع فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك المقالة، المشتملة على الترغيب، في أهل هذا البيت، بتمام حفظه وكفالته والنصح له، بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلتهم على أهل هذا البيت. { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ } كما وعدناها بذلك { كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ } بحيث إنه تربى عندها على وجه تكون فيه آمنة مطمئنة، تفرح به، وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك، { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } فأريناها بعض ما وعدناها به عيانا، ليطمئن بذلك قلبها، ويزداد إيمانها، ولتعلم أنه سيحصل وعد اللّه في حفظه ورسالته، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فإذا رأوا السبب متشوشا، شوش ذلك إيمانهم، لعدم علمهم الكامل، أن اللّه تعالى يجعل المحن الشاقة والعقبات الشاقة، بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة، فاستمر موسى عليه الصلاة والسلام عند آل فرعون، يتربى في سلطانهم، ويركب مراكبهم، ويلبس ملابسهم، وأمه بذلك مطمئنة، قد استقر أنها أمه من الرضاع، ولم يستنكر ملازمته إياها وحنوها عليها. وتأمل هذا اللطف، وصيانة نبيه موسى من الكذب في منطقه، وتيسير الأمر، الذي صار به التعلق بينه وبينها، الذي بان للناس أنه هو الرضاع، الذي بسببه يسميها أُمَّا، فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كله، صدقا وحقا. { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } من القوة والعقل واللب، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب، { وَاسْتَوَى } كملت فيه تلك الأمور { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي: حكما يعرف به الأحكام الشرعية، ويحكم به بين الناس، وعلما كثيرا. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } في عبادة اللّه المحسنين لخلق اللّه، نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم، ودل هذا على كمال إحسان موسى عليه السلام. { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } إما وقت القائلة، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار. { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ } أي: يتخاصمان ويتضاربان { هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: من بني إسرائيل { وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } القبط. { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } لأنه قد اشتهر، وعلم الناس أنه من بني إسرائيل، واستغاثته لموسى، دليل على أنه بلغ موسى عليه السلام مبلغا يخاف منه، ويرجى من بيت المملكة والسلطان. { فَوَكَزَهُ مُوسَى } أي: وكز الذي من عدوه، استجابة لاستغاثة الإسرائيلي، { فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: أماته من تلك الوكزة، لشدتها وقوة موسى. فندم موسى عليه السلام على ما جرى منه، و { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } أي: من تزيينه ووسوسته، { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ } فلذلك أجريت ما أجريت بسبب عداوته البينة، وحرصه على الإضلال. ثم استغفر ربه { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } خصوصا للمخبتين، المبادرين للإنابة والتوبة، كما جرى من موسى عليه السلام. فـ { قَالَ } موسى { رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } بالتوبة والمغفرة، والنعم الكثيرة، { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا } أي: معينا ومساعدا { لِلْمُجْرِمِينَ } أي: لا أعين أحدا على معصية، وهذا وعد من موسى عليه السلام، بسبب منة اللّه عليه، أن لا يعين مجرما، كما فعل في قتل القبطي. وهذا يفيد أن النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر. { فـ } لما جرى منه قتل الذي هو من عدوه { أَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } هل يشعر به آل فرعون، أم لا؟ وإنما خاف، لأنه قد علم، أنه لا يتجرأ أحد على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل. فبينما هو على تلك الحال { فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ } على عدوه { يَسْتَصْرِخُهُ } على قبطي آخر. { قَالَ لَهُ مُوسَى } موبخا له على حاله { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } أي: بين الغواية، ظاهر الجراءة. { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ } موسى { بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا } أي: له وللمخاصم المستصرخ، أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى هم أن يبطش بالقبطي، { قَالَ } له القبطي زاجرا له عن قتله: { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ } لأن من أعظم آثار الجبار في الأرض، قتل النفس بغير حق. { وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ } وإلا فلو أردت الإصلاح لحلت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكف موسى عن قتله، وارعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون، وفرعون على قتله، وتشاوروا على ذلك. وقيض اللّه ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع عليه رَأْيُ ملئهم. فقال: { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى } أي: ركضا على قدميه من نصحه لموسى، وخوفه أن يوقعوا به، قبل أن يشعر، فـ { قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُون } أي: يتشاورون فيك { لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } عن المدينة { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } فامتثل نصحه. { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أن يوقع به القتل، ودعا اللّه، و { قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } فإنه قد تاب من ذنبه وفعله غضبا من غير قصد منه للقتل، فَتَوعُّدُهُمْ له ظلم منهم وجراءة. { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: قاصدا بوجهه مدين، وهو جنوبي فلسطين، حيث لا ملك لفرعون، { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: وسط الطريق المختصر، الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه اللّه سواء السبيل، فوصل إلى مدين. { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة { وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ } أي: دون تلك الأمة { امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } غنمهما عن حياض الناس، لعجزهما عن مزاحمة الرجال وبخلهم، وعدم مروءتهم عن السقي