٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ بِمآ أَنْعَمْتَ } بحق إنعامك {عَلَىَّ } بالمغفرة اعصمني {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } عوناً {لِّلْمُجْرِمِينَ } الكافرين بعد هذه إن عصمتني.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنْعَمْتَ عَلَىَّ} من المغفرة، أو الهداية.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} قال: معيناً للمجرمين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} قال: إن أعين بعدها ظالماً على فجره. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي رضي الله عنه؛ أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب ليس يلي من أمور السلطان شيئاً، إلا أنه يكتب لهم بقلم ما يدخل وما يخرج، فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتجاج، وإن أخذ به كان له فيه غنى قال: يكتب لمن؟ قال: لخالد بن عبد الله القسري قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ؟ فلا يهتم بشيء وليرم بقلمه فإن الله سيأتيه برزق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الكاتب الضبي قال: قال رجل لعامر: يا أبا عمرو أني رجل كاتب، أكتب ما يدخل وما يخرج، آخذ ورقاً استغني به أنا وعيالي قال: فلعلك تكتب في دم يسفك؟ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في مال يؤخذ؟ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في دار تهدم؟ قال: لا. قال: أسمعت بما قال موسى عليه الصلاة والسلام {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} قال: رضي الله عنه قال: صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما العصر، فسمعته يقول في ركوعه {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط رضي الله عنه قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فاعطهم فقال: اعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} إمَّا قسمٌ محذوفُ الجوابِ أي أقسمُ بإنعامِك عليَّ بالمغفرةِ لأتوبنَّ {فَلَنْ أَكُونَ} بعدَ هذا أبداً {ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ} وإمَّا استعطافٌ أي بحقِّ إنعامِكَ عليَّ اعصمنِي فلنْ أكونَ معيناً لمن تؤدي معاونتُه إلى الجُرمِ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يستئنِ فابتُليَ به مرَّةً أُخرى، وهذا يؤيدُ الأولَ، وقيل: معناهُ بما أنعمتَ عليَّ من القوَّةِ أعينُ أولياءكَ فلن استعملَها في مُظاهرةِ أعدائِكَ {فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} يترصَّدُ الاستفادةَ أو الأجنادَ {فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي يستغيثُه برفعِ الصَّوتِ من الصُّراخ {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ} أي بـيِّنُ الغوايةِ تسببتَ لقتلِ رجلٍ وتُقاتلُ آخرَ {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ} مُوسى {أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي لموسى وللإسرائيليِّ إذ لم يكن على دينِهما ولأنَّ القِبطَ كانُوا أعداءً لبني إسرائيلَ على الإطلاقِ. وقُرىء يبطُش بضمِّ الطَّاءِ {قَالَ} أي الإسرائيليِّ ظانّاً أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام يبطشُ به حسبما يُوهمه تسميتُه إيَّاه غويّاً {يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} قالُوا: لما سمعَ القبطيُّ قولَ الإسرائيليُّ علمَ أنَّ موسى هو الذي قتلَ ذلك الفرعونيَّ فانطلق إلى فرعونَ فأخبرَهُ بذلك وأمرَ فرعونُ بقتلِ مُوسى عليه السَّلامُ وقيل: قاله القبطيُّ {إِن تُرِيدُ} أي ما تريدُ {إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ} وهو الذي يفعلُ كلَّ ما يريدُه من الضربِ والقتلِ ولا ينظرُ في العواقبِ وقيل: المتعظِّمُ الذي لا يتواضعُ لأمرِ الله تعالى {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} بـينَ النَّاسِ بالقولِ والفعلِ. {وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ} أي كائنٌ من آخِرها أو جاءَ من آخِرها {يَسْعَىٰ} أي يسرعُ، صفةٌ لرجلٌ أو حالٌ منه على أنَّ الجارَّ والمجرورَ صفةٌ له لا متعلَّق بجاء فإن تخصصه يلحقه بالمعارفِ قيل: هو مؤمنُ آلِ فرعونَ واسمُه حِزْقيلُ وقيل: شَمعُون وقيل: شَمعانُ {قَالَ يَـا مُوسَىٰ إنِ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} أي يتشاورُون بسببكَ فإنَّ كلاًّ من المتشاورينَ يأمرُ الآخرينَ ويأتمرُ {فَٱخْرُجْ} أي من المدينةِ {إِنّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} اللامُ لبـيانِ لما أنَّ معمولَ الصِّلةِ لا يتقدمُها
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: العارف بنعم الله من لا يوافق من خالف ولىُّ نعمته والعارف بالمنعم من لا يخالفه فى حال من الأحوال.
القشيري
تفسير : قال موسى ربِّ بما أنعمت عليَّ من توفيقك لي بالتوبة فلن أعودَ بعد ذلك إلى مثل ما سَلَفَ مني.
البقلي
تفسير : اى بما انعمت على من كشف جمالك وما استمتع من لطائف خطابك لا اساعد المخالفين ولا اجالس البطالين ولا اعين المدعين ولا اكون موافقا لمراد النفس والهوى ولا اكون فى قيد الشهوة والمنى قال ابن عطا العارف بنعم الله من لا يوافق من خلاف ولى نعمته والعارف بالمنعم لا يخالفه فى حال من الاحوال.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال رب بما انعمت علىّ} اما قسم محذوف الجواب اى اقسم عليك بانعامك علىّ بالمغفرة لأتوبن {فلن اكون} بعد هذا ابدا {ظهيرا للمجرمين} معينا لهم يقال ظاهرته اى قويت ظهره بكونى معه وما استعطاف اى بحق احسانك علىّ اعصمنى فلن اكون معينا لمن تؤدى معاونته الى الجرم وهو فعل يوجب قطيعة فاعله واصله القطع. قال ابن عطاء العارف بنعم الله من لايوافق من خالف ولى نعمته والعارف بالمنعم من لايخالفه فى حال من الاحوال انتهى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه لم يستثن فابتلى به اى بالعون للمجرمين مرة اخرى كما سيأتى. يقول الفقير المراد بالمجرم ههنا الجانى الكاسب فعلا مذموما فلا يلزم ان يكون الاسرائيلى كافرا كما دل عليه هذا من شيعته وقوله بالذى هو عدو لهما على ان بنى اسرائيل كانوا على دين يعقوب قبل موسى ولذا استذلهم فرعون بالعبودية ونحوها واما قول ابن عباس رضى الله عنهما عند قوله ظهيرا للمجرمين اى عونا للكافرين فيدل على ان اطلاق المجرم المطلق على المؤمن الفاسق من قبل التغليظ والتشديد ثم ان هذا الدعاء وهو قوله رب بما انعمت علىّ الخ حسن اذا وقع بين الناس اختلاف وفرقة فى دين او ملك او غيرهما وانما قال موسى هذا عند اقتتال الرجلين ودعا به ابن عمر رضى الله عنهما عند قتال معاوية كذا فى كشف الاسرار. ثم ان فى الآية اشارة الى ان المجرمين هم الذين اجرموا بان جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع والمتابعة كالفلاسفة والبراهمة والرهابين وغيرهم فجهادهم يكون من عمل الشيطان
الجنابذي
تفسير : {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} من القوّة الّتى اقدر بها على القتل بوكزٍ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} كما صرت ظهيراً فى هذه الكرّة.
الهواري
تفسير : {قَالَ} موسى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً} أي: عويناً {لِّلْمُجْرِمِينَ} أي: للمشركين. وقال بعضهم: أي: فلن أعين بعدها على فجْرَةٍ؛ وقلَّ ما قالها رجل قط إلا ابتُلِي. قوله: {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَآئِفاً} أي: من قتله النفس {يَتَرَقَّبُ} أي: أن يؤخذ. ذكر عن الحسن عن علي رضي الله عنه أنه قال: البلاء موكّل بالنطق. قوله: {فَإِذَا الذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} أي: يستغيثه، ويستنصره ويستصرخه واحد. {قَالَ لَهُ مُوسَى} أي: للإِسرائيلي {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} أي: بيّن الغواية. ثم أدركت موسى الرقةُ عليه {فَلَمَّآ أَن أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي: بالقبطي {قَالَ} الإِسرائيلي. [قال بعضهم]: وبلغنا أنه السامري، فخلى السامري عن القبطي وقال: {يَا مُوسَى} الإِسرائيلي يقوله: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلآ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ} يعني قتالاً في الأرض {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ}.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ} يا رب. {بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً للْمُجْرِمِينَ} الباء للقسم الاستعطافي والجواب محذوف لقسم على الله بما أنعم عليه أن يعصمه أي بما أنعمت عليَّ اعصمني أو لقسم غير استعطافي أي بما أنعمت عليَّ لأتوبن والاستعطاف طلب الرحمة وما مصدرية أي بانعامك او اسم فالرابط محذوف على القلة لأن الباء لم يعلق بمثل ما يعلق به الرابط وجاره اي بما أنعمت به او محذوف على الكثير فيقدر منصوبا لتضمن الأنعام معنى الالقاء أي بما القيته علي من النعم والفاء للاستئناف أو رابطة لجواب شرط محذوف أي إن عصمتني فلن أكون ويجوز كونها صلة فتكون الباء غير قسمية فتعلق بأكون أو بظهيرا بناء على قول الجمهور انه لا صدر للن والظهير المعين ولام الجر للتقوية او تعلق بمحذوف نعت لظهيرا والمراد بالأنعام الأنعام بالمغفرة وغيرها وقيل الأنعام بقوة الجسد والقلب والمراد بمظاهرة المجرمين وهم المشركون أما صحبة فرعون وانتظامه في جملة من كان معه وتكثير سواده اذ كان كما مر يركب بركوبه ويركب مركوبه ويلبس لباسه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابنا لفرعون واما مظاهرة من تؤدي مظاهرته الى الجرم والاثم كمظاهرة الاسرائيلي المؤدية الى قتل من لم يؤمر بقتله وقد قيل أن هذا الاسرائيلي داخل في جملة المجرمين وكان مشركا كما مر انه السامري عند بعض وقد قيل المعنى بما أنعمت عليَّ من القوة أعين أوليائك فلن استعملها في مظاهرة اعدائك قال ابن عباس رضي الله عنه لم يستثن في قوله لن أكون ظهيرا للمجرمين لم يقل ان شاء الله فابتلاه الله تعالى في اليوم الثاني وهذا مبني على ان لن في الآية لمجرد النفي وعن بعضهم انها للدعاء أي لأجعلني الله كائنا ظهيرا للمجرمين وعليه فلا يحتاج للاستثناء وفي الحديث انه ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أي جعل فيها ليقة أو براء لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى به في جهنم وقيل معناه ما أنعمت عليَّ من القوة فلن استعملها الا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك والايمان بك ولا أدع قبطيا يغلب أحدا من بني اسرائيل.
اطفيش
تفسير : {قال ربِّ} يا رب {بمَا أنْعَمت علىَّ} ما مصدرية والباء للقسم الاستعطافى، وهو ما جوابه طلب أو فى معناه، وفيه أبداً حنّو فلا تهم، ألا ترى الى لفظ الاستعطاف، ففى قولك: بالله لا تضرب زيداً، وبالله اضرب الكافر، معنى قولك: ارأف علىَّ احفظنى عن مثل ذلك، أو لا أعود اليه، أو أعصمنى ولا يلزم الاستعطاف، ولا يقدر لأتوبن، لأنه قد تاب فغفر له، إلا أن يراد لأتوبن عن الركوب مع فرعون، وكان يركب معه إذا ركب، ويسمى ابن فرعون، لكن لا دليل على هذا، وليس المقام له. {فَلن أكونَ} العطف على الجواب المحذوف، أو يقدر إن عصمتنى فلن أكون، ولا تعلق الباء بأكون على غير القسم، لأن لن لها الصدر، والمراد الانعام بالدين أو بالقوة {ظَهِيراً} معيناً {للمُجْرمين} قيل لم يستثن فابتلى مرة أخرى، وهم فرعون وقومه وغيرهم، ودخل الاسرائيلي الذى من شيعته على أنه غير مسلم، والاجرام الايقاع فى الجرم وهو الذنب، أو ما يعسر كما أدته معاونه الاسرائيلي، ويروى مرفوعاً وهو صحيح: "ينادى يوم القيامة أين الظلمة، وأشباه الظلمة، وأعوان الظلمة، حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما، فيجمعون فى تابوت من حديد، فيرمى به فى جهنم" وسأل خياط للظلمة عالما: هل أعد من أعوانهم؟ فقال: لا بل أنت منهم، والذى يبيع لك الابرة من أعوانهم.
الالوسي
تفسير : وأما توسيط {قال} في قوله تعالى: {قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } فوجهه ظاهر، والباء في {بما} للقسم، و{ما} مصدرية وجواب القسم محذوف أي أقسم بإنعامك علي لأمتنعن عن مثل هذا الفعل. وقيل: لأتوبن، وقوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } عطف على الجواب، ولعل المراد بإنعامه تعالى عليه حفظه إياه من شر فرعون ورده إلى أمه وتمييزه على سائر بني إسرائيل ونحو ذلك. وقيل المراد به مغفرته له وهو غير بعيد، ومعرفته عليه السلام أنه سبحانه غفر له إذا كان هذا القول قبل النبوة بإلهام أو رؤيا، والظهير المعين، والمجرمين جمع مجرم والمراد به من أوقع غيره في الجرم أو من أدت معاونته إلى جرم كالإسرائيلي الذي خاصمه القبطي فأدت معاونته إلى جرم في نظر موسى عليه السلام فيكون في المجرمين مجاز في النسبة للإسناد إلى السبب، وجوز أن يراد بذلك الكفار وعنى بهم من استغاثه ونحوه بناءً على أنه لم يكن أسلم، وقيل: أراد بالمجرمين فرعون وقومه، والمعنى أقسم بإنعامك علي لأتوبن فلن أكون معيناً للكفار بأن أصحبهم وأُكَثِّر سوادهم، وقد كان عليه السلام يصحب فرعون ويركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون ولا يخفى أن ما تقدم أنسب بالمقام. وجوز أن تكون الباء للقسم الاستعطافي على أنها متعلقة بفعل دعاء محذوف، وجملة {فلن أكون} الخ متفرعة عليه، والفاء واقعة في جواب الدعاء أو الشرط المقدر أي بحق إنعامك علي اعصمني فلم أكون الخ أو إن عصمتني فلن أكون الخ والقسم الاستعطافي ما أكد به جملة طلبية نحو قولك بالله تعالى زرني وغير الاستعطافي ما أكد به جملة خبرية نحو والله تعالى لأقومن، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب، وقيل: القسم الاستعطافي ما كان المقسم به مشعراً بعطف وحنو نحو بكرمك الشامل أنعم علي وهو صادق على ما هنا، وغير الاستعطافي ما كان المقسم به أعم من ذلك، وعلى القولين هما قسمان من مطلق القسم، وظاهر كلام الزمخشري أن المتبادر من القسم ما يؤكد به الكلام الخبري. وينعقد منه يمين فما يكون المراد به الاستعطاف / قسيم له وجعل بعضهم إطلاق القسم على الاستعطافي تجوزاً، ويبعد إرادة الاستعطاف هنا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن موسى عليه السلام لم يستثن أي لم يقل إن شاء الله تعالى فابتلي به أي بالكون ظهيراً للمجرمين مرة أخرى وهو ما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ } تفسير : [القصص: 18] الخ لأن الاستثناء لا يناسب الاستعطاف لكون النفي معلقاً بعصمة الله عز وجل، وجوز أن تكون الباء سببية متعلقة بفعل مقدر يعطف عليه {لن أكون} الخ و{ما} موصولة، والمعنى بسبب الذي أنعمته علي من القوة أشكرك فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك ولا أدع قبطياً يغلب إسرائيلياً وهو إلزام لنفسه بنصرة أوليائه عز وجل كالنذر وليس هناك قسم بوجه خلافاً لمن توهم ذلك ولا يخفى أن هذا وإن لم يبعده الأثر لا يخلو عن بعد نظر إلى السباق، و {لَنْ } على جميع الأوجه المذكورة للنفي وفي «البحر» قيل: إنها للدعاء وحكى ابن هشام رده بأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب نحو يا رب لا عذبت فلاناً، ويجوز لا عذب الله تعالى عمراً ثم قال ويرده قوله:شعر : ثم لا زلت لكم خالداً خلود الجبالتفسير : ولا يخفى عليك أن كونها للدعاء على الوجه الأخير في الآية غير ظاهر وعلى الوجه الأول لا يخلو عن خفاء فلعل من جعلها للدعاء حمل بما أنعمت عليّ على الاستعطاف وعلق الجار والمجرور بنحو اعصمني وجعل الفاء تفسيرية و{لن أكون} الخ تفسيراً لذلك المحذوف كما قيل: في قوله تعالى: {أية : ٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا } تفسير : [الأنبياء: 84] فليتدبر. واحتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي أنه سأل عطاء بن أبـي رباح عن أخ له كاتب فقال له: إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتاج وإن أخذ به كان له فيه غنى قال: لمن يكتب؟ قال: لخالد بن عبد الله القسري قال: ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } فلا يهتم أخوك بشيء وليرم بقلمه فإن الله تعالى سيأتيه برزق، وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي حنظلة جابر بن حنظلة الضبـي الكاتب قال: قال رجل لعامر يا أبا عمرو إني رجل كاتب أكتب ما يدخل وما يخرج آخذ رزقاً أستغني به أنا وعيالي قال: فلعلك تكتب في دم يسفك قال: لا. قال: فلعلك تكتب في مال يؤخذ قال: لا. قال: فلعلك تكتب في دار تهدم قال: لا. قال: أسمعت بما قال موسى عليه السلام: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } قال: أبلغت إليَّ يا أبا عمرو والله عز وجل لا أخط لهم بقلم أبداً قال والله تعالى لا يدعك الله سبحانه بغير رزق أبداً. وقد كان السلف يجتنبون كل الاجتناب عن خدمتهم. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط قال بعث عبد الرحمٰن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال أعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً فقال لا أحب أن أعين الظلمة في شيء من أمرهم وإذا صح حديث «ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم فليبك من علم أنه من أعوانهم على نفسه وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه»، ومما يقصم الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطاً سأله فقال: أنا ممن يخيط للظلمة فهل أعد من أعوانهم؟ فقال: لا أنت منهم والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم، ويا حسرتا على من باع / دينه بدنياه واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه. هذا وقد بلغ السيل الزبـى وجرى الوادي فطم على القرى.
ابن عاشور
تفسير : إعادة {قال} أفاد تأكيداً لفعل {أية : قال رب إني ظلمت نفسي}تفسير : [ القصص: 16]. أعيد القول للتنبيه على اتصال كلام موسى حيث وقع الفصل بينه بجملتي {أية : فغفر له إنه هو الغفور الرحيم}تفسير : [القصص: 16]. ونظم الكلام: قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، رب بما أنعمت فلن أكون ظهيراً للمجرمين، وليس قوله {قال رب بما أنعمت علي} مستأنفاً عن قوله {أية : فغفر له}تفسير : [القصص: 16] لأن موسى لم يعلم أن الله غفر له إذ لم يكن يوحى إليه يومئذ. والباء للسببية في {بما أنعمت علي} و (ما) موصولة وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير مجرور بمثل ما جرّ به الموصول، والحذف في مثله كثير. والتقدير: بالذي أنعمت به عليّ. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية وما صدق الإنعام عليه، هو ما أوتيه من الحكمة والعلم فتميزت عنده الحقائق ولم يبق للعوائد والتقاليد تأثير على شعوره. فأصبح لا ينظر الأشياء إلا بعين الحقيقة، ومن ذلك أن لا يكون ظهيراً وعوناً للمجرمين. وأراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم لأن القبطي أذل الإسرائيلي بغصبه على تحميله الحطب دون رضاه. ولعل هذا الكلام ساقه مساق الاعتبار عن قتله القبطي وثوقاً بأنه قتله خطأ. واقتران جملة {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} بالفاء لأن الموصول كثيراً ما يعامل معاملة اسم الشرط فيقترن خبره ومتعلقه بالفاء تشبيهاً له بجزاء الشرط وخاصة إذا كان الموصول مجروراً مقدّماً فإن المجرور المقدّم قد يقصد به معنى الشرطية فيعامل معاملة الشرط كقوله في الحديث "حديث : كما تكونوا يول عليكم"تفسير : بجزم (تكونوا) وإعطائه جواباً مجزوماً. والظهير: النصير. وقد دل هذا النظم على أن موسى أراد أن يجعل عدم مظاهرته للمجرمين جزاء على نعمة الحكمة والعلم بأن جعل شكر تلك النعمة الانتصار للحق وتغيير الباطل لأنه إذا لم يغير الباطل والمنكر وأقرهما فقد صانع فاعلهما، والمصانعة مظاهرة. ومما يؤيد هذا التفسير أن موسى لما أصبح من الغد فوجد الرجل الذي استصرخه في أمسه يستصرخه على قبطي آخر أراد أن يبطش بالقبطي وفاء بوعده ربه إذ قال {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} لأن القبطي مشرك بالله والإسرائيلي موحِّد. وقد جعل جمهور من السلف هذه الآية حجة على منع إعانة أهل الجور في شيء من أمورهم. ولعل وجه الاحتجاج بها أن الله حكاها عن موسى في معرض التنويه به فاقتضى ذلك أنه من القول الحق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بما أنعمت علي: بإنعامك علي بمغفرة ذنبي. فلن أكون ظهيراً للمجرمين: أي معيناً لأهل الإِجرام. خائفاً يترقب: ماذا يحدث من خير أو غيره بعد القتل. استنصره بالأمس: أي طلب نصرته فنصره. يستصرخه: أي يستغيث به على قبطي آخر. إنك لغوي مبين: أي لذو غواية وضلال ظاهر. أن يبطش بالذي هو عدو لهما: أي أن يأخذ الذي هو عدو لموسى والقبطي معاً. إن تريد إلا أن تكون جباراً: أي ما تريد إلا أن تكون جباراً تضرب وتقتل ولا تبالي بالعواقب. من المصلحين: أي الذين يصلحون ببين الناس إذا اختلفوا أو تخاصموا. وجاء رجل من أقصى المدينة: أي مؤمن آل فرعون أتى من أبعد نواحي المدينة. إن الملأ يأتمرون بك: أي يتشاورون ويطلب بعضهم أمر بعض ليقتلوك. فاخرج إني لك من الناصحين: أي اخرج من هذه البلاد إلى أخرى. فخرج منها خائفاً يترقب: خائف من القتل يترقب ما يحدث له. معنى الآيات: لقد تقدم في الآية قبل هذه أن موسى عليه السلام قد قتل قبطياً بطريق الخطأ وأنه اعترف لربه تعالى بخطإه واستغفره، وأن الله تعالى غفر له وأعلمه بذلك بما شاء من وسائط، ولما علم موسى بمغفرة الله تعالى له عاهده بأن لا يكون {ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} مستقبلاً ومن ذلك أن يعتزل فرعون وملائه لأنهم ظالمون مجرمون فقال: {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي بمغفرتك لي خطإي وذلك بالنظر إلى إنعامك علي بالمغفرة أعاهدك أن لا أكون {ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} هذا ما دلت عليه الآية [17] أي الأولى في هذا السياق وهي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} وقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فأصبح موسى في مدينة (مُنْفُ) عاصمة المملكة الفرعونية {خَآئِفاً} مما قد يترتب على قتله القبطي {يَتَرَقَّبُ} الأحداث ماذا تسفر عنه؟ فإذا الذي يستنصره بالأمس وهو الإِسرائيلي الذي طلب نصرته أمس {يَسْتَصْرِخُهُ} أي يستغيثه بأعلى صوته فنظر إليه موسى وأقبل عليه ليخلصه قائلاً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} أي لذو غواية بينة والغواية الفساد في الخلق والدين لأنك أمس قاتلت واليوم تقاتل أيضاً. {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ} أي موسى {بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} وهو القبطي قال الإِسرائيلي {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} أي تضرب وتقتل كما تشاء ولا تخاف عقوبة ذلك {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} الذين يصلحون بين المتخاصمين قال الإِسرائيلي هذا لأنه جبان وخاف من هجمة موسى ظاناً أنه يريده هو لما قدم له من القول {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} فلما سمع القبطي ما قال مقاتله الإِسرائيلي نقلها إلى القصر وكان من عماله فاجتمع رجال القصر برئاسة فرعون يتداولون القضية وينظرون إلى ظروفها ونتائجها وما يترتب عليها وكان من جملة رجال المؤتمر مؤمن آل فرعون (حزقيل) وكان مؤمناً يكتم إيمانه فأتى موسى سراً ليخبره بما يتم حياله وينصح له بالخروج من البلاد وهو ما جاء في قوله تعالى في الآية [20] من هذا السياق {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ} من أبعدها فان قصر الملك كان في طرف المدينة وهي مدينة فرعون (مُنْفُ) {يَسْعَىٰ} فمشي بسرعة وجد وانتهى إلى موسى فقال {يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا} أي من بلاد فرعون {خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} خائفاً من القتل يترقب الطلب وماذا سيحدث له من نجاة أو خلافه ودعا ربه عز وجل قائلاً: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي من فرعون وملائه أولاً ومن كل ظالم ثانياً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- شكر النعم، فموسى لما غفر تعالى له شكره بأن تعهد له أن لا يقف إلى جنب مجرم أبداً. 2- سوء صحبة الأحمق الغوي فإن الإِسرائيلي لغوايته وحمقه هو الذي سبب متاعب موسى. 3- لزوم إِبلاغ الدولة عن أهل الفساد والشر في البلاد لحمايتها. 4- وجوب النصح وبذل النصيحة فمؤمن آل فرعون يعلم سلامة موسى من العيب ومن الجريمة فتعين له أن ينصح موسى بمغادرة البلاد لينجو إن شاء الله وليس هذا من باب خيانة البلاد والدولة، لأن موسى من أهل الكمال وما حدث عنه كان من باب الخطأ فرفده ومد إليه اليد إِنقاذاً من موت متعين. 5- الخوف الطبيعي لا يلام عليه فموسى عليه السلام قد خاف خوفاً أدى به إلى الالتجاء إلى ربه بالدعاء فدعاه واستجاب له ولله الحمد والمنة.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - ثُمَّ قَالَ مُوسَى: رَبِّ بِما جَعَلْتَ لِي مِنَ الجَاهِ وَالعِزِّ، وَبِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بِعفُوِكَ عَنْ قَتْلِ هذِهِ النَّفْسِ، لأَمْتَنِعَنَّ عَنْ مِثْلِ هذا الفِعْلِ، وَلَنْ أَكُونَ عَوْناً لِلمُجْرِمينَ الكَافِرِينَ بِكَ، المُخَالِفينَ لأمْرِك، وَلَنْ أُظَاهِرَهُمْ عَلَى الإِثمِ والعُدْوَانِ. ظَهِيراً لِلمُجْرِمِينَ - مُعِيناً لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ..} [القصص: 17] يعني: بالمغفرة وعذرتني وتُبْت عليَّ {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] أي: عهد الله عليَّ ألاَّ أكون مُعيناً للمجرمين. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} معناه مُعينٌ لَهُم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ} موسى القلب {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} بالمغفرة {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] وهم الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع والمتابعة كالفلاسفة والبراهمة والوهابيين وغيرهم وبقوله: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] يشير إلى أن موسى القلب في ابتداء أمره إذا لم يكن محلاً لوارد الغيب مستظهراً بالإلهامات الربانية واثقاً بظهور الآيات عليه مطمئناً بإمداد شواهد الحق لديه فيتعدى على بعض صفات النفس مكرهاً بقوة مساعد الصدق، فيذكر سطوة سلطنة فرعون النفس واستيلائه عليه يصبح خائفاً يترقب سطوة قهره أو يترقب نصرة الله إياه {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ} من صفات القلب {يَسْتَصْرِخُهُ} لإغاثته وإعانته على قهر صفة أخرى من صفات النفس {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} القلب على خيفة من فرعون النفس لئلا يعاقبه على ما صدر منه {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 18] بأنك تنازع ذا سلطان قوي قبل أوانه، ثم هزَّ موسى القلب حمية الدين ورجولية الطبع الروحانية، فهم بتقوية صفاته على قهر صفة النفس، وذلك قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ} [القصص: 19] يعني: موسى القلب {أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} يعني: صفة القلب من خوف سطوات فرعون النفس: {قَالَ يٰمُوسَىٰ} يعني: موسى القلب مداهناً {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} [القصص: 19] أحال القتل إلى صديقه ومعاونه خوفاً من عدوه ومعاداته دفعاً للضرر عن نفسه والمعنى أتريد أن تقهر هذه الصفة الإنسانية، كما قهرت صفة أخرى بالأمس تهييجاً للفتنة وتحريكاً لفرعون النفس لتقوم بالانتقام، فيبدأ بقهر صفات القلب ثم يقهر القلب {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} [القصص: 19] عالياً على الأعداء {ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] مع الأعداء مداهنين رعاية لصلاح الوقت. وبقوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} [القصص: 20] يُشير إلى العقل وهو جاءه من أقصى مدينة الإنسانية، وهو من أعلى رتبة الروحانية ساعياً في طلب نجاته {قَالَ يٰمُوسَىٰ} [القصص: 20]، يعني يا موسى القلب {إِنَّ ٱلْمَلأَ} [القصص: 20] يعني: فرعون النفس وقومه أي صفاتها {يَأْتَمِرُونَ بِكَ} [القصص: 20] يتشاورون ويحتالون في أمرك {لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] ليهلكوك ويغلبوك فاخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية {إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} [القصص: 20] المرشدين إلى صلاح مالك {فَخَرَجَ} [القصص: 21] موسى القلب {مِنْهَا} أي: من مدينة البشرية ينصح العقل وإرشاده وترك مألوفات الطبع {خَآئِفاً} من سطوات فرعون النفس ومكائد جنوده من الهوى والأوصاف الذميمة الحيوانية والشيطانية {يَتَرَقَّبُ} مكائدهم بل ينتظر هداية الحق ونصرته {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 21] بدفع شرهم عني واستيلائهم علي بل بنصرتي عليهم وتصرفي فيهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):