٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } يقتضي تحريمها من قبله فإذا لم يصح بالتعبد والنهي لتعذر التمييز فلا بد من فعل سواه وذلك الفعل يحتمل أنه تعالى مع حاجته إلى اللبن أحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرضع أو أحدث في لبنهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه أو وضع في لبن أمه لذة فلما تعودها لا جرم كان يكره لبن غيرها، وعن الضحاك كانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهو موضع الرضاع أي الثدي أو الرضاع وقوله: {مِن قَبْلُ } أي من قبل أن رددناه إلى أمه ومن قبل مجيء أخت موسى عليه السلام، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا فعند ذلك قالت أخته {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أي يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه وهم له ناصحون لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه، ولا يخونونكم فيه والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد، وقال السدي إنها لما قالت: {وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ } دل ظاهر ذلك على أن أهل البيت يعرفونه فقال لها هامان قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه، ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون ليزول شغل قلبه، وكل ما روي في هذا الباب يدل على أن فرعون كان بمنزلة آسية في شدة محبته لموسى عليه السلام، لا على ما قال من زعم أنها كانت مختصة بذلك فقط ثم قال تعالى: {فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ } بهذا الضرب من اللطف {كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي فيما كان وعدها من أنه يرده إليها، ولقد كانت عالمة بذلك، ولكن ليس الخبر كالعيان فتحققت بوجود الموعود {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيه وجوه أربعة: أحدها: ولكن أكثر الناس في ذلك العهد وبعد لا يعلمون لإعراضهم عن النظر في آيات الله وثانيها: قال الضحاك ومقاتل يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعدها برده إليها وثالثها: هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى عليه السلام فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً ورابعها: أن يكون المعنى إنا إنما رددناه إليها {لَتَعْلَمُ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } والمقصود الأصلي من ذلك الرد هذا الغرض الديني، ولكن الأكثر لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلي، وأن ما سواه من قرة العين وذهاب الحزن تبع، قال الضحاك لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه، قالت لا قال فما بالك قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن ما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي، قالوا صدقت فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } أي قبل ردّه إلى أُمّه أي منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أُمّه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له {فَقَالَتْ } أخته {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ } لما رأت حنوّهم عليه {يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } بالإِرضاع وغيره {وَهُمْ لَهُ نَٰصِحُونَ } وفَسَّرَت ضمير «له» بالمَلِكِ جواباً لهم فأجيبت، فجاءت بأمّه فقبل ثديها وأجابتهم عن قبوله بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعت به كما قال تعالى:
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {وحرمنا} يقتضي أن الله تعالى خصه من الامتناع من ثدي النساء بما يشد به عن عرف الأطفال وهو تحريم تنقيص، و {المراضع} جمع مرضع واستعمل دون هاء التأنيث لأنه لا يلتبس بالرجال. وقوله تعالى: {من قبل} معناه من أول أمره، و{قبل} مبني، والضمير في {قالت} لأخت موسى قال النقاش اسمها مريم، و {يكفلونه}، معناه يحسنون تربيته وإرضاعه، وعلم القوم أن مكلمتهم من بني إسرائيل وكان ذلك عرف بني إسرائيل أن يكونوا مراضع وخدمة، وقوله {وهم له ناصحون} يحتمل أن الضمير يعود على الطفل ويحتمل أن يعود على الملك الذي كان الطفل في ظاهر أمره من جملته، وقال ابن جريج: إن القوم تأولوا أنها أعادت الضمير على الطفل فقالوا لها إنك قد عرفته فأخبرينا من هو فقالت: ما أردت إلا أنهم ناصحون للملك: فتخلصت منهم بهذا التأويل. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يعود الضمير على الطفل ولكن يكون النصح له بسبب الملك وحرصاً على التزلف إليه والتقرب منه، وفي الكلام هنا حذف يقتضيه الظاهر وهو أنها حملتهم إلى أم موسى وكلموها في ذلك فدرت عليه وقبلها وحظيت بذلك وأحسن إليها وإلى أهل بيتها، و"قرت عينها" أي سرت بذلك، وروي أن فرعون قال لها: ما سبب قبول هذا الطفل؟ فقالت إني طيبة الرائحة طيبة اللبن ودمع الفرح بارد ودموع الهم حرّى سخنة فمن هذا المعنى قيل قرت العين وسخنت، وقرأ يعقوب "نُقِر" بنون مضمومة وكسر القاف، و {وعد الله} المشار إليه وهو الذي أوحاه إليها أولاً إما بملك وإما بمنامة وإما بإلهام حسب اختلاف المفسرين في ذلك، والقول بالإلهام يضعف أن يقال فيه {وعد}، وقوله تعالى: {أكثرهم} يريد القبط، و"الأشد"، جمع شدة كنعمة وأنعم، هذا قول سيبويه وقال غيره: "الأشد" جمع شد وقالت فرقة "الأشد" اسم مفرد وليس بجمع، واختلف في قدر الأشد من السنين، فقالت فرقة: بلوغ الحلم وهي نحو خمسة عشر عاماً، وقالت فرقة: ثمانية عشر عاماً، وقال السدي: عشرون، وقالت فرقة: خمسة وعشرون، وقالت فرقة: ثلاثون، وقال مجاهد وابن عباس: ثلاثة وثلاثون، وقالت فرقة عظيمة: ستة وثلاثون، وقال مجاهد وقتادة "الاستواء" أربعون سنة، وقال مكي وقيل هو ستون سنة وهذا ضعيف، و"الأشد" شدة البدن واستحكام أسره وقوته، و {استوى} معناه تكامل عقله وحزمه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين، و "الحكم" الحكمة، و"العلم"، والمعرفة بشرع إبراهيم عليه السلام وهي مقدمة نبوته عليه السلام، واختلف المتأولون في قوله تعالى {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} فقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه حتى أنه كان يدعى موسى بن فرعون، فقالوا فركب فرعون يوماً وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ثم علم موسى بركوب فرعون فركب بعده ولحق بتلك المدينة في وقت القائلة وهو حين الغفلة، قاله ابن عبس وقال أيضاً هو ما بين العشاء