لهما. { قَالَ } لهما موسى { مَا خَطْبُكُمَا } أي: ما شأنكما بهذه الحالة، { قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } أي: قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم، فإذا خلا لنا الجو سقينا، { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: لا قوة له على السقي، فليس فينا قوة، نقتدر بها، ولا لنا رجال يزاحمون الرعاء. فرق لهما موسى عليه السلام ورحمهما { فَسَقَى لَهُمَا } غير طالب منهما الأجرة، ولا له قصد غير وجه اللّه تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حر، وسط النهار، بدليل قوله: { ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } مستريحا لذلك الظلال بعد التعب. { فَقَالَ } في تلك الحالة، مسترزقا ربه { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إليَّ وتيسره لي. وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل في هذه الحالة داعيا ربه متملقا. وأما المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى. فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، فجاءته { تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } وهذا يدل على كرم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصا في النساء. ويدل على أن موسى عليه السلام، لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يستحى منه عادة، وإنما هو عزيز النفس، رأت من حسن خلقه ومكارم أخلاقه، ما أوجب لها الحياء منه، فـ { قَالَتْ } له: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } أي: لا لِيمُنَّ عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنما قصده أن يكافئك على إحسانك، فأجابها موسى. { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه { قَالَ } مسكنا روعه، جابرا قلبه: { لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: ليذهب خوفك وروعك، فإن اللّه نجاك منهم، حيث وصلت إلى هذا المحل، الذي ليس لهم عليه سلطان. { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } أي: إحدى ابنتيه { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: اجعله أجيرا عندك، يرعى الغنم ويسقيها، { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ } أي: إن موسى أولى من استؤجر، فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر، من جمعهما، أي: القوة والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا بإجارة أو غيرها. فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل، وإنما قالت ذلك، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه، ما عرفت به قوته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما، وإنما قصده [بذلك] وجه اللّه تعالى. { قَالَ } صاحب مدين لموسى { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي } أي تصير أجيرا عندي { ثَمَانِيَ حِجَجٍ } أي: ثماني سنين. { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } تبرع منك، لا شيء واجب عليك. { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } فرغبه في سهولة العمل، وفي حسن المعاملة، وهذا يدل على أن الرجل الصالح، ينبغي له أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه، أبلغ من غيره. فـ { قَالَ } موسى عليه السلام -مجيبا له فيما طلبه منه-: { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت به، وقد تم فيما بيني وبينك. { أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ } سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } حافظ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه. وهذا الرجل، أبو المرأتين، صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا، قول لم يدل عليه دليل، وغاية ما يكون، أن شعيبا عليه السلام، قد كانت بلده مدين، وهذه القضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين؟ وأيضا، فإنه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيب، فكيف بشخصه؟" ولو كان ذلك الرجل شعيبا، لذكره اللّه تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضا فإن شعيبا عليه الصلاة والسلام، قد أهلك اللّه قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ اللّه المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم، بمنعهما عن الماء، وصد ماشيتهما، حتى يأتيهما رجل غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب، ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادما له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، [إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم]. { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ } يحتمل أنه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظن بموسى ووفائه، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته، ووطنه، وعلم من طول المدة، أنهم قد تناسوا ما صدر منه. { سَارَ بِأَهْلِهِ } قاصدا مصر، { آنَسَ } أي: أبصر { مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } وكان قد أصابهم البرد، وتاهوا الطريق. فلما أتاها نودي { يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } فأخبر بألوهيته وربوبيته، ويلزم من ذلك، أن يأمره بعبادته، وتألهه، كما صرح به في الآية الأخرى {أية : فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي }. تفسير : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } تسعى سعيا شديدا، ولها سورة مُهِيلة { كَأَنَّهَا جَانٌّ } ذَكَرُ الحيات العظيم، { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: يرجع، لاستيلاء الروع على قلبه، فقال اللّه له: { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } وهذا أبلغ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف. فإن قوله: { أَقْبِلْ } يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكون إقباله، وهو لم يزل في الأمر المخوف، فقال: { وَلا تَخَفْ } أمر له بشيئين، إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوف، ولكن يبقى احتمال، وهو أنه قد يقبل وهو غير خائف، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال : { إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } فحينئذ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى عليه السلام غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا، واثقا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتم يقينه، فهذه آية، أراه اللّه إياها قبل ذهابه إلى فرعون، ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب. ثم أراه الآية الأخرى فقال: { اسْلُكْ يَدَكَ } أي: أدخلها { فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } فسلكها وأخرجها، كما ذكر اللّه تعالى. { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } أي ضم جناحك وهو عضدك إلى جنبك يزول عنك الرهب والخوف. { فَذَانِكَ } انقلاب العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء { بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ } أي: حجتان قاطعتان من اللّه، { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إياهم، بل لا بد من الآيات الباهرة، إن نفعت. فـ { قَالَ } موسى عليه السلام. معتذرا من ربه، وسائلا له المعونة على ما حمله، وذاكرا له الموانع التي فيه، ليزيل ربه ما يحذره منها. { رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا } أي: { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا } أي: معاونا ومساعدا { يُصَدِّقُنِي } فإنه مع تضافر الأخبار يقوى الحق فأجابه اللّه إلى سؤاله فقال: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي: نعاونك به ونقويك. ثم أزال عنه محذور القتل، فقال: { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: تسلطا، وتمكنا من الدعوة، بالحجة، والهيبة الإلهية من عدوهما لهما، { فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } وذلك بسبب آياتنا، وما دلت عليه من الحق، وما أزعجت به من باشرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم، كيد عدوكم وصارت لكم أبلغ من الجنود، أولي الْعَدَدِ والْعُدَدِ. { أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وهذا وعد لموسى في ذلك الوقت، وهو وحده فريد، وقد رجع إلى بلده، بعد ما كان شريدا، فلم تزل الأحوال تتطور، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكنه من العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه، الغلبة والظهور. فذهب موسى برسالة ربه { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ } واضحات الدلالة على ما قال لهم، ليس فيها قصور ولا خفاء. { قَالُوا } على وجه الظلم والعلو والعناد { مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى } كما قال فرعون في تلك الحالة التي ظهر فيها الحق، واستعل على الباطل، واضمحل الباطل، وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } تفسير : هذا، وهو الذكي غير الزكي الذي بلغ من المكر والخداع والكيد ما قصه اللّه علينا وقد علم {أية : مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } تفسير : ولكن الشقاء غالب. { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ } وقد كذبوا في ذلك، فإن اللّه أرسل يوسف عليه السلام قبل موسى، كما قال تعالى {أية : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ }. تفسير : { وَقَالَ مُوسَى } حين زعموا أن الذي جاءهم به سحر وضلال، وأن ما هم عليه هو الهدى: { رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أي: إذا لم تفد المقابلة معكم، وتبيين الآيات البينات، وأبيتم إلا التمادي في غيكم واللجاج على كفركم، فاللّه تعالى العالم بالمهتدي وغيره، ومن تكون له عاقبة الدار، نحن أم أنتم { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فصار عاقبة الدار لموسى وأتباعه، والفلاح والفوز، وصار لأولئك، الخسار وسوء العاقبة والهلاك. { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } متجرئا على ربه، ومموها على قومه السفهاء، أخفاء العقول: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } أي: أنا وحدي، إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثَمَّ إله غيري، لعلمته، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون!، حيث لم يقل " ما لكم من إله غيري " بل تورع وقال: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } وهذا، لأنه عندهم، العالم الفاضل، الذي مهما قال فهو الحق، ومهما أمر أطاعوه. فلما قال هذه المقالة، التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره، أراد أن يحقق النفي، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال، فقال لـ " هامان " { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ } ليجعل له لبنا من فخار. { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } أي: بناء { لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ولكن سنحقق هذا الظن، ونريكم كذب موسى. فانظر هذه الجراءة العظيمة على اللّه، التي ما بلغها آدمي، كذب موسى، وادَّعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب، ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من هؤلاء الملأ الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشئونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم. فسد دينهم، ثم تبع ذلك فساد عقولهم، فنسألك اللهم الثبات على الإيمان، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. قال تعالى: { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } استكبروا على عباد اللّه، وساموهم سوء العذاب، واستكبروا على رسل اللّه، وما جاءوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ما هم عليه أعلى منها وأفضل. { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ } فلذلك تجرأوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه، لما كان منهم ما كان. { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ } عندما استمر عنادهم وبغيهم { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } كانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بالعقوبة الأخروية. { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } أي جعلنا فرعون وملأه من الأئمة الذين يقتدي بهم ويمشي خلفهم إلى دار الخزي والشقاء. { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ } من عذاب اللّه، فهم أضعف شيء، عن دفعه عن أنفسهم، وليس لهم من دون اللّه، من ولي ولا نصير. { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } أي: وأتبعناهم، زيادة في عقوبتهم وخزيهم، في الدنيا لعنة، يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم، وهذا أمر مشاهد، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ } المبعدين، المستقذرة أفعالهم. الذين اجتمع عليهم مقت اللّه، ومقت خلقه، ومقت أنفسهم. { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } وهو التوراة { مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى } الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام، فرعون وجنوده. وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف. { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي: كتاب اللّه، الذي أنزله على موسى، فيه بصائر للناس، أي: أمور يبصرون بها ما ينفعهم، وما يضرهم، فتقوم الحجة على العاصي، وينتفع بها المؤمن، فتكون رحمة في حقه، وهداية له إلى الصراط المستقيم، ولهذا قال: { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }. ولما قص اللّه على رسوله ما قص من هذه الأخبار الغيبية، نبه العباد على أن هذا خبر إلهي محض، ليس للرسول، طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي، ولهذا قال: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ }. أي: بجانب الطور الغربي وقت قضائنا لموسى الأمر { وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } على ذلك، حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق. { وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } فاندرس العلم، ونسيت آياته، فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك وإلى ما علمناك وأوحينا إليك. { وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا } أي: مقيما { فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: تعلمهم وتتعلم منهم، حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في مدين، { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي: ولكن ذلك الخبر الذي جئت به عن موسى، أثر من آثار إرسالنا إياك، وَوَحْيٌ لا سبيل لك إلى علمه، بدون إرسالنا. { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } موسى، وَأمرناه أن يأتي القوم الظالمين، ويبلغهم رسالتنا، ويريهم من آياتنا وعجائبنا ما قصصنا عليك. والمقصود: أن الماجريات، التي جرت لموسى عليه الصلاة والسلام في هذه الأماكن، فقصصتها كما هي، من غير زيادة ولا نقص، لا يخلو من أحد أمرين. إما أن تكون حضرتها وشاهدتها، أو ذهبت إلى محالِّها فتعلمتها من أهلها، فحينئذ قد لا يدل ذلك على أنك رسول اللّه، إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة، من الأمور المشتركة غير المختصة بالأنبياء، ولكن هذا قد عُلِمَ وتُيُقِّن أنه ما كان وما صار، فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك. فتعين الأمر الثاني، وهو: أن هذا جاءك من قِبَلِ اللّه ووحيه وإرساله، فثبت بالدليل القطعي، صحة رسالتك، ورحمة اللّه بك للعباد، ولهذا قال: { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } أي: العرب، وقريش، فإن الرسالة [عندهم] لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان متطاولة، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } تفصيل الخير فيفعلونه، والشر فيتركونه، فإذا كنت بهذه المنزلة، كان الواجب عليهم، المبادرة إلى الإيمان بك، وشكر هذه النعمة، التي لا يقادر قدرها، ولا يدرك شكرها. وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلا لغيرهم، فإنه عربي، والقرآن الذي أنزل عليه عربي، وأول من باشر بدعوته العرب، فكانت رسالته إليهم أصلا ولغيرهم تبعا، كما قال تعالى {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } {أية : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }. تفسير : { وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والمعاصي { فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: فأرسلناك يا محمد، لدفع حجتهم، وقطع مقالتهم. { فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ } الذي لا شك فيه { مِنْ عِنْدِنَا } وهو القرآن، الذي أوحيناه إليك { قَالُوا } مكذبين له، ومعترضين بما ليس يعترض به: { لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } أي: أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة. أي: فأما ما دام ينزل متفرقا، فإنه ليس من عند اللّه. وأي: دليل في هذا؟ وأي: شبهة أنه ليس من عند اللّه، حين نزل مفرقا؟ بل من كمال هذا القرآن، واعتناء اللّه بمن أنزل عليه، أن نزل متفرقا، ليثبت اللّه به فؤاد رسوله، ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين {أية : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } تفسير : وأيضا، فإن قياسهم على كتاب موسى، قياس قد نقضوه، فكيف يقيسونه على كتاب كفروا به ولم يؤمنوا؟ ولهذا قال { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } أي: القرآن والتوراة، تعاونا في سحرهما، وإضلال الناس { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق بما ليس ببرهان، وينقضونه بما لا ينقض، ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة، وهذا شأن كل كافر. ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين، ولكن هل كفرهم بهما كان طلبا للحق، واتباعا لأمر عندهم خير منهما، أم مجرد هوى؟. قال تعالى ملزما لهم بذلك: { فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } أي: من التوراة والقرآن { أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ولا سبيل لهم ولا لغيرهم أن يأتوا بمثلهما، فإنه ما طرق العالم منذ خلقه اللّه، مثل هذين الكتابين، علما وهدى، وبيانا، ورحمة للخلق، وهذا من كمال الإنصاف من الداعي أن قال: أنا مقصودي الحق والهدى والرشد، وقد جئتكم بهذا الكتاب المشتمل على ذلك، الموافق لكتاب موسى، فيجب علينا جميعا الإذعان لهما واتباعهما، من حيث كونهما هدى وحقا، فإن جئتموني بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما اتبعته، وإلا فلا أترك هدى وحقا قد علمته لغير هدى وحق. { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ } فلم يأتوا بكتاب أهدى منهما { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } أي: فاعلم أن تركهم اتباعك، ليسوا ذاهبين إلى حق يعرفونه، ولا إلى هدى، وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم. { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } فهذا من أضل الناس، حيث عرض عليه الهدى، والصراط المستقيم، الموصل إلى اللّه وإلى دار كرامته، فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا وصفه؟" ولكن ظلمه وعدوانه، وعدم محبته للحق، هو الذي أوجب له: أن يبقى على ضلاله ولا يهديه اللّه، فلهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: الذين صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى، فتبعوه، سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون. وفي قوله: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } دليل على أن كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول، فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى. { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } أي: تابعناه وواصلناه، وأنزلناه شيئا فشيئا، رحمة بهم ولطفا { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } حين تتكرر عليهم آياته، وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها. فصار نزوله متفرقا رحمة بهم، فلم اعترضوا على ما هو من مصالحهم؟ فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة فمنها أن آيات اللّه تعالى وعبره، وأيامه في الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن اللّه تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، فلا يعبأ اللّه بهم، وليس لهم منها نور وهدى. ومنها: أن اللّه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة. ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ اللّه أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها [ولا دنياها] ولا يكون لها إمامة فيه. ومنها: لطف اللّه بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن اللّه سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين. ومنها: أن اللّه يقدر على عبده بعض المشاق، لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا. ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص. وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت من اللّه، عند المقلقات، كما قال تعالى. { لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها. ومنها: أن من أعظم نعم اللّه على عبده، و [أعظم] معونة للعبد على أموره، تثبيت اللّه إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه، وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال. ومنها: أن العبد -ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد اللّه نافذ لا بد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر اللّه، فإن اللّه قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه. ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين. ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك. ومنها: أن اللّه من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه، أن يريه من آياته، ويشهده من بيناته، ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه، لتعلم أن وعد اللّه حق. ومنها: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبا، واستغفر اللّه منه. ومنها: أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض. ومنها: أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى اللّه قول القبطي { إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ } على وجه التقرير له، لا الإنكار. ومنها: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجبا- كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحا له ومحذرا. ومنها: أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى. ومنها: أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل [يد] له غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، فتبعها موسى. ومنها: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن اللّه لا يخيب مَنْ هذه حاله. كما خرج موسى تلقاء مدين فقال: { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ }. ومنها: أن الرحمة بالخلق، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف، من أخلاق: الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز. ومنها استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان اللّه عالما لها، لأنه تعالى، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }. ومنها أن الحياء -خصوصا من الكرام- من الأخلاق الممدوحة. ومنها: المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين. ومنها: أن العبد إذا فعل العمل للّه تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض. ومنها: مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يقدر العمل، وإنما مرده، العرف. ومنها أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعا. ومنها أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه. ومنها: أن خير أجير وعامل [يعمل] للإنسان، أن يكون قويا أمينا. ومنها: أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }. ومنها: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد لقوله: { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ }. ومنها: ما أجرى اللّه على يد موسى من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرة، من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة اللّه لموسى وهارون، من فرعون، ومن الغرق. ومنها: أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات اللّه وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم اللّه بها على عبده، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا. ومنها: ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم، حيث أخبر بذلك تفصيلا مطابقا، وتأصيلا موافقا، قصه قصا، صدق به المرسلين، وأيد به الحق المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان، لينذر به قوما جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين. فصلوات اللّه وسلامه، على من مجرد خبره ينبئ أنه رسول اللّه، ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول النيرة، أنه من عند اللّه، كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به، وصدقه خبر الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جبل عليه من الأخلاق الفاضلة، التي لا تناسب، ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أمته معظم بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان. ولم تزل الأمم المعاندة، والملوك الكفرة المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيد له المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها، لا يزداد إلا نموا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا، وكل وقت من الأوقات، يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ، وهداية لِلْعَالمِينَ، ونور وبصيرة للمتوسمين. والحمد للّه وحده.

همام الصنعاني

تفسير : 2187- حدّثنا عبد الرَّزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {طسۤمۤ}: [الآية: 1]، قالَ: اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرآنِ.