٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَ رَجُلٌ} قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون؛ ذكره الثعلبيّ. وقيل: طالوت؛ ذكره السهيليّ. وقال المهدويّ عن قتادة: شمعون مؤمن آل فرعون. وقيل: شمعان؛ قال الدَّارَقُطْنِيّ: لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون. وروي أن فرعون أمر بقتل موسى فسبق ذلك الرجل بالخبر؛ فـ{قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} أي يتشاورون في قتلك بالقبطيّ الذي قتلته بالأمس. وقيل: يأمر بعضهم بعضاً. قال الأزهريّ: ائتمر القوم وتآمروا أي أمر بعضهم بعضاً؛ نظيره قوله: {أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 6]. وقال النمر بن تولب:شعر : أرى الناسَ قد أحدثوا شِيمةً وفي كل حادثةٍ يُوْتَمَرْ تفسير : {فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي ينتظر الطلب. {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. وقيل: الجبار الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى. قوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} لما خرج موسى عليه السلام فارّاً بنفسه منفرداً خائفاً، لا شيء معه من زاد ولا راحة ولا حذاء نحو مدين، للنّسب الذي بينه وبينهم؛ لأن مدين من ولد إبراهيم، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ ورأى حاله وعدم معرفته بالطريق، وخلوه من زاد وغيره، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله: {عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} وهذه حالة المضطر. قلت: روي أنه كان يتقوّت ورق الشجر، وما وصل حتى سقط خُفّ قدميه. قال أبو مالك: وكان فرعون وجّه في طلبه وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإن موسى لا يعرف الطريق. فجاءه ملك راكباً فرساً ومعه عنزة، فقال لموسى: اتبعني فاتبعه فهداه إلى الطريق، فيقال: إنه أعطاه العَنَزة فكانت عصاه. ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين. وهو أكثر وأصح. قال مقاتل والسّدي: إن الله بعث إليه جبريل؛ فالله أعلم. وبين مدين ومصر ثمانية أيام؛ قاله ابن جبير والناس. وكان مُلْك مدين لغير فرعون.
ابن كثير
تفسير : قال تعالى: {وَجَآءَ رَجُلٌ} وصفه بالرجولية، لأنه خالف الطريق، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى {إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} أي يتشاورون فيك {لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ} أي من البلد {إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلْنَاصِحِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَآءَ رَجُلٌ } هو مؤمن آل فرعون {مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ } آخرها {يَسْعَىٰ } يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم {قَالَ يَٰمُوسَىٰ إِنَ ٱلْمَلأَ } من قوم فرعون {يَأْتَمِرُونَ بِكَ } يتشاورون فيك {لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ } من المدينة {إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ } في الأمر بالخروج.
الماوردي
تفسير : قوله: {وََجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى} قال الضحاك: هو مؤمن آل فرعون. وقال شعيب: اسمه شمعون. وقال محمد بن اسحاق: شمعان. وقال الضحاك والكلبي: اسمه حزقيل بن شمعون. قال الكلبي: هوابن عم فرعون أخي أبيه. {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقتُلُوكَ} فيه تأويلان: أحدهما: يتشاورون في قتلك، قاله الكلبي، ومنه قول النمر بن تولب: شعر : أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر تفسير : الثاني: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك ومنه قوله {أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِالْمَعْرُوفِ} تفسير : [الطلاق: 6] أي ليأمر بعضكم بعضاً وكقول امرىء القيس: شعر : أحارِ بن عمرٍو كأني خَمِرْ ويعدو على المرء ما يأتمر
ابن عبد السلام
تفسير : {وَجَآءَ رَجُلٌ} هو مؤمن آل فرعون قيل ابن عم فرعون أخي أبيه. {يَأَتَمِرُونَ} يتشاورون، أو يأمر بعضهم بعضاً.
البقاعي
تفسير : ولما كان تقدير الكلام الذي أرشد إليه السياق: فلما سمع الفرعوني قول الإسرائيلي تركه. ثم رقي الكلام إلى أن ببغ فرعون فوقع الكلام في الأمر بقتل موسى عليه الصلاة والسلام، عطف عليه قوله: {وجاء رجل} أي ممن يحب موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان الأمر مهماً، يحتاج إلى مزيد عزم وعظم قوة، قدم فاعل المجيء على متعلقه بخلاف ما في سورة يس. ولما كان في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى يقول القائل: لا خلاص، ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول: لا هلاك، قال واصفاً للرجل: {من أقصا المدينة} أي أبعدها مكاناً، وبين أنه كان ماشياً بقوله: {يسعى} ولكنه اختصر طريقاً وأسرع في مشيه بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: {قال} منادياً له باسمه تعطفاً وإزالة للبس: {يا موسى} وأكد إشارة إلى أن الأمر قد دهم فلا يسع الوقت الاستفصال فقال: {إن الملأ} أي أشراف القبط الذين في أيديهم الحل والعقد، لأن لهم القدرة على الأمر والنهي {يأتمرون بك} أي يتشاورون بسببك، حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى أن كلاًّ منهم يأمر الآخر ويأتمر بأمره، فكأنه قيل: لم يفعلون ذلك؟ فقيل: {ليقتلوك} لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم {فاخرج} أي من هذه المدينة؛ ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرق من احتمال عدم القتل لكونه عزيزاً عند الملك: {إني لك} أي خاصة {من الناصحين*} أي العريقين في نصحك {فخرج} أي موسى عليه الصلاة والسلام مبادراً {منها} أي المدينة لما علم من صدق قوله مما حفّه من القرائن، حال كونه {خائفاً} على نفسه من آل فرعون {يترقب} أي يكثر الالتفات بإدراة رقبته في الجهات ينظر هل يتبعه أحد؛ ثم وصل به على طريق الاستئناف قوله: {قال} أي موسى عليه الصلاة والسلام: {رب} أي أيها المحسن إليّ بالإيجاد والتربية وغير ذلك من وجوه البر {نجني} أي خلصني، مشتق من النجوة، وهو المكان العالي الذي لا يصل إليه كل أحد {من القوم الظالمين*} أي الذين يضعون الأمور في غير مواضعها فيقتلون من لا يستحق القتل مع قوتهم، فاستجاب الله له فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو مدين، فكان ذلك سبب نجاته، وذلك أن الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا يسلك الطريق الأكبر، جرياً على عادة الخائفين الهاربين في المشي عسافاً، أو سلوك ثنيات الطريق فانثنوا فيما ظنوه يميناً وشمالاً ففاتهم. ولما دعا بهذا الدعاء، أعلم الله تعالى باستجابته منه مخبراً بجهة قصده زيادة في الإفادة فقال: {ولما} أي فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين ولما {توجه} أي أقبل بوجهه قاصداً {تلقاء} أي الطريق الذي يلاقي سالكه أرض {مدين} مدينة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام متوجهاً بقلبه إلى ربه {قال} أي لكونه لا يعرف الطريق: {عسى} أي خليق وجدير وحقيق. ولما كانت عنايته بالله أتم لما له من عظيم المراقبة، قال مقدماً له: {ربي} أي المحسن إليّ بعظيم التربية في الأمور المهلكة {أن يهديني سواء} أي عدل ووسط {السبيل*} وهو الطريق الذي يطلعه عليها من غير اعوجاج. ولما كان التقدير: فوصل إلى المدينة، بنى عليه قوله: {ولما ورد} أي حضر موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب {ماء مدين} أي الذي يستقي منها الرعاء {وجد عليه} أي على الماء {أمة} أي جماعة كثيرة هم أهل لأن يَقْصُدوا ويُقصَدوا، فلذلك هم عالون غالبون على الماء؛ ثم بين نوعهم بقوله: {من الناس} وبين عملهم أيضاً بقوله: {يسقون*} أي مواشيهم، وحذف المفعول لأنه غير مراد، والمراد الفعل، وكذا ما بعده فإن رحمته عليه الصلاة والسلام لم تكن لكون المذود والمسقي غنماً بل مطلق الذياد وترك السقي {ووجد من دونهم} أي وجداناً مبتدئاً من أدنى مكان من مكانهم الآتي إلى الماء {امرأتين} عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنها {تذودان} أي توجدان الذود، وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف الضررين، فتكفان أغنامهما إذا نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم الناس. ولما كان هذا حالاً موجباً للسؤال عنه، كان كأنه قيل: فما قال لهما؟ قيل: {قال} أي موسى عليه الصلاة والسلام رحمة لهما: {ما خطبكما} أي خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع فيه التخاطب لعظمه، في ذيادكما لأغنامكما عن السقي؛ قال أبو حيان: والسؤال بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد. ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة {قالتا} أي اعتذاراً عن حالهما ذلك؛ وتلويحاً باحتياجهما إلى المساعدة: {لا} أي خبرنا أنا لا {نسقي} أي مواشينا، وحذفه للعلم به {حتى يصدر} أي ينصرف ويرجع {الرعاء} أي عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء وضم الدال ثلاثياً، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسر: يوجدوا الرد والصرف. ولما كان التقدير: لأنا من النساء، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما أباً، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك، عطفتا على هذا المقدر قولهما: {وأبونا شيخ كبير*} أي لا يستطيع لكبره أن يسقي، فاضطررنا إلى ما ترى، وهذا اعتذار أيضاً عن كون أبيهما أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور، فلا يأباه الدين، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة، وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر، لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة {فسقى} أي موسى عليه الصلاة والسلام {لهما} لما علم ضرورتهما، انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف، مع ما به من النصب والجوع {ثم تولى} أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلاً ظهره يلي ما كان يليه وجهه {إلى الظل} أي ليقيل تحته ويستريح، مقبلاً على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق، وعرفه لوقوع العلم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه {فقال} لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص {رب}. ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب، أكد سؤاله إعلاماً بشديد تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة، فقال: {إني} ولأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون "إلى" فقال: {لما} أي لأي شيء. ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسبباً عن القضاء الآتي عن العلي الكبير، عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميماً لحالة الافتقار، وتحققاً لإنجاز الوعد بالرزق فقال: {أنزلت} ولعله حذف العائد اختصاراً لما به من الإعياء {إليّ من خير} أي ولو قل {فقير*} أي مضرور، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره. فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حالهما في ذات يدهما، وهما خلاصة ذلك الزمان، ليكون لك في ذلك أسوة، وتجعله إماماً وقدوة، وتقول: يا بأبي وأمي! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيا، صوناً لهم منها وإكراماً من ربهم عنها، رغعة لدرجاتهم عنده، واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك، وفي القصة ترغيب في الخير، وحث على المعاونة على البر، وبعث على بذل المعروف مع الجهد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} قال: مؤمن آل فرعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الذي قال لموسى {إن الملأ يأتمرون بك} شمعون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} قال: يعمل، ليس بالسيد؛ اسمه حزقيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ذهب القبطي فافشى عليه: أن موسى هو الذي قتل الرجل فطلبه فرعون وقال: خذوه فإنه الذي قتل صاحبنا وقال الذين يطلبونه: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإن موسى غلام لا يهتدي للطريق. وأخذ موسى عليه السلام في ثنيات الطريق، وقد جاءه الرجل فأخبره {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج...، فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين} فلما أخذ في ثنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزة، فلما رآه موسى عليه السلام سجد له من الفرق. فقال: لا تسجد لي، ولكن اتبعني، فتبعه وهداه نحو مدين. فانطلق الملك حتى انتهى به إلى المدين، فلما أتى الشيخ، وقص عليه القصص {أية : قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} تفسير : [القصص: 25] فأمر احدى ابنتيه أن تأتيه بعصا. وكانت تلك العصا عصا استودعه إياها ملك في صورة رجل فدفعها إليه، فدخلت الجاريه فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها الشيخ قال لابنته: ائتيه بغيرها. فألقتها وأخذت تريد غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يرددها وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلما رآى ذلك عهد إليه فأخرجها معه فرعى بها، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فخرج يتلقى موسى عليه السلام فلما رآه قال: أعطني العصا. فقال موسى عليه السلام: هي عصاي! فأبى أن يعطيه، فاختصما، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما. فاتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما فقال: ضعوها في الأرض فمن حملها فهي له. فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى عليه السلام بيده فرفعها، فتركها له الشيخ، فرعى له عشر سنين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى} قال: هو مؤمن آل فرعون جاء يسعى وفي قوله {فخرج منها خائفاً يترقب} قال: أن يأخذه الطلب.
القشيري
تفسير : جاء إسرائيليٌّ من معارف موسى يسعى، وقال إن القوم يريدون قَتْلَكَ، وأنا واقفٌ على تدبيرهم، وقد أرادوا إعلامَ فرعون.. فاخرُجْ من هذا البلد، إني لك من الناصحين.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى}، قيل: كان من شيعة موسى فسلك طريقاً قريباً فسبقهم إلى موسى وأخبره بالخبر وأنذره، وقيل: هو من آل فرعون، وقيل: اسمه شمعون، وقيل: كان ابن عم فرعون فأقبل يسعى سريعاً لينذره فـ {قال يا موسى إن الملأ} أي الأشراف من قوم فرعون {يأتمرون بك} يتشاورون في قتلك {فاخرج} من أرض مصر {إني لك من الناصحين} في هذا، ثم بيّن تعالى خروجه من مصر إلى مدين فقال سبحانه: {فخرج} موسى من المدينة {خائفاً} من قوم فرعون أن يأخذوه ويقتلوه بالقبطي {يترقب} ينتظر {قال رب نجني من القوم الظالمين} يعني من فرعون وقومه {ولما توجه تلقاء مدين} أي أقبل بوجهه على ناحية مدين قاصداً لها، وقيل: لما خرج من مصر لم يدرِ أين يذهب فأخذ في طريق عنده أنها توديه إلى مدين وهي مدينة شعيب {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} يعني وسط الطريق، وروي أن بين مصر ومدين مسيرة ثمان، وكان موسى (عليه السلام) لا يعرف إليها الطريق قيل: لما دعا الله سبحانه دله على الطريق حتى ورد ماء مدين، وقيل: جاءه ملك فانطلق به إلى مدين {ولما ورد ماء مدين} بئراً كانت {وجد عليها أمة من الناس يسقون} أي جماعة يسقون مواشيهم {ووجد من دونهم امرأتين تذودان} الناس عن مواشيهما، وقيل: يكفان الغنم أن تختلط بأغنام الناس، وقيل: يمنعان غنمهما عن الماء حتى يصدر الرعاء ويحلو لهما البئر ثم يسقيان وذلك لضعفهما، قال الحاكم: وهو الوجه {قال} لهما موسى {ما خطبكما} أي ما شأنكما لا تسقيان مع الناس؟ {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} أي هو لا يقدر أن يتولى ذلك بنفسه فإنا لا نختلط بالرجال، وقيل: لا نطيق السقي، فلما سمع موسى كلامهما رحمهما وسقى لهما غنمهما، وروي أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجراً لا يقلبه إلا سبعة رجال، وقيل: عشرة: وقيل: أربعون، وقيل: مائة فقلبه وحده، وروي أنه سألهم دلو من الماء فأعطوه وقالوا: استق بها وكان لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبّها في الحوض ودعا بالبركة، وروي أنه دفعهم عن الماء حتى سقى لهما وإنما فعل هذا رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف مع ما كان به من النصب والجزع {ثم تولّى إلى الظل}، قيل: ظل شجرة {فقال رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير}، قيل: أدركه جوع شديد، ويحتمل أن يريد أني محتاج إلى الدنيا لأجل ما أنزلت إليَّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين، وروي أنهما لما رجعا إلى أبيهما قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا وسقى لنا، قال لإِحداهما: إذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، وقوله تعالى: {تمشي على استحياء} من موسى، وروي أنها كانت تمشي عادلة عن الطريق {فلما جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخف} سلطان فرعون في أرضنا {نجوت من القوم الظالمين} وقد روي أنها لما قالت: {ليجزيك أجر ما سقيت لنا} كره ذلك ولما قدم اليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب: هذا عادتنا مع كل من نزل بنا.
الهواري
تفسير : قوله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّن أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُج إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} وذلك أن القبطي الآخر لما سمع قول الإِسرائيلي لموسى: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ} أفشى عليه. فأتمر الملأ من قوم فرعون أن يقتلوه. فبلغ ذلك مؤمنَ آل فرعون، فجاء من أقصى المدينة يسعى. وهو الذي قال الله: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}. قال الله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي: من المدينة خائفاً من قتله النفس، يترقّب الطلب {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}. قوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: نحو مدين {قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: أن يرشدني سواء السبيل، أي: قصد الطريق. وكان خرج لا يدري أين يذهب، ولا يهتدي طريق مدين، فقال: {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي: الطريق إلى مدين.
اطفيش
تفسير : {وَجَاءَ رَجُلٌ} مؤمن من آل فرعون او اسرائيلي يسمى حزقيل أو شمعون أو شمعان. {مِّنْ أَقْصَى المَدِينَةِ} من آخرها أي الموضع إلا بعد فيها. {يَسْعَى} يسرع في مشيه من طريق أقرب من الطريق الذي سلكوه فسبقهم اليه وأخبره. {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلأَ} الجماعة من قوم فرعون. {يَأْتَمِرُونَ} يتشاورون. {بِكَ} فيك. {لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ} من المدينة. {إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} ومن متعلق بجاء او بمحذوف نعت لرجل ويسعى نعت لرجل ايضا ويجوز ان يكون حالا منه اذا جعلنا من اقصى نعتا له وان يكون حالا من ضميره في من اقصى اذا جعل نعتا وأصل يأتمرون بهمزة ساكنة قلبت الفا ولم تقلب تاء وتدغم في التاء بعدها لشذوذ ذلف في ذي الهمز وانما ذلك في ذي الواو والياء كاتصل واتسر بقلب الواو من وصل والياء من يسر تاء او بقلب الواو ياء وقلب الياء تاء وادغام التاء في التاء ويأتمرون بوزن يفتعلون بوزن يفتعلون قال الأزهري الباء في قوله {يَأْتَمِرُونَ بِكَ} بمعنى في يقال إئتمر القوم اذا تشاور بعضهم بعضا وانما سمي التشاور إئتمارا لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر فالافتعال للمطاوعة ويجوز كون الباء سببية أي يتشاورون لسبيك ولك متعلق بمحذوف حال من الناصحين ان اجزنا تقديم الحال على صاحبه المجرور بحرف او بمحذوف خبر فيكون من الناصحين خبرا اولا او متعلق بناصحين محذوفا قبله او بمحذوف حال من ناصحين مقدرا قبله او من ضميره فيكون من الناصحين مكررا للتوكيد ولا ينافي الحذف التوكيد لدلالة قوله (لك) عليه أي من الناصحين لك من الناصحين لا متعلق بناصحين أو بمحذوف حال منه او من الضمير فيه الا على قول مجيز تقديم معمول الصلة على الموصول وان قلت لم قدم رجل هنا وأخر في يس؟ قلت قال السمين قدم هنا لأنه من أقصاها وأخر هنالك لانه ليس منه وهو مبني على احد الاعاريب المذكورة.
الالوسي
تفسير : {وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ } الآية، واسمه قيل: شمعان، وقيل: شمعون بن إسحاق، وقيل: حزقيل، وقيل: غير ذلك، وكون هذا الرجل الجائي مؤمن آل فرعون هو المشهور، وقيل: هو غيره، و{يسعى} بمعنى يسرع في المشي وإنما أسرع لبعد محله ومزيد اهتمامه بإخبار موسى عليه السلام ونصحه، وقيل: يسعى بمعنى يقصد وجه الله تعالى كما في قوله سبحانه: {أية : وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } تفسير : [الإسراء: 19] وهو وإن كان مجازاً يجوز الحمل عليه لشهرته. والظاهر أن {مِنْ أَقْصَا } صلة {جَاء } وجملة {يَسْعَىٰ } صفة {رَجُلٌ }، وجوز أن يكون {مِنْ أَقْصَا } في موضع الصفة لرجل، وجملة {يسعى} صفة بعد صفة. وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من {رجل}، أما إذا جعل الجار والمجرور في موضع الصفة منه فظاهر لأنه وإن كان نكرة ملحق بالمعارف فيسوغ أن يكون ذا حال، وأما إذا كان متعلقاً بجاء فمن ذلك الجمهور وأجازه سيبويه، وجوز أن يعلق الجار والمجرور بيسعى وهو كما ترى. {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأ } وهم وجوه أهل دولة فرعون {يَأْتَمِرُونَ بِكَ } أي يتشاورن بسببك وإنما سمي التشاور ائتماراً لأن كلاً من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر {لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ } من المدينة قبل أن يظفروا بك {إِنّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } اللام للبيان كما في سقيا لك فيتعلق بمحذوف أعني - أعني - ولم يجوز الجمهور تعلقه بالناصحين لأن أل فيه اسم موصول ومعمول الصلة لا يتقدم الموصول ولا بمحذوف مقدم يفسره المذكور لأن ما لا يعمل لا يفسر عاملاً وعند من جوز تقدم معمول الصلة إذا كان الموصول أل خاصة لكونها على صورة الحرف، أو إذا كان المتقدم / ظرفاً للتوسع فيه، أو قال إن أل هنا حرف تعريف لإرادة الثبوت يجوز أن يكون {لك} متعلقاً بالناصحين أو بمحذوف يفسره ذلك. واستدل القرطبـي وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحة دينية.
ابن عاشور
تفسير : ظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى فلذلك انطوى أمر محاورتهما إذ حدث في خلاله ما هو أهم منه وأجدى في القصة. والظاهر أن أقصى المدينة هو ناحية قصور فرعون وقومه فإن عادة الملوك السكنى في أطراف المدن توقياً من الثورات والغارات لتكون مساكنهم أسعد بخروجهم عند الخوف. وقد قيل: الأطراف منازل الأشراف. وأما قول أبي تمام: شعر : كانت هي الوسط المحمي فاتصلت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا تفسير : فذلك معنى آخر راجع إلى انتقاص العمران كقوله تعالى {أية : يقولون إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13]. ( وبهذا يظهر وجه ذكر المكان الذي جاء منه الرجل وأن الرجل كان يعرف موسى. و{الملأ}: الجماعة أولو الشأن، وتقدم عند قوله تعالى {أية : قال الملأ من قومه}تفسير : أي نوح في [الأعراف: 60]، وأراد بهم أهل دولة فرعون: فالمعنى: أن أولي الأمر يأتمرون بك، أي يتشاورون في قتلك. وهذا يقتضي أن القضية رفعت إلى فرعون وفي سفر الخروج في الإصحاح الثاني: «فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يُقتل موسى». ولما علم هذا الرجل بذلك أسرع بالخبر لموسى لأنه كان معجباً بموسى واستقامته. وقد قيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل. وقيل: كان من القبط ولكنه كان مؤمناً يكتم إيمانه، لعل الله ألهمه معرفة فساد الشرك بسلامة فطرته وهيأه لإنقاذ موسى من يد فرعون. والسعي: السير السريع، وقد تقدم عند قوله {أية : فإذا هي حية تسعى}تفسير : في سورة [طه: 20]. وتقدم بيان حقيقته ومجازه في قوله {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها}تفسير : في سورة [الإسراء: 19]. وجملة {يسعى} في موضع الحال من {رجل} الموصوف بأنه من {أقصى المدينة}. و {يأتمرون بك} يتشاورون. وضمن معنى (يهمون) فعدي بالباء فكأنه قيل: يأتمرون ويهمّون بقتلك. وأصل الائتمار: قبول أمر الآمر فهو مطاوع أمره، قال امرؤ القيس: شعر : ويعدو على المرء ما يأتمر تفسير : أي يضره ما يطيع فيه أمر نفسه. ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن المتشاورين يأخذ بعضهم أمر بعض فيأتمر به الجميع، قال تعالى {أية : وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 6]. وجملة {قال يا موسى} بدل اشتمال من جملة {جاء رجل} لأن مجيئه يشتمل على قوله ذلك. ومتعلق الخروج محذوف لدلالة المقام، أي فاخرج من المدينة. وجملة {إني لك من الناصحين} تعليل لأمره بالخروج. واللام في قوله {لك من الناصحين} صلة، لأن أكثر ما يستعمل فعل النصح معدى باللام. يقال: نصحت لك قال تعالى {أية : إذا نصحوا لله ورسوله}تفسير : في سورة [التوبة: 91] ووهماً قالوا: نصحتك. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة. والترقب: حقيقته الانتظار، وهو مشتق من رقب إذا نظر أحوال شيء. ومنه سمي المكان المرتفع: مرقبة ومرتقباً، وهو هنا مستعار للحذر. وجملة {قال رب نجني} بدل اشتمال من جملة {يترقب} لأن ترقبه يشتمل على الدعاء إلى الله بأن ينجيه. والقوم الظالمون هم قوم فرعون. ووصفهم بالظلم لأنهم مشركون ولأنهم راموا قتله قصاصاً عن قتل خطإ وذلك ظلم لأن الخطأ في القتل لا يقتضي الجزاء بالقتل في نظر العقل والشرع. ومحل العبرة من قصة موسى مع القبطي وخروجه من المدينة من قوله {أية : ولما بلغ أشده}تفسير : [القصص: 14] إلى هنا هو أن الله يصطفي من يشاء من عباده، وأنه أعلم حيث يجعل رسالاته، وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء هيأ له أسبابه بقدرته فأبرزه على أتقن تدبير، وأن الناظر البصير في آثار ذلك التدبير يقتبس منها دلالة على صدق الرسول في دعوته كما أشار إليه قوله تعالى {أية : فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون}تفسير : [ يونس: 16]. وإن أوضح تلك المظاهر هو مظهر استقامة السيرة ومحبة الحق، وأن دليل عناية الله بمن اصطفاه لذلك هو نصره على أعدائه ونجاته مما له من المكائد. وفي ذلك كله مثل للمشركين لو نظروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي حالهم معه. ثم {إن} في قوله تعالى {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} الآية إيماء إلى أن رسوله صلى الله عليه وسلم سيخرج من مكة وأن الله منجيه من ظالميه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 20- وجاء رجل مؤمن من آل فرعون - يخفى إيمانه - من أقصى المدينة حينما انتشر نبأ قتل موسى للمصرى، يخبر موسى أن قوم فرعون يتشاورون لقتلك، ويقول له: اخرج من المدينة فرارا من القتل، إنى لك من الناصحين. 21- فخرج موسى من المدينة خائفاً يتوقع أن يتعرض له أعداؤه بالأذى، ضارعا إلى الله أن يُنجيه من ظلم الكافرين. 22- ولما توجه ناحية مدين - قرية شعيب - لما فيها من الأمن - تضرع إلى الله أن يهديه طريق الخير والنجاة. 23- ولما وصل ماء آل مدين الذى يسقون منه، وجد على جانب البئر جماعة كثيرة من أناس مختلفين يسقون مواشيهم، ووجد فى مكان أسفل من مكانهم امرأتين تدفعان غنمهما بعيدا عن الماء، فقال لهما موسى: لم تبتعدان عن الماء؟ فأجابتا: لا نستطيع الزحام، ولا نسقى حتى يسقى الرعاة، وأبونا شيخ طاعن لا يستطيع الرعى ولا السقى. 24- فتطوع موسى وسقى لهما، ثم ركن إلى ظل شجرة يستريح من الجهد، وهو يقول فى ضراعة: يا رب إنى فقير لما تسوقه إلىَّ من خير ورزق.
القطان
تفسير : أقصى المدينة: من ابعد مكان فيها. يسعى: يسرع. الملأ: أشراف القوم ووجوههم. يأتمرون بك: يتشاورون في امرك. يترقب: يلتفت يمنة ويسرة. توجَّه تلقاء مدين: ذهب الى جهة مدينة مدين، وهي بأرض الحجاز محاذية للبحر الاحمر. سواء السبيل: أوسط الطرق وأسهلها. ولما ورد ماءَ مدين: لما وصل مكان الماء في مدين. تذودان: تمنعان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء. أُمة: جماعة. ما خطبكما: ما شأنكما. حتى يصدر الرِعاء: حتى يسقي الرعيان وينصرفوا. الرعاء والرعاة والرعيان بمعنى واحد. تولّى الى الظل: ذهب الى الظل. الاستحياء: شدة الحياء. ليجزيك: ليعطيك أجرَ ما سقيت لنا. وقصّ عليه القصص: أخبره بخبره وقصته. أنكحك: أزوجّك. على ان تأجُرني ثماني حجج: على ان تكون عندي أجيراً مدة ثمان سنين. فان أتممت عشرا فمن عندك. فان زدت وبقيت عندي مدة عشر سنين فهذا من فضلك. وما اريد ان اشقّ عليك: لا اريد ان ادخل عليك مشقة. ايما الأجَلين قضيت: اي أجل قضيته ثماني سنين او عشراً. فلا عدوان عليّ: لا حرج علي. والله على ما نقول وكيل: شهيد. وجاء رجلٌ من شِيعته من أقصى المدينة مسرعاً، فقال: يا موسى، ان زعماء القوم يتشاورون في أمرك ليقتلوك. اخرج من مصر، إني لك من الناصحين. فخرج منها موسى وهو خائف يترقب أن يلحقه أحدٌ منهم، ضارعا الى الله ان ينجيه من الظالمين. ولما توجه الى "مدين" لعله يجد فيها مأمناً سأل ربه ان يهديه طريقَ الخير والنجاة. وهناك في مَدْيَنَ وجد ماءً، وكان عليه جماعة كبيرة يسقون مواشيهم. ووجد امرأتين في ناحيةٍ تمنعان اغنامهما ان ترد الماء، فسألهما عن شأنهما، ولماذا لا ترِدان الماء؟ قالتا: لا نستطيع ان نسقي حتى ينصرف الرعاة، وأبونا شيخ كبير. فتولى موسى سقي غنمهما ثم انصرف الى الظل، وسأل ربه ان يسوق اليه رزقاً من خيره لأنه لا يملك شيئا. وبعد برهة جاءت إحدى الفتاتين تسير في حياء، وقال له: إن أبي يدعوك ليعطيَك أجْرَ ما سقيتَ لنا. فلما ذهب معها الى ابيها وقص عليه قصة خروجه من مصر، قال له الشيخ: لا تخفْ، نجوتَ الآن من القوم الظالمين. قالت احدى الفتاتين، يا أبتِ، استأجرْه ليكون راعياً لغنمنا، إنه خير من تستأجر، فهو قوي وأمين. فعرض عليه أبوهما ان يزوّجه واحدة من ابنتيه على ان يؤجِّره نفسَه مدةَ ثماني سنين، فان أتمها عشراً كان ذلك من فضله. فقبل موسى الشرط، وعاهده على الوفاء به، وقال: أي مدة من المدّتين أقضيها في العمل أكون وفيتك عهدك فلا اطالَب بزيادة عليها، والله شاهد على ما نقول. لم يُذكر اسم الشيخ الكبير هذا في القرآن، ويقال إنه ابن أخِ شُعيب النبي، اذ ان موسى لم يدرك النبي شعيبا على الصحيح. قراءات: قرأ ابو عمرو وابن عامر: حتى يصدُر الرعاء بفتح الياء وضم الدال. والباقون: حتى يصدر بضم الياء وكسر الدال.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَقْصَى} {يٰمُوسَىٰ} {ٱلنَّاصِحِينَ} (20) - وَجَاءَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يكُتُمُ إِيمَانَهُ، يَعْرِفُ مُوسَى، وَقَدْ سَمِعَ مَا دَارَ مِنْ حَديثٍ بَينَ كُبَراءِ الدَّولَةِ (المَلأَ)، فِي حضْرةِ فِرعَونَ، وأَنَّ فرعَونَ أَرْسَلَ إِلى مُوسَى مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَخَالَفَ الرَّجُلُ الطَّريقَ الذي ذَهَبَ فِيهِ رُسُلُ فِرْعَونَ، وأَسْرَعَ مِنْ طريقٍ آخرَ أَقْرَبَ، فالتَقَى بمُوسَى، فقالَ لهُ إِنَّ فِرعَونَ وكُبَراءَ رِجَالِ دَوْلَتِهِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ قَتلِكَ، جَزَاءَ مَا قَتَلْتَ ذلِكَ القِبْطِيَّ، فَاخْرُجْ مِنَ البَلَدِ، وانْجُ بِنَفْسِكَ فَأَنَا نَاصِحٌ لَكَ، مُخْلِصٌ في نَصِيحَتِي. يَسْعَى - يُسرِعُ فِي المَشْيِ. يَأْتَمِرُونَ بِكَ - يَتَشَاوَرُونَ فِي شَأْنِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هو الرجل المؤمن من آل فرعون، جاء لينصح موسى بالخروج والهرب قبل أنْ يُمسِكوا به فيقتلوه.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة موسى، وقد تناولت الآيات السابقة قصة ولادته وإرضاعه، وتربيته في بيت فرعون إلى أن شبَّ وبلغ سنَّ الرشد والكمال، ثم قتله للفرعوني، وتتحدث الآيات هنا عن هجرته إلى أرض مدين وتزوجه بابنة شعيب، ثم عودته إلى مصر، ونزول النبوة عليه، وهلاك فرعون على يديه. اللغَة: {يَأْتَمِرُونَ} يتشاورون قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا أي أمر بعضهم بعضاً {تَذُودَانِ} ذاد يذود إذا حبس ومنع، طرد قال الشاعر: شعر : لقد سلبت عصاك بنو تميم فما تدري بأي عصى تذود تفسير : {خَطْبُكُمَا} الخطب: الشأن قال رؤية: "يا عجباً ما خطبه وخطبي" {ٱلرِّعَآءُ} جمع راعٍ مثل صاحب وصحاب وهو الذي يرعى الغنم {حِجَجٍ} جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة {جَذْوَةٍ} الجذوة: الجمرة الملتهبة {رِدْءاً} عوناً قال الجوهري: أردأتُه أعنته، وكنتُ له ردءاً أي عوناً {ٱلْمَقْبُوحِينَ} الهالكين المبعدين أو القبيحين في الصورة يقال: قَبَحه الله وقَبَّحه إذا جعله قبيحاً. التفسِير: {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} أي وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه من أبعد أطراف المدينة يشتد ويسرع في مشيه قال ابن عباس: هذا الرجل هو مؤمن من آل فرعون {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} أي قال له يا موسى: إن أشراف فرعون، ووجوه دولته يتشاورون فيك بقصد قتلك {فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} أي فاخرج قبل أن يدركوك فأنا ناصحٌ لك من الناصحين {فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فخرج من مصر خائفاً على نفسه يترقب وينتظر الطلب أن يدركه فيأخذه، ثم التجأ إلى الله سبحانه بالدعاء لعلمه بأنه لا ملجأ سواه {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي خلصني من الكافرين واحفظني من شرهم - والمراد بهم فرعون وملؤُه - {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي بلدة شعيب عليه السلام {قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي لعل الله يرشدني إلى الطريق السوي الذي يوصلني إلى مقصودي قال المفسرون: خرج خائفاً بغير زاد ولا ظهر - مركب - وكان بين مصر ومدين مسيرةُ ثمانية أيام، ولم يكن له علمٌ بالطريق سوى حسن ظنه بربه، فبعث الله إليه ملكاً فأرشده إلى الطريق، ويروى أنه لما وصل مدين كانت خضرةُ البقل تتراءى من بطنه من الهزال، لأنه كان في الطريق يتقوت ورق الشجر {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} أي ولما وصل إلى مدين بلدة شعيب وجد على البئر الذي يستقي منه الرعاة جمعاً كثيفاً من الناس يسقون مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} أي ووجد سوى الجماعة الرعاة امرأتين تكفَّان غنمهما عن الماء {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا}؟ أي ما شأنكما تمنعان الغنم عن ورود الماء؟ ولم لا تسقيان مع السقاة؟ {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} أي من عادتنا التأني حتى ينصرف الرعاةُ مع أغنامهم عن الماء، ولا طاقة لنا على مزاحمة الأقوياء، ولا نريد مخالطة الرجال، وأبونا رجل مُسنٌّ لا يستطيع لضعفه أن يباشر سقاية الغنم، ولذلك اضطررنا إلى أن نسقي بأنفسنا قال أبو حيان: فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما، وتنبيهٌ على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطافٌ لموسى في إعانتهما {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} أي فسقى لهما غنمهما رحمة بهما، ثم تنحى جانباً فجلس تحت ظل شجرة {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي إني يا ربّ محتاجٌ إلى فضلك وإحسانك، وإلى الطعام الذي أسُدُّ به جوعي، طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتد عليه الجوع قال الضحاك: مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وقال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى "مدين" ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافياً فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه للاصقٌ بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لتُرى من داخل جوفه، وإنه لمحتاجٌ إلى شق تمره {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} في الكلام اختصار تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكان من عادتهما الإِبطاء فحدثتاه بما كان من أمر الرجل، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته تمشي.. الخ أي جاءته حال كونها تمشي مشية الحرائر بحياء وخجل قد سترت وجهها بثوبها قال عمر: لم تكن بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} أي إنَّ أبي يطلبك ليعوضك عن أجر السقاية لغنمنا قال ابن كثير: وهذا تأدبٌ في العبارة لم تطلبه طلباً مطلقاً لئلا يوهم ريبة {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي فلما جاءه موسى وذكر له ما كان من أمره وسبب هربه من مصر قال له شعيب: لا تخف فأنت في بلدٍ آمن لا سلطان لفرعون عليه وقد نجاك الله من كيد المجرمين {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} أي استأجره لرعي أغنامنا وسقايتها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} أي إنَّ أفضل من تستأجره من كان قوياً أميناً قال أبو حيان: وقولها كلام حكيم جامع لأنه إذ اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمرٍ من الأمور فقد تمَّ المقصود، روي أن شعيباً قال لها: وما أعلمك بقوته وأمانته؟ فقالت: إنه رفع الصخرةالتي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئتُ معه تقدمتُ أمامه فقال لي: كوني من ورائي ودليني على الطريق، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إليَّ، فرغب شعيب في مصاهرته وتزويجه بإحدى بناته {قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} أي إني أريد أن أزوجك إحدى بنتيَّ هاتين الصغرى أو الكبرى {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} أي بشرط أن تكون أجيراً لي ثماني سنين ترعى فيها غنمي {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} أي فإن أكملتها عشر سنين فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} أي وما أُريد أن أوقعك في المشقة باشتراط العشر {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي ستجدني إن شاء الله حسن المعاملة، ليِّن الجانب، وفيأ بالعهد قال القرطبي: في الآية عرضُ الوليّ ابنته على الرجل، وهذه سُنة قائمة، عرض شعيب ابنته على موسى، وعرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحُسْن عرض الرجل وليته على الرجل الصالح، اقتداءً بالسلف الصالح {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} أي قال موسى: إنَّ ما قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعاً لا نخرج عنه، وأيَّ المدتين الثماني أو العشر أديتها لك فلا إثم ولا حرج عليَّ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي والله شاهد على ما تعاهدنا وتواثقنا عليه {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} أي فلما أتم موسى المدة التي اتفقا عليها قال ابن عباس: قضى أتم الأجلين وأكملهما وأوفاهما وهو عشر سنين {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي ومشى بزوجته مسافراً بها إلى مصر {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} أي أبصر من بعيد ناراً تتوهج من جانب جبل الطور {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} أي قال لزوجته امكثي هنا فقد أبصرت ناراً عن بعد قال المفسرون: كانت ليلةً باردة وقد أضلوا الطريق، وهبَّت ريح شديدة فرقت ماشيته، وأخذ أهله الطلق فعند ذلك أبصر ناراً بعيدة فسار إليها لعله يجد من يدله على الطريق فذلك قوله تعالى {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي لعلي آتيكم بخبر الطريق وأرى من يدلني عليه {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} أي فلما وصل إلى مكان النار لم يجدها ناراً وإنما وجدها نوراً، وجاءه النداء من جانب الوادي الأيمن في ذلك المكان المبارك من ناحية الشجرة {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} اي نودي يا موسى إن الذي يخاطبك ويكلمك هو أنا الله العظيم الكبير، المنزه عن صفات النقص، ربُّ الإِنس والجن والخلائق أجمعين {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} أي ونودي بأن اطرح عصاك التي في يدك {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي فألقاها فانقلبت إلى حيّة فلما رآها تتحرك كأنها ثعبان خفيف سريع الحركة انهزم هارباً منها ولم يلتفت إليها قال ابن كثير: انقلبت العصى إلى حية وكانت كأنها جانٌّ في حركتها السَريعة مع عِظَم خلقتها، واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فمها تتقعقع كأنها حادرة في واد، فعند ذلك ولَّى مدبراً ولم يلتفت، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} أي فنودي يا موسى: إرجع إلى حيث كنت ولا تخف فأنت آمنٌ من المخاوف، فرجع وأدخل يده في فم الحية فعادت عصا {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي أدخل يدك في جيب قميصك - وهو فتحة الثوب مكان دخول الرأس - ثم أخرجها تخرج مضيئةً منيرة تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق من غير أذى ولا برص {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} قال ابن عباس: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف يذهب عنك الرعب قال المفسرون: المراد بالجناح اليد لأن يدي الإِنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه وبذلك يذهب عنه الخوف من الحية ومن كل شيء {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي فهذان - العصا واليد - دليلان قاطعان، وحجتان نيرتان واضحتان من الله تعالى تدلان على صدقك، وهما آيتان إلى فرعون وأشراف قومه الطُغاة المتجبرين {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي خارجين عن طاعتنا، مخالفين لأمرنا {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي قال موسى يا رب إني قتلت قبطياً من آل فرعون وأخشى إن أتيتهم أن يقتلوني به قال المفسرون: هو القبطي الذي وكزه فمات، فطلب من ربه ما يزداد به قوة على مجابهة فرعون بإرسال أخيه هارون معه فقال {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} أي هو أوضح بياناً، وأطلق لساناً، لأن موسى كان في لسانه حُبْسة من أثر الجمرة التي تناولها في صغره {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} أي فأرسلْهُ معي معيناً يبيّن لهم عني ما أكلمهم به بتوضيح الحجج والبراهين {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أي أخاف إن لم يكن لي وزير ولا معين أن يكذبوني لأنهم لا يكادون يفقهون عني، قال الرازي: والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقتَ، أو يقول للناس: صدقَ موسى، وإنما هو أن يُلخّص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات، ويجادل به الكفار {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي أجابه تعالى إلى طلبه وقال له: سنقوّيك بأخيك ونعينك به، ونجعل لكما غلبةً وتسلطاً على فرعون وقومه {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ} أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب ما أيدتكما به من المعجزات الباهرات {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} أي العاقبة لكما ولأتباعكما في الدنيا والآخرة، وأنتم الغالبون على القوم المجرمين كقوله تعالى {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} أي فلما جاءهم موسى بالبراهين الساطعة، والمعجزات القاطعة، الدالة على صدقه وأنه رسولٌ من عند الله {قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي ما هذا الذي جئتنا به من العصا واليد إلا سحرٌ مكذوب مختلق، افتريته من قبل نفسك وتنسبه إلى الله {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي وما سمعنا بمثل هذه الدعوى - دعوى التوحيد - في آبائنا وأجدادنا السابقين {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أجمل موسى في جوابهم تلطفاً في الخطاب، وإيثاراً لأحسن الوجوه في المجادلة معهم والمعنى: إن ما جئتكم به حقٌ وهدى وليس بسحر، وربي عالمٌ بذلك يعلم أني محقٌ وأنتم مبطلون، ويعلم من تكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا يسعد ولا ينجح من كان ظالماً فاجراً، كاذباً على الله {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} أي قال فرعون لأشراف قومه وسادتهم: ما علمتُ لكم إلهاً غيري قال ابن عباس: كان بين هذه القولة الفاجرة وبين قوله {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] أربعون سنة، وكذب عدوُّ الله بل علم أن له رباً هو خالقه وخالق قومه {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً} أي فاطبخ لي يا هامان الآجر فاجعل لي منه قصراً شامخاً رفيعاً {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} أي لعلي أرى وأشاهد إله موسى الذي زعم أنه أرسله، قال ذلك على سبيل التهكم ولهذا قال بعده {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي وإني لأظن موسى كاذباً في ادعائه أن في السماء رباً قال تعالى {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي وتكبر وتعظم فرعون وقومه عن الإِيمان بموسى في أرض مصر بالباطل والظلم {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} أي واعتقدوا أن لا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا جزاء {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي فأخذناه مع جنوده فطرحناهم في البحر، وأغرقناهم فلم يبق منهم أحد {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي فانظر يا محمد بعين قلبك نظر اعتبار كيف كان مآل هؤلاء الظالمين الذين بلغوا من الكفر والطغيان أقصى الغايات؟ {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي وجعلناهم في الدنيا قادة وزعماء في الكفر يقتدي بهم أهلُ الضلال {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ} أي ويوم القيامة ليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب {وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي جعلنا اللغنة تلحقهم في هذه الحياة الدنيا من الله والملائكة والمؤمنين {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} أي وفي الآخرة هم من المبعدين المطرودين من رحمة الله عز وجل. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بإِنَّ واللام {إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} مناسبةً لمقتضى الحال. 2- الاستعطاف والترحم {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. 3- جناس الاشتقاق {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ}. 4- التشبيه المرسل المجمل {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} حذف وجه الشبه فأصبح مجملاً. 5- الطباق بين {يُصَدِّقُنِي.. ويُكَذِّبُونِ}. 6- الكناية {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} كنى عن اليد بالجناح، لأنها للإِنسان كالجناح للطائر. 7- المجاز المرسل {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} من إطلاق السبب وإرادة المسبب لأن شد العضد يستلزم شد اليد، وشد اليد مستلزم للقوة، قال الشهاب، ويمكن أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية، شبه حال موسى في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بيد شديدة. لطيفَة: قال الزمخشري: إنما قال {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} أي أوقد لي النار فأتخذ منه آجراً ولم يقل "أطبخ لي الآجر" لأن هذه العبارة أحسن طباقاً لفصاحة القرآن وعلو طبقته، وأشبه بكلام الجبابرة، وهامان وزيره ومدبّر رعيته.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ} معناه يَتَشاورونَ فِيكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):