٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : ذكروا في قوله: {فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } وجوهاً: أحدها: قال الحسن فارغاً من كل هم إلا من هم موسى عليه السلام وثانيها: قال أبو مسلم فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله: { أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } تفسير : [إبراهيم: 43]، وثالثها: قال صاحب «الكشاف» فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف ورابعها: قال الحسن ومحمد بن إسحق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن ألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك فجاءها الشيطان فقال لها كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه، ولما أتاها خبر موسى عليه السلام أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها، وخامسها: قال أبو عبيدة: فارغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل اعتماداً على تكفل الله بمصلحته قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن والله تعالى يقول: {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ذلك الوعد إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار يضر فربط الله على قلبها، ويحتمل قوله: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } بالوحي فأمنت وزال عن قلبها الحزن، فعلى هذا الوجه يصح أن يتأول على أن قلبها سلم من الحزن على موسى أصلاً، وفيه وجه ثالث: وهو أنها سمعت أن امرأة فرعون عطفت عليه وتبنته إن كادت لتبدي به بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً بما سمعت، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الواثقين بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها، وقرىء (قرعاً) أي خالياً من قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء وفرغاً من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ أي هدر يعني بطل قلبها من شدة ما ورد عليها. أما قوله: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } فاعلم أن على قول من فسر الفراغ بالفراغ من الحزن، قد ذكرنا تفسير قوله: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى } وأما على قول من فسر الفراغ بحصول الخوف فذكروا وجوهاً: أحدها: قال ابن عباس كادت تخبر بأن الذي وجدتموه ابني، وقال في رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع، وقال الكلبي ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون وقال السدي لما أخذ ابنها كادت تقول هو ابني فعصمها الله تعالى، ثم قال: {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من المصدقين بوعد الله وهو قوله: { أية : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } تفسير : [القصص: 7]. أما قوله: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } أي اتبعي أثره وانظري إلى أين وقع وإلى من صار وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم {فَبَصُرَتْ بِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما أبصرته، قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى واحد وقوله: {عَن جُنُبٍ } أي عن بعد وقرىء عن جانب وعن جنب والجنب الجانب أي نظرت نظرة مزورة متجانبة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بحالها وغرضها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجوني وأبو عبيدة: {فَارِغاً} أي خالياً من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى. وقال الحسن أيضاً وابن إسحاق وابن زيد: {فَارِغاً} من الوحي إذ أوحي إليها حين أمرت أن تلقيه في البحر {لاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي} والعهد الذي عهده إليها أن يردّه ويجعله من المرسلين؛ فقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فغرّقتيه أنت! ثم بلغها أن ولدها وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: {فَارِغاً} من الغمّ والحزن لعلمها أنه لم يغرق؛ وقاله الأخفش أيضاً. وقال العلاء بن زياد: {فَارِغاً} نافراً. الكسائي: ناسياً ذاهلاً. وقيل: والهاً؛ رواه سعيد بن جبير. ابن القاسم عن مالك: هو ذهاب العقل؛ والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهشْ، ونحوه قوله تعالى: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} تفسير : [إبراهيم: 43] أي جُوف لا عقول لها كما تقدّم في سورة «إبراهيم». وذلك أن القلوب مراكز العقول؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} تفسير : [الحج: 46] ويدل عليها قراءة من قرأ: {فَزِعاً}. النحاس: أصح هذه الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل؛ فإذا كان فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي. وقول أبي عبيدة فارغاً من الغم غلط قبيح؛ لأن بعده {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَبَطْنا عَلَىٰ قَلْبِهَا}. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كادت تقول واابناهٰ وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ومحمد بن السَّمَيْقَع وأبو العالية وابن محيصن: {فَزِعاً} بالفاء والعين المهملة من الفزع؛ أي خائفة عليه أن يقتل. ابن عباس: «قَرِعاً» بالقاف والراء والعين المهملتين، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة {فَارِغاً} ولذلك قيل للرأس الذي لا شعر عليه: أقرع؛ لفراغه من الشعر. وحكى قطرب أن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ: {فِرْغاً} بالفاء والراء والغين المعجمة من غير ألف، وهو كقولك: هدراً وباطلاً؛ يقال: دماؤهم بينهم فِرْغ أي هدر؛ والمعنى بطل قلبها وذهب وبقيت لا قلب لها من شدّة ما ورد عليها. وفي قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ} وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها في النهار فارغاً. الثاني: أنها ألقته نهاراً ومعنى: {أَصْبَحَ} أي صار؛ كما قال الشاعر:شعر : مضى الخلفاء بالأمر الرشيد وأصبحت المدينة للوليد تفسير : {إِن كَادَتْ} أي إنها كادت؛ فلما حذفت الكناية سكنت النون. فهي {إِن} المخففة ولذلك دخلت اللام في {لَتُبْدِي بِهِ} أي لتظهر أمره؛ من بدا يبدو إذا ظهر. قال ابن عباس: أي تصيح عند إلقائه: واابناه. السديّ: كادت تقول لما حُمِلت لإرضاعه وحضانته هو ابني. وقيل: إنه لما شَبَّ سمعت الناس يقولون موسى بن فرعون؛ فشق عليها وضاق صدرها، وكادت تقول هو ابني. وقيل: الهاء في {به} عائدة إلى الوحي تقديره: إن كانت لتبدي بالوحي الذي أوحيناه إليها أن نردّه عليها. والأوّل أظهر. قال ابن مسعود: كادت تقول أنا أمه. وقال الفرّاء: إِن كادت لتبدي بإسمه لضيق صدرها. {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} قال قتادة: بالإيمان. السدّي: بالعصمة. وقيل: بالصبر. والربط على القلب: إلهام الصبر. {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من المصدّقين بوعد الله حين قال لها: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}. وقال: {لَتُبْدِي بِهِ} ولم يقل: لتبديه؛ لأن حروف الصفات قد تزاد في الكلام؛ تقول: أخذت الحبل وبالحبل. وقيل: أي لتبدي القول به. قوله تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي قالت أم موسى لأخت موسى: اتبعي أثره حتى تعلمي خبره. واسمها مريم بنت عمران؛ وافق اسمها اسم مريم أم عيسى عليه السلام؛ ذكره السّهيلي والثّعلبي. وذكر الماورديّ عن الضحاك: أن اسمها كلثمة. وقال السهيلي: كلثوم؛ جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكّار حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «أشعرت أن الله زوّجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون» فقالت: الله أخبرك بهذا؟ فقال: «نعم» فقالت: بالرفاء والبنينتفسير : . {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي بعد؛ قاله مجاهد. ومنه الأجنبي. قال الشاعر:شعر : فَلاَ تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عن جَنَابةٍ فإِنَّي امرؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ تفسير : وأصله عن مكان جنب. وقال ابن عباس: {عَنْ جُنُبٍ} أي عن جانب. وقرأ النعمان بن سالم: {عن جانِبٍ} أي عن ناحية. وقيل: عن شوق؛ وحكى أبو عمرو بن العلاء أنها لغة لجذام؛ يقولون: جنبت إليك أي اشتقت. وقيل: {عَنْ جُنُبٍ} أي عن مجانبة لها منه فلم يعرفوا أنها أمه بسبيل. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه بناحية (كأنها) لا تريده، وكان يقرأ: {عَنْ جَنْبٍ} بفتح الجيم وإسكان النون. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} أي منعناه من الارتضاع من قبل؛ أي من قبل مجيء أمه وأخته. و{الْمَراضِعَ} جمع مُرْضِع. ومن قال مراضيع. فهو جمع مِرضاع، ومفعال يكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقاً بين المؤنث والمذكر لأنه ليس بجارٍ على الفعل، ولكن من قال مِرضاعة جاء بالهاء للمبالغة؛ كما يقال مِطرابة. قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها. وهذا تحريم منع لا تحريم شرع؛ قال امرؤ القيس:شعر : جَالَتْ لِتصرعَني فقلت لها اقْصِرِي إنّي امرؤٌ صَرْعِي عليكِ حَرَامُ تفسير : أي ممتنع. فلما رأت أخته ذلك قالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} الآية. فقالوا لها عند قولها: {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} وما يدريك؟ لعلكِ تعرفين أهله؟ فقالت: لا؛ ولكنهم يحرصون على مَسرّة الملك، ويرغبون في ظِئْره. وقال السّدي وابن جُرَيج: قيل لها لما قالت: {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} قد عرفتِ أهل هذا الصبي فدلّينا عليهم؛ فقالت: أردت وهم للملك ناصحون. فدلتهم على أم موسى، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبيّ على يد فرعون يعلّله شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها؛ فلما وجد الصبيّ ريح أمه قبل ثديها. وقال ابن زيد: استرابوها حين قالت ذلك فقالت: وهم للملك ناصحون. وقيل: إنها لما قالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْل بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا: من هي؟ فقالت أمي؛ فقيل: لها لبن؟ قالت: نعم! لبن هارون ـ وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان ـ فقالوا صدقت والله. {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} أي فيهم شفقة ونصح؛ فروي أنه قيل لأم موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبيّ إلا ارتضع مني. قال أبو عِمران الجوني: وكان فرعون يعطي أمّ موسى كل يوم ديناراً. قال الزمخشري: فإن قلت كيف حلّ لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربيّ تأخذه على وجه الاستباحة. قوله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ} أي رددناه وقد عطَف الله قلب العدوّ عليه، ووفينا لها بالوعد. {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} أي بولدها. {وَلاَ تَحْزَنَ} أي بفراق ولدها. {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي لتعلم وقوعه فإنها كانت عالمة بأن رده إليها سيكون. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون؛ أي كانوا في غفلة عن التقدير وسِر القضاء وقيل: أي أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله في كل ما وعد حق. قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} قد مضى الكلام في الأشد في «الأنعام». وقول ربيعة ومالك أنه الحُلُم أولى ما قيل فيه؛ لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} تفسير : [النساء: 6] فإن ذلك أوّل الأشد، وأقصاه أربع وثلاثون سنة؛ وهو قول سفيان الثوري. و{اسْتَوَى} قال ابن عباس: بلغ أربعين سنة. والحكم: الحكمة قبل النبوّة. وقيل: الفقه في الدين. وقد مضى بيانها في «البقرة» وغيرها. والعلم الفهم في قول السدي. وقيل: النبوّة. وقال مجاهد: الفقه. محمد ابن إسحاق: أي العلم بما في دينه ودين آبائه؛ وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبّوة. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله؛ فرددنا ولدها إليها بالتحف والطرف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوّة؛ وكذلك نجزي كل محسن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر: أنه أصبح فارغاً، أي: من كل شيء من أمور الدنيا، إلا من موسى، قاله ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة، والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم. {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ} أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي: أمرت ابنتها، وكانت كبيرة تعي ما يقال لها، فقالت لها: {قُصِّيهِ} أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} قال ابن عباس: عن جانب. وقال مجاهد: بصرت به عن جنب: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه، وكأنها لا تريده، وذلك أنه لما استقر موسى عليه السلام بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل منها ثدياً، وأبى أن يقبل شيئاً من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم، عرفته، ولم تظهر ذلك، ولم يشعروا بها. قال الله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} أي: تحريماً قدرياً، وذلك لكرامته عند الله، وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه، ولأن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك سبباً إلى رجوعه إلى أمه لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم أخته حائرين فيمن يرضعه، {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ} قال ابن عباس: فلما قالت ذلك، أخذوها، وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له، وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه: رغبتهم في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك، وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلاً، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوى والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً، في عز وجاه ورزق دارّ. ولهذا جاء في الحديث: «حديث : مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى؛ ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» تفسير : ولم يكن بين الشدة والفرج إلاَّ القليل؛ يوم وليلة أو نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجاً، وبعد كل ضيق مخرجاً، ولهذا قال تعالى: {فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} أي: به، {وَلاَ تَحْزَنَ} أي: عليه، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللهِ حَقٌ } أي: فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين، فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعاً وشرعاً. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: حكم الله في أفعاله، وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهاً إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر؛ كما قال تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] وقال تعالى: {أية : فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 19].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ } لما علمت بالتقاطه {فَٰرِغاً } مما سواه {إِن } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنها {كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي بأنه ابنها {لَوْلآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } بالصبر أي سكّناه {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } المصدّقين بوعد الله، وجواب لولا دل عليه ما قبله
الماوردي
تفسير : قوله {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مَوسَى فَارِغاً} فيه ستة أوجه: أحدها: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: فارغاً من وحينا بنسيانه، قاله الحسن وابن زيد. الثالث: فارغاً من الحزن لعلمها أنه لم يغرق، قاله الأخفش. الرابع: معنى فارغاً أي نافراً، قاله العلاء بن زيد. الخامس: ناسياً، قاله اليزيدي. السادس: معناه والهاً، رواه ابن جبير. وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري وهو صحابي: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعاً} من الفزع وفي قوله {وَأَصْبَحَ} وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. الثاني: أنها ألقته نهاراً ومعنى أصبح أي صار، قال الشاعر: شعر : مضى الخلفاء بالأمر الرشيد وأصبحت المدينة للوليد تفسير : {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تصيح عند إلقائه وا إبناه، قاله ابن عباس. الثاني: أن تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني، قاله السدي لأنه ضاق صدرها لما قيل هو ابن فرعون. الثالث: أن تبدي بالوحي، حكاه ابن عيسى. {لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} فيه قولان: أحدهما: بالإيمان، قاله قتادة. الثاني: بالعصمة،قاله السدي. {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} قال السدي: قد كانت من المؤمنين ولكن لتكون من المصدقين بأنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين. قوله تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي استعلمي خبره وتتبّعي أثره. قال الضحاك، واسم أخته كلثمة. {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: عن جانب، قاله ابن عباس. الثاني: عن بعد، قاله مجاهد ومنه الأجنبي قال علقمة بن عبدة: شعر : فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابةٍ فإني امرؤ وسط القباب غريب تفسير : الثاني: عن شوق، حكاه أبوعمرو بن العلاء وذكر أنها لغة جذام يقولون جنبت إليك [أي اشتقت]. {َوَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضعة فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع كما قال امرؤ القيس: شعر : جالت لتصرعني فقلت لها اقصِري إني امرؤ صرعي عليك حرام تفسير : أي ممتنع: {مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيء أخته وفي قوله: {مِن قَبْلُ} وجهان: أحدهما: ما ذكرناه. الثاني: من قبل ردّه إلى أمه. {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} الآية. وهذا قول أخته لهم حين رأته لا يقبل المراضع فقالوا لها عند قولها لهم: {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} وما يُدْريك؟ لعلك تعرفين أهله، فقالت: لا ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ويرغبون في ظئره. قوله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمَّهِ} قال ابن عباس انطلقت أخته إلى أمه فأخبرتها فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه رياً وانطلق بالبشرى إلى امرأة فرعون قد وجدنا لابنك ظئراً، قال أبو عمران الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى في كل يوم ديناراً. وروي أنه قال لأم موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني. فكان من لطف الله بموسى أن جعل إلقاء موسى في البحر وهو الهلاك سبباً لنجاته وسخر فرعون لتربيته وهو يقتل الخلق من بني إسرائيل لأجله وهو في بيته وتحت كنفه. {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} في قوله: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكَ} الآية. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} يعني من قوم فرعون. {لاَ يَعْلَمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون ما يراد بهم، قاله الضحاك. الثاني: لا يعملون مثل علمها.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَارِغاً} من كل شيء إلا من ذكر موسى "ع"، أو من الوحي بنسيانه "ح" أو من الحزن لعلمها أنه لم يغرق، أو نافراً، أو ناسياً، أو والهاً، أو فازعاً من الفزع. {وَأَصْبَحَ} لأنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً، أو ألقته نهاراً فيكون أصبح يعني صار. {لَتُبْدِى بِهِ} لتصيح عند إلقائه وابناه "ع"، أو تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني لأنه ضاق صدرها لما قيل هو ابن فرعون، أو لتبدي بالوحي. {رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} بالإيمان، أو العصمة، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بِردِّه وجعله من المرسلين.
