Verse. 3274 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَلَمَّا تَوَجَّہَ تِلْقَاۗءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسٰى رَبِّيْۗ اَنْ يَّہْدِيَنِيْ سَوَاۗءَ السَّبِيْلِ۝۲۲
Walamma tawajjaha tilqaa madyana qala AAasa rabbee an yahdiyanee sawaa alssabeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما توجه» قصد بوجهه «تلقاء مدين» جهتها وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر سميت بمدين بن إبراهيم ولم يكن يعرف طريقها «قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» أي قصد الطريق الوسط إليها فأرسل الله ملكاً بيده عنزة فانطلق به إليها.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الناس اختلفوا في قوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } فال بعضهم إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة فأوصله الله تعالى إلى مدين، وهذا قول ابن عباس، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين: أحدهما: قوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } ولو كان قاصداً للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى مدين فلما لم يقل ذلك بل قال: {تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي والثاني: قوله: {عَسَىٰ رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالماً بالطريق. ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. أما قوله: {عَسَىٰ رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام: { أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الصافات: 99] وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئراً فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه {وَجَدَ عَلَيْهِ } أي فوق شفيره ومستقاه {أُمَّةٍ } جماعة كثيرة العدد {مِنَ ٱلنَّاسِ } من أناس مختلفين {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } في مكان أسفل من مكانهم {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ } والذود الدفع والطرد فقوله (تذودان) أي تحبسان ثم فيه أقوال: الأول: تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه: أحدها: قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي وثانيها: كانتا تكرهان المزاحمة على الماء وثالثها: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ورابعها: لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني: كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما والقول الثالث: تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع: قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً في قولك ما شأنك {قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه: أحدها: أن العادة في السقي للرجال، والنساء يضعفن عن ذلك وثانيها: ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير وثالثها: قولهما حتى يصدر الرعاء ورابعها: انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء وخامسها: قولهما: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقي، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد. قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون بضم الياء، وكسر الدال فالمعنى في القراءة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم. أما قوله: {فَسَقَىٰ لَهُمَا } أي سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي أقوال: أحدها: أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما: قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة، وقيل أربعون، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر وثالثها: أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن، والله أعلم بالصحيح منه، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته، وقال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ } وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر، وفيه دلالة أيضاً على كمال قوة موسى عليه السلام، قال الكلبي: أتى موسى أهل الماء فسألهم دلواً من ماء، فقالوا له إن شئت ائت الدلو فاستق لهما قال نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما. فإن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟ قلنا ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيباً والناس مختلفون فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة. وأما قوله: {قَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } فالمعنى إني لأي شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير، وإنما عدى فقيراً باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب. واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة، إما إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاماً يأكله، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض، وروي أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك، فإن قيل إنه عليه السلام لما بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم، فكيف يليق بهمته العالية أن يطلب الطعام، أليس أنه عليه السلام قال: « حديث : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي » تفسير : ؟ قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيراً في الدنيا لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحاً به وشكراً له، وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام. أما قوله تعالى: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَاء } فقوله {عَلَى ٱسْتِحْيَاء } في موضع الحال أي مستحيية، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم قميصها، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله: {تَمْشِى } ثم يبتدىء فيقول: {عَلَى ٱسْتِحْيَاء } قالت: {إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ } يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي، لا سيما المرأة وفي ذلك دلالة على أن شعيباً لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيباً عليه السلام أو غيره فقد تقدم، والأكثرون على أنه شعيب. وقال محمد بن إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا، والصغرى ليا، وقال غيره صفرا وصفيرا، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين، وقال الكلبي الصغرى، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل. أما قوله: {قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ففيه إشكالات: أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة، وقال عليه السلام: « حديث : اتقوا مواضع التهم » تفسير : ؟ وثانيها: أنه سقى أغنامهما تقرباً إلى الله تعالى فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة، ولا في الشريعة؟ وثالثها: أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب: عن الأول أن نقول: أما العمل بقول امرأة فكما نعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار وما كانت إلا مخبرة عن أبيها، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع والجواب: عن الثاني، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى عليه السلام ما ذهب إليهم طلباً للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ، وروي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع، وقال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب: عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب: عن الرابع لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها. أما قوله: {فَلَمَّا جَاءهُ } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل لي، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع، فقال شعيب تناول يا فتى، فقال موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم؟ قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل، وإنما كره أكل الطعام خشية أن يكون ذلك أجرة له على عمله، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال: { أية : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } تفسير : [الكهف: 77] والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه. أما قوله: {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله، فقال أنا موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم، وقتل القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه، فقال شعيب: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي لا سلطان له بأرضنا فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما تقتضيه العادة. فإن قيل: المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته؟ قلنا هذا وإن كان نادراً إلا أنه ليس بمحال. أما قوله: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـأجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها إلى أبيها. المسألة الثانية: إنما جعل {خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـأجَرْتَ } اسماً و {ٱلْقَوِىُّ ٱلأمِينُ } خبراً مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم. المسألة الثالثة: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما الفطنة والكياسة، فلم أهمل أمر الكياسة؟ ويمكن أن يقال إنها داخلة في الأمانة، عن ابن مسعود رضي الله: « حديث : أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب يوسف وأبو بكر في عمر » تفسير : . أما قوله: {قَالَ إِنّى أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ } فلا شبهة في أن هذا اللفظ، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، فكانت الزيادة كالتبرع، والفقهاء ربما استدلوا به على أن العمل قد يكون مهراً كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا، ويدل على أنه قد كان جائزاً في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة، وعلى أنه كان جائزاً في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد، ثم قال: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيراً وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه أجركم الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } وفيه وجهان: الأول: لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم الرجلين، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر؟ قلنا حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه الثاني: لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس، ومنه الحديث «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري» ثم قال: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ } وفيه وجهان: الأول: يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب والثاني: يريد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته. فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن شاء الله لا تطلق؟ قلنا هذا مما يختلف بالشرائع. أما قوله تعالى: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ } فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام، يريد ذلك الذي قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك، ثم قال: {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ } من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ } أي لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحد عليه إجبار، ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا تَوَجَّهَ } قصد بوجهه {تِلْقَاء مَدْيَنَ } جهتها وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر سميت بمدين بن إبراهيم ولم يكن يعرف طريقها {قَالَ عَسَىٰ رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي قصد الطريق أي الطريق الوسط إليها فأرسل الله له ملكا بيده (عَنَزَةٌ) فانطلق به إليها.

ابن عطية

تفسير : ولما خرج موسى عليه السلام فاراً بنفسه منفرداً حافياً لا شيء معه، رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره فأسند أمره إلى الله تعالى و {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}، وهذه الأقوال منه تقتضي أنه كان عارفاً بالله تعالى عالماً بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، و {توجه}، رد وجهه إليها، و {تلقاء} معناه ناحية، أي إلى الجهة التي يلقى فيها الشيء المذكور، و {سواء السبيل} معناه وسطه وقويمه، وفي هذا الوقت بعث الله تعالى الملك المسدد حسبما ذكرناه قبل وقال مجاهد: أراد بـ {سواء السبيل} طريق مدين وقال الحسن: أراد سبيل الهدى. قال القاضي أبو محمد: وهذا أبدع ونظيره قول الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : هذا الذي يهديني السبيل" تفسير : الحديث، فمشى عليه السلام حتى ورد {مدين} أي بلغها، و"وروده الماء" معناه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظ "الورود" قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون الإطلال عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل فيه فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، وهذه الوجوه في اللفظة تتأول في قوله تعالى {أية : وإن منكم إلا واردها} تفسير : [مريم: 71]، و {مدين} لا ينصرف إذ هي بلدة معروفة، و"الأمة" الجمع الكثير، و {يسقون} معناه ماشيتهم، و {من دونهم} معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها فوصل إلى "المرأتين" قبل وصوله إلى الأمة وهكذا هما {من دونهم} بالإضافة إليه، و {تذودان} معناه تمنعان وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام "حديث : فليذادن رجال عن حوضي" تفسير : الحديث، وشاهد الشعر في ذلك كثير، وفي بعض المصاحف "امرأتين حابستين تذودان"، واختلف في المذود، فقال عباس وغيره {تذودان} غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء، وقال قتادة {تذودان} الناس عن غنمهما، فلما رأى موسى عليه السلام انتزاح المرأتين {قال ما خطبكما} أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب أو مضطهدٍ أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما، وأن أباهما {شيخ كبير} فالمعنى أنه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء وأن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ تردان، وقالت فرقة كانت الآبار مكشوفة وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي كان منه، وصفته إحداهما بالقوة، وقالت فرقة: بل كانت آبارهم على أفواهها حجارة كبار وكان ورود المرأتين تتبع ما في صهاريج الشرب من الفضلات التي تبقى للسقاة وأن موسى عليه السلام عمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها وكان حجرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد، وقال ابن جريج: عشرة، وقال ابن عباس: ثلاثون، وقال الزجاج: أربعون، فرفعه موسى وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة، وقيل إن بئرهم كانت واحدة وإنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات، وقرأ الجمهور "نسقي" بفتح النون، وقرأ طلحة "نُسقي" بضمها، وقرأ أبو عمرو وابن عامر "حتى يَصدُر" بفتح الياء وضم الدال وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وقتادة، وقرأ الباقون "يُصدِر" بضم الياء وكسر الدال على حذف المفعول تقديره مواشيهم وحذف المفعول كثير في القرآن والكلام، وهي قراءة الأعرج وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق وعيسى، و {الرعاء} جمع راع، و {تولى} موسى عليه السلام إلى ظل سمرة قاله ابن مسعود، وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله {رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير}، ولم يصرح بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضر لونه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره، ورئيت خضرة البقل في بطنه وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله، وروي أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدمه، وفي هذا معتبر وحاكم بهوان الدنيا على الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} عرض له أربع طرق فلم يدر أيها يسلك فقال {عَسَى رَبِّى} الآية، أو قال ذلك بعد أخذه طريق مدين. {سَوَاءَ السَّبِيلِ} قصد الطريق إلى مدين قاله قتادة. ومدين ماء كان عليه قوم شعيب قال "ع" وكان بينه وبينها ثمان مراحل ولم يكن لهم طعام إلا ورق الشجر وخرج حافياً فما وصل إليها حتى وقع خف قدميه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ربي أن} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. و{يصدر} بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب. الآخرون بضم الياء وكسر الدال {إني أريد} {سَتَجِدُنِي إِن} بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع {إني آنست} {إني أنا الله} و {إني أخاف} بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و{لعلي آتيكم} بفتح الياء: هم وابن عامر {جذوة} بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف. الباقون بكسرها. {من الرهب} بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون بضم الراء وسكون الهاء {فذاناك} بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو {معي} بالفتح: حفص {ردا} بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف {يصدقني} بالرفع: حمزة وعاصم {يكذبون} بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل {قال موسى} بغير واو: ابن كثير {ربي أعلم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. و{من يكون} على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل {لا يرجعون} بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف. الوقوف: {السبيل} ه {يسقون} ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين {تذودان} ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل {خطبكما} ط {الرعاء} ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ {كبير} ط {فقير} ه {على استحياء} ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على {تمشي} ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف {لنا} ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما". {لا تخف} ز لأن قوله {نجوت} غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون {الظالمين} ه {استأجره} ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل {الأمين} 5 {حجج} ج للشرط مع الفاء {عندك} ج لابتداء النفي مع الواو {عليك} ج {الصالحين} ه {وبينك} ج لابتداء الشرط {عليّ} ط {وكيل} ه {ناراً} ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل {تصطلون} ه {العالمين} ه لا {عصاك} ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها {ولم يعقب} ط {لا تخف} ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون {الآمنين} ه {سوء} ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه {وملئه} ط {فاسقين} ه {يقتلون} ه {يصدقني} ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل {يكذبون} ه {بآياتنا} ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى {إليكما} أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا {الغالبون} ه {الأولين} ه {الدار} ط {الظالمون} 5 {غيري} ج لتنويع الكلام {إلى إله موسى} لا لأن ما بعده مقوله ايضاً {الكاذبين} ه لا {يرجعون} ه {في اليم} ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب {الظالمين} ه {إلى النار} ج لعطف الجملتين المختلفتين {لا ينصرون} ه {لعنة} ط لمثل ذلك {المقبوحين} ه. التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين. وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى. أما أنه قصد مدين فلقوله سبحانه {ولما توجه تلقاء مدين} اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان. وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله. {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم عليه السلام {أية : إني ذاهب إلى ربي سيهدين} تفسير : [الصافات: 99] وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي. قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين. عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. {ولما ورد ماء مدين} وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور. {وجد عليه} اي على شفيره ومستقاه {أمة من الناس} جماعة كثيرة العدد أصنافاً {يسقون} مواشيهم {ووجد من دونهم} اي في مكان اسفل من مكانهم {امرأتين تذودان} أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال. وقيل: تذودان الناس عن غنمهما. وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر. وبالجملة حذف مفعول {تذودان} لأن الغرض تقرير الذود لا المذود. وكذا في {يسقون} و {لا نسقي} المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ {حتى يصدر} من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار. {قال ما خطبكما} هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد {قالتا لا نسقي} الآية. سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك. {وابونا شيخ} قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة. وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس. وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب. أما قوله {فسقى لهما} فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما. والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر. {ثم تولى إلى الظل} ظل شجرة {فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله. وعدي {فقير} باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب. وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية. وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله. يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله سبحانه {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم {قالت إن أبي يدعوك} عن عطاء بن السائب أنه حين قال {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له {ليجزيك أجر ما سقيت لنا} وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي. وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟ الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق. قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب. {وقص عليه القصص} أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ {ـقال} له شعيب {لا تخف} من فرعون أو ضيماً {نجوت من القوم الظالمين} فلا سلطان لفرعون بأرضنا {قالت إحداهما} وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين} قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم. وورود الفعل وهو {استأجرت} بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك. عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال {أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة. وفي قوله {هاتين} دليل على أنه كانت له غيرهما. قال أهل اللغة: {تأجرني} من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون {ثماني} حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج {فإن أتممت عشراً} اي عمل عشر حجج {فمن عندك} أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع {وما أريد أن أشق عليك} الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه. ثم أكد وعد المسامحة بقوله {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} عموماً أو في باب حسن المعاملة. وقوله {إن شاء الله} أدب جميل كقول إسماعيل {أية : ستجدني إن شاء الله من الصابرين} تفسير : [الصافات: 102] أي على الذبح. وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته. استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا. وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته. وجعل قوله {على أن تأجرني} عبارة عما جرى بينهما {قال} موسى {ذلك} الذي شارطتني عليه قائم {بيني وبينك أيما الأجلين قضيت} و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها {فلا عدوان عليّ} اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً. وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين. قال القاضي في قوله {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس} دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر. قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم. احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله تعالى يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله {من الشجرة} وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله. وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية. روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً. وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم. فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك. وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً. قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله {أية : فلما رآها تهتز}تفسير : [النمل:10] إلى قوله {أية : من غير سوء}تفسير : [الآية: 12] أما قوله {واضمم إليك جناحك من الرهب} فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى. وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما. ومعنى {من الرهب} من أجل الخوف. والفرق بين هذه العبارة وبين قوله {اسلك يدك في جيبك} أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله {واضمم يدك إلى جناحك} اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد. من قرأ {فذانك} بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت. وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان. والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها. وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها. ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً {رب إني قتلت منهم نفساً} الآية. والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و {يصدقني} بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله {أية : ولياً يرثني}تفسير : [مريم: 5 ـ 6] والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه. ويجوز أن يكون الضمير في {يصدقني} لفرعون. وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله {إني أخاف أن يكذبون} قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله تعالى ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة. ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه. وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة. هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة. قال جار الله معنى {سنشد عضدك} سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد. والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة. وقوله {بآياتنا} إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو {نجعل} أو {لا يصلون}. ويجوز أن يكون بياناً لـ {لغالبون} كأنه قيل: بماذا نغلب؟ فقيل: بآياتنا. وامتنع أن تكون صلة لـ {لغالبون} لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه {لا يصلون} مقدماً عليه مثله. ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله {ومن اتبعكما الغالبون} لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و{سحر مفترى} أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى. ومعنى {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين} قد مر في سورة المؤمنين. قال جار الله {في آبائنا} حال عن {هذا} اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى. وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد. من قرأ {قال موسى} بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب. ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين. وقوله {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون. وقوله {ومن تكون له عاقبة الدار} يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور. وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم {ما سمعنا بهذا} وقال جار الله: {ربي أعلم} بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله {ما علمت لكم من إله غيري} فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول. وأما قوله {غيري} فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره. الثاني قوله {فأوقد لي يا هامان على الطين} وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً. فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله {وإني لأظنه من الكاذبين} يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين. والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن. يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل. ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه. قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع. وإنما قال {فأوقد لي يا هامان على الطين} ولم يقل: اطبخ لي الآجر. ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون. عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون. والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع. وفي قوله سبحانه {واستكبر هو وجنوده في الأرض} يعني أرض مصر {بغير الحق} إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى كما جاء في الحديث القدسي "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري"تفسير : فهو كقوله {أية : ويقتلون النبيين بغير الحق} تفسير : [البقرة: 61] وفي قوله {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين. وفي قوله {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} دلالة على علو شأنه تعالى وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر. استدلت الأشاعرة بقوله {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله سبحانه. وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي. وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار. وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم. ثم بين بقوله {ويوم القيامة لا ينصرون} أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه. وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة {ويوم القيامة هم من المقبوحين} أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير. وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين. وعن بعضهم أنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين. التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية {وجد عليه أمة} من أوصاف الروح {يسقون} مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي. {ووجد من دونهم امرأتين} السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي. قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء. وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما {لا نسقي حتى يصدر الرعاء} وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى {وأبونا} وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً {ثم تولى إلى الظل} إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً. {فجاءته إحداهما} فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر. {لا تخف نجوت} فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها {إن خير من استأجرت} من النفس والجسد {القوي الأمين} لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح {ثماني حجج} فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء. وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله {أيما الأجلين قضيت} في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله {فلا عدوان عليّ} أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية. وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة {أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] إلا مؤمن موحد. فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس {آنس} من طور الحضرة نار نور الإلوهية. وفي قوله {لأهله امكثوا} إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين. نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن. وفي قوله {لعلكم تصطلون} إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية {من شاطئ الواد الأيمن} وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان {من الرهب} أي رهبة من فوات وصال الحضرة {وأخي هرون} هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى}تفسير : [النجم: 11] وما صدقت النفس ما رأت {في آبائنا الأولين} اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد. {فأوقد لي يا هامان} الشيطان {على الطين} البشرية بنفخ الوساوس والغرور {فاجعل لي صرحاً} من المقدمات الخيالية والوهمية {فانظر كيف كان عاقبة المكذبين} أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. {قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} وهو الماء الذي يستقون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، "وَجَدَ عليه" أي: على شفيره ("أمَّةً" جماعة كثيفة العدد "مِنَ النَّاسِ" مختلفين "يَسْقُونَ" منها مواشيهم)، {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ} أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله: "امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ" فـ "تذودان" صفة لـ "امْرَأَتِيْنِ" لا مفعول ثان، لأَنَّ "وَجَدَ" بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: شعر : 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ تفسير : وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في "يَسْقُونَ" و "تَذُودَانِ" و "لاَ نَسْقِي"، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: {لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: "حديث : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة"تفسير : وقال الشاعر: شعر : 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي تفسير : قوله: "مَا خَطْبكُمَا" تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْفقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر "خِطْبَكُمَا" بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من "الرِّعَاء"، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحو قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ). وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف "لا نُسْقِي" بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته). وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: "فَسَقَى لَهُمَا" مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل "لِمَا أَنْزَلْتَ" متعلق بـ"فَقير" قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى بـ "مِنْ"، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و "أَنْزَلْتَ" قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام. فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله "فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا" قرأ ابن محيصن: "فَجَاءَتْهُ حْدَاهمَا" بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: شعر : 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا تفسير : وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: شعر : 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ تفسير : و "تَمْشِي" حال، و "اسْتِحْيَاءٍ" حال أخرى، إما من "جَاءَتْ" وإما من "تَمْشِي". فصل قال عمر ابن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله "تَمْشِي"، ثم يبتدىء {عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم ". تفسير : وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟. وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجرة، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: {أية : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}تفسير : [الكهف: 77]؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (فـ) غير مكروه. قوله: {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل {خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ} اسماُ و "القَوِيُّ الأَمِينُ" خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب للتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف)، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}. قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغيرة منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: {أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى} روي عن أبي عمرو "أنْكِحَكَ حدى" بحذف همزة "إحدَى"، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن "فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما"، وتقدم التشديد في نون "هَاتَيْنِ" في سورة النساء. قوله {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي} في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و "تَأْجُرَنِي" مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و "ثَمَانِيَ حِجَجٍ" ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنَّما جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: "تَأْجُرَنِي"، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و "ثَمَانِيَ حِجَجٍ" ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ"تفسير : و "ثماني حججٍ" مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في "تأجُرنِي" فقط، وحكى عنه أنه أعرب "ثَمَاني حِجَجٍ" مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) "فَمِنْ عِنْدِكَ" يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً} أي: عشر سنين "فَمِنْ عِنْدِك" أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزويج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: "حديث : إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سنينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه"تفسير : . وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر). قوله: {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول "أريد" وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال {إِن شَاءَ اللَّهُ} للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: "ذَلِكَ" مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقدا عليه، والظرف خبره، وأضيفت "بَيْنَ" لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: شعر : 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ تفسير : فكان الأصمعي يأباها، ويوري "وحومل" بالواو، والصحيح بالفاء، وأول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: "أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ" أي شرطية وجوابها "فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ". وفي "مَا" هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و "الأَجَلَيْنِ" بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية "أَيْمَا" بتخفيف الياء كقوله: شعر : 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه تفسير : وقرأ عبد الله {أيَّ الأَجَلَيْنِ مَا قَضَيْت} بإقحام "مَا" بين "الأَجَلَيْن" و "قَضَيْتُ". قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة "مَا" في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، "أَيْ" زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن قُطَيب "عِدْوانَ". قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار. ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى "أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ" أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي بـ (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً "حديث : إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: {يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما"تفسير : . وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: {أية : هِيَ عَصَايَ}تفسير : [طه: 18]، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏{‏ولما توجه تلقاء مدين‏} ‏ قال‏:‏ عرضت لموسى عليه السلام أربعة طرق فلم يدر أيتها يسلك، فقال ‏{‏عسى ربي أن يهديني سواء السبيل‏} ‏ فأخذ طريق مدين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏تلقاء مدين‏}‏ قال‏:‏ مدين ماء كان عليه شعيب‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏عسى ربي أن يهديني سواء السبيل‏} ‏ قال‏:‏ قصد السبيل‏:‏ الطريق إلى مدين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏عسى ربي أن يهديني سواء السبيل‏} ‏ قال‏:‏ الطريق المستقيم. قال‏:‏ فالتقى والله يومئذ خير أهل الأرض‏.‏ شعيب وموسى بن عمران‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن كعب بن علقمة رضي الله عنه قال‏:‏ أن موسى عليه السلام لما خرج هارباً من فرعون قال‏:‏ رب أوصني قال ‏"‏أوصيك أن لا تعدل بي شيئاً أبداً إلا اخترتني عليه، فإني لا أرحم ولا أزكي من لم يكن كذلك قال‏:‏ وبماذا يا رب‏؟‏ قال‏:‏ بأمك فانها حملتك وهناً على وهن قال‏:‏ ثم بماذا يا رب‏؟‏ قال‏:‏ إن أوليتك شيئاً من أمر عبادي فلا تعيهم إليك في حوائجهم، فإنك إنما تعي روحي فإني مبصر ومسمع ومشهد‏"‏‏.

السلمي

تفسير : قال جعفر: توجَّه بوجهه إلى ناحية مدين وتوجَّه بقلبه إلى ربه طالبًا منه سبيل الهداية فأكرمه الله بالكلام، وكُلّ من أقبل على الله بالكلية فإن الله يبلغه مأموله. قال أبو سعيد الحراز حملته أنوار الفراسة وتدابير المكالمة فيه فصادف بها شعيبًا صلى الله عليهما وكان فى لقائه أوائل البركات.

القشيري

تفسير : توجَّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصدٍ إلى مدين أو غيره، بل خرج على الفتوح، توجَّه بقلبه إلى ربِّه ينتظر أن يهديَه ربُّه إلى النحو الذي هو خيرٌ له، فقال: عسى ربي أن يهديني إلى أَرْشَدِ سبيلٍ لي.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} لمّا تخلص من مقام تربية ارادة وفاز من صحبة الاضداد ومقام الامتحان هاج سره بحق الحق واستنشق روحه رائحة ورد الوصال وراى برما من سحايب القربة قال فى نفسه {عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} اى يهدينى ربى الى مشاهدته ويسمعنى كلامه وذلك سواء سبيل المعرفة لان المعرفة بحقيقتها مستفادة من المشاهدة ومن هناك تبدو سبل قدم الذات ومعرفة ازلية الصفات فمدين اشارة الى مشاهدة عالم الازل والابد وتوجهه كان اليها بالحقيقة فوجد نسائم ذلك من جانب يدين لان هناك مواضع الكشف والخطاب وصعود انوار بنوة شعيب عليه السّلام وذلك كما قال عليه السّلام فى اخباره عن وجدانه نسيم نفخة كشف جمال الحق فى مزار قلب او يس القرنى رحمة الله عليه انى لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السّلام انى لاجد ريح يوسف قال جعفر توجه بوجهه الى ناحية مدين وتوجه بقلبه الى ربه طالبا فيه سبيل الهداية واكرمه الله بالكلام وكل من اقبل على الله بالكلية فان الله يبلغه ما صوله قال ابو سعيد الخراز حملته الفراسة وتدابير المكالمة فيه الى ان توجه ارض الابد وهو ارض مدين فصادف بها شهباء وكان له فى لقائه اوائل البركات فلما اكمل هيجانه الى لقاء ربه ---- بصورته وقصدر بروحه موارد المشاهدة والمكاشفة بقوله {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} ورد سره موارد المكاشفة وسوافى المشاهدة وانهار القربة وبحار القدس والانس فشرب منها باقدح الاقداح شربات المحبة والعشق والشوق فصار هايما فى الملكوت حيرانا فى الجبروت قال الواسطى الوارد بطلب المفقالة لثقل الحرمة والقاصد يطلب اللقا والظفر قال ابو بكر بن طاهر ورد فى الظاهر مدين ورد فى الحقيقة على مالك مياه الانس وبساتين المعرفة فوجد عليه امة اى خواصا من العباد يرتعون فى تلك الميادين فانس بهم وشرب معهم من تلك المياه شربة اورثته ورده ذلك المورد الورود على مخاطبة الحق ووارثه شرب ذلك الماء الثبات فى حال المخاطبة ثم بين سبحانه مقام فراسة موسى بقوله {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} راى موسى بنور النبوة اهله وخاطبهما من حيث رؤية القلب ووجدان الاهلية واعانهما نصحا الطريقة واداء شرايط الارادة بقوله {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} استظل ظل العناية وطلب من هناك حقائق الكفاية بنعت الرضا والتسليم واظهر افتقاره الى وصول المشاهدة حين عائن كنوز القدم مفتوحة وجلابيب الصفات مكشوفة فانبسط اليه بالسوال حين انفرد من الخلق والخليقة قال ابن عطا نظر من العبودية الى الربوبية فخشع وخضع وتكلم بلسان الافتقار بما ورد على سره من انوار الربوبية فافتقاره افتقار العبد الى مولاه فى جميع احواله لا افتقار سوال ولا طلب قال بعضهم تولى الى كهف الرعاية فان فيه الراحة والاسترواح قال دويم فى قوله ولما ورد ماء مدين مياه الرحمة والعناية لا تخلوا من الواردين والطالبين والعاكفين عليها فمن ايد بالعناية سقى ماء الرحمة ومن أيد بالشفقة سقى ماء العناية ومن ايد الكلاية سقى من ماء المعرفة ومن أيد بالانس سقى من ماء المحبة ومن أيد بالصدق سقى من ماء للصفاء وكل وارد مياه الحضرة يسقى على مقدار عطشه فمنهم من يروى من عطشه ومنهم من يزيد عطشا وهيمانا كلما ازداد من الشرب ازداد من الظمأ كما حكى عن ايوب عليه السلام انه قال ---- يشبع من رحمتك كذلك قيل المشرب كثير الرخام شعر : شربت الحب كسا بعد كاس فما نفد الشراب ولا رويت تفسير : قال الاستاذ ورد بقلبه موارد الانس والموارد المختلفة مورد القلوب رياض البسط الكشوفات المحاضرة فيطرفون لانواع الملاطفات ومورد الارواح مشاهدة الارواح فيكاشفون بانوار المشاهدة ويسقطون عن الاحساس والنفس وموارد الاسرار ساحات التوحيد فعند ذلك الولاية لله فلا نفسه ولا حرس ولا قلب ولا انس استهلاك فى الصمدية وفناء بالكلية ويقال فى قوله تولى الى الظل اى الى ظل الانس وروح البسط واستقلال السر بحقيقة الوجود.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما توجه تلقاء مدين} التوجه [روى باخيرى كردن] والتقاء تفعال من لقيت وهو مصدر اتسع فيه فاستعمل ظرفا يقال جلس تلقاءه اى حذاءه ومقابلته. ومدين قرية شعيب عليه السلام على بحر القلزم سميت باسم مدين بن ابراهيم عليه السلام من امرأته قنطورا كان اتخذها لنفسه مسكنا فنسب اليه ولم يكن فى سلطان فرعون وكان بينهما وبين مصر مسيرة ثمانية ايام كما بين الكوفة والبصرة. والمعنى لما جعل موسى وجه نحو مدين وصار متوجها الى جانبها {قال}[باخود كفت] توكلا على الله وحسن ظن به وكان لايعرف الطرق {عسى ربى} [شايدكه بروردكار من] {ان يهدينى} [راه نمايد مرا] {سواء السبيل} وسطه ومستقيمه والسبيل من الطرق ماهو معتاد السلوك فظهر له ثلاث طرق فاخذ الوسطى وجاء الطلاب عقبيه فقالوا ان الفار لايأخذ الطريق الوسط خوفا على نفسه بل الطرفين فشرعوا فى الآخرين فلم يجده [بس موسى هشت شبانروز ميرفت وبى زاد وبى طعام بى برهنه وشكم كرسنه ودران هشت روز نمى خورد مكر برك درختان تارسيد بمدين سلمى. فمودكه روى مبارك بناحيه مدين داشت اما دلش متوجه بحضرت ذو المدين بود ومسالك بيداى مدين را بهمراهى غم شوق لقا ميى بيمود] شعر : غمت تايار من شد روى در راه عدم كردم خوشست آوركى آنراكه همراهى جنين باشد تفسير : قال بعضهم مدين اشارة الى عالم الازل والابد فوجد موسى نسيم الحقيقة من جانبها لانه كان بها شعيب عليه السلام فتوجه اليها للمشاهدة واللقاء كما قال عليه السلام "حديث : انى لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن"تفسير : مخبرا عن وجدان نسيم الحق من روضة قلب اويس القرنى رضى الله عنه ففى ارض الاولياء نفحات وفى لقائهم بركات. وقال بعضهم [جون خواستندكه موسى كليم را لباس نبوت بوشند وبحضرت رسالت ومكالمت برند نخست اورا درخم جوكان بيت نهادند تادران بارها وفتها بخته كشت جنانكه رب العزة كفت] {أية : وفتناك فتونا}تفسير : اى طبخناك بالبلاء طبخا حتى صرت صافيا نقيا [از مصر بدر آمد ترسان درالله زاريد رب العالمين دعاى ورى اجابت كرد واورا ازبيم دشمن ايمن كرد سكينه بدل وى فرو آمد وساكن كشت باسروى كفتند مترس خداوندكه ترا درطفوليت حجر فرعون كه لطمه برروى دو ميزدى درحفظ وحمايت خود بداشت ودشمن نداد امروز همجنان درحفظ خود بدارد وبدشمن ندهد آنكه روى نهاد بربيابان برفتوح نه بقصد مدين اما رب العزة اورا بمدين افكند سرى را دران بقيه بود شعيب بيغمبر خداى بودومسكن بمدين داشت سائق تقدير موسى را بخدمت شعيب راند تايافت بخدمت وصحبت اوآنجه يافت خليل عليه السلام جون همه راهها بسته ديد دانست كه حضرت يكيست آواز برآ وردكه {أية : انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض}تفسير : الآية مرد مردانه نه آنست كه برشاهراه سوارى كندكه راه كشاده بود مرد آنست كه درشب تاريك ببراه بى دليلى بسر كوى دوست شود] كما وقع لاكثر الانبياء المهاجرين الذاهبين الى الله تعالى: قال الحافظ شعر : شب تاريك وبيم موج وكردابى جنين هائل كجا دانند حال ماسبكباران ساحلها تفسير : يقول الفقير المراد بقوله "شب تاريك" جلال الذات لان الليل اشارة الى عالم الذات وظلمة جلاله الغالب وبقوله "بيم موج" خوف صفات القهر والجلال وبقوله "كردابى جنين هائل" الامتحانات التى كدور البحر فى الاهلاك فهذا المصراع صفة اهل البداية والتوسط من ارباب الاحوال فانهم بسبب ماوقعوا فى بحر العشق لايزالون يمتحنوا بالبلايا الهائلة الى ان يخرجوا الى ساحل البقاء والمراد بقوله "سبكباران ساحلها" الذين لم يحملوا الاماتة الكبرى وهى العشق فبقوا فى بر البشرية وهم العباد والزهاد فهم لكونهم اهل البر والبشرية والحجاب لايعرفون احوال اهل البحر والملكية والمشاهدة فان بين الظاهر والباطن طريقا بعيدا وبين الباب والصدر فرقا كثيرا وبين المبتدأ والمنزل سيراطويلا نسأل الله العشق وحالاته والوصول الى معانيه وحقائقه من الفاظه ومقالاته

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ولما توجَّه} موسى {تلقاءَ مَدْينَ}؛ نحوها وجهتها. ومدين: قرية شعيب، سُميت بمدين بن إبراهيم، كما سميت المدائن باسم أخيه مدائن، ويقال له أيضاً: "مدان بن إبراهيم"، ولم تكن مدين في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام، ولعله إنما لم يتسلط عليها؛ لِمَا وصله من خبر إهلاك أهلها لما طغوا على أنبيائهم، فخاف على نفسه. قال ابن عباس: خرج موسى، ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه. {قال عسى ربي أن يهديني سواءَ السبيل} أي: وسطه ونهجه. فلما خرج، عَرَض له ثَلاَثُ طرق، فأخذ في أوسطها، وجاء الطلاب عَقِبَهُ، فأخذوا في الآخَرَيْنِ. رُوي أن مَلكاً جاءه على فرس بيده عَنَزَة، فانطلق به إلى مدين. ورُوي أنه خرج بلا زاد ولا درهم، ولا ظهر، ولا حِذاء - أي: نعل -، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فما بلغ مدين حتى وقع خُفُّ قَدَمِهِ، وخضرة البقل ترى على بطنه. {ولما وَرَدَ}؛ وصل {ماء مدين}؛ بئراً لهم، {وجد عليه}؛ على جانب البئر {أُمّةً}؛ جماعة كثيرة {من الناس}؛ من أناس مختلفين {يسقون} مواشيهم، { ووجد من دونِهِمُ}؛ في مكان أسفل من مكانهم {امرأتين تَذُودَان}: تطردان غَنَمَهُمَا عن الماء، حتى تَصْدُرَ مواشي الناس ثم تسقيان؛ لأن علىالماء من هو أقوى منهما، فلا يتمكنان من السقي. أو: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم. والذود: الطرد والدفع. {قال} لهما موسى: {ما خطبُكما}: ما شأنكما لا تسقيان؟ والأصل: ما مخطوبكما، أي: مطلوبكما، فسمي المطلوب خَطْباً، {قالتا لا نسقي} غنمنا {حتى يُصْدِرَ الرّعَاءُ}، أي: يصرفوا مواشيهم، يقال: أصدر عن الماء وصدر، والمضارع: يَصْدُر ويَصْدِر، والرعاء: جمع راع، كقائم وقيام، والمعنى: لا نستطيع مزاحمة الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا، {وأبُونا شيخ كبير} السن، لا يمكنه سقي الأغنام وهو شعيب بن نويْب بن مدين بن إبراهيم - عليهما السلام - وقيل: هو "يثرون" ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات بعدما كفَّ بَصَرُهُ، ودفن بين المقام وزمزم. والأول أصح وأشهر. {فسقى لهما} أي: فسقى غنمهما لأجلهما؛ رغبة في المعروف وإغاثة الملهوف، رُوي أنه نحى القوم عن رأس البئر، وسألهم دلواً، فأعطوه دلوهم، وقالوا: استق به، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها، وصبَها في الحوض، ودعا بالبركة. وقيل: كانت آبارهم مغطاة بحجار كبار، فعمد إلى بئر، وكان حجرها لا يرفع إلا جماعة، فرفعه وسقى للمرأتين. ووجه مطابقة جوابهما سؤاله: أنه سألهما عن سبب الذود، فقالتا: السبب في ذلك أن امرأتان مستورتان ضعيفتان، لا نقدر على مزاحمة الرجال، ونستحي من الاختلاط بهم، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا. وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنيته بسقي الماشية؛ لأن الأمر في نفسه مباح مع حصول الأمن، وأما المروءة فعادات الناس فيها متباينة، وأحوال العرب فيها خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذا كانت الضرورة. قاله النسفي. قلت: وقد كنت أعترض على أهل الجبل رَعْيَ النِّساءِ المواشي حتى تذكرت قضية ابنتي شعيب، لكن السلامة في زماننا هذا حبس النساء في الديار؛ لكثرة أهل الفساد. {ثم} لما سقى لهما {تولى إلى الظل}؛ ظل شجرة. عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله؛ قال: أحييت ليلتين على جمل لي، حتى صبّحْت مدين، فسالت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا هي شجرة خضراء، فأخذ جملي يأكل منها ثم لفظها. هـ. وفي الآية دليل على جواز الاستراحة والاستظلال في الدنيا، بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة، وسيأتي في الإشارة تمامه إن شاء الله. ثم بث شكواه لمولاه {فقال ربِّ إِني لِمَا أنزلتَ إليَّ من خيرٍ} قليل أو كثير {فقير}؛ محتاج. قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإن خضراء البقل لتتراءى في بطنه، من الهزال. قيل: لم يذق طعاماً منذ سبعة أيام، وقد لصق بظهره بَطْنُهُ، وما سأل الله تعالى الأكلة. وفي هذا تنبيه على هوان الدنيا على الله تعالى. وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية، وتكلم بلسان الافتقار، لما ورد على سره من الأنوار. هـ. الإشارة: ولما توجه القلبُ تلقاء مَدْيَنِ المآرب، ومنتهى الرغائب - وهي الحضرة القدسية - قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، أي: وسط الطريق التي توصل إليها، وهو شيخ التربية. ولَمَّا ورد مناهله، ومحلَ شربه وجد عليه أمة من الناس يسقون قلوبهم من شراب تلكَ الخمرة، ويطلبون مثل ما يطلب، فإن كان قوياً في حاله؛ وصل من كان ضعيفاً وسقى له، ثم نزل إلى ظل المعرفة، في نسيم برد الرضا والتسليم، قائلاً، بلسان التضرع، سائلاً من الله المزيد: ربِّ إني لما أنزلت إليّ من خير الدارين، وغنى الأبد، فقير محتاج إلى مزيد الفضل والكرم. وقال في لطائف المنن: {ثم تولى إلى الظل}؛ قصداً لشكر الله تعالى على ما ناله من النعمة - يعني: نعمة الظل الحسي - وجعله أصلاً في استعمال الطيبات، وتناولها بقصد الشكر، ومثله في التنوير. وفي سنن أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان صلى الله عليه وسلم يُسْتعذب له الماء من بُيوت السُّقيا"، قال ابن قتيبة: هي عَيْنٌ، بينها وبين المدينة يومان. هـ. وكان الشيخ ابن مشيش يقول لأبي الحسن رضي الله عنه: (يا أبا الحسن، بَرِّد الماءَ؛ فإن النفس إذا شربت الماء البارد؛ حمدت الله بجميع الجوارح، وإذا شربت الماء السخن؛ حمدت الله بكزازة). ثم ذكر اتصاله بشعيب، فقال: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي...}

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا تَوَجَّهَ} قصد. {تِلْقَاءَ} قبالة. {مَدْيَنَ} قرية شعيب عليه السلام سميت بمدين بن ابراهيم ولم تكن تحت يد فرعون ولم يكن يعرف طريقا غير انه متوكل على الله في مطعمه ومشربه وسيره بلا نعل وفي هداية طريقها. {قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ} أي أوسط طريق اليها ومعظم نهجه وانما قصدها لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأن أهل مدين من ولد ابراهيم وهو من ولد ابراهيم وبابن ابراهيم سميت كما علمت.

اطفيش

تفسير : {ولمَّا توجهَّ } قابل بوجهه منصرفاً عن الدينة {تِلْقاء} تفعال من اللقاء مصدر يستعمل ظرف مكان، بمعنى ما يقابل جهة كذا {مدْين} مدينة شعيب، سميت باسم مدين بن إبراهيم عليه السلام، ولم يقصده موسى، لكن خرج على وجهه قاصدا النجاه، حيث تكون، وأطال الطريق ولم يقصره جانبا، ولم يطلب المكث مع أحد خوفا من لحقوقهم، كذا يتبادر لى حتى اتصل ببنتى شعيب، ثم رأيت أنه قيل: مشى بلا معرفةٍ فهداه جبريل عليه السلام الى مدين، وقيل: أخذ طريقا لا يتضح فجاءة ملك على فرس ومعه عصا فى رأسها حديد وقال: اتبعنى، فأوصله الى مدين يمشى بمشيه ثمانى ليال، يأكل ورق الشجر حافيا، حتى سقط جلد قدميه. ويقال: إنه لما رأى هذا الملك سجد له، فقيل بمعنى خضع، وقلب موسى أشد من ذلك، ويقال استقبلته ثلاث طرق، فأخذ أوسطها وأوضحها، لأنهم لا يتوهمون أنه أخذها، مع أنه هارب مستخف، فأخذوا غيرها، وقيل: أخذ غيرها، وقيل قصد شعيبا لمعرفته به، وقيل لقرابة له، وعلى كل حال مدين خارجة عن حكم فرعون، وقيل: قصد مدين لظنه أن فيها قرابة، إذ سميت باسم مدين بن إبراهيم. {قال عَسَى ربِّى أن يَهْدينى سَواء السَّبيل} أى وسطه، أى أحسنه المؤدى الى النجاة، وذلك توكل، على الله سبحانه ممزوج بترج كدعاء.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا تَوَجَّهَ } أي صرف وجهه {تِلْقَاء مَدْيَنَ } أي ما يقابل جانبها، وتلقاء في الأصل مصدر انتصب على الظرفية. ومدين قرية شعيب سميت باسم مدين بن إبراهيم عليه السلام ولم يكن في سلطان فرعون ولذا توجه لقريته، وقيل توجه إليها لمعرفته به، وقيل لقرابته منه عليهما السلام، وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان. {قَالَ عَسَىٰ رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي وسط الطريق المؤدّي إلى النجاة، وإنما قال عليه السلام ذلك توكلاً على الله تعالى وثقة بحسن توفيقه عز وجل، وكان عليه السلام لا يعرف الطرق فعن [له] ثلاث طرائق فأخذ في الوسطى وأخذ طالبوه في الأخريين وقالوا: المريب لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلا بنياتها فبقي ثماني ليال وهو حاف لا يطعم إلا ورق الشجر. وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام لم يصل حتى سقط خف قدميه. وروي أنه عليه السلام أخذ يمشي من غير معرفة فهداه جبريل عليه السلام إلى مدين. وعن السدي أنه عليه السلام أخذ في بنيات الطريق فجاءه ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى عليه السلام سجد له أي خضع من الفرق، فقال: لا تسجد لي ولكن اتبعني فتبعه وانطلق حتى انتهى به إلى مدين.

ابن عاشور

تفسير : هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم عليه السلام إذ قال {أية : إني مهاجر إلى ربي}تفسير : [ العنكبوت: 26]. وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئاً يبصره بآداب النبوءة ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}. فقوله تعالى {ولما توجه تلقاء مدين} عطف على جمل محذوفة إذ التقدير: ولما خرج من المدينة هائماً على وجهه فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}. قال ابن عباس: خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه. و {توجه}: ولى وجهه، أي استقبل بسيره تلقاء مدين. و {تلقاء}: أصله مصدر على وزن التفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تمثال، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة. وشاع إطلاق هذا المصدر على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية. والتقدير: لما توجه جهة تلاقي مدْيَن، أي جهة تلاقي بلاد مدين، وقد تقدم قوله تعالى {أية : وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار}تفسير : في سورة الأعراف. (47)و {مدْيَن}: قوم من ذرية مدين بن إبراهيم. وقد مضى الكلام عليهم عند قوله تعالى {أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً}تفسير : في سورة الأعراف (85). وأرض مدين واقعة على الشاطىء الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك إليها عند خروجه من بلد (رعمسيس) أو (منفيس) طريقاً غربية جنوبية فسلك برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين. تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلاً تقريباً. وإذ قد كان موسى في سيره ذلك راجلاً فتلك المسافة تستدعي من المدة نحواً من خمسة وأربعين يوماً. وكان يبيت في البرية لا محالة. وكان رجلاً جلداً وقد ألهمه الله سواء السبيل فلم يضل في سيره. والسواء: المستقيم النهج الذي لا التواء فيه. وقد ألهمه الله هذه الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولما توجه تلقاء مدين: أقبل بوجهه جهة مدين التي هي مدينة شعيب. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل: أرجو ربي أن يهدني وسط الطريق حتى لا أضل فأهلك فاستجاب الله له وهداه إلى سواء السبيل ووصل مدين. ولما ورد ماء مدين: انتهى إلى بئر يسقى منها أهل مدين. يسقون: أي مواشيهم من بقر وإبل وغنم. تذودان: أي أغنامهما منعاً لهما من الماء حتى تخلو الساحة لهما خوف الاختلاط بالرجال الأجانب لغير ضرورة. قال ما خطبكما: قال موسى للمرأتين اللتين تذودان ما خطبكما أي ما شأنكما. حتى يصدر الرعاء: لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء ويبقى لنا الماء وحدنا. ثم تولى إلى الظل: أي بعد أن سقى لهما رجع إلى ظل الشجرة التي كان جالساً تحتها. لما أنزلت إلي من خير فقير: أي من طعام محتاج إليه لشدة جوعه عليه السلام. تمشي على استحياء: أي واضعة كم درعها على وجهها حياء منه. معنى الآيات: ما زال السياق في شأن موسى عليه السلام بعد حادثة القتل والنصح له بمغادرة بلاد مصر إلى بلاد مدين مدينة شعيب عليه السلام قال تعالى مخبراً عنه: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي ولما توجه موسى عملاً بنصيحة مؤمن آل فرعون تلقاء مدين أي نحوها وجهتها ولم يكن له علم بالطريق الصحراوي والمسافة مسيرة ثمانية أيام قال: {عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي ترجَّى ربه سبحانه وتعالى أن يهديه الطريق السوي حتى لا يضل فيهلك، واستجاب الله له فهداه الطريق حتى وصل إلى بلاد مدين وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق [23] {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} أي وحين ورد ماء مدين وهو بئر يسقي منها الناس مواشيهم {وَجَدَ عَلَيْهِ} أي على الماء {أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} أي جماعة كبيرة يسقون أنعامهم ومواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ} وهما بنتا شعيب عليه السلام {تَذُودَانِ} أي تمنعان ماشيتهما من الاختلاط بمواشي الناس. فسألهما لا تطفلاً وإنما حالهما دعاه إلى سؤالهما لأنه رأى الناس يسقون مواشيهما ويصدرون فوجاً بعد فوج والمرأتان قائمتان على ماشيتهما تذودانها عن الحوض حتى لا تختلط ولا تشرب فسألهما لذلك قائلاً: {مَا خَطْبُكُمَا} أي ما شأنكما فأجابتاه قائلتين: {لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} لضعفنا وعدم رغبتنا في الاختلاط بالرجال {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقوي على سقي هذه الماشية بنفسه فنحن نسقيها ولكن بعد أن يصدر الرعاء ويبقى في الحوض ماء نسقي به، فلما علم عذرهما سقى لهما ماشيتهما {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} الذي كان جالساً تحته وهو ظل شجرة وهو شجر صحراوي معروف يقال له السمر، ولما تولى إلى الظل سأل ربه الطعام لشدة جوعه إذ خرج من مصر بلا زاد ولا دليل ولولا حسن ظنه في ربه لما خرج هذا الخروج فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} أي طعام {فَقِيرٌ} أي محتاج إليه أشد الاحتياج. وفي أقرب ساعة وصلت البنتان إلى والدهما فسألهما عن سبب عودتهما بسرعة فأخبرتاه، فقال لإحداهما إذهبي إليه وقوله له {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} وهو معنى قوله تعالى {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} استجابة الله له {تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} واضعة كم درعها على وجهها حياء. وقد قال فيها عمر رضي الله عنه إنها ليست سلفعاً من النساء خرَّاجة ولاَّجة، وبلغت الرسالة المختصرة وكأنها برقية ونصها ما أخبر تعالى به في قوله: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}‍‍!! وقد ورد أنها لما كانت تمشي أمامه تدله على الطريق هبت الريح فكشفت ساقيها قال لها موسى: إمشي ورائي ودليني على الطريق بحصى ترميها نحو الطريق وهذا الذي دلها على أمانته لما وصفته لأبيها بأنه {ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} كما سيأتي فيما بعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب حسن الظن بالله تعالى وقوة الرجاء فيه عز وجل والتوكل عليه. 2- بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال. 3- بيان مروءة موسى في سقيه للمرأتين. 4- فضل الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه. 5- ستر الوجه عن الأجانب سنة المؤمنات من عهد قديم وليس كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية، فبنتا شعيب نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياءً وتقوى.

د. أسعد حومد

تفسير : (22) - ولَمَّا سَلَكَ الطَّريقَ المُوصِلَ إِلى مَدْيَنَ (وهيَ بَلْدَةٌ قَريبَةٌ مِنَ العَقَبَةِ) فَرِحَ بِذَلِكَ، وَقَالَ عَسَى أَنْ يَهْدِيَني رَبِّي إِلى الطَّريقِ الأقَومِ، فَفَعَلَ اللهُ ذَلِكَ وَهَدَاهُ. تِلْقَاءَ مَدْيَنَ - نَحْوَ مَدْيَنَ - وَجِهَتهَا. سَواءَ السَّبِيل - الطَّريقَ الوَسَطَ الذي فيهِ النَّجَاةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ..} [القصص: 22] يعني: ناحيتها، وأراد أنْ يهرب من مصر كلها، ولم يكُنْ يقصد مدين بالذات، إنما سار في طريق صادف أنْ يؤدي إلى مدين بلد شعيب عليه السلام. ولو كانت مَدْينُ مقصودة له لما قال بعد توجهه: {عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [القصص: 22] فموسى حينما خرج من مصر خائفاً يريد الهرب لم يفكر في وجهة معينة، فالذي يُهمه أنْ يخرج من هذه البلدة، وينجو بنفسه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} معناه نَحوَ مَدين. {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} معناه جَماعةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} معناه تَمنَعان. قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السلام: انتهى موسى عليه السّلامُ إلى مَدينَ وعليهِ أُمةٌ من النَّاسِ يَسقون وامرأتان حَابستانِ. وتَذودُ: أي تَسوقُ. تفسير : وقوله تعالى: {مَا خَطْبُكُمَا} [معناه] ما أمركُما ومَا حَالِكُما. تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} معناه حتَّى يَسقوا مَواشيَهُم ويَنصرفوا عن البئرِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} قال الإِمام زيد بن علي عليهما السَّلام: كانَ الذي استأجرَ موسى عليهِ السَّلامُ يَثرون بن [أخ] شُعيب النبي عليه السَّلامُ.

الجيلاني

تفسير : {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} أي: حهة قرية شعيب عليه السلام {قَالَ} راجياً إلى الله، ذاكراً سوابق نعمه عليه من كمال فضله وكرمه: {عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي} بمقتضى جوده العميم {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [القصص: 22] أي: الطريق المستقيم المنجي عن العدو، الموصل إلى الصديق المشفق؛ ليهديني إلى صراط الله الأقوم الأعدل الذي هو التوحيد المخلص عن وساوس التقليد، فعن له ثلاث طرق فاختار أوسطها بإلهام من الله إياه، وجاء الطلاب عقيبه فاختاروا الآخرين، فنجا من شرورهم سالماً. {وَلَمَّا وَرَدَ} ووصل بعدما سار ثمانية أيام بلا زاد، يأكل الكلأ {مَآءَ مَدْيَنَ} أي: بئراً قرب مدين، كان أهلها يسقون منها مواشيهم {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً} أي: فرقة عظيمة {مِّنَ ٱلنَّاسِ} قعد عندهم من شدة الوصف والجوع والعطش، وهم {يَسْقُونَ} وماشيهم بالدلو منها {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ} أي: في مكان أبعد وأشغل من مكانهم {ٱمْرَأَتَينِ} معهما غنم كثير {تَذُودَانِ} أي: تطردان وتصرفان غنمهما عن اخلاط غنمهم، وتبعدان عن الماء. {قَالَ} موسى سائلاً عنهما بعدما شاهد حاليهما وذودهما: {مَا خَطْبُكُمَا} أي: شأنكما وأمركما؟ وأي: شيء مقصودكما من الذود مع أن أغنامكما في غاية العطش؟! {قَالَتَا} مع كمال الاستحياء والتحفظ من مكالمته: {لاَ نَسْقِي} أغنامنا مع هؤلاء الرجال؛ إذ نحن من أهل بيت النبوة لا نجتمع معهم في السقي، بل نصبر {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} أي: يُخلوا الدلو، ويُخرجوا مواشيهم إلى المرعى عن رأس الماء - الرعاء: جمع راعٍ كتجار: جمع تاجر، هذا على قراءة: {يُصْدِرَ} بضم الياء وكسر الدال، وأمَّا على قراءة: {يُصْدِرَ} بفتح الياء وضم الدال؛ أي: يذهب الرعاء بمواشيهم مرتبة، وينصرفوا من شفير البئر - إذ نحن لا نختلط مع أجانب الرجال {وَ} نحن من كمال اضطرارنا جئنا للسقي؛ إذ {أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23] فاقد البصر، وما لنا أخ وعم، وليس لأبينا سوانا. وبعدما سمع موسى منهما ما سمع، ورأى ما رأى من كمال العطف والعفة والعصمة قام مع أنه في غاية الضعف؛ من شدة الجوع والوصب، وعلى رأس البئر حجر عظيم يقله عند الاستسقاء جمع كثير، فأقله وحده {فَسَقَىٰ لَهُمَا} جميع أغنامهما {ثُمَّ تَوَلَّىٰ} ونصرف {إِلَى ٱلظِّلِّ} وازداد جوعه ووصبه {فَقَالَ} ملتجئاً إلى ربه: {رَبِّ إِنِّي} من شدة جوعي وضعفي {لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ} ورزقتني من موائد إفضالك وإنعامك {مِنْ خَيْرٍ} وصل إليَّ، حينئذٍ {فَقِيرٌ} [القصص: 24] محتاج مريد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن توجه موسى القلب من مدينة البشرية الحيوانية تلقاء مدين الروحانية بقوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} [القصص: 22] يُشير إلى توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية مجتنباً شر فرعون النفس {قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [القصص: 22] {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} [القصص: 23] من أوصاف الروح {يَسْقُونَ} موسى أخلاقهم من ماء الفيض الإلهي {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ} [القصص: 23]، وهما السر والخفي وهما ابنتا شعيب الروح في البداية بالتدريج فتنشأ منه الخفي وهو لطيفة ربانية مودعة في الروح بالقوة، فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبات الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجلي صفة الربوبية، وإفاضة الفيض الإلهي على الروح فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستيفاء، وكذلك السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح مؤدية إلى القلب، وهو أيضاً بمعزل عن استيفاء ماء فيض الروح عند شغل القلب بمعالجات النفس وصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية فقال لهما {مَا خَطْبُكُمَا} فارغتين من الاستقاء {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} [القصص: 23] وهم صفات الروح ويصرفوا ومواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء فيض الإلهي، فإذا صدرت سقينا مواشينا من أوصافه والأخلاق ما أفاضت في حوض القوى {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23 وهو شعيب الروح لا يقدر على سقي مواشيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر أو الوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا {فَسَقَىٰ لَهُمَا} [القصص: 24] أي: سقى موسى القلب لمواشيهما بقوة استنادها من الجسد وقوة استنادها من الروح؛ لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً؛ لأنه في طلب العالمين جسماني وروحاني: {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} [القصص: 24] إلى ظل العناية فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} [القصص: 24] وهو الفيض الإلهي {فَقِيرٌ} [القصص: 24] فيه إشارة إلى أن السالك إذا بلغ عالم الروحانية لا ينبغي أن يقنع بما وجد من معارف ذلك العالم بل يكون طالباً للفيض الإلهي بلا واسطة {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} [القصص: 25] يشير إلى صفوة الخفي وهي بنت شعيب الروح الكبرى منهما {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] به يشير إلى أن موسى القلب وإن يسلك طريق الوصول إلى صفوة شعيب الروح فإنه لا يصل إليه إلا باستحضاره لديه وهو أيضاً مشتمل من محضري الحق الذي هو مورد الفيض الإلهي وحركاته أيضاً من نتائج الفيض وجذبات الحق تعالى وبقوله: {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} [القصص: 25] يشير إلى أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح، كما يستفيد من صفات الروح وخواصه كذلك يفيد الروح من خواص صفاته ومما استفاد من النفس وصفاتها، وبقوله تعالى: {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 25] يشير إلى أن القلب مهما يكون في مقام يخاف عليه أن يصيبه آفات النفس وظلم صفاتها. وبقوله: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} [القصص: 26] يشير إلى أن الخفي بإشارة الحق تعالى فإنه مهبط أنواره وأسراره وإلهامه يشير إلى الروح بأن تتصرف في القلب ويستعمله في رعاية مصالحه ومصالح نفسه بقوله {ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ} [القصص: 26] استعملت من النفس في الجسد القوي الأمين؛ لأنه يستمد القوى من الجسدانية والأمانة من الروحانية، وأنه ذو النسبين بينما له صورة جسدانية ومعنى روحانياً.

همام الصنعاني

تفسير : 2205- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}: [الآية: 22]، قال: قصد السَّبيلِ.