٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في قوله: {بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ } قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد وهو استكمال القوة واعتدال المزاج والبنية والثاني: وهو الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: وهو الأقرب أن الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية، والاستواء عبارة عن كمال القوة العقلية وثانيها: الأشد عبارة عن كمال القوة، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة وثالثها: الأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء عبارة عن كمال الخلقة ورابعها: قال ابن عباس الأشد ما بين الثمان عشرة سنة إلى الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ في النقصان، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما حق، لأن الإنسان يكون في أول العمر في النمو والتزايد ثم يبقى من غير زيادة ولا نقصان، ثم يأخذ في الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد قليلاً والقوة قوية جداً ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينتقص ومن الأربعين إلى الستين يأخذ في الانتقاص الخفي، ومن الستين إلى آخر العمر يأخذ في الانتقاص البين الظاهر، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس الأربعين قواه الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قوية مستكملة فيكون الإنسان منجذباً إليها فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص، والقوة العقلية في الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي. المسألة الثانية: اختلفوا في واحد الأشد، قال الفراء: الأشد واحدها شد في القياس ولم يسمع لها بواحد. وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة، كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة القوة والجلادة. أما قوله: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } ففيه وجهان الأول: أنها النبوة وما يقرن بها من العلوم والأخلاق، وعلى هذا التقدير ليس في الآية دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده، لأن الواو في قوله: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ } لا تفيد الترتيب الثاني: آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى: { أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ } تفسير : [الأحزاب: 34] وهذا القول أولى لوجوه: أحدها: أن النبوة أعلى الدرجات البشرية فلا بد وأن تكون مسبوقة بالكمال في العلم والسيرة المرضية التي هي أخلاق الكبراء والحكماء وثانيها: أن قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } يدل على أنه إنما أعطاه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل وثالثها: أن المراد بالحكم والعلم لو كان هو النبوة، لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين لقوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } لأن قوله: {وَكَذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم، ثم بين إنعامه عليه قبل قتل القبطي. وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك: هي عين شمس. المسألة الثانية: اختلفوا في معنى قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } على أقوال: فالقول الأول: أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه، علم أن فرعون وقومه على الباطل، فتكلم بالحق وعاب دينهم، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه وخافهم، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه، وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ما هم قائلون، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها، وإذا دخل المرء مستتراً لأجل خوف، لا تضاف الغفلة إلى القوم القول الثاني: قال السدي: إن موسى عليه السلام حين كبر كان يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، ويدعى موسى ابن فرعون، فركب يوماً في أثره فأدركه المقيل في موضع، فدخلها نصف النهار، وقد خلت الطرق، فهو قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ } القول الثالث: قال ابن زيد: ليس المراد من قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } حصول الغفلة في تلك الساعة، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره، فإن موسى حين كان صغيراً ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه، فمنه عقدة لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ } ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض، لأنه ليس في القرآن ما يدل على شيء منها. المسألة الثالثة: قال تعالى: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } قال الزجاج: قال: هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية، أي وجد فيها رجلين يقتتلان، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه، ثم اختلفوا فقال مقاتل: الرجلان كانا كافرين، إلا أن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من القبط، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام قال له في اليوم الثاني { أية : إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [القصص: 18] والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه وطريقه: إنه من شيعته، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان طباخ فرعون، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه، وقيل الرجلان المقتتلان: أحدهما السامري وهو الذي من شيعته، والآخر طباخ فرعون، والله أعلم بكيفية الحال، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه، فوكزه موسى عليه السلام، الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وقيل بجمع الكف. وقرأ ابن مسعود: (فلكزه موسى)، وقال بعضهم: الوكز في الصدر واللكز في الظهر، وكان عليه السلام شديد البطش، وقال بعض المفسرين: فوكزه بعصاه، قال المفضل هذا غلط، لأنه لا يقال وكزه بالعصا {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } أي أماته وقتله. المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الأول فلم قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ولم قال: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ } ولم قال في سورة أخرى { أية : فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الشعراء: 20]؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً وثانيها: أن قوله: {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } يدل على أنه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً؟ وثالثها: أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً، فكان ذلك القتل قتل خطأ، فلم استغفر منه؟ والجواب: عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم. أما قوله: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ففيه وجوه: أحدها: لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان وثانيها: أن قوله (هذا) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل وثالثها: أن يكون قوله (هذا) إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال فلان من عمل الشيطان، أي من أحزابه. أما قوله: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى } فعلى نهج قول آدم عليه السلام: { أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. أما قوله: {فَٱغْفِرْ لِى } أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به {فَٱغْفِرْ لِى } أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون {فَغَفَرَ لَهُ } أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سبباً للمعصية لما قال ذلك. وأما قوله: {فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالّينَ } فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافراً في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافراً في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالاً أي متحيراً لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك. أما قوله إن كان كافراً حربياً فلم استغفر عن قتله؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو إن كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررنا، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة، فوكزه كان قاتلاً قطعاً. ثم إن سلمنا ذلك ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل ألبتة على أنه كان رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك صادراً منه قبل النبوة، وذلك لا نزاع فيه. المسألة الخامسة: قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } فنسب المعصية إلى الشيطان، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام { أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } تفسير : [يوسف: 100] وقول صاحب موسى عليه السلام: { أية : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الكهف: 63] وقوله تعالى: { أية : لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 27]. أما قوله: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } ففيه وجوه: أحدها: أن ظاهره يدل على أنه قال إنك لما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كانت معصية، لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي عن تلك المعصية فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية وثانيها: قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، والباء للقسم أي بنعمتك علي وثالثها: قال الكسائي والفراء إنه خبر، ومعناه الدعاء كأنه قال فلا تجعلني ظهيراً، قال الفراء وفي حرف عبدالله {فَلاَ تَجْعَلْنِى ظَهِيرًا }، واعلم أن في الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة. وقال ابن عباس: لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيراً إن شاء الله، فابتلي به في اليوم الثاني، وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال: { أية : إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: 19] لا أنه وقع منه.