النسفي
تفسير : {وَأَصْبَحَ } وصار {فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } صفراً من العقل لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ولدها. قيل: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول: وا ابناه. وقيل: لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله فكادت تقول: وا ابناه شفقة عليه. و «إن» مخففة من الثقيلة أي إنها كادت {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من المصدقين بوعدنا وهو {إنا رادوه إليك} وجواب «لولا» محذوف أي لأبدته أو فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طمأنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لابتبني فرعون. قال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط على قلبها
الثعالبي
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} أي: فارِغاً من كلِّ شيء إلا من ذكر موسَى. قاله ابن عباس. قال مالك: هو ذَهَابُ العَقْلِ، وقالت فرقة: {فَارِغاً} من الصبر. وقوله تعالى: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي: أَمرِ ابْنِهَا، ورُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: كادتْ أُمُّ مُوسَى أن تَقُول: «وٱبْنَاهُ وَتَخْرُجَ سَائِحَةً عَلَى وَجْهِهَا». والرَّبْطُ على القلبِ: تأنيسُه وتقويَتُه، {وَلِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: من المُصَدِّقين بوعدِ اللّهِ سبحانه وما أوحي إليها به، و {عَن جُنُبٍ} أي: ناحيةٍ، فمعنى {عَن جُنُبٍ}: عن بُعْد لَمْ تَدنُ مِنْهُ فَيُشْعَرَ لها. وقوله: {وَهُم لاَ يَشْعُرُونَ} معناه: أنها أختُه، ووعدُ اللّه المسارُ إليه هو الذي أوحاه إليها أولاً، إمَّا بمَلَكٍ أو بمَنَامَةٍ، حسْبَمَا تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بالإلْهَامِ ضَعِيفٌ أن يقالَ فيه وعدٌ. وقوله: {أَكْثَرَهُمْ} يريد به القِبْطَ، والأَشُدُّ: شِدةُ البَدَن واستحكام أمره وقوتِه، و {ٱسْتَوَىٰ} معناه: تَكَامَلَ عَقْلُه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين. والحكمُ: الحِكْمَةُ، والعلمُ: المَعرِفَةُ بشرعِ إبراهيمَ عليه السلام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} (قال الحسن: فَارِغاً) من كل همٍّ إِلاَّ همَّ موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشغاف، كقوله: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}تفسير : [إبراهيم: 43]. وقال الزمخشري: فارغاً صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف. وقال الحسن ومحمد بن إسحاق فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها أن {أية : فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ}تفسير : [القصص: 7] فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجراً وثواباً، وتوليت أنتِ قتله، فألقيته في البحر، وأغرقتيه، ولمَّا أتاها خبر موسى أنه وقع في يد فرعون فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فراغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل، اعتماداً على تكفل الله بمصلحته. قال ابن قتيبة: وهذا من العجائب، كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن، والله تعالى يقول: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}؟ وهل يُرْبَط إلا على قلب الجازع المحزون؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله جاز عندها إظهار عدم الحزن، وأيقنت إنها – وإن أظهرت ذلك – فإنه يسلم لأجل ذلك الوعد. إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار (يضر فربط) الله على قلبها. قال المعربون: "فارغاً" خبر أصبح أي: فارغاً من العقل، أو من الصبر، أو من الحزن، وهو أبعدها، ويردُّه قراءاتٌ تُخَالفُه. فقرأ فضالة والحسن "فَزِعاً" بالزاي من الفزع، وابن عباس "قَرِعاً" بالقاف وكسر الراء وسكونها، من قَرَعَ رأسهُ إذا انحسر شعرُهُ، (والمعنى: خلا من كُلِّ شيء، وانحَسَرَ عنهُ كُلُّ شَيءٍ إلا ذِكر موسى، وقيل: الساكن الراء مصدر قَرَعَ يَقْرَع، أي: أُصيب، وقرىء "فِرغاً" بكسر الفاء وسكون الراء، والغين معجمة أي: هدراً، كقوله): شعر : 3975 – فَإِنْ يَكُ قَتْلَى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهُمْ فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ تفسير : فِرْغاً حال من "بِقَتْلِ"، وقرأ الخليل "فُرُغاً" بضم الفاء وإعجام الغين من هذا المعنى، ومنه قولهم دماهم بينهم فرغ أي: هدر. قوله: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي} "إِنْ" إما مخففة، وإما نافية، واللام إمَّا فارقة وإمَّا بمعنى إلاَّ والباء في "بِهِ (مزيدة في المفعول، أي: لتُظْهِرَهُ، وقيل: ليست زائدة بل سببية، والمفعول محذوف، أي: لتُبْدِي القَولَ بسبب موسى أو بسبب الوحي. فالهاء يجوز أن تكون) راجعة إلى موسى، أي: إن كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها: وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه حين رأت الموج يرفع التابوت ويضعه. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون: إنه ابن فرعون. وقال السدي: لما أُخِذ من الماء كادت تقول: هو ابني، فعصهما الله. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي، أي كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أنه يرُدُّهُ عليها. قوله: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا} جوابها محذوف، أي لأبدت، كقوله: {أية : وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ}تفسير : [يوسف: 24] والمعنى: لولا أن ربطنا على قلبها بالعصمة والصبر والتثبت. {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} متعلق بـ "رَبَطْنَا"، والمعنى: لتكون من المؤمنين المصدِّقين بوعد الله، وهو قوله: {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ}تفسير : [القصص: 7]. قوله: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي: قُصِّي أثر موسى، تتبَّعي أمره حتى تعلمي خبره: وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم. قال "فَبَصُرَتْ بِهِ" أي: أبصرتهُ، وقرأ قتادة "بَصَرَتْ" بفتح الصاد وعيسى بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وتقدم معناه في طه. و "عَنْ جُنُبٍ" في موضع الحال إمَّا من الفاعل أي: بصرت به مُسْتَخفيةً كائنةً عن جُنُبٍ، وإمَّا من المجرور أي: بعيداً منها. وقرأ العامة "جُنُبٍ" بضمين وهو صفة لمحذوف، أي: عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء: أي: عن شوقٍ، وهي لغة جُذَامٍ، يقولون: جَنَبْتُ إليك أي: اشتقت. (وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون)، وعن قتادة أيضاً بفتحهما، وعن الحسن "جُنْب" بالضم والسكون، وعن النعمان بن سالم "عَنْ جَانِبٍ" وكلها بمعنى واحد. ومثله الجِنَاب والجَنَابَة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملة حالية، ومتعلق الشعور محذوف أي: أنها تَقُصُّه، أو أنه سيكُونَ لهم عدواً وحزناً، أو أنها أخته، أو أنها ترقبه.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر عن حال من لقيه، أخبر عن حال من فارقه، فقال: {وأصبح} أي عقب الليلة التي حصل فيها فراقه {فؤاد أم موسى} أي قلبها الذي زاد احتراقه شوقاً وخوفاً وحزناً، وهذا يدل على أنها ألقته ليلاً {فارغاً} أي في غاية الذعر لما جلبت عليه من أخلاق البشر، قد ذهب منه كل ما فيه من المعاني المقصودة التي من شأنها أن يربط عليها الجأش؛ ثم وصل بذلك مستأنفاً قوله: {إن} أي إنه {كادت} أي قاربت {لتبدي} أي يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره، مصرحة {به} أي بأمر موسى عليه السلام من أنه ولدها ونحو ذلك بسبب فراغ فؤادها من الأمور المستكنة، وتوزع فكرها في كل واد {لولا أن ربطنا} بعظمتنا {على قلبها} بعد أن رددنا إليه المعاني الصالحة التي أودعناها فيه، فلم تعلن به لأجل ربطنا عليه حتى صار كالجراب الذي ربط فمه حتى لا يخرج شيء مما فيه؛ ثم علل الربط بقوله: {لتكون} أي كوناً هو كالغريزة لها {من المؤمنين*} أي المصدقين بما وعد الله به من نجاته ورسالته، الواثقين بذلك. ولما أخبر عن كتمها، أتبعه الخبر عن فعلها في تعرف خبره الذي أطار خفاؤه عليها عقلها، فقال عاطفاً على {وأصبح}: {وقالت} أي أمه {لأخته} أي بعد أن أصبحت على تلك الحالة، قد خفي عليها أمره: {قصيه} أي اتبعي أثره وتشممي خبره براً وبحراً، ففعلت {فبصرت به عن جنب} أي بعد من غير مواجهة، ولذلك قال: {وهم لا يشعرون*} أي ليس لهم شعور لا بنظرها ولا بأنها أخته، بل هم في صفة الغفلة التي هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية. ولما كان ذلك أحد الأسباب في رده، ذكر في جملة حالية سبباً آخر قريباً منه فقال: {وحرمنا} أي منعنا بعظمتنا التي لا يتخلف أمرها، ويتضاءل كل شيء دونها {عليه المراضع} جمع مرضعة، وهي من تكترى للرضاع من الأجانب، أي حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن، استعار التحريم للمنع لأنه منع فيه رحمة؛ قال الرازي في اللوامع: تحريم منع لا تحريم شرع. ولما كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم، فلم يستغرق التحريم الزمان الماضي، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له، ليكون ذلك سبباً لرده إليها، فلم يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته فقالوا لها: هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها؟ {فقالت} أي فدنت أخته منه بعد نظرها له فقالت لهم لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه المراضع فأبى أن يرتضع من واحدة منهن: {هل} لكم حاجة في أني {أدلكم على أهل بيت} ولم يقل: على امرأة، لتوسع دائرة الظن {يكفلونه لكم} أي يأخذونه ويعولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم، وزادتهم رغبة بقولها: {وهم له ناصحون*} أي ثابت نصحهم له، لا يغشونه نوعاً من الغش؛ قال البغوي: والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد فكادت بهذا الكلام تصرح بأن المدلول عليها أمه، فارتابوا من كلامها فاعتذرت بأنهم يعملون ذلك تقرباً إلى الملك وتحبباً إليه تعززاً به، فظنوا ذلك، وهذا وأمثاله بيان من الله تعالى لأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا هو سبحانه، فلا يصح أن يكون غيره إلهاً، فلما سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم، فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ثديها فقالوا: أقيمي عندنا، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي. إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي، وأظهرت التزهد فيه نفياً للتهمة، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها، والآية من الاحتباك: ذكر التحريم أولاً دليلاً على الإحلال ثانياً، واستفهام أخته ثانياً دليلاً على استفهامهم لها أولاً، وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على القدرة، ولذلك سبب عما مضى قوله: {فرددناه} أي مع هذا الظاهر في الكشف لسره الموجب للريبة في أمره، ومع ما تقدم من القرائن التي يكاد يقطع بها بأنه من بني إسرائيل، منها إلقاؤه في البحر على تلك الصفة، ومنها أن المدلول عليها لإرضاعه من بني إسرائيل، ومنها أنه قبل ثديها دون غيرها من القبط وغيرهم، بأيدنا الذي لا يقاويه أيد، ولا يداني ساحته شيء من مكر ولا كيد، من يد العدو الذي ما ذبح طفلاً إلا رجاء الوقوع عليه، والخلاص مما جعل في سابق العلم إليه {إلى أمه} وكان من أمر الله - والله هو غالب على أمره - أنه استخدم لموسى - كما قال الرازي - عدوه في كفالته وهو يقتل العالم لأجله؛ ثم علله بقوله: {كي تقر عينها} أي تبرد وتستقر عن الطرف في تطلبه إلى كل جهة وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها، آمنة لا تخاف، وقرة العين بردها ونومها خلاف سخنتها وسهرها بإدامة تقليبها، قرت عينه تقر - بالكسر والفتح - قرة، وتضم، وقروراً: بردت سروراً وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه، وأقر الله عينه وبعينه، وعين قريرة وقارة، وقرتها ما قرت به، وقر بالمكان يقر - بالفتح والكسر - قراراً وقروراً وقراً وتقرة: ثبت واستكن، وأصل قرة العين من القر وهو البرد، أي بردت فصحت ونامت خلاف سخنة عينه، وقيل: من القرار، أي استقرت عيني، وقالوا: دمعة الفرح باردة، ودمعة الحزن حارة، فمعنى أقر الله عينك من الفرح وأسخنها من الحزن، وهذا قول الأصمعي، وقال أبو عباس: ليس كما ذكر الأصمعي بل كل دمع حار، فمعنى أقر الله عينك: صادفت سروراً فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما يرضيك، أي بلغك الله أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ورضا بما يديك، قالوا: ومعنى قولهم: هو قرة عيني: هو رضى نفسي، فهي تقر وتسكن بقربه فلا تستشرف إلى غيره {ولا} أي وكيلاً {تحزن} أي بفراقه {ولتعلم} أي علماً هو عين اليقين، كما كانت عالمة به علم اليقين، وعلم شهادة كما كانت عالمة علم الغيب {أن وعد الله} أي الأمر الذي وعدها به الملك الأعظم الذي له الكمال كله في حفظه وإرساله {حق} أي هو في غاية الثبات في مطابقة الواقع إياه. ولما كان العلم هو النور الذي من فقده لم يصح منه عمل، ولم ينتظم له قصد، قال عاطفاً على ما تقديره: فعلمت ذلك برده عين اليقين بعد علم اليقين: {ولكن أكثرهم} أي أكثر آل فرعون وغيرهم {لا يعلمون*} أي لا علم لهم أصلاً، فكيف يدعون ما يدعون من الإلهية والكبرياء على من يكون الله معه. ولما استقر الحال، على هذا المنوال، علم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال، والعز بتبني فرعون له والجلال، فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال، وقال مخبراً عما بعد ذلك من الأحوال: {ولما بلغ أشده} أي مجامع قواه وكمالاته {واستوى} أي اعتدل في السن وتم استحكامه بانتهاء الشباب، وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين سنة إلى اثنتين وأربعين، فتم بسبب ذلك في الخلال الصالحة التي طبعناه عليها؛ وقال الرازي: قال الجنيد: لما تكامل عقله، وصحت بصيرته، وصلحت نحيرته، وآن أوان خطابه - أنتهى. أي وصار إلى الحد الذي لا يزاد الإنسان بعده غريزة من الغرائز لم تكن فيه أيام الشباب، بل لا يبقى بعد ذلك إلا الوقوف ثم النقصان {آتيناه} أي خرقاً للعادة أسوة إخوانه من الأنبياء ابتداء غرائز منحناه إياها من غير اكتساب أصلاً {حكماً} أي عملاً محكماً بالعلم {وعلماً} أي مؤيداً بالحكمة، تهيئة لنبوته، وإرهاصاً لرسالته، جزيناه بذلك على ما طبعناه عليه من الإحسان، فضلاً منا ومنه، واختار الله سبحانه هذا السن للإرسال ليكون - كما أشير إليه - من جملة الخوارق، لأنه يكون به ابتداء الانتكاس الذي قال الله تعالى فيه {ومن نعمره} - أي إلى اكتمال سن الشباب - {ننكسه في الخلق} أي نوقفه، فلا يزاد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا الباطنة شيء، ولا توجد فيه غريزة لم تكن موجودة أصلا عشر سنين، ثم يأخذ في النقصان - هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء، فإنهم في حد الوقوف يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب، بل غريزة يغرزها الله فيهم حينئذ، ويؤتون من قوة الأبدان أيضاً بمقدار ذلك، ففي وقت انتكاس غيرهم يكون نموهم، وكذا من ألحقه الله بهم من صالحي أتباعهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يس من تمام هذا المعنى ما يفتح الله به لمن تأمله أبواباً من العلم، ولذلك قال الله تعالى عاطفاً على ما تقديره: فعلنا به ذلك وبأمه جزاء لهما على إحسانهما في إخلاصهما فيما يفعلانه اعتماداً على الله وحده من غير أدنى التفات إلى ما سواه: {وكذلك} أي ومثل هذا الجزاء العظيم {نجزي المحسنين*} أي كلهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال: فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال: خالياً من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام، وفي قوله {إن كادت لتبدي به} قال: تقول يا ابناه. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال: من كل شيء غير هم موسى عليه السلام. وأخرج الفريابي عن عكرمة رضي الله عنه {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال: من كل شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا من هم موسى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} قال: من كل شيء إلا من ذكر موسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيث بن سمي أو عن أبي عبيدة في قوله {إن كادت لتبدي به} أي لتنبىء أنه ابنها من شدة وجدها {لولا أن ربطنا على قلبها} قال: ربط الله على قلبها بالإِيمان.
ابو السعود
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً} صفراً من العقلِ لِمَا دهمَها من الخوفِ والحيرةِ حين سمعتْ بوقوعِه في يدِ فرعونَ لقولِه تعالى: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء }تفسير : [سورة إبراهيم: الآية 43] أي خلاءُ لا عقولَ فيها ويعضدُه أنَّه قُرىء فَرغاً من قولِهم: دماؤهم بـينهم فرغٌ أي هَدرٌ وقيل: فارغاً من الهمِّ والحُزن لغايةِ وثوقِها بوعدِ الله تعالى أو لسماعِها أنَّ فرعونَ عطفَ عليه وتبنَّاهُ وقُرىء مُؤْسى بالهمزِ إجراءً للضَّمة في جارة الواوِ مجرى ضمَّتِها فهمزت كما في وجوهٍ {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ} أي إنَّها كادتْ لتظهرُ بموسى أي بأمرِه وقصَّتِه من فرطِ الحيرةِ والدَّهشةِ أو الفرحِ بتبنيهِ {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} بالصَّبرِ والثَّباتِ {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المُصدِّقين بوعدِ الله تعالى أو من الواثقينَ بحفظِه لا بتبنِّي فرعونَ وتعطفِه وهو علَّةُ الرَّبطِ وجوابُ لولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليهِ. {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ} مريمَ والتَّعبـيرُ عنها بأخوَّتِه عليه الصَّلاة والسَّلام دونَ أنْ يقال لبنتِها للتَّصريحِ بمدار المحبَّةِ الموجبةِ للامتثالِ بالأمرِ {قُصّيهِ} أي اتبعِي أثرَه وتتبَّعي خبرَه {فَبَصُرَتْ بِهِ} أي أبصرتْهُ {عَن جُنُبٍ} عن بُعدٍ. وقُرىء بسكونِ النُّونِ، وعن جانبٍ. والكلُّ بمعنى {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنَّها تقُصُّه وتتعرفُ حالَه وأنَّها أختُه {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} أي منعناه أنْ يرتضعَ من المرضعاتِ. والمَرَاضعُ جمعُ مرضعٍ وهي المرأةُ التي تُرضع أو مُرضع وهو الرَّضاعُ أو موضعُه أعني الثَّديَ {مِن قَبْلُ} أي من قبلِ قصِّها أثرَه {فَقَالَتْ} عند رؤيتِها لعدمِ قَبُولِه الثَّديَ واعتناءَ فرعونَ بأمرِه وطلبَهم من يقبلُ ثديَها {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} أي لأجلِكم {وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ} لا يُقصِّرون في إرضاعِه وتربـيتِه. رُوي أنَّ هامان لمَّا سمعَه منها قال: إنَّها لتعرفُه وأهلَه فخذُوها حتَّى تخبرَ بحالِه فقالتْ: إنَّما أردتُ وهم للملكِ ناصحُون فأمرَها فرعونُ بأنْ تأتيَ بمَن يكفلُه فأتتْ بأمِّه ومُوسى على يدِ فرعونَ يبكِي وهو يُعلله فدفعَه إليها فلمَّا وجدَ ريحَها استأنسَ والتقمَ ثديها فقالَ: مَن أنتِ منه فقد أبَى كلَّ ثديٍ إلا ثديكِ فقالتْ: إنِّي امرأةٌ طيبةُ الريح طيبة اللبنِ لا أُوتى بصبـيَ إلا قبِلني فقرَّره في يدِها وأجرى عليها فرجعتْ إلى بـيتِها من يومِها وذلكَ قولُه تعالى:
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً}[10] أي فارغاً من ذكر غير الله، اعتماداً على وعد الله: {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ}تفسير : [القصص:7].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} [الآية: 10]. من الاهتمام بموسى لمّا أيقنت من ضمان الله تعالى لها فيه. قوله تعالى: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ}، {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [الآية: 10]. أى تظهر ما أوحى إليها فى السر من حفظه وردّه إليها فى السر من حفظه وردّه إليها ومنع أيدى الظلمة عنه. وقال بعضهم: أصبح فؤاد أم موسى فارغًا من الاهتمام بموسى. وقال الواسطى رحمة الله عليه: أصبح فؤاد أم موسى فارغًا من الأشغال كلها والوجد على ولدها لما ثبت عندها من صدق الوعد إن كانت لتبدى بما وعد الله لها فيه. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: فارغًا من كل شىء سوى ذكر موسى، وهذا الذى أوجب على الوالدين كتمان وجدهم على أولادهم ما استطاعو فإذا صاروا مغلوبين كشف أحوالهم حينئذٍ. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس المطرّز يقول: سمعت فياض يقول: الصدر معدن الرأفة والقلب معدن الصحة والفؤاد برزخ بين الصدر والقلب والقلب معدن الأنوار. قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} [الآية: 10]. قال ابن عطاء: لولا ما أمرناها به من الكتمان بحالها لأظهرت ما ضمن الله تعالى لها لموسى. قال بعضهم: لولا أن أيدناها بالتوفيق والصبر لأبدت ما فى ضميرها من الوجد بولدها. قال جعفر الصادق رحمة الله عليه: الصدر معدن التسليم، والقلب معدن اليقين، والفؤاد معدن النظر، والضمير معدن السر، والنفس مأوى كل حسنة وسيئة. وقال يوسف بن الحسين: أمرت أم موسى بأمرين ونهيت عن نهيين وبُشرت ببشارتين فلم ينفعها ذلك دون الرّبط على القلب. قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} [الآية: 7] {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ } [الآية: 7] نهيين. {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الآية: 7] بشارتين، لم تغن عنها هذه الأسباب حتى تولى الله حياطتها قال الله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} [الآية: 10].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} وقع على ام موسى ما وقع على اسية بانها رات انوار الحق من وجه موسى فعشقت عليه والمبين فى فوادها صبر من الشوق الى وجه موسى وذلك الشوق من شوق لقاء الله غلب عليها شوقه وكادت تبدى سرها {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} وقوله فارغا من هلاك موسى لكن لم يكن فارغا عن الشوق الى لقاء موسى لان شوق موسى وسيلة الى شوق الله وكشف لقائه فلما قل صبرها فى فراق موسى ثبت الله قلبها بكشف جماله صرفا وذلك قوله سبحانه {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} من المشاهدين جمالنا وجلالنا قال ابن عطا اصبح فواد ام موسى فارغا من الاهتمام بموسى لما ايقنت من ضمان اله لها فيه بقوله انا رادوه اليك ان كادت لتبد به اى تظهر ما اوحى اليها فى السر من حفظ موسى ورده اليها ومنعه ايدى الظلمة عنه قال فياض الصدر معدن الأفة والقلب معدن الصحة والفواد برزخ بين الصدر والقلب والقلب معدن الانوار وقال جعفر الصادق الصدر معدن التسليم والقلب معدن اليقين والفواد معدن النظر والصدر معدن السر والنفس ماوى كل حسنة وسيئة قال بعضهم فى قوله لولا ان ربطنا على قلبها لولا ان ايدناها بالتفويق والصبر لابدت ما فى ضميرها من الوجد بولدها وافهم ان الصدر معدن نور الاسلام والقلب معدن نور الايقان والفواد معدن نور العرفان والعقل معدن نور البرهان النفس معدن القهر والامتحان والروح معدن الكشف والعيان والسر معدن لطائف البيان ذكرت ذلك بمفهوم خطاب الغيب موافقة لا--- وسادتى.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصبح فؤاد ام موسى} اصبح بمعنى صار والفؤاد القلب لكن يقال له فؤاد اذا اعتبر فيه معنى التفؤد اى التحرق والتوقد كما فى المفردات والقاموس فالفؤاد من القلب كالقلب من الصدر يعنى الفؤاد وسط القلب وباطنه الذى يحترق بسبب المحبة ونحوها. قال بعضهم الصدر معدن نور الاسلام والقلب معدن نور الايقان والفؤاد معدن نور البرهان والنفس معدن القهر والامتحان والروح معدن الكشف والعيان والسر معدن لطائف البيان {فارغا} الفراغ خلاف الشغل اى صفرا من العقل وخاليا من الفهم لما غشيها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوع موسى فى يد فرعون دل عليه الربط الآتى فانه تعالى قال فى وقعة بدر {أية : وليربط على قلوبكم}تفسير : اشارة الى نحو قوله {أية : هو الذى انزل السكينة فى قلوب المؤمنين}تفسير : فانه لم تكن افئدتهم هواء اى خالية فارغة من العقل والفهم لفرط الحيرة {ان} اى انها {كادت} قاربت من ضعف البشرية وفرط الاضطراب {لتبدى به} لتظهر بموسى وانه ابنها وتفشى سرها وانها القته فى النيل يقال بدا الشىء بدوا وبدوّا ظهر ظهورا بينا وابداه اظهره اظهارا بينا. قال فى كشف الاسرار الباء زائدة اى تبديه او المفعول مقدر اى تبدى القول به اى بسبب موسى. قال فى عرائس البيان وقع على ام موسى ماوقع على آسية من انها رأت انوار الحق من وجه موسى فشفقت عليه ولم يبق فى فؤادها صبر من الشوق الى وجه موسى وذلك الشوق من شوق لقاء الله تعالى فغلب عليها شوقه وكادت تبدى سرها {لولا ان ربطنا على قلبها} شددنا عليه بالصبر والثبات بتذكير ماسبق من الوعد وهو رده اليه وجعله من المرسلين والربط الشد وهو العقد القوى {لتكون من المؤمنين} [واين لطف كرديم تاباشد آن زن ازباور دارند كان مرو عده مارا] اى من المصدقين بما وعدها الله بقوله {أية : انا رادوه اليك}تفسير : ولم يقل من المؤمنات تغليبا للذكور. وفيه اشارة الى ان الايمان من مواهب الحق اذ المبنى على الموهبة وهو الوحى اولا ثم الربط بالتذكير ثانيا موهبة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: { وأصبح} أي: صار: {فؤادُ أُمّ موسى فارِغاً} من كل شيء إلا مِن ذكر موسى وهمه، أو: فارغاً: خالياً من العقل؛ لِمَا دهمها من الجَزَع والحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، ويؤيده قراءة ابن محيصن: "فزعاً"؛ بالزاي بلا ألف، أو: فارغاً من الوحي الذي أوحي إليها