٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ } تفسير : [القصص: 5] ابتدأ بذكر أوائل نعمه في هذا الباب بقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } والكلام في هذا الوحي ذكرناه في سورة طه (37، 38) في قوله: { أية : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ } تفسير : وقوله: {أَنْ أَرْضِعِيهِ } كالدلالة على أنها أرضعته وليس في القرآن حد ذلك، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } أن يفطن به جيرانك ويسمعون صوته عند البكاء {فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمّ } قال ابن جريج: إنه بعد أربعة أشهر صاح فألقى في اليم والمراد باليم ههنا النيل {وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى } والخوف غم يحصل بسبب مكروه يتوقع حصوله في المستقبل، والحزن غم يلحقه بسبب مكروه حصل في الماضي، فكأنه قيل ولا تخافي من هلاكه ولا تحزني بسبب فراقه و{إنا رادّوه إليك } لتكوني أنت المرضعة له {وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } إلى أهل مصر والشام وقصة الإلقاء في اليم قد تقدمت في سورة طه. وقال ابن عباس: إن أم موسى عليه السلام لما تقارب ولادها كانت قابلة من القوابل التي وكلهم فرعون بالحبالى مصافية لأم موسى عليه السلام فلما أحست بالطلق أرسلت إليها وقالت لها قد نزل بي ما نزل ولينفعني اليوم حبك إياي فجلست القابلة فلما وقع موسى عليه السلام إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى عليه السلام قلبها فقالت يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك، ولكني وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحتفظي بابنك، فإنه أراه عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا الحرس فلفته ووضعته في تنور مسجور فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع، فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا لم دخلت القابلة عليك؟ قالت إنها حبيبة لي دخلت للزيارة فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى أين الصبي؟ قالت لا أدري فسمعت بكاء في التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً فأخذته، ثم إن أم موسى عليه السلام لما رأت فرعون جد في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل، فذهبت إلى نجار من أهل مصر فاشترت منه تابوتاً فقال لها ما تصنعين به؟ فقالت ابن لي أخشى عليه كيد فرعون أخبؤه فيه وما عرفت أنه يفشي ذلك الخبر، فلما انصرفت ذهب النجار ليخبر به الذباحين فلما جاءهم أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده، فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه فذهب مرة أخرى ليخبرهم به فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله نطقه، فذهب مرة أخرى ليخبرهم به فضربوه وطردوه فأخذ الله بصره ولسانه، فجعل لله تعالى أنه إن رد عليه بصره ولسانه فإنه لا يد لهم عليه فعلم الله تعالى منه الصدق فرد عليه بصره ولسانه وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها، فقالوا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطىء إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج وتعلق بشجرة، فقال فرعون ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته وفتحته، فإذا هي بصبي صغير في المهد وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر فرقاً منك فهم فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله. أما قوله: {فالتقطه ءالَ فِرْعَوْنَ } فالالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون جواريه. أما قوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } فالمشهور أن هذه اللام يراد بها العاقبة قالوا وإلا نقض قوله: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } ونقض قوله: { أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } تفسير : [طه: 39] ونظير هذه اللام قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } تفسير : [الأعراف: 179] وقوله الشاعر: شعر : لدوا للموت وابنوا للخراب تفسير : واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب «الكشاف» وهو أن هذه اللام هي لام التعليل على سبيل المجاز، وذلك لأن مقصود الشيء وغرضه يؤول إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤول إليه الشيء على سبيل التشبيه، كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع والبليد على الحمار، قرأ حمزة والكسائي (حزناً) بضم الحاء وسكون الزاي والباقون بالفتح وهما لغتان مثل السقم والسقم. أما قوله: كانوا خاطئين ففيه وجهان: أحدهما: قال الحسن معنى {كَانُواْ خَـٰطِئِينَ } ليس من الخطيئة بل المعنى وهم لا يشعرون أنه الذي يذهب بملكهم، وأما جمهور المفسرين فقالوا معناه كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، وقرىء {خاطين} تخفيف خاطئين أي خاطين الصواب إلى الخطأ وبين تعالى أنها التقطته ليكون قرة عين لها وله جميعاً، قال ابن إسحق إن الله تعالى ألقى محبته في قلبها لأنه كان في وجهه ملاحة كل من رآه أحبه، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور، ولأنها لما فتحت التابوت رأته يمتص إصبعه، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال برصها ويقال ما كان لها ولد فأحبته، قال ابن عباس لما قالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } فقال فرعون يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال عليه السلام « حديث : والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت لهداه الله تعالى كما هداها » تفسير : قال صاحب «الكشاف» {قُرَّةُ عَيْنٍ } خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن يجعل مبتدأ {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ } خبراً ولو نصب لكان أقوى، وقراءة ابن مسعود دليل على أنه خبر، قرأ {لاَ تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ }، وذلك لتقديم لا تقتلوه، ثم قالت المرأة {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا } فنصيب منه خيراً {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } لأنه أهل للتبني. أما قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } فأكثر المفسرين على أنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لا يشعرون أن هلاكهم بسببه وعلى يده، وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل، وقال ابن عباس يريد لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى عليه السلام. وقال آخرون هذا من تمام كلام المرأة أي لا يشعر بنو إسرائيل وأهل مصر أن التقطناه، وهذا قول الكلبي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} قد تقدّم معنى الوحي ومحامله. واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى؛ فقالت فرقة: كان قولاً في منامها. وقال قتادة: كان إلهاماً. وقالت فرقة: كان بمَلَك يمثَّل لها. قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام. وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال المَلك إليها على نحو تكليم المَلك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور؛ خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في سورة «براءة». وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوّة، وقد سلمت على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبياً. واسمها أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي. وقال الثعلبي: واسم أم موسى لوحا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب. {أَنْ أَرْضِعِيهِ} وقرأ عمر بن عبد العزيز: {أَنِ ارْضِعِيهِ} بكسر النون وألف وصل؛ حذف همزة أرضع تخفيفاً ثم كسر النون لالتقاء الساكنين. قال مجاهد: وكان الوحي بالرضاع قبل الولادة. وقال غيره بعدها. قال السدي: لما ولدت أمّ موسى موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في الآية؛ لأن الخوف كان عقيب الولادة. وقال ابن جريج: أمرت بإرضاعه أربعة أشهر في بستان، فإذا خافت أن يصيح ـ لأن لبنها لا يكفيه ـ صنعت به هذا. والأوّل أظهر إلا أن الآخر يعضده قوله: {فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} و{إِذَا} لما يستقبل من الزمان؛ فيروى أنها اتخذت له تابوتاً من بَرْدى وقيّرته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى وألقته في نيل مصر. وقد مضى خبره في «طه». قال ابن عباس: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي؛ فسّلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد موسى. قال وهب: بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد. ويقال: تسعون ألفاً. ويروى أنها حين اقتربت وضَربها الطلق، وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها؛ فقالت: لينفعني حُبُّك اليوم؛ فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مَفْصِل منها، ودخل حبّه قلبها، ثم قالت: ما جئتكِ إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حبًّا ما وجدت مثله قط، فاحفظيه؛ فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنّور مسجور ناراً لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا فلم يلفوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنّور، وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاماً. قوله تعالى: {وَلاَ تَخَافِي} فيه وجهان: أحدهما: لا تخافي عليه الغرق؛ قاله ابن زيد. الثاني؛ لا تخافي عليه الضيعة؛ قاله يحيـى بن سَلاّم. {وَلاَ تَحْزَنِيۤ} فيه أيضاً وجهان: أحدهما: لا تحزني لفراقه؛ قاله ابن زيد. الثاني: لا تحزني أن يقتل؛ قاله يحيـى بن سَلاّم. فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر. وقال آخرون: ثلاثة أشهر. وقال آخرون ثمانية أشهر؛ في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعة التابوت نَمَّ إلى فرعون بخبره، فبعث معه من يأخذه، فطمس الله عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون، فآمن من ذلك الوقت؛ وهو مؤمن آل فرعون؛ ذكره الماوردي. وقال ابن عباس: فلما توارى عنها ندّمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إليّ من إلقائه في البحر؛ فقال الله تعالى: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي إلى أهل مصر. حكى الأصمعيّ قال: سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:شعر : أستغفر الله لذنبي كلِّه قَبَّلتُ إنساناً بغير حِلِّه مثل الغزال ناعماً في دَلِّه فانتصف الليل ولم أصلِّه تفسير : فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} الآية؛ فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله تعالى: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} لما كان التقاطهم إياه يؤدّي إلى كونه لهم عدوّاً وحزناً؛ فاللام في {ليكون} لام العاقبة ولام الصيرورة؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوّاً وحزناً، فذكر الحال بالمآل؛ كما قال الشاعر:شعر : وللمنايا تُربِّي كلُّ مُرْضِعةٍ ودُورُنا لخراب الدهر نَبْنِيها تفسير : وقال آخر:شعر : فللموت تَغْدُو الوالداتُ سِخَالَهَا كما لخراب الدهر تُبنَى المساكنُ تفسير : أي فعاقبة البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحاً به. والالتقاط وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة. والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة: التقطه التقاطاً. ولقيت فلاناً التقاطاً. قال الراجز:شعر : ومَـنْـهَـلٍ وردتُـه الـتـقـاطـا تفسير : ومنه اللقطة. وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة «يوسف» بما فيه كفاية. وقرأ الأعمش ويحيـى والمفضل وحمزة والكسائي وخلف: {وَحُزْناً} بضم الحاء وسكون الزاي. والباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد. وأبو حاتم قال التفخيم فيه. وهما لغتان مثل العَدَم والعُدْم، والسَّقَم والسُّقْم، والرَّشَد والرُّشْد. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} وكان وزيره من القبط. {وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} أي عاصين مشركين آثمين. قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت فيه صبياً صغيراً فرحمته وأحبته؛ فقالت لفرعون: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} أي هو قرّة عين لي ولك فـ{ـقُرَّةُ} خبر ابتداء مضمر؛ قاله الكسائي. وقال النحاس: وفيه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق؛ (قال): يكون رفعاً بالابتداء والخبر {لاَ تَقْتُلُوهُ} وإنما بَعُد لأنه يصير المعنى أنه معروف بأنه قرّة عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرّة عين لي ولك فلا تقتلوه. وقيل: تم الكلام عند قوله: {وَلَكَ}. النحاس: والدليل على هذا أن في قراءة عبد الله بن مسعود: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لاَ تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنِ لِي وَلَكَ}. ويجوز النصب بمعنى لا تقتلوا قرةَ عين لي ولك. وقالت: {لاَ تَقْتُلُوهُ} ولم تقل لا تقتله فهي تخاطب فرعون كما يخاطَب الجبّارون؛ وكما يخبرون عن أنفسهم. وقيل: قالت: {لاَ تَقْتُلُوهُ} فإن الله أتى به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل. {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا} فنصيب منه خيراً {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه ـ على ما تقدّم ـ قالوا له إن غلاماً من بني إسرائيل يفسد ملكك؛ فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحيي عاماً، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} هذا ابتداء كلام من الله تعالى؛ أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه. وقيل: هو من كلام المرأة؛ أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، ولا يشعرون إلا أنه ولدنا. واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاطه التابوت لما أشعرت فرعون به؛ ولما أعلمته سبق إلى فهمه أنه من بني إسرائيل، وأن ذلك قصد به ليتخلص من الذبح فقال: عليّ بالذباحين؛ فقالت امرأته ما ذُكِر؛ فقال فرعون: أمّا لي فلا. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرّة عين له» تفسير : وقال السدّي: بل ربَّته حتى دَرَج، فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل وأخذه في يده، فمدّ موسى يده ونتف لحية فرعون، فهمّ حينئذٍ بذبحه، وحينئذٍ خاطبته بهذا، وجربته له في الياقوتة والجمرة، فاحترق لسانه وعلق العقدةَ على ما تقدّم في «طه». قال الفرّاء: سمعت محمد بن مروان الذي يقال له السدّي يذكر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما قالت {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ} ثم قالت: {تَقْتُلُوهُ} قال الفرّاء: وهو لحن؛ قال ابن الأنباري: وإنما حكم عليه باللحن؛ لأنه لو كان كذلك لكان تقتلونه بالنون؛ لأن الفعل المستقبل مرفوع حتى يدخل عليه الناصب أو الجازم، فالنون فيه علامة الرفع. قال الفرّاء: ويقوّيك على ردّه قراءة عبد الله بن مسعود {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لاَ تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} بتقديم {لاَ تَقْتُلُوهُ}.
ابن كثير
تفسير : ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم، وغلمانهم يقتلون. ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عاماً، وتركهم عاماً، فولد هارون عليه السلام في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت، أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها، لايقبلها إلاَّ نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية، تركنها وذهبن، وإن ولدت غلاماً، دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا، قبحهم الله تعالى. فلما حملت أم موسىٰ به عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكراً، ضاقت به ذرعاً، وخافت عليه خوفاً شديداً، وأحبته حباً زائداً، وكان موسىٰ عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعاً وشرعاً، قال الله تعالى: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} تفسير : [طه: 39] فلما ضاقت به ذرعاً، ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتاً، ومهدت فيه مهداً، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه، ذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم، دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء، واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري، فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها، فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: {فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} الآية، قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه، ليجعله عدواً لهم وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ} وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنه كتب كتاباً إلى قوم من القدرية في تكذيبهم بكتاب الله، وبأقداره النافذة في علمه السابق: وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: {أية : وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} تفسير : [القصص: 6] وقلتم أنتم: لو شاء فرعون أن يكون لموسى ولياً وناصراً، والله تعالى يقول: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} الآية. وقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} الآية، يعني: أن فرعون لما رآه، هم بقتله خوفاً من أن يكون من بني إسرائيل، فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه، وتذب دونه، وتحببه إلى فرعون، فقالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان كذلك، وهداها الله بسببه، وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة طه هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعاً عند النسائي وغيره. وقوله: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه. وقوله: {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي: أرادت أن تتخذه ولداً وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه. وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ } وحي إلهام أو منام {إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ } وهو المولود المذكور ولم يشعر بولادته غير أخته {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمِّ } البحر أي النيل {وَلاَ تَخَافِى } غَرَقه {وَلاَ تَحْزَنِى } لفراقه {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي، وخافت عليه فوضعته في تابوت مطليٍّ بالقار من داخل ممهد له فيه وأغلقته وألقته في بحر النيل ليلاً
الماوردي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه إلهام من الله قد قذفه في قلبها وليس بوحي نبوة، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه كان رؤيا منام، حكاه ابن عيسى. الثالث: أنه وحي من الله إليها مع الملائكة كوحيه إلى النبيين، حكاه قطرب. {أَنْ أَرْضِعِيه} قال مجاهد: كان الوحي بالرضاع قبل الولادة، وقال غيره بعدها. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} يعني القتل الذي أمر به فرعون في بني إسرائيل. {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} واليم: البحر وهو النيل. {وَلاَ تَخافِي} فيه وجهان: أحدهما: لا تخافي عليه الغرق،قاله ابن زيد. الثاني: لا تخافي عليه الضيعة،قاله يحيى بن سلامة. {وَلاَ تَحْزَنِي} فيه وجهان: أحدهما: لا تحزني على فراقه، قاله ابن زيد. الثاني: لا تحزني أن يقتل، قال يحيى بن سلام. فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر بعد أن أرضعته أربعة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر في حكاية الكلبي.وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعه التابوت أتى إلى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينه وقلبه فلم يعرف الطريق فأيقن أنه المولود الذي تخوف فرعون منه فآمن من ذلك الوقت وهو مؤمن آل فرعون. قال ابن عباس: فلما توارى عنها ندَّمها الشيطان وقالت في نفسها لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب أليّ من إلقائه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه، فقال الله: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ...} الآية، حكى الأصمعي قال: سمعت جارية أعرابية تنشد: شعر : استغفر الله لذنبي كله قبلت إنساناً بغير حلّه مثل الغزال ناعماً في دَله فانتصف الليل ولم أُصله تفسير : فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أوَيعد هذا فصاحة مع قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ...} الآية، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله {فَالتْقَطَهُ ءَآلُ فِرْعَوْنَ} فيه قولان: أحدهما: أنه التقطه جواري امرأته حين خرجن لاستسقاء الماء فوجدن تابوته فحملنه إليها، قاله ابن عباس. الثاني: أن امرأة فرعون خرجت إلى البحر وكانت برصاء فوجدت تابوته فأخذته فبرئت من برصها فقالت: هذا الصبي مبارك، قاله عبد الرحمن بن زيد. {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدوّاً وََحَزَناً} أي ليكون لهم عَدُوّاً وحزناً في عاقبة أمره ولم يكن لهم في الحال عدوّاً ولا حزناً لأن امرأة فرعون فرحت به وأحبته حباً شديداً فذكر الحال بالمآل كما قال الشاعر: شعر : وللمنايا تربي كل مرضعةٍ ودورنا لخراب الدهر نبنيها. تفسير : {وَقَالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاءوا ليذبحوه فمنعتهم وجاءت به إلى فرعون وقالت: قرة عين لي ولك. {لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} فقال فرعون: قرة عين لك فأما لي فلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَونُ بِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ قُرَّةُ عَيْنٍ كَمَا أَقَرَّت امْرَأَتُهُ لَهَدَاهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا هَدَاهَا وََلَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهُ ذلِكَ " تفسير : وفي قرة العين وجهان: أحدهما: أنه بردها بالسرور مأخوذ من القر وهو البرد. الثاني: أنه قر فيها دمعها فلم يخرج بالحزن مأخوذ من قر في المكان إذا أقام فيه. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنّ هلاكهم على يديه وفي زمانه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ} ألهمنا، أو رؤيا نوم أو وحي مع الملك كوحي الأنبياء. أوحى إليها برضاعه قبل الولادة، أو بعدها. {خِفْتِ عَلَيْهِ} القتل، أو أن يسمع جيرانك صوته. {الْيَمِّ} البحر وهو النيل. {وَلا تَخَافِى} عليه الغرق، أو الضيعة. {وَلا تَحْزَنِى} لفراقه، أو أن يقتل. فجعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه مثلها. وجلعت المفتاح مع التابوت وألقته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر، أو ثلاثة أشهر، أو ثمانية أشهر. ولما فرغ النجار منه أخبر فرعون به، فبعث معه من يأخذه فطمس الله تعالى على عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق. فعلم أنه المولود الذي خافه فرعون فآمن ذلك الوقت وهو مؤمن آل فرعون. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلما غاب عنها ندَّمها الشيطان فقالت. لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من إلقائه في دواب البحر وحيتانه. فقال الله تعالى: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، واسمها يوخابز، وقيل أيادخا، وقيل أيارخت قاله ابن كثير، بنت لاوي بن يعقوب، "أَنْ أَرْضِعِيْهِ" قيل: أرضعته ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر، وقيل ثلاثة أشهر، كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} يعني من الذبح، {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ}، واليم البحر وأراد هنا النيل، {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ} قيل: ولا تخافي عليه من الغرق وقيل: من الضيعة، "ولا تحزني" على فراقه، فـ {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} لتكوني أنت المرضعة {وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} إلى أهل مصر والشام. قال المفسرون: إنها لما خافت عليه من الذبح، وضعته في تابوت، وألقته في النيل ليلاً. قال ابن كثير: وقيل إنها ربطت التابوت في حبل وكانت دارها على حافة النيل، فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها، وكان لفرعونَ قوابل معهم رجال يطوفون على الحوامل، فمن وضعت ذكراً ذبحوه، فأرسلت أم موسى التابوت يوماً. وذهلت عن ربطه فذهب مع النيل. وقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان بها برص شديد، فقال له الأطباء: أيها الملك إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الإنس، فيؤخذ من من ريقه فيلطخ به برصها، فتبرأ من ذلك، وذلك يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون من مجلس له كان على شفير النيل، ومعه آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق، وهي امرأة فرعون. وقيل: كانت من بني إسرائيل من سبط موسى، وقيل: كانت عمته؛ حكاه السهيلي؛ وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل، إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأمواج، فتعلق بشجرة، فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروا بالسفن من كل جانب فوضعوه بين يديه، فعالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت ولم يره غيرها, فعالجته ففتحته، فإذا هو بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنَّا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه، رُمِيَ في البحر فرقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله، فاستوهبته امرأة فرعون فترك قتله. وقوله: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} أي: جواريه. قوله: "لِيَكُونَ" في اللام الوجهان المشهوران: العلية المجازية بمعنى أن ذلك لما كانت نتيجة فعلهم وثمرته شبه بالداعي الذي يفعله الفاعل الفعل لأجله، أو الصيرورة. قووله: "وَحَزَناً" قرأ العامة بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش، والأخوان بضم وسكون وهما لغتان بمعنى واحد كالعَدَمَ والعُدْمِ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} العامة على الهمز، مأخوذٌ من الخطأ ضد الصواب، وقراء بياء دون هَمْزٍ، فاحتمل أن يكون كالأول، ولكن خُفِّفَ، وأن يكون من خَطَا يَخْطُوا أي: تَجاوز الصَّوابَ. قوله: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو قُرَّة عينٍ. الثاني - وهو بعيد جداً - أن يكون مبتدأ والخبر "لاَ تَقْتُلُوهُ". وكان هذا القائل حقه أن لا يُذكِّر، فيقول: "لاَ تَقْتُلُوها"، إلا أنه لما كان المراد مذكر ساغ ذلك، والعامة من القراء والمفسرين وأهل العلم يقفون على "ولَكَ". ونقل ابن الأنباري بسنده إلى ابن عباس عنه أنه وقف على "لاَ" أي: هو "قُرَّةُ عَيْنٍ لِي" فقط، "وَلَكَ لاَ"، أي: ليس هو لك قرة عين، ثم يبتدىء بقوله "تَقْتُلُوه"، وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عنه، وكيف يبقى "تَقْتُلُوه" من غير نون رفع، ولا مُقْتَضى لحذفها؟ ولذلك قال الفراء: هو لحن. قوله: {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}. كانت لا تلد, فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أَمَّا أنا فلا حاجة لي به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لَكِ، لهداه الله كما هداها"تفسير : وقال لآسية سميه، قالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر، (فَمُو هو الماء، و (شا) هو البحر، فذلك قوله: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ}. والالتقاط: هو وجود الشيء). قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملة حالية، وهل هي من كلام الباري تعالى وهو الظاهر، أو من كلام امرأة فرعون؟ كأنها لما رأت ملأه أشاروا بقتله، قالت له كذا؛ أي: افعل أنت ما أقول لك وقومك لا يشعرون أنا التقطناه - قاله الكلبي، وجعل الزمخشري الجملة من قوله: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} معطوفة على "فَالتَقَطَهُ" والجملة من قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} إلى "خَاطِئِينَ" مُعترضة بين المتعاطفين، وجعل متعلق الشعور من جنس الجملة المعترضة أي: لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، أو أن هلاكهم على يديه، قال أبو حيان: ومتى أمكن حَمْلُ الكلام على ظاهره من غير فصل كان أحسن.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وأوحينا إلى أم موسى} يقول: ألهمناها الذي صنعت بموسى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأوحينا إلى أم موسى} قال: قذف في نفسها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} قال: وحي جاءها عن الله قذف في قلبها، وليس بوحي نبوة {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} قال: فجعلته في تابوت فقذفته في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: إن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} فلما خافت عليه جعلته في التابوت، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر، وخرجت امرأة فرعون إلى البحر وابنة لفرعون برصاء، فرأوا سواداً في البحر، فأخرج التابوت إليهم، فبدرت ابنة فرعون وهي برصاء إلى التابوت، فوجدت موسى في التابوت وهو مولود، فأخذته فبرأت من برصها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله {فإذا خفت عليه} قال: أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} قال: فجعلته في بستان فكانت تأتيه في كل يوم مره فترضعه، وتأتيه في كل ليله فترضعه فيكفيه ذلك {فإذا خفت عليه} قال: إذا بلغ أربعة أشهر وصاح وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك. فذلك قوله {فإذا خفت عليه فألقيه في اليم} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ولا تخافي} قال: لا تخافي عليه البحر {ولا تحزني} يقول: ولا تحزني لفراقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً} قال: في دينهم {وحزناً} قال: لما يأتيهم به.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} [الآية: 7]. قال: إذا خفت حفظه بواسطة فسلّميه إلينا واقطعى عنه شفقتك وتدبيرك ليكون مسلمًا إلى تدبيرنا فيه وحفظنا له. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: ما دمت تحفظ نفسك بتدبيرك فهى على شرف الهلاك، فإذا زالت عنها تدبيرك وسلمتها الى مدبرها حينئد يرى لها الخلاص. سمعت أبا عبد الله الحسين بن أحمد الرازى يقول: سألت أبا عمران فقلت فقير عقد على نفسه عقدًا؟ قال: يمضى فى عقده فقلت: إذا لحقه عَجْزٌ؟ قال: لا يخطو مع العجز خطوةَ فقلت: العقد يطالبه بإتمامه وهو يخاف من عجزه. فقال أبو عمران قال الله تعالى: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} [الآية: 7]. قال بعضهم: الوحى على وجوه؛ منها المشافهة خُصّ بها محمد وموسى عليهما السلام، ومنها وحى الوسائط وهو لسائر الأنبياء عليهم السلام ومنها وحى الإلهام كما كان للنجلة، ومنها وحى القذف والإلقاء كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} تفسير : [المائدة: 111]، وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} [الآية: 7] ألقى فى قلوبهم. قوله تعالى: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ} [الآية: 7]. قال ابن طاهر: لا تخافى خلفة الوعد، ولا تحزنى على غيبوبة الولد. قال الواسطى رحمة الله عليه: الذى حفظه فى اليم قادر أن يصرف عنه همة فرعون.
القشيري
تفسير : أي ألقينا في قلبها، وأوحينا إليها وحيَ إلهامٍ، فاتخذت خاطرها في ذلك، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيارٍ أُدْخِلَ عليها. لمَّا وضعت أم موسى كانت تخاف قتله، فإن فرعون قَتَلَ في ذلك اليوم كثيراً من الولدان المولودة لبني اسرائيل، رجاءَ أن يقتلَ مَنْ رأى في النوم ما عُبِّر له أن ذهابَ مُلْكِه على يدي إسرائيلي.. فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك. ثم إنه ربَّاه في حِجْرِه ذلك اليومَ - ليُعْلَمَ أنَّ الأقدارَ لا تُغَالَبُ. جعلت أم موسى موسى في تابوتٍ، وألقته في نيل مصر، فجاء الماءُ به إلى بِرْكةٍ كان فرعونُ جالساً على حافتها، فأخذوه وحملوه إليه، وفتحوا رأسَ التابوت، فلمَّا رآه فرعون أخَذَتْ رؤيتُه بمجامع قلبه، وكذلك تمكَّن حُبَّه من قلب امرأةِ فرعون؛ قال تعالى: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : [طه: 39] حيث خَلَقَ الله ملاحةً في عيني موسى؛ فكان من يقع عليه بَصَرُه لا يتمالك من حُبِّه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ} راى الحق سبحانه امر موسى فى اول الخطاب فزعة ضعيفة الحال فى رؤية انوار احاطة الحق بجميع الوجود فامرها ان ترضعه ولولا ذلك امرها بان تلقيه فى البحر بغير الارضاع تسليما محضا لكن سبقت حكمته الازلية فى نظام تدابير الخليقة اى اذا اخفت عليه فالقيه فى بحار الرضا والتسليم وانظرى بعيون الانوار الى مشاهدة الاقدار فانى اربيه بكشف مشاهدتى ولذة خطابى واجعله من المخبرين عنو واجعله اماما لطلاب وصالى قال الله تعالى {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} قال الجنيد اذا خفت حفظه بواسطة فسلميه الينا واقطع عند شفقتك وتدبيرك ليكون مسلمة الى تدبيرنا فيه وحفظنا له قال ابو بكر بن طاهر اى لا تخافى خلق الوعد ولا تحزنى على غيبوبة الولد.
اسماعيل حقي
تفسير : {وأوحينا الى ام موسى} اسمها ايارخا وقيل ايارخت كما فى التعريف للسهيلى وتوحايذ بالنون ويوحانذ بالياء المثناة تحت فى الاول كما فى عين المعانى وكانت من اولاد لاوى بن يعقوب عليه السلام. واصل الوحى الاشارة السريعة ويقع على كل تنبيه خفى والايحاء اعلام فى خفاء. قل الامام الراغب يقال للكلمة الالهية التى تلقى الى انبيائه وحى وذلك. اما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل للنبى عليه السلام فى صورة معينة. واما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى عليه السلام كلام الله تعالى. واما بالقاء فى الروع كما ذكر عليه السلام "حديث : ان روح القدس نفث فى روعى"تفسير : واما بالهام نحو قوله {واوحينا الى ام موسى}. واما بتسخير نحو قوله {أية : واوحى ربك الى النحل}تفسير : او بمنام كقوله عليه السلام "حديث : انقطع الوحى وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن"تفسير : انتهى باجمال فالمراد وحى الالهام كما ذكره الراغب. فالمعنى قذفنا فى قلبها وعلمناها. وقال بعضهم كان وحى الرؤيا. وعلم الهدى [فرموده كه شايد رسول فرستاده باشد ازملائكه] يعنى اتاها ملك كما اتى مريم من غير وحى نبوة حيث قال تعالى {أية : واذ قالت الملائكة يامريم}تفسير : وذلك ان ام موسى حبلت بموسى فلم يظهر بها اثر الحبل من نتوء البطن وتغير اللون وظهور اللبن وذلك شىء ستره الله لما اراد ان يمن به على بنى اسرائيل حتى ولدت موسى ليلة لارقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها احد من القوابل المولكة من طرف فرعون بحبالى بنى اسرائيل ولا من غيرهن الا اخته مريم فاوحى الله اليها {ان} مفسرة بمعنى اى {ارضعيه} [شيرده موسى را وبرور داورا] ماامكنك اخفاؤه. وفى كشف الاسرار مالم تخافى عليه الطلب {فاذا خفت عليه} بان يحس به الجيران عند بكائه: وبالفارسية [بس جون ترسى برووفهم كنى كه مردم دانسته وقصد اوخواهند كرد] {فالقيه فى اليم} فى البحر وهو النيل. قال بعض الكبار فاذا خفت حفظه وعجزت عن تدبيره فسلميه الينا ليكون فى حفظنا وتدبيرنا {ولا تخافى} عليه ضيقة ولاشدة {ولا تحزنى} بفراقه {انا رادوه اليك} عن قريب بوجه لطيف بحيث تأمنين عليه {وجاعلوه من المرسلين} [يعن: اور اشرف نبوت ارزانى خواهيم داشت] فارضعته ثلاثة اشهر او اكثر ثم الح فرعون فى طلب المواليد واجتهد العيون فى تفحصها فجعلته فى تابوت مطلى بالقار فقذفته فى النيل ليلا. قال الكاشفى [نجارى را كه آشناى عمران بود فرمودكه صندوقى بنج شبر بتراشد وآن نجار خربيل ابن صبور بود اين عم فرعون دون صندوق تمام كرد وبمادر موسى داد ودرخاطرش كذشت كه كودكى دارد مى خواهد در صندوق كرده ازمؤكلان بكريزاند نزد كماشته فرعون آمد وخواست كه صورت حال باز نمايد زبانش بسته شد بخانه خود آمد خواست كه نزد فرعون رود ونمامى كند جشمش تابينا شد دانست كه آن مولود كه كاهنان نشان داده انيست فى الحال ناديده بدوايمان آورد ومؤمن آل فرعون اوست ومادر موسى صندوق را بقير اندوده موسى ار دروى خوابانيد وسر صندوق هم بقير محكم بست ودر رود نيل افكند] وكان الله تعالى قادرا على حفظه بدون القائه فى البحر لكن اراد ان يربيه بيد عدوه ليعلم ان قضاء الله غالب وفرعون فى دعواه كاذب شعر : جهد فرعون جوبى توفيق بود هرجه اوميدوخت آن تفتيق بود تفسير : وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها وكان من اكرم الناس عليه وكان بها علة البرص وعجزت الاطباء عن علاجها [اهل كهانت كفته بودندكه فلان روز در رودنيل انسانى خرد سال يافته شود واين علت بآب دهن او زائل كردد دران روز معين فرعون وزن ودختر ومحرمان وى همه دركنار رودنيل انتظار انسان موعود مى بودندكه ناكاه صندوق برروى آب نمودارشد فرعون بملازمان امر كردكه آنرا بكيريد وبياريد]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأوحينا إلى أمِّ موسى}؛ بالإلهام، أو بالرؤيا، أو بإخبار ملك كما كان لمريم، وليس هذا وحي رسالة، فلا يلزم أن تكون رسولاً، واسمها: يوحانة، وقيل: يوخابذ بنت يَصهرُ بن لاوي بن يعقوب. وقيل: يارخا. ذكره في الإتقان. وقلنا: {أن أرضعيه}؛ "أن": مفسرة، أي: أرضعيه، أو: مصدرية، بأن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه، {فإذا خِفْتِ عليه} من القتل {فألقيه في اليمِّ}. البحر، وهو نيل مصر، {ولا تخافي} عليه من الغرق والضياع، {ولا تحزني} لفراقه، {إنا رادوه إليك} بوجه لطيف؛ لتُربيه، {وجاعلوه من المرسلين}. وفي هذه الآية: أمران، ونهيان، وخبران، وبشارتان. والفرق بين الخوف والحزن؛ أن الخوف: غم يلحق الإنسان لِتَوَقُّعِ مكروه، والحزن: غم يلحق الإنسان لواقع أو ماضي، وهو الآن فراقه والإخطار به. فنُهيت عنهما، وبُشرت برده وجعله من المرسلين. رُوي أنه ذبح، في طلب موسى، تسعون ألف وليدٍ. ورُوي أنها حين ضربها الطلق - وكانت بعض القوابل من الموكلات بحَبَالى بني إسرائيل مَصافية لها، فعالجتها، فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيّه، ودخل حُبُه قلبها، فقالت: ما جئتُ إلا لأقتل ولدك وأُخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله، فاحفظيه، فلما خرجت القابلة، جاءت عيون فرعون فلفَّتْه في خرقة، ووضعته في تنور مسجور، ولم تعلم ما تصنع؛ لِما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، فخرجوا، وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً. فلما ألح فرعون في طلب الولدان, أوحى الله إليها بإلقائه في اليمِّ، فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر. رُوي أنها لفته في ثيابه، وجعلت له تابوتاً من خشب، وقيل: من بردى، وسدت عليه بقفل، وأسلمته؛ ثقة بالله وانتظاراً لوعده سبحانه. قال ابن مخلص: ألقته في البحر بالغداة، فرده إليها قبل الظهر. حُكي أن فرعون كانت له بنتٌ برصاء، أعيت الأطباء، فقال الأطباء والسحرة: لا تبرأ إلا من قِبل البحر، يؤخذ من شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه وتلطخ به برصها، فتبرأ، فقعد فرعون على شفير النيل، ومعه آسية امرأته، فإذا بالتابوت يلعب به الموج، فأخِذ له، ففتحوه، فلم يطيقوا، فدنت آسية، فرأت في وجه التابوت نوراً لم يره غيرُها، لِلذي أراد الله أن يكرمها، ففتحه، فإذا الصبي بين عينيه نور, وقد جعل الله رزقه في إبهامه، يمصه لبناً، فأحبته آسية وفرعون، فلطخت بنت فرعون برصها فبرئت، فقبَّلته وضمته إلى صدرها. فقال بعض القواد من قوم فرعون: نظن هذا المولود الذي نحذر منه، فهمّ فرعون بقتله - والله غالب على أمره - فقالت: آسية: {قُرة عين لي ولك...} الآية. وهذا معنى قوله: {فالتقطه آلُ فرعون}؛ أخذه. قال الزجّاج: وكان فرعون من أهل فارس، من إصْطَخْر. والالتقاط: وجدان الشيء من غير طلب ولا إرادة، ومنه: اللُّقَطَةُ، لما وُجد ضالاً. وقوله: {ليكونَ لهم عَدُواً وحَزَناً} أي: ليصير الأمر ذلك، لا أنهم أخذوه لهذا، فاللام للصيرورة؛ كقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب. وقال صاحب الكشاف: هي لام "كي" التي معناها التعليل، كقولك: جئت لتكرمني. ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز؛ لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطم له, شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعلَ لأجله. هـ. وتسمى بالاستعارة التبعية. وفي "الحَزَن" لغتان؛ الفتح، والضم، كالعدم والعدم. {إنَّ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما كانوا خاطئين}، أي: مذنبين، فعاقبهم الله تعالى بأن ربَّى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على يديهم. أو: كانوا خاطئين في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم. {وقالت امرأةُ فرعون}، لمّا هم فرعون بقتله – لقول القواد: هو الذي نحذر هو: {قرةُ عين لي ولك}، فقال فرعون: لكِ، لا لي. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو قال مثل ما قالت لهداه الله مثل ما هداها"تفسير : ، وهذا على سبيل الفرض، أي: لو كان غير مطبوع عليه الكفر لقال مثل قولها. ثم قالت: {لا تقتلوه}،خاطبته خطاب الملوك، أو خاطبت القُواد. {عسى أن ينفعنا}؛ فإن فيه مَخَايلَ اليُمنِ ودلائلَ النفع، وذلك لِمَا عَايَنَتْ من النور وبرْءِ البرصاء. {أو نتخذه ولدا}؛ أو: نتبناه؛ فإنه أهل لأَن يكون ولد الملوك. قال تعالى: {وهم لا يشعرون} ما يكون من أمره وأمرهم، أو: لا يشعرون أن هلاكهم على يديه، أو: لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال لمن يعالج تربية مريد: أرضعه من لبن علم الغيوب، فإذا خفت عليه الوقوف مع الشرائع، فألقه في اليم؛ في بحر الحقائق، ولا تخف ولا تحزن، إنا رادوه إلا بر الشرائع، ليكون من الكاملين، لأن من غرق في بحر الحقيقة، على يد شيخ كامل، لا بد أن يخرجه إلى بر الشريعة, ويسمى البقاء، وهو القيام برسم الشرائع، فالبقاء يطلب الفناء، فمن تحقق بمقام الفناء؛ فلا بد أن يخرج إلى البقاء، كما يخرج من فصل الشتاء إلى الربيع. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {ليكون لهم عدواً وحزناً}، ما كان التقاط فرعون لموسى إلا للمحبة والفرح، فخرج له عكسه. ومن هذا كان العارفون لا يسكنون إلى الشيء ولا يعتمدون على شيء؛ لأن العبد قد يخرج له الضرر من حيث النفع, وقد يخرج له النفع من حيث يعتقد الضرر، وقد ينتفع على أيدي الأعداء، وَيُضَرُّ على أيدي الأَحِبَّاءِ، فليكن العبد سلْماً بين يدي سيده، ينظر ما يفعل به. {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. ثم قال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً...}
الجنابذي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} بعد ما ولدت موسى (ع) {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} من القتل واطّلاع الحُرّس {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي} عليه من الغرق والضّياع والقتل {وَلاَ تَحْزَنِيۤ} على فراقه {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} سالماً لتقرّ عينك ويكون انساً لك {وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} قيل: حملت امّ موسى (ع) ولم يظهر حملها ولم تكن عليها موكّلة من فرعون فولدته ولم يعلم به احد وارضعته ثلاثة اشهرٍ لا يبكى ولا يتحرّك، فلمّا خافت عليه عملت له تابوتاً مطبقاً ثمّ ألقته فى البحر باذن الله فانّها كانت اوحى اليها من الله فى ذلك بتوسّط ملكٍ او فى رؤيا او بالهام قلبٍ، وقيل: كان فرعون وكّل بها امرأةً لتعرف حملها وكانت لم تظهر حملها عليها وولدت موسى (ع) فلمّا رأته الموكّلة رأت بين عينيه نوراً فأحبّته حبّاً شديداً وقالت: احفظى ولدك فانّى احبّه حبّاً شديداً اظنّ انّه الّذى يكون هلاك القبطىّ بيده فلمّا خرجت القابلة من عندها ابصرها العيون فجاؤا ليدخلوا على امّ موسى (ع) فقالت: اخته: يا امّاه هذه الحرّس بالباب فلفّته فى خرقةٍ فوضعته فى تنّورٍ مسجورٍ فدخلوا وتجسّسوا ولم يجدوا منه اثراً وانطلقت امّ موسى (ع) اليه وقد جعل الله النّار عليه برداً وسلاماً، فلمّا رأت الحاح فرعون فى الطّلب وضعته بوحىٍ من الله فى التّابوت وألقته فى اليمّ.
الأعقم
تفسير : {وأوحينا إلى أم موسى}، قيل: ألقينا إليها وليس نبوة، وقيل: كان رؤيا منام أن أرضعيه ما دمت آمنة {فإذا خفت عليه فالقيه في اليم} وهو النيل {ولا تخافي} عليه الغرق {ولا تحزني} عليه الضيعة، وقيل: على فراقه {إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين} وروي أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف ولد، وروي أنها حين ضربها الطلق وكانت بعض العقايل الموكلات لأبناء إسرائيل مصافية لها فقالت لها: لينفعني حبك اليوم فعالجتها، فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها ثم قالت لها: ما جئتك إلا قبل مولودك واخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور ولم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يلقو شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً، فلما ألّح فرعون في طلب الولدان أوحى الله إليها {فألقيه}، وروي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردى مغطى بالقار من داخله، وقوله: {فالتقطه آل فرعون} أي أخذه من غير طلب، وذلك أنه جيء به إلى موضع فيه فرعون وامرأته وألقى الله تعالى عليه محبة في قلبها فهمّ فرعون بقتله فقالت آسية: {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا} الآية {ليكون لهم عدواً وحزناً} اللام لام العاقبة، أي أخذه ليكون قرة عين فكان لهم عدوّاً وحزناً، قال الشاعر: شعر : لِدُوْا للموت وابنوُ للخراب .................... تفسير : {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطيئن} {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه} فإنه أتى من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، وكانوا القوم أشاروا عليه بقتله، وقوله: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} الآية لأنه لم يكن له ولد وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} والمعنى أنها حين سمعت وقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش ونحوه، وقيل: خالياً من ذكر كل شيء إلاَّ من ذكر موسى {إن كادت لتبدي به} أي قريب من أن تظهر، واختلفوا ما الذي تبدي به على قولين: أولهما أنه كناية عن الوحي إن كادت لتبدي بالوحي وما كان من أمره وأمرها {لولا أن ربطنا على قلبها} بإلهام الصبر كما تربط على الشيء، يعني شدّدنا عليه بالالطاف {لتكون من المؤمنين} من المصدقين بوعد الله وهو قوله: {إنا رادّوه إليك}، ثم ذكر تعالى تدبيره في أمر موسى وتسخير فرعون حين تولى تربيته حتى رده على أمِّه فقال سبحانه: {وقالت لأخته قصّيه} يعني أخت موسى واسمها مريم، يعني اتبعي أثر موسى لنعلم خبره {فبصرت} في الكلام اختصار أي ذهبت فوجدت آل فرعون أخرجوا التابوت وأخرجوا موسى {فبصرت به} وهذا من إعجاز القرآن الدال على الكثير {عن جنب} أي نظرت إليه مذعورة متخافية وهم لا يحسنون أنها اخته.
اطفيش
تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} وحي الهام وعلمت انه من الله أو ربا وقيل على لسان ملك وقيل هي نبية واسمها بوخابد من نسل لاوي بن يعقوب وقد قيل بنبوة ست نسوة حواء وسارة وهاجر وأم موسى وآسية ومريم وذكر الشواني أربعا من ذلك على خلاف والصحيح انه لم تكن امرأة نبية ورأيت في حاشية على المواهب ان بعضا يقول بنات النبي نبيات وهو قول قبيح يؤدي الى الكفر. {أَنْ أَرْضِعِيهِ} أن تفسيرية. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} القتل. {فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِ} البحر وهو النيل روي انها أرضعته ثمانية اشهر وقيل اربعة وقيل ثلاثة وكانت ترضعه وتربيه ولا يبكي ولا يتحرك في حجرها. {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} لا تخافي عليه ضيعة ولا غرقا ولا شدة ولا تحزي لفراقه الخوف غم يلحق الانسان لمتوقع والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه. {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} قال ابن عباس لما كثر بنوا اسرائيل بمصر استطالوا على الناس بمصر وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر وسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم الى ان نجاهم الله على يد نبيه موسى، نهاها الله عن خوف القتل وخوف الغرق والضيعة عن الحزن وملأ قلبها سرورا برده اليها ويجعله من المرسلين وفي الآية بشارتان ونهيان وأمران وخبران فانظر السؤلان روي ان فرعون لعنه الله ذبح في طلب موسى تسعين الف وليد، روي انه كان يقتل الولدان فكثر الموت في بني اسرائيل ولدانهم بالتقل وكبارهم بالهرم فقالت القبط كاد العمل يقصر علينا فكان يقتل عاما ويترك عاما ولد هارون في عام الترك وموسى في عام القتل وذكر بعضهم انه أرضعته ثلاثة اشهر ثم الح في طلب المواليد والتفحص عنهم فيمكن ان يريد هذا القاتل انه ابتداء القتل بعد الثلاثة الاشهر ويحتمل انه كانت الثلاثة من العام الذي يترك وخافت عليه القتل ولو لم يولد في عام القتل والأول اوضح وروي انه قيل له: ان مولودا يولد في هذا العام يذهب ملكك فشرع في القتل فيه وهو عام ولادة موسى قال في عرائس القرآن لما مات الريان بن الوليد وهو فرعون يوسف الذي ولى يوسف أرض مصر وأسلم على يده ملك بعده قابوس بن مصعب فرعون يوسف الثاني وكان جبارا وطال ملكه ولما مات ملك أخوه أبو العباس بن الوليد بن مصعب بن الريان بن أراسه بن بروان بن عمر بن قارون بن عملاق بن لاوي بن سام بن نوح وكان أعتى من قابوس وأكثر واشتدت ايام ملكه وكثرت بنوا اسرائيل وهم تحت ايدي العمالقة وهم على بقايا دينهم دين يوسف ويعقوب وابراهيم حتى جاء فرعون موسى ولم يكن اعتى وأعظم قولا وأقسى قلبا وأطول عمرا وأسوأ مملكة لبني اسرائيل في هؤلاء الذين قبله منه استعمل بني اسرائيل في أصناف الخدمة من الحرث ونقل العذرة وتزوج منهم آسية بنت مزاحم وقيل هي آسية بنت مزاحم بن عيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول أسلمت على يد موسى قال مقاتل: لم يسلم من أهل مصر إلا آسية وحزقيل ومريم بنت ناموسا التي دلت موسى على قبر يوسف وروي أن فرعون ملكهم أربعمائة سنة يسومهم سوء العذاب. قال السدي: أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحرقت بيوت مصر والقبط وتركت بني اسرائيل فدعا الكهنة والسحرة والمعبرين والمنجمين فسألهم عن رؤياه فقالوا له يولد في بني اسرائيل غلام يسلبك ملكك من ارضك ويبدل دينك ويغلبك على سلطانك ويخرجك من أرضك وقد أضلك زمانه الذي يولد فيه وأمر بقتل كل غلام ولد في بني اسرائيل فجمع القوامل من النساء من أهل مملكته فقال لهن لا يولد على أيديك غلام من بني اسرائيل إلا قتلته ولا جارية إلا تركتها قال مجاهد: كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل مثل الشفار ثم يضاف بعضه الى بعض ثم يؤتى بالحبالى من بني اسرائيل فيوقفن عليه فتجري اقدامهن حتى أن المرأة منهن تضع ولدها فيقع بين رجليها فتظل تطأه بقدميها تتقي به حر القصب عن رجليها لما يبلغ بها من الجهد وكان يقتل الغلمان الذين في وقته ويقتل من يولد منهم ويعذب الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن وأشرع الموت في مشيخة بني اسرائيل فدخل رؤساء القبط على فرعون فقالوا له: إن الموت قد وقع في بني اسرائيل وأنت تذبح صغارهم وتميت كبارهم فيوشك أن يقع العمل كله علينا فأمر فرعون أن تذبح الأولاد سنة وتترك سنة وولد هارون في عام ترك القتل وموسى في عام القتل ولما أرادت وضعته اشتد عمها فأوحى الله تعالى اليها {أَنْ أَرْضِعِيهِ} فاذا خفت عليه {فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} الخ فلما وضعته في خفية أرضعته ثم اتخذت له تابوتا قيل جعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلت فيه قلت انما يجعل المفتاح من داخل اذا كان من يفتحه في داخل قال مقاتل: الذي صنع التابوت قيل من آل فرعون وجعلت فيه قطنا محلوجا وجعلت فيه موسى وقيرت رأسه ثم ألقته في النيل ولما توارى عنها أتاها الشيطان فوسوس اليها فقال لها ماذا صنعت بابنك لو ذبح عندك فواريته وكفنته كان أولى من أن تلقيه في البحر بيدك لدواب البحر ثم عصمها الله فانطلق الماء بموسى ترفعه موجة وتضعه اخرى حتى أدخلته بين الأشجار عند دار فرعون إلى عرصة في مستقى جواري فرعون وكان بالقرب منها نهر كبير في دار فرعون في بستانه فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن ويستقين فوجدن التابوت فأخذنه وظنن ان فيه مالا فحملته على حاله حتى أدخلته على آسية فلما فتحته رأت الغلام فألقى الله محبة منه فرحمته آسية وأحبته حبا شديدا فلما سمع الذباحون امره أقبلوا على آسية بشفارهم ليذبحوا الصبي فقالت لهم آسية انصرفوا فان هذا لا يرى في بني اسرائيل وأنا آت فرعون وأستوهبه منه فان وهبه لي كنتم أحسنتم وان أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت به فرعون وقالت قرة عين لي ولك واستوهبته منه فوهبه بعد امتناع شديد من أن يهبه مخافة أن يكون من بني اسرائيل. قال ابن عباس وغيره ان أم موسى لما قربت ولادتها وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني اسرائيل مصافية لها فلما ضربها الطلق أرسلت اليها فقالت: قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك الآن، فقالت: نعم. فعالجت ولادتها فلما وقع موسى الى الأرض هالها نور بين عينيه حتى ارتعش كل مفصل فيها ودخل حب موسى في قلبها وقالت لها يا هذه ما جئت حين دعوتني الا وفي قلبي قتل ولدك وأخبر فرعون بذلك ولكن وجدت لابنك هذا حبا شديدا ما وجدت حب شيء مثله فاحفظي ابنك فاني أراه عدونا فما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاءوا الى بابها ليدخلوا على موسى فقالت اخته يا أماه هذا الحرس بالباب فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع خوفا على موسى عليه السلام فلفته في خرقة ووضعته في التنور وهو مسجور وأم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن وقالوا ما أدخل عليك هذه القابلة قالت مصافية لي فدخلت علي زائرة فخرجوا من عندها ورجع اليها عقلها فقالت لاخت موسى أين الصبي قالت لا ادري سمعت بكاء الصبي في التنور فانطلقت اليه فوجدته قد جعل الله عليه النار بردا وسلاما فاحتملته. قال ابن اسحاق عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس: ثم ان أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ولدها فألقى الله في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذفه في اليّم فانطلقت الى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا فقال لها النجار ما تصنعين بهذا التابوت فقالت أخبيء فيه ابنا لي وكرهت ان تكذب قال ولم قالت اخشى عليه كيد فرعون فلما اشترته وحملت التابوت انطلق النجار للذباحين ليخبرهم بأمرها فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده ولم يدر الأمناء ما يقول فلما أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه فضربوه وأخرجوه فلما انتهى النجار الى موضعه رد الله تعالى عليه لسانه فانطلق أيضا يريدهم فأتاهم وأخذ الله تعالى لسانه وبصره فخر ساجدا لله وعلم أن ذلك من الله تعالى وآمن به فانطلقت أم موسى وألقته في البحر بعد ما أرضعته ثلاثة اشهر وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن لفرعون ولد غير وكانت أكرم الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعهن اليه وكان بها برص شديد وقد جمع أطباء مصر والسحرة والمنجمين فنظروا في أمرها فقالوا له أيها الملك لا تبرأ الا من قبل البحر يؤخذ منه شبه انسان ويؤخذ من ريقه ويلطخ به برصها فتبرأ وذلك يوم كذا من شهر كذا في ساعة كذا حين تشرق الشمس فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون الى مجلس كان له على شفير النيل ومعه امرأته آسية وأقبلت بنت فرعون وجواريها حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن اذ اقبل النيل بالتابوت فقال فرعون ان هذا شيء ائتوني به فابتدروه من كل جانب بالسفن فأخذوه ووضعوه بين يديه فعالجوا فتحه فلم يقدروا وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوفه نورا لم يره أحد غيرها للذي أراد الله تعالى من اكرامها وهدايتها فعالجته ففتحته فاذا هي بصبي صغير في مهده واذا النور بين عينيه وقد جعل الله رزقه في ابهامه يمص منه لبنا فألقى الله تعالى محبة موسى في قلبها رضي الله عنها وأحبه فرعون وعطف عليه وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون الى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت وقيل لما نظرت الى وجهه برأت وضمته الى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن ان ذلك المولود الذي تتحرز به من بني اسرائيل هو الذي رمى به في البحر فزعا منك فاقتله فهمَّ بقتله فاستوهبته آسية فوهبه لها ثم قالت له سميه فقالت قد سميته موسى لأنه وجد بين الماء والشجر ثم قالت أم موسى لأخته مريم قصيه أي اتبعي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً أهو حي أو أهلكته دواب البحر ونسيت وعد الله تعالى فبصرت به عن جنب أي بُعد وهم لا يشعرون انها اخته وكانت آسية قد أرسلت الى من حولها من كل انثى لها لبن لتختار له مرضعة ولم يقبل عن واحدة وأشفقت آسية أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج الى السوق لجمع الناس لما ترجو أن تصيب له مرضعا ولم يقبل عن واحدة فذلك قوله تعالى {أية : وحرمنا عليه المراضع }تفسير : فقالت اخت موسى حين أعياهم أمره وأعيا المراضع هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فقالوا ما يدريك بنصحهم فقالت لأجل رغبتهم في الارضاع للملك ورجاء منفعته فتركوها فانطلقت الى امه فأخبرتها بالخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها ترامى على ثديها فشرب منه حتى امتلأ اجنباه فانطلق البشير الى آسية يبشرها ان قد وجدنا لابنك مرضعا فارسلت اليه فأتت به فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي عندي ترضعي ابني هذا فاني لم أحب شيئا مثل حبه قط فقالت لا استطيع ان ادع بيتي وأولادي فيضيعوا فان طابت نفسك ان تعطنيه فأذهب به الى بيتي فيكون معي ولا آلوه خيرا فعلته وإلا فأنا غير تاركة بيتي وذلك لأنها تذكرت ما وعد الله فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده فرجعت بابنها الى بيتها قيل غاب عنها موسى ثلاثة ايام قالت آسية يوما لأم موسى إتيني بابني فوعدتها يوما تأتيها به فقالت لقهارمتها لا تبقى واحدة الا استقبلت ابني بهدية وانا باعثة أمينة تحصي عنك فلم تزل الهدايا تستقبله من وقت خروجه من بيت امه الى ان دخل على آسية ولما دخل عليها اكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن ايثارها عليه وقالت انطلق به الى فرعون ليكرمه فلما دخلت به على فرعون فوضعته في حجره فتناول موسى لحية فرعونن حتى هزها ونتف منها وكان فرعون طويل اللحية ويقال انه لطم وجهه وفي بعض الروايات انه يلعب بين يديه وبيده قضيب صغير يلعب به اذ ذهب يضرب رأس فرعون فغضب غضبا شديدا وتطير منه وقال هذا هو عدوي المطلوب فأرسل الى الذباحين ليذبحوه فبلغ ذلك امرأة فرعون فجاءت امرأة فرعون تسعى الى فرعون فقالت له ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي فأخبرها بما فعل فقالت له انه صبي لا يعقل وانما صنع هذا من صباه واني اجعل بيني وبينك فيه امارة تعرف فيها الحق اضع له حليا من الذهب والياقوت والجوهر وطاسة فيها الجمر فان اخذ الذهب والياقوت فهو يعقل فاذبحه وان اخذ الجمر علمت انه صبي فمد يده للجوهر فحول يده جبريل للجمر فقبض على جمرة فوضعها في فيه على لسانه فأحرقته فكانت عقدة لسانه فقالت ألا ترى ما فعل فكف عن قتله والقى محبته في قلبه وقلوب الناس جميعا كل من رآه أحبه سئل ابليس هل أحببت أحد من المؤمنين قال لا إلا موسى بن عمران لأن الله ألقى محبته في القلوب فلم أتمالك أن أحبه فكانت أمه كتمت امره حين كان في بطنها ولم يظهر فيه.
اطفيش
تفسير : {وأوْحَينا} بملك غير جبريل، وقيل جبريل، وهذا ليس إيحاء بشرع الى قوم، أو عامة فليس من النبوة، وأيضا إيحاء النبوة مستمر، وهذا مرة واحدة، وأيضا هذا فى غير الشرع خاصة، والمرأة لا تكون نبية، ويتقوى ذلك بقوله عز وجل: "إنَّا رادُّوه" الخ أو بإلهام، ويضعف بذكر الى، والرد والجعل، ويجاب بأن المعنى أشرنا إليها بإلهام مائل الى الرد والجعل، لقوته أو برؤيا أوقع الله بها فى قلبها، أو ليعين أو قصتها على إسرائيل عالم، فعبرها بذلك، أو أوحى إليها بواسطة نبى فى عصرها. {الى أمِّ مُوسى} اسمها محيانة بنت يصهر بن لاوى بن يعقوب، أو يوخابذ أو يارخا أو يارخت {أن أرْضعيهِ} ما استطعت ولا تأسى فتتركيه، أو تهاونى به ما لم تخافى عليه أن يؤخذ بذبح {فإذا خِفْت عليه} من جاسوس {فألقيه فى اليمِّ} وروى أنها ألقته ليلا فى البحر، وهو هنا النيل، والأصل فى اسم البحر الماء الملح المغرق الماكث، والمراد ألقيه على وجه المخصوص الموحى به، أو اجهدى رأيك فى إلقائه مع سلامته {ولا تخافى} عليه ضيعة أو موتا أو غرقا أو شدة جوع {ولاَ تحْزَنى} على مفارقته {إنَّا رادُّوه إليْكِ} عن قريب كما يدل له اللطف إليها بقوله: {ولا تخافى ولا تحزنى} فتطمئن الى هذا اللطف، وأنه إن طال الفراق ما اطمأنت اليه، وكما يناسبه اسم الفاعل فإنه فى الأصل للحال، ولو كان هنا للمستقبل، ومن شأن الانسان الحزن على مفارقة من ألفه. لما كان صلى الله عليه وسلم خارج مكة مهاجراً، أوحى الله إليه إذ حزن على فراقها: {أية : إنَّ الَّذى فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معادٍ} تفسير : [القصص: 85] واسأل الله العظيم، الرحمن الرحيم، بما هو اسمه العظيم عنده الذى لا يرد السائل به، مستشعراَ سعة رحمته قدر وسعها عنده، أن لا يجعلنا ممن يكون يوم القيامة فى النار، ويتمنى الرجوع الى الدنيا، وكل أهل النار كذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم فى كل لحظة {وَجَاعِلوه مِن المُرْسلين} جمعت الآية أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
الالوسي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } قيل هي محيانة بنت يصهر بن لاوي، وقيل يوخابذ وقيل يارخا وقيل يارخت، وقيل غير ذلك. والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافي حكاية أبـي حيان الإجماع على عدم نبوتها، لما أن الملائكة عليهم السلام قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم، وإلى هذا ذهب قطرب وجماعة. وقال مقاتل منهم: إن الملك المرسل إليها هو جبريل عليه السلام. وعن ابن عباس وقتادة أنه كان إلهاماً، ولا يأباه قوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } نعم هو أوفق بالأول. وقال قوم: إنه كان رؤيا منام صادقة قص فيها أمره عليه السلام، وأوقع الله تعالى في قلبها اليقين. وحكي عن الجبائي أنها رأت في ذلك رؤيا، فقصتها على من تثق به من علماء بني إسرائيل فعبرها لها. وقيل كان بإخبار نبـي في عصرها إياها. والظاهر أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة، وفي الأخبار ما يشهد له، فيكون في الكلام جملة محذوفة، وكأن التقدير والله تعالى أعلم: ووضعت موسى أمه في زمن الذبح فلم تدر ما تصنع في أمره وأوحينا إليها {أَنْ أَرْضِعِيهِ } وقيل: كان قبل الولادة، و(أن) تفسيرية أو مصدرية، والمراد أن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه. وقرأ عمر بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز (أنِ أرضعيه) بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس، لأن القياس فيه نقل حركتها وهي الفتحة إلى النون كما في قراءة ورش. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأبناء، أو من الجيران ونحوهم أن ينمو عليه {فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمّ } أي في البحر، والمراد به النيل، ويسمى مثله بحراً، وإن غلب في غير العذب {وَلاَ تَخَافِى } عليه ضيعة أو شدة من عدم رضاعه في سن الرضاع {وَلاَ تَحْزَنِى } من مفارقتك إياه {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } عن قريب بحيث تأمنين عليه ويومىء إلى القرب السياق. وقيل التعبير باسم الفاعل لأنه حقيقة في الحال ويعتبر لذلك في قوله سبحانه: {وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } ولا يضر تفاوت القربين، والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن، وإيثار الجملة الاسمية وتصديرها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق مضمونها أي إنا فاعلون ردّه، وجعله من المرسلين لا محالة. واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعراً فقالت: أبعد قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } الآية فصاحة وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا}تفسير : [القصص: 5]، إذ الكل من أجزاء النبأ. وتتضمن هذه الجملة تفصيلاً لمجمل قوله {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا}، فإن الإرادة لما تعلقت بإنقاذ بني إسرائيل من الذل خلق الله المنقذ لهم. والوحي هنا وحي إلهام يوجد عنده من انشراح الصدر ما يحقق عندها أنه خاطر من الواردات الإلهية. فإن الإلهام الصادق يعرض للصالحين فيوقع في نفوسهم يقيناً ينبعثون به إلى عمل ما ألهموا إليه. وقد يكون هذا الوحي برؤيا صادقة رأتها. وأم موسى لم يعرف اسمها في كتب اليهود، وذكر المفسرون لها أسماء لا يوثق بصحتها. وقوله {أن أرضعيه} تفسير لــــ{أوحينا}. والأمر بإرضاعه يؤذن بجمل طويت وهي أن الله لما أراد ذلك قدّر أن يكون مظهر ما أراده هو الجنين الذي في بطن أم موسى ووضعته أمه، وخافت عليه اعتداء أنصار فرعون على وليدها وتحيرت في أمرها فألهمت أو أريت ما قصه الله هنا وفي مواضع أخرى. والإرضاع الذي أمرت به يتضمن أن: أخفيه مدة ترضعه فيها فإذا خفت عليه أن يعرف خبره فألقيه في اليمّ. وإنما أمرها الله بإرضاعه لتقوى بُنيته بلبان أمه فإنه أسعد بالطفل في أول عمره من لبان غيرها، وليكون له من الرضاعة الأخيرة قبل إلقائه في اليمّ قوت يشد بنيته فيما بين قذفه في اليم وبين التقاط آل فرعون إياه وإيصاله إلى بيت فرعون وابتغاء المراضع ودلالة أخته إياهم على أمه إلى أن أُحضرت لإرضاعه فأرجع إليها بعد أن فارقها بعض يوم. وحكت كتب اليهود أن أم موسى خبأته ثلاثة أشهر ثم خافت أن يفشو أمره فوضعته في سفط مقيَّر وقذفته في النهر. وقد بشرها الله بما يزيل همها بأنه راده إليها وزاد على ذلك بما بشرها بما سيكون له من مقام كريم في الدنيا والآخرة بأنه {من المرسلين}. والظاهر أن هذا الوحي إليها كان عند ولادته وأنها أمرت بأن تلقيه في اليم عندما ترى دلائل المخافة من جواسيس فرعون وذلك ليكون إلقاؤه في اليم عند الضرورة دفعاً للضر المحقق بالضر المشكوك فيه ثم ألقي في يقينها بأنه لا بأس عليه. و {اليم}: البحر وهو هنا نهر النيل الذي كان يشق مدينة فرعون حيث منازل بني إسرائيل. واليم في كلام العرب مرادف البحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر، فالنهر العظيم يسمى بحراً قال تعالى {أية : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج}تفسير : [ فاطر: 12]، فإن اليم من الأنهار. وقد كانت هذه الآية مثالاً من أمثلة دقائق الإعجاز القرآني فذكر عياض في «الشفاء» والقرطبي في «التفسير» يزيد أحدهما على الآخر عن الأصمعي: أنه سمع جارية أعرابية تنشد:شعر : أستغفر الله لأمري كله قتلت إنساناً بغير حله مثل غزال ناعماً في دله انتصف الليل ولم أُصَلِّه تفسير : وهي تريد التورية بالقرآن. فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك يريد ما أبلغك (وكانوا يسمون البلاغة فصاحة) فقالت له: "أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فجمع في آية واحدة خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين". فالخبران هما {وأوحينا إلى أم موسى} وقوله {فإذا خفت عليه} لأنه يشعر بأنها ستخاف عليه. والأمران هما: {أرضعيه} و (ألقيه). والنهيان: {ولا تخافي} و {لا تحزني}. والبشارتان: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}. والخوف: توقع أمر مكروه، والحزن: حالة نفسية تنشأ من حادث مكروه للنفس كفوات أمر محبوب، أو فقد حبيب، أو بعده، أو نحو ذلك. والمعنى: لا تخافي عليه الهلاك من الإلقاء في اليم، ولا تحزني على فراقه. والنهي عن الخوف وعن الحزن نهي عن سببيهما وهما توقع المكروه والتفكر في وحشة الفراق. وجملة {إنا رادوه إليك} في موقع العلة للنهيين لأن ضمان رده إليها يقتضي أنه لا يهلك وأنها لا تشتاق إليه بطول المغيب. وأما قوله {وجاعلوه من المرسلين} فإدخال للمسرة عليها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأوحينا إلى أم موسى: أعلمناها أن ترضع ولدها الرضعات الأولى التي لا بد منها ثم تضعه في تابوت ثم تلقيه في اليم. في اليم: أي في البحر وهو نهر النيل. ولا تخافي ولا تحزني: أي لا تخافي أن يهلك ولا تحزني على فراقه، إنا رادوه إليك. فالتقطه آل فرعون: أي أعوانه ورجاله. ليكون لهم عدواً وحزناً: أي في عاقبة الأمر، فاللام للعاقبة والصيرورة. قرة عين لي ولك: أي تقر به عيني وعينك فنفرح به ونُسَرْ. وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً: أي من كل شيء إلا منه عليه السلام أي لا تفكر في شيء إلا فيه. إن كادت لتبدي به: أي قاربت بأن تصرخ أنه ولدها وتظهر ذلك. وقالت لأخته قصيه: أي اتبعي أثره حتى تعرفي أين هو. فبصرت به عن جنب: أي لاحظته وهي مختفيه تتبعه من مكان بعيد. معنى الآيات: هذه بداية قصة موسى مع فرعون وهو طفل رضيع إلى نهاية هلاك فرعون في ظرف طويل بلغ عشرات السنين. بدأ تعالى بقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} أي أعلمناها من طريق الإِلقاء في القلب {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} آل فرعون الذين يقتلون مواليد بني إسرائيل الذكور في هذه السنة {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} أي بعد أن تجعليه في تابوت أي صندوق خشب مطلي بالقار، {وَلاَ تَخَافِي} عليه الهلاك {وَلاَ تَحْزَنِيۤ} على فراقك له {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} لترضعيه {وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} ونرسله إلى عدوكم فرعون وملائه. قال تعالى: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} أي فعلت ما أمرها الله تعالى به بأن جعلته في تابوت وألقته في اليم أي النيل {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} حيث وجدوه لقطة فأخذوه وأعطوه لآسية بنت مزاحم عليها السلام امرأة فرعون. وقوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} هذا باعتبار ما يؤول إليه الأمر فهم ما التقطوه لذلك ولكن شاء الله ذلك فكان لهم {عَدُوّاً وَحَزَناً} فعاداهم وأحزنهم. وقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} أي آثمين بالكفر والظلم ولذا يكون موسى لهم عدواً وحزناً. وقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} قالت هذا حين هم فرعون بقتله لما نتف موسى لحيته وهو رضيع تعلق به فأخذ شعرات من لحيته فتشاءم فرعون وأمر بقتله فاعتذرت آسية له فقالت هو {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} فقال فرعون قرة عين لك أما أنا فلا وقولها {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا} في حياتنا بالخدمة ونحوها {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وذلك بالتبني وهذا الذي حصل، فكان موسى إلى الثلاثين من عمره يعرف بإبن فرعون وقوله {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} اي بما سيكون من أمره وأن هلاك فرعون وجنوده سيكون على يده. وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} أي من أي شيء إلا من موسى وذلك بعد أن ألقته في اليم. وقوله {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي لتصرخ بأنه ولدها وتُظهر ذلك من شدة الحزن لكن الله تعالى ربط على قلبها فصبرت لتكون بذلك من المؤمنين بوعد الله تعالى لها بأن يرده إليها ويجعله من المرسلين. وقوله تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي تتبعي أثره وذلك عندما ألقته في اليم وقوله {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي رأته من بُعد فكانت تمشي على شاطئ النهر وتلاحقه النظر من بعد حتى رأته انتهى إلى فرع الماء الذي دخل إلى قصر فرعون فعلمت أنه قد دخل القصر. وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي لا يشعرون أنها أخته لما كانت تلاحقه النظر وتتعرف إليه من بعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان تدبير الله تعالى لأولياء وصالحي عباده وتجلى ذلك في الوحي إلى أم موسى بارضاعه وإلقائه في البحر والتقاط آل فرعون له ليتربى في بيت الملك عزيزاً مكرماً. 2- بيان سوء الخطيئة وآثارها السيئة وعواقبها المدمرة وتجلى ذلك فيما حل بفرعون وهامان وجنودهما. 3- فضيلة الرجاء تجلت في قول آسية {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} فقال فرعون: أمَّالي فلا. فكان موسى قرة عين لآسية ولم يكن لفرعون. 4- بيان عاطفة الأمومة حيث أصبح فؤاد أم موسى فارغاً إلا من موسى. 5- بيان عناية الله بأوليائه حيث ربط على قلب أم موسى فصبرت ولم تبده لهم وتقول هو ولدي ليمضي وعد الله تعالى كما أخبرها. والحمد له رب العالمين.
القطان
تفسير : وأوحينا الى أم موسى: ألهمناها. اليمّ: البحر والمراد هنا نهر النيل. حَزنا: الحزن بفتح الحاء والزاي، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي... الغم والمكروه من الشدة. قرة عين: فرح وسرور لنا. فارغا: خاليا من العقل. وان كادت لتبدي به: كادت تذهب الى آل فرعون وتعرّف نفسها بأنها أمه. لولا ان ربطنا على قلبها: لولا ان ثبتناها وجعلناها تصبر. قُصّيه: اقتفي أثره وتتبعي خبره. فبصرت به عن جُنب: فأبصرته عن بعد وكأنها لا تريد ان تتبع أثره. وهم لا يشعرون: لا يدرون أنها اخته. حرّمنا عليه المراضع: جعلناه لا يقبل ان يرضع من غير امه. يكفلونه: يضمنون رضاعته وتربيته. ولما وُلد موسى في أثناء تلك المحنة ألهمنا أمه أن تُرضعه وتخفيَهُ ما استطاعت الى ذلك سبيلا، وقلنا لها: إن خِفتِ عليه فألقيه في النيل، في صندوق، ولا تخافي عليه ولا تحزني، فنحن سنردّه اليك، وسيكون من الانبياء المرسلين. فالتقطه آل فرعون وجاؤا به الى سيّدتهم، امرأة فرعون، فأحبّته تلك المرأة وقالت لزوجها: لا تذبحْه، بل اتركه ليكون لنا مصدر سرور وفرح. كانوا لا يدرون أنه سيكون لهم عدواً وسببَ حزنٍ كبير، بإبطال دينهم وزوال مُلكهم على يديه.. ان فرعون ووزيره هامان وجنودهما كانوا مجرمين. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بما قدّر الله في شأنه. واصبح فؤادُ أم موسى فارغاً من العقلِ خوفاً على ابنها لوقوعه في يد فرعون، حتى إنها كادت تذهبُ الى آل فرعون وتعرِّف نفسَها بانها امه، لولا ان ثبّتها الله بالصبر. وقالت لأخته: اقتفي أثر أخيك، وتتبعي خبره عن بعدٍ وهم لا يشعرون بك. ولم يقبل موسى ان يرضع من أي امرأة، فقال اخته لآل فرعون: هل ادّلكم على امرأة ترضعه وتقوم بأمره وتنصح في خدمته؟ ووافقوا. وهكذا ارجعناه الى امه لتطمئنّ الى وعدِنا ويذهب عنها الحزن، ولتعلم ان وعد الله حق، وانه سيكون من المرسَلين. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: حُزنا بضم الحاء وسكون الزاي. والباقون: وحَزنا: بفتح الحاء والزاي وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - لَمَّا أَكثرَ فِرعَونَ القَتْلَ في بَني إِسرائيلَ خَافَ الأَقباطُ أَن يَفْنَى بَنُو إِسرائيلَ، فَيُضْطَرُّ القِبطُ إِلى القِيامِ بِمَا يَقُومُ بهِ بَنُو إِسْرائيلَ مِنَ الأَعمَالِ الشَّاقةِ، فَقَالُوا لِفرعَوْنَ ذَلِكَ، فَأَمرَ بِقَتْلِ الوِلْدَانِ عَاماً، وَتَركِهِمْ عَاماً، فَوُلِدَ هارُونُ في السَّنةِ التي يَتْركُونَ فِيها الذُّكُورَ، وَوُلِدَ مُوسَى في السَّنةِ التي يَقْتُلُونَ فِيها الذُّكُورَ فَخَافَتْ أُمُهُ عَلَيهِ، وَضَاقَتْ بهِ ذَرْعاً، وَقَدْ أَحَبَّتْهُ حُبّاً شَديداً (فَفَدْ أَلقى اللهُ تَعَالَى مَحَبَّتَهُ في قَلْبِ كُلِّ مَنْ رَآهُ كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى) فَأَلْهَمَهَا اللهُ أَنْ تَضَعَهُ فِي تَابُوتٍ، وَتَقْذِفَهُ فِي المَاءِ حِينَمَا يَدْخُلُ عَلَيها أَحَدٌ تَخَافُهُ. وَرَبَطَتِ التَّابُوتَ بِحَبْلٍ فإِذا ذَهَبَ مَا تَحْذَرُهُ جَذَبَتِ الحَبلَ وأَخْرَجَتْ مُوسَى مِنَ التَّابُوتِ. وذَاتَ يومٍ دَخَلَ عَلَيها مَنْ تَحْذَرُهُ، فَوَضَعَتْ مُوسَى في المَهْدِ، وَنَسِيَتْ رَبطَ الحَبْلِ، فَذَهَبَ بهِ المَاءُ، واحتَمَلَهُ حَتَّى مَرَّ بهِ أَمامَ دارِ فِرعَونَ. وَقَدْ وَعَدَ اللهُ أُمَّ مُوسَى بمَا يُسلِّيها، ويُطَمْئِنُ قَلبَها، وَهُوَ أَنَّهُ سَيَحفَظُهُ لَهَا، وَسَيَرُدُّهُ إِليها لِتكُونَ مُرضِعَتَهُ، وأَنَّهُ سيَجعَلُهُ مُرْسَلاً إِلى فِرْعَوْنَ الطَّاغِيَةِ، وسَيَجْعَلُ على يَدَيهِ هَلاَكَ فِرعَونَ، ونَجَاةَ بَني إِسْرائِيلَ مِمَّا هُمْ فيهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة، واسم أُم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي} عليه، {وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق خيارهم أشرارهم، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام). قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أُم موسى لمّا تقارب (ولادها)، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأُم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نورٌ بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلاّ ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّاً ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفضي ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أُخته: يا أُماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأُخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه برداً وسلاماً فاحتملته. قال: ثم إنّ أُمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتاً، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتاً صغيراً، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أُخبِّئه في التابوت، وكرهت الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أُولئك الذبّاحين يخبرهم بأمر أُمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يَدرِ الأُمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضاً يريد الأُمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئاً، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجداً، فقال: يا رب دُلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة برصاً، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلاّ من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال: فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبناً، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فَرَقاً منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله، قالت آسية: قرة عين لي ولك، لا تقتله عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام): حديث : لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله ". تفسير : فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و(شا): هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: {فَٱلْتَقَطَهُ} أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطاً، ولقيت فلاناً التقاطاً، ومنه قول الراجز: شعر : ومنهل وردته التقاطاً لم ألق إذ وردته فراطاً تفسير : ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالاًّ فأخذ، {آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ} هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، {عَدُوّاً وَحَزَناً}، قال الشاعر: شعر : فللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تُبنى المساكن تفسير : {عَدُوّاً وَحَزَناً} قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدْم والعَدَم، والسُقْم والسَقَم {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} عاصين آثمين. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ} أي هو قرّة عين، {لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} فإنّ الله أتانا به من أرض أُخرى وليس من بني إسرائيل، {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا بن يسار {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه، الكلبي {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} إلاّ وإنّه ولدنا. {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} أي خالياً لاهياً ساهياً من كلّ شيء إلاّ من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا إليه أن نردّه إليها ونجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أُمّ موسى كرهتِ أنْ يقتل فرعونُ موسى فتكون لك أجره وثوابه، وتولّيتِ أنت قتله، فألقيتِهِ في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} من الوحي الذي أُوحي إليها، وقال الكسائي: {فَارِغاً} أي ناسياً، أبو عبيدة: {فَارِغاً} من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من قول العرب: دم فرغ إذا كان هدراً لا قِوَد فيه ولا دية. وقال الشاعر: شعر : فإن تك أذواد أصبن ونسوة فلن تذهبوا فرغاً بقتل حبال تفسير : العلاء بن زيد {فَارِغاً}: نافراً، وقرأ ابن محيض وفضالة بن عبيد: (فَزِعاً) بالزاي والعين من غير ألف، {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} قال بعضهم: الهاء في قوله: {بِهِ} راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إنْ كادت لتبدي به أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها عليه، الكلبي: كادت تُظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعدما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي} بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّوجل {وَقَالَتْ} أم موسى {لأُخْتِهِ} لأخت موسى واسمها مريم {قُصِّيهِ} ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، {فَبَصُرَتْ بِهِ} أبصرته {عَن جُنُبٍ} بُعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت تنظر إليها كإنّها لا تريده، وكان يقرأ {عَن جُنُبٍ} بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنها أُخته {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} وهي جمع المرضع، {مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمَّهم ذلك، فلمّا رأت أُخت موسى التي أرسلتها أُمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فقالت لهم: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبياً صغيراً فترضعه، {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أُمّها فأخبرتها (بحال ابنها) وجاءت بها إليهم، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} أخذوها وقالوا: إنّكِ قد عرفتِ هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قال الكلبي: الأَشُدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، {وَٱسْتَوَىٰ} أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ} قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}تفسير : [فاطر: 37]. {آتَيْنَاهُ حُكْماً} عقلا وفهماً، {وَعِلْماً} قال مجاهد: قيل: النبوة، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عجيب أمر فرعون، فبعد أن أمر بقتل الأولاد من بني إسرائيل يأتيه في البحر تابوت به طفل رضيع، فلا يخطر على باله أن أهله ألقوه في البحر لينجو من فرعون، فكيف فاتتْه هذه المسألة وهو إله؟ لم يعرفها بألوهيته، ولا عرفها حتى بذكائه وفِطْنته. وإذا كان الكهنة أخبروه بأن ذهاب مُلْكه على يد وليد من هؤلاء الأولاد، وإذا كانت هذه النبوءة صحيحة فلا بُدَّ أن الولد سينجو من القتل ويكبر، ويقضي على مُلْك فرعون، وما دام الأمر كذلك فسوف يقتل فرعون الأولاد غير الذي سيكون ذهاب مُلْكه على يديه. وتشاء إرادة الله أنْ يتربَّى موسى في قصر فرعون، وأنْ تأتي إليه أمه السيدة الفقيرة لتعيش معه عيشة الترف والثراء، ويصير موسى بقدرة الله قُرَّة عَيْن للملكة، فانظر إلى هذا التغفيل، تغفيل عقل وطمس على بصيرة فرعون الذي ادَّعى الألوهية. وبذلك نفهم قول الله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..}تفسير : [الأنفال: 24] فقلبه يُغطِّي على بصيرته ويُعمِّيها. قوله تعالى لأم موسى: {أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..} [القصص: 7] فمَنْ مِنَ النساء تقبل إنْ خافت على ولدها أنْ تُلقيه في اليم؟ مَنْ ترضى أَنْ تُنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان. ثم يهيىء الحق سبحانه كذلك امرأة فرعون ليتم هذا التدبير الإلهي لموسى فتقول {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9]. فيرد عليها فرعون: بل لك أنت وحدك، وكأنه يستشعر ما سيحدث، ولكن إرادة الله لا بُدَّ نافذة ولا بُدَّ أن يأخذ القدر مجراه لا يمنعه شيء؛ لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً فلا رادّ لإرادته. فمع ما علمه فرعون من أمر الرؤيا أو النبوءة رُبّي الوليد في بيته، ولا يخلو الأمر أيضاً من سيطرة المرأة على الرجل في مثل هذا الموقف. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما قُرِئت هذه الآية قال: "حديث : والذي يُحلف به، لو قال فرعون كما قالت امرأته - قرة عين لي ولك - لهداه الله كما هداها"تفسير : إنما ردَّ الخير الذي ساقه الله إليه؛ لذلك أسلمتْ زوجته وماتت على الإيمان. وهي التي قالت: {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التحريم: 11] أما هو فمات على كفره شَرَّ ميتة. وسبق أنْ تكلّمنا في وحي الله لأم موسى {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..} [القصص: 7] وقلنا: إن الوحي في عموم اللغة: إعلام بطريق خفي دون أن تبحث عن الموحِي، أو الموحَى إليه، أو الموحَى به. أما الوَحْي الشرعي فإعلام من الله تعالى لرسوله بمنهج لخَلْقه. فالله تعالى يوحي للملائكة: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [الأنفال: 12]. ويُوحي إلى الرسل: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ..}تفسير : [النساء: 163]. ويُوحي للمؤمنين الصادقين في خدمة رسول: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ..}تفسير : [المائدة: 111]. يوحي إلى النحل، بل وإلى الجماد: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1-5]. وقد يكون الإعلام والوحي من الشيطان: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121]. ويكون من الضالين: {أية : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..}تفسير : [الأنعام: 112]. فالوَحْي إلى أم موسى كان وَحْياً من المرتبة الرابعة بطريق النَّفْث في الروع، أو الإلهام، أو برؤيا، أو بملَك يُكلِّمها، هذا كله يصح. وهذا الوحي من الله، وموضوعه {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..} [القصص: 7] وهذا أمر {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} [القصص: 7] نهى {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] وهذه بشارة في خبرين. فهذه الآية إذن جمعتْ لأم موسى أمرين، ونهيين، وبشارتين في إيجاز بليغ مُعْجز. ومعنى {أَرْضِعِيهِ ..} [القصص: 7] يعني: مدة أمانك عليه {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ..}[القصص: 7] ولم يقل من أيِّ شيء ليدلّ على أيِّ مخوف تخشاه على وليدها {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..} [القصص: 7] ويراعي الحق سبحانه مشاعر الأم وقَلقها على ولدها، خاصة إذا ألقتْه في البحر فيطمئنها {وَلاَ تَخَافِي ..} [القصص: 7] لأن الله سيُيسِّر له تربية خيراً من تربيتك في ظل بيت الغِنَى والملْك. {وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..} [القصص: 7] أي: لفراقه؛ لأن هذا الفراق سيُعوِّضك، ويُعوِّض الدنيا كلها خيراً، حين يقضي على هذا الطاغية، ويأتي بمنهج الله الذي يحكم خَلْق الله في الأرض. ثم اعلمي بعد هذا أن الله رادُّه إليك، بل وجاعله من المرسلين، إذن: أنا الذي أحفظه، ليس من أجلك فحسب، إنما أيضاً لأن له مهمة عندي. يقولون: ظلت أم موسى تُرضِعه في بيتها طالما كانت آمنة عليه من أعين فرعون، إلى أنْ جاءها أحَد العسس يفتش البيت فخافت على الولد فلفته في خرقة ودسته في فجوة بجوارها، كانت هذه الفجوة هي الفُرْن، ألقتْه فيه وهو مسجور دون أن تشعر - يعني من شدة خوفها عليه - حتى إذا ما انصرف العَسَس ذهبت إليه، فإذا به سالماً لم يُصِبْه سوء. وكأن الله تعالى يريد لها أنْ تطمئن على حِفْظ الله له، وأن وعده الحق. وقد وردت مسألة وحي الله لأم موسى في كتاب الله مرتين مما دعا السطحيين من المستشرقين إلى اتهام القرآن بالتكرار الذي لا فائدةَ منه، وذكروا قوله تعالى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه: 38ـ39]. لكن فَرْق بين الوحي الأول والوحي الآخر: الوحي الأول خاص بالرضاعة في مدة الأمان، أما الآخر فبعد أنْ خافت عليه أوحى إليها لتقذفه في اليم. وتأمل {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ ..}تفسير : [طه: 39] والقذف إلقاء بقوة، لا أنْ تضعه بحنان ورفق؛ لأن عناية الله ستحفظه على أي حال {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..}تفسير : [طه: 39] وهذا أمر من الله تعالى لليمِّ أن يخرج الوليد سالماً إلى الساحل؛ لذلك لم يأت في هذا الوحي ذِكْر لعملية الرضاعة. فكأن الوحي الأول جاء تمهيداً لما سيحدث؛ لتستعد الأم نفسياً لهذا العمل، ثم جاء الوحي الثاني للممارسة والتنفيذ، كما تُحدِّث جارك، وتُحذِّره من اللصوص وتنصحه أنْ يحتاط لهذا الأمر، فإذا ما دخل الليل حدث فعلاً ما حذّرتَه منه فَرُحْت تنادي عليه ليسرع إليهم ويضربهم. لذلك يختلف أسلوب الكلام في الوحي الأول، فيأتي رتيباً مطمئناً: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] هكذا في نبرة هادئة لأن المقام مقام نصح وتمهيد، لا مقام أحداث وتنفيذ. أما الوحي الثاني فيأتي في سرعة، وبنبرة حادة: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ}تفسير : [طه: 39] فالعَجلة في اللفظ تدلُّ على أن المقام مقام مباشرة للحدث فعلاً. وفي الأولى قال {فَأَلْقِيهِ ..} [القصص: 7]، أما في الثانية فقال {أية : فَٱقْذِفِيهِ ..}تفسير : [طه: 39] والأم لا تقذف وليدها، بل تضعه بحنان وشفقة، لكن الوقت هنا ضيِّق لا يتسع لممارسة الحنان والشفقة. والأمر لليمِّ بأن يلقي التابوت بالساحل له حكمة؛ لأن العمق موضع للحيوانات البحرية المتوحشة التي يُخاف منها، أمَّا بالقُرْب من الساحل فلا يوجد إلا صغار الأسماك التي لا خطورة منها، وكذلك ليكون على مَرْأى العين، فيطمئن عليه أهله، ويراه مَنْ ينقذه ليصل إلى البيت الذي قُدِّر له أنْ يتربّى فيه. وفعلاً، وصل التابوت إلى الساحل، وكان فرعون وزوجته آسية وابنته على الشاطىء، فلما أُخرِج لهم التابوت وجدوا فيه الطفل الرضيع، وكان موسى عليه السلام أسمر اللون، مُجعَّد الشعر، كبير الأنف، يعني لم يكُنْ - عليه السلام - جميلاً تنجذب إليه الأنظار ويفرح به مَنْ يراه. لذلك يمتنُّ الله عليه بقوله: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ..}تفسير : [طه: 39] أي: ليس بذاتك أن يحبك مَنْ يراك إنما بمحبة الله، لذلك ساعة رأته آسية أحبَّته وانشرح صدرها برؤيته، فتمسكَّت به رغم معارضة فرعون لذلك. كما أن ابنة فرعون، وكانت فتاة مبروصة أصابها البرص، ورأت في الرؤيا أن شفاءها سيكون بشيء يخرج من البحر، فتأخذ من ريقه، وتدهن موضع البرص فيشفى، فلما رأتْ موسى تذكرتْ رؤياها، فأخذت من ريقه ودهنتْ جلدها، فشُفِيت في الحال فتشبثتْ به هي أيضاً. فاجتمع لموسى محبة الزوجة، ومحبة البنت، وهما بالذات أصحاب الكلمة المسموعة لدى فرعون، بحيث لا يرد لهما طلباً. وفي انصياع فرعون لرغبة زوجته وابنته وضعفه أمامهما رغم ما يعلم من أمر الطفل دليلٌ على أن الزوجة والأولاد هما نقطة الضعف عند الرجل، ووسيلة السيطرة على شهامته وحزمه، والضغط على مراداته. لذلك يطمئننا الحق - تبارك وتعالى - على نفسه، فيقول سبحانه وتعالى {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}تفسير : [الجن: 3]. ذلك لأن الصاحبة غالباً ما تستميل زوجها بوسيلة أو بأخرى، أما الولد فيدعو الأب إلى الجبْن والخضوع، والحق - تبارك وتعالى - لا يوجد لديه مراكز قوى، تضغط عليه في أي شيء، فهو سبحانه مُنزَّه عن كل نقص. وحكوا في دعابات أبي نواس أن أحدهم وسَّطه ليشفع له عند الخليفة هارون الرشيد، فشفع له أبو نواس، لكن الخليفة لم يُجِبْه إلى طلبه، وانتظر الرجل دون جدوى، ففكر في وساطة أخرى، واستشفع بآخر عند زبيدة زوجة الرشيد، فلما كلَّمته أسرع إلى إجابة الرجل، وهنا غضب أبو نواس وعاتب صاحبه الرشيد، لكنه لم يهتم به، فقال له اسمع إذن: شعر : ليسَ الشَّفِيعُ الذِي يأتِيكَ مُؤتزراً مثْلَ الشَّفِيع الذِي يأتِيكَ عُرْيانا تفسير : ولهذه العناية الإلهية بموسى عليه السلام نلحظ أنه لما قال له ربه {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}تفسير : [طه: 24] خاف موسى من هذه المهمة، وكان اسم فرعون في هذا الوقت يُلقي الرعب في النفوس، حتى أن موسى وهارون قالا {أية : رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ}تفسير : [طه: 45]. لذلك طلب موسى من ربه ما يُعينه على القيام بمهمته: {أية : قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 25-37]. أي: أوتيت كل مسئولك ومطلوبك. ثم يقول الحق سبحانه: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما ولد موسى، و ظهر من أراد به سبحانه زوال ملك فرعون استوحشت أمه؛ من وقوف الشرطة عليه وقتله {أَوْحَيْنَآ} وألهمنا {إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} مهما أمكنك إرضاعه وإخفاؤه {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} من وقوفهم إياه ضعيه في التابوت {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي} من هلاكه وغرقه {وَلاَ تَحْزَنِيۤ} من فراقه {إِنَّا} من وفور لطفنا وعطفنا {رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} لتحضنه وتحفظه إلى وقت كبره {وَ} بعدما استوى وبلغ أشده {جَاعِلُوهُ مِنَ} جملة {ٱلْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] المؤيدين بالوحي والإلهام، وظهور أنواع المعجزات والخوارق من يده. وبعدما تفرست أم موسى بوقوف الشرطة وتجسسهم بعدما أرضعته ثلاثة أيام وضعته في التابوت على الوجه المأمور، وألقته في اليم مفرضة أمرها إلى الله المتكفل بحفظه. فذهب البحر بتابوته إلى حذاء دار فرعون فرآه من فيها {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} أي: أخذوه وأخرجوه من اليم وأحضروه، وبعدما كشفوا عنه ستره رأوا وليداً في غاية الحسن والجمال إلى حيث تبهر به عيون الناظر إليه، بمضغ إبهامه، فلما رآه فرعون وامرأته وجميع من في بيته من الخدمة أحبوه وأعجبوا حسنه، وألقينا محبته في قلوبهم جميعاً إلى اتفقوا لحفظه غافلين عن مكرنا معهم {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} أي: موجب حزن طويل وعداوة مستمرة {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} [القصص: 8] مجبولين على الخطأ في جميع أفعالهم، ومن جلمتها: محافظة العدو الموجب لأنواع العذاب والنكال في النشأة الأولى والأخرى. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} آسية - رضي الله عنها - من كمال محبتها له وتحننها نحوه لفرعون: هو {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} كسائر أبناء إسرائيل على ظن أنه منهم، بل نحفظه {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا} أي: رجاء أن ينفع نفعاً {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} خلفاً لنا إذ ظهر على رشد تام وعقل كامل {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [القصص: 9] إنه عدوهم الذي يهذب به دولتهم وملكهم بيدهن وهلاكهم بسببه. {وَ} بعد ألقائه في البحر {أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} صفراً من العقل ومقتضياته، وصارت قلقة حائرة هائمة؛ بحيث اضمحلت عنها أمارات الحياة تحنناً إلى ولدها وشوقاً إليه، وخوفاً من قتله، سيما سمعت بالتقاط آل فرعون إياه ووقوعه بأيديهم {إِن كَادَتْ} أي: إنه صارت من غاية الحزن الأسف إلى أن قربت {لَتُبْدِي بِهِ} أي: لتظهر وتبوح بأمره صائحة عليه، فاجعة في شأنه من التقاط عدوه {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا} وألقينا {عَلَىٰ قَلْبِهَا} السكينة والطمأنينة {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] المصدقين لما وعدنا إياها برد ولدها لها بلا ضر من العدو.
همام الصنعاني
تفسير : 2191- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}: [الآية: 7]، قال: قذف في نَفْسِها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):