٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قيل: لما عرف موسى عليه السلام ما هو عليه من الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون؛ وفشا ذلك منه فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً مستخفياً. وقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون، وكان يركب مراكبه، حتى كان يدعى موسى ابن فرعون؛ فركب فرعون يوماً وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ـ قال مقاتل على رأس فرسخين من مصر ـ ثم علم موسى بركوب فرعون، فركب بعده ولحق بتلك القرية في وقت القائلة، وهو وقت الغفلة؛ قاله ابن عباس. وقال أيضاً: هو بين العشاء والعَتَمة. وقال ابن إسحاق: بل المدينة مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد أظهر خلاف فرعون، وعاب عليهم عبادة فرعون والأصنام، فدخل مدينة فرعون يوماً على حين غفلة من أهلها. قال سعيد بن جبير وقتادة: وقت الظهيرة والناس نيام. وقال ابن زيد: كان فرعون قد نابذ موسى وأخرجه من المدينة، وغاب عنها سنين، وجاء والناس على غفلة بنسيانهم لأمره، وبُعْد عهدهم به، وكان ذلك يوم عيد. وقال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها، فدخلها حين علم ذلك منهم، فكان منه من قتل الرجل من قبل أن يؤمر بقتله، فاستغفر ربه فغفر له. ويقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها؛ فدخلت {على} في هذه الآية لأن الغفلة هي المقصودة؛ فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، وكذا الآية. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} والمعنى؛ إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته؛ أي من بني إسرائيل {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} أي من قوم فرعون. {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ} أي طلب نصره وغوثه، وكذا قال في الآية بعدها: {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي يستغيث به على قبطيّ آخر. وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها على الأمم، وفرض في جميع الشرائع. قال قتادة: أراد القبطيّ أن يُسخِّر الإسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى عليه، فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازاً لفرعون. {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} قال قتادة: بعصاه. وقال مجاهد: بكفه؛ أي دفعه. والوكز واللَّكْز واللَّهْز واللَّهْد بمعنى واحد، وهو الضرب بجُمْع الكفّ مجموعاً كعقد ثلاثة وسبعين. وقرأ ابن مسعود: {فَلَكَزَهُ}. وقيل: اللّكْز في اللحى والوكز على القلب. وحكى الثعلبي أن في مصحف عبد الله بن مسعود «فَنَكَزَهُ» بالنون والمعنى واحد. وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللكز الضرب بالجُمْع على الصدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللهز: الضرب بجُمْع اليد في الصدر مثل اللّكْز؛ عن أبي عبيدة أيضاً. وقال أبو زيد: هو بالجُمْع في اللَّهازِم والرقبة؛ والرجل مِلْهَز بكسر الميم. وقال الأصمعي: نَكَزه؛ أي ضربه ودفعه. الكسائي: نَهزَه مثل نَكَزه ووكَزَه، أي ضربه ودفعه. ولَهَده لَهْداً أي دفعه لذلّه فهو ملهود؛ وكذلك لَهَّده؛ قال طَرَفة يذمّ رجلاً:شعر : بطيء عن الدّاعي سريع إلى الخنا ذَلُول بأَجماعِ الرجالِ مُلَهَّدِ تفسير : أي مُدفَّع وإنما شدّد للكثرة. وقالت عائشة رضي الله عنها: فلهَدَني ـ تعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ لَهْدة أوجعني؛ خرجه مسلم. ففعل موسى عليه السلام ذلك وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى: {فَقَضَى عَلَيْهِ}. وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه قضيت عليه. قال:شعر : قَدْ عَضَّهُ فَقَضَى عليه الأَشْجعُ تفسير : {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي من إغوائه. قال الحسن: لم يكن يحلّ قتل الكافر يومئذٍ في تلك الحال؛ لأنها كانت حال كفّ عن القتال. {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} خبر بعد خبر. {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} ندم موسى عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس، فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر؛ ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها. وإنما عدده على نفسه ذنباً. وقال: {ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي} من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، وأيضاً فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم. قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريداً للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه. قال وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوّة. وقال كعب: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قتله مع ذلك خطأ؛ فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق! ما أسألَكم عن الصغيرة، وأركَبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الفتنة تجيء من هاهنا ـ وأومأ بيده نحو المشرق ـ من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل مِن آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [طه: 40]» تفسير : . قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي من المعرفة والحكم والتوحيد {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} أي عوناً للكافرين. قال القشيري: ولم يقل بما أنعمت عليّ من المغفرة؛ لأن هذا قبل الوحي، وما كان عالماً بأن الله غفر له ذلك القتل. وقال الماوردي: {بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} فيه وجهان: أحدهما: من المغفرة؛ وكذلك ذكر المهدوي والثعلبي. قال المهدوي: {بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} من المغفرة فلم تعاقبني. الوجه الثاني: من الهداية. قلت: {فَغَفَرَ لَهُ} يدلّ على المغفرة؛ والله أعلم. قال الزمخشري قوله تعالى: {بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} يجوز أن يكون قَسَماً جوابه محذوف تقديره؛ أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبنّ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}. وأن يكون استعطافاً كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته. وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون؛ وإما بمظاهرة من أدّت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيليّ المؤدّية إلى القتل الذي لم يحلّ له قتله. وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنا ونصرة المؤمن واجبة في جميع الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي كان كافراً، وإنما قيل له إنه من شيعته لأنه كان إسرائيلياً ولم يرد الموافقة في الدين، فعلى هذا ندم لأنه أعان كافراً على كافر، فقال: لا أكون بعدها ظهيراً للكافرين. وقيل: ليس هذا خبراً بل هو دعاء؛ أي فلا أكون بعد هذا ظهيراً؛ أي فلا تجعلني يا رب ظهيراً للمجرمين. وقال الفراء: المعنى؛ اللهم فلن أكون ظهيراً للمجرمين؛ وزعم أن قوله هذا هو قول ابن عباس. قال النحاس: وأن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام؛ كما يقال: لا أعصيك لأنك أنعمت عليّ؛ وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء؛ لأن ابن عباس قال: لم يستثن فابتلي من ثاني يوم؛ والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا يقال: اللهم اغفر لي إن شئت؛ وأعجب الأشياء أن الفراء روى عن ابن عباس هذا ثم حكى عنه قوله. قلت: قد مضى هذا المعنى ملخصاً مبيّناً في سورة «النمل» وأنه خبر لا دعاء. وعن ابن عباس: لم يستثن فابتلي به مرة أخرى؛ يعني لم يقل فلن أكون إن شاء الله. وهذا نحو قوله: {أية : وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [هود: 113]. الثانية: قال سلمة بن نُبَيط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعطهم؛ فقال: أعفني؛ فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه. فقيل له ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ وقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وقال عبد الله بن الوليد الوَصَّافي قلت لعطاء بن أبي رَبَاح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وادَّانَ؟ فقال: مَن الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القَسْري؛ قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح: {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} قال ابن عباس: فلم يستثن فابتلي به ثانية فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه ـ قال عطاء: فلا يحلّ لأحد أن يعين ظالماً ولا يكتب له ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئاً من ذلك فقد صار معيناً للظالمين. وفي الحديث: «حديث : ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاَقَ لهم دَوَاة أو بَرَى لهم قلماً فيُجمعون في تابوت من حديد فيُرمى به في جهنم»تفسير : . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الأقدام ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزلّ الله قدميه على الصراط يوم تَدْحَض فيه الأقدام»تفسير : . وفي الحديث: «حديث : من مشى مع ظالم فقد أجرم» تفسير : فالمشي مع الظالم لا يكون جرماً إلا إذا مشى معه ليعينه، لأنه ارتكب نهي الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} تفسير : [المائدة: 2]. قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً} قد تقدم في «طه» وغيرها أن الأنبياء صلوات الله عليهم يخافون؛ ردًّا على من قال غير ذلك، وأن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه؛ فقيل: أصبح خائفاً من قتل النفس أن يؤخذ بها. وقيل: خائفاً من قومه أن يسلموه. وقيل: خائفاً من الله تعالى. {يَتَرَقَّبُ} قال سعيد بن جبير: يتلفت من الخوف. وقيل: ينتظر الطلب؛ وينتظر ما يتحدّث به الناس. وقال قتادة: «يَتَرَقَّبُ» أي يترقب الطلب. وقيل: خرج يستخبر الخبر ولم يكن أحد علم بقتل القبطي غير الإسرائيلي. و{أَصْبَحَ} يحتمل أن يكون بمعنى صار؛ أي لما قتل صار خائفاً. ويحتمل أن يكون دخل في الصباح؛ أي في صباح اليوم الذي يلي يومه. و{خَائِفاً} منصوب على أنه خبر {أصبح}، وإن شئت على الحال، ويكون الظرف في موضع الخبر. {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلّصه بالأمس يقاتل قبطياً آخر أراد أن يسخره. والاستصراخ الاستغاثة. وهو من الصراخ؛ وذلك لأن المستغيث يصرخ ويصوّت في طلب الغَوْث. قال:شعر : كُنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فزِعٌ كَانَ الصُّراخُ له قرعَ الظَّنَابِيب تفسير : قيل: كان هذا الإسرائيليّ المستنصر السامريّ استسخره طباخ فرعون في حمل الحطب إلى المطبخ؛ ذكره القشيري. و{الَّذِي} رفع بالابتداء و{يَسْتَصْرِخُهُ} في موضع الخبر. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. وأمس لليوم الذي قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، فإذا دخله الألف واللام أو الإضافة تمكن فأعرب بالرفع والفتح عند أكثر النحويين. ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام. وحكى سيبويه وغيره أن من العرب من يجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربما اضطر الشاعر ففعل هذا في الخفض والنصب؛ قال الشاعر:شعر : لقـد رأيـتُ عجـبـاً مُـذْ أَمْـسَا تفسير : فخفض بمذ ما مضى واللغة الجيدة الرفع، فأجرى أمس في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} والغويّ الخائب؛ أي لأنك تشادّ من لا تطيقه. وقيل: مضلّ بيّن الضلالة؛ قتلت بسببك أمس رجلاً، وتدعوني اليوم لآخر. والغويّ فعيل من أغوى يُغوي، وهو بمعنى مُغوٍ؛ وهو كالوجِيع والأليم بمعنى الموجِع والمؤلم. وقيل: الغويّ بمعنى الغاوي. أي إنك لغويّ في قتال من لا تطيق دفع شره عنك. وقال الحسن: إنما قال للقبطيّ: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} في استسخار هذا الإسرائيليّ وهمّ أن يبطش به. يقال: بَطَش يَبطُش ويبطِش والضم أقيس لأنه فعل لا يتعدى. {قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي} قال ابن جبير. أراد موسى أن يبطش بالقبطيّ فتوهم الإِسرائيليّ أنه يريده؛ لأنه أغلظ له في القول؛ فقال: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} فسمع القبطيّ الكلام فأفشاه. وقيل: أراد أن يبطش الإسرائيليّ بالقبطيّ فنهاه موسى فخاف منه؛ فقال: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ}. {إِن تُرِيدُ} أي ما تريد. {إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي قتَّالاً؛ قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين بغير حق. {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ } أي من الذين يصلحون بين الناس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَدَخَلَ } موسى {ٱلْمَدِينَةَ } مدينة فرعون وهي (مَنْفُ) بعد أن غاب عنها مدّة {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا } وقت القيلولة {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ } أي إسرائيليّ {وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطباً إلى مطبخ فرعون {فَٱسْتَغَٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ } فقال له موسى خلِّ سبيله، فقيل إنه قال لموسى لقد هممت أن أحمله عليك {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ } أي ضربه بجمع كفه وكان شديد القوّة والبطش {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } أي قتله ولم يكن قَصَدَ قتله ودفنه في الرمل {قَالَ هَٰذَا } أي قتله {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ } المهيّج غضبي {إِنَّهُ عَدُوٌّ } لابن آدم {مُّضِلٌّ } له {مُّبِينٌ } بيِّن الإِضلال.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَدِينَةَ} مصر، أو منف، أو عين شمس. {حِينِ غَفْلَةٍ} نصف النهار وهم قائلون، أو بين المغرب والعشاء "ع"، أو يوم عيد لهم وهم في لهوهم، أو لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به. {مِن شِيعَتِهِ} إسرائيلي ومن عدوه قبطي "ع" أو من شيعته مسلم ومن عدوه كافر. سخر القبطي الإسرائيلي ليحمل حطباً إلى مطبخ فرعون فامتنع، واستغاث بموسى وكان خبازاً لفرعون {فَوَكَزَهُ} ولكزه واحد إلا أن الوكز الدفع في الصدر واللكز الدفع في الظهر. ولم يرد موسى بذلك قتله. {فَقَضَى عَلَيْهِ} أي قتله ولم يكن مباحاً حينئذ لأنها حال كف عن القتال "ع" {عَمِلِ الشَّيْطَانِ} إغوائه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. قال السدي: كان موسى في وقتِ هذه القصةِ على رَسْمِ التعلُّقِ بفرْعَونَ، وكان يَرْكَبُ مَرَاكِبَه حتى إنه كان يُدْعَى مُوسَى بنَ فِرْعَوْنَ، فركب فرعونُ يوماً وسارَ إلى مدينةٍ من مدائنِ مِصْرَ، فركبَ مُوسَى بَعْدَه ولَحِق بتلكَ المدينَةِ في وقتِ القائِلة، وهو حينُ الغَفْلَة؛ قاله ابن عباس، وقال أيضاً: هو بين العِشَاء والعَتَمَة، وقيل غيرُ هذا. وقوله تعالى: {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} أي من بني إسرائيل، و {عَدُوِّهِ} هم القِبْطُ، و«الوَكْزُ»: الضَّرْبُ باليدِ مجموعةً، وقرأ ابن مسعود: «فَلَكَزَهْ» والمعنى: واحد؛ إلا أن اللَّكْزَ في اللَّحْيِ، والوَكْزَ علَى القَلْبِ، و{قضى عليه} معناه: قَتَلَه مُجْهِزاً، ولم يُرِدْ عَلَيْهِ السلامُ قَتَلَ القِبْطِيِّ، لَكِنْ وَافَقَتْ وَكْزَتُهُ الأَجَلَ؛ فَنَدِمَ، ورأَى أنَّ ذلك من نَزْعِ الشيطانِ. في يده، إن نَدَامَةَ موسى عليه السلام حَمَلَتْهُ على الخُضُوعِ لربِّه والاسْتِغْفَارِ من ذنبه، فغفر اللّه له، ذلك، ومع ذلك لَم يَزَلْ عليه السلام يُعيد ذلك على نفسه مع علمه أَنه قَد غُفِر له، حتى إنَّهُ في القِيَامِةِ يَقُولُ: «وَقَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا»؛ حَسْبَمَا صَحَّ فِي حدِيثِ الشفاعة، ثم قال موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ معاهداً لربه: رَبِّ بنعمتِكَ عليّ وبسبب إحسانِك وغُفْرانِك، فأنا مُلْتَزِمٌ أَلاَّ أكون مُعِيناً للمجرمين؛ هذا أحسن ما تأول. وقال الطبري: إنه قَسَمٌ؛ أقسم بنعمة اللّهِ عندَه. قال * ع *: واحتج أهلُ الفضلِ والعلمِ بهذهِ الآيةِ في مَنْعِ خِدْمَة أهل الجَوْرِ ومَعُونَتِهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تَتَنَاوَلُ ذلكَ؛ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره. قال ابن عباس: ثم إنَّ مُوسَى ـــ عليه السلام ـــ مرَّ وَهُوَ بحالةِ التَّرَقُّبِ؛ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قَاتَلَ القبطيَّ بالأَمسِ يُقاتِلُ آخرَ مِن القِبْطِ، وكان قَتَلُ القبطيّ قد خفي على الناس واكْتَتَم، فلما رأَى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاحَ بهِ مستغيثاً فلما رأى موسى ـــ عليه السلام ـــ قِتَالهُ لآخرَ؛ أعظم ذلكَ وقال له مُعَاتباً ومُؤَنِّباً: {إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ} وكانت إرادة موسى ـــ عليه السلام ـــ مع ذلك، أن ينصرَ الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس الإسرائيلي وفَزَعَ منه، وظن أنه ربما ضَرَبَه، وفزع من قوتِهِ التي رأى بالأمس، فناداه بالفضيحةِ وشهَّر أمرَ المقتُولِ، ولما اشْتَهِرَ أنَّ مُوسَى قَتَل القَتِيلَ، وكان قول الإسرائيلي يَغْلِبُ على النفُوسِ تصديقُه على موسَى، مَعَ ما كانَ لِمُوسَى مِنَ المقدِّمَاتِ أتى رأْيُ فِرْعَونَ ومَلاَئِه علَى قَتْلِ مُوسَى، وغَلَبَ على نفسِ فرعون أنه المشارُ إليه بفَسَادِ المَمْلَكَةِ، فأنْفَد فيهِ مَنْ يطلُبه ويأْتي بهِ للقَتْلِ، وألْهَمَ اللّهُ رَجُلاً؛ يقالُ إنه مؤمِنٌ مِن آل فرعَونَ أو غيره، فجاء إلى موسَى وبَلَّغَهُ قبلَهُم وَ {يَسْعَى} معناه: يُسْرِعُ في مَشْيه؛ قاله الزجاج وغيره، وهو دونَ الجَرْيِ، فقال: {يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ...} الآية. * ت * قال الهروي: قوله تعالى: {يَأْتَمِرُونَ بِكَ} أي: يؤامُرُ بعضُهُم بعضاً في قَتلِك، وقال الأزهري: الباءُ في قوله: {يَأتَمِرُونَ بِك} بمعنى: «في» يقال: ائتَمَرَ القومُ إذا شَاوَرَ بَعْضُهمْ بَعْضاً، انتهى. وعن أبي مجلز ـــ واسمه لاحق بن حميد ـــ قال: من خاف من أمير ظُلُماً فقال: رضيت باللّه، رَبّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً وبالقرآن حَكَماً وإماماً نجَّاه اللّه منه؛ رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، انتهى من «السلاح». و {تِلْقَاء} معناه نَاحِيَةَ مدين، وبينَ مِصرَ ومَدْيَنَ مسيرةَ ثَمانِيَةَ أيامٍ، وكانَ مُلْكُ مدين لغير فرعونَ، ولما خَرَجَ عليه السلام فارّاً بنفسهِ منفرداً حافياً؛ لا شيءَ معه ولا زادَ وغيرَ عارفٍ بالطريقِ؛ أسْنَدَ أمرَه إلى اللّهِ تعالى وقال: {عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ ٱلسَّبِيلِ} ومشى ـــ عليه السلامُ ـــ حتى وَرَدَ ماءَ مدينَ، وَوُرُودُهُ المَاءَ، معناه: بلُوغُه، ومدينُ: لا ينْصَرِفُ إذ هو بلدٍ معروفٌ، والأمَّة: الجمعُ الكثيرُ، و {يَسْقُونَ} معناه: ماشيتَهم، و {مِن دُونِهِمْ} معناه: ناحيةً إلى الجهةِ الَّتي جَاء مِنها، فَوَصَل إلى المرْأَتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأُمَّةِ، و {تَذُودَانِ} معناه: تَمْنعَانِ، وتَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الماءِ؛ خوفاً من السُّقَاةِ الأقوياء، و{أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، أي: لا يستطيعُ؛ لِضَعْفِهِ أن يُبَاشِرَ أمْرَ غَنَمِه. وقوله تعالى: {فَسَقَىٰ لَهُمَا}. قالت فرقة: كانت آبارهم مغطاةً بحجارةٍ كبارٍ، فَعَمَدَ إلى بِئْرٍ، وكان حَجَرُهَا لاَ يرفعُه إلاَّ جَماعَة، فَرَفَعَهُ وسقى للمرأتين. فَعَنْ رَفْعِ الصَّخْرَةِ وصِفتْه إحداهُما بالقوة، وقيل وصفَتْه بالقوة؛ لأنه زَحَمَ النَّاسَ وغَلَبَهُمْ عَلى المَاءِ حتى سَقَى لهما. وقرأ الجمهور «يُصْدِر الرِّعَاء» ـــ على حَذْفِ المفعولِ ـــ تقديرُه: مواشِيَهم، وتَولّى موسى إلى الظلِّ وتعرَّضَ لسؤَال ما يَظْعَمُه بقوله: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ولم يُصَرِّحْ بسؤالٍ؛ هكَذا، رَوَى جَمِيعُ المفسرينَ أنَّه طلبَ في هذا الكلامَ ما يأكلُه، قال ابن عباس: وكان قَدْ بَلَغَ به عليه السلام الجوعُ إلى أن اخْضَرَّ لونُه من أكل البَقْل، وَرُئِيَتْ خُضْرة البقْلِ في بَطْنِهِ، وإنه لأَكْرَمُ الخلقِ يومئِذٍ على اللّه، وفي هذا مُعْتَبَرٌ وحاكمٌ بهَوَانِ الدُّنْيا على اللّه تعالى، وعن معاذ بن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ أَكَلَ طَعَاماً، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ ـــ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْباً، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»تفسير : رواه أبو داود؛ واللفظُ له، والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ، انتهى من «السِّلاح».
البقاعي
تفسير : ولما أخبر، بتهيئه لنبوته، أخبر بما هو سبب لهجرته، وكأنها سنت بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: {ودخل المدينة} أي مدينة فرعون آتياً من قصره، لأنه كان عنده بمنزلة الولد، قال ابن جرير: وهي مدينة منف من مصر، وقال البغوي: وقيل: عين الشمس. وقيل غير ذلك {على حين غفلة} قبل بعيد: وقيل بغير ذلك {من أهلها} أي إحكاماً لما جعلناه سبباً لنقلته منها طهارة من عشرة القوم الظالمين {فوجد فيها} أي المدينة {رجلين يقتتلان} أي يفعلان مقدمات القتل من الملازمة مع الخنق والضرب، وهما إسرائيلي وقبطي، ولذا قال مجيباً لمن كأنه يسأل عنهما وهو ينظر إليهما: {هذا من شيعته} أي من بني إسرائيل قومه {وهذا من عدوه} أي القبط، وكان قد حصل لبني إسرائيل به عز لكونه ربيب الملك، مع أن مرضعته منهم، لا يظنون أن سبب ذلك الرضاع {فاستغاثه} أي طلب منه {الذي من شيعته} أن يغيثه {على الذي من عدوه فوكزه} أي فأجابه {موسى} فركز أي فطعن ودفع بيده العدو أو ضربه بجميع كفه، وكأنه كالكم، أو دفعه بأطراف أصابعه، وهو رجل أيد لم يعط أحد من أهل ذلك الزمان مثل ما أعطي من القوى الذاتية والمعنوية {فقضى} أي فأوقع القضاء الذي هو القضاء على الحقيقة، وهو الموت الذي لا ينجو منه بشر {عليه} فقتله وفرغ منه وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة، فلم يشعر به أحد منهم. ولما كان كأنه قيل: إن هذا الأمر عظيم، فما ترتب عليه من قول من أوتي حكماً وعلماً؟ أجيب بالإخبار عنه بأنه ندم عليه في الحال بقوله: {قال} أي موسى عليه السلام: {هذا} أي الفعل الذي جرك إليه الإسرائيلي {من عمل الشيطان} أي لأني لم أومر به على الخصوص، ولم يكن من قصدي وإن كان المقتول كافراً؛ ثم أخبر عن حال الشيطان بما هو عالم به، مؤكداً له حملاً لنفسه على شدة الاحتراس والحذر منه فقال: {إنه عدو} ومع كونه عدواً ينبغي الحذر منه فهو {مضل} لا يقود إلى خير أصلاً، ومع ذلك فهو {مبين*} أي عداوته وإضلاله في غاية البيان، ما في شيء منهما خفاء. ولما كان هذا الكافر ليس فيه شيء غير الندم لكونه صلى الله عليه وسلم لم يأته في قتله إذن خاص، وكان قد أخبر عنه بالندم، تشوفت أنفس البصراء إلى الاستغفار عنه، علماً منهم بأن عادة الأنبياء وأهل الدرجات العلية استعظام الهفوات، فأجيبوا بالإخبار عن مبادرته إلى ذلك بقوله: {قال} وأسقط أداة النداء، على عادة أهل الاصطفاء، فقال: {رب} أي أيها المحسن إليّ. ولما كان حال المقدم على شيء دالة على إرادته فاستحسانه إياه، أكد قوله إعلاماً بأن باطنه على غير ما دل عليه ظاهرة فقال: {إني ظلمت نفسي} أي بالإقدام على ما لم يتقدم إليّ فيه إذن بالخصوص وإن كان مباحاً. ولما كان المقرب قد يعد حسنة غيره سيئته، قال مسبباً عن ذلك: {فاغفر} أي امح هذه الهفوة عينها وأثرها {لي} أي لأجلي لا تؤاخذني {فغفر} أي أوقع المحو لذلك كما سأل إكراماً {له} ثم علل ذلك بقوله مشيراً إلى أن صفة غيره عدم بالنسبة إلى صفته مؤكداً لذلك: {إنه هو} أي وحده {الغفور} أي البالغ في صفة الستر لكل من يريد {الرحيم*} أي العظيم الرحمة بالإحسان بالتوفيق إلى الأفعال المرضية لمقام الإلهية، ولأجل أن هذه صفته، رده إلى فرعون وقومه حين أرسله إليهم فلم يقدروا على مؤاخذته بذلك بقصاص ولا غيره بعد أن نجاه منهم قبل الرسالة على غير قياس. ولما أنعم عليه سبحانه بالإجابة إلى سؤله، تشوف السامع إلى شكره عليها فأجيب بقوله: {قال رب} أي أيها المحسن إليّ بكل جميل. ولما كان جعل الشيء عوضاً لشيء أثبت له وأجدر بإمضاء العزم عليه قال: {بما أنعمت عليّ} أي بسبب إنعامك عليّ بالمغفرة وغيرها. ولما كان في سياق التعظيم للنعمة، كرر حرف السبب تأكيداً للكلام، وتعريفاً أن المقرون به مسبب عن الإنعام، وقرنه بأداة النفي الدالة على التأكيد فقال: {فلن أكون ظهيراً} أي عشيراً أو خليطاً أو معيناً {للمجرمين*} أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل، أي لا أكون بين ظهراني القبط، فإن فسادهم كثير، وظلمهم لعبادك أبناء أوليائك متواصل وكبير، لا قدرة لي على ترك نصرتهم، وذلك يجر إلى أمثال هذه الفعلة، فلا أصلح من المهاجرة لهم، وهذا من قول العرب: جاءنا في ظهرته - بالضم وبالكسر وبالتحريك، وظاهرته، أي عشيرته. ولما ذكر القتل وأتبعه ما هو الأهم من أمره بالنظر إلى الآخرة، ذكر ما تسبب عنه من أحوال الدنيا فقال: {فأصبح} أي موسى عليه الصلاة والسلام {في المدينة} أي التي قتل القتيل فيها {خائفاً} أي بسبب قتله له {يترقب} أي لازم الخوف كثير الالتفات برقبته ذعراً من طارقة تطرقه في ذلك، قال البغوي: والترقب: انتظار المكروه. {فإذا} أي ففجئه {الذي استنصره} أي طلب نصرته من شيعته {بالأمس} أي اليوم الذي يلي يوم الاستصراخ من قبله {يستصرخه} أي يطلب ما يزيل ما يصرخ بسببه من الضر من قبطي آخر كان يظلمه، فكأنه قيل: فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره؟ فقيل: {قال له} أي لهذا المستصرخ {موسى}. ولما كان الحال متقضياً أن ذلك الإسرائيلي يمكث مدة لا يخاصم أحداً خوفاً من جريرة ذلك القتيل، أكد قوله: {إنك لغوي} أي صاحب ضلال بالغ {مبين*} أي واضح الضلال غير خفيه، لكون ما وقع بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه وإن كنت مظلوماً؛ ثم دنا منهما لينصره؛ ثم قال مشيراً بالفاء إلى المبادرة إلى إصراخه: {فلما} وأثبت الحرف الذي أصله المصدر تأكيداً لمعنى الإرادة فقال: {أن أراد} أي شاء، وطلب وقصد مصدقاً ذلك بالمشي {أن يبطش} أي موسى عليه الصلاة والسلام {بالذي هو عدو لهما} أي من القبط بأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه {قال} أي الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وكلمه به من الكلام الغص ظاناً أنه ما دنا إلا يريد البطش به هو، لما أوقعه فيه لا بعدوه: {يا موسى} ناصاً عليه باسمه العلم دفعاً لكل لبس منكر الفعلة الذي اعتقده لما رآه من دنوه إليهما غضبان وهو يذمه {أتريد أن تقتلني} أي اليوم وأنا من شيعتك {كما قتلت نفساً بالأمس} أي من شيعة أعدائنا، والذي دل على أن الإسرائيلي هو الذي قال له هذا الكلام السياق بكون الكلام معه - بما أشير إليه بدخول المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي، وبقوله {عدو لهما} من ذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسلام. ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره، خاف غائلته فزاد في الإغراء به. مؤكداً بقوله: {إن} أي ما {تريد إلا أن تكون} أي كوناً راسخاً {جباراً} أي قاهراً غالباً؛ قال أبو حيان: وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. {في الأرض} أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد {وما تريد} أي يتجدد لك إرادة {أن تكون} أي بما هو لك كالجبلة {من المصلحين*} أي العريقين في الصلاح، فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة، فلما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي، وكانوا - لما قتل ذلك القبطي - ظنوا في بني إسرائيل، فأغروا فرعون بهم فقال: هل من بينة، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت - كما ذكر ذلك في حديث المفتون الذي رواه أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما، فلما قال هذا الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسلام.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: إن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى عليه السلام قيل له: إن فرعون قد ركب. فركب في أثره. فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف، فدخلها نصف النهار وقد تغلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد. وهي التي يقول الله تعالى {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {ودخل المدينة على حين غفلة} قال: نصف النهار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {ودخل المدينة على حين غفلة} قال: نصف النهار والناس قائلون. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: دخلها عند القائلة بالظهيرة والناس نائمون. وذلك أغفل ما يكون الناس. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {حين غفلة} قال: ما بين المغرب والعشاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {على حين غفلة} قال: ما بين المغرب والعشاء عن أناس، وقال آخرون: نصف النهار، وقال ابن عباس: أحدهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته} قال: اسرائيلي {وهذا من عدوّه} قال: قبطي {فاستغاثه الذي من شيعته} الاسرائيلي {على الذي من عدوّه} القبطي {فوكزه موسى فقضى عليه} قال: فمات قال: فكبر ذلك على موسى عليه الصلاة والسلام. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فاستغاثه الذي من شيعته} قال: من قومه من بني إسرائيل. وكان فرعون من فارس من اصطخر {فوكزه موسى} قال: بجمع كفه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فوكزه موسى} قال: بعصا، ولم يتعمد قتله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الذي وكزه موسى كان خبازاً لفرعون. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال: قال الله عز وجل "حديث : بعزتي يا ابن عمران لو أن هذه النفس التي وكزت فقتلت، اعترفت لي ساعة من ليل أو نهار بأني لها خالق أو رازق، لأذقتك فيها طعم العذاب. ولكني عفوت عنك في أمرها انها لم تعترف لي ساعة من ليل أو نهار إني لها خالق أو رازق ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: { وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} الآية. قيل: دخل المدينةَ في وقت الهاجرة، وتَفَرُّقِ الناس، فَوَجَدَ فيها رجلين يتخاصمان: أحدهما إسرائيليٌّ من شيعة موسى وعلى دِينه، والآخرُ قِبطيٌّ مخالفٌ لهما، فاستغاث الإسرائيليُّ بموسى على القبطي، فوكَزَه موسى ليَدْفَعَه عن الإسرائيلي، فمات الرجلُ بذلك الوَكْز، ولم يكن موسى يقصد قَتْلَه، فقال موسى: {هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}. فقد تمنَّى موسى أنْ لو دَفَعَه عنه بأَيْسَرَ مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان، ولكنَّ دَفْعَهُ عنه بالغلظةِ نَسَبَه إلى الشيطان بأَنْ حَمَلَه على تلك الحِدَّة. وهكذا.. إذا أرده اللَّهُ أمراً أجرى أسباباً ليَحْصُلَ بها مرادُه، ولو أنه أراد فتنةَ موسى لَمَا قَبَضَ روحَ الرجلِ بمثل تلك الوكزة، فقد يُضْرَبُ الرجلُ الكثيرَ من الضَّرْبِ والسياط ثم لا يموت؛ فموتُ القبطي بوكزةٍ إجراءٌ لما قضاه وأراده.
اسماعيل حقي
تفسير : {ودخل المدينة} ودخل موسى مصر آتيا من قصر فرعون: وبالفارسية [موسى ازقصر فرعون برون آمد ودرميان شهرشد] وذلك لان قصر فرعون كان على طرف من مصر كما سيأتى عند قوله تعالى {أية : وجاء رجل من اقصى المدينة}تفسير : قيل المراد مدينة منف من ارض مصر وهى مدينة فرعون موسى التى كان ينزلها وفيها كانت الانهار تجرى تحت سريره وكانت فى غربى النيل على مسافة اثنى عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر المعروفة يومئذ بمصر القديمة ومنف اول مدينة عمرت بارض مصر بعد الطوفان وكانت دار الملك بمصر فى قديم الزمان {على حين غفلة من اهلها} اى حال كونه فى وقت لايعتاد دخولها. قال ابن عباس رضى الله عنهما دخلها فى الظهيرة عند المقيل وقد خلت الطرق {فوجد فيها رجلان يقتتلان} الجملة صفة الرجلين: والاقتتال [كارزار كردن بايكديكر] {هذا} [آن يكى] {من شيعته} اى ممن شايعه وتابعه على دينه وهم بنو اسرائيل روى انه السامرى كما فى فتح الرحمن والاشارة على الحكاية والا فهو والذى من عدوه ما كان حاضرين حال الحكاية لرسول الله ولكنهما لما كانا حاضرين يشار اليهما وقت وجدان موسى اياهما حكى حالهما وقتئذ {وهذا} [وآن يكى ديكر] {من عدوه} العدو يطلق على الواحد والجمع اى من مخالفيه دينا وهم القبط واسمه فاتون كما فى كشف الاسرار وكان خباز فرعون واراد ان يسخر الاسرائيلى ليحمل حطبا الى مطبخ فرعون {فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه} اى سأله ان يغيثه بالاعانة عليه ولذلك عدى بعلى يقال استغثت طلبت الغوث اى النصرة: وبالفارسية [بس فريا خواست بموسى آنكسى كه ازكروه او بود بر آنكسى كه از دشمنان او بود يعنى يارى طلبيد سبطى ازموسى بردفع قبطى] كان موسى قد اعطى شدة وقوة [قبطى را كفت دست ازو بدار قبطى سخن موسى رد كرد] {فوكزه موسى} الوكز كالوعد الدفع والطعن والضرب بجمع الكف وهو بالضم والكسر حين يقبضها اى فضرب القبطى بجمع كفه: وبالفارسية [بس مشت زد اورا موسى] {فقضى عليه} اى فقتله فندم فدفنه فى الرمل وكل شىء فرغت منه واتممته فقد قضيت عليه. قال فى المفردات يعبر عن الموت بالقضاء فيقال قضى نحبه لانه فصل امره المختص به من دنياه والقضاء فصل الامر {قال هذا} القتل {من عمل الشيطان} [ازعمل كسى است كه شيطان اورا اغواكندنه عمل امثال من] فاضيف العمل الى الشيطان لانه كان باغوائه ووسوسته وانما كان من عمله لانه لم يؤمر بقتل الكفار او لانه كان مأمونا فيهم فلم يكن له اغتيالهم ولايقدح ذلك فى عصمته لكونه خطأ وانما عده من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه جريا على سنن المقربين فى استعظام مافرط منهم ولو كان من محقرات الصغائر وكان هذا قبل النبوة {انه} اى الشيطان {عدو} لابن آدم {مضل مبين} ظاهر العداوة والاضلال
اطفيش
تفسير : {وَدَخَلَ المَدِينَةَ} مصر وقيل منيف من أعمال مصر وقيل حلبين على فرسخين من مصر وقيل مدينة عين شمس وذلك بعد ان غاب مدة عن مصر ودخلها بعد ذلك وهذا على أن المدينة مصر. {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ} أي في حين. {مِّنْ أَهْلِهَا} نعت لغفلة، قال السدي: عن ابن عباس كان موسى يركب لركوب فرعون ويركب مراكبه ويلبس لباسه وكان يدعى بابن فرعون وركب فرعون يوما وموسى غائب وسار الى مدينة من مدائن مصر فركب موسى بعد ان جاء وأخبر بمسير فرعون ولحق بتلك المدينة في وقت القايلة وهو حين الغفلة، وقيل عن ابن عباس: حين الغفلة ما بين المغرب والعشاء وقال علي والحسن: هو يوم عيد لهم فهم في لهوهم ولعبهم وقيل: لما جاء موسى وكان غائبا وأخبر بمسير فرعون لحقه وأدركه المقيل بمنيف فدخلها فهي المدينة وقيل كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعوه منه ولما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه فخالفه في دينه جهرا حتى انكروا ذلك عليه وخافهم وخافوه فكان لا يدخل قرية إلا مستخفياً على حين غفلة من أهلها، وقيل لما ضرب فرعون بالعصى في صغره فأراد قتله فقالت امرأته: هو صغير أمر باخراجه فلم يرجع حتى بلغ أشده ودخل على حين غفلة لئلا يروه أو على حين غفلة من أهلها عن ذكره وقد نسوا خبره لبعد عهدهم به. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ} يتخاصمان ويتضاربان. {هَذَا مِن شِيعَتِهِ} أي من بني اسرائيل وقيل عبر بالشيعة لان هذا الاسرائيلي قد شايع موسى على دينه. {وَهذَا مِنْ عَدُوِّهِ} وهم القبط فليتون وقيل الذي من شيعته هو السامري وقيل المعنى هذا مؤمن وهذا كافر واعتز بنوا اسرائيل حتى لا يقدر قبطي يظلم اسرائيليا لما بلغ أشده وكانوا يعلمون انه منهم. {فَاسْتَغَاثَهُ} وقرأ سيبويه فاستعانه. {الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} فقال له موسى خل سبيله فقال لقد هممت أن أحمل هذا الحطب عليك وقيل قال له انما اخذته ليحمل الحطب الى مطبخ أبيك فنازعه فقال القبطي لقد هممت أن احمل عليك. وروي انه لما غلب الاسرائيلي من موسى الغوث والنصر اشتد غضب موسى وهو يعلم منزلة موسى من بني اسرائيل وحفظه لهم قيل ولا يعلم الناس ذلك إلا من قبل الرضاع. {فَوَكَزَهُ} ضرب القبطي بمجمع كفه وأصابعها منضمة مجتمعة وقيل الوكز الضرب في الصدر وقيل الدفع بأطراف الاصابع وقرأ ابن مسعود (فلكزه) باللام أي ضرب صدره بكفه. {مُوسَى} وروي انه ضربه بالعصا. {فَقَضَى عَلَيْهِ} أي قتله وفرغ من أمره ولم يكن قاصدا لقتله ولكن كان قويا شديد البطش وروي انه فرق بينهما فأخطأت يده الى القبطي من غير عمد ومات ولما مات دفنه في الرمل وذكر بعضهم أن اللكز في المحي والوكز في القلب وذكر بعض أن أصل قضى عليه انهى حياته كقوله {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر }. تفسير : {قَالَ هَذَا} أي قتله. {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} قيل لما هيج الشيطان غضبه حتى قتله جعل القتل عملا له وانما جعله من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه على عادة الأنبياء والأولياء في استعظام المحقرات التي صدرت مهم وروي انه قال ذلك لأنه قتله قبل أن يؤمر بقتالهم وعن ابن جريج انه ليس لنبي ان يقتل مالم يؤمر وايضا هو فيهم مأمور فلم يكن له الاغتيال بقتلهم ولا يقدح ذلك في نبوته وعصمته لأنه خطأ. {إِنًّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} معاد لابن آدم مضل له عن الصواب بين الاضلال والمعاداة وقيل الاشارة الى المقتول على حذف مضاف أي هذا المقتول من أهل عمل الشيطان أو عمله من عمل الشيطان لكفره بالله ومعصيته وقيل اشارة الى عمل المقتول أي هذا العمل الذي صدر من المقتول من عمل الشيطان.
اطفيش
تفسير : {ودخَل المَدينَة} عن ابن عباس منف، وقيل: عين شمس، وقيل: حابين على فرسخين من مصر، وقيل: الإسكندرية، وقيل قصر فرعون، والأولى أنها مصر، وهو أشهر {على حِين} فى حين {غَفْلةٍ} عظيمة {من أهْلها} ثابتة منهم لا يتوقعون دخوله، وهو القائلة عند ابن عباس، وعنه بين المغرب والعشاء، وقيل فى عيد لشغلهم كان مختفياً لاخراج فرعون له منها، إذ جاهزة وقومه بما يكرهون، فدخلها عفية إذ خرج فرعون منها راكباً الى بلد {فَوَجَد فيها رجُلين يقتتلان} فى أمر دينى، أو لأن الكافر يستحمل الحطب على الاسرائيلي الى مطبخ فرعون، والكافر خباز له، ومن العجيب العدول عن كونه نعتاً الى كونه حالا، لمجرد إجازة سيبويه حال النكرة بلا شرط. {هَذا مِن شِيعَتِه} أتباعه فى الدين أو فى الدنيا، ولو كافرا أو فاسقاً، وشيعته بنو إسرائيل، وليسوا كلهم موحدين، ولا كلهم موفين، بل فيهم فساد فى الأعصار بعد يعقوب، وقد قيل: ان هذا هو السامرى {وهَذا من عَدوِّه} فى الدين وهم القبط أو غيرهم، واسمه قانون، وإشارة القرب استحضار للغائب، أيكون كالمشاهد {فاستغاثه الَّذى من شِيعَته} بنى إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يظنونه أخاً لهم من الرضاعة، وكان يركب إذا ركب فرعون على أفضل الدواب، ويلبس لباساً أجود ما يكون، ثم عرفوا أنه منهم أباً وأماً، ولما بلغ أشده كان يرد عن بنى إسرائيل الظلم. {على الَّذى مِنْ عَدوه} عداء بعلى لتضمنه معنى استنصر كما قال: استنصره بالأمس، أو معنى استعان كما قيل قُرىء به، ومن العجيب تقدير الذى هو من شيعته، على الذى هو من عدوه، مع عدم الدليل عليه، مع الاستغناء عنه {فَوكَزه مُوسَى} ضربه برءوس أصابعه، أو برءوس الإبهام والسبابة والوسطى، أو بيده مضمومة الأصابع، وقيل بعصاً وهى غير المشهورة، فإن المشهورة كانت له بعد حين، كان عند شعيب، والهاء للذى من عدوه، ويقال: لما اشتد الكلام قال القبطى لموسى لقد هممت أن أستحملك الحطب، وإنما استحملته الحطب الى مطبخ أبيك، فاشتد غضب موسى فوكزه، وهذا خطأ فانه لا يجوز فى حق موسى ومن دونه أن يغضب لمثل هذا حتى يقتل قائله، أو يفعل ما دون القتل، ومن نسب ذلك لموسى هلك، إلا إن تأول. {فقضى} موسى {عليه} أهلكه، وأصله أنهى حياته، ولكن ذلك مقول للقتل، فلا حاجة الى تأويله بأوقع القضاء عليه، وذلك حقيقة، لأن المعنى قتله، ولو فسر بأماته كان مجازاً، وقيل: قضى الله عليه بالموت، وقيل: قضى عليه الوكز، والأول أولى، ولما قتله دفنه فى الرمل {قال} موسى { هذا مِن عَمَل الشيطان} هذا الوكز، أو هذا القضاء حصل لى من تزيينه، أو من اعماله التى يعملها تبعته، فعملت مثل ما يعمل، أو هذا المقتول أهل عمل الشيطان أو عمل هذا المقتول من عمل الشيطان {إنَّه عدو} لى ولسائر المسلمين {مُضل} لغيره ما استطاع {مُبينٌ} ظاهر خبر لإن ثان وثالث، أو نعتان لعدو، وأما ان يكون مبين نعتاً لمضل فلا، لأنه صفة مثله، فلا طالب نعتاً ولا يتنازع عدو، ومضل فى مبين كل يطلبه نعتا لما علمت أن الصفة لا تطلب النعت حتى تنزل منزلة الجامد بوجه، ولأنه لا يقع التنازع فى النعت، لأن المهمل يضمر له، والنعت لا يكون ضميراً، وإن أريد بالتنازع مطلق الطلب لا النحوى فمضل لا يطلبه.
الالوسي
تفسير : {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ } قال ابن عباس على ما في «البحر»: هي منف {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } أي في وقت لا يعتاد دخولها، أو لا يتوقعونه فيه، وكان على ما روي عن الحبر وقت القائلة. وفي رواية أخرى عنه بين العشاء والعتمة، وذلك أن فرعون ركب يوماً وسار إلى تلك المدينة فعلم موسى عليه السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت. وقال ابن إسحاق: هي مصر، كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وغاب، فدخلها متنكراً. وقال ابن زيد: كان فرعون قد أخرجه منها فغاب سنين فنسي فجاء ودخلها وأهلها في غفلة بنسيانهم له، وبعد عهدهم به. وقيل: دخل في يوم عيد / وهم مشغولون بلهوهم. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشاءين. وقيل: المدينة عين شمس. وقيل: قرية على فرسخين من مصر يقال لها: حابين. وقيل: هي الإسكندرية، والأشهر أنها مصر، ولعله هو الأظهر. والمتبادر أن - على حين - متعلق بدخل، وعليه فالظاهر أن على بمعنى في مثلها في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [البقرة: 102] على قول. وقال أبو البقاء: هو في موضع الحال من {المدينة}، ويجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أي مختلساً اهـ ولعل الذي دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجه إلى جعل على بمعنى في وخفاء نكتة التعبير بها دونها أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه والأمر ظاهر لمن له أدنى تأمل، وقيل: إن الداعي إلى ذلك أن دخول المدينة في حين غفلة من أهلها ليس نصاً في دخولها غافلاً أهلها كما في وجه الحالية من المدينة ولا في دخولها مختلساً كما في وجه الحالية من الضمير فإن وقت الغفلة كوقت القائلة وما بين العشاءين قد لا يغفل فيه وفيه بحث. و {مّنْ أَهْلِهَا } في موضع الصفة لغفلة وما في النظم الكريم أبلغ من غفلة أهلها بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم، ولعله عدل عن ذلك إلى ما ذكر لهذا فتدبر، وقرأ أبو طالب القارىء - على حين - بفتح النون ووجه بأنه فتح لمجاورة الغين كما كسر في بعض القراآت الدال في {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ} تفسير : [الفاتحة: 2] لمجاورة اللام أو بأنه أجرى المصدر مجرى الفعل كأنه قيل: على حين غفل أهلها فبنى حين كما يبنى إذا أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض نحو قوله:شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا تفسير : وهو كما ترى. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ } أي يتحاربان والجملة صفة لرجلين. وقال ابن عطية: في موضع الحال وهو مبني على مذهب سيبويه من جواز مجىء الحال من النكرة من غير شرط، وقرأ نعيم بن ميسرة (يقتلان) بإدغام التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف، وقوله تعالى: {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ } أي ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه أو في الدين على ما قاله جماعة وهم بنو إسرائيل قال في «الإتقان»: هو السامري {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوّهِ } من مخالفيه فيما يريد أو في الدين على ما قاله الجماعة وهم القبط واسمه كما في «الإتقان» أيضاً قانون صفة بعد صفة لرجلين والإشارة بهذا واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كأن الرائي لهما يقوله لا في المحكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب قال جرير:شعر : هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إليّ قطينا تفسير : وهذه الإشارة قائمة مقام الضمير في الربط، والعطف سابق على الوصفية، واختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين، فقيل: كان أمراً دينياً، وقيل: كان أمراً دنيوياً، روي أن القبطي كلف الإسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون فأبـى فاقتتلا لذلك، وكان القبطي على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير خبازاً لفرعون. {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِ } أي فطلب غوثه ونصره إياه {عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوّهِ } ولتضمين الفعل معنى النصر عدي بعلى ويؤيده قوله تعالى بعد: {أية : ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ }تفسير : [القصص: 18]، ويجوز أن يكون تعديته بعلى لتضمينه معنى الإعانة ويؤيده أنه قرىء (فاستعانه) بالعين المهملة والنون بدل الثاء، وقد نقل هذه القراءة ابن خالويه، عن / سيبويه، وأبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة عن ابن مقسم والزعفراني، وقول ابن عطية أنه ذكرها الأخفش وهو تصحيف لا قراءة مما لا ثبت له فيه، وقد حذف من جملة الصلة صدرها أي الذي هو من شيعته والذي هو من عدوه ولو لم يعتبر حذف ذلك صح. {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ } أي ضرب القبطي بجمع كفه أي بكفه المضمومة أصابعها على ما أخرجه غير واحد عن مجاهد. وقال أبو حيان: الوكز الضرب باليد مجموعة أصابعها كعقد ثلاثة وسبعين وعلى القولين يكون عليه السلام قد ضربه باليد؛ وأخرج ابن المنذر وجماعة عن قتادة أنه عليه السلام ضربه بعصاه فكأنه يفسر الوكز بالدفع أو الطعن وذلك من جملة معانيه كما في «القاموس» ولعله أراد بعصاه عصا كانت له فإن عصاه المشهورة أعطاه إياها شعيب عليه السلام بعد هذه الحادثة كما هو مشهور، وفي كتب التفاسير مسطور. وقرأ عبد الله (فلكزه) باللام وعنده (فنكزه) بالنون واللكز على ما في «القاموس» الوكز والوجء في الصدر والحنك والنكز على ما فيه أيضاً الضرب والدفع، وقيل: الوكز والنكز واللكز الدفع بأطراف الأصابع، وقيل: الوكز على القلب واللكز على اللحى. روي أنه لما اشتد التناكر قال القبطي لموسى عليه السلام: لقد هممت أن أحمله يعني الحطب عليك فاشتد غضب موسى عليه السلام، وكان قد أوتي قوة فوكزه {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } أي فقتله موسى وأصله أنهى حياته أي جعلها منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في «الأساس» فلا حاجة إلى تأويله بأوقع القضاء عليه، وقد يتعدى الفعل بإلى لتضمينه معنى الإيحاء كما في قوله تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } تفسير : [الحجر: 66] وعود ضمير الفاعل في (قضى) على (موسى) هو الظاهر، وقيل: هو عائد على الله تعالى أي فقضى الله سبحانه عليه بالموت فقضى بمعنى حكم، وقيل: يحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من {وكزه} أي فقضى الوكز عليه أي أنهى حياته. {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي من تزيينه. وقيل: من جنس عمله والأول أوفق بقوله تعالى: {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة على أن (مبين) صفة ثانية لعدو، وقيل: ظاهر العداوة والإضلال، ووجه بأنه صفة لعدو الملاحظ معه وصف الإضلال أو بأنه متنازع فيه لعدو ومضل كل يطلبه صفة له وأياً ما كان فمبين من أبان اللازم.
ابن عاشور
تفسير : طويت أخبار كثيرة تنبىء عنها القصة وذلك أن موسى يفع وشب في قصر فرعون فكان معدوداً من أهل بيت فرعون، وقيل: كان يدعى موسى ابن فرعون. وجملة {ودخل المدينة} عطف على جملة {أية : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضيعه}تفسير : [القصص: 7] عطف جزء القصة على جزء آخر منها، وقد علم موسى أنه من بني إسرائيل، لعله بأن أمه كانت تتصل به في قصر فرعون وكانت تقص عليه نبأه كله. والمدينة هي (منفيس) قاعدة مصر الشمالية. ويتعلق {على حين غفلة} بــــ{دخل}. و{على} للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى {أية : على هدى من ربهم}تفسير : [ البقرة: 5]، أي متمكناً من حين غفلة. وحين الغفلة: هو الوقت الذي يغفل فيه أهل المدينة عما يجري فيها وهو وقت استراحة الناس وتفرقهم وخُلوّ الطريق منهم. قيل: كان ذلك في وقت القيلولة وكان موسى مجتازاً بالمدينة وحده، قيل ليلحق بفرعون إذ كان فرعون قد مر بتلك المدينة. والمقصود من ذكر هذا الوقت الإشارة إلى أن قتله القبطي لم يشعر به أحد تمهيداً لقوله بعد {أية : قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} تفسير : [القصص: 19] الآيات ومقدمة لذكر خروجه من أرض مصر. والإشارتان في قوله {هذا من شيعته وهذا من عدوه} تفصيل لما أجمل في قوله {رجلين يقتتلان}. واسم الإشارة في مثل هذا لا يراعى فيه بُعدٌ ولا قُرب، فلذلك قد تكون الإشارتان متماثلتين كما هنا وكما في قوله تعالى {أية : لا إلى هؤلاء}تفسير : [النساء: 143]. ويجوز اختلافهما كقول المتلمس:شعر : ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان غير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد تفسير : والشيعة: الجماعة المنتمية إلى أحد، وتقدم آنفاً في قوله {أية : وجعل أهلها شيعاً}تفسير : [القصص: 4]. والعدو: الجماعة التي يعاديها موسى، أي يُبغضها. فالمراد بالذي من شيعته أنه رجل من بني إسرائيل، وبالذي من عدوه رجل من القبط قوم فرعون. والعدو وصف يستوي فيه الواحد والجمع كما تقدم عند قوله تعالى {أية : فإنهم عدو لي}تفسير : في سورة [الشعراء: 77]. ومعنى كون {هذا من شيعته وهذا من عدوه} يجوز أن يكون المراد بهذين الوصفين أن موسى كان يعلم أنه من بني إسرائيل بإخبار قصة التقاطه من اليمّ وأن تكون أمه قد أفضت إليه بخبرها وخبره كما تقدم، فنشأ موسى على عداوة القبط وعلى إضمار المحبة لبني إسرائيل. وأما وكزه القبطي فلم يكن إلا انتصاراً للحق على جميع التقادير، ولذلك لما تكررت الخصومة بين ذلك الإسرائيلي وبين قبطي آخر وأراد موسى أن يبطش بالقبطي لم يقل له القبطي: إن تريد إلا أن تنصر قومك وإنما قال {أية : إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض}تفسير : [القصص: 19]. قيل: كان القبطي من عملة مخبز فرعون فأراد أن يحمل حطباً إلى الفرن فدعا إسرائيلياً ليحمله فأبى فأراد أن يجبره على حمله وأن يضعه على ظهره فاختصما وتضاربا ضرباً شديداً وهو المعبر عنه بالتقاتل على طريق الاستعارة. والاستغاثة: طلب الغوث وهو التخليص من شدة أو العون على دفع مشقة. وإنما يكون هذا الطلب بالنداء فذكر الاستغاثة يؤذن بأن الإسرائيلي كان مغلوباً وأن القبطي اشتد عليه وكان ظالماً إذ لا يجبر أحد على عمل يعمله. والوكز: الضرب باليد بجمع أصابعها كصورة عقد ثلاثة وسبعين، ويسمى الجمع بضم الجيم وسكون الميم. و{فقضى عليه} جملة تقال بمعنى مات لا تغيّر. ففاعل (قضى) محذوف أبداً على معنى قضى عليه قاض وهو الموت. ويجوز أن يكون عائداً إلى الله تعالى المفهوم من المقام إذ لا يقضي بالموت غيره كقوله {أية : فلما قضينا عليه الموت}تفسير : [ سبأ: 14]. وقيل ضمير {فقضى} عائد إلى موسى وليس هذا بالبيّن. فالمعنى: فوكزه موسى فمات القبطي. وكان هذا قتل خطأ صادف الوكز مقاتل القبطي ولم يرد موسى قتله. ووقع في سفر الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني أن موسى لما رأى المصري يضرب العبراني التفت هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل. وجملة {قال هذا من عمل الشيطان} مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً سأل: ماذا كان من أمر موسى حين فوجىء بموت القبطي. وحكاية ذلك للتنبيه على أن موسى لم يخطر بباله حينئذ إلا النظر في العاقبة الدينية. وقوله هو كلامه في نفسه. والإشارة بهذا إلى الضربة الشديدة التي تسبب عليها الموت أو إلى الموت المشاهد من ضربته، أو إلى الغضب الذي تسبب عليه موت القبطي. والمعنى: أن الشيطان أوقد غضبه حتى بالغ في شدة الوكز. وإنما قال موسى ذلك لأن قتل النفس مستقبح في الشرائع البشرية فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها. وكان موسى يعلم دين آبائه لعله بما تلقّاه من أمه المرأة الصالحة في مدة رضاعه وفي مدة زيارته إياها. وجملة {إنه عدو مضل مبين} تعليل لكون شدة غضبه من عمل الشيطان إذ لولا الخاطر الشيطاني لاقتصر على زجر القبطي أو كفه عن الذي من شيعته، فلما كان الشيطان عدواً للإنسان وكانت له مسالك إلى النفوس استدل موسى بفعله المؤدي إلى قتل نفس أنه فعل ناشىء عن وسوسة الشيطان ولولاها لكان عمله جارياً على الأحوال المأذونة. وفي هذا دليل على أن الأصل في النفس الإنسانية هو الخير وأنه الفطرة وأن الانحراف عنها يحتاج إلى سبب غير فطري وهو تخلل نزغ الشيطان في النفس. ومتعلق {عدو} محذوف لدلالة المقام أي عدو لآدم وذرية آدم. ورتب على الإخبار عنه بالعداوة وصفه بالإضلال لأن العدو يعمل لإلحاق الضر بعدوه. و {مبين} وصف لــــ {مضل} لا خبر ثان ولا ثالث.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 15- ودخل موسى المدينة فى وقت غفل فيه أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان: أحدهما من بنى إسرائيل، والآخر من قوم فرعون، فاستعان به الإسرائيلى على خصمه فأعانه موسى، وضرب الخصم بقبضة يده فقتله من غير قصد. ثم أسف موسى، وقال: إنَّ إقدامى على هذا من عمل الشيطان. إن الشيطان لعدو ظاهر العداوة واضح الضلال. 16- قال موسى متضرعاً إلى الله فى ندم: يا رب إنى أسأت إلى نفسى بما فعلت، فاغفر لى فعلتى. فأجاب الله دعوته وغفر له. إن الله هو العظيم المغفرة الواسع الرحمة. 17- قال موسى متضرعاً: يا رب بحق إنعامك علىَّ بالحكمة والعلم وفقنى للخير والصواب، فإذا وفقتنى فلن أكون عوناً للكافرين. 18- فأصبح موسى فى المدينة - مصر - فزعا، يتوقع أن يصيبه الأذى من القوم بسبب قتله المصرى، فوجد الإسرائيلي الذى طلب منه النصرة بالأمس يستغيث به ثانية على مصرى آخر، فنهره موسى قائلا له: إنك لشديد الغواية ظاهر الضلال، حيث عدت لمثل ما فعلت بالأمس ودعوتنى مرة ثانية لنصرتك. 19- فلما هم موسى بالبطش بالمصرى الذى هو عدو لهما، بسبب هذه العداوة، قال - وقد ظن أن موسى سيقتله -: أتريد أن تقتلنى كما قتلت شخصاً آخر بالأمس. ما تريد إلا أن تكون طاغية فى الأرض، وما تريد أن تكون من دعاة الإصلاح والخير.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَٱسْتَغَاثَهُ} {ٱلشَّيْطَانِ} (15) - وَدَخَلَ مُوسَى مَدِينَةَ مِصْرَ في وَقتٍ كَانَتْ خَاليةً فِيهِ مِنْ أَهْلِهَا (وقِيلَ إِنَّهُ دَخَلَ في مُنْتَصَفِ النَّهَارِ وَقْتَ القَيلُولَةِ، وَقيلَ أيضاً إِنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ الغُروبِ بَعدَ أَنِ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ أعمَالِهِمْ إِلى بُيُوتِهِمْ)، فَوَجَدَ رَجُلَينِ يَقْتَتِلاَنِ وَيَتَضَارَبَانِ أَحَدُهُما إِسْرئِيليٌّ (مِنْ شِيعَتِهِ) والآخَرُ قِبْطِيٌّ (مِنْ عَدوِّهِ) فَاسْتَغَاثَ الإِسْرائيليُّ بمُوسَى، فَضَرَبَ مُوسَى القِبْطِيَّ بُجْمعِ يَدِهِ، أَوْ بِعَصاً كَانَتْ في يَدِهِ (فَوَكَزَهُ) فَقَضَى عَليهِ. فَقالَ مُوسَى: هذا الذِي حَدَثَ هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ وتَزْيِينِهِ، وَهُوَ العَدُوُّ المُبِينُ للإِنسَانِ، فَينبَغي الحَذَرُ مِنْهُ. وَكَزَهُ - ضَرَبَهُ بِجمْعِ يَدِهِ فِي صَدْرِهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَدَخَلَ} يعني موسى {ٱلْمَدِينَةَ} قال السدي: يعني مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى (عليه السلام)، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل أرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلاّ خائفاً مستخفياً، فدخلها يوماً {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلاّ بعد أن كبر وبلغ أشدّه، {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبُعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب "رضي الله عنه": في قوله: {حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بِلَهْوِهِم ولعبهم، {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ} من أهل دينه من بني إسرائيل، {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ} من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو من شيعته هو السامري، والذي من عدوّه طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس لاّ إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أُمّ موسى، فقال للفرعوني، خلِّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: شعر : أيقايسون وقد رأوا حفاثهم قد عضّه فقضى عليه الأشجع تفسير : أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه)في الرمل) {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} بالمغفرة فلم تعاقبني {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً} عوناً ونصيراً {لِّلْمُجْرِمِينَ} قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا)ترزأ)شيئاً، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنىً وإن تركه احتاج، وصار عليه دَين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً} من قتله القبطي أن يؤخذ فيُقتل به، {يَتَرَقَّبُ} ينتظر الأخبار، {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحباً. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون (و) لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني،فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} (فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعدما قال له: إنك لغوي مبين أراده)، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، فقال: {قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} بالقتل ظلماً، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين بغير حق. {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون،فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقاً قريباً)وسبقهم فأخبره وأنذره) حتى أخذ طريقاً آخر فذلك قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ} واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان. {مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضاً نظيره قوله عز وجل:{أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 6]، وقال النمر بن تغلب: شعر : أرى الناس قد أحدثوا سمة وفي كلّ حادثة يؤتمر تفسير : {فَٱخْرُجْ} من هذه المدينة {إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ} موسى {مِنْهَا} أي من مدينة فرعون {خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} ينتظر الطلب {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ} أي نحوها وقصدها ماضياً لها، خارجاً عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: شعر : رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا والعصم من شغف العقول القادر تفسير : وهو مدين بن إبراهيم نُسبتْ البلدة إليه كما نُسبتْ مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم {قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحواً من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافياً، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أراد موسى - عليه السلام - أن يدخل القرية على حين غفلة من أهلها، لأن بني إسرائيل كانوا مُضطهدين، وكان القبط في بعض المدن ذاتَ الكثافة العددية منهم يُحرِّمون على بني إسرائيل دخول قراهم؛ لذلك اختار موسى وقت غفلة الناس، لكنه لم يدخل في الليل لأنه لا يهتدي إلى الطريق، فقيل: دخلها وقت القيلولة والناس في بيوتهم. {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ ..} [القصص: 15] يعني: من بني إسرائيل {وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ..} [القصص: 15] يعني: الأقباط {فَٱسْتَغَاثَهُ ..} [القصص: 15] أي: طلب منه العَوْن والنجدة {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ ..} [القصص: 15] يعني: ضربه بجُمْع يديه، فجاءت نهاية القبطي وأجله مع هذه الضربة، لا أنه مات بها، وكثيراً ما تحدُث هذه المسألة في شجار مثلاً بين شخصين، فيضرب أحدهما الآخر فيقع ميتاً، وبتشريح جثته يتبين أنه مات بسبب آخر. ومثال ذلك: حين تكلِّف شخصاً بقضاء حاجة لك، أو تُوسِّطه في أمر ما، فيدخل عند المسئولين ويسعى إلى أن يقضي لك حاجتك فتقول: "فلان قضالي كذا وكذا" وهو في الحقيقة ما قضى في الأرض إلا بعد أن قضى الله في السماء. لكن الله تعالى أراد أنْ يُكرم الواسطة، فجعل قضاءها موافقاً لقضائه سبحانه، فنقول في هذه الحالة: قضي الله المصلحة معه لا به. كان القبط - كما قُلْنا - يكرهون بني إسرائيل ويُعذِّبونهم، فلما قتلَ موسى القبطي زاد غضبهم وكراهيتهم لبني إسرائيل؛ لذلك أحسَّ موسى أن هذا العمل من الشيطان، ليزيد هذه العداوة {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 15].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: كَان نُصفُ النَّهارِ وهم غَافِلون: أي قَائِلونَ. تفسير : وقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ} معناه دَفَعهُ فِي صَدرهِ {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} يعني قَتلهُ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 753 : 1 : 2 - سفين {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} قال، نصف النهار. [الآية 15].
همام الصنعاني
تفسير : 2201- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}: [الآية: 15]، قال: عند القائلة، بالظَّهِيرة، وهم نائمون. 2202- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}: [الآية: 15]، قال: كان الذي استغاثه رجُلاً من بني إسرائيل، استعان مُوسَى على عدوه من آل فرعون، فوكزه موسَى بعصاه، فقضى عليه {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ}: [الآية: 18] فأقبل إليه مُوسَى، فظن الرجل أنه يريد قتله. فقال: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ}: [الآية: 19]، وقُبطي قريب منهما يَسْمَعُهُمَا، فأفشى عَلَيْهِما، قال: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}: [الآية: 20]، قال: هُوَ آل فرعونَ يَسْعى {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ}: [الآيات: 20-21]، مِنَ قتل النفس {يَتَرَقَّبُ}: [الآية: 21] أن يأخذه الطلب. 2204- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}: [الآية: 17]، قال: إني لن أعين بعدها ظالماً على فجرةٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):