٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن عند موت ذلك الرجل من الوكز أصبح موسى عليه السلام من غد ذلك اليوم خائفاً من أن يظهر أنه هو القاتل فيطلب به، وخرج على استتار {فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ } وهو الإسرائيلي {بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } يطلب نصرته بصياح وصراخ، {قال له موسى إِنك لَغوى مبِين } قال أهل اللغة الغوي يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعل أي إنك لمغو لقومي فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي. واحتج به من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام، فقال كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه {إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ }؟ الجواب من وجهين: الأول: أن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظاً جفاة ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات { أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] فالمراد بالغوي المبين ذلك الثاني: أنه عليه السلام إنما سماه غوياً لأن من تكثر منه المخاصمة على وجه يتعذر عليه دفع خصمه عما يرومه من ضرره يكون خلاف طريقة الرشد. واختلفوا في قوله تعال: {قَالَ يَـا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ } أهو من كلام الإسرائيلي أو القبطي؟ فقال بعضهم لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي ورآه على غضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده، فقال هذا القول، وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس للرجل إلا هو، وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف، وقال آخرون بل هو قول القبطي، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي، والظاهر هذا الوجه لأنه تعالى قال: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يٰمُوسَىٰ } فهذا القول إذن منه لا من غيره وأيضاً فقوله: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ } لا يليق إلا بأن يكون قولاً للكافر. واعلم أن الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن وقيل المتعظم الذي لا يتواضع لأمر أحد، ولما وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وانتهى إلى فرعون وهموا بقتله. أما قوله: {وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ } قال صاحب «الكشاف» يسعى يجوز ارتفاعه وصفاً لرجل، وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بقوله: {مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ } والائتمار التشاور يقال الرجلان (يتآمران) يأتمران لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر والمعنى يتشاورون بسببك. وأكثر المفسرين على أن هذا الرجل مؤمن آل فرعون، فعلى وجه الإشفاق أسرع إليه ليخوفه بأن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. أما قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } أي خائفاً على نفسه من آل فرعون ينتظر هل يلحقه طلب فيؤخذ، ثم التجأ إلى الله تعالى لعلمه بأنه لا ملجأ سواه فقال: {رَبّ نَجّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وهذا يدل على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذنباً، وإلا لكان هو الظالم لهم وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم إياه ليقتلوه قصاصاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي: أنه أصبح {فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً} أي: من معرة ما فعل {يَتَرَقَّبُ} أي: يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذلك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر عليه موسى، استصرخه على الآخر، فقال له موسى {إِنَّكَ لَغَوِيٌ مُّبِينٌ} أي: ظاهر الغواية كثير الشر، ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: {يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى عليه السلام، فلما سمعها ذلك القبطي، لقفها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون، وألقاها عنده، فعلم فرعون بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه، فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ } ينتظر ما يناله من جهة القتيل {فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } يستغيث به على قبطيٍّ آخر {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } بيِّن الغواية لما فعلته بالأمس واليوم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ في الْمَدِينَةِ خَائِفَاً يَتَرَقَّبُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خائفاً من قتل النفس أن يؤخذ بها. الثاني: خائفاً من قومه. الثالث: خائفاً من الله. {يََتَرَقَّبُ} فيه وجهان: أحدهما: يتلفت من الخوف، قاله ابن جبير. الثاني: ينتظر. وفيما ينتظر فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ينتظر الطلب إذا قيل إن خوفه كان من قتل النفس. الثاني: ينتظر أن يسلمه قومه إذا قيل إن خوفه منهم. الثالث: ينتظر عقوبة الله إذا قيل إن خوفه كان منه. {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} يعني الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس ووكز من أجله القبطي فقتله، استصرخه واستغاثه على رجل آخر من القبط خاصمه. {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} فيه قولان: أحدهما: أنه قال ذلك للإسرائيلي لأنه قد أغواه بالأمس حتى قتل من أجله رجلاً ويريد أن يغويه ثانية. الثاني: أنه قال ذلك للقبطي فظن الإسرائيلي أنه عناه فخافه، قاله ابن عباس. {فلَمَّآ أَنْ أَرادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا...} وهو القبطي لأن موسى أخذته الرقة على الإسرائيلي فقال الإسرائيلي: {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ} فيه قولان: أحدهما: أن الإسرائيلي رأى غضب موسى عليه وقوله إنك لغوي مبين، فخاف أن قتله فقال: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ}. الثاني: أن الإسرائيلي خاف أن يكون موسى يقتل القبطي فيقتل به الإسرائيلي فقال ذلك دفعاً لموسى عن قتله، قاله يحيى بن سلام: قال يحيى: وبلغني أن هذا الإسرائيلي هو السامري. وخلى الإسرائيلي القبطي فانطلق القبطي وشاع أن المقتول بالأمس قتله موسى. {... إلاَّ تَكُونَ جَبَّارا فِي الأَرْضِ} قال السدي: يعني قتالاً. قال أبو عمران الجوني: وآية الجبابرة القتل بغير [حق]. وقال عكرمة: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين [بغير حق]. {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ} أي وما هكذا يكون الإصلاح.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَآئِفاً} من الله تعالى، أو من قومه، أو أن يؤخذ بقتل النفس، {يَتَرَقَّبُ} يتلفت من الخوف، أو ينتظر عقوبة الله تعالى إن جعلنا خوفه منه، أو أن يسلمه قومه للقتل إن كان خوفه منهم. أو أن يطلب بقتل النفس إن كان خوفه من الأخذ بها. {يَسْتَصْرِخُهُ} على قبطي آخر خاصمه. {لَغَوِىٌّ} قاله للإسرائيلي لأنه أغواه حتى قتل النفس، أو قاله للقبطي فظن الإسرائيلي أنه عناه فخافه "ع".
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} التي قتل فيها القبطي "خَائِفاً" الظاهر أنه خبر "أصبح"، و "فِي المَدِينَةِ" مفعول به، ويجوز أن يكون حالاً، والخبر "فِي المَدِينَةِ"، ويضعف تمام "أَصْبَحَ" أي: دخل في الصباح. قوله: "يَتَرَقَّبُ" يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانيةً، وأن يكون بدلاً من الحال (الأولى)، أو الخبر الأول، أو حالاً من الضمير في "خَائفاً" فتكون متداخلة، ومفعول "يَتَرَقَّبُ" محذوف، أي: يترقب المكروه، أو الفرج، أو الخبر: هل وصل لفرعون أم لا؟ قوله: "فَإِذَا الَّذِي" "إِذَا" فجائية، و "الَّذِي" مبتدأ وخبره إمَّا "إذَا" فـ "يَسْتَصْرِخُهُ" حال، وإمَّا "يَسْتَصْرِخُهُ" فـ "إِذَا" فضله على بابها، و "بِالأَمْسِ" معرب، لأنه متى دخلت عليه "ال" أو أضيف أعرب، ومتى عَرِيَ منها فحاله معروفٌ، الحجاز يبنونه، والتميميون يمنعونه الصرف، كقوله: شعر : 3981 - لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَباً مُذْ أَمْسَا تفسير : على أنه قد بُنِيَ مع "ال" ندوراً، كقوله: شعر : 3982 - وَإِنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأَمْسِ قَبْلَهُ إِلَى الشَّمْسِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ تفسير : يروى بكسر السين. قوله: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} الضمير قيل للإسرائيلي، لأنه كان سبباً في الفتنة الأولى، وقيل للقبطي، وذلك أنَّ موسى لما أصبح خائفاً من قتل القبطي "يَتَرَقَّب" ينتظر سوءاً، والترقب انتظار المكروه. قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} يستغيثه ويصيح به من بعد، قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إنَّ بني إسرائيل قتلوا مِنَّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقالوا ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه (فلا تنسبوني أن أقضي) بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بيّنة إذ مَرَّ مُوسَى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} (أي: ظاهر الغواية). قال أهل اللغة: "لَغَوِيٌّ" يجوز أن يكون فَعِيلاً بمعنى مفعل، أي: إنَّك لمغويّ، فإنِّي وقعتُ بالأمس فيما وقعت فيه بسببك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي: قاتلت رجلاً بالأمس فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر، وتستغيثني عليه، وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} بظلمك، والأكثرون على الأول. قوله: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} الظاهر أنَّ الضميرين لموسى، وقيل للإسرائيلي، والعدو: هو القبطي، والضمير في {قَالَ يٰمُوسَىٰ} للإسرائيلي، كأنه توهم من موسى مخاشنة، فَمِنْ ثمَّ قال ذلك، وبهذا فشا خبره وكان مشكوكاً في قاتله. و "أَنْ" تطرد زيادتها في موضعين: أحدهما: بعد لمَّا كهذه. والثاني: قبل "لَوْ" مسبوقة بقسم كقوله: شعر : 3983 - أَمَــا وَالـلَّـهِ أَنْ لَــوْ كُنْــتُ حُــراً 3983 م - فَأُقُسِمُ أَنْ لَوْ التَقَيْنَا وَأَنْتُمُ لَكَانَ لَكُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِم تفسير : والعامة على "يَبْطِش" بالكسر، وضمَّها أبو جعفر، وقيل: إن القائل "يَا مُوسَى" هو القبطي، وكان قد عرف القصة من الإسرائيلي. قال ابن الخطيب: وهذا هو الظاهر، لقوله: {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰ}، فهذا القول منه لا من غيره، وأيضاً قوله: {إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ} لا يليق إلا بقول الكافر، والجبار: هو الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، ولا ينظر في العواقب، وقيل: المتعظم، {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ}، قال المفسرون: فلما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أَنَّ موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني: فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى فأخذوا الطريق الأعظم. قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ}، أي: من آخر المدينة اسمه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وقيل اسمه شمعون، وقيل: (شمعان): "يَسْعَى" قال الزمخشري: "يَسْعَى" يجوز ارتفاعه وصفاً لـ "رَجُلٌ" وانتصابه حالاً عنه، لأنه قد تخصص بالوصف بقوله: {مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ}، فإن جعلت "مِنْ أَقْصَى" متعلقاً بـ "جَاءَ" فـ "يَسْعَى" صفة ليس إلا. وهذا بناء منه على مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه يجيز ذلك من غير شَرْط. وفي آية يس قدَّمَ "مِنْ أَقْصَى" على "رَجُل"، لأنه لم يكن من أقصاها وإنما جاء منها وهنا وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان وقضيتان متباينتان. (قوله) "يَأْتَمِرُونَ" أي: يتآمرون بمعنى يتشاورون، كقول النمر بن تولب: شعر : 3984 - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شبهَةً وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مُؤْتَمَرْ تفسير : وعن ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً. أخذه من قوله تعالى: {أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 6]. (قوله) "فَاخْرُجْ" أي: من المدينة، {إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} في الأمر بالخروج، فقوله "لَكَ"، يجوز أن يتعلق بما يدلُّ "النَّاصِحِينَ" عليه، أي؛ ناصحٌ لك من الناصحين، أو بنفس "النَّاصِحِينَ" للاتساع في الظرف، أو على جهة البيان أي: أعني لك. "فَخَرَجَ مِنْهَا" موسى "خَائِفاً يَتَرَقَّبُ" هِدَايَتَهُ وغَوْثَ الله إيَّاهُ، {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي؛ الكافرين وهذا يدلُّ على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذنباً وإلا لكان هو الظالم لهم، وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم له ليقتلوه قصاصاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فأصبح في المدينة خائفاً} قال: خائفاً أن يؤخذ. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {يترقب} قال: يتلفت. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {يترقب} قال: يتوحش. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} قال: هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الذي استنصره: هو الذي استصرخه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} قال: الاستصراخ: الاستغاثة. قال: والاستنصار والاستصراخ واحد. {قال له موسى إنك لغوي مبين} فاقبل عليه موسى عليه السلام فظن الرجل أنه يريد قتله فقال: يا موسى {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} قال: قبطي قريب منهما يسمعهما فافشى عليهما. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فلما أن أراد أن يبطش} قال: ظن الذي من شيعته إنما يريده فذلك قوله {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} أنه لم يظهر على قتله أحد غيره. فسمع قوله {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} عدوّهما فأخبر عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: من قتل رجلين فهو جبار، ثم تلا هذه الآية {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني قال: آية الجبابرة القتل بغير حق. والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} [الآية: 18]. سمعت النصرآباذى يقول: كان خوفه خوف التسليط. وقال ابن طاهر: خائفًا على قومه يترقب لهم الهداية من الله. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: خرج منها خائفًا من قومه يترقب مناجاة ربه، وقال: خائفًا على نفسه يتقرب نصرة ربه. قال بعضهم: مستوحشًا من الوحدة يطلب من يستأنس به. قال بعضهم: خائفًا على نفسه ينتظر الكفاية.
القشيري
تفسير : أصبح في المدينة خائفاً على نَفْسه من فرعون لأنه كان يَدَّعي أنه يحكم بالعدل، وخاف موسى أن ينسبه في قَتْلِ القبطيِّ إلى العَمْدِ والقصد. فهو {يَتَرَقَّبُ} علم فرعون وأن يُخْبَر بذلك في وقته. وقيل {خَآئِفاً} من الله مما جرى منه. ويقال {خَآئِفاً} على قومه حلولَ العذابِ بهم. وقيل {يَتَرَقَّبُ} نصرة الله إياه. ويقال {يَتَرَقَّبُ} مُؤْنِساً يَأْنَسُ به. فإذا الذي استنصره بالأمس يخاصِمُ إنساناً آخَرَ، ويستعين به لِيُعِينَه، فَهَمَّ موسى. بأن يعين صاحبَه، فقال الذي يخاصمه. {يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ}؟: قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قَتَلَ الرجلَ بالأمس، ولكن لمَّا قَصَدَ مَنْعَه عن صاحبه استدلَ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنَّ موسى هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فأمسك موسى عن هذا الرجل.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاصبح} دخل موسى فى الصباح {فى المدينة} وفيه اشارة الى ان دخول المدينة والقتل كانا بين العشاءين حين اشتغل الناس بانفسهم كما ذهب اليه البعض {خائفا} اى حال كونه خائفا على نفسه من آل فرعون {يترقب} يترصد طلب القود او الاخبار وما يقال فى حقه وهل عرف قاتله. والترقب انتظار المكروه. وفى المفردات ترقب احترز راقبا اى حافظ وذلك اما لمراعاة رقبة المحفوظ اما لرفعة رقبته {فاذا} للمفاجأة [بس ناكاه] {الذى استنصره بالامس} اى الاسرائيلى الذى طلب من موسى النصرة قبل هذا اليوم على دفع القبطى المقتول {يستصرخه} الاستصراخ [فرياد رسيدن مخواستن] اى يستغيث موسى برفع الصوت من الصراخ وهو الصوت او شديده كما فى القاموس: وبالفارسية [باز فرياد ميكند ويارى ميطلبد برقبطىء ديكر] {قال له موسى} اى للاسرائيلى المستنصر بالامس المستغيث على الفرعون الآخر {انك لغوى} [مردكمراهى] وهو فعيل بمعنى الغاوى {مبين} بين الغواية والضلالة لانك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر يعنى انى وقعت بالامس فيما وقعت فيه بسببك فالآن تريد ان توقعنى فى ورطة اخرى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة (يسعى): حال من (رجل)؛ لأنه وصف بالجار. يقول الحق جل جلاله: {فأصبح} موسى {في المدينةِ} أي: مصر {خائفاً} على نفسه من قتله؛ قَوَداً بالقبطي، وهذا الخوف أمر طبيعي لا ينافي الخصوصية، {يترقبُ}: ينتظر الأخبار عنه، أو ما يقال فيه، أو يترصد الاستفادة منه. وقال ابن عطاء: خائفاً على نفسه، يترقب نصرة ربه، {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه}: يستغيثه، مشتق من الصراخ؛ لأنه يقع في الغالب عند الاستغاثة. والمعنى: أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر، {قال له موسى} أي: للإسرائيلي: {إنك لغويٌّ مبين} أي: خال عن الرشد، ظاهر الغي، فقد قاتلتَ بالأمس رجُلاً فقتلتُه بسببك. قال ابن عباس: أُتِي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا منا رجلاً، فالقصاص، فقال: ابغُوني القاتل والشهود، فبينما هم يطلبون إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، يريد أن يسخره، فاستغاث به الإسرائيلي على الفرعوني، فوافق موسى نادماً على القتل، فقال للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. {فلما أن أرادَ} موسى {أن يبطش بالذي}؛ بالقبطي الذي {هو عدو لهما}؛ لموسى وللإسرائيلي؛ لأنه ليس على دينهما، أو: لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، أي: فلما مدّ موسى يده؛ ليبطش بالفرعوني، خشي الإسرائيلي أن يريده، حين قال: {إنك لغوي مبين}، فقال: {يا موسى أتريدُ أن تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس}، يعني القبطي، {إنْ} ما {تريدُ إلا أن تكون جباراً}؛ قتالاً بالغضب، {في الأرض}؛ أرض مصر، {وما تريدُ أن تكون من المصلحين} في كظم الغيظ. وقيل: القائل: {يا موسى أتريد...} إلخ، هو القبطي، ولم يعلم أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لما قصد أن يمنعه من الإسرائيلي استدل على أن الذي قتل صاحب هذا الرجل بالأمس هو موسى، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، فأمسك موسى عنه، ثم أخبر فرعون بذلك؛ فأمر بقتل موسى. {وجاء رجلٌ من أقصى المدينة}؛ من آخرها، واسمه: "حزقيل بن حبورا"، مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، {يسعى}: يُسرع في مشيه، أو: يمشي على رجله، {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك}، أي: يتشاورون في قتلك، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك. والائتمار: التشاور، {فاخْرجْ} من المدينة، {إني لك من الناصحين}، فاللام في (لك): للبيان، وليس بصلة؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، إلا أن يُتَسَامحَ في المجرور، {فخرج منها}؛ من مصر {خائفاً يترقّبُ}: ينتظر الطلب ويتوقعه، {قال ربّ نجني من القوم الظالمين}؛ قوم فرعون. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية دليل على أن الخوف عند الدواهي الكبار لا ينافي الخصوصية؛ لأنه أمر جِبِلِّي، لكنه يخف ويهون أمره، وفيها دليل على جواز الفرار من مواطن الهلاك، يفرّ من الله إلىالله، ولا ينافي التوكل، وقد اختفى صلى الله عليه وسلم من الكفار بغار ثور، واختفى الحسن البصري من الحَجَّاج، عند تلميذه حبيب العجمي. وفيها أيضاً دليل على أن المعصية قد تكون سبباً في نيل الخصوصية، كأكل آدم من الشجرة، كان سبباً في نيل الخلافة، وعُمْرَةِ الأرض، وما نشأ من صُلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء، وكقتل موسى عليه السلام نفساً لم يُؤمر بقتلها، كان سبباً في خروجه للتربية عند شعيب عليه السلام، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية، فكل ما يُوجب التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار، والحاصل: أن من سبقت له العناية، ونال من الأزل مقام المحبوبية؛ صارت مساوئه محاسن، ومن سبق له العكس صارت محاسنه مساوئ. اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت. وفي الحديث: "حديث : إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب ". تفسير : قال في القوت: واعلم أن مسامحة، الله عز وجل لأوليائه - يعني: في هفواتهم - في ثلاث مقامات: أن يقيمه مَقَامَ حَبيبٍ صَديقٍ، لِمَا سبق من قدم صدق، فلا تنقصه الذنوب؛ لأنه حبيب. المقام الثاني: أن يقيمه مقام الحياء منه، بإجلال وتعظيم، فيسمح له، وتصغر ذنوبه؛ للإجلال والمنزلة، ولا يمكن كشف هذا المقام، إلا أنَّا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر طائفة فقال: "حديث : يدفع عنهم مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم" تفسير : . المقام الثالث: أن يقيمه مقام الحزن والانكسار، والاعتراف بالذنب والإكثار، فإذا نظر حزنه وهمه، ورأى اعترافه وغمه، غفر له؛ حياء منه ورحمة. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكر توجه موسى إلى موسى إلى مدين واتصاله بشعيب - عليهما السّلام - فقال: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ...}
الجنابذي
تفسير : {فَأَصْبَحَ} موسى (ع) فى اليوم الثّانى {فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً} من فرعون وقومه لشياع خبر اجتماع السّبطىّ عليه وشياع قتله القبطىّ {يَتَرَقَّبُ} الاخبار من فرعون وقومه فى حقّه {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} قاتلت بالامس رجلاً وتقاتل اليوم الآخر.
اطفيش
تفسير : {فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} يتوقع ما يكره من جهة المقتول من القتل به أو الاخبار وما يقال فيه. {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ} طلب منه النصر. {بِالأَمْسِ} أي في الأمس. {يَسْتَصْرِخُهُ} يستغيث به من بعيد على قبطي آخر واستشقاقه من الصراخ. {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ} ضال. {مُّبِينٌ} بيّن الغواية لانك قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك وها أنت ذا تقاتل آخر وتستغيثني عليه وكلا الرجلين قبطي وكان مع قوله ذلك أن ينصره كما قال.
اطفيش
تفسير : {فأصْبحَ فى المَدينة خائفاً} ان يقبض عليه ويقتل فى الذى قتله، أو أن يسلمه قومه، ويقال خائفاً من ربه {يَتَرقَّب} يتوقع أن يتضح ويسعى به الى فرعون أو نوابه، ويقال يترقب المغفرة، ويقال النصر على فرعون {فإذا الَّذى اسْتَنصرهُ} طلب نصرته {بالأمسِ} وهو الذى من شيعته على ما مر، فإن كان استغاثه قبل المغرب فلا إشكال، وإن استغاثه بعده وقبل العشاء، أو عند العشاء فسمى الوقت أمْسَ لقربه من الأمس {يسْتصرخُه} ستغيثه من عدو آخر قبطى، كما يتبادر أو غير قبطى، والاستصراخ رفع الصوت بطلب النصرة، وهو حقيقة عرفية، وأصله رفع الصوت مطلقا، ولا تخلو منه الاستغائة فعرف فيها، أو المراد إزالة الصراخ برفع الصوت، وإذا أغيث سكت. {قال لهُ} للذى استنصره من شيعته {موسى إنَّك لَغوى} سفيه {مُبينٌ} ظاهر السفه إذ قاتلت بالأمس رجلا فاستغثت بى حتى قتلته، فصرت فى مخافة من تبعته الى الآن، وزدت اليوم قتال آخر.
الالوسي
تفسير : {فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً } وقوع المكروه به {يَتَرَقَّبُ } يترصد ذلك أو الأخبار هل وقفوا على ما كان منه وكان عليه السلام فيما يروى قد دفن القبطي بعد أن مات في الرمل، وقيل: خائفاً وقوع المكروه من فرعون يترقب نصرة ربه عز وجل، وقيل: يترقب أن يسلمه قومه، وقيل: يترقب هداية قومه، وقيل: خائفاً من ربه عز وجل يترقب المغفرة، والكل كما ترى، والمتبادر على ما قيل: أن {في المدينة} متعلق بأصبح واسم أصبح ضمير موسى عليه السلام و{خائفاً} خبرها وجملة {يترقب} خبر بعد خبر أو حال من الضمير في {خائفاً}. وقال أبو البقاء: {يترقب} حال مبدلة من الحال الأولى أو تأكيد لها أو حال من الضمير في {خائفاً} اهـ. وفيه احتمال كون {أصبح} تامة واحتمال كونها ناقصة والخبر {في المدينة} ولا يخفى عليك ما هو الأولى من ذلك. {فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ } وهو الإسرائيلي الذي قتل عليه السلام القبطي بسببه {يَسْتَصْرِخُهُ } أي يستغيثه من قبطي آخر برفع الصوت من الصراخ وهو في الأصل الصياح ثم تجوز به عن الاستغاثة لعدم خلوها منه غالباً وشاع حتى صار حقيقة عرفية، وقيل: معنى يستصرخه يطلب إزالة صراخه، و(إذا) للمفاجأة وما بعدها مبتدأ وجملة {يستصرخه} الخبر. وجوز أبو البقاء كون الجملة حالاً والخبر إذا، والمراد بالأمس اليوم الذي قبل يوم الاستصراخ، وفي «الحواشي الشهابية» إن كان دخوله عليه السلام المدينة بين العشاءين فالأمس مجاز عن قرب الزمان وهو معرب لدخول أل عليه وذلك الشائع فيه عند دخولها، وقد بنى معها على سبيل الندرة كما في قوله:شعر : وإني حبست اليوم والأمس قبله إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب تفسير : {قَالَ } أي موسى عليه السلام {لَهُ مُوسَىٰ } أي للإسرائيلي الذي يستصرخه {إِنَّكَ لَغَوِىٌّ } ضال {مُّبِينٌ } بين الغواية لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر أو لأن عادتك الجدال، واختار هذا بعض الأجلة وقال: إن الأول لا يناسب قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ } الخ لأن تذكر تسببه لما ذكر باعث الإحجام لا الإقدام. ورد بأن التذكر أمر محقق لقوله تعالى: {خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } والباعث له على ما ذكر شفقته على من ظلم من قومه وغيرته لنصرة الحق، وقيل: إن الضمير في {له} والخطاب في {إنك} للقبطي، ودل عليه قوله: {يَسْتَصْرِخُهُ } وهو خلاف الظاهر، ويبعده الإظهار في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا...}.
ابن عاشور
تفسير : أي أصبح خائفاً من أن يطالب بدم القبطي الذي قتله وهو يترقب، أي يراقب ما يقال في شأنه ليكون متحفزاً للاختفاء أو الخروج من المدينة لأن خبر قتل القبطي لم يفش أمره لأنه كان في وقت تخلو فيه أزقة المدينة كما تقدم، فلذلك كان موسى يترقب أن يظهر أمر القبطي المقتول. و(إذا) للمفاجأة، أي ففاجأه أن الذي استنصره بالأمس يستنصره اليوم. والتعريف في (الأمس) عوض عن المضاف إليه، أي بأمسه إذ ليس هو أمساً لوقت نزول الآية. والاستصراخ: المبالغة في الصراخ، أي النداء، وهو المعبر عنه في القصة الماضية بالاستغاثة فخولف بين العبارتين للتفنن. وقول موسى له {إنك لغوي مبين} تذمر من الإسرائيلي إذ كان استصراخه السالف سبباً في قتل نفس، وهذا لا يقتضي عدم إجابة استصراخه وإنما هو بمنزلة التشاؤم واللوم عليه في كثرة خصوماته. والغوي: الشديد الغواية وهي الضلال وسوء النظر، أي أنك تشاد من لا تطيقه ثم تروم الغوث مني يوماً بعد يوم، وليس المراد أنه ظالم أو مفسد لأنه لو كان كذلك لما أراد أن يبطش بعدوه. والبطش: الأخذ بالعنف، والمراد به الضرب. وظاهر قوله {عدو لهما} أنه قبطي. وربما جعل عدواً لهما لأن عداوته للإسرائيلي معروفة فاشية بين القبط وأما عداوته لموسى فلأنه أراد أن يظلم رجلاً والظلم عدو لنفس موسى لأنه نشأ على زكاء نفس هيأها الله للرسالة.، والاستفهام مستعمل في الإنكار. والجبار: الذي يفعل ما يريد مما يضر بالناس ويؤاخذ الناس بالشدة دون الرفق. وتقدم في سورة إبراهيم (15) قوله {أية : وخاب كل جبار عنيد}تفسير : ، وفي سورة مريم (32) قوله {أية : ولم يجعلني جباراً شقياً}تفسير : . والمعنى: إنك تحاول أن تكون متصرفاً بالانتقام وبالشدة ولا تحاول أن تكون من المصلحين بين الخصمين بأن تسعى في التراضي بينهما. ويظهر أن كلام القبطي زجر لموسى عن البطش به وصار بينهما حواراً أعقبه مجيء رجل من أقصى المدينة.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَآئِفاً} (18) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مُوسَى لَمَّا قَتَل القِبْطِيَّ أَصبَحَ خَائِفاً مِنْ مَعَرَّةِ مَا فَعَلَ، يَتَلَفَّتُ وَيَتَوقَّعُ مَا يَكُونُ مِنْ هذا الأمرِ (يَتَرَقَّبُ)، وَصَارَ يَتَحَسَّسُّ الأَخبارَ، وَيَسْأَلُ عَمَّا يَتَحَدَّثُ بهِ النَّاسُ في مَوْضُوعِ قَتلِ القِبْطِّي، فَمَرَّ في بعَضِ الطُّرُقِ، فإِذا بالرَّجُلِ الإِسْرائيليِّ الذي استَنْصَرَهُ بالأَمسِ عَلَى ذَلِكَ القُبطيِّ، يُقَاتِلُ رَجُلاً قِبطِياً آخرَ ويُخَاصِمُه، فلمَّا مَرَّ بهِ مُوسَى اسْتَصْرَخَهُ الإِسْرائيليُّ طَالباً عَوْنَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّكَ لَرجلٌ ظَاهِرٌ الغِوَاية، كثيرُ الشَّرِّ. يَتَرَقَّبُ - يَتَوقَّعُ المَكْرُوهَ. يَسْتَصِرخُهُ - يَسْتَغِيثُ بهِ مِنْ بُعْدٍ. إنَّكَ لَغَوِيٌّ - ضَال عَنِ الرَّشَدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: بعد أن قتل موسى القبطيَّ صار خائفاً منهم {يَتَرَقَّبُ ..} [القصص: 18]. ينظر في وجوه الناس، يرقب انفعالاتهم نحوه، فربما جاءوا ليأخذوه، كما يقولون: يكاد المريب أنْ يقول: خذوني، فلو جلس قوم في مكان، ثم فاجأهم رجال الشرطة تراهم مطمئنين لا يخافون من شيء، أما المجرم فيفر هارباً. ومن ذلك ما يقوله أهل الريف: (اللي على راسه بطحة يحسس عليها). وهو على هذه الحال من الخوف والترقُّب إذ بالإسرائيلي الذي استغاث به بالأمس {يَسْتَصْرِخُهُ ..} [القصص: 18] استصرخ يعني: صرخ، ونادى على مَنْ يُخلّصه، وهو انفعال للاستنجاد للخلاص من مأزق، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. وسبق أن تكلَّمنا في همزة الإزالة نقول: صرخ فلان يعني استنجد بأحد فأصرخه يعني: أزال سبب صراخه، فمعنى الآية: أنا لا أزيل صراخكم، ولا أنتم تزيلون صراخي. عندها قال موسى عليه السلام لصاحبه الذي أوقعه في هذه الورطة بالأمس {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 18] تريد أنْ تُغويَني بأنْ أفعل كما فعلت بالأمس، وما كان موسى - عليه السلام - ليقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه، فلا يُلْدَغ المؤمن من جُحْر مرتين.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} معناه يَنتظرُ وقال: يَتَلفتُ. وقال: كَان خَائفاً ليس معهُ زادٌ. تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} معناه يَستغيثُ بهِ.
الجيلاني
تفسير : وبعدما صادر عن موسى ما صدر {فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي: مصر {خَآئِفاً} من أولياء المقتول {يَتَرَقَّبُ} منهم الاستقادة {فَإِذَا} أي: فوجئ بغتةً بالرجل {ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ} واسغاث منه {بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} ويستغيثه لقبطي آخر ياخصم معه ويغلب عليه {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} أي: للمستغيث: {إِنَّكَ} مع ضعفك وقلة قوتك {لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} [القصص: 18] ظاهر الغواية والضلال. {فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ} موسى بعدما نسبه الإسرائيلي إلى الغواية {أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي} أي: بالقبطي الذي {هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا} أي: لموسى والإسرائيلي؛ إذ القطبي عدو للسبطي مطلقاً {قَالَ} القبطي: {يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي} ظلماً {كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ} جبراً بغير حق {إِن تُرِيدُ} أي: ما تقصد بفعلك هذا {إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً} قتالاً {فِي ٱلأَرْضِ} ظلماً وعدواناً مباهياً بقدرتك وقوتك {وَمَا تُرِيدُ} أنت بهذا الجرأة والجريمة {أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ} [القصص: 19] بين المتخاصمين، بل من المفسدين أشد إفساد. {وَ} بعدما انتشر الخبر بن القوم، وشارع بن الأنام إلى أن وصل الخبر إلى فرعون وملئه بقتل موسى بعدما شاوروا في شأنه {جَآءَ رَجُلٌ} مؤمن {مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ} إلى موسى، وهو ابن عمه حالك كونه {يَسْعَىٰ} يسرع ويتبختر {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ} أيك فرعون وأشراف قومه {يَأْتَمِرُونَ بِكَ} وتشاوروا في شأنك واستقر رأيهم {لِيَقْتُلُوكَ} قصاصاً {فَٱخْرُجْ} من المدينة ذا الساعة {إِنِّي} من كمال عطفي {لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} [القصص: 20] أنصحك بالخروج من بينهم؛ لئلا يلحقك شرهم وضرهم. وبعدما سمع من الناصح ما سمع {فَخَرَجَ مِنْهَا} أي: من المدينة على الفور {خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} إدراكه من الخلف {قَالَ} حين خروجه ملتجأ إلى الله، مناجياً له: {رَبِّ} يا من رباني بكنفك وجوارك، ونجاني من أنواع الفتن والمحن {نَجِّنِي} بلطفك {مِنَ} إدراك {ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 21] القاصدين لمقتي وقتلي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):