Verse. 3275 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

وَلَمَّا وَرَدَ مَاۗءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْہِ اُمَّۃً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُوْنَ۝۰ۥۡ وَوَجَدَ مِنْ دُوْنِہِمُ امْرَاَتَيْنِ تَذُوْدٰنِ۝۰ۚ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا۝۰ۭ قَالَتَا لَا نَسْقِيْ حَتّٰى يُصْدِرَ الرِّعَاۗءُ ۝۰۫ وَاَبُوْنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ۝۲۳
Walamma warada maa madyana wajada AAalayhi ommatan mina alnnasi yasqoona wawajada min doonihimu imraatayni tathoodani qala ma khatbukuma qalata la nasqee hatta yusdira alrriAAao waaboona shaykhun kabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما ورد ماء مدين» بئر فيها أي وصل إليها «وجد عليه أُمَّة» جماعة «من الناس يسقون» مواشيهم «ووجد من دونهم» سواهم «امرأتين تذودان» تمنعان أغنامهما عن الماء «قال» موسى لهما «ما خطبكما» ما شأنكما لا تسقيان «قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء» جمع راع أي يرجعون من سقيهم خوف الزحام فنسقي وفي قراءة يصدر من الرباعي أي يصرفوا مواشيهم عن الماء «وأبونا شيخ كبير» لا يقدر أن يسقي.

23

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} مشى موسى عليه السلام حتى ورد ماء مدين أي بلغها. ووروده الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل. فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه؛ ومنه قول زهير:شعر : فَلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ وَضَعْن عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيمِ تفسير : وقد تقدّمت هذه المعاني في قوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71]. ومدين لا تنصِرف إذ هي بلدة معروفة. قال الشاعر:شعر : رُهبانُ مدينَ لو رأوكِ تَنَزَّلُوا والعُصْمُ من شَعَفِ الجبالِ الفَادِرِ تفسير : وقيل: قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم؛ وقد مضى القول فيه في «الأعراف». والأمة: الجمع الكثير. و{يَسْقُونَ} معناه ماشيتهم. و{مِن دُونِهِمُ} معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأمّة، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام: «حديث : فلَيُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضي»تفسير : وفي بعض المصاحف: {امرأتين حابستين تذودان} يقال: ذاد يذود إذا (حبس). وذُدت الشيء حبسته؛ قال الشاعر:شعر : أَبِيت على باب القَوَافِي كأنَّمَا أذُودُ بها سِرْباً من الوحشِ نُزَّعَا تفسير : أي أحبس وأمنع. وقيل: {تَذُودَانِ} تطردان؛ قال:شعر : لقد سَلبتْ عصاك بنو تميم فما تَدْرِي بأيِّ عصاً تَذُودُ تفسير : أي تطرد وتكفّ وتمنع. ابن سلام: تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس؛ فحذف المفعول: إما إيهاماً على المخاطب، وإما استغناء بعلمه. قال ابن عباس: تذودان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء. قتادة: تذودان الناس عن غنمهما؛ قال النحاس: والأوّل أولى؛ لأن بعده {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء. فلما رأى موسى عليه السلام ذلك منهما {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} أي شأنكما؛ قال رؤبة:شعر : يا عَجباً ما خَطْبُه وخَطبِي تفسير : ابن عطية: وكان استعمال السؤال بالخَطْب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر؛ فأخبرتاه بخبرهما، وأن أباهما شيخ كبير؛ فالمعنى: لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء، وأن عادتهما التأنّي حتى يُصدِر الناسُ عن الماء ويخلى؛ وحينئذٍ تَرِدان. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: {يَصْدُرَ} من صَدَرَ، وهو ضد وَرَدَ أي يرجع الرِّعاء. والباقون {يُصْدِرَ} بضم الياء من أصدر؛ أي حتى يصدروا مواشيهم من وِرْدهم. والرِّعاء جمع راع؛ مثل تاجر وتِجار، وصاحب وِصحاب. قالت فرقة: كانت الآبار مكشوفة، وكان زحْم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زَحَم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغَلَب الذي كان منه وصفته إحداهما بالقوّة. وقالت فرقة: إنهما كانتا تتبعان فُضَالتهم في الصّهاريج، فإن وجدتا في الحوض بقية كان ذلك سقيهما، وإن لم يكن فيه بقية عطشت غنمهما، فرَقَّ لهما موسى، فعمد إلى بئر كانت مغطّاة والناس يسقون من غيرها، وكان حَجَرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد. ابن جريج: عشرة. ابن عباس: ثلاثون. الزجاج: أربعون؛ فرفعه. وسقى للمرأتين؛ فعن رفع الصخرة وصفته بالقوّة. وقيل: إن بئرهم كانت واحدة، وأنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة، إذا كانت عادة المرأتين شرب الفضلات. روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما استقى الرعاة غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها واستقى ذَنُوباً واحداً لم تحتج إلى غيره فسقى لهما. الثانية: إن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صلى الله عليه وسلم أن يرضى لابنيته بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه؛ وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة. الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} إلى ظل سَمُرَة؛ قاله ابن مسعود. وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وكان لم يذق طعاماً سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره؛ فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال؛ هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله؛ فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، ويكون بمعنى المال كما قال: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً}تفسير : [البقرة: 180] وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}تفسير : [العاديات: 8] ويكون بمعنى القوّة كما قال: «أية : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ» تفسير : [الدخان:37] ويكون بمعنى العبادة كقوله: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ}تفسير : [الأنبياء: 73] قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، واخضرّ لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله. ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه. وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله. وقال أبو بكر بن طاهر في قوله: {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك. قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى؛ فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب. الرابعة: قوله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} في هذا الكلام اختصار يدلّ عليه هذا الظاهر؛ قدّره (ابن) إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه ـ وقيل الصغرى ـ أن تدعوه له، {فَجَاءَتْ} على ما في هذه الآية. قال عمرو ابن ميمون: ولم تكن سَلْفَعاً من النساء، خَرّاجة وَلاّجة. وقيل: جاءته ساترة وجهها بكم دِرعها؛ قاله عمر بن الخطاب. وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون هو شعيب عليه السلام. وقيل: ابن أخي شعيب، وأن شعيباً كان قد مات. وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السلام، وهو ظاهر القرآن، قال الله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}تفسير : [الأعراف: 85] كذا في سورة «الأعراف» وفي سورة الشعراء: {أية : كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} تفسير : [الشعراء: 176 ـ 177] قال قتادة: بعث الله تعالى شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. وقد مضى في «الأعراف» الخلاف في اسم أبيه. فروي أن موسى عليه السلام لما جاءته بالرسالة قام يتبعها، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، فهبت ريح فضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرّج موسى من النظر إليها فقال: ارجعي وأرشديني إلى الطريق بصوتك. وقيل: إن موسى قال ابتداء: كوني ورائي فإني رجل عبرانيّ لا أنظر في أدبار النساء، ودلّيني على الطريق يميناً أو يساراً؛ فذلك سبب وصفها (له) بالأمانة؛ قاله ابن عباس. فوصل موسى إلى داعيه فقص عليه أمره من أوّله إلى آخره فآنسه بقوله: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون. وقرب إليه طعاماً فقال موسى: لا آكل؛ إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً؛ فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قِرى الضيف، وإطعام الطعام؛ فحينئذٍ أكل موسى. الخامسة: قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخلطة بين الناس؛ خلافاً للأصم حيث كان عن سماعها أصم. السادسة: قوله تعالى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} الآية. فيه عرض الوليّ ابنته على الرجل؛ وهذه سنة قائمة؛ عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمن الحسن عرض الرجل وليته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح. قال ابن عمر: لما تأيّمت حفصة قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر؛ الحديث انفرد بإخراجه البخاري. السابعة: وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الوليّ لا حظّ للمرأة فيه؛ لأن صالح مدين تولاه، وبه قال فقهاء الأمصار. وخالف في ذلك أبو حنيفة. وقد مضى. الثامنة: هذه الآية تدلّ على أن للأب أن يزوّج ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية، وهو ظاهر قويّ في الباب، واحتجاجه بها يدلّ على أنه كان يعوّل على الإسرائيليات؛ كما تقدّم. وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثير من العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوّجها أحد إلا برضاها؛ لأنها بلغت حدّ التكليف؛ فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوّجها بغير رضاها لأنه لا إذن لها ولا رضا؛ بغير خلاف. التاسعة: استدل أصحاب الشافعي بقوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح. وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود ومالك على اختلاف عنه. وقال علماؤنا في المشهور: ينعقد النكاح بكل لفظ. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد؛ أما الشافعية فلا حجة لهم في الآية لأنه شرع من قبلنا وهم لا يرونه حجة في شيء في المشهور عندهم. وأما أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حيّ فقالوا: ينعقد النكاح بلفظ الهبة وغيره إذا كان قد أشهد عليه؛ لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية، قالوا: فكذلك النكاح. قالوا: والذي خصّ به النبي صلى الله عليه وسلم تعرى البُضْع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة، وتابعهم ابن القاسم فقال: إن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظ عن مالك فيه شيئاً، وهو عندي جائز كالبيع. قال أبو عمر: الصحيح أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة، كما لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال. وأيضاً فإن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه، وهو ضدّ الطلاق فكيف يقاس عليه! وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله: أبحت لك وأحللت فكذلك الهبة. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : استحللتم فروجهنّ بكلمة الله»تفسير : يعني القرآن، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة، وإنما فيه التزويج والنكاح، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم. العاشرة: قوله تعالى: {إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} يدلّ على أنه عرض لا عقد؛ لأنه لو كان عقداً لعيَّن المعقود عليها له؛ لأن العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال: بعتك أحد عبديّ هذين بثمن كذا؛ فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح؛ لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح. الحادية عشرة: قال مكيّ: في هذه الآية خصائص في النكاح؛ منها أنه لم يعين الزوجة ولا حدّ أوّل الأمد، وجعل المهر إجارة، ودخل ولم ينقد شيئاً. قلت: فهذه أربع مسائل تضمنتها المسألة الحادية عشرة. الأولى: من الأربع مسائل، قال علماؤنا: أما التعيين فيشبه أنه كان في ثاني حال المراوضة، وإنما عرض الأمر مجملاً، وعيّن بعد ذلك. وقد قيل: إنه زوّجه صفوريا وهي الصغرى. يروى عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأوفاهما وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى وهي التي جاءت خلفه وهي التي قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}»تفسير : . قيل: إن الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانت الكبرى أحوج إلى الرجال أنه توقع أن يميل إليها؛ لأنه رآها في رسالته، وماشاها في إقباله إلى أبيها معها، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره. وقيل غير هذا؛ والله أعلم. وفي بعض الأخبار أنه تزوّج بالكبرى؛ حكاه القشيري. الثانية: وأما ذكر أوّل المدّة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه؛ فإمّا رسماه، وإلا فهو من أوّل وقت العقد. الثالثة: وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهو أمر قد قرّره شرعنا، وجرى في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن؛ رواه الأئمة؛ وفي بعض طرقه: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تحفظ من القرآن» تفسير : فقال: سورة البقرة والتي تليها؛ قال: «حديث : فعلمها عشرين آية وهي امرأتك»تفسير : . واختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فكرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، وأجازه ابن حبيب؛ وهو قول الشافعي وأصحابه؛ قالوا: يجوز أن تكون منفعة الحرّ صداقاً كالخياطة والبناء وتعليم القرآن. وقال أبو حنيفة: لا يصح؛ وجوّز أن يتزوّجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة؛ لأن العبد والدار مال، وليس خدمتها بنفسه مالاً. وقال أبو الحسن الكرخي: إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز؛ لقوله تعالى:{أية : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}تفسير : [النساء: 24]. وقال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان. وقال ابن القاسم: ينفسخ قبل البناء ويثبت بعده. وقال أصبغ: إن نقد معه شيئاً ففيه اختلاف، وإن لم ينعقد فهو أشد، فإن ترك مضى على كل حال بدليل قصة شعيب؛ قاله مالك وابن الموّاز وأشهب. وعوّل على هذه الآية جماعة من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة؛ قال ابن خوَيْزِمَنْدَاد. تضمّنت هذه الآية النكاح على الإجارة والعقد صحيح، ويكره أن تجعل الإجارة مهراً، وينبغي أن يكون المهر مالاً كما قال عز وجل: {أية : أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} تفسير : [النساء: 24]. هذا قول أصحابنا جميعاً. الرابعة: وأما قوله: ودخل ولم ينقد فقد اختلف الناس في هذا؛ هل دخل حين عقد أم حين سافر؟ فإن كان حين عقد فماذا نقد؟ وقد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار؛ قاله ابن القاسم. فإن دخل قبل أن ينقد مضى، لأن المتأخرين من أصحابنا قالوا: تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب. على أنه إن كان الصداق رعية الغنم فقد نقد الشروع في الخدمة؛ وإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز وإن كان مدى العمر بغير شرط. (وأما إن كان بشرط) فلا يجوز إلا أن يكون الغرض صحيحاً مثل التأهب للبناء وانتظار صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة؛ نصّ عليه علماؤنا. الثانية عشرة: في هذه الآية اجتماع إجارة ونكاح، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأوّل: قال في ثمانية أبي زيد: يكره ابتداء فإن وقع مضى. الثاني: قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده؛ لاختلاف مقاصدهما كسائر العقود المتباينة. الثالث: أجازه أشهب وأصبغ. قال ابن العربي: وهذا هو الصحيح وعليه تدلّ الآية؛ وقد قال مالك النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع أو بين بيع ونكاح. فرع: وإن أصدقها تعليم شعر مباح صحّ؛ قال المزني: وذلك مثل قول الشاعر:شعر : يقول العبد فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا تفسير : وإن أصدقها تعليم شعر فيه هجو أو فحش كان كما لو أصدقها خمراً أو خنزيراً. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} جرى ذكر الخدمة مطلقاً وقال مالك إنه جائز ويحمل على العرف، فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة، وهو ظاهر قصة موسى، فإنه ذكر إجارة مطلقة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يسمى لأنه مجهول. وقد ترجم البخاريّ: «باب من استأجر أجيراً فبيّن له الأجل ولم يبيّن له العمل» لقوله تعالى: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}. قال المهلّب: ليس كما ترجم؛ لأن العمل عندهم كان معلوماً من سقي وحرث ورعي وما شاكل أعمال البادية في مهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبيّن له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها؛ مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من السنة، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدّة مجهولة، والعمل مجهول غير معهود لا يجوز حتى يعلم. قال ابن العربي: وقد ذكر أهل التفسير أنه عيّن له رعية الغنم، ولم يرو من طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم، فكان ما عُلم من حاله قائماً مقام التعيين للخدمة فيه. الرابعة عشرة: أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهوراً معلومة، بأجرة معلومة، لرعاية غنم معدودة؛ فإن كانت معدودة معينة، ففيها تفصيل لعلمائنا؛ قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي رواية ضعيفة جداً؛ وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد رآها ولم يشترط خلفاً؛ وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز لجهالتها؛ وعوّل علماؤنا على العرف حسبما ذكرناه آنفاً؛ وأنه يعطي بقدر ما تحتمل قوّته. وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدر قوّته، وهو صحيح فإن صالح مدين علم قدر قوّة موسى برفع الحجر. الخامسة عشرة: قال مالك: وليس على الراعي ضمان وهو مصدَّق فيما هلك أو سرق؛ لأنه أمين كالوكيل. وقد ترجم البخاري: «باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئاً يفسد فأصلح ما يخاف الفساد» وساق حديث كعب بن مالك عن أبيه: أنه كانت لهم غنم ترعى بسَلْع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتاً فكسرت حجراً فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ـ أو أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يسأله ـ وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ـ أو أرسل إليه ـ فأمره بأكلها؛ قال عبد الله: فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت. قال المهلّب: فيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل فيما ائتمنا عليه حتى يظهر عليهما دليل الخيانة والكذب؛ وهذا قول