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى عليه السلام، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكماً وعلماً. قال مجاهد: يعني: النبوة، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء. وقال ابن المنكدر عن عطاء ابن يسار عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} أي: يتضاربان ويتنازعان {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} أي: إسرائيلي {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي: قبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام، فوجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَى عَلَيْهِ} قال مجاهد: فوكزه، أي: طعنه بجمع كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه، فقضى عليه، أي: كان فيها حتفه، فمات {قَالَ} موسى: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَب إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي: بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً} أي: معيناً {لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } وهو ثلاثون سنة أو وثلاث {وَٱسْتَوَىٰ } أي بلغ أربعين سنة {ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا } حكمة {وَعِلْماً } فقهاً في الدين قبل أن يبعث نبياً {وَكَذَٰلِكَ } كما جزيناه {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } لأنفسهم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قد تقدّم الكلام في بلوغ الأشدّ في الأنعام، وقد قال ربيعة ومالك: هو الحلم لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً } تفسير : [النساء: 6] الآية، وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري وغيرهما. وقيل: الأشدّ ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين، والاستواء: من الثلاثين إلى الأربعين، وقيل: الاستواء هو بلوغ الأربعين، وقيل: الاستواء: إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل: هو بمعنى واحد، وهو ضعيف؛ لأن العطف يشعر بالمغايرة {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } الحكم: الحكمة على العموم، وقيل: النبوّة. وقيل: الفقه في الدين. والعلم: الفهم، قاله السديّ. وقال مجاهد: الفقه. وقال ابن إسحاق: العلم بدينه ودين آبائه، وقيل: كان هذا قبل النبوّة، وقد تقدّم بيان معنى ذلك في البقرة {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } أي مثل ذلك الجزاء الذي جزينا أمّ موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله نجزي المحسنين على إحسانهم، والمراد العموم. {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ } أي ودخل موسى مدينة مصر الكبرى. وقيل: مدينة غيرها من مدائن مصر، ومحل قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } النصب على الحال إما من الفاعل، أي مستخفياً، وإما من المفعول. قيل: لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون، وفشا ذلك منه، فأخافوه، فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلاّ مستخفياً. قيل: كان دخوله بين العشاء والعتمة، وقيل: وقت القائلة. قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم، فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله: {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ } أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } أي من المعادين له على دينه، وهم قوم فرعون {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ } أي طلب منه أن ينصره، ويعينه على خصمه {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوّهِ } فأغاثه؛ لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل. قيل: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي؛ ليحمل حطباً لمطبخ فرعون، فأبى عليه، واستغاث بموسى {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ } الوكز: الضرب بجمع الكف، وهكذا اللكز واللهز. وقيل: اللكز على اللحى، والوكز على القلب. وقيل: ضربه بعصاه. وقرأ ابن مسعود "فلكزه"، وحكى الثعلبي: أن في مصحف عثمان: "فنكزه" بالنون، قال الأصمعي: "نكزه" بالنون: ضربه، ودفعه. قال الجوهري: اللكز الضرب على الصدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد يعني: أنه يقال له: لكز، واللهز: الضرب بجميع اليدين في الصدر، ومثله عن أبي عبيدة {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } أي قتله، وكل شيء أتيت عليه، وفرغت منه: فقد قضيت عليه، ومنه قول الشاعر:شعر : قد عضه فقضى عليه الأشجع تفسير : قيل: لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه، فأتى ذلك على نفسه، ولهذا قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل؛ لأنه لم يكن إذ ذاك مأموراً بقتل الكفار. وقيل: إن تلك الحالة حالة كفّ عن القتال لكونه مأموناً عندهم، فلم يكن له أن يغتالهم. ثم وصف الشيطان بقوله: {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } أي: عدوّ للإنسان يسعى في إضلاله، ظاهر العداوة والإضلال. وقيل: إن الإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى عمل المقتول لكونه كافراً مخالفاً لما يريده الله. وقيل: إنه إشارة إلى المقتول نفسه يعني: أنه من جند الشيطان وحزبه. ثم طلب من الله سبحانه: أن يغفر له ما وقع منه: {قَالَ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ } الله {لَهُ } ذلك {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } ووجه استغفاره: أنه لم يكن لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، وقيل: إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو أراد إني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر؛ لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به، ومعنى {فَٱغْفِرْ لِي}: فاستر ذلك عليّ لا تطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه السلام ما زال نادماً على ذلك خائفاً من العقوبة بسببه، حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح. وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوّة. وقيل: كان ذلك قبل بلوغه سنّ التكليف، وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء، ولا شك أنهم معصومون من الكبائر، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل. ثم لما أجاب الله سؤاله، وغفر له ما طلب منه مغفرته، قال: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب مقدر أي: أقسم بإنعامك عليّ لأتوبنّ، وتكون جملة: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً. ويجوز أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف، أي اعصمني بسبب ما أنعمت به عليّ، ويكون قوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } مترتباً عليه، ويكون في ذلك استعطاف لله تعالى، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه، و «ما» في قوله: {بِمَا أَنْعَمْتَ } إما موصولة، أو مصدرية، والمراد بما أنعم به عليه: هو ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع، وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر، أو مظاهرته على ما فيه إثم. قال الكسائي، والفراء: ليس قوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } خبراً بل هو دعاء، أي فلا تجعلني يا ربّ ظهيراً لهم. قال الكسائي، وفي قراءة عبد الله: "فلا تجعلني يا ربّ ظهيراً للمجرمين" وقال الفراء: المعنى: اللهم فلن أكون ظهيراً للمجرمين. وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أوفى وأشبه بنسق الكلام. {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } أي دخل في وقت الصباح في المدينة التي قتل فيها القبطي، و{خائفاً} خبر {أصبح} ويجوز أن يكون حالاً، والخبر: {في المدينة}، و{يترقب} يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانية، وأن يكون بدلاً من {خائفاً}، ومفعول {يترقب} محذوف، والمعنى: يترقب المكروه أو يترقب الفرح {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } إذا هي الفجائية، والموصول مبتدأ، وخبره: {يستصرخه} أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطياً آخر، أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس، والاستصراخ: الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوّت، ويصرخ في طلب الغوث، ومنه قول الشاعر:شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الجواب له قرع الظنابيب تفسير : {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } أي بين الغواية، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته، ولا تطيقه. وقيل: إنما قال له هذه المقالة؛ لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر. {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } أي يبطش بالقبطي الذي هو عدوّ لموسى، وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما، وقد تقدّم معنى يبطش، واختلاف القراء فيه. {قَالَ يَـامُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } القائل هو الإسرائيلي لما سمع موسى يقول له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } ورآه يريد أن يبطش بالقبطي ظن أنه يريد أن يبطش به، فقال لموسى: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } فلما سمع القبطي ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي، هكذا قال جمهور المفسرين. وقيل: إن القائل: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ } هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا هو الظاهر، وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل؛ لأنه هو المراد بقوله عَدُوٌّ لَّهُمَا، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم عنه أن المؤمن بموسى المستغيث به المرّة الأولى، والمرّة الأخرى هو الذي أفشى عليه، وأيضاً إن قوله: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ } لا يليق صدور مثله إلاّ من كافر، و"إن" في قوله: {إِن تُرِيدُ } هي النافية، أي ما تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض، قال الزجاج: الجبار في اللغة: الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. وقيل: الجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب، والقتل، ولا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ } أي الذين يصلحون بين الناس. {وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ } قيل: المراد بهذا الرجل: حزقيل، وهو مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم موسى، وقيل: اسمه شمعون، وقيل: طالوت، وقيل: شمعان. والمراد بأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، و{يسعى} يجوز أن يكون في محل رفع صفة لرجل، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال، لأن لفظ رجل وإن كان نكرة فقد تخصص بقوله: مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ، {قَالَ يَـامُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } أي يتشاورون في قتلك، ويتآمرون بسببك. قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك، وقال أبو عبيد: يتشاورون فيك ليقتلوك: يعني: أشراف قوم فرعون. قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا، أي أمر بعضهم بعضاً، نظيره قوله: {أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } تفسير : [الطلاق: 6] قال النمر بن تولب:شعر : أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كـل حادثة يؤتمر تفسير : {فَٱخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } في الأمر بالخروج، واللام للبيان؛ لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } فخرج موسى من المدينة حال كونه خائفاً من الظالمين مترقباً لحوقهم به، وإدراكهم له، ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه قائلاً: {رَبّ نَجّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي خلصني من القوم الكافرين، وادفعهم عني، وحلّ بيني وبينهم {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } أي نحو مدين قاصداً لها. قال الزجاج: أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين فيها. انتهى. يقال: داره تلقاء دار فلان، وأصله من اللقاء، ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا خرج إليها {قَالَ عَسَىٰ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } أي وصل إليه، وهو الماء الذي يستقون منه {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ } أي وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد، وقد يطلق على البلوغ إليه، وإن لم يدخل فيه، وهو المراد هنا، ومنه قول زهير:شعر : فلما وردنا الماء زرقا حمامه تفسير : وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله: {أية : وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } تفسير : [مريم: 71] وقيل: مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا التقديرين. {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } أي من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها، وقيل: معناه: في موضع أسفل منهم {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ } أي تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس، ويخلو بينهما وبين الماء، ومعنى الذود: الدفع، والحبس، ومنه قول الشاعر:شعر : أبيت على باب القوافي كأنما أذود بها سرباً من الوحش نزّعا تفسير : أي: أحبس، وأمنع، وورد الذود بمعنى الطرد، ومنه قول الشاعر:شعر : لقد سلبت عصاك بنو تميم فما تدري بأي عصى تذود تفسير : أي: تطرد {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } أي: قال موسى للمرأتين: ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب: الشأن، قيل: وإنما يقال: ما خطبك لمصاب، أو مضطهد، أو لمن يأتي بمنكر {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء } أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء، وينصرفوا منه حذراً من مخالطتهم، أو عجزاً عن السقي معهم. قرأ الجمهور: {يصدر} بضم الياء، وكسر الدال مضارع أصدر المتعدّى بالهمزة. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر لازماً، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف، أي يرجعون مواشيهم، والرعاء جمع راع. قرأ الجمهور: {الرعاء} بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة، فلذلك استوى فيه الواحد، والجمع. وقرىء: "الرعاء" بالضم اسم جمع. وقرأ طلحة بن مصرف: "نسقى" بضم النون من أسقى {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } عالي السن، وهذا من تمام كلامهما، أي لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك احتجنا، ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك فلما سمع موسى كلامهما {سقى لهما} رحمة لهما، أي سقى أغنامهما لأجلهما، "ثم" لما فرغ من السقي لهما {تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ } أي: انصرف إليه، فجلس فيه. قيل: كان هذا الظل ظل سمرة هنالك. ثم قال لما أصابه من الجهد، والتعب منادياً لربه {إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ } أيّ خير كان {فَقِيرٌ } أي محتاج إلى ذلك. قيل: أراد بذلك الطعام، واللام في: {لِمَا أَنزَلْتَ } معناها: إلى. قال الأخفش: يقال: هو فقير له، وإليه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قال: ثلاثاً وثلاثين سنة {وَٱسْتَوَىٰ } قال: أربعين سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال: الأشد: ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين، والاستواء: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضاً في قوله: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } قال: نصف النهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني، عنه أيضاً في الآية قال: ما بين المغرب والعشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ } قال: إسرائيلي {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } قال: قبطي {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ } الإسرائيلي {عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوّهِ } القبطي {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } قال: فمات، قال: فكبر ذلك على موسى. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } قال: هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الذي استنصره هو الذي استصرخه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: من قتل رجلين فهو جبار، ثم تلا هذه الآية: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ }، وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: خرج موسى خائفاً يترقب جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين، و {عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ }، وامرأتان جالستان بشياههما، فسألهما: {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } قال: فهل قربكما ماء؟ قالتا: لا، إلاّ بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر، قال: فانطلقا، فأريانيها، فانطلقتا معه، فقال بالصخرة بيده، فنحاها، ثم استقى لهم سجلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }، فسمعتا، قال: فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فأخبرتاه، فقال لإحداهما: انطلقي فادعيه، فأتت، فقالت: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فمشت بين يديه، فقال لها: امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحلّ لي أن أرى منك ما حرّم الله عليّ، وأرشديني الطريق {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـئجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} قال لها أبوها: ما رأيت من قوّته وأمانته؟ فأخبرته بالأمر الذي كان، قالت: أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلاّ النفر. وأما أمانته فقال: امشي خلفي وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحلّ لي منك ما حرّمه الله. قيل لابن عباس: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أبرّهما وأوفاهما. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: إن موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلاّ عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال: ما خطبكما؟ فحدّثتاه، فأتى الحجر، فرفعه وحده، ثم استقى فلم يستق إلاّ ذنوباً واحداً حتى رويت الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما، فحدّثتاه، وتولى موسى إلى الظلّ فقال: {ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}. قال: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَاء} واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء خرّاجة ولاجة {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فقام معها موسى، فقال لها: إمشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها قصّ عليه، فقالت إحداهما: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين} قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوّته؟ قالت: أما قوّته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلاّ عشرة رجال، وأما أمانته فقال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق؛ فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، فقال: {إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } إلى قوله: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ} أي في حسن الصحبة، والوفاء بما قلت {قَالَ } موسى: {ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} قال: نعم، قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} فزوَّجه، وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه، وما يحتاج إليه، وزوجه صفوراً وأختها شرفاً، وهما اللتان كانتا تذودان. قال ابن كثير بعد إخراجه لطرق من هذا الحديث: إن إسناده صحيح. والسلفع من النساء الجريئة السليطة. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } قال: ورد الماء حيث ورد، وإنه لتتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثماني ليالٍ، ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشجر، وخرج حافياً، فما وصل إليها حتى وقع خفّ قدمه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً قال: {تَذُودَانِ }: تحبسان غنمهما حتى ينزع الناس، ويخلو لهما البئر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً قال: لقد قال موسى: {ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شقّ تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدّة الجوع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: ما سأل إلاّ الطعام. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: سأل فلقاً من الخبز يشدّ بها صلبه من الجوع.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} فيه تسعة أقاويل: أحدها: أربعون سنة، قاله الحسن. الثاني: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان. الثالث: ثلاث وثلاثون سنة، قاله ابن عباس. الرابع: ثلاثون سنة، قاله السدي. الخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. السادس: عشرون سنة، حكاه يحيى بن سلام. السابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير. الثامن: خمس عشرة سنة، قاله محمد بن قيس. التاسع: الحلم. قاله ربيعة ومالك. والأشد جمع واختلف هل له واحد أم لا، على قولين: أحدهما: لا واحد له، قاله أبو عبيدة. الثاني: له واحد وفيه وجهان: أحدهما: شد، قاله سيبويه. الثاني: شدة، قاله الكسائي. {وَاسْتَوَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: اعتدال القوة، قاله ابن شجرة. الثاني: خروج اللحية، قاله ابن قتيبة. الثالث: انتهى شبابه، قاله ابن قتيبة. الرابع: أربعون سنة، قاله ابن عباس. {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} في الحكم أربعة أقاويل: أحدها: أنه العقل، قاله عكرمة. الثاني: النبوة، قاله السدي. الثالث: القوة، قاله مجاهد. الرابع: الفقه، قاله ابن اسحاق. قوله: {وَدَخَل الْمَدِينَةَ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مصر، قاله ابن شجرة. الثاني: منف، قاله السدي. الثالث: عين الشمس، قاله الضحاك. {عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} فيه أربعة أقاويل: أحدها: نصف النهار والناس قائلون، قاله ابن جبير. الثاني: ما بين المغرب والعشاء، قاله ابن عباس. الثالث: يوم عيد لهم وهم في لهوهم، قاله الحسن. الرابع: لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به، حكاه ابن عيسى. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} وفيه قولان: أحدهما: من شيعته إسرائيلي ومن عدوه قبطي، قاله ابن عباس. الثاني: من شيعته مسلم ومن عدوه كافر، قاله ابن إسحاق. {فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} حكى ابن سلام أن القبطي سخّر الإسرائيلي ليحمل له حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازاً لفرعون {فَوَكَزَهُ مُوسَى} قال قتادة: بعصاه وقال مجاهد: بكفه أي دفعه، الوكز واللكز واحد والدفع. قال رؤبة: شعر : بعدد ذي عُدَّةٍ ووكز تفسير : إلا أن الوكز في الصدر واللكز في الظهر. فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله وانما يريد دفعه. {فَقَضَى عَلَيهِ} أي فقتله. و {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي من إغوائه. {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُّبِينٌ} قال الحسن: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذٍ في تلك الحال لأنها كانت حال كف عن القتال. قوله: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} فيه وجهان: أحدهما: من المغفرة. الثاني: من الهداية. {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} أي عوناً. قال ابن عباس: قال ذلك فابتلي لأن صاحبه الذي أعانه دل عليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَشُدَّهُ} أربعون سنة، أو أربع وثلاثون، أو ثلاث وثلاثون "ع" أو ثلاثون أو خمس وعشرون، أو عشرون، أو ثماني عشرة، أو خمس عشرة، أو الحلم، أو الأشد جمع لا واحد له، أو واحد شُدَّ. {وَاسْتَوَى} باعتدال القوة، أو نبات اللحية، أو انتهاء شبابه، أو بأربعين سنة "ع". {حُكْماً} عقلاً، أو نبوة، أو القرآن، أو الفقه {وَعِلْماً} بما في دينه وحدوده وشرائعه، أو فهماً، أو فقهاً.