والعتمة، وقال ابن إسحاق بل {المدينة} مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون فكان مختفياً بنفسه متخوفاً منهم فدخل متنكراً حذراً مغتفلاً للناس، وقال ابن زيد: بل كان فرعون قد نابذه وأخرجه من المدينة وغاب عنها سنين فنسي أمره وجاء هو والناس على غفلة بنسيانهم لأمره وبعد عهدهم به، وقيل كان يوم عيد، وقوله تعالى: {يقتتلان} في موضع الحال أي مقتتلين، و {شيعته} بنو إسرائيل، و {عدوه} القبط، وذكر الأخفش سعيد "استعانه" بالعين غير معجمة وبالنون وهي تصحيف لا قراءة، وذكر الثعلبي أن الذي {من شيعته} هو السامري وأن الآخر طباخ فرعون، وقوله {هذا} {وهذا} حكاية حال قد كانت حاضرة ولذلك عبر بـ {هذا} عن غائب ماض، "والوكز" الضرب باليد مجموعاً كعقد ثلاثة وسبعين، وقرأ ابن مسعود "فلكزه" والمعنى واحد، إلا أن اللكز في اللحا، والوكز على القلب، وحكى الثعلبي أن في مصحف ابن مسعود "فنكزه" بالنون والمعنى واحد، "وقضى عليه"، معناه قتله مجهزاً، وكان موسى عليه السلام لم يرد قتل القبطي لكن وافقت وكزته الأجل وكان عنها موته فندم ورأى أن ذلك من نزغ الشيطان في يده، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة كان من الشيطان ومن همزه، ونص هو عليه السلام على ذلك وبهذا الوجه جعله من عمله وكان فضل قوة موسى ربما أفرط في وقت غضبه بأكثر مما يقصد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَحَرَّمْنَا} منعناه {الْمَرَاضِعَ} فلا يؤتى بمرضع فيقبلها. {مِن قَبْلُ} مجيء أخته أو قبل رده إلى أمه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} قيل: يجوز أن يكون جمع مُرْضِع وهي المرأة، وقيل: جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، ثم جَوَّزوا فيه أن يكون مكاناً أي: مكان الإِرضاع وهو الثَّدي وأن يكون مصدراً أي: الإرْضَاعاتُ، أن: أنواعها، و "مِنْ قَبْلُ" أي: من قبل قصِّهَا أَثرهُ، أو من قبل مجيء أخته، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. والمراد من التحريم المنع، لأن التحريم بالنهي تعبّد وذلك لا يصح، فلا بُدَّ من فِعْل سواه، فيحتمل أن - تعالى - غيَّر طبعه عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرتضع أو أحدث في لبنهن طعماً ينفر عنه طبعه، أو وضع في لبن أمه لذة تعود بها، فكان يكره لبن غيرها. فصل قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همَّها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكل ما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها؛ فذلك قوله عزَّ وجلَّ {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ}، فلمَّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ} أي: يرضعونه لكم ويضمنونه، وهي امرأة قد قُتِلَ ولدها فأحبُّ شيءٍ إليها أن تجد صغيراً ترضعه. قوله: {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} الظاهر أنه ضمير موسى، وقيل لفرعون، قال ابن جُريج والسُّديّ: لما قالت أخت موسى {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} استنكروا حالها وتفرّسوا أنها قرابتُه، فقالت: إنَّمَا أَرَدْتُ وهم للملك ناصِحُونَ، فتخلَّصَت منهم، وهذا يُسمى عند أهل البيان الكلام الموجَّه ومثله: لما سُئِل بعضهم وكان بين أقوام بعضهم يحب عليّاً دون غيره، وبعضهم أبا بكر وبعضهم عمر وبعضهم عثمان، فقيل له: أيهم أحبّ إلى رسول الله؟ فقال: من كانت ابنته تحته. وقيل لما تفرّسوا أنه قرابتُهُ قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك, واتصالنا به. وقيل: إنها لما قالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ}, قالوا لها: مَنْ؟ قالت: أمي. قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم، هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها. قالوا: صدقت، فائتينا بها، فانطلقت إلى أمه فأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصّه حتى امتلأ جنباه ريّاً. والنصح: إخلاص العمل من سائر الفساد. قوله: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بردِّ موسى إليها، "وَلاَ تَحْزَنَ" عطف على "تَقَرَّ"، ودمعةُ الفرح قارّةٌ، ودمعةُ التَّرَح حارَّةٌ، قال أبو تمام: شعر : 3976 - فَأَمَّا عُيُونُ العَاشِقِينَ فَأَسْخَنَتْ وَأَمَّا عُيُونُ الشَّامِتِينَ فَقَرَّتِ تفسير : وتقدم تحقيق هذا في مريم. {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} بردّه إليها وكانت عالمة بذلك ولكن ليس المخبَر كالمعاين فتحققت بوجود الموعود، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله وعدها ردّه إليها. قال الضحاك: لمّا قَبلَ ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: فما بالك قبل ثديك من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني أمرأة طيبة الريح، حلوة اللبن، فما شم ريحي صبيّ إلا أقبل على ثديي. قالوا: صدقت. فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها أتحفها بالذهب والجواهر.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وحرمنا عليه المراضع من قبل} قال: لا يؤتى بمرضع فيقبلها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {وحرمنا عليه المراضع من قبل} قال: لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: حين قالت {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} قالوا: قد عرفتيه فقالت: إنما أردت الملك، هم للملك ناصحون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وحرمنا عليه المراضع} قال: جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها وفي قوله {ولتعلم أن وعد الله حق} قال: وعدها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين ففعل الله بها ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: كان فرعون يعطي أم موسى على رضاع موسى كل يوم ديناراً. وأخرج أبو داود في المراسيل عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يعني: يتقوّون على عدوهم؛ مثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} [الآية: 12]. قال بعضهم: إشارة الى المعارف فإنه لا يصلح لبساط القُربة من لم يكن مرضعًا رضاعة الأنس فمن كان رضيع مخالفةٍ أو رضيع وحشةٍ فإنه لا يصلح لبساط القربة ألا ترى الكليم صلى الله عليه وسلم لمّا كان فيه تدبير الخصوصية كيف حرمت عليه المراضع وكان رضيع الكلاءة والولاية إلى أن أحضر محل المواجهة بالكلام قال الله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ}.
القشيري
تفسير : أبَى موسى قبولَ ثدِي واحدةٍ ممن عُرِضَ عليهن.. فَمَنْ بالغداة كانوا في اهتمامٍ كيف يقتلونه أمسوا - وهم في جهدهم - كيف يُغَذُّونه! فلمَّا أعياهم أَمرُه، قالت لهم أخته: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ}؟ فَقَبِلُوا نصيحتها شفقةً منهم عليه، وقالوا: نعم، فردُّوه إلى أمِّه، فلمَّا وَضَعَت ثَدْيَها في فمه ارتضعها موسى فَسُرُّوا بذلك، وكانوا يَدْعُون أُمَّه حاضنةً ومرضعةً.. ولم يُضِرْها، وكانوا يقولون عن فرعون: إنه أبوه.. ولم ينفعه ذلك! ولمَّا أخذته أمُّه علمت بتصديق الله ظنها، وسكن عن الانزعاج قلبُها، وجرى من قصة فرعون ما جرى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} سقى الله روح موسى البان المعرفة من ثدى الوصلة حين اخرجنا من العدم بنور القدم وحرم عليها مراضع الاكوان والحدثان ومنعها من الاستينانس بغيره من العرش الى الثرى لذلك اشار فى القصة ان ارضعيه ولولا رضاعة الاول لاشتغل بانبان غير مرضعته نسقيه لبن المعرفة فطامه عن كل شئ سواه قال بعضهم اشارة الى العارف فانه لا يصلح البساط القربة من لم يكن مرضعا برضاعة الانس فمن كان رضيع مخالفة او رضيع وحشة فانه لا يصلح لبساط القربة الا ترى الكليم لما كان فيه تدبير الخصوصية بالكلام كيف حرم عليه المراضع.
اسماعيل حقي
تفسير : {وحرمنا عليه المراضع من قبل} التحريم بمعنى المنع كما فى قوله تعالى {أية : فقد حرم الله عليه الجنة}تفسير : لانه لامعنى للتحريم على صبى غير مكلف اى منعنا موسى ان يرضع من المرضعات ويشرب لبن غير امه بان احدثنا فيه كراهة ثدى النساء والنفار عنها من قبل قص اخته اثره او من قبل ان نرده على امه كما قال فى الجلالين او من قبل مجيىء امه كما قاله ابو الليث او فى القضاء السابق لانا اجرينا القضاء بان نرده الى امه فى كشف الاسرار والمراضع جمع مرضع وهى المرأة التى ترضع اى من شأنها الارضاع وان لم تكن تباشر الارضاع فى حال وصفها به فهى بدون التاء لانه من الصفات الثابتة والمرضعة هى التى فى حالة ارضاع الولد بنفسها ففى الحديث "حديث : ليس للصبى خير من لبن امه او ترضعه امرأة صالحة كريمة الاصل فان لبن المرأة الحمقاء يسرى واثر حمقها يظهر يوما"تفسير : وفى الحديث "حديث : الرضاع يغير الطباع"تفسير : ومن ثمة لما دخل الشيخ ابو محمد الجوينى بيته ووجد ابنه الامام ابا المعالى يرتضع ثدى غير امه اختطفه منه ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل اصبعه فى فمه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن فقال يسهل على موته ولايفسد طبعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان اذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة قالوا العادة جارية ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه اخلاقها من خير وشر كما فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى {فقالت} اى اخته عند رؤيتها لعدم قبوله الثدى واعتناء فرعون بامره وطلبهم من يقبل ثديها {هل ادلكم} [آيا دلالت كنم شمارا] {على اهل بيت} [بر اهل خانه] {يكفلونه لكم} الكفالة الضمان والعيالة يقال كفل به كفالة وهو كفيل اذا تقبل به وضمنه كفله فهو كافل اذا عاله اى يربونه ويقومون بارضاعه لاجلكم {وهم له ناصحون} يبذلون النصح فى امره ولا يقصرون فى ارضاعه وتربيته. والنصح ضد الغش وهو تصفية العمل من شوائب الفساد. وفى المفردات النصح تحرى فعل او قول فيه صلاح صاحبه انتهى ـ روى ـ انهم قالوا لها من يكفل قالت امى قالوا ألامك لبن قالت نعم لبن هارون وكان هارون ولد فى سنة لا يقتل فيها صبى فقالوا صدقت. وفى فتح الرحمن قالت هى امرأة قد قتل ولدها فاحب شىء اليها ان تجد صغيرا ترضعه انتهى. يقول الفقير ان الاول اقرب الى الصواب الا ان يتأول القتل بما فى حكمه من القائه فى النيل وغيبوبته عنها ـ روى ـ ان هامان لما سمعه قال انها لتعرفه واهله خذوها حتى تخبر من له فقالت انما اردت وهم للملك ناصحون يعنى ارجعت الضمير الى الملك لا الى موسى تخلصا من يده فقال هامان دعوها لقد صدقت فامرها فرعون بان تأتى بمن يكفله فاتت بامه وموسى على يد فرعون يبكى وهو يعلله او فى يد آسية فدفعه اليها فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها شعر : بوى خوش توهركه زباد صبا شنيد از يا آشنا سخن آشنا شنيد تفسير : فقال من انت منه فقد ابى كل ثدى الا ثديك فقالت انى امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا اوتى بصبى الا قبلنى فدفعه اليها واجرى عليها اجرتها [وكفت در هفته يكروز بيش ما آور] فرجعت به الى بيتها من يومها مسرورة فكانوا يعطون الاجرة كل يوم دينارا واخذتها لانها مال حربى لا انها اجرة حقيقة على ارضاعها ولدها كما فى فتح الرحمن. يقول الفقير الارضاع غير مستحق عليها من حيث ان موسى ابن فرعون ويجوز لها اخذ الاجرة نعم ان ام موسى تعينت للارضاع بان لم يأخذ موسى من لبن غيرها فكيف يجوز اخذ الاجرة اللهم الا ان تحمل على الصلة لاعلى الاجرة اذ لم تمتنع الا ان تعطى الاجرة ويحتمل ان يكون ذلك مما يختلف باختلاف الشرائع كما لايخفى. قال فى كشف الاسرار لم يكن بين القائها اياه فى البحر وبين ردجه اليها الا مقدار مايصبر الولد فيه عن الوالدة انتهى وابعد من قال مكث ثمانى ليال لايقبل ثديا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: المراضع: جمع مُرضِع،، وهي المرأة التي ترضع، أو: مَرْضَع - بالفتح -: موضع الرضاع، وهو الثدي. و(لا تحزن): معطوف على (تَقَرَ). يقول الحق جل جلاله: {وحرّمنا عليه المراضِعَ} أي: تحريم منع، لا تحريم شرع، أي: منعناه أن يرضع ثَدْياً غَيْرَ ثدي أمه. وكان لايقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك. {من قبلُ} أي: من قبل قَصَصِها أثره، أو: من قبل أن نرده إلى أمه. {فقالت} أخته. وقد دخلت داره بين المراضع، ورأته لا يقبل ثدياً: {هل أدُلكم}؛ أرشدكم {على أهل بيتٍ يكفلونه}؛ يحفظون موسى {لكم وهم له ناصحون}؛ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. والنصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد. رُوي أنها لما قالت: {وهم له ناصحون}؛ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام، فهو الذي نحذر، فقالت: إنما أردتُ: وهُمْ للملك ناصحون. فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يُعلله؛ شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون: ومن أنتِ منه، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، لا أُوتَى بصبي إلا قَبِلَني. فدفعه إليها، وأجرى عليها مؤنة الرضاع. قيل: ديناراً في اليوم، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله لها وعده في الرد، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً. وذلك قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقرَّ عينُها} بولدها، {ولا تحزن} لفراقه، {ولِتَعْلَمَ أن وعْدَ الله حقٌ}، أي: وليثبت علمها؛ مشاهدة، كما ثبت؛ علماً. وأما جزعها وحيرتها؛ فذلك من الطبع البشري الجِبِلِّيِّ، اللازم لضعف البشرية، لا ينجو منه إلا خواص الخواص، وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار في اليوم، كما قال السدي: لأنه مال حربي، لا أنه أجرة إرضاع ولدها. {ولكن أكثرهم} أي: القبط، أو الناس جملة، {لا يعلمون} أن ما وعد الله لا بد من إنجازه، ولو بعد حين، وهو داخل تحت علمها، أي: لتعلم أن وعد الله حق، ولتعلم أن أكثر الناس لا يعلمون فيرتابون فيه. وفيه التعريض بما فرط منها؛ حين سمعت بوقوع موسى في يد فرعون، فجزعت، وهذا من الطبع البشري كما تقدم. وأيضاً يجوز أن يكون الوعد منوطاً بشروط وأسباب، قد لا تعرفها، فلذلك لم ينفك خوفها. والله تعالى أعلم. الإشارة: وحرمنا على الإنسان المراضع، من لبان الخمرة الأزلية، من قبل أن نلقيه بأهلها، فقالت له العناية السابقة: هل أدلك على أهل بيت الحضرة يكفلونك من رعونات البشرية، والهفوات القلبية، وهي الإصرار على المساوئ والذنوب، ويرضعونك من لبن الخمرة الأزلية. وهم لك ناصحون. يدلونك على الله ولا يدلونك على غيره؛ فإن من دلك على الله فقد نصحك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الدنيا فقد غشك. فرددناه إلى أمه، وهي الحضرة القدسية، التي خرج منها، بمتابعة شهوته وغفلته، كي تقر عين روحه بمشاهدة حبيبها، ولا تحزن على فوات شيء، إذ لَم تفقد شيئاً، حيث وجدت الله تعالى؛ "مَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟ وما الذي وَجَدَ من فَقَدَكَ؟". ولتعلم أن وعد الله بالفتح على من توجه إليه بالواسطة حق، ولكن أكثر أهل الغفلة لا يعلمون ثم ذكر سبب خروج موسى من مصر، فقال: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ...}
الجنابذي
تفسير : {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} اى قبل مجيء اخته بثلاثة ايّامٍ كما مضى وكان فرعون اغتمّ لذلك غمّاً شديداً {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} فقالوا نعم؛ فجاءت بامّها فلمّا اخذته بحجرها والقمته ثديها التقمه وشرب ففرح فرعون واهله واكرموا امّه فقال فرعون لها: ربّيه لنا فانّا نفعل بك ونفعل.
