٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱلْتَقَطَهُ } بالتابوت صبيحة الليل {ءَالُ } أعوان {فِرْعَوْنُ } فوضعوه بين يديه وفُتح وأُخرج منه موسى وهو يمصّ من إبهامه لبناً {لِيَكُونَ لَهُمْ } في عاقبة الأمر {عَدُوًّا } يقتل رجالهم {وَحَزَناً } يستعبد نساءهم وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حزنه كأحزنه {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ } وزيره {وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِئِينَ } من الخطيئة أي عاصين فعوقبوا على يديه
ابن عطية
تفسير : "الالتقاط" اللقاء على غير قصد وروية، ومنه قول الشاعر [نقادة الأسدي]: [الرجز] شعر : ومنهل وردته التقاطا لم ألق إذ وردته فراطا إلا الحمام القمر والغطاطا فهن يلغطن به إلغاطا تفسير : ومنه اللغطة و {آل فرعون} أهله وجملته، وروي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في اليم فأمرت بسوقه وفتحته فرأت فيه صبياً صغيراً فرحمته وأحبته، وقال السدي: إن جواريها كان لهن في القصر على النيل فرضة يدخل الماء فيها إلى القصر حتى ينلنه في المرافق والمنافع فبينا هنّ يغسلن في تلك الفرضة إذ جاء التابوت فحملنه إلى مولاتهن، وقال ابن إسحاق: رآه فرعون يعوم فأمر بسوقه وآسية جالسة معه فكان ما تقدم، وقوله تعالى: {ليكون لهم عدواً وحزناً} هي لام العاقبة لا أن المقصد بالالتفاظ كان لأن يكون عدواً، وقرأ الجمهور "وحَزَناً" بفتح الحاء والزاي. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش "وحُزْناً" بضم الحاء وسكون الزاي، و"الخاطىء" متعمد الخطأ، والمخطىء الذي لا يتعمده، واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون {قرة عين لي ولك}، فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاط التابوت لما أشعرت فرعون به سبق إلى وهمه أنه من بني إسرائيل وأن ذلك قصد به ليخلص من الذبح فقال عليّ بالذباحين فقالت امرأته ما ذكر فقال فرعون: أما لي فلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له"تفسير : ، وقال السدي: بل ربته حتى درج فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل وأخذه في يده فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ بذبحه وحينئذ خاطبته بهذا وجربته له في الجمرة والياقوته فاحترق لسانه وعلق العقدة، وقوله {لا يشعرون} أي بأنه الذي يفسد الملك على يديه قال قتادة وغيره، وقرأ ابن مسعود "لا تقتلوه قرة عين لي ولك" قدم وأخر، وقوله {وأصبح} عبارة عن دوام الحال واستقرارها وهي كظل، ومنه قل أبي سفيان للعباس يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً يريد استقرت حاله عظيماً. وقرأ جمهور الناس "فارغاً" من الفراغ واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس: "فارغاً" من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقال مالك: هو ذهاب العقل. قال الفقيه الإمام القاضي: نحو قوله {أية : وأفئدتهم هواء} تفسير : [إبراهيم: 43] وقالت فرقة "فارغاً" من الصبر، وقال ابن زيد "فارغاً" من وعد الله تعالى ووحيه إليها أي تناسته بالهم وفتر أثره في نفسها وقال لها إبليس فررت به من قتل لك فيه أجر وقتلته بيدك، وقال أبو عبيدة "فارغاً" من الحزن إذ لم يغرق، وقرأ فضالة بن عبد الله ويقال ابن عبيد والحسن "فزعاً" من الفزع بالفاء والزاي، وقرأ ابن عباس "قرعاً" بالقاف والراء من القارعة وهي الهم العظيم، وقرأ بعض الصحابه رضي الله عنهم "فِرْغاً" بالفاء المكسورة والراء الساكنة والغين المنقوطة ومعناها ذاهباً هدراً تالفاً من الهم والحزن، ومنه قول طليحة الأسدي في حبال أخيه: [الطويل] شعر : فإن تك قتلى قد أصيبت نفوسهم فلن يذهبوا فرغاً بقتل حبال تفسير : أي هدراً تالفاً لا يتبع، وقرأ الخليل بن أحمد "فُرُغاً" بضم الفاء والراء. وقوله تعالى: {إن كادت لتبدي به} أي أمر ابنها، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كادت أم موسى أن تقول واإبناه وتخرج صائحة على وجهها" تفسير : و "الربط على القلب" تأنيسه وتقويته، ومنه قولهم للشجاع والصابر في المضايق: رابط الجأش، قال قتادة: وربط على قلبها بالإيمان، وقوله {لتكون من المؤمنين} أي من المصدقين بوعد الله وما أوحى إليها به، ثم قالت لأخت موسى طمعاً منها وطلباً، {قصيه}، والقص طلب الأثر، فيروى أن أخته خرجت في سكك المدينة تبحث مختفية بذلك فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون يطلبون به امرأة ترضعه حين لم يقبل المراضع، و {عن جنب} أي عن ناحية من غير قصد ولا قرب يشعر لها به، يقال فيه جنب وجناب وجنابة ومن جناب قول الشاعر: [الطويل] شعر : لقد ذكرتني عن جناب حمامة بعسفان أهلي فالفؤاد حزين تفسير : ومن جنابة قول الأعشى: [الطويل] شعر : أتيت حريثاً زائراً عن جنابة فكان حريث عن عطائيَ جامدا تفسير : قال الفقيه الإمام القاضي: وكأن معنى هذه الألفاظ عن مكان جنب أي عن بعد ومعنى الآية عن بعد لم تدن منه فيشعر لها، وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب تفسير : وقرأ قتادة "عن جَنْب" بفتح الجيم وسكون النون وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ "عن جانب" النعمان بن سالم، وقرأ الجمهور "عن جُنُب" بضم الجيم والنون، وقوله {وهم لا يشعرون}، معناه أنها أخته وأنها من جملة لطائف الله تعالى له ولأمه حسب الوعد الذي أوحي إليها، ويقال: بصرت الشيء وأبصرته بمعنى واحد متقارب، قال المهدوي: وقيل {عن جنب} معناه عن شوق وهي لغة لجذام يقولون جنبت إلى لقائك أي اشتقت إليه، وقال قتادة: معنى {عن جنب} أنها تنظر إليه كأنها لا تريده.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ} خرجت جواري امرأة فرعون لاستقاء الماء فوجدن تابوته فحلمنه إليها "ع"، أو خرجت امرأة فرعون إلى البحر وكانت برصاء فوجدته فأخذته فبرئت من برصها فقالت هذا صبي مبارك.
النسفي
تفسير : {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ } أخذه، قال الزجاج: كان فرعون من أهل فارس من اصطخر {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً } أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج. وعن هذا قال المفسرون: إن هذه لام العاقبة والصيرورة. وقال صاحب الكشاف: هي لام كي التي معناها التعليل كقولك «جئتك لتكرمني» ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء {وَحَزَناً } {وحُزناً }علي وحمزة وهما لغتان كالعدم والعدم {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ } {خاطين} تخفيف خاطئين: أبو جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، أو كانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه فعالجوا كسره فأعياهم فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً فعالجته ففتحه فإذا بصبي نوره بين عينيه فأحبوه وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرئت، فقالت الغواة من قومه: هو الذي نحذر منه فأذن لنا في قتله، فهمّ بذلك فقالت آسية: قرة عين لي ولك. فقال فرعون: لك، لا لي. وفي الحديث «حديث : لو قال كما قالت لهداه الله تعالى كما هداها»تفسير : وهذا على سبيل الفرض أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها وكان أسلم كما أسلمت. و{قرة} خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة و {لي ولك} صفتان لقرة {لاَ تَقْتُلُوهُ } خاطبته خطاب الملوك أو خاطبت الغواة {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما عاينت من النور وبرء البرصاء {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أو نتبناه فإنه أهل لأن يكون ولداً للملوك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال، وذو حالها آل فرعون وتقدير الكلام: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. وقوله {إن فرعون} الآية جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم، وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون} الالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب {ليكون لهم عدواً وحزناً} أي عاقبة أمرهم إلى ذلك لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً وحزناً {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} أي آثمين وقيل: هو من الخطأ ومعناه أنهم لم يشعروا أنه الذي يذهب بملكهم {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ولا يشعرون} قال وهب لما نظر إليه فرعون قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك وقال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح وكانت آسية امرأة فرعون من خيار النساء ومن بنات الأنبياء. وكانت أماً للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة وأنت أمرت أن تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي. وقيل: إنها قالت إنه أتانا من أرض أخرى وليس هو من بني إسرائيل فاستحياه فرعون وألقى الله محبته عليه قال ابن عباس لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية عسى أن ينفعنا لنفعه الله ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه قوله تعالى {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} أي خالياً من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه وقيل معناه ناسياً للوحي الذي أوحى الله عز وجل إليه حين أمرها أن تلقيه في اليم ولا تخاف ولا تحزن والعهد الذي عهد إليها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان وقال كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله وألقيته في البحر وأغرقته. ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت إنه قد وقع في يد عدوه الذي فررت منه فأنساه عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها {إن كادت لتبدي به} أي لتصرح بأنه ابنها من شدة وجلها. قال ابن عباس كادت تقول وا ابناه وقيل لما رأت التابوت ترفعه موجة وتحطه أخرى خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شدة شفقتها عليه. وقيل كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون موسى ابن فرعون فشق عليها ذلك وكادت تقول هو ابني وقيل كادت تبدي بالوحي الذي أوحى إليها {لولا أن ربطنا على قلبها} أي بالعصمة والصبر والتثبت {لتكون من المؤمنين} أي من المصدقين بوعد الله إياها {وقالت لأخته} أي لمريم أخت موسى {قصيه} أي اتبعي أثره حتى تعطي خبره {فبصرت به عن جنب} أي عن بعد قيل كانت تمشي جانباً وتنظره اختلاساً ترى أنها لا تنظره {وهم لا يشعرون} أنها أخته وأنها ترقبه {وحرمنا عليه المراضع} المراد به المنع قيل مكث موسى ثمان ليال لا يقبل ثدياً قال ابن عباس إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد من ترضعه كلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها وهم في طلب من يرضعه لهم {من قبل} أي قبل مجيء أم موسى وذلك لما رأته أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلب ذلك {فقالت} يعني أخت موسى {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم} أي يضمونه ويرضعونه وهي امرأة قتل ولدها فأحب ما تدعى إليه أن تجد صغيراً ترضعه {وهم له ناصحون} أي لا يمنعونه ما ينفعه من تربيته وغذائه والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد. قيل لما قالت: وهم له ناصحون قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله قالت ما أعرفه ولكن قلت وهم للملك ناصحون وقيل: إنها قالت إنما قلت ذلك رغبة في سرور الملك واتصالنا به. وقيل قالوا من هم قالت أمي قالوا ولأمك ولد قالت نعم هارون وكان هارون ولد في السنة التي لا يقتل فيها قالوا صدقت فأتينا بها فانطلقت إليها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه رياً قيل كانوا يعطونها كل يوم ديناراً.
ابو السعود
تفسير : {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ} فصيحةٌ مفصحةٌ عن عطفِه على جملةٍ مترتبةٍ على ما قبلها من الأمرِ بالإلقاءِ قد حُذفتْ تعويلاً على دلالة الحالِ وإيذاناً بكمال سرعةِ الامتثالِ أي فألقتْهُ في اليمِّ بعد ما جعلتْهُ في التَّابوتِ حسبما أُمرت به فالتقطه آلُ فرعونَ أي أخذوه أخذَ اعتناءٍ به وصيانةٍ له عن الضَّياعِ. قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما وغيره: كانَ لفرعونَ يومئذٍ بنتٌ لم يكُن له ولدٌ غيرُها وكانتْ من أكرمِ النَّاسِ إليه وكان بها بَرَصٌ شديدٌ عجزتِ الأطِّباءُ عن علاجِه فقالُوا: لا تبرأُ إلا من قبل البحرِ يُؤخذ منه شِبهُ الإنسِ يومَ كذا وساعةَ كذا من شهرِ كذا حين تُشرق الشَّمسُ فيؤخذُ من ريقِه فيلطخ به برصُها فتبرأْ فلمَّا كان ذلك اليومُ غدا فرعونُ في مجلسٍ له على شفيرِ النِّيلِ ومعه امرأتُه آسيةُ بنتُ مزاحمِ بنِ عُبـيدِ بنِ الرَّيَّانِ بنِ الوليدِ الذي كان فرعونَ مصرَ في زمنِ يوسفَ الصِّدِّيقِ عليه السَّلامُ. وقيل: كانتْ من بني إسرائيلَ من سبطِ مُوسى عليه الصَّلاة والسَّلام وقيل: كانتْ عمَّته حكاه السُّهيليُّ. وأقبلتْ بنتُ فرعونَ في جَواريها حتَّى جلستْ على شاطىءِ النِّيلِ فإذا بتابوتٍ في النِّيلِ تضربُه الأمواجُ فتعلَّق بشجرةٍ فقالَ فرعونُ: ائتونِي به فابتدرُوا بالسُّفنِ فأحضرُوه بـين يديهِ فعالجُوا فتحَهُ فلم يقدرُوا عليهِ وقصدُوا كسرَه فأعياهم فنظرتْ آسيةٌ فرأتْ نُوراً في جوفِ التَّابوتِ لم يرَهُ غيرُها فعالجتْهُ ففتحتْهُ فإذا هيَ بصبـيَ صغيرٍ في مهدِه وإذا نورٌ بـين عينيهِ وهو يمصُّ إبهامَه لبناً فألقى الله تعالى محبَّتَه في قلوبِ القومِ وعمدتْ ابنةُ فرعونَ إلى ريقِه فلطَّختْ به برصَها فبرأتْ من ساعتِه وقيل: لما نظرتْ إلى وجهِه برأتْ فقالتِ الغُواة من قومِ فرعونَ: إنَّا نظنُّ أنَّ هذا هو الذي نحذرُ منه رُميَ في البحرِ فَرَقاً منك فاقتلْه فهمَّ فرعونُ بقتلِه فاستوهبتْهُ آسيةُ فتركَه كما سيأتِي. واللامُ في قولِه تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} لامُ العاقبةِ أُبرز مدخولُها في معرضِ العلَّةِ لالتقاطِهم تشبـيهاً له في الترتيبِ عليه بالغرضِ الحاملِ عليه. وقُرىء حُزْناً، وهما لغتانِ كالسَّقَمِ والسُّقْمِ. جُعل عليه الصَّلاة والسَّلام نفسَ الحزنِ إيذاناً بقوَّةِ سببـيتِه لحزنِهم. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ} أي في كلِّ ما يأتُون وما يذرون فلا غَرو في أنْ قتلُوا لأجلِه أُلوفاً ثم أخذُوه يربُّونَه ليكبرَ ويفعلَ بهم ما كانُوا يحذرون. رُوي أنَّه ذُبح في طلبِه عليه الصَّلاة والسَّلام تسعون ألفَ وليدٍ أو كانُوا مذنبـينَ فعاقبهم الله تعالى بأنْ ربَّى عدوَّهم على أيديهم فالجُملة اعتراضيةٌ لتأكيد خُطَّتِهم أو لبـيان المُوجب لما ابتلُوا به. وقُرىء خَاطين على أنَّه تخفيفُ خاطئينَ أو على أنَّه بمعنى مُتعدِّين الصَّوابَ إلى الخطأ. {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ} أي لفرعونَ حينَ أخرجتْهُ من التَّابوتِ {قُرَّةُ عَيْنٍ لّي وَلَكَ} أي هو قرَّةُ عينٍ لنا لِما أنَّهما لمّا رأياهُ أحبَّاهُ أو لما ذُكر من بُرءِ ابنتِه من البَرَصِ بريقِه. وفي الحديثِ أنَّه قالَ: «لكِ لا لي» ولو قال: لي كما هُو لكِ لهداهُ الله تعالى كما هداها {لاَ تَقْتُلُوهُ} خاطبتْهُ بلفظِ الجمعِ تعظيماً ليساعدَها فيما تريدُه {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} فإنَّ فيه مخايلَ اليُمنِ ودلائلَ النَّجابةِ وذلك لِمَا رأتْ فيهِ من العلاماتِ المذكورةِ {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي نتبنَّاهُ فإنَّه خليقٌ بذلكَ {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} حالٌ من آلِ فرعونَ والتَّقديرُ فالتقطَه آلُ فرعونَ ليكونَ لهم عدُواً وحَزناً، وقالتِ امرأتُه له كيتَ وكيتَ وهُم لا يشعرون بأنَّهم على خطأ عظيمٍ فيما صنعُوا من الالتقاط ورجاءِ النَّفعِ منه والتَّبني له. وقولُه تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ} الآيةَ، اعتراضٌ وقعَ بـين المعطوفينِ لتأكيدِ خطئِهم، وقيل: حالٌ من أحدِ ضميريّ نتخذُه على أنَّ الضَّميرَ للنَّاسِ أيْ وهُم لا يعلمونَ أنَّه لغيرِنا وقد تبنيناهُ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}[8] أي رفعوه ليكون لهم فرحاً وسروراً ولم يعلموا، إنما أضمرت القدرة فيه من تصييره لهم عدواً وحزناً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [الآية: 8]. قال سهل: التقطه آل فرعون ليكون لهم فرحًا وسرورًا، ولم يعلموا ما أضمرت القدرة فيه من تصييره لهم عدوًا وحزنًا.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ}. أخبر الله تعالى أنه كان عدواً لهم، وقالت امرأةُ فرعون: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}. فلم يكن لهما ولد، وهم لا يشعرون إلى ماذا يؤول أمره. {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. لمّا ألقته في الماء سَكَّنَ اللَّهُ قلبَها، وربط عليه، وألهمها الصبر، وأصبح فؤادها فارغاً إن كادت لتبدي به من حيث ضعف البشرية، ولكن الله ربط على قلبها.
اسماعيل حقي
تفسير : {فالتقطه آل فرعون} الفاء فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة محذوفة والالتقاط اصابة الشىء من غير طلب ومنه اللقطة وهو مال بلا حافظ ثم يعرف مالكه واللقيط هو طفل لم يعرف نسبه يطرح فى الطريق او غيره خوفا من الفقر او الزنى ويجب رفعه ان خيف هلا كه بان وجده فى الماء او بين يدى سبع وتفصيله فى الفقه وآل الرجل خاصته الذين يؤول اليه امرهم للقرابة او الصبحة او الموافقة فى الدين. والمعنى فالقته فى اليم بعد ماجعلته فى التابوت حسبما امرت به فالتقطه آل فرعون اى اخذوه اخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع {ليكون لهم عدوا وحزنا} اللام لام العاقبة والصيرورة لا لام العلة والارادة لانهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة امرهم الى ذلك ابرز مدخولها فى معرض العلة لا لتقاطهم تشبيها له فى الترتب عليه بالغرض الحامل عليه وهو المحبة والتبنى وتمامه فى فن البيان وجعل موسى نفس الحزن ايذانا لقوة سبيته لحزنهم. قال الكاشفى {عدوا} [دشمنى مر مردانراكه بسبب فرعون غرق شوند {وحزنا} واندوهى بزرك مرزنانراكه برده كيرند] {ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} فى كل مايأتون ومايذرون فليس ببدع منهم ان قتلوا الوفا لاجله ثم اخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ماكانوا يحذرون. والخطا مقصورا العدول عن الجهة والخاطىء من يأتى بالخطأ وهو يعلم انه خطأ وهو الخطأ التام المأخوذ به الانسان يقال خطىء الرجل اذا ضل فى دينه وفعله المخطىء من يأتى به وهو لايعلم اى يريد مايسحن فعله ولكن يقع منه بخلاف مايريد يقال اخطأ الرجل فى كلامه وامره اذا زل وهفا ـ حكى ـ انهم لما فتحوا التابوت ورأوا موسى القى الله محبته فى قلوب القوم وعمدت ابنة فرعون الى ريقه فلطخت به بصرها فبرئت من ساعتها شعر : آمد طبيب درر بكلى علاج يافت
الجنابذي
تفسير : {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} وكان لفرعون قصورٌ على شطّ النّيل فلمّا ألقته فى النّيل وضرب به الماء نظر فرعون من قصره ومعه آسية امرأته الى سوادٍ فى النّيل ترفعه الامواج والرّياح تضربه حتّى جاءت به الى باب قصر فرعون فأمر فرعون بأخذه فأخذ ورفع اليه، فلمّا فتحه وجد فيه صبيّاً فقال: هذا اسرائيلىٌّ فألقى الله فى قلب فرعون لموسى (ع) محبّة شديدةً وكذلك فى قلب آسية واراد فرعون ان يقتله فقالت آسية: لا تقتلوه كما سيجيء {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} الّلام للعاقبة او للغاية لكنّه اتى بها ليكون تهكّماً بهم {إِنَّ فِرْعَوْنَ} تعليل للسّابق {وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} اى عاصين لربّهم.
اطفيش
تفسير : {فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} العطف على محذوف أي وصل البركة التي في وسط الجنان فالتقطه آل فرعون أو بمعنى ثم فانه قيل بين القائه والتقاطه ثلاثة ايام وقيل ليلة وحدها والمراد التقاطه بالتقاط التابوت وكان تابوتا من شجر يسمى برديا مطليا بالقار من داخله وآل فرعون أعوانه أو خدمه أو أقاربه أقوال. {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً} هذه لام المال لأنه ليس غرضهم في التقاطه ان يكون عدوا أو حزنا لهم بل غرضهم أن يكون لهم ابنا ولكن مرجعه الى العداوة والحزن واللام موضوعة للدلالة على أن التقاطه للمحبة والتبني واستعيرت في الآية للدلالة على أن المرجع الى العداوة والحزن استعارة تبعية وايضاحها انه شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب نحو المحبة والتبني عليه ثم استعملت اللام الموضوعة للدلالة على المشبه به الذي هو ترتب المحبة والتبني ونحوها في المشبه الذي هو ترتب العداوة والحزن والجامع داخل في مفهوم الطرفين وهو الترتب الأعم فلما كان الترتب الأول من جنس الترتب الثاني الذي هو المشبه به استعيرت اللام في هذا الثاني فالاستعارة جارية اولا في المعنى العام الحر وهو العلية وثانيا في اللام تبعا وحكم اللام في الآية حكم الأسد المستعار للشجاع حيث استعيرت لما يشبه العلبة لكن الاستعارة في الأسد أصلية وفي اللام تبعية ويجوز ان تكون الاستعارة بالكناية في نفس الكون المجرور باللام على انه اضمر تشبيه العداوة والحزن بنحو المحبة والتبني بجامع مطلق الترتب ولم يصرح إلا بالمشبه وهو العداوة والحزن ودل على التشبيه المضمر بذكر ما يخص المشبه به وهو اللام الموضوعة للتعليل وكيفية اجراء مكنية السكاكي في الآية ان يكون استعمل العداوة والحزن في المحبة والتبني بادعاء انهما عين المحبة والتبني وقاعدة ذلك انه ان قدرت التشبيه في مدخول الحرف فالاستعارة مكنية والحرف قرينة او في معناه العام وهو العلية فتبعية ولا يقال الترقب المشبه حاصل بالفعل والترتب المشبه به غير حاصل فيلزم عدم الجامع وحصول الجامع يجب أن يكون في المشبه أقوى لانا نقول المشبه به هو ترتب مطلق المحبة والتبني وهو حاصل وأقوى لا ترتب محبة موسى وتبنيه خصوصا كذا ظهر فافهم وقرأ حمزة والكسائي (وحزنا) بضم الحاء واسكان الزاء قاله الامام الداني وهو لغة والحزن هنا بمعنى اسم الفاعل من حزن المتعدي يقال: حزنه فهو حازن. فائدة ذكر بعضهم انه يقال: التقطه عثر عليه من غير طلب وتلقطه أخذه من ها هنا وها هنا قلت: لا يصح هنا لانهم قصدوا التقاطه بعد أن رأوه من بعيد فالمراد بالتقاطه مجرد أخذه وقد يقال اعتبر رؤيتهم إياه أولا فانها من غير طلب ثم التقطوه ولم يجيئوا أولا الى الشاطىء لالتقاطه ولكن الأقرب انهم جاءوا مع فرعون لقول السحرة انه يخرج كذا من البحر لساعة كذا ولعله مع ان الأمر كذلك يصدق انهم لم يقصدوا التقاطه لأنهم ولو رأوا التابوت والتقطوه لكن لا على علم أن فيه الذي قال لهم السحرة. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} الخطأ عادة لهم فليس خطأهم في تربية عدوهم ببدع، أو خاطئين بمعنى مذنبين فعاقبهم الله بأن ربي عدوهم الذي هو سبب هلاكهم على أيديهم وقريء خاطين بدون همزة إما حذفت تخفيفا وإما طلبت باء فحذفت للتقاء الساكنين بعد سلب حركتها للثقل وأما من الخطأ غير المهموز الذي هو بمعنى المجاوزة أي جاوزوا الصواب وزعم بعض ان الخاطىء متعمد الخطأ والمخطىء الذي لم يتعمده وهو قراءة أبي جعفر مطلقا وحمزة في الوقف والجملة معترضة لتأكيد خطأهم أو لبيان موجب ما ابتلوا به.
اطفيش
تفسير : {فالتقطه} أى التقط موسى من التابوت، أو التقط ليكون موسى لهم عدوًّا وحزناً، والالتقاط أخذ الشىء الموجود على الاطلاق، لا ما قيل أخذ الموجود من غير طلب {آل فرعَوْن} أرضعته ثلاثة أشهر أو أربعة أو ثمانية، واشتد إلحاح فرعون فى طلب الولدان، فخافت عليه، فألقته فى اليم، فالتقطه آل فرعون، روى أنه لما رأته قابلة فرعون الموكلة بحبالى بنى إسرائيل، دخل حبه قلبها، وكل مفصل وسألتها أمه الستر عليها للحب الذى بينهما، فأنعمت لها فقالت لأمه احفظيه، فخرجت فدخل عيون فلفته فى خرقة وألقته فى تنور مسجور دهشا، ولم تدر، ولم يجدوا شيئاً، فخرجوا ولم يروا أثر النفاس، وقالوا: لم دخلت عليك القابلة؟ فقالت كانت مصافية لى وزارتنى، سمعت بكاء فى التنور فأخرجته سالما، جعل الله له النار بردا وسلاما كجده إبراهيم عليهما السلام. ولما خافت عليه، صنعت له تابوتا، طلت داخله بقار، قيل جعلت مفتاحة من داخل، قلت: فمن يفتحه من داخل؟ قيل طلبت من نجار تابوتاً تستر فيه صبياً، فصنع لها، فذهب ليخبرها الذبَّاحين، فأخرصه الله، فجعل يشير لهم وأعياهم أمره، فضربوه وأخرجوه، ثم رجع نطقه، فرجع ليخبرهم فوصل إليهم فأخرصه الله تعالة وأعماه، فضربوه وأخرجوه، فوعد الله لئن شفى ليؤمنن بهذا الطفل ويكونن من أعوانه، فشفاه فخر ساجداً، وألقته فى النيل عند أحجار عند بيت فرعون، فخرجت جوارى آسية امرأة فرعون يغتسلن، فأخذته اليها، ولم يجر الماء به على هذا، وظننه مالا، ففتحنه فأحبته آسية حبا شديدا، فلم تزل تكلم فرعون فى تركه حتى تركه. وقيل جرى به الماء حتى تعلق بشجرة فرآه فرعون وآسية وبنته وجواريها من الشاطئ فقال: إيتونى به، فابتدره أهل السفن فعالجوا فتحه ولم يطيقوه، وأرادوا كسره، فكشف الله عز وجل لآسية بنور من داخله، ففتحته، وبين عينيه نور يمص لبنا من أصبعه، وألقى الله محبته فى قلبها، وفى قلوب الكل، وقالوا هو الذى حذرت منه، ألقى فى البحر فاقتله، فلم تزل به آسية حتى تركه، ولما رأته بنت لفرعون وماله ولد سواها برصاء برئت فى حينها، وقد أعى الأطباء علاج برصها. وروى أنه قيل له: تبرأ بريق صبى يخرج من البحر يوم كذا من شهر كذا، حين تشرق الشمس، فلطخت به فبرأت، والالتقاط أخذ الشىء رغبة فيه لغرض، كما هنا علله بليكون، والآل أصله فى الأشراف وقل استعماله فى غيرهم كما هنا، أو هنا أشراف فى الصورة، أو باعتبار عند فرعون، أو تغليب لآسية رضى الله عنها. {ليَكُون لَهم عدوًّا وحزَناً} سبب حزن أو نفس حزن فيه مبالغة، سبه كونه عدوًّا وحزناً بكونه ابناً مرجو النفع لجامع أن كلا كلا آخر ربتة كتشبيه الأسد بالنعجة، وذلك بالكناية، واللام قريبة على حقيقتها، أو شبه ترتب الحزن والعداوة بترتب التبنى والنفع على التبعية، واللام قرينة ومجاز تشبيهامبينا على مطلق ترتيب ما لم يرد على ما أريد بطريق الأصالة، أو شبه كونه عدواً وحزناً بكونه ابناً ونافعاً، ويتولد من ذلك تشبيه ترتبه بترتب التبنى والنفع، فاللام مستعارة ويجوز أن يكون المراد لظن أن يكون لهم عدواً وحزناً، فحذف المضاف فلا مجاز، أى التقطوه من التابوت ليقتلون لظن أن يكون لهم عدوا وحزنا. {إنّ فرعَون وهامان وجنُودَهما كانُوا خاطئين} فى رأيهم وسيرتهم، إذ قتلوا تسعين ألف وليد فيما قيل ليوافقوا قتل من يزيل ملكهما، وربوه بأيديهم، فعاقبهم بتربيته فى أيديهم، أو فى أنهم لم يشعروا أنه الذى يذهب ملكهم، أو خاطئين آثمين.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ } فصيحة والتقدير ففعلت ما أمرت به من إرضاعه وإلقائه في اليم لما خافت عليه، وحذف ما حذف تعويلاً على دلالة الحال وإيذاناً بكمال سرعة الامتثال. / روي أنها لما ضربها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها، وفلما وقع موسى عليه السلام على الأرض هالها نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها بحيث منعها من السعاية فقالت لأمه: احفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة وألقته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النار عليه برداً وسلاماً فأخذته، فلما ألح فرعون في طلب الولدان واجتهد العيون في تفحصها أوحى الله تعالى إليها ما أوحى، وأرضعته ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو ثمانية على اختلاف الروايات، فلما خافت عليه عمدت إلى بَرْدِيّ فصنعت منه تابوتاً أي صندوقاً فطلته القار من داخله. وعن السدي أنها دعت نجاراً، فصنع لها تابوتاً، وجعلت مفتاحه من داخل، ووضعت موسى عليه السلام فيه وألقته في النيل بين أحجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه فأدخلنه إليها وظنن أن فيه مالاً، فلما فتحنه رأته آسية ووقعت عليه رحمتها فأحبته، وأراد فرعون قتله فلم تزل تكلمه حتى تركه لها. وروي عن ابن عباس وغيره أنه كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها وكانت من أكرم الناس إليه، وكان بها برص شديد أعيا الأطباء، وكان قد ذكر له أنها لا تبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شَبَه الإنس يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومعه امرأته آسية وأقبلت بنته في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل فإذا بتابوت تضربه الأمواج فتعلق بشجرة فقال فرعون ائتوني به فابتدروا بالسفن فأحضروه بين يديه فعالجوا فتحه فلم يقدروا عليه وقصدوا كسره فأعياهم فنظرت آسية فكشف لها عن نور في جوفه لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا صبـي صغير فيه وله نور بين عينيه وهو يمص إبهامه لبناً فألقى الله تعالى محبته عليه السلام في قلبها وقلوب القوم وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرأت من ساعتها. وقيل: لما نظرت إلى وجهه برأت فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر خوفاً منك فاقتله فهم أن يقتله فاستوهبته آسية فتركه كما سيأتي إن شاء الله تعالى والأخبار في هذه القصة كثيرة، وقد قدمنا منها ما قدمنا، وآل فرعون أتباعه وقولهم: إن الآل لا يستعمل إلا فيما فيه شرف مبني على الغالب أو الشرف فيه أعم من الشرف الحقيقي والصوري ومعنى التقاطهم إياه عليه السلام أخذهم إياه عليه السلام أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع. {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } فيه استعارة تهكمية ضرورة أنه لم يدعهم للالتقاط أن يكون لهم عدواً وحزناً وإنما دعاهم شيء آخر كالتبني ونفعه إياهم إذا كبر. وفي تحقيق ذلك أقوال: الأول أن يشبه كونه عدوّاً وحزناً بالعلة الغائية كالتبني والنفع تشبيهاً مضمراً في النفس ولم يصرح بغير المشبه ويدل على ذلك بذكر ما يخص المشبه به وهو لام التعليل فيكون هناك استعارة مكنية أصلية في المجرور واللام على حقيقتها، الثاني أن يشبه أولاً ترتب غير العلة الغائية بترتب العلة الغائية أي يعتبر التشبيه بين الترتبين الكليين ليسري في جزئياتهما فيتحقق تبعاً تشبيه ترتب كونه عدواً وحزناً أعني الترتب المخصوص على الالتقاط بترتب التبني ونحوه مما هو علة غائية - أعني الترتب المخصوص أيضاً عليه - ثم / يستعمل في المشبه اللام الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائية الذي هو المشبه به فتكون الاستعارة أولاً في العلية والغرضية وتبعاً في اللام فصار حكم اللام حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه العلة كما استعير الأسد لما يشبه الأسد بيد أن الاستعارة هٰهنا مكنية تبعية، الثالث ما أفاده كلام الخطيب الدمشقي في «التلخيص» و«الإيضاح» وهو أن يقدر التشبيه أولاً لكونه عدواً وحزناً بالعلة الغائية ثم يسري ذلك التشبيه إلى تشبيه ترتبه بترتب العلة الغائية فتستعار اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية لترتب كونه عدواً وحزناً من غير استعارة في المجرور وهذا التشبيه كتشبيه الربيع بالقادر المختار ثم إسناد الانبات إليه وهو مفاد كلام «الكشاف»، واختار ذلك العلامة عبد الحكيم، فقال: وهو الحق عندي لأن اللام لما كان معناها محتاجاً إلى ذكر المجرور كان اللائق أن تكون الاستعارة والتشبيه فيها تابعاً لتشبيه المجرور لا تابعاً لتشبيه معنى كلي بمعنى كلي معنى الحرف من جزئياته كما ذهب إليه السكاكي وتبعه العلامة التفتازاني انتهى فتأمل. واستشكل أصل تعليل الالتقاط بأن الالتقاط الوجدان من غير قصد والتعليل يقتضي حقيقة القصد وهو توهم لأن الوجدان من غير قصد لا ينافي قصد أخذ ما وجد لغرض وقد علمت أن المعنى هنا فأخذه أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به آل فرعون ليكون الخ، والتعليل فيه إنما هو للأخذ ولا إشكال فيه. وقال بعضهم: يحتمل تعلق اللام بمقدار أي قدرنا الالتقاط ليكون الخ، وعليه لا تجوز في الكلام إلا عند من يقول: إن أفعال الله تعالى لا تعلل وهو أمر غير ما نحن فيه، ولا يخفى أن كلام الله سبحانه أجل وأعلى من أن يعتبر فيه مثل هذا الاحتمال، وفي جعله عليه السلام نفس الحزن ما لا يخفى من المبالغة. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وابن سعدان - حزناً - بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الجمهور بفتحتين لغة قريش. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ } في كل ما يأتون وما يذرون أو من شأنهم الخطأ فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفاً لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، روي أنه ذبح في طلبه عليه السلام تسعون ألف وليد. و {خَـٰطِئِينَ } على هذا من الخطأ في الرأي، ويجوز أن يكون من خطىء بمعنى أذنب، وفي «الأساس» يقال: ((خطيء خطأ إذا تعمد الذنب))، والمعنى وكانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم، والجملة على الأول اعتراض بين المتعاطفين لتأكيد خطئهم المفهوم من قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } فإنه كما سمعت استعارة تهكمية وعلى الثاني، اعتراض لتأكيد ذنبهم المفهوم من حاصل الكلام، وقيل: يتعين عليه أن تكون اعتراضاً لبيان الموجب لما ابتلوا به ويحتمل على هذا أن تكون استئنافاً بيانياً إن أريد بما ابتلوا به كونه عدواً وحزناً وهو لا ينافي الاعتراض عندهم، وقرىء (خاطين) بغير همز فاحتمل أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر، وقيل: هو من خطا يخطو أي خاطين الصواب إلى ضده فهو مجاز.
ابن عاشور
تفسير : الالتقاط افتعال من اللقط، وهو تناول الشيء الملقى في الأرض ونحوها بقصد أو ذهول. أسند الالتقاط إلى آل فرعون لأن استخراج تابوت موسى من النهر كان من إحدى النساء الحافات بابنة فرعون حين كانت مع أترابها وداياتها على ساحل النيل كما جاء في الإصحاح الثاني من سفر الخروج. واللام في {ليكون لهم عدواً} لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام كي وهي لام جارة مثل كي، وهي هنا متعلقة بــــ(التقطه). وحق لام كي أن تكون جارة لمصدر منسبك من (أن)المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها فذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله. وقد استعملت في الآية استعمالاً وارداً على طريقة الاستعارة دون الحقيقة لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوّاً وحزناً ولكنهم التقطوه رأفة به وحباً له لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوّاً في الله ومُوجب حزن لهم، شبهت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة غالباً فاستعير لترتب العاقبة المشبهة الحرف الذي يدل على ترتيب العلة تبعاً لاستعارة معنى الحرف إلى معنى آخر استعارة تبعية، أي استعير الحرف تبعاً لاستعارة معناه لأن الحروف بمعزل عن الاستعارة لأن الحرف لا يقع موصوفاً، فالاستعارة تكون في معناه ثم تسري من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني خلافاً للسكاكي. وضمير {لهم} يعود إلى آل فرعون باعتبار الوصف العنواني لأن موسى كان عدواً لفرعون آخر بعد هذا، أي ليكون لدولتهم وأمتهم عدواً وحزناً فقد كانت بعثة موسى في مدة ابن فرعون هذا. ووصفه بالحزن وهو مصدر على تقدير متعلق محذوف، أي حزناً لهم لدلالة قوله لهم السابق. وليس هذا من الوصف بالمصدر للمبالغة مثل قولك: فلان عدل، لأن ذلك إذا كان المصدر واقعاً موقع اسم الفاعل فكان معنى المصدر قائماً بالموصوف. والمعنى هنا: ليكون لهم حزناً. والإسناد مجاز عقلي لأنه سبب الحزن وليس هو حزناً. وقرأ الجمهور {وحزناً} بفتح الحاء والزاي. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بضم الحاء وسكون الزاي وهما لغتان كالعَدَم والعُدْم. وجملة {إن فرعون وهامان} إلى آخرها في موضع العلة لجملة {ليكون لهم عدواً وحزناً} أي قدّر الله نجاة موسى ليكون لهم عدوّاً وحزناً، لأنهم كانوا مجرمين فجعل الله ذلك عقاباً لهم على ظلمهم بني إسرائيل وعلى عبادة الأصنام. والخاطىء: اسم فاعل من خَطِىءَ كفرح إذا فعل الخطيئة وهي الإثم والذنب، قال تعالى {أية : ناصية كاذبة خاطئة}تفسير : [العلق: 16]. ومصدره الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء. وتقدم في قوله تعالى {أية : إن قتلهم كان خطئاً كبيراً}تفسير : في [الإسراء: 31]. وأما الخطأ وهو ضد العمد ففعله أخطأ فهو مخطىء، قال تعالى {أية : ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم}تفسير : [ الأحزاب: 5]، فعلى هذا يتعين أن الفصحاء فرقوا الاستعمال بين مرتكب الخطيئة ومرتكب الخطأ، وعلى التفرقة بين أخطأ وخطِىءَ درج نفطويه وتبعه الجوهري والحريري. وذهب أبو عبيد وابن قتيبة إلى أن اللفظين مترادفان وأنهما لغتان، وظاهر كلام الزمخشري هنا أنه جار على قول أبي عبيد وابن قتيبة فقد فسر هذه الآية بالمعنيين وقال في «الأساس»: «أخطأ في الرأي وخطىء إذا تعمد الذنب. وقيل: هما واحد». ويظهر أن أصلهما لغتان في معنى مخالفة الصواب عن غير عمد أو عن عمد، ثم غلب الاستعمال الفصيح على تخصيص أخطأ بفعل على غير عمد وخطِىءَ بالإجرام والذنب وهذا الذي استقر عليه استعمال اللغة. وإن الفروق بين الألفاظ من أحسن تهذيب اللغة. فأما محمل الآية هنا فلا يناسبه إلا أن يكون {خاطئين} من الخطيئة ليكون الكلام تعليلاً لتكوين حزنهم منه بالأخارة. وتقدم ذكر هامان آنفاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}. اعلم أن التحقيق إن شاء الله، أن اللام في قوله: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30] و [التكوير: 29]. وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30] و [التكوير: 29] صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته جل وعلا، إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون، وقومه بمشيئته جل وعلا، إلى التقاطهم موسى. ليجعله لهم عدواً وحزناً، فكأنه يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدواً وحزناً، وهذا معنى واضح، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه: أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه، ليجعله عدواً لهم وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه. انتهى محل الغرض من كلامه، وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّه} كما بينا وجهه آنفاً. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين، وينشدون له الشواهد من أن اللام في قوله ليكون: لام العاقبة، والصيرورة خلاف للصواب، وأن ما يقوله البيانيون، من أن اللام في قوله: ليكون فيها استعارة تبعية، في متعلق معنى الحرف، خلاف الصواب أيضاً. وإيضاح مراد البيانيين بذلك، هو أن من أنواع تقسيمهم لما يسمونه الاستعارة التي هي عندهم، مجاز علاقته المشابهة أنهم يقسمونها إلى استعارة أصلية، واستعارة تبعية، ومرادهم بالاستعارة الأصلية: الاستعارة في أسماء الأجناس الجامدة والمصادر، ومرادهم باستعارة التبعية قسمان: أحدهما: الاستعارة في المشتقات كاسم الفاعل والفعل. والثاني: الاستعارة في متعلق معنى الحرف، وهو المقصود بالبيان. فمثال الاستعارة الأصلية عندهم: رأيت أسداً على فرسه، ففي لفظة أسد في هذا المثال: استعارة أصلية تصريحية عندهم، فإنه أراد تشبيه الرجل الشجاع بالأسد لعلاقة الشجاعة، فحذف المشبه الذي هو الرجل الشجاع، وصرح بالمشبه به الذي هو الأسد، على سبيل الاستعارة التصريحية، وصارت أصلية، لأن الأسد اسم جنس جامد. ومثال الاستعارة التبعية، في المشتق عندهم قولك: الحل ناطقة بكذا، فالمراد عندهم: تشبيه دلالة الحال بالنطق بجامع الفهم، والإدراك بسبب كل منهما، فحذف الدلالة التي هي المشبه، وصرح بالنطق الذي هو المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية، واشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، فجرت الاستعارة التبعية في اسم الفاعل الذي هو ناطقة، وإنما قيل لها تبعية، لأنها إنما جرت فيه تبعاً لجريانها في المصدر، الذي هو النطق، لأن المشتق تابع للمشتق منه، ولا يمكن فهمه بدون فهمه، وهذا التوجيه أقرب من غيره مما يذكرونه من توجيه ما ذكر. ومثال الاستعارة التبعية عندهم في متعلق معنى الحرف في زعمهم هذه الآية الكريمة، قالوا: اللام فيها كلفظ الأسد في المثال الأول، فإنه أطلق على غير الأسد لمشابهة بينهما، قالوا: وكذلك اللام أصلها موضوعة للدلالة على العلة الغائية، وعلة الشيء الغائية: هي ما يحمل على تحصيله ليحصل بعد حصوله: قالوا: والعلة الغائية للالقتاط في قوله تعالى: فالتقطه هي المحبة والنفع والتبني: أي اتخاذهم موسى ولداً، كما صرحوا بأن هذا هو الباعث لهم على التقاطه وتربيته، في قوله تعالى عنهم: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} تفسير : [القصص: 9]، فهذه العلة الغائية عندهم هي التي حملتهم على التقاطه، لتحصل لهم هذه العلة بعد الالتقاط. قالوا: ولما كان الحاصل في نفس الأمر بعد الالتقاط، هو ضد ما رجوه وأملوه، وهو العداوة والحزن، شبهت العداوة والحزن الحاصلان بالالتقاط بالمحبة والتبني والنفع، التي هي علة الالتقاط الغائية بجامع الترتب في كل منهما، فالعلة الغائية: تترتب على معلولها دائماً ترتب رجاء للحصول، فتبنيهم لموسى ومحبته كانوا يرجعون ترتبهما على التقاطهم له، ولما كان المترتب في نفس الأمر على التقاطهم له، هو كونه عدواً لهم وحزناً، صار هذا الترتب الفعلي شبيهاً بالترتب الرجائي، فاستعيرت اللام الدالة على العلة الغائية المشعرة بالترتب الرجائي للترتب الحصولي الفعلي الذي لا رجاء فيه. وإيضاحه: أن ترتب الحزن والعداوة على الالتقاط أشبه ترتب المحبة والتبني على الالتقاط، أطلقت لام العلة الغائية في الحزن والعداوة، لمشابهتهما للتبني والمحبة في الترتب، كما أطلق لفظ الأسد على الرجل الشجاع، لمشابهتهما في الشجاعة. وبعض البلاغيين يقول: في هذا جرت الاستعارة الأصلية أولاً بين المحبة والتبني، وبين العداوة والحزن اللذين حصولهما هو المجرور، فكانت الاستعارة في اللام تبعاً للاستعارة في المجرور، لأن اللام لا تستقل فيكون ما اعتبر فيها تبعاً للمجرور، الذي هو متعلق معنى الحرف، وبعضهم يقول: فجرت الاستعارة أولاً في العلية والغرضية، وتبعيتها في اللام، وهناك مناقشات في التعبية في معنى الحرف تركناها، لأن غرضنا بيان مرادهم بالاستعارة التبعية في هذه الآية بإيجاز. وإذا علمت مرادهم بما ذكر، فاعلم أن التحقيق إن شاء الله هو ما قدمنا، وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة [منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز] أن التحقيق: أن القرآن لا مجاز فيه، وأوضحنا ذلك بالأدلة الواضحة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} [القصص: 8] أي مرتكبين الخطيئة التي هي الذنب العظيم كقوله تعالى: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25] وقوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} تفسير : [البقرة: 81] الآية. ومن إطلاق الخاطئ على المذنب العاصي: قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} تفسير : [الحاقة: 36ـ37] وقوله تعالى: {أية : نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} تفسير : [العلق: 16] وقوله: {أية : إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} تفسير : [يوسف: 29] والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلُ} {هَامَانَ} {خَاطِئِينَ} (8) - فَالتَقَطَتْهُ الجَوَارِي، وَحَمَلْنَهُ إِلى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَكَأَنَّهُ لُقَطَةٌ، فَأَوْقَعَ اللهُ مَحَبَّتَهُ فِي قَلْبِها، وَقَدْ قَدَّرَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَتَربَّى مُوسَى في دَارِ فِرْعَوْنَ، وَعَلَى فِراشِهِ، لِيكُونَ عَدُوّاً لفرعَونَ وقَومِهِ، وِلتَحِلَّ بِهِم المُصِيبةُ على يديهِ، فَقَد كَانَ فِرعَونُ، وَوَزيرُهُ هَامَانُ، وجُنُودُهُما الذينَ لاَحَقُوا بني إِسْرائيلَ، والذِينَ كَانُوا أَداةَ الظُّلْمِ والإِرْهَابِ في يَدِ فِرْعَونَ، جَميعاً مِنْ مُرتكِبي الخَطَايا. خَاطِئينَ - مُذنِبينَ، آثِمِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اللَّقطُ واللُّقطة: أن تجد شيئاً بدون طلب له، ومنه اللقيط، وهو الطفل الرضيع تجده في الطريق دون قَصْد منك، أو بحث. وكذلك كان الأمر مع التابوت، فقد جاء آلَ فرعون وهم جلوس لم يَسْعَوْا إليه، ولم يطلبوه، فما أنْ رأوه أخذوه، لكن ما علة التقاطه؟ الزوجة قالت {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9] وقالت في حيثية أخرى: {أية : عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ..}تفسير : [القصص: 9] فلم يكن لهم بنون، فأرادوه أخاً للبنت، وأرادته البنت صيدلية علاج، لكن هل ظلتْ هذه العلة قائمة ووجدت فعلاً؟ لا، إنما التقطوه لتقدير آخر {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..} [القصص: 8] لا ليكون قرة عين، فاللام هنا في {لِيَكُونَ ..} [القصص: 8] لام العاقبة يعني: كان يفكر لشيء، فجاءت العاقبة بشيء آخر. وفي هذا إشارة وبيان لغباء فرعون والطمس على بصيرته وهو الإله!! فبعد أنْ حذَّره الكهنة، وبعد الرُّؤْيا الي رآها وعِلْمه بخطورة هذا المولود على مُلْكه وعلى حياته يرضى أنْ يُربِّيه في بيته، وهذا دليل صِدْق قوله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..}تفسير : [الأنفال: 24]. ومعنى {وَحَزَناً ..} [القصص: 8] يعني حُزْن مثل: عَدَم وعُدْم، وسَقَم وسُقْم، وبَخَل وبُخْل، فالمعنى يأتي بالصيغتين. وقول الحق سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ} [القصص: 8]. هم خاطئون؛ لأن تصرفاتهم لا تتناسب مع ما عرفوه من أمر الوليد، فلم يُقدِّروا المسائل، ولم يستنبطوا العواقب، وكان عليهم أن يشكُّوا في أمر طفل جاء على هذه الحالة، فلا بُدَّ أن أهله قصدوا نجاته من يد فرعون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):