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} تقدم الكلام عليه، "وَاسْتَوَى" أي: بلغ أربعين سنة - (قاله ابن عباس -) وقيل: استوى: انتهى شبابه، {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أَنْ يبعث نبياً، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}، وهذا يدل على أنه ليس المراد بالحكم النبوة، لأنه جعل إيتاءه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه، والنبوة لا تكون جزاء على العمل. قوله: "وَدَخَلَ المَدِينَة" أي: ودخل موسى المدينة. قال السدي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية تدعى حانين على (رأس) فرسخين من مصر، وقيل: عين شمس، قوله: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ} في موضع الحال إمّا من الفاعل أي: كائناً على حين غَفْلَة، أي: مُستخفياً، وإِمَّا من المفعول، وقرأ أبو طالب القارىء "عَلَى حِينَ" بفتح النون، وتكلَّفَ أبو حيان تخريجها على أنه حمل المصدر على الفعل في أنه إذا أضيف الظرف إليه جاز بناؤه على الفتح، كقوله: شعر : 3977 - عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا تفسير : و "مِنْ أَهْلِهَا" صفة لـ "غَفْلَةٍ"، أي: صادرة من أهلها. فصل اختلفوا في السبب الذي لأجله دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، فقال السُّدِّي: إن موسى كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب في مراكب فرعون، ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض منف، فدخلها نصف النهار وليس في طرقها أحد, فذلك {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. وقال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق فارق فرعون وقومه وخالفهم في دينهم حتى ذكر ذلك منه، وأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً. وقال ابن زيد: إِنَّ موسى ضرب رأس فرعون ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله، فقالت امرأته: هو صغير، جِىءْ بجمرة فأخذها فطرحها في فيه، فبها عقد لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليها حتى كبر، فدخل {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ}. قوله "يَقْتتلانِ" صفة لـ "رَجُلَيْنِ"، وقال ابن عطية: حالٌ منهما، وسيبويه - وإن كان جوَّزها من النكرة مطلقاً - إلاَّ أَنَّ الأكثر يشترطون فيها ما يُسوِّغُ الابتداء بها. وقرأ نعيمُ بن ميسرة "يقتلان" بالإدغام، نقل فتحة التاء الأولى إلى القاف وأدغم. قوله {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} مبتدأ وخبر في موضع الصفة لـ "رَجُلَيْنِ"، أو الحال من الضمير في "يَقْتتلانِ" وهو بعيدٌ لعدمِ انتِقالهَا. وقوله: "هذَا" و "هذا" على حكاية الحال الماضية، فكأنهما حاضران، أي: إذا نظر الناظر إليهما، قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب، وأنشد لجرير: شعر : 3978 - هذَا ابنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَة لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمْ إِليَّ قَطِينا تفسير : (فصل) {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} من بني إسرائيل، {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} من القبط. قال مقاتل: كانا كافرين إلا أنَّ أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل، لقول موسى عليه السلام له: {أية : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [القصص: 18]. والمشهور أَنَّ الإسرائيلي كان مسلماً، قيل: إنه السامري، والقبطي طبَّاخ فرعون. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لمَّا بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلُص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع. وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم. قوله "فَاسْتَغَاثَهُ" هذه قراءة العامة من الغوث أي طلب غوثه ونصره، وقرأ سيبويه وابن مقسم والزعفراني بالعين المهملة والنون من الإِعانة. قال ابن عطية: هي تصحيف وقال ابن جبارة صاحب الكامل: الاختيار قراءة ابن مقسم، لأَنَّ الإِعانة أوْلَى في هذا الباب قال شهاب الدين: نسبة التصحيف إلى هؤلاء غير محمودة (كما أن تغالي) الهذلي في اختيار الشاذة غير محمود. قوله: "فَوَكَزَهُ" أي: دفعه بجميع كَفِّه، والفرق بين الوَكْزِ واللَّكْزِ: أَنَّ الأول بجميع الكف والثاني: بأطراف الأصابع، وقيل بالعكس، وقيل: اللكز في الصدر، والوكز في الظهر، والنَّكْزُ كاللَّكْزِ قال: شعر : 3979 - يَا أَيُّهَا الجَاهِلُ ذُو التَّنَزِّي لا تُوعِدني حَبَّةٌ بِالنَّكْزِ تفسير : وقرأ ابن مسعود "فَلَكَزَهُ" و "فَنَكَزَهُ" باللام والنون. قوله: "فَقَضَى" أي: موسى، أو الله تعالى، أو ضمير الفعل أي: الوكز "فَقَضَى عَلَيْهِ" أي: أماته، وقتله، وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، و {قَالَ: هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} فقوله: "هذَا" إشارة إلى القتل الصادر منه، و {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: من وسوسته وتسويله. فصل احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه: أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلم قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ}؟ ولم قال: {ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}؟ وقال في سورة أخرى {أية : فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الشعراء: 20]. وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنباً. وثانيها: أنَّ قوله: {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} يدل على أنه كان كافراً حربياً، فكان دمه مباحاً، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز لأنه يوهم في المباح كونه حراماً. وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهراً. فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟ والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال إنه لكفره مباح الدم؟ وأما قوله {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} ففيه وجوه: الأول: أنَّ الله تعالى وإن أباح قتل الكفار، إلاَّ أنه كان الأَولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل ترك ذلك المندوب؛ وهو قوله: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ}. الثاني: أنَّ قوله: "هذَا" إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه. (الثالث: أنَّ قوله: "هذَا" إشارة إلى المقتول). (يعني أنه من حزب الشيطان) وجنده، يقال: فلان من عمل الشيطان أي من أحزابه. وأما قوله {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي} (فعلى نهج قول آدم عليه السلام) {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله "فَاغْفِرْ لِي" أي: فاغفر لي ترك هذا المندوب. وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} حيث قتلت هذا الملعون، فإنَّ فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، "فَاغْفِرْ ليْ"، فاستره عليَّ ولا توصل خبره إلى فرعون، "فَغَفَرَ لَهُ" أي: ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا قوله {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} فلو كانت إعانة المؤمن هنا سبباً للمعصية لما قال ذلك، وأما قوله {أية : فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الشعراء: 20] فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً، بل اعترف أنه كان ضالاً أي: متحيراً لا يدري ما يجب عليه. وأما قوله: إنْ كان كافراً حربياً فَلِمَ استغفر من قتله؟ قلنا: كون الكافر مباح الدم أم يختلف باختلاف الشرائع، فلعلّ قتلهم كان حراماً في ذلك الوقت، أو كان مباحاً لكن الأولى تركه على ما قررناه. وأما قوله: كان قتل خطأ، قلنا: لا نسلم، فلعل الرجل إن كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة فوكزه كان قاتلاً قطعاً، ثم إن سلمنا ذلك ولكنه - عليه السلام - كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أَنَّا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية، لكنَّا بيَّنَّا أَنهُ لا دلالة البتة فيه، لأنه لم يكن رسولاً في ذلك الوقت فيكون ذلك قبل النبوة لا نزاع فيه. فصل قالت المعتزلة: الآية تدل على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله، لأنه - عليه السلام - قال: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ}، فلو كانت بخلق الله لكانت من الله لا من الشيطان، وهو كقول يوسف - عليه السلام - {أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100]، وقول فتى موسى {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}تفسير : [الكهف: 63]، وقوله تعالى: {أية : لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف: 27]، وتقدم الكلام على ذلك. قوله: "بِمَا أَنْعَمْتَ" يجوز في الباء أن تكون (قسماً و) الجواب مقدراً: لأَتوبنَّ، وتفسيره: فَلنْ أكُونَ، قال القفال: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، أي: بنعمتك عليَّ، وأنْ تكون متعلقة بمحذوف ومعناها السببية، أي: اعصمني بسبب ما أَنعمتَ به عليَّ، ويترتب عليه قوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً}، و "مَا" مصدرية أو بمعنى الذي، والعائد محذوف، وقوله: "فَلَنْ" نفيٌ على حقيقته، وهذا يدل على أنه قال: لِمَ أنعمت عليَّ بهذا الإنعام فإني لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدلّ على أَنَّ ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان معصية لنزل الكلام منزلة قوله: "إنك لمَّا أنعمت عليَّ بقبول توبتي من تلك المعصية. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء، وإنَّ "لَنْ" واقعة موقع "لا"، كأنه قال: ولا تجعلني ظهيراً، قال الفراء: في حرف عبد الله {وَلاَ تَجْعَلْنِي ظَهِيراً} قال الشاعر: شعر : 3980 - لَنْ تَزَالُوا كَذلكُم ثُمَّ لا زلْـ ــتَ لَهُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ تفسير : قال شهاب الدين: وليس في الآي والبيت دلالة على وقوع "لن" موقع "لا"، لظهور النفي فيهما من غير تقدير دعاء. فصل قال ابن عباس: {بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} بالمغفرة، {فَلَنْ أَكُوْنَ ظَهِيراً} عوناً "لِلْمُجْرِمينَ". أي: للكافرين وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة. قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني: (وهذا ضعيف، لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو، فقال: {أية : إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً}تفسير : [القصص: 19] إلاّ أنه لم يقع منه).
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولما بلغ أشدّه} قال: ثلاثاً وثلاثين سنة {واستوى} قال: أربعين سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولما بلغ اشدّه واستوى} قال: الاشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولما بلغ أشدّه} قال: ثلاثاً وثلاثين سنة {واستوى} قال: أربعين سنة {آتيناه حكماً وعلماً} قال: الحكم الفقه والعقل، والعلم قال: النبوّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قبيصة رضي الله عنه في الآية قال: يعني بالاستواء: خروج لحيته. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {ولما بلغ أشدّه} قال: ثلاثاً وثلاثين سنة {واستوى} قال: أربعين سنة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ} [الآية: 14]. قال الجنيد رحمة الله عليه: لما تكامل عقله وصحّت بصيرته وحصلت نحيرته وآن أوان خطابه آتيناه حكمًا بيانًا فى نفسه وعلمًا بما يتجدد عنده من موارد الزوائد عليه من ربه.