أن تلقيه في اليم، ناسياً للعهد أن يرده إليها، لما دَهَمَهما من الوجد، وقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهتِ أن يقتل فرعون موسى وأغرقته أنتِ. وبلغها أنه وقع في يد فرعون، فعظم البلاء، {إن كادتْ لتُبدِي به}: لتبوح به وتظهر شأنه وأنه وَلدها. قيل: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت؛ كادت تصيح وتقول: يا ابناه، وقيل: لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله، فكادت تقول: يا ابناه؛ شفقة عليه. و "أن" مخففة، أي: إنها كادت لتظهره {لولا أن ربطنا على قلبها}. والربط: تقويته؛ بإلهام الصبر والتثبيت، {لتكون من المؤمنين}: من المصدقين بوعدنا، وهو: {إنا رادوه إليك}. وجواب "لولا": محذوف، أي: لأبْدته، أو: فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون تبناه، إن كادت لتُبدي بأنه ولدها؛ لأنها لم تملك نفسها؛ فرحاً وسروراً مما سمعت، لولا أن ربطنا على قلبها وثبتناه؛ لتكون من المؤمنين الواثقين بعهد الله، لا بتبني فرعون. قال يوسف بن الحسن: أمرتُ أُم موسى بشيئين، وبُشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل، حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها. {وقال لأخته} مريم: {قُصّيهِ}: اتبعي أثره؛ لتعلمي خبره، {فَبَصُرَت به} أي: أبصرته {عن جُنُبٍ}؛ عن بُعدٍ. قال قتادة: جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده, {وهم لا يشعرون} أنها أخته, وأنها تقصه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد, الطالب لمولاه, أن يصبح فارغاً من كل ما سواه، ليس في قلبه سوى حَبيبه, فحينئذٍ يرفع عنه الحجاب, ويُدخله مع الأحباب, فعلامة المحبة: جمع الهموم في هَم واحد, وهو حب الحبيب, ومشاهدة القريب المجيب, كما قال الشاعر: شعر : كَانَتْ لقَلْبيَ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ فَاسْتَجْمَعَتْ, مُذَ رَأَتْكَ الْعَيْنُ, أَهْوَائِي فَصَارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ وَصِرْتُ مَوْلى الورى مُذْ صِرْتَ مَوْلائِي تَرَكْت لِلنَّاسِ دنياهم ودينَهُمُ شُغْلاً بِذِكْرِكَ يا دِينِي ودُنْيائِي تفسير : فَرِّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار. والأغيار: جمع غَيْرٍ, وهو ما سوى الله, فإن تلاشى الغير عن عين العبد؛ شهد مولاه في غيب ملكوته, وأسرار جبروته, وفي ذلك يقول القائل: شعر : إِنْ تَلاَشَى الكَوْنَ عَنْ عَيْنِ قَلْبي شَاهَدَ السِّرُّ غَيْبَهُ في بيَانِ فَاطْرَح الكَوْنَ عَنْ عِيَانِكَ, وَامْحُ نُقْطَةَ الْغَيْنِ إِنْ أَرَدْت تَرَانِي تفسير : فمن شاهد حبيبه كاد أن يبدي به, ويبوح بسره؛ فرحاً واغتباطاً به, لولا أن الله يربط على قلبه, ليكون من الثابتين الراسخين في العلم به, وإن أبدى سر الحبيب سلط عليه سيف الشريعة, وبالله التوفيق. ثم ذكر رجوع موسى إلى أمه، فقال: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن...}
الجنابذي
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} خالياً من العقل لغلبة الدّهشة وخالياً من كلّ شيءٍ الاّ من ذكر موسى (ع) او من الحزن لاتّكالها على وعد الله او فارغاً من تذكّر الوحى الّذى اوحته الله تعالى اليه بنسيانها الوحى، وقرىء فزعاً بالفاء والزاء المعجمة والعين المهملة، وقرعاً بالقاف والرّاء والعين المهملتين، وفرغاً بالفاء والرّاء المهملة والغين المعجمة، والكلّ مناسب ههنا {إِن كَادَتْ} انّها كادت {لَتُبْدِي} غمّها {بِهِ} او لتبدى بخبرة على ان يكون الباء للتّعدية دون الهمزة، وقيل: انّها كادت تبدى امرها عندما دعاها فرعون للرّضاع سروراً به {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} حتّى لا ينزعج ولا يضطرب فى فراغه لفراق موسى (ع) {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المصدّقين بالوحى وصدق الوعد او من المؤمنين بالله.
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً} أي: من كل شيء إلا من ذكر موسى، أي: لا تذكر غيره. {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي: لتُبَيّنُ لهم أنه ابنها من شدة وجدها {لَوْلآ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أي: بالإِيمان {لِتَكُونَ} أي: لكي تكون {مِنَ المُؤمِنِينَ}. قوله: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أي: قالت أم موسى لأخت موسى: (قُصِّيهِ) أي: قُصِّي أثره. قال الله. {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي: عن ناحية من بعيد {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنها أخته. ثم جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. وقال مجاهد {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} أي: من بعيد. قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها حتى ردّه الله إلى أمِّه. {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ} أي: ألا أدلكم {عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} أي: يضمّونه لكم فيرضعونه {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}. قال الله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ} أي: الذي قذف في قلبها: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ} قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: جماعتهم لا يعلمون. قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} قال مجاهد: {بَلَغَ أَشُدَّهُ}: يعني ثلاثاً وثلاثين سنة، {وَاسْتَوَى} يعني أربعين سنة. {ءَاتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي: أعطيناه فهماً وعقلاً {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ}. قوله: {وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. ذكر ابن عباس قال: دخل وسط النهار. وقال الحسن: يوم عيد لهم، فهم في لهوهم ولعبهم. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِن شِيعَتِهِ} أي: من بني إسرائيل. {وَهذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي: قبطي [من قوم فرعون] {فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ} أي: من جنسه {عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ}. وكان القبطي سخّر الإِسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى فقاتله. قال: {فَوَكَزَهُ مُوسَى} بعصاه، ولم يتعمَّد قتله {فَقَضَى عَلَيْهِ}. قال الحسن: ولم يكن يحلّ له قتل الكفار يومئذ في تلك الحال. كانت حال كف عن القتال. وقال الكلبي: كان فرعون وقومه يستعبدون بني إسرائيل، ويأخذونهم بالعمل ويتسخّرونهم. فمرّ موسى على رجل من بني إسرائيل قد تسخره رجل من أهل مصر، فاستغاث بموسى، فوكزه موسى فقضى عليه ولم يكن أمر بالقتال. {قَالَ} موسى: {هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} أي: بين العداوة. ثم {قَالَ} موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} يعني قتله القبطي، ولم يتعمّد قتله، ولكنه تعمد وكزه فمات {فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
اطفيش
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى} وقريء موسى بهمزة ساكنة أصلها او لانه لما كانت الواو بعد ضمة جعلت كان الضمة عليها فقلبت همزة كما تقلب الواو المضمومة همزة نحو وجوه وأجوه. {فَارِغاً} من كمل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام أو فارغا من العقل لما سمعت بوقوع موسى في يد فرعون والقلب هو مركز العقل والأول قول ابن عباس والثاني قول مالك، وعبارة بعضهم ان قلبها فارغ من الصبر وقيل فارغا مما أوحى الله اليها من رده لها وجعله من المرسلين اذ وسوس اليها الشيطان انك قتلته بإلقائه في اليم او إذ بلغها وقوعه في يد فرعون فنسيت ذلك لعظم البلاد، قيل يجوز ان يكون المعنى فارغاً من الهم لفرط وثوقها بوعد الله او لإستماع ان فرعون عطف عليه وتبناه، قيل ويدل للثاني قراءة بعضهم (فرغا) بكسر الفاء وإسكان الراء كقولهم دماءهم بينهم فرغ اي هدر اي بطل قلبها وبقيت بلا قلب من شدة البلاء وقرىء (فرغا) بفتح الفاء واسكان الراء وبفتحها وكسر الراء أي خاليا. {إِن} مخففة واللام فارقة. {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي لتظهر بموسى أي بأمره وقصته لفرط الضجرة او الفرح بتبيينه أو لنظر بأنه إبنها وعُدي تبدي بالياء لتضمنه معنى تفضح او تلفظ او الباء صلة في المفعول، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كادت أُم موسى ان تقول: وا إِبناه وتخرج سايحة على وجهها " تفسير : وكذا عن ابن عباس: كادت تقول: واابناه، وقيل لما رأت التابوت ترفعه الأمواج وتضعه خشيت الغرق فكادت تصيح شفقة عليه وقيل كادت تبدي بالوحي الذي أُوحى اليها ان يرده عليها. {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} شددنا عليه بالصبر والثبات والتقوية والتأنيس كما يربط الشيء المنكسر او المتصدع فيطمئن ويقر، وإن مصدرية داخله على الماضي والمصدر هو المبتدأ الذي يقع بعد لولا. {لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} المصدقين بوعد الله الواثقين بحفظه لا يتبنى فرعون، وعطفه وجواب لولا دل عليه ما قبلها.
اطفيش
تفسير : {وأصْبَح فُؤاد} قلب {أم موسى فارغاً} من كل شىء، وقيل خاليا من وحى الله تعالى إليها بنسيان وحيه تعالى إليها: "أية : لا تخافى ولا تحزنى إنا رادُّوه إليك وجاعلُوه من المُرسلين"تفسير : [القصص: 7] وقال لها الشيطان: كرهت أن يقتله فرعون فيكون لك أجره، وقتلته انت بالبحر، ولما وصلها الخبر أن فرعون أصابه قالت: وقع فى يد عدوه الذى فررت منه، واشتد ضيقها حتى نسيت الوحى، وعلى كل حال المراد فارغا من كل شىء سوى موسى لعدم الصبر عنه، وبدل على استثنائه قوله عز وجل: {إن كادت لتُبْدى به} تصرح بموسى وأولداه إذ رأته فى الموج ترفعه موجة وتحطه أخرى خوف الغرق، وإذ اشتد عليها فراقه، أو إذ سمعت بقبض فرعون له، وقيل لما سمعت أنه ابن فرعون كادت تقول هو ابنى لا ابنه، وقيل: كادت تقول: إنه أوحى الىَّ أن سيرد إلىّ وقيل: كادت تصرح به فرحا إذ سمعت ان فرعون تبناه ونجا من القتل، وعدى تبدى بالباء لتضمن معنى تصرح، ولا بعد فى جعل الباء حلة فى المفعول، أى لتظهر موسى بالذكر، وأنه ولدها، ويبعد عود الهاء الى تبنيه، إذ نجا به أو الى المذكور من الرد والجعل من المرسلين، أى تبدى فرحا فالفراغ من الهم، ووجه البعد أن التبنى لم يذكر هنا إلا رجاء، وأن الرد والجعل بعيد الذكر، وأن مخففة، واللام دليل على ذلك أو نافية، واللام بعنى إلا وهو ضعيف. {لولا أنْ رَبطْنا على قَلْبها} أولا ربطنا على قلبها بالصبر موجود، وسمى التعبير ربطا على الاستعارة الأصلية، واشتق منه ربط على التبعية، وأغنى عن جواب لولا ما قبلها {لتكون من المؤمنين} الراسخين فى التصديق، وإذا فسرنا الفراغ بالفراغ من الهم، فالايمان بمعنى الوثوق أى من الواثقين بوعد الله وثوقاً شرعياً لا خارجاً عنه الى انبهاج فاسد أمرت بشيئين، ونهيت عن شيئين، وبشرت بشيئين، ولم ينفعها ذلك حتى تولى الله إحاطتها بالربط على قبلها.
الالوسي
تفسير : {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَىٰ فَارِغاً } أي صار خالياً من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام أخرجه / الفريابـي وابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس وروي ذلك أيضاً عن ابن مسعود والحسن ومجاهد، ونحوه عن عكرمة. وقالت فرقة فارغاً من الصبر وقال ابن زيد: فارغاً من وعد الله تعالى ووحيه سبحانه إليها تناست ذلك من الهم وقال أبو عبيدة: فارغاً من الهم إذ لم يغرق وسمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه كما يقال فلان فارغ البال وقال بعضهم: فارغاً من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه فرعون كقوله تعالى: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء }تفسير : [إبراهيم: 43] أي خلاء لا عقول فيها واعترض على القولين بأن الكلام عليهما لا يلائم ما بعده وفيه نظر. وقرأ أحمد بن موسى عن أبـي عمرو - فواد - بالواو وقرأ - مؤسى - بهمزة بدل الواو، وقرأ فضالة بن عبيد والحسن ويزيد بن قطيب وأبو زرعة بن عمرو بن جرير - فزعاً - بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف والقلق، وابن عباس (قرعاً) بالقاف وكسر الراء وإسكانها من قرع رأسه إذا انحسر شعره كأنه خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام، وقيل: (قرعاً) بالسكون مصدر أي يقرع قرعاً من القارعة وهو الهم العظيم. وقرأ بعض الصحابة (فزغاً) بفاء مكسورة وزاي ساكنة وغين معجمة ومعناه ذاهباً هدراً. والمراد هالكاً من شدة الهم كأنه قتيل لا قود ولا دية فيه، ومنه قول طليحة الأسدي في أخيه حبال:شعر : فإن يك قتلي قد أصيبت نفوسهم فلن يذهبوا فزغاً بقتل حبال تفسير : وقرأ الخليل بن أحمد - فزغاً - بضم الفاء والراء. {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي إنها كادت الخ على أن (إن) هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أو ما كادت إلا تبدي به على أن (إن) نافية واللام بمعنى إلا وهو قول كوفي والإبداء إظهار الشيء وتعديته بالباء لتضمينه معنى التصريح، وقيل: المفعول محذوف والباء سببية أي تبدى حقيقة الحال بسببه أي بسبب ما عراها من فراقه، وقيل: هي صلة أي تبديه وكلا القولين كما ترى، والظاهر أن الضمير المجرور لموسى عليه السلام، والمعنى أنها كادت تصرح به عليه السلام وتقول واابناه من شدة الغم والوجد رواه الجماعة عن ابن عباس، وروي ذلك أيضاً عن قتادة والسدي وعن مقاتل أنها كادت تصيح واابناه عند رؤيتها تلاطم الأمواج به شفقة عليه من الغرق، وقيل: المعنى أنها كادت تظهر أمره من شدة الفرح بنجاته وتبني فرعون إياه، وقيل: الضمير للوحي إنها كادت تظهر الوحي وهو الوحي الذي كان في شأنه عليه السلام المذكور في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ }تفسير : [القصص: 7] الآية وهو خلاف الظاهر ولا تساعد عليه الروايات. {لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا } أي بما أنزلنا عليه من السكينة والمراد لولا أن ثبتنا قلبها وصبرناها، فالربط على القلب مجاز عن ذلك، وجواب (لولا) محذوف دل عليه {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدته، وقيل: لكادت تبدي به، وقوله تعالى: {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } علة للربط على القلب، والإيمان بمعنى التصديق أي صبرناها وثبتنا قلبها لتكون راسخة في التصديق بوعدنا بأنا رادوه إليها / وجاعلوه من المرسلين، ومن جعل الفراغ من الهم والحزن وكيدودة الإبداء من الفرح بتبنيه عليه السلام الذي هو فرح مذموم جعل الإيمان بمعنى الوثوق كما في قولهم على ما حكى أبو زيد ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت وحقيقته صرت ذا أمن أي ذا سكون وطمأنينة، وقال المعنى لولا أن ربطنا على قلبها وسكنا قلقه الكائن من الابتهاج الفاسد لتكون من الواثقين بوعد الله تعالى المبتهجين بما يحق الابتهاج به.
ابن عاشور
تفسير : {أصبح} مستعمل في معنى (صار) فاقتضى تحولاً من حالة إلى حالة أخرى، أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغاً. والفؤاد مستعمل في معنى العقل واللب. والفراغ مجازي. ومعنى فراغ العقل من أمر أنه مجاز عن عدم احتواء العقل على ذلك الأمر احتواء مجازياً، أي عدم جولان معنى ذلك الأمر في العقل، أي ترك التفكير فيه. وإذ لم يذكر أن فؤاد أم موسى لماذا أصبح فارغاً احتملت الآية معاني ترجع إلى محتملات متعلق الفراغ ما هو. فاختلف المفسرون في ذلك قديماً، ومرجع أقوالهم إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى ورباطة جأشها، وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها. فأما ما يرجع إلى الناحية الأولى فهو أنه فارغ من الخوف والحزن فأصبحت واثقة بحسن عاقبته تبعاً لما ألهمها من أن لا تخاف ولا تحزن فيرجع إلى الثناء عليها. وهذا أسعد بقوله تعالى بعد {لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين} لأن ذلك الربط من توابع ما ألهمها الله من أن لا تخاف ولا تحزن. فالمعنى: أنها لما ألقته في اليم كما ألهمها الله زال عنها ما كانت تخافه عليه من الظهور عليه عندها وقتله لأنها لما تمكنت من إلقائه في اليم ولم يشعر بها أحد قد علمت أنه نجا. وهذا المحمل يساعده أيضاً ما شاع من قولهم: فلان خلي البال: إذا كان لا هم بقلبه. وهو تفسير أبي عبيدة والأخفش والكسائي وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها بثباتها. وعن ابن عباس من طرق شتى أنه قال: فارغاً من كل شيء إلا ذكر موسى. وفي هذا شيء من رباطة جاشها إذ فرغ لبها من كل خاطر يخطر في شأن موسى. وأما زيادة ما أداه الاستثناء بقوله: إلا ذكر موسى، فلعله انتزعه من قوله {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} وإلا فليس في الآية ما يؤذن بذلك الاستثناء. وهذا التفسير يقتضي الجمع بين الثناء عليها بحسن ثقتها بالله والإشارة إلى ضعف الأمومة بالتشوق إلى ولدها وإن كانت عالمة بأنه يتقلب في أحوال صالحة به وبها. وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن القاسم عن مالك: الفراغ هو ذهاب العقل. قال ابن عطية: هو كقوله تعالى {أية : وأفئدتهم هواء}تفسير : [إبراهيم: 