الأعقم
تفسير : {وحرّمنا عليه المراضع} أي منعناه، وقيل: كره اليه ألبان النسوان، والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع {من قبل} قصصها أثره، فلما رأت أخت موسى ذلك {قالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم}، قوله تعالى: {وهم له ناصحون} يعني لموسى، قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي على يد فرعون وهو يبكي، فطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ قالت: امرأة طيبة الريح وطيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في الرد {فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} من تحقيق ذلك الوعد، ثم بيّن تعالى حديث موسى بعدما شبّ سنة خروجه من مصر فقال سبحانه: {ولما بلغ أشدّه}، قيل: كمال قوته في البدن والعقل، وقيل: الأشدّ ثلاثون سنة، وقيل: أربعون {واستوى آتيناه حكماً وعلماً} أعطيناه حكماً وعلماً قيل: النبوة والعلم، وقيل: فهماً وعقلاً، وقيل: هو علوم الشرائع {وكذلك نجزي المحسنين} {ودخل المدينة} يعني موسى دخل مدينة مصر، وقيل: أرض مصر {على حين غفلة من أهلها}، قيل: وقت القائلة، وقيل: يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلعبهم، وقيل: بين المغرب والعشاء {فوجد فيها رجلين يقتتلان}، قيل: كانت خصومتهما الدين وقيل: في أمر الدنيا {هذا من شيعته} ممن شايعه على دينه {وهذا من عدوه} كان كافراً {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} يعني الإِسرائيلي استغاث موسى على القبطي لأنه علم منزلته من بني إسرائيل ولم يعلم الناس إلاَّ من قبل الرضاعة فقال موسى للقبطي: خلي سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبويك، فتنازعا {فوكزه موسى} أي دفع في صدره بجميع كفه، وقيل: الوكز بأطراف الأصابع {فقضى عليه} وروي أن موسى لم يتعمد لقتله ولكن قصد لتخليص المؤمن من يد الكافر، وروي أنه لم يُبح قتل الكافر حينئذ {قال هذا من عمل الشيطان} أي من اغوائه ووسوسته {إنه عدو} لبني آدم {مضل} الكافر بوسوسته {مبين} ظاهر العداوة {قال رب إني ظلمت نفسي}، قيل: كان ذلك صغيرة لزمه التوبة، وقيل: ظلمت نفسي في هذا القتل فإنهم يقتلوني {فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} {قال رب بما أنعمت علي} النعم ديناً ودنيا {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} أي معيناً {فأصبح في المدينة} في اليوم الثاني {خائفاً} من قتل القبطي {يترقب} ينتظر الأخبار {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} وذلك أنه لما فشى أمر القتل قيل لفرعون: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلاً فقال: أتعرفون قاتله؟ ومن شهد عليه؟ وأمرهم أن يطلبوه، فصاح بموسى فـ {قال له موسى إنك لغوي مبين} ظاهر الغواية ولم يرد أنه غويّ في الدين وإنما أراد من خاصم آل فرعون مع كفرهم فإنه غوي، وقيل: بل قال للقبطي إنك لغوي مبين بطلبك وسخرك إياه ثم أراد موسى (عليه السلام) نصر الإِسرائيلي فقال سبحانه: {فلما أراد أن يبطش} أن يأخذ بشدة {بالذي هو عدوّ لهما} يعني القبطي فقال: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ان تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} بالقتل والظلم {وما تريد أن تكون من المصلحين} فانطلق إلى فرعون وأخبره به وأمر فرعون بقتل موسى.
اطفيش
تفسير : {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ} التحريم المنع قيل استعارة لأنه سبحانه منعه ان يرضع ثديا، والمراضع جمع مرتضع بضم الميم وفتح التاء والضاد مصدر ميمي او اسم مكان وهو الثدي جمع يحذف التاء او جمع مرضع بفتح الميم والضاد مصدر ميمي او اسم مكان وهو الثدي او جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد وهو المرأة التي ترضع. {مِن قَبْلُ} أي رجوعه إلى أمه قيل مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا قال ابن عباس: أن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد من يقبل ارضاعها كلما اتى بمرضعة لم يقبل عنها وقيل من قبل بمعنى من قبل قصها أثره. {فَقَالَتْ} أي الأخت. {هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} بالإرضاع وغيره. {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} مخلصون ما يحتاج اليه من الفساد وتعلقوا بها فقالوا لها: انت تعرفين هذا الصبي فأنكرت وقالت: لا غير أني أعلم من أهل البيت الحرص على التقرب الى الملكة والجد في خدمتها ورضاها فتركوها وسألوها إنجاز ما وعدت به من الدلالة فجاءت بأم موسى وهو في يدي فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي بطلب الرضاع فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها فرعون: ومن انت منه؟ فقد أبى كل ثدي إلا ثديك. فقالت: اني امرأة طيبة الرائحة واللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه اليها وأذن لها في الإنصراف به بعد امتناع كما مر وهاء له للصبي، وروي أنها لما قالت {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} قالوا: انك قد عرفت الصبي فدلينا على أهله قالت: ما أعرفه ولكن أردت وهم للملك ناصحون وقيل قالت: لم أقل هم له ناصحون لمعرفتي بالصبي ولكن لرغبتي في سرور الملك، وقيل: قالوا لها: من هم؟ قالت: امي. قالوا ولأمك ولد، قالت: نعم هارون ولد في السنة التي قتل فيها. قالوا: صدقت. فانطلقت فأخبرت أمها وجاءت وأرضعته بأجرة قيل كانوا يعطونها كل يوم دينارا فرجع معها، كما قال:{فرددناه إلى أمه...}
اطفيش