القشيري
تفسير : لمَّا كَمُلَتْ سِنُّه وتمَّ عقلُه، واستوى كمال خصاله {آتَيْنَاهُ حُكْماً}: أي أَتـْمَمْنَا له التحصيل، وَوَفَّرْنا له العلم، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُنا مع الأكابر والأنبياء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} لما تمكنت فطرته السليمة القابلة نور الغيب بسنا العقل وكمل عقله بتائيد الحق ونصرته على النفس والهوى وقوى قلبه بصفات الايمان والايقان وتجر روحه مما دون الله واستوى بنعت التمكين فى العبودية عند جريان احكام الربوبية عليه اتيناه حكمته الازلية وعلوم الابدية ليعرف بانوارها حقائق الصفات ويرى بسنائها جلال الذات قال الجنيد لما تكامل عقله وصحت بصيرته وخلصت----وأن اوان خطابه أتيانه حكما بيانا فى نفسه وعلما مما يتجدد عنده من موارد الزوائد عليه من ربه قال ابو بكر الورانى حكما على عبادنا وعلما بنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما بلغ} موسى {اشده} اى قوته هو مابين ثمانى عشرة سنة الى ثلاثين سنة واحد على بناء الجمع كماسبق فى سورة يوسف {واستوى} الاستواء اعتدال الشىء فى ذاته اى اعتدل عقله وكمل بان بلغ اربعين سنة كقوله {أية : وبلغ اربيعن سنة}تفسير : بعد قوله {أية : حتى اذا بلغ اشده}تفسير : وفى يوسف {بلغ اشده} فحسب لانه اوحى اليه فى صباه حين كونه فى البئر وموسى عليه السلام اوحى اليه بعد اربعين سنة كما قال {آتيناه حكما} اى بنوة {وعلما} بالدين. قال الكاشفى [ذكر انباى نبوت دراثناى اى قضيه] اى مع انه تعالى استنبأه بعد الهجرة فى المراجعة من مدين الى مصر [بيان صدق هرد ووعده است كه جنانجه اورا بمادر رسانيديم ونبوت هم داديم] والجمهور على ان نبينا عليه السلام بعث على رأس الاربعين وكذا كل نبى عند البعض. وقال بعضهم اشتراط الاربعين فى حق الانبياء ليس بشىء لان عيسى عليه السلام نبىء ورفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين ونبىء يوسف عليه السلام وهو ابن ثمانى عشرة ويحيى عليه السلام نبىء وهو غير بالغ قيل كان ابن سنتين او ثلاث وكان ذبحه قبل عيسى بسنة ونصف وهكذا احوال بعض الاولياء فان سهل بن عبدالله التسترى سلك وكوشف له وهو غير بالغ. وفى الآية تنبيه على ان العطية الالهية تصل الى العبد وان طال العهد اذا جاء او انها فالطالب الحق ان ينتظر احسان الله تعالى ولا يياس منه فان المحسن لابد وان يجازى بالاحسان كما قال تعالى {وكذلك} اى كما جزينا موسى وامه {نجزى المحسنين} على احسانهم وفيه تنبيه على انهما كانا محسنين فى عملهما متقيين فى عنفوان عمرهما فمن ادخل نفسه فى زمرة اهل الاحسان جازاه الله باحسن الجزاء ـ حكى ـ ان امرأة كانت تتعشى فسألها سائل فقامت ووضعت فى فمه لقمة ثم وضعت ولدها فى موضع فاختلسه الذئب فقالت يارب ولدى فاخذ آخذ عنق الذئب واستخرج الولد من فيه بغير اذى وقال لها هذه اللقمة بتلك اللقمة التى وضعتها فى فم السائل. والاحسان على مراتب فهو فى مرتبة الطبيعة بالشريعة وفى مرتبة النفس بالطريقة واصلاح النفس وذلك بترك حظ النفس فانه حجاب عظيم وفى مرتبة الروح بالمعرفة وفى مرتبة السر بالحقيقة. فغاية الاحسان من العبد الفناء فى الله ومن المولى اعطاء الوجود الحقانى اياه ولا يتيسر ذلك الفناء الا لمن ايده الله بهدايته ونور قلبه بانوار التوحيد اذ التوحيد مفتاح السعادات فينبغى لطالب الحق ان يكون بين الخوف والرجاء فى مقام النفس ليزكيها بالوعد والوعيد ويصفى وينور الباطن فى مقام القلب بنور التوحيد ليتهيأ لتجليات الصفات وبطلب الهداية فى مقام الروح ليشاهد تجلى الذات ولايكون فى اليأس والقنوط ألا ترى ان ام موسى كانت راجية واثقة بوعدالله حتى نالت ولدها موسى وتشرفت ايضا بنبوته فان من كانت صدف درة النبوة تشرفت بشرفها. واعلم انه لابد من الشكر على الاحسان فشكر الاله بطول الثناء وشكر الولاة بصدق الولاء وشكر النظير بحسن الجزاء وشكر من دونك ببذل العطاء شعر : يكى كوش كودك بماليد سخت كه اى بو العجب رأى بركشته بخت تراتيشه دادم كه هيزم شكن نكفتم كه ديوار مسجد بكن زبان آمد ازبهر شكر وسباس بغيبت نكر داندش حق شناس كذركاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش دوجشم ازبى صنع بارى نكوست زعيب برادر فروكير ودوست بروشكر كن جون بنعمت درى كه محرومى آيد زمستكبرى كرا زحق نه توفيق خيرى رسد كى ازبنده خيرى بغيرى رسد ببخش اى بسر كادمى زاده صيد باحسان توان كرد ووحشى بقيد مكن بدكه يدبينى ازيارنيك نيايد زتخم بدى بارنيك تفسير : اى لا تجيىء ثمرة الخير الا من شجرة الخير كما لايحصل الحنظل الا من العلقمة فمن اراد الرطب فليبذر النخل ـ حكى ـ ان امرأة كانت لها شاة تتعيش بها واولاودها فجاءها يوما ضيف فلم تجد شيئا للاكل فذبحت الشاة ثم ان الله تعالى اعطاها بدلها شاة اخرى وكانت تحلب من ضرعها لبنا وعسلا حتى اشتهر ذلك بين الناس فجاء يوما زائرون لها فسألوا عن السبب فى ذلك فقالت انها كانت ترعى فى قلوب المريدين يعنى ان الله تعالى جازاها على احسانها الى الضيف بالشاة الاخرى ثم لما كان بذلها عن طيب الخاطر وصفاء البال اظهر الله ثمرته فى ضرع الشاة باجراء اللبن والعسل فليس جزاء الاحسان الا الاحسان الخاص من قبل الرحمن وليس للامساك والبخل ثمرة سوى الحرمان نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من الذين يحسنون لانفسهم فى الطلب والارادة وتحصيل السعادة واستجلاب الزيادة والسيارة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {على حين غَفْلَةٍ}: حال، أي: دخل مخفياً. يقول الحق جل جلاله: {ولما بَلَغَ} موسى {أَشُدَّهُ} أي: نهاية القوم وتمام العقل، جمع شِدَّةٍ؛ كنعمة وأنعم. وأول ما قيل في الأشد: بلوغ النكاح، وذلك أولُه، وأقصاه: أربع وثلاثون سنة. {واستوى} أي: اعتدل عقله وقوته، وهو أربعون سنة، ويُروى أنه لم يبعث نبي إلى على رأس أربعين سنة. {آتيناهُ حُكْماً}: نبوة، أو حكمة {وعلماً}: فقهاً في الدين، أو: علماً بمصالح الدارين. والحاصل: لما تكامل عقله وبصيرته آتيناهُ حُكْماً على عبادنا وعلماً بنا. {وكذلك نجزي المحسنين} أي: كما فعلنا بموسى وأمه؛ لمّا استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله، فرددنا لها ولدها، ووهبنا له الحكمة والنبوة، فكذلك نجزي المحسنين في كل أوان وحين. قال الزجاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة، التي هي جزاء المحسنين، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه؛ لأنه تعالى قال: {أية : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 102]، فجعلهم جهالاً، إذ لم يعملوا بالعلم. هـ. {ودخل المدينةَ} أي: مصر، آتياً من قصر، فرعون، وكان خارجاً، وقال السُّدِّي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية "حابين"، على فرسخين من مصر. {على حين غفلةٍ من أهلها}، وهو مابين العشاءين، أو: وقت القائلة، يعني: انتصاف النهار. قال السدي: لما كبر موسى؛ ركب مراكب فرعون، ولبس ملابسَهُ، فكان يدعى موسى بن فرعون، فركب فرعونُ يوماً وركب موسى خلفه، فأدركه المقيل بقرب مدينة منف، فدخلها نصف النهار، وقد غلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد، فوجد موسى رجلين.. إلخ. قال ابن إسحاق: كان يجتمع إلى موسى طائفة من بني إسرائيل ويقتدون به، فرأى مفارقة فرعون، وتكلم في ذلك حتى ظهر أمره، فأخافوه، فكان لايدخل قرية إلا مستخفياً، فدخلها على حين غفلة. وقيل: إن موسى لما شبّ علا فرعون بالعصى، فقال: هذا عدو لي، فأخرجه من مصر، ولم يدخل عليهم إلى أن كبر وبلغ أشده، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها بخبر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره، {فوجد فيها رجلين يقتتلان}؛ يتضاربان، {هذا من شيعته}؛ ممن على دينه من بني إسرائيل، وقيل: هو السامري. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، {وهذا من عدوه}؛ من مخالفيه من القبط، وهو طباخ فرعون. واسمه: "فليثور"، وقيل فيهما: "هذا وهذا"، وإن كانا غائبين، على جهة الحكاية، أي: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا وهذا. وقال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده كان يحمي بني إسرائيل من الظلم والسخرة، فبينما هو يمشي نظر رجلين يقتتلان، أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل. {فاستغاثه}؛ فاستنصره {الذي من شيعته على الذي من عدوه} أي: فسأله أن يغيثه الإعانة. ضمَّن استغاث أعان، فعداه بـ "على". رُوي أنه لما استغاث به، غضب موسى، وقال للفرعوني: خله عنك؟ فقال: إنما آخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، ثم قال الفرعوني لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، {فوكزه موسى}؛ ضربه بِجُمْع كفه، أو: بأطراف أصابعه. قال الفراء الوَكز:الدفع بأطراف الأصابع. {فقَضَى عليه} أي: قتله، ولم يتعمد قتله، وكان موسى عليه السلام ذا قوة وبطش، وإنما فعل ذلك الوكز؛ لأن إغاثة المظلوم والدفع عن دِين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع. وإنما عدَّه ذنباً؛ لأن الأنبياء لا يكفي في حقهم الإذن العام، فلذلك {قال هذا من عمل الشيطان} أي: القتل الحاصل، بغير قصد، من عمل الشيطان، واستغفر، وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه، واستغفر منه؛ لأنه كان مستأمناً فيهم، أو: لأنه قتله قبل أن يُؤذن له في القتل. وعن ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يُؤمر، ولأن الخصوص يٌعظمون محقرات ما فرط منهم. {إنه} أي: الشيطان {عدو مُضل مبين}؛ ظاهر العداوة. {قال ربِّ} أي: يا رب {إني ظلمتُ نفسي} بفعل صار قتلاً {فاغفرْ لي} زلتي، {فَغَفَرَ له} زلته، {إنه هو الغفور} بإقالة الزلل، {الرحيم} بإزالة الخجل، {قال ربِّ بما أنعمت عليَّ} أي: بحق إنعامك عليّ بالمغفرة ولم تعاقبني {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} أي: لا تجعلني أُعين على خطيئةَ، تَوَسل للعصمة بإنعامه عليه. وقيل: إنه قسم حُذف جوابه، أي: أُقْسِمُ بإنعامك عليَّ بالمغفرة، إن عصمتني، فلن أكون ظهيراً للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين صُحْبَةَ فرعون، وانتظامَهُ في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب معه كالولد مع الوالد. قال ابن عطية: احتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور، ومَعُونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. هـ. قال الْوُصَافِي لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنما يكتب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك لاحتاج وَادّانَ. فقال: من الرأس؟ فقال: خالد بن عبد الله، قال: أما تقرأ قول العبد الصالح: {ربّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، فإن الله عز وجل سيعينه. هـ. الإشارة: خصوصية الولاية كخصوصية النبوة، لا تُعطى، غَالِباً، إلا بعد بلوغ الأشد وكمال قوة العقل، وحصول الاستواء، وهو أن يستوي عنده المدح والذم، والعز والذل، والمنع والعطاء، والفقر والغنى، وتستوي حاله في القبض والبسط، والغضب والرضا، فإذا استوى في هذه الأمور آتاه الله حكماً وعلماً، وجزاه جزاء المحسنين وكتب شيخ شيخنا إلى بعض تلامذته: أمَّا بعد، فإن تورعت في أقوالك وأفعالك، وتوسعت في أخلاقك، حتى يستوي عندك من من يمدحك ويذمك، ويعطيك ويمنعك، ومن يؤذيك وينفعك، ومن يشدد عليك ويوسع، فلا أشك في كمالك. هـ. فإن قلت: لِمَ ذكر الحق، جَلَّ جلاله، الاستواء في حق سيدنا موسى، ولم يذكره في حق نبيه يوسف - عليهما السلام؟ فالجواب: أن سيدنا يوسف عليه السلام تربى في السجن وفي نار الجلال، وكل محنة تزيد تهذيباً وتدريباً، فما بلغ الأشد حتى وقع له كمال الاستواء، بخلاف سيدنا موسى عليه السلام فإنه تربى في العز والجمال، فاحتاج إلى تربية وتهذيب، بعد كمال الأشد، فلم يحصل له كمال الأدب إلا بعد الاستواء الذي يليق به، فلذلك ذكره حقه. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قد مضى فى سورة الانعام بيان الاشدّ {وَٱسْتَوَىٰ} قيل: المراد ببلوغ الاشدّ بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وبالاستواء بلوغ الاربعين، او المراد ببلوغ الاشدّ شدّة تمام القوى والاعضاء كما ينبغى واوّله زمان بلوغ ثمان عشرة سنة {آتَيْنَاهُ حُكْماً} دقّة فى العمل بحيث يعجز عن مثل عمله امثاله {وَعِلْماً} عظمياً فانّ التّنوين للتّفخيم {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ} يعنى بعد ما استوى وذلك انّ بنى اسرائيل كانوا فى الشّدّة والبلاء وكانوا يستريحون الى اخبارهم بمجيء موسى (ع) وهلاك فرعون فخرجوا ذات ليلة مقمرة الى شيخ لهم عنده علم فقالوا: كنّا نستريح الى الاحاديث فحتّى متى نحن فى هذا البلاء؟! قال: والله انّكم لا تزالون فيه حتّى يجيء الله بغلامٍ عن ولد لاوى بن يعقوب اسمه موسى (ع) بن عمران، غلام طوال جعد، فبيناهم كذلك اذ اقبل موسى (ع) يسير على بغلةٍ حتّى وقف عليهم فرفع الشّيخ رأسه فعرفه بالصّفة فقال له: ما اسمك؟- قال: موسى (ع)، قال: ابن من؟- قال: ابن عمران، فوثب اليه الشّيخ فأخذ بيده فقبّلها وثاروا الى رجله فقبّلوها فعرفهم وعرفوه واتّخذ شيعةً فمكث بعد ذلك ما شاء الله وقد ظنّ قوم فرعون به ودخل المدينة اى مصر او مدينةً اخرى من ارض مصر {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قيل: حين القيلولة، او بين المغرب والعشاء، او كان يوم عيدٍ لهم وقد اشتغلوا بلعبهم وانّما دخل على حين الغفلة لانّ موسى (ع) بعد كبره يركب فى موكب فرعون وجاء ذات يومٍ ليركب قيل له: انّ فرعون ركب فركب فى اثره فلمّا كان وقت القائلة دخل المدينة ليقيل، وقيل: انّ بنى اسرائيل كانوا يجتمعون الى موسى (ع) ويستمعون كلامه فاشتهر ذلك منه واخافوه وكان لا يدخل مصر الاّ حين غفلة اهلها، وقيل: انّ فرعون بعدما اشتهر ذلك منه امر باخراجه من البلد {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} اى يختصمان {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} بجمع كفّه او بعصاه كما قيل {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} فقتله {قَالَ} موسى (ع) {هَـٰذَا} الاقتتال او تعجيل قتله او هذا الكافر {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ} لبنى آدم {مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} لكن قوله تعالى {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أربعين سنة روى انه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين لكمال العقل حينئذ وقيل: أشده مبلغه الذي لا يزيد عليه نشوة وذلك من ثلاثين الى أربعين وقال مجاهد: أشده عشرون سنة وقيل ثلاثون وقيل ثلاث وثلاثون وقيل ما بين ثمانية عشر عاما الى ثلاثين وذلك زمان شدة البدن واستحكام قوته والأول قول الجمهور. {وَاسْتَوَىَ} أي قوي واشتد وكمل وذلك يكون حيث بلغ الأربعين وقيل المراد ببلوغ الأشد ما تقدم في الأقوال غير الأول وبالإستوى بلوغ الأربعين. {آتَيْنَاهُ حُكْماً} أي حكمة. {وَعِلْماً} بالدين دين ابراهيم وذلك حال النبوة وقيل الحكم والنبوة والعلم علم الحكماء والعلماء وقيل: الحكم علم الحكماء والعلم علم العلماء أعطاهما الله إياه قبل النبوة فيكون المراد ببلوغ الأشد وبالإستواء ما قبل الأربعين وهو قبل النبوة لا يفعل ولا يقول ما يستجهل فيه فانما رسله بعد الهجرة وقيل الحكم السنة والعلم التوراة وحكمة الأنبياء سنتهم. {وَكَذلِكَ} أي مثل ما فعلنا بموىّ وأمه من الجزاء. {نَجْزِي المُحْسِنِينَ} على إحسانهم.