٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } نادماً {رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بقتله {فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } أي المتصف بهما أزلاً وأبداً.
ابن عطية
تفسير : ثم إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى فغفر الله خطأه ذلك. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر. قال القاضي أبو محمد: ولم يزل عليه السلام يعتمد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر حتى أنه في القيامة يقول "وقتلت نفساً لم أؤمر بقتلها" حسبما صح في حديث الشفاعة، ثم قال عليه السلام لربه معاهداً {رب} بنعمتك علي وبسبب إحسانك وغفرانك فأنا ملتزم ألا أكون معيناً {للمجرمين} هذا أحسن ما تؤول. وقال الطبري إنه قسم أقسم بنعمة الله تعالى عنده ويضعفه صورة جواب القسم فإنه غير متمكن في قوله {فلن أكون}، والقسم لا يتلقى بـ"لن"، والفاء تمنع أن تنزل "لن" منزلة "لا" أو "ما" فتأمله واحتج الطبري بأن في قراءة عبد الله "فلا تجعلني ظهيراً". قال الفقيه الإمام القاضي: واحتج أهل العلم والفضل بهذه الآية في خدمة أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم ورأوا أنها تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره، وقوله تعالى {فأصبح} عبارة عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيد عالماً، و {يترقب} معناه عليه رقبة من فعله في القتل فهو متحسس، قال ابن عباس: فمر وهو بحالة الترقب وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل آخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثاً ومنه قول الشاعر [سلامة بن جندل]: [البسيط] شعر : كنا إذا ما أتانا صارخ قرع كان الصراخ له فزع الظنابيب تفسير : فلما رأى موسى قتاله لآخر أعظم ذلك وقال له معاتباً ومؤنباً {إنك لغوي مبين} وكانت إرادة موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي فلما دنا منهما خشي الإسرائيلي وفزع منه وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول.
النسفي
تفسير : {قَالَ رَبّ } يا رب {إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بفعل صار قتلاً {فَٱغْفِرْ لِى } زلتي {فَغَفَرَ لَهُ } زلته {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ } بإقالة الزلل {ٱلرَّحِيمِ } بإزالة الخجل {قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } معيناً {لّلْمُجْرِمِينَ } للكافرين و{بما أنعمت} على قسم جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن فلن أكون ظهيراً للمجرمين، أو استعطاف كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد. {فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً } على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به {يَتَرَقَّبُ } حال أي يتوقع المكروه وهو الاستقادة منه أو الأخبار أو ما يقال فيه، وقال ابن عطاء: خائفاً على نفسه يترقب نصرة ربه. وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله بخلاف ما يقوله بعض الناس أنه لا يسوغ الخوف من دون الله {فَإِذَا ٱلَّذِى } {إذا} للمفاجأة وما بعدها مبتدأ {ٱسْتَنْصَرَهُ } أي موسى {بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } يستغيثه والمعنى أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ } أي للإسرائيلي {إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } أي ضال عن الرشد ظاهر الغي فقد قاتلت بالأمس رجلاً فقتلته بسببك، والرشد في التدبير أن لا يفعل فعلاً يفضي إلى البلاء على نفسه وعلى من يريد نصرته.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {إني ظلمت نفسي} قال: بلغني أنه من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر. فقتله ولم يؤمر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قال رب إني ظلمت نفسي} قال: عرف نبي الله عليه السلام من أين المخرج. فأراد المخرج فلم يلق ذنبه على ربه. قال بعض الناس: أي من جهة المقدور.
القشيري
تفسير : تاب موسى عَمَّا جرى على يده، واستغفر ربَّه، وأخبر اللَّهُ أنه غَفَرَ له، ولا عتابَ بعد المغفرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} توسيط قال بين كلاميه لا بانه مابينهما من المخالفة من حيث انه مناجاة ودعاء بخلاف الاول {رب} [اى بروردكار من] {انى ظلمت نفسى} بقتل القبطى بغير امر {فاغفر لى} ذنبى {فغفر له} ربه ذلك لاستغفاره {انه هو الغفور الرحيم} اى المبالغ فى مغفرة ذنوب العباد ورحمتهم
الطوسي
تفسير : حكى الله تعالى عن موسى انه حين قتل القبطي ندم على ذلك وقال يا {رب إني ظلمت نفسي} بقتله وسأله ان يغفر له، فحكى الله تعالى انه {غفر له} لان {الله هو الغفور} لعباده {الرحيم} بهم المنعم عليهم. وعند أصحابنا أن قتله القبطي لم يكن قبيحاً، وكان الله أمره بقتله، لكن كان الأولى تأخيره إلى وقت آخر لضرب من المصلحة، فلما قدم قتله كان ترك الأولى والافضل، فاستغفر من ذلك لا أنه فعل قبيحاً. وقال جماعة: ان ذلك كان منه صغيرة غير انها وقعت مكفرة لم يثبت عليها عقاب، ويكون قوله {رب إني ظلمت نفسي} على الوجه الأول أي بخست نفسي حقها بأن لم أفعل ما كنت أستحق به ثواباً زائداً. وعلى المذهب الثاني مذهب من يقول بالموازنة يقول: لأنه نقص من ثوابه، وكان بذلك ظالماً لنفسه. فأما من قال: إن ذلك كان كبيرة منه وظلماً فخارج عما نحن فيه، لأن ادلة العقل دلت على أن الأنبياء لا يجوز عليهم شي من القبائح، لا كبيرها ولا صغيرها. ومن قال: إنه كان ذلك صغيرة، قال: كان دفعه له المؤدي إلى القتل صغيرة، لا أنه قصد القتل وكان صغيرة. وقوله {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} معناه إن أنعمت علي فلن اكون، فهو مشبه بجواب الجزاء، ولذلك دخلت الفاء في الجواب، وإذا وقع الانعام قيل لما أنعمت، فلن اكون، لأنها في كلا الموضعين تدل على أن الثاني وقع من أجل الاول. ويحتمل أن يكون ذلك قسماً من موسى بنعم الله عليه، بمغفرته، وفنون نعمه بأن لا يكون معيناً على خطيئة، ولا يكون ظهيراً. والظهير المعين لغيره بما به يصير كالظهر له الذي يحميه من عدوه. وقوله {فأصبح في المدينة خائفاً يترقب} معناه إن موسى أصبح خائفاً من قتل القبطي، يترقب الأخبار - في قول ابن عباس - والترقب التوقع. وقوله {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} يعني رأى من كان استنصره بالأمس، بأن طلب نصرته على عدوه {يستصرخه} أي يطلب نصرته ايضاً. وقيل: يطلب الصراخ على العدو بما يردعه عن الايقاع بمن قد تعرض له {قال له موسى انك لغوي مبين} أي عادل من الرشد، ظاهر الغواية، ومعناه انك لغوي في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك، من أصحاب فرعون، خائب فيما تقدر أن تفعله. وقوله {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما} قيل: إن موسى هم أن يدفع العدو عن نفسه وعن صاحبه، ويبطش به {قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} قال الحسن: هو من قول الفرعوني، لانه كان قد اشتهر أمر القتل بالأمس أنه قتله بعض بني إسرائيل. وقال ابن عباس واكثر اهل العلم انه من قول الإسرائيلي، لانه قال له موسى انك لغوي مبين، خاف على نفسه فظن أنه يريد الايقاع به، فقال ما قال. وقوله {إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} اي لست تريد بقتل من قتلته بالأمس إلا أن تكون جباراً متكبراً في الارض {وما تريد} اي ولست تريد {أن تكون من} جملة {المصلحين}. وقوله {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} قيل هو مؤمن آل فرعون {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} أي يأمر بعضهم بعضاً بقتلك. وقيل: يأتمرون معناه يرتاؤن، قال نمر بن تولب: شعر : أرى الناس قد احدثوا شيمة وفى كل حادثه يؤتمر تفسير : أي يرتاء، وقال آخر: شعر : ما تأتمر فينا فأمـ ـرك في يمينك أو شمالك تفسير : فقوله {فاخرج إني لك من الناصحين} حكاية ما قال الرجل لموسى، وانه ناصح له بقوله، يحذره من اعدائه. وقال الزجاج: وقوله {إني لك} ليست من صلة {الناصحين} لان الصلة لا تقدم على الموصول، لكن تقديره: إني من الناصحين الذين ينصحون لك، يقال: نصحت لك ونصحتك، والاول اكثر.
الجنابذي
تفسير : يدلّ على انّ مقصودة انّ هذا القتل الصّادر منّى من عمل الشّيطان؛ وهذا لا ينافى ما عليه الشّيعة من عصمة الانبياء فانّ الانبياء (ع) معصومون من المعاصى لا من ترك الاولى، وبعبارةٍ اخرى انّهم معصومون من الذّنوب الّتى هى ذنوب بالنّسبة الى غيرهم لا من الذّنوب الّتى هى ذنوب بالنّسبة اليهم فانّ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين، وتوبة الانبياء (ع) من الالتفات الى غير الله فلا غرو ان يكون موسى (ع) عدّ فعله يعنى تعجيله فى قتل من استحقّ القتل من دون ملاحظة المفاسد الّتى تترتّب عليه ذنباً له واستغفر منه ونسب الظّلم الى نفسه مع انّه كان مستحقّاً للقتل، وبعد ما فرغ من استغفاره لترك الاولى نظر الى قوّته.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} نادما. {رَبِّ} يا رب. {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بقتله من غير أمر وقيل هذا اتضاع لله سبحانه واعتراف بالتقصير في حق الله ولم يكن هناك ذنب أو ظلمت نفسي أحللت على نفسي القتل فانه اذا عرف فرعون ذلك قتلني. {فَاغْفِرْ لِي} ذنبي أو ترك المندوب او استر علي فلا يتوصل فرعون الى قتلي. {فَغَفَرَ لَهُ إِنًّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} ذكر في عرائس القرآن بينما موسى يمشي في ناحية المدينة اذا هو برجلين يقتتلان وكان الذي هو من عدوه قبطيا خباز لفرعون واسمه قانون وكان اشترى حطبا فسخر اسرائيليا وهو الذي من شيعة موسى وهو السافري ليحمله وقال له دعه فقال أخذته في عمل أبيك فأبى أن يدعه فغضب موسى فبطش به وخلصه من يده ونازعه القبطي فوكزه فقتله ثم قال {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بقتل القبطي فاغفر لي فغفر له انه هو الغفور لذنوب عباده الرحيم بهم. قال وهب: (أوحى الله الى موسى وعزتي وجلالي لو ان النفس التي قتلت أقرت لي طرفة عين اني أنا الله الذي لا إله إلا أنا خالق كل شيء ورازقه لأذقتك طعم العذاب وانما غفرت لك لأنها لم تقر ساعة اني اله خالق ورازق) انتهى ببعض زيادة ونقص ومع غفران الله جل وعلا له لم يزل يكرر تلك الفعلة على نفسه حتى انه في القيامة يقول وقتلت نفسا لم أومر بقتلها كما صح في حديث الشفاعة.
اطفيش
تفسير : {قال ربِّ} يا رب {إنِّى ظلمتُ نفْسى} بالوكزة، عدها من عمل الشيطان وظلما لنفسه، مع أنها ليست ذنباً، ولعله لما يبلغ قال كعب: ذو اثنتى عشرة سنة لعظم شأن القتل ولو لكافر، أو لم تعد ذنباً لأنه دفع بها الظالم عن المظلوم بلا قصد لشدة قوته، أو هى وقعة بلا عمد، أوقعه فيها دخوله بينهما ليخلصه {فاغْفر لى} لا تعاقبنى عليها دنيا ولا أخرى {فغفر له} أى قال له لم تذنب فلا عقاب، أو غفر له ما طلب غفرانه هكذا، وقيل علم موسى انه ليس ذنبا لأنه لم يتعمد، ولكنه أراد أن الشيطان أوقعنى فى أمر يقتلنى فرعون به، وجررت الى نفسى مضرة، فاسترعنى هذه الوكزة يا رب، فسترها له وهو خلاف الظاهر، ولا سيما مع قوله عز وجل: {إنَّه هُو الغَفور الرَّحيمُ} فإن هذا معروف فى غفران الذُّنوب.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بوكز ترتب عليه القتل {فَٱغْفِرْ لِى } ذنبـي وإنما قال عليه السلام ما قال لأنه فعل ما لم يؤذن له به وليس من سنن آبائه الأنبياء عليهم السلام في مثل هذه الحادثة التي شاهدها وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع في شريعة من الشرائع قتلها، ولا يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الكبائر بعد النبوة وقبلها لأن أصل الوكز من الصغائر، وما وقع من القتل كان خطأ كما قاله كعب وغيره، والخطأ وإن كان لا يخلو عن الإثم، ولذا شرعت فيه الكفارة إلا أنه صغيرة أيضاً بل قيل: لا يشكل أيضاً على القول بعصمتهم عن الكبائر والصغائر مطلقاً لجواز أن يكون عليه السلام قد رأى أن في الوكز دفع ظالم عن مظلوم ففعله غير قاصد به القتل، وإنما وقع مترتباً عليه لا عن قصد وكون الخطأ لا يخلو عن إثم في شرائع الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كما في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم غير معلوم وكذا مشروعية الكفارة فيه وكأنه عليه السلام بعد أن وقع منه ما وقع تأمل فظهر له إمكان الدفع بغير الوكز وأنه لم يتثبت في رأيه لما / اعتراه من الغضب فعلم أنه فعل خلاف الأولى بالنسبة إلى أمثاله فقال ما قال على عادة المقربين في استعظامهم خلاف الأولى، ثم إن هذا الفعل وقع منه عليه السلام قبل النبوة كما هو ظاهر قوله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء [21] {أية : فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : وبذلك قال النقاش وغيره وروي عن كعب أنه عليه السلام كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة ومن فسر الاستواء ببلوغ أربعين سنة وجعل ما ذكر بعد بلوغ الأشد والاستواء وإيتاء الحكم والعلم بالمعنى الذي لا يقتضي النبوة يلزمه أن يقول كان عليه السلام إذ ذاك ابن أربعين سنة أو ما فوقها بقليل. وزعم بعضهم أنه عليه السلام أراد بقوله: {ظَلَمْتُ نَفْسِى } إني عرضتها للتلف بقتل هذا الكافر إذ لو عرف فرعون ذلك لقتلني به وأراد بقوله: {فَٱغْفِرْ لِى } فاستر على ذلك، وجعله من عمل الشيطان لما فيه من الوقوع في الوسوسة وترقب المحذور، ولا يخفى ما فيه، ويأبـى عنه قوله تعالى: {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } وترتيب {غفر} على ما قبله بالفاء يشعر بأن المراد غفر له لاستغفاره وجملة {إِنَّهُ } الخ كالتعليل للعلية أي إنه تعالى هو المبالغ في مغفرة ذنوب عباده ورحمتهم، ولذا كان استغفاره سبباً للمغفرة له وتوسيط {قال} بين كلاميه عليه السلام لما بينهما من المخالفة من حيث إن الثاني مناجاة ودعاء بخلاف الأول.
ابن عاشور
تفسير : بدل اشتمال من جملة {أية : قال هذا من عمل الشيطان}تفسير : [القصص: 15] لأن الجزم بكون ما صدر منه عملاً من عمل الشيطان وتغريره يشتمل على أن ذلك ظلم لنفسه، وأن يتوجه إلى الله بالاعتراف بخطئه ويفرّع عليه طلب غفرانه. وسمى فعله ظلماً لنفسه لأنه كان من أثر فرط الغضب لأجل رجل من شيعته، وكان يستطيع أن يملك من غضبه فكان تعجيله بوكز القبطي وكزة قاتلة ظلماً جرّه لنفسه. وسمّاه في سورة الشعراء (20) ضلالاً {أية : قال فعلتها إذا وأنا من الضالين}تفسير : . وأراد بظلمه نفسه أنه تسبب لنفسه في مضرة إضمار القبط قتله، وأنه تجاوز الحد في عقاب القبطي على مضاربته الإسرائيلي. ولعله لم يستقص الظالم منهما وذلك انتصار جاهلي كما قال وداك بن ثميل المازني يمدح قومه: شعر : إذا استُنجدوا لم يسألوا من دَعاهُم لأيَّةِ حَرْب أم بأي مكان تفسير : وقد اهتدى موسى إلى هذا كله بالإلهام إذ لم تكن يومئذ شريعة إلهية في القبط. ويجوز أن يكون علمه بذلك مما تلقاه من أمه وقومها من تدين ببقايا دين إسحاق ويعقوب. ولا التفات في هذا إلى جواز صدور الذنب من النبي لأنه لم يكن يومئذ نبيئاً، ولا مسألة صدور الذنب من النبي قبل النبوءة، لأن تلك مفروضة فيما تقرر حكمه من الذنوب بحسب شرع ذلك النبي أو شرع نبي هو متبعه مثل عيسى عليه السلام قبل نبوءته لوجود شريعة التوراة وهو من أتباعها. والفاء في قوله {فغفر له} للتعقيب، أي استجاب استغفاره فعجل له بالمغفرة. وجملة {فغفر له} معترضة بين جملة {أية : قال رب إني ظلمت نفسي}تفسير : وجملة {أية : قال رب بما أنعمت علي}تفسير : [ القصص: 17] كان اعتراضها إعلاماً لأهل القرآن بكرامة موسى عليه السلام عند ربه. وجملة {إنه هو الغفور الرحيم} تعليل لجملة {فغفر له}؛ علل المغفرة له بأنه شديد الغفران ورحيم بعباده، مع تأكيد ذلك بصيغة القصر إيماء إلى أن ما جاء به هو من ظلم نفسه وما حفه من الأمور التي ذكرناها.
د. أسعد حومد
تفسير : (16) - فَاسْتَغَفَرَ مُوسَى رَبَّهُ، وَقَالَ إِنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِقْتْلِهِ الرَّجُلَ، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَعَفَا عَنْهُ. واللهُ هُوَ الغَفُورُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الرَّحيمُ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يُعلمنا موسى - عليه السلام - أن الإنسان ساعة يقترف الذنب، ويعتقد أنه أذنب لا يكابر، إنما ينبغي عليه أنْ يعترف بذنبه وظلمه لنفسه، ثم يبادر بالتوبة والاستغفار {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي ..} [القصص: 16] يعني: يا ربّ حكْمك هو الحقّ، وأنا الظالم المعترف بظلمه. ومن هنا كان الفَرْق بين معصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس: آدم عصى واعترف بذنبه وأقرَّ به، فقال {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ..}تفسير : [الأعراف: 23] فقبل الله منه وغفر له. أما إبليس فعلَّل عدم سجوده: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}تفسير : [الإسراء: 61] وقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [ص: 76] فردَّ الحكم على الله. لذلك نقول لمن يُفتي بغير ما شرع الله فيُحلِّل الحرام لسبب ما، نقول له: احذر أنْ ترَّد على الله حكمه؛ لأنك إنْ فعلتَ فأنت كإبليس حين ردَّ على الله حُكمه، لكن أفْتِ بالحكم الصحيح، ثم تعلَّل بأن الظروف لا تساعد على تطبيقه، فعلى الأقل تحتفظ بإيمانك، والمعصية تمحوها التوبة والاستغفار، أما الكفر فلا حيلةَ معه. فلما استغفر موسى ربه غفر له {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [القصص: 16] يُعرف الذنب، ثم يغفره رحمة بنا؛ لأن الإنسان حين تصيبه غفلة فيقع في المعصية إذا لم يجد باباً للتوبة وللرجوع يئس وفقد الأمل، وتمادى في معصيته ونسميه (فاقد) عنده سُعار للجريمة، ولا مانع لديه من ارتكاب كل الذنوب. إذن: فمشروعية التوبة والاستغفار تعطي المؤمن أملاً في أنه لن يُطرَدَ من رحمة الله، لأن رحمة الله واسعة تسَع كل ذنوبه مهما كثُرتْ. لذلك يقول تعالى في مشروعية التوبة {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..}تفسير : [التوبة: 118] والمعنى: شرع لهم التوبة، وحثَّهم عليها ليتوبوا بالفعل فيقبل منهم. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):