تفسير : {وحرَّمنا} منعنا أى قضينا أن لا يشرب لبن امرأة بعد أمه {عليه} أى عنه {المَراضع} جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد، وهى المرأة التى ترضع ولدا كحائض وطامث وطاهر من حيض او نفاس، وطالق ونحو ذلك مما يختص بالنساء، فلا يحتاج إلى تاء، وذلك لشهرته كاف عن التأويل بشخص مرضع، أو جمع مرضع بضم الميم وفتح الضاد، اى إرضاع، أو بفتح الميم، اى رضاع ويبعد أنه جمع مرضع بالضم أو الفتح بمعنى موضع الارضاع، أو موضع الرضاع، وهو الثدى والجمع قيل التعدد مرات الرضاع {مِنْ قَبْل} أى قبل أو إبصارها، أو أخذ فرعون، او من أول أمره بعد إرضاع أمه بمعنى لم يجع ولا يجوع من حيث فارق أمه. {فقالت} أى فدخلت عليهم، ورأتهم يلمسون من يكفله، فقالت: {هل أدلُّكم} على أهْل بيتٍ يكْفلونَه يقُومونَ به {لَكم} لنفعكم، أو لأجلكم، لم تقل: هل أدلكم على امرأة تكفله، إشارة الى أهل شرف فيهم امرأة تقوم به، كما هو شأن الملوك {وهُمْ له ناصحون} لا يقصرون فى حقه، قال هامان: ما قالت هذا إلا لأنها من أهله أو تعرفهم فخذوها لتخبركم بحاله، فقالت: إنما أردت ناصحون فيه لأجل الملك، ولحب الاتصال به، أو قالت أردت أنهم ناصحون للملك، برد الهاء للملك لا لموسى، وجاز لها ذلك لضرورة لقيةٍ وفى قلبها فاصحون لموسى لذاته، لا لأجل الملك فيه، ولا للملك بذاته، وقيل: قالت: ترضعه أمى وقد ولدت أخاه هارون فى العام الذى لا ذبح فيه، وكان يذبح عاما ويترك عاما فصدقوها، ومضت به الى أمه، وفى جميع اللغات أوجه العربية بالترجمة، أو تكلمت بالعربية تبعا لهم، إذ كانوا من العمالقة، وهم يتكلمون بالعربية.
الالوسي
تفسير : {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ } أي منعناه ذلك فالتحريم مجاز عن المنع فإن من حرم عليه شيء فقد منعه، ولا يصح إرادة التحريم الشرعي لأن الصبـي ليس من أهل التكليف ولا دليل على الخصوصية، والمراضع جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد وهي المرأة التي ترضع، وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء أو لأنه بمعنى شخص مرضع؛ أو جمع مرضع بفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الرضاع وجمع لتعدد مراته أو اسم مكان أي موضع الرضاع وهو الثدي {مِن قَبْلُ } أي من قبل قصها أو إبصارها أو وروده على من هو عنده، أو من قبل ذلك أي من أول أمره وظاهر صنيع أبـي حيان اختياره {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ } أي هل تريدون أن أدلكم {عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أي يضمنونه ويقومون بتربيته لأجلكم، والفاء فصيحة أي فدخلت عليهم فقالت، وقولها: {على أهل بيت} دون امرأة إشارة إلى أن المراد امرأة من أهل الشرف تليق بخدمة الملوك {وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ } لا يقصرون في خدمته وتربيته، وروي أن هامان لما سمع هذا منها قال إنها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون فخلصت بذلك من الشر الذي يجوز لمثله الكذب وأحسنت وليس ببدع لأنها من بيت النبوة فحقيق بها ذلك. واحتمال الضمير لأمرين مما لا تختص به اللغة العربية بل يكون في جميع اللغات على أن الفراعنة من بقايا العمالقة وكانوا يتكلمون بالعربية فلعلها كلمت بلسانهم ويسمى هذا الأسلوب من الكلام الموجه.
ابن عاشور
تفسير : الواو للحال من ضمير {أية : لأخته}تفسير : [ القصص: 11]. والتحريم: المنع، وهو تحريم تكويني، أي قدّرنا في نفس الطفل الامتناع من التقام أثداء المراضع وكراهتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبّل ثديها؛ لأن فرعون وامرأته حريصان على حياة الطفل، ومن مقدمات ذلك أن جعل الله إرضاعه من أمه مدة تعود فيها بثديها. ومعنى {من قبل} من قبل التقاطه وهو إيذان بأن ذلك التحريم مما تعلق به علم الله وإرادته في الأزل. والفاء في قوله {فقالت} فاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد. وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له وتبديل مرضعة عقب أخرى حتى عُرض على عدد كثير في حصة قصيرة، وذلك بسرعة مقدرة آل فرعون وكثرة تفتيشهم على المراضع حتى ألفوا عدداً كثيراً في زمن يسير، وأيضاً لعرض المراضع أنفسهن على آل فرعون لما شاع أنهم يتطلبون مرضعاً. وعرضت سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطّفاً مع آل فرعون وإبعاداً للظنة عن نفسها. ومعنى {يكفلونه} يتعهدون بحفظه وإرضاعه. فيدل هذا على أن عادتهم في الإرضاع أن يسلم الطفل الرضيع إلى المرأة التي ترضعه يكون عندها كما كانت عادة العرب لأن النساء الحرائر لم يكن يرضين بترك بيوتهن والانتقال إلى بيوت آل الأطفال الرضعاء. كما جاء في خبر إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم عند حليمة بنت وهب في حي بني سعد بن بكر. قال صاحب «الكشاف»: فدفعه فرعون إليها وأجرى لها وذهبت به إلى بيتها. والعدول عن الجملة الفعلية إلى الإسمية في قوله {وهم له ناصحون} لقصد تأكيد أن النصح من سجاياهم ومما ثبت لهم فلذلك لم يقل: وينصحون له كما قيل {يكفلونه لكم} لأن الكفالة أمر سهل بخلاف النصح والعناية. وتعليق {له} بــــ {ناصحون} ليس على معنى التقييد بل لأنه حكاية الواقع. فالمعنى: أن النصح من صفاتهم فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم. والنصح: العمل الخالص الخلي من التقصير والفساد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وحرمنا عليه المراضع: أي منعناه من قبول ثدى أيَّة مرضعة. من قبل: أي من قبل رده إلى أمه. فقالت هل أدلكم على: أي قالت أخت موسى. أهل بيت يكفلونه لكم: يضمونه إليهم، يرضعونه ويربونه لكم. وهم له ناصحون: أي لموسى ناصحون، فلما قالوا لها إذاً كنت أنت تعرفينه، قالت لا، إنما أعني أنهم ناصحون للملك لا للولد. فرددناه إلى أمه: أي رددنا موسى إلى أمه أي قبلوا اقتراح أخته. ولتعلم أن وعد الله حق: إذ أوحى إليها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين. ولكن أكثرهم لا يعلمون: أي أكثر الناس لا يعلمون وعد الله لأم موسى ولا يعلمون أن الفتاة أخته وأن أمها أمه. ولما بلغ أشده واستوى: أي ثلاثين سنة من عمره فانتهى شبابه وكمل عقله. آتيناه حكماً وعلماً: أي وهبناه الحكمة من القول والعمل والعلم بالدين الإِسلامي الذي كان عليه بنو إسرائيل وهذا قبل أن ينبأ ويرسل. ودخل المدينة : مدينة فرعون وهي مُنْفُ بعد أن غاب عنها مدة. على حين غفلة من أهلها: لأن الوقت كان وقت القيلولة. هذا من شيعته: أي على دينه الإِسلامي. وهذا من عدوه: على دين فرعون والأقباط. فوكزه موسى فقضى عليه: أي ضربه بجمع كفه فقضى عليه أيْ قتله. هذا من عمل الشيطان: أي هذا الفعل من عمل الشيطان لأنه المهيج غضبي. أنه عدو مضل مبين: أي الشيطان عدو لابن آدم مضل له عن الهدى، مبين ظاهر الإِضلال. معنى الآيات: ما زال السياق في قصص موسى مع فرعون: إنه بعد أن التقط آل فرعون موسى من النيل وهو رضيع قدموا له المراضع فرفضهن مرضعة بعد أخرى، فاحْتار آل فرعون لحبهم لموسى لأن الله تعالى ألقى عليه محبة منه فما رآه أحد إلا أحبه وهذا معنى قوله تعالى في الآية [12] {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} أي قبل رده إلى أمه. وقوله: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} هذه أخته وقد أمرتها أمها أن تقص آثار موسى وتتبع أخباره فلما علمت أن أخاها لم يقبل المراضع وأن القصر في قلق من جراء عدم رضاع موسى تقدمت وقالت ما أخبر الله تعالى به عنها في قوله: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ} ويرضعونه ويحفظونه حتى تنتهي مدة رضاعته {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} وهنا ارتابوا في أمرها واستنطقوها واتهموها بأنها تعرفه فقالت: لا أعرفه، إنما عنيت {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} أن أهل هذا البيت ناصحون للملك وهنا استجابوا لها فأتت به أمه فما إن رآها حتى رمى نفسه عليها وأخذ ثديها يمتصه فقالو لها: ما سر قبوله هذه المرأة فأجابت: بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذنوا لها في إرضاعه في بيتها فعادت به وهو معنى قوله تعالى {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} أي تفرح وتسر ولا تحزن على فراقه، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} إذ وعدها بأنه راده إليها. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنها أمه ولا أن الله وعدها بأن يرده إليها. وقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ} أي موسى {أَشُدَّهُ} أي اكتمال شبابه وهو ثلاثين سنة. {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي حكمة وهي الإِصابة في الأمور {وَعِلْماً} فقهاً في الدين الإِسلامي الذي كان عليه بنو إِسرائيل. وقوله تعالى {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي كما جزينا أم موسى وولدها موسى نجزي المحسنين وقوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ} أي موسى دخل مدينة مُنْفُ التي هي مدينة فرعون وكان غائباً فترة. {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} لأن الوقت كان وقت القيلولة. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} على دين موسى وبني إسرائيل وهو الإِسلام {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} لأنه على دين فرعون والأقباط وهو الكفر. {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ} أي طلب غوثه على الذي من عدوه {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} أي ضربه بجمع كفه {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي فقتله ودفنه في الرمال. وقوله تعالى: {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} أي هذا قول موسى عليه السلام اعترف بأن ضربه القبطي كان من تهيج الشيطان لغضبه فقال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ} للإِنسان {مُّضِلٌّ} له عن طريق الخير والهدى {مُّبِينٌ} أي ظاهر العداوة للإِنسان والإِضلال. وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} أي دعا موسى ربه معترفاً بخطئه أولاً فقال: {رَبِّ} أي يا رب {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي بقتلي القبطي {فَٱغْفِرْ لِي} هذا الخطأ، فاستجاب الله تعالى وغفر له، إنه تعالى هو الغفور لذنوب عباده التائبين له الرحيم بهم فلا يعذبهم بذنب تابوا منه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حسن تدبير الله تعالى في منع موسى من سائر المرضعات حتى يرده إلى أمه. 2- بيان حسن رد الفتاة على التهمة التي وجهت إليها وذلك من ولاية الله لها وتوفيقه. 3- تقرير أن وعد الله حق، وأنه تعالى لا يخلف الوعد ولا الميعاد. 4- بيان إِنعام الله على موسى بالحكمة والعلم قبل النبوة والرسالة. 5- مشروعية إِغاثة الملهوف ونصرة المظلوم. 6- وجوب التوبة بعد الوقوع في الزلل، وأول التوبة الاعتراف بالذنب.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَاصِحُونَ} (12) - وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُوسَى في دَارِ آلِ فِرْعَونَ، عَرَضُوا عَليهِ المَراضِعَ فَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَرْضَعَ مِنْ ثَدْيِ امرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَخَرجُوا بِهِ إِلى السُّوقِ لَعَلَّهُم يَجِدُونَ امرَأَةً تَصْلُحُ لإِرضَاعِهِ، فَلَمَّا رَأتهُ أُختُهُ في أيدِيهِمْ عَرَفَتْهُ وَلم تُظْهِرْ ذَلِكَ، وَلَم يَشْعُرُوا بِها، فَقَالَتْ لَهُمْ: هَلْ تُريدُونَ أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلى أََهلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ حَافِظُونَ؟ فَذَهَبُوا مَعَهَا إِلى أُمِّهَا، فَأعْطَتْهُ ثَدْيَهَا فَالتَقَمَهُ، فَفَرِحُوا بذلك، وَبَشَّرُوا امْرَأَةَ فِرْعُونَ، فَاسْتَدعَتْ أُمَّ مُوسَى، وأَحْسَنَتْ إِليها، وَهِيَ لاَ تَعرِفُ أَنَّها أُمُّهُ، ثُمَّ سَأَلَتْها أَنْ تُقِيمَ عِندَهَا لتُرِضِعَهُ فَأَبتْ عَليها، وَقَالَتْ لَها إِنَّ لَهَا زَوْجاً وَأَولاَداً، فَسَمَحَتْ لَها امرَأَةُ فِرعَونَ بأَنْ تَأْخُذَهُ، إِلى بَيتِها لِتُرْضِعَهُ، وَأَجْزَلَتْ لَهَا العَطَاءَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التحريم هنا لا يعني التحريم بالنسبة للمكلَّف: هذا حلال وهذا حرام، إنما {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ ..} [القصص: 12] يعني: منعناه أنْ يرضع من المرضعات اللائي يأتونَ بهن لتتقلب عليه المراضع واحدة بعد الأخرى، إلى أن تأتيه أمه. و{ٱلْمَرَاضِعَ ..} [القصص: 12] جمع مُرضِع، ونقول أيضاً: مرضعة، ولكل من اللفظين مدلول، على خلاف ما يظنه البعض أنهما بمعنى واحد. واقرأ أول سورة الحج: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ..}تفسير : [الحج: 2]. المرضِع: التي من شأنها أنْ تُرضع، وصالحة لهذه العملية، لكن المرضعة التي تُرضع الآن فعلاً، وعلى حِجْرها طفل يلتقم ثديها، وفي موقف القيامة ستذهل هذه عن طفلها من هَوْل ما ترى، إذن: فالتي تذهل هي المرضعة لا المرضع. والضمير في {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ ..} [القصص: 12] يعود على أخت موسى؛ لأنها ما زالت في مهمة تتبُّع الولد، وقد سمعها هامان تقول {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] فقال لها: لا بدَّ أنك من أهل هذا الولد؟ وتعرفين قصَّته، فقالت: بل ناصحون للملك مخلصون له. وفعلاً وافقوها على ما نصحتْ به؛ لأنهم معذورون، فالولد يأبى الرضاعة من الأخريات. ثم يقول الحق سبحانه: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] يشير إلى أنه لو لم يحرم على موسى القلب المراضع من النفس والهوى بأن أرضعناه {مِن قَبْلُ} أن يقذف في تابوت القالب مار به في بحر الدنيا بليان الروحانية لقبل ثدي موضعه الحيوانية فلم يرد إلى أم السر، فلما لم يقبل موسى القلب ثدي المرضعات الحيوانية {فَقَالَتْ} أخته العقل {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] {فَرَدَدْنَاهُ} [القصص: 13] بدلالة أخته العقل {إِلَىٰ أُمِّهِ} [القصص: 13] وهي السر {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} [القصص: 13] بوجوده وحسن استعداده لقبول الفيض الإلهي {وَلاَ تَحْزَنَ} [القصص: 13] على فوات ولد مثله {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} لا يجوز فيه الخلف وأن الله لا يخلف الميعاد {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} [القصص: 13] من النفس والصفات {لاَ يَعْلَمُونَ} [القصص: 13] ولو علموا ما تركوا الموعود الشريف الباقي للنفس الخسيس الفاني {وَلَمَّا بَلَغَ} موسى القلب {أَشُدَّهُ} بآله بينته وهو استعداد لقبول الفيض {وَٱسْتَوَىٰ} للتوجه إلى الحضرة {آتَيْنَاهُ حُكْماً} [القصص: 14] أي: حكمة وعلماً وفهماً لكلامنا {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] الذين أحسنوا لأنفسهم وأحسنوا في الطلب يجزيهم بالإحسان في العطاء بالأجر العظيم كقوله: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60]، وقوله: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26] يعني: هذه قضية عامة لا خاصة. ثم أخبر عما قضى {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} [القصص: 15] بقوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ} [القصص: 15] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} يُشير إلى أن موسى القلب دخل مدينة الإنسانية: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} [القصص: 15] وهم الصفات النفسانية ولو لم يكن على حين غفلة من الصفات لما أمكن له الدخول فيها لعداوتها إياه {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} أي: صفتين {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} أي: من صفات القلب {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي: من صفات النفس {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} [القصص: 15] القلب بقوة الروحانية {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي: عليها وفزع منها وبقوله: {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} [القصص: 15] يشير أن قبل صفات النفس والجهاد معها إن لم يكن بأمر الله تعالى وسبيل المتابعة يكون من عمل الشيطان و {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} ويجب الاستغفار عليه كما قال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [القصص: 16] إذ جاهدتها بأمر الشيطان لا بأمرك {فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [القصص: 16] لمن يستغفره وتاب إليه.
همام الصنعاني
تفسير : 2197- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادَة، في قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ}: [الآية: 12]، قال: كَانَ لاَ يَقْبَلُ ثَدْياً، فقالت أخته: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ}: [الآية: 12].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):