43] أي لا عقول فيها. وفي «الكشاف»: أي لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع. وقال ابن زيد والحسن وابن إسحاق: أصبح فارغاً من تذكر الوعد الذي وعدها الله إذ خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها: إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي في يد العدو الذي أمر بقتله. قال ابن عطية: وقالت فرقة: فارغاً من الصبر. ولعله يعني من الصبر على فقده. وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ترمي إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى وأن الله تداركها بوضع اليقين في نفسها. وجملة {إن كادت لتُبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} تكون بالنسبة للتفسير الأول استئنافاً بيانياً لما اقتضاه فعل {أصبح} من أنها كانت على حالة غير حالة فراغ فبينت بأنها كانت تقارب أن تظهر أمر ابنها من شدة الاضطراب فإن الاضطراب ينم بها. فالمعنى: أصبح فؤادها فارغاً، وكادت قبل ذلك أن تبدي خبر موسى في مدة إرضاعه من شدة الهلع والإشفاق عليه أن يقتل. وعلى تفسير ابن عباس تكون جملة {إن كادت} بمنزلة عطف البيان على معنى {فارغاً}. وهي دليل على الاستثناء المحذوف. فالتقدير: فارغاً إلا من ذكر موسى فكادت تظهر ذكر موسى وتنطق باسمه من كثرة تردد ذكره في نفسها. وأما على الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فجملة {إن كادت لتبدي به} بيان لجملة: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً}، أي كادت لتُبْدي أمر موسى من قلة ثبات فؤادها. وعن مجاهد: لما رأت الأمواج حملت التابوت كادت أن تصيح. والباء في {به} إما لتأكيد لصوق المفعول بفعله والأصل: لتبديه، وإما لتضمين (تبدي) معنى (تبوح) وهو أحسن و{إن} مخففة من الثقيلة. واللام في {لتبدي} فارقة بين {إن} المخففة و(إن) النافية. والربط على القلب: توثيقه عن أن يضعف كما يشد العضو الوهن، أي ربطنا على قلبها بخلق الصبر فيه. وجواب {لولا} هو جملة {إن كادت لتبدي به}. والمراد بالمؤمنين المصدقون بوعد الله، أي لولا أن ذكّرناها ما وعدناها فاطمأن فؤادها. فالإيمان هنا مستعمل في معناه اللغوي دون الشرعي لأنها كانت من المؤمنين من قبل، أو أريد من كاملات المؤمنين. واللام للتعليل، أي لتُحرز رتبة المؤمنين بأمر الله الذين لا يتطرقهم الشك فيما يأتيهم من الواردات الإلهية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- وصار قلب أم موسى خاليا من العقل لما دهمها من الجزع لوقوع ولدها فى يد فرعون. إنها كادت تظهر أمره بأنه ولدها لولا أن ثَبَّت الله قلبها بالصبر لأعلنت أنه ولدها شفقة عليه، ولتكون فى ضمن المؤمنين المطمئنين. 11- وقالت أمه لأخته: تتبعى أثره لتعرفى خبره، فرأته عن بُعد وهى تتجنب ظهور أمرها وفرعون وآله لا يدرون أنها أخته. 12- ومنع الله الطفل - موسى - أن يرضع ثديا لمرضع قبل أن يرشدوا إلى أمه، فاغتم آل فرعون، وأهمهم ذلك، فقالت لهم أخته: ألا أرشدكم إلى أسرة تكفله وتتعهده بالرضاع والتربية وهم له حافظون؟ 13- فقبلوا إرشادها، وردَّه الله إلى أمه كى تطيب نفسها، وتفرح بعودته إليها، ولا تحزن بفراقه، ولتزداد علما بأن وعد الله بردِّه لها حاصل لا يتخلف، ولكن أكثر الناس لا يعلمون عودة موسى إلى أمه، لخفائه عليهم. 14- ولما بلغ موسى رشده واكتمل نضجه أعطاه الله الحكمة والعلم، ومثل ذلك الإحسان الذى أحسنا به إلى موسى وأمه نكافئ المحسنين على إحسانهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَارِغاً} (10) - يُخبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى لَمَّا ذَهَبَ وَلَدُهَا مَعَ المَاءِ أَصْبَحَ قَلْبُهَا خَالياً مِنْ كُلِّ أَمرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنيا إِلاّ مِنَ التَّفْكِيرِ فِيهِ، وَكَادَتْ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِها وَحُزْنِهَا أَنْ تُعْلِنَ أَنَّ وَلَدَهَا ذَهَبَ مَعَ المَاءِ وَأن تُخبِرَ بِحَالِها، لولا أَنَّ اللهَ تَعالى ثَبَّتَها، وَصَبَّرَهَا، وَرَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا، لِتكُونَ مِنَ المُوقِنينَ المُصَدِّقِينَ بأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَأَنَّهُ سَيَرُدُّهُ عَلَيهَا. فَارِغاً - خَالِياً مِنْ كُلِّ مَا سِوَى مُوسَى. لَتُبْدِي بِهِ - لَتُصَرِّح بأَنَّ ابنَها ذَهَبَ مَعَ المَاءِ لِشِدَّةِ وَجْدِها عَلَيه. رَبَطْنَا - بِالعِصْمَةِ والصَّبْرِ والتَّثْبِيتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفؤاد: هو القلب، لكن لا يُسمى القلب فؤاداً إلا إذا كانت فيه قضايا تحكم حركتك، فالمعنى: أصبح فؤاد أم موسى {فَارِغاً ..} [القصص: 10] أي: لا شيء فيه مما يضبط السلوك، فحين ذهبتْ لترمي بالطفل وتذكرت فراقه وما سيتعرض له من أخطار كادت مشاعر الأمومة عندها أن تكشف سِرَّها، وكادت أنْ تسرقها هذه العاطفة. {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ..} [القصص: 10] يعني: تكشف أمره {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} [القصص: 10]. وسبق أنْ قُلْنا: إن الإنسان يدرك الأشياء بآلات الإدراك عنده، ثم يتحول هذا الإدراك إلى وجدان وعاطفة، ثم إلى نزوع وعمل، ومثَّلْنا لذلك بالوردة التي تراها بعينيك، ثم تعجب بها، ثم تنزع إلى قطفها، وعند النزوع تواجهك قضايا في الفؤاد تقول لك: لا يحق لك ذلك، فربما رفض صاحب البستان أو قاضاك، فالوردة ليست مِلْكاً لك. وكذلك أم موسى، كان فؤادها فارغاً من القضية التي تُطمئنها على وليدها، بحيث لا تُفشي عواطفها هذا السر. ومعنى {رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ..} [القصص: 10] أي: ثبَّتْناها ليكون الأمر عندها عقيدة راسخة لا تطفو على سطح العاطفة، ومن ذلك قوله تعالى عن أهل الكهف: {أية : وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الكهف: 14]. إذن: الربْط على القلب معناه الاحتفاظ بالقضايا التي تتدخل في النزوع، فإنْ كان لا يصح أن تفعل فلا تفعل، وإنْ كان يصح أنْ تفعل فافعل، فهذه القضايا الراسخة هي التي تضبط التصرفات، وكان فؤاد أم موسى فارغاً منها. لذلك نقول لمن يتكلم بالكلام الفارغ الذي لا معنى له: دَعْكَ من هذا الكلام الفارغ - أي: الذي لا معنى له ولا فائدةَ منه، ومن ذلك قولهم: فلان عقله فارغ يعني: من القضايا النافعة. وإلا فليس هناك شيء فارغ تماماً، لا بُدَّ أن يكون فيه شيء، حتى لو كان الهواء. ومنه قوله تعالى: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ..}تفسير : [إبراهيم: 43] ويقولون في العامية: (فلان معندوش ولا الهوا) ذلك لأن الهواء آخر ما يمكن أن يفرغ منه الشيء. ومعنى: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ..} [القصص: 10] يعني: قاربت من فراغ فؤادها أن تقول إنه ولدي {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] لإن الإيمان هو الذي يجلب لك النفع، ويمنعك من الضار، وإنْ كان فيه شهوة عاجلة لك، فمنعها إيمانُها من شهوة الأمومة في هذا الموقف، ومن ممارسة العطف والحنان الطبيعيين في الأم؛ لأن هذه شهوة عاجلة يتبعها ضرر كبير، فإنْ أحسُّوا أنه ولدها قتلوه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السّلامُ: كان فارِغاً من كُلِّ شَيءٍ إلاّ من ذِكرِ مُوسى عَليه السّلامُ. وقال: معنى فارغٌ أي فازعٌ. تفسير : وقوله تعالى: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} معناه لتَقول يَا موسى.
همام الصنعاني
تفسير : 2193- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً}: [الآية: 10]، قال: فارغاً، ليس لَهَا هَمٌّ غيره. 2194- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، في قوله تعالى: {فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً}: [الآية: 10]، قال: فارغاً منْ كل شيء إلا من ذكر مُوسَى. 2195- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}: [الآية: 10]، قال: رَبَطَ الله عَلَى قَلْبِهَا بِالإِيمانِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):