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا بلغَ أشده} قوته {واسْتَوى} فيه، قلت: وذلك وقت واسع يبلغ أوله، فعن ابن عباس: الأشد هو الثمانى عشرة، والثلاثون وما بينهما، والاستواء ما بعد الثلاثين الى تمام الأربعين، وينقص بعدها، وعنه الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون، ولا يجاوز أربعين، وقد قيل: الاستواء أربعين لقوله تعالى: "أية : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة"تفسير : [الأحقاف: 15] وما ذكر من الروايات، وما ذكروه من الأقوال، جرى على الغالب، فقد يكون الأشد سبع عشرة كما قال الزجاج، أو أقل، وقد يكون فوق ولو الى عشرين باختلاف الأعصار والأحوال والمواضع، والمتبادر أن تفسير الأشد والاستواء على عموم، لا على من ورد ذكرهما فى شأنه، كموسى هنا عليه السلام. {آتيناه حكْماً} نبوة أو علماً من خواص النبوّة، أو سنة وحكمة الأنبياء سنتهم، واذكرن ما يتلى إلخ {وعلماً} بالدين والشريعة، وهو أعم مما قيل العلم بالتوراة، وقيل: آتيناه سيرة الحكماء العلماء قبل النبوة، لأنها بعد الوكز والهجرة الى مدين، ورجوعه مها، والتوراة بعد إغراق فرعون، كما يدل له قوله {وكذلك} مثل فعلنا بموسى وأمه عليهما السلام، {نَجزى المُحْسنين} لاحسانهم، فإن النبوءة لا تكون جزاء على الاحسان، بل هى امر من الله مستأنف لمن يصلح له، ولا يصح ما قيل إنه أوحى الى موسى جعلتك نبيا، لأنك أشفقت على شاة كسرت، وأجاز بعض أن يكون مزيد قرب فى الطاعة سببا فى ركن منها، وإذا هذا الاتياء قبل أوان النبوَّة فايتاء رياسة دينية ودنيوية فى بنى إسرائيل.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه، وقوله تعالى: {وَٱسْتَوَىٰ } أي كمل وتم، تأكيد وتفسير لما قبله كذا قيل: واختلف في زمان بلوغ الأشد والاستواء فأخرج ابن أبـي الدنيا من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس أنه قال الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه قال الأشد ثلاث وثلاثون سنة والاستواء أربعون سنة وهي رواية عن ابن عباس أيضاً وروي نحوه عن قتادة وقال الزجاج مرة بلوغ الأشد من نحو سبع عشرة سنة إلى الأربعين وأخرى هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين واختاره بعضهم هنا وعلل بأن ذلك لموافقته لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } تفسير : [الأحقاف: 15] لأنه يشعر بأنه منته إلى الأربعين وهي سن الوقوف فينبغي أن يكون مبدؤه مبدأه ولا يخلو عن شيء والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت انتهاء النمو وغايته وهذا مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير في كتب اللغة والتفسير، ولعل الأولى - على ما قيل - أن يقال إن بلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقواه الجسمانية وينتهي فيه نموه المعتد به والاستواء اعتدال عقله وكماله ولا ينبغي تعيين وقت لذلك في حق موسى عليه السلام إلا بخبر يعول عليه لما سمعت من أن ذاك مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال، نعم اشتهر أن ذلك في الأغلب يكون في سن أربعين وعليه قول الشاعر:شعر : إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وإن جر أسباب الحياة له العمر تفسير : وفي قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } تفسير : [الأحقاف: 15] ما يستأنس به لذلك. وقد مر طرف من الكلام في الأشد في سورة يوسف فتذكر ولا تغفل. ثم إن حاصل المعنى على ما قيل أخيراً: ولما قوي جسمه، واعتدل عقله {أتَيْنَاهُ حُكْمًا } أي نبوة على ما روي عن السدي أو علماً هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه {وَعِلْماً } بالدين والشريعة. وفي «الكشاف» العلم التوراة والحكم السنة وحكمة الأنبياء عليهم السلام سنتهم. قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ }تفسير : [الأحزاب: 34] وقيل آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث، فكان عليه السلام لا يفعل فعلاً يستجهل فيه اهـ، ورُجِّح ما قيل بأنه أوفق لنظم القصة مما تقدم، لأن استنباءه عليه السلام بعد وكز القبطي، والهجرة إلى مدين، ورجوعه منها، وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق فرعون، فهو بعد الوكز بكثير وبأن قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمه عليهما السلام {نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } على إحسانهم يأبـى حمل ما تقدم على النبوة لأنها لا تكون جزاء على العمل، ومن ذهب إلى الأول جعل هذا بياناً إجمالياً لإنجاز الوعد بجعله من المرسلين بعد رده لأمه، وما بعد تفصيل له، والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وكون ما فعل بموسى وأمه عليهما السلام جزاء على العمل باعتبار التغليب. وقد يقال: إن أصل النبوة وإن لم تكن جزاء على العمل إلا أن بعض مراتبها، وهو ما فيه مزيد قرب من الله تعالى يكون باعتبار مزيد القرب جزاءً عليه ويرجع ذلك إلى أن مزيد القرب هو الجزاء وتفاوت الأنبياء عليهم السلام في القرب منه تعالى مما لا ينبغي أن يشك فيه، ورجح ما تقدم بكونه أوفق بقوله تعالى: {أية : وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ }تفسير : [القصص: 13] واستلزامه حصول النبوة لكل محسن ليس بشيء أصلاً، ومن ذهب إلى أن هذا الإيتاء كان قبل الهجرة قال: يجوز أن يكون المعنى آتيناه رياسة بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازاً فيما بينهم، يرجعون إليه في مهامهم، ويمتثلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه، وعلماً ينتفع به وينفع به غيره، وذلك إما بمحض الإلهام، أو بتوفيقه لاستنباط دقائق وأسرار مما نقل إليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل ولا بدع في أن يكون عليه السلام عالماً بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم وبما كانوا يتدينون به من الشرائع بواسطة الإلهام أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار، ولعل هذا أولى مما نقله في «الكشاف». وفي الكلام على أواخر سورة البقرة ما تنفعك مراجعته فليراجع.
ابن عاشور
تفسير : هذا اعتراض بين أجزاء القصة المرتبة على حسب ظهورها في الخارج. وهذا الاعتراض نشأ عن جملة {ولتعلم أن وعد الله حق} [القصص: 13] فإن وعد الله لها قد حكي في قوله تعالى {أية : إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}تفسير : [القصص: 7]. فلما انتهى إلى حكاية رده إلى أمه بقوله {أية : فرددناه إلى أمه كي تقرَّ عينُها}تفسير : [ القصص: 13] إلى آخره كمّل ما فيه وفاء وعد الله إياها بهذا الاستطراد في قوله {ولما بلغ أشدّه واستوى ءاتيناه حكماً وعلماً} وإنما أوتي الحكم أعني النبوءة بعد خروجه من أرض مدين كما سيجيء في قوله تعالى {أية : فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله}تفسير : [ القصص: 29]. وتقدم نظير هذه الآية في سورة يوسف، إلا قوله {واستوى} فقيل: إن {استوى} بمعنى بلغ أشده، فيكون تأكيداً، و الحق أن الأشد كمال القوة لأن أصله جمع شدة بكسر الشين بوزن نعمة وأنعم وهي اسم هيئة بمعنى القوة ثم عومل معاملة المفرد. وأن الاستواء: كمال البنية كقوله تعالى في وصف الزرع {أية : فاستغلظ فاستوى على سوقه}تفسير : [الفتح: 29]، ولهذا أريد لموسى الوصف بالاستواء ولم يوصف يوسف إلا ببلوغ الأشد خاصة لأن موسى كان رجلاً طوالاً كما في الحديث «حديث : كأنه من رجال شنُؤة»تفسير : فكان كامل الأعضاء ولذلك كان وكزه القبطي قاضياً على الموكوز. والحكم: الحكمة، والعلم: المعرفة بالله.
القطان
تفسير : بلغ أشدّه: استكمل قوته وكفاية نموه. استوى: اعتدل وكمل عقله. حُكما: حكمة. المدينة: مصر. على حين غفلة: في وقت لا يتوقعون دخوله. من شيعته: من بني قومه. من عدوه: من الاقباط. فاستغاثه: طلب العون منه. فوكزه: ضربه بجمع يده. فقضى عليه: فقتله. بما أنعمتَ عليّ: اقسم بنعمك علي. ظهيرا: معينا. يترقب: ينتظر ما يناله من اذى. استنصره: طلب نصره. يستصرخه: يطلب الاغاثة بصوت مرتفع. لغويٌّ مبين: ضال كبير. ان يبطش: ان يسطو عليه بعنف. فلما بلغ موسى رشده واكتمل نموه، واستوى جسما وعقلاً آتيناه حكمة ومعرفة وعلما، وكذلك نكافىء كل محسن. ودخل موسى المدينةَ على حين غفلةٍ في وقت ليس من المعتاد الدخولُ فيه، فوجد رجلَين يقتتلان: أحدهما من بني دينه، والآخر من الاقباط. وحين استغاث به الذي من جماعته، ضرب موسى القبطيَّ بجُمعِ يده فقضى عليه من غير قصد، فقال: هذا من عملِ الشيطان، إنه عدوٌّ مضلٌّ ظاهر العداوة. ثم قال موسى متضرعا الى الله نادما على ما فعل: ربّ اني ظلمتُ نفسي بعملي هذا فاغفْر لي. فغفر الله له، إنه غفور رحيم. قال موسى: يا رب، بحقّ إنعامك عليّ بالحكمة والعلم وَفِّقْني للخير والصواب، ولن أكون بعدَ هذا معيناً للمجرمين. وأصبح في مصر خائفاً يترصد وقوع القصاص به. فإذا صاحبُه الذي استنجد به بالأمس يستغيث به ثانية، فقال له موسى: إنك شرير ضالّ. ودفعته الغيرة عليه حتى هم ان يبطِش به فقال له الرجل: يا موسى، اتريد ان تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس؟ أتريد ان تكون طاغية في الأرض من الجبابرة السفاكين لا الخيّرين!!
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُ} (14) - وَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى رُشْدَهُ، وَبَلَغَ حَدَّ الرّجُولَةِ، واسْتَكْمَلَ قُوتهُ البَدَنِيَّة، آتاهُ اللهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ، وَهذا جَزَاءُ المُحْسِنينَ عِنْدَ رَبِّهِم، الذِينَ يُطِيعُونَ أَمْرَهُ. بَلَغَ أَشُدَّهُ - بَلَغَ مَبْلَغَ الرُّجُولَةِ. اسْتَوَى -اعتَدَلَ عَقْلُهُ وَكَمُلَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأشُدّ: يعني القوة واكتمال النمو، وقد حدّدوا لذلك سِنَّ الثامنة عشرة إلى العشرين {وَٱسْتَوَىٰ ..} [القصص: 14] الاستواء هو بلوغُ العقلِ مرحلةَ النضج الفكري، فلما اكتملت لموسى - عليه السلام - قوة الجسم ونُضْج العقل {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14]. ثم يقصُّ الحق سبحانه، فيقول: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَلَمَّا} ربته أمه، وأحسنت تربيته بمعاونة عدوه إلى أن {بَلَغَ أَشُدَّهُ} كمال قوته في نشوئه ونمائه {وَٱسْتَوَىٰ} أي: كمل وتم عقله ورشده إلى أن صلح لحمل أعباء الرسالة {آتَيْنَاهُ} من كمال جودنا إيفاءً لما وعدنا له في سابق علمنا، وكتبنا لأجله في لوح قضائنا {حُكْماً} نبوة ورسالة؛ ليضبط به ظواهر الأحكام بين الأنام {وَعِلْماً} لدنياً متعلقاً بمعرفة ذات الحق المتصف بجلائل الأوصاف والأسماء، وبمعرفة توحيده وتنزهه عن سمة الكثرة مطلقاً {وَكَذَلِكَ} أي: مثل ما جزينا موسى {نَجْزِي} عموم {ٱلْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] من خلَّص عبادنا البالغين رتبة الإحسان؛ لأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه؛ إنما أتى بلفظ الماضي مع أنه إنما أُرسل بعدما هاجر من بينهم إلى مدين تلميذ شعيب عليه السلام تنبيهاً على تحقق وقوعه. {وَ} بعدما بلغ أشده {دَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ} أي: مصر {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} لأنهم لا يترقبونه في ذلك الوقت، قيل: هو وقت القيلولة، وقيل: وقت العشاء {فَوَجَدَ} بعدما دخل {فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ} قتالاً شديداً {هَـٰذَا} أي: أحد المقاتلين {مِن شِيعَتِهِ} أي: بني إسرائيل {وَهَـٰذَا} أي: الآخر {مِنْ عَدُوِّهِ} وبعدما وصل موسى إليهما {فَٱسْتَغَاثَهُ} أي: طلب منه الغوب والإغاثة، الرجلُ {ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ} هو {عَلَى} الرجل {ٱلَّذِي} هو {مِنْ عَدُوِّهِ} لأن العدو غالب عليه، وبعدما وجد موسى صديقه مظلوماً مغلوباً. {فَوَكَزَهُ} أي: العدو {مُوسَىٰ} أي: ضم أصابعه ومجتمعة مقبوضة فضرب بها العدو مرة {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي: هلك: وانفصل روحه بوكزة واحدة فخجل من فعله هذا، واسترجع إلى الله مستحيياً منه سبحانه، حيث {قَالَ هَـٰذَا} أي: ما جئت به من الفعلة الشنيعة {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} إذ هو يغريني عليه {إِنَّهُ} أي: الشيطان المغري المغوي {عَدُوٌّ} لأهل الحق وأرباب اليقين {مُّضِلٌّ} لهم يضلهم عن الطريق المستبين {مُّبِينٌ} [القصص: 15] ظاهر العداوة والضلالة بالنسبة إلى أرباب الرشد والكمال. {قَالَ} موسى متضرعاً نحو الحق، آيباً إليه، تائباً عما صدر عنه، مناجياً له عن محض الندم: {رَبِّ} يا من رباني بأنواع اللطف والكرم بين يدي عدوي، وخلصني من البلية العاممة يمقتضى جودك {إِنِّي} بالإقدام على هذا الأمر الشنيع {ظَلَمْتُ نَفْسِي} وعرضتها لعذابك بالخروج عن مقتضى حدودك بقتل هذا الشخص بلا رخصة شرعية {فَٱغْفِرْ لِي} يا ربّ زلتي بعدما تبت إليك، ورجعت عن ذنبي نادماً، والتجأت إلى بابك راجياً {فَغَفَرَ لَهُ} ربه زلته بعدما رجع إليه مخلصاً {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ} لذنوب عباده بعدما رجعوا نحوه متذللاً خائباً خاسراً {ٱلرَّحِيمُ} [القصص: 16] لهم يقبل توبتهم بعدما أخلصوا فيها، وبعدما تاب ورجع عمَّا عمل خطأً. {قَالَ} مقسماً: {رَبِّ} يا من رباني بأنواع الكرامات أقسمت {بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} من النعم العظام {فَلَنْ أَكُونَ} بعد اليوم {ظَهِيراً} مغيثاً ومعيناً {لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] الذين أدت إغاثتهم إلى جرم كبير وذنب عظيم.
همام الصنعاني
تفسير : 2198- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ}: الآية: 14]، قال: استوى أربعين سَنة. 2199- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن مجاهد، قال: استوى أربعين سنة. 2200- قال عبد الرزاق، وقال معمر، قال قتادة: {أَشُدَّهُ}: [الآية: 14]، ثلاث وثلاثون سنَة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):