مالك وجماعة. وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إذا جاء بها مذبوحة. وقال غيره: يضمن حتى يبين ما قال. السادسة عشرة: واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث الماشية بغير إذن أربابها فهلكت فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأن الإنزاء من إصلاح المال ونمائه. وقال أشهب: عليه الضمان؛ وقول ابن القاسم أشبه بدليل حديث كعب، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده، إن كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال؛ وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتاً لما عرف من فسقه. السابعة عشرة: لم ينقل ما كانت أجرة موسى عليه السلام؛ ولكن روى يحيـى بن سلاّم أن صالح مدين جعل لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها، فأوحى الله إلى موسى أن ألق عصاك بينهن يلدن خلاف شبههن كلّهن. وقال غير يحيـى: بل جعل له كل بلقاء تولد له، فولدن له كلهن بُلْقاً. وذكر القُشيري أن شعيباً لما استأجر موسى قال له: ادخل بيت كذا وخذ عصا من العصيّ التي في البيت، فأخرج موسى عصا، وكان أخرجها آدم من الجنة، وتوارثها الأنبياء حتى صارت إلى شعيب، فأمره شعيب أن يلقيها في البيت ويأخذ عصا أخرى، فدخل وأخرج تلك العصا؛ وكذلك سبع مرات كل ذلك لا تقع بيده غير تلك، فعلم شعيب أن له شأناً؛ فلما أصبح قال له: سق الأغنام إلى مفرق الطريق، فخذ عن يمينك وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشباً كثيراً وتنِّيناً كبيراً لا يقبل المواشي، فساق المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ضبطها، فنام موسى وخرج التنِّين، فقامت العصا وصارت شعبتاها حديداً وحاربت التنِّين حتى قتلته، وعادت إلى موسى عليه السلام، فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم، والتنِّين مقتولاً؛ فعاد إلى شعيب عشاء، وكان شعيب ضريراً فمس الأغنام، فإذا، أثر الخِصب بادٍ عليها، فسأله عن القصة فأخبره بها، ففرح شعيب وقال: كل ما تلد هذه المواشي هذه السنة قالب لون ـ أي ذات لونين ـ فهو لك؛ فجاءت جميع السخال تلك السنة ذات لونين، فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة. وروى عُيَيْنة بن حِصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفّة فرجه» تفسير : فقال له شعيب لك منها ـ يعني من نتاج غنمه ـ ما جاءت به قالب لون ليس فيها عَزُوزٌ ولا فَشُوشٌ ولا كَمُوشٌ ولا ضَبُوبٌ ولا ثَعُولٌ. قال الهروي: العزوز البكيئة؛ مأخوذ من العزَاز وهي الأرض الصلبة، وقد تعزَّزت الشاة. والفَشُوشُ التي يَنْفَشُ لبنُها من غير حلب وذلك لسعة الإحليل، ومثله الفَتُوح والثّرُورُ. ومن أمثالهم: (لأَفُشَّنَّكَ فَشَّ الْوَطْبِ) أي لأخرجن غضبك وكبرك من رأسك. ويقال: فَشّ السِّقاءَ إذا أخرج منه الريح. ومنه الحديث: «حديث : إن الشيطان يَفُشّ بين ألْيَتيْ أحدِكم حتى يُخَيَّلَ إليه أنه أحدث»تفسير : أي ينفخ نفخاً ضعيفاً. والكَمُوشُ: الصغيرة الضرع، وهي الكميشة أيضاً؛ سميت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه؛ ومنه يقال: رجل كميش الإزار. والكَشُودُ مثل الكَموش. والضَّبُوبُ الضيقة ثقب الإحليل. والضَّبُّ الحَلْب بشدّة العصر. والثَّعُولُ الشاة التي لها زيادة حلمة وهي الثعل. والثَّعل زيادة السنّ، وتلك الزيادة هي (الرَّاءُول). ورجل أثعل. والثعل (ضيق) مخرج اللبن. قال الهروي: وتفسير قالب لون في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها. الثامنة عشرة: الإجارة بالعوض المجهول لا تجوز؛ فإن ولادة الغنم غير معلومة، وإن من البلاد الخصبة ما يعلم ولاد الغنم فيها قطعاً وعِدّتها وسلامة سخالها كديار مصر وغيرها، بيد أن ذلك لا يجوز في شرعنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغَرَر، ونهى عن المضامين والملاقيح. والمضامين ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في أصلاب الفحول وعلى خلاف ذلك قال الشاعر:شعر : مَلْـقُـوحَـة فـي بطـنِ نـابٍ حـامِـلِ تفسير : وقد مضى في سورة «الحجر» بيانه. على أن راشد بن معمر أجاز الإجارة على الغنم بالثلث والربع. وقال ابن سيرين وعطاء: ينسج الثوب بنصيب منه؛ وبه قال أحمد. التاسعة عشرة: الكفاءة في النكاح معتبرة؛ واختلف العلماء هل في الدين والمال والحسب، أو في بعض ذلك. والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات: 13]. وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريباً طريداً خائفاً وحيداً جائعاً عرياناً فأنكحه ابنته لما تحقق (من دينه) ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك. وقد تقدّمت هذه المسألة مستوعبة والحمد لله. الموفية عشرين: قال بعضهم: هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكراً لصداق المرأة، وإنما كان اشتراطاً لنفسه على ما يفعله الأعراب؛ فإنها تشترط صداق بناتها، وتقول: لي كذا في خاصة نفسي، وترك المهر مفوّضاً؛ ونكاح التفويض جائز. قال ابن العربي: هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر، وهو حرام لا يليق بالأنبياء؛ فأمّا إذا اشترط الوليّ شيئاً لنفسه، فقد اختلف العلماء فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما: أنه جائز. والآخر: لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم؛ فإن المرأة لا تخلو أن تكون بكراً أو ثيباً؛ فإن كانت ثيباً جاز؛ لأن نكاحها بيدها، وإنما يكون للوليّ مباشرة العقد، ولا يمتنع أخذ العوض عليه كما يأخذه الوكيل على عقد البيع. وإن كانت بكراً كان العقد بيده، وكأنه عوض في النكاح لغير الزوج وذلك باطل؛ فإن وقع فُسِخ قبل البناء، وثبت بعده على مشهور الرواية. والحمد لله. الحادية والعشرون: لما ذكر الشرط وأعقبه بالطوع في العشر خرج كل واحد منهما على حكمه، ولم يلحق الآخر بالأوّل، ولا اشترك الفرض والطوع؛ ولذلك يكتب في العقود الشروط المتفق عليها، ثم يقال وتطوّع بكذا، فيجري الشرط على سبيله، والطوع على حكمه، وانفصل الواجب من التطوّع. وقيل: ومن لفظ شعيب حسن في لفظ العقود في النكاح أنكحه إياها أولى من أنكحها إياه على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وجعل شعيب الثمانية الأعوام شرطاً، ووكل العاشرة إلى المروءة. الثانية والعشرون: قوله تعالى: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} لما فرغ كلام شعيب قرّره موسى عليه السلام وكرر معناه على جهة التوثق في أن الشرط إنما وقع في ثمان حجج. و{أَيَّمَا} استفهام منصوب بـ{ـقَضَيْتُ} و{الأَجَلَيْنِ} مخفوض بإضافة {أي} إليهما و{ما} صلة للتأكيد وفيه معنى الشرط وجوابه {فَلاَ عُدْوَانَ} وأن {عدوان} منصوب بـ{ـلا}. وقال ابن كيسان: {ما} في موضع خفض بإضافة {أي} إليها وهي نكرة و{الأَجَلَيْنِ} بدل منها. وكذلك في قوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 159] أي رحمة بدل من ما؛ قال مكي: وكان يتلطف في ألا يجعل شيئاً زائداً في القرآن، ويخرج له وجهاً يخرجه من الزيادة. وقرأ الحسن: «أَيْمَا» بسكون الياء. وقرأ ابن مسعود: {أَيَّ الأَجَلَيْنِ مَا قَضَيْتُ}. وقرأ الجمهور: {عُدْوَان} بضم العين. وأبو حَيْوة بكسرها؛ والمعنى: لا تبعة عليّ ولا طلب في الزيادة عليه. والعدوان التجاوز في غير الواجب، والحجج السنون. قال الشاعر:شعر : لمن الديار بِقنة الحجر أقوين من حِجج ومن دهر تفسير : الواحدة حجة بكسر الحاء. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} قيل: هو من قول موسى. وقيل: هو من قول والد المرأة. فاكتفى الصالحان صلوات الله عليهما في الإشهاد عليهما بالله ولم يشهدا أحداً من الخلق، وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح؛ وهي: الثالثة والعشرون: على قولين: أحدهما أنه لا ينعقد إلا بشاهدين. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود؛ لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح الدُّفُّ. وقد مضت هذه المسألة في «البقرة» مستوفاة. وفي البخاري عن أبي هريرة: أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلفه ألف دينار فقال ايتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله شهيداً؛ فقال ايتني بكفيل؛ فقال كفى بالله كفيلا. قال صدقت فدفعها إليه؛ وذكر الحديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } بئر فيها أي وصل إليها {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً } جماعة {مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ } مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } أي سواهم {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ } تمنعان أغنامهما عن الماء {قَالَ } موسى لهما {مَا خَطْبُكُمَا } أي ما شأنكما لا تسقيان؟ {قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَاءُ } جمع راع أي يرجعون من سقيهم خوف الزحام فنسقي وفي قراءة يصدر من الرباعي أي يصرفون مواشيهم عن الماء {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } لا يقدر أن يسقي.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةً} جماعة قال ابن عباس: الأمة أربعون. {تَذُودَانِ} تحبسان أو تطردان غنمهما عن الماء لضعفهما عن الزحام، أو يمنعان الغنم أن تختلط بغنم الناس، أو يذودان الناس عن غنمهما. {مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما. والخطب تفخيم للشيء والخُطبة لأنها من الأمر المعظم {يُصْدِرَ} ينصرف ومنه الصدر لأن التدبير يصدر عنه فعلتا ذلك تَصوُّناً عن مزاحمة الرجال، أو لضعفهما عن الزحام {الرِّعَآءُ} جمع راعٍ {وَأَبُونَا شَيْخٌ} قالتا ذلك ترقيقاً لموسى ليعينهما أو اعتذاراً من معاناتهما السقي بأنفسهما.

النسفي

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ } وصل {مَاء مَدْيَنَ } ماءهم الذي يسقون منه وكان بئراً {وَجَدَ عَلَيْهِ } على جانب البئر {أُمَّةً} جماعة كثيرة {مِنَ ٱلنَّاسِ } من أناس مختلفين {يُسْقَوْنَ } مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } في مكان أسفل من مكانهم {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ } تطردان غنمهما عن الماء لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكنان من السقي أو لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، والذود الطرد والدفع {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي ما مطلوبكما من الذياد فسمي المخطوب خطباً {قَالَتَا لاَ نَسْقِى } غنمنا {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء } مواشيهم {يصدر} شامي ويزيد وأبو عمرو أي يرجع والرعاء جمع راعٍ كقائم وقيام {وَأَبُونَا شَيْخٌ } لا يمكنه سقي الأغنام {كَبِيرٌ } في حاله أو في السن لا يقدر على رعي الغنم، أبدتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما. {فَسَقَىٰ لَهُمَا } فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف. روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلواً فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة. وترك المفعول في {يسقون} و {تذودان} و {لا نسقي} و {فسقى} لأن الغرض هو الفعل لا المعفول، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً، وكذا في {لا نسقي} و {فسقى} فالمقصود هو السقي لا المسقى. ووجه مطابقة جوابها سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا: السبب في ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من الاختلاط بهم فلا بدلنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا. وإنما رضي شعيب عليه السلام لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور والدين لا يأباه، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة. {ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظّلّ } أي ظل سمرة، وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى {فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا } لأي شيء {أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ } قليل أو كثير غثٍ أو سمين {فَقِيرٌ } محتاج، وعدي {فقير} باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب. قيل: كان لم يذق طعاماً سبعة أيام وقد لصق بظهره بطنه. ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدارين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له. وقال ابن عطاء: نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار لما ورد على سره من الأنوار

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ خرج موسى عليه السلام خائفاً جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين وعليه أمة من الناس يسقون، وامرأتان جالستان بشياههما، فسألهما ما خطبكما؟ ‏ {‏قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير‏} ‏قال‏:‏ فهل قربكما ماء قالتا‏:‏ لا‏.‏‏.‏‏.‏ إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال‏:‏ فانطلقا فأريانيها‏.‏ فانطلقتا معه فقلب بالصخرة بيده، فنحاها ثم استقى لهما سجلاً واحداً فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها، ثم تولى إلى الظل فقال‏:‏ ‏{‏رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير‏} ‏ فسمعتا ما قال، فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فاخبرتاه فقال لإِحداهما‏:‏ انطلقي فادعيه فأتته فقالت‏:‏ {‏إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا‏}‏ فمشت بين يديه فقال لها‏:‏ امشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أنظر منك ما حرم الله علي، وارشديني الطريق‏.‏ ‏{‏فلما جاءه وقص عليه القصص‏.‏‏.‏‏.‏، قالت إحداهما‏:‏ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين‏}‏ قال لها أبوها‏:‏ ما رأيت من قوّته وأمانته‏؟‏ فأخبرته بالأمر الذي كان قالت‏:‏ أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا النفر‏.‏ وأما أمانته فإنه قال‏:‏ امشي خلفي وارشديني الطريق، لأني امرؤ من عنصر إبراهيم عليه السلام، لا يحل لي منك ما حرمه الله تعالى‏.‏ قيل لابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أي الأجلين قضى موسى عليه السلام‏؟‏ قال‏:‏ أبرهما وأوفاهما‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين ‏ {‏قال ما خطبكما‏} ‏ فحدثتاه‏.‏ فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى، فلم يستق إلا دلواً واحداً حتى رويت الغنم‏. فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل ‏ {‏فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير‏}‏ قال‏:‏ ‏ {‏فجاءته إحداهما تمشي على استحياء‏}‏ واضعة ثوبها على وجههها ليست بسلفع من الناس خراجة ولاجة ‏ {‏قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا‏} ‏ فقام معها موسى عليه السلام فقال لها‏:‏ امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك‏.‏ فلما انتهى إلى أبيها قص عليه فقالت احداهما ‏ {‏يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين‏} ‏ قال‏:‏ يا بنية ما علمك بأمانته وقوته‏؟‏ قالت‏:‏ أما قوّته‏: فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال‏:‏ امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك‏.‏ فزاده ذلك رغبة فيه فقال ‏ {‏إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين‏}‏ إلى قوله {‏ستجدني إن شاء الله من الصالحين‏} ‏ أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال موسى عليه السلام ‏ {‏ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي‏}‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ {‏قال الله على ما نقول وكيل‏}‏ فزوّجه وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه وما يحتاج إليه، وزوّجه صفورا، وأختها شرفا، وهما التي كانتا تذودان‏. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ولما ورد ماء مدين‏} ‏ قال‏:‏ ورد الماء حيث ورد وأنه لتتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ خرج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال‏، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج إليها حافياً فما وصل حتى وقع خف قدمه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏ {‏ولما ورد ماء مدين‏} ‏ قال‏:‏ كان مسيره خمسة وثلاثين يوماً‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أمة من الناس يسقون‏} ‏ قال‏:‏ أناسا‏ً.‏ وفي قوله ‏{‏إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير‏} قال‏:‏ من طعام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ووجد من دونهم امرأتين‏}‏ قال‏:‏ أسماؤهما: ليا، وصفورا، ولهما أربع أخوات صغار يسقين الغنم في الصحاف‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏تذودان‏} ‏ قال‏:‏ تحبسان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ‏{‏تذودان‏}‏ قال‏:‏ تحبسان غنمهما حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء‏} ‏ قال‏:‏ تنتظران أن تسقيا من فضول ما في حياضهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏حتى يصدر الرعاء‏} ‏ برفع الياء وكسر الراء في الرعاء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لقد قال موسى عليه السلام ‏{‏رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير‏} ‏ وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير‏}‏ قال‏:‏ سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما هرب موسى عليه السلام من فرعون أصابه جوع، كانت ترى أمعاؤه من ظاهر الثياب ‏ {‏قال‏:‏ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏لما سقى موسى للجاريتين ‏{‏ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير‏} قال‏:‏ إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏إني لما أنزلت إلي من خير فقير‏}‏ قال‏:‏ شبعه يومئذ‏.‏ وأخرج الفريابي وأحمد عن مجاهد قال‏:‏ ما سأل إلا طعاماً يأكله‏.‏ وأخرج الفريابي وأحمد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه {‏إني لما أنزلت إلي من خير فقير‏} قال‏:‏ ما كان معه رغيف ولا درهم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله {‏تمشي على استحياء‏} ‏ قال‏:‏ جاءت مستترة بكم درعها على وجهها‏.‏ وأخرجه ابن المنذر عن ابن أبي الهذيل موقوفاً عليه‏. وأخرج أحمد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه قال‏:‏ أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما تبع مذقتها، ولكن حمله على ذلك الجهد‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال‏:‏ لما دخل موسى عليه السلام على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب عليه السلام‏:‏ كل‏.‏ قال موسى عليه السلام‏:‏ أعوذ بالله‏!‏ قال ولم‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ ألست بجائع‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً قال‏:‏ لا والله‏.‏‏.‏‏.‏ ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام‏.‏ فجلس موسى عليه السلام فأكل.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه بلغه‏:‏ أن شعيباً عليه السلام هو الذي قص على موسى القصص‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ يقول ناس‏:‏ أنه شعيب‏.‏ وليس بشعيب ولكن سيد الماء يومئذ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال‏:‏ كان صاحب موسى عليه السلام أثرون ابن أخي شعيب عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ كان اسم ختن موسى يثربي‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أنه كان يكره الكنية بأبي مرة، وكانت كنية فرعون، وكانت صاحبة موسى صفيرا بنت يثرون‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏القوي‏}‏ قال‏:‏ قوته فتح لهما عن بئر حجراً على فيها فسقى لهما ‏{‏الأمين‏} ‏ قال‏:‏ غض بصره عنهما حين سقى لهما‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال‏:‏ لما قالت صاحبة موسى {‏يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين‏}‏ قال‏:‏ غض بصره عنهما حين سقى لهما. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: لما قالت صاحبة موسى {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} قال: وما رأيت من قوته. قالت: جاء إلى البئر وعليه صخرة لا يقلها كذا وكذا فرفعها قال‏:‏ وما رأيت من أمانته‏؟‏ قالت‏:‏ كنت أمشي أمامه فجعلني خلفه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين‏} ‏ قال‏:‏ بلغني أنه نكح الكبيرة التي دعته واسمها صفورا، وأبوها ابن أخي شعيب، واسمه رعاويل‏.‏ وقد أخبرني من أصدق‏:‏ أن إسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين‏.‏ والكاهن حبر‏. وأخرج ابن المنذر عن نوف الشامي قال‏:‏ ولدت المرأة لموسى عليه السلام غلاماً، فسماه جرثمة‏.‏ وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن المنذر السلمي رضي الله عنه قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ‏{‏طسۤ‏}‏ حتى بلغ قصة موسى عليه السلام قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه، وطعام بطنه، فلما وفى الأجل قيل: يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه قالب لون من ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بازاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال‏:‏ فأنمت وأثلثت ووضعت كلها قوالب الوان‏.‏ إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا غزور، ولا ثفول، ولا كمشة تفوت الكف‏. قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم‏.‏ وهي السامرية‏"‏تفسير : قال ابن لهيعة‏:‏ الفشوش‏:‏ التي تفش بلبنها واسعة الشخب، والضبوب‏:‏ الطويلة الضرع مجترة، والغزور‏:‏ الضيقة الشخب، والثفول‏:‏ التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، والكمشة‏:‏ الصغيرة الضرع لا يدركه الكف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ لما دعا موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه‏:‏ كل شاة ولدت على لونها فلك لونها‏.‏ فعمد فرفع خيالاً على الماء، فلما رأيت الخيال فزعت، فجالت جولة فولدت كلهن بلقاء، إلا شاة واحدة‏.‏ فذهب بألوانهن ذلك العام‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فقال‏:‏ قضى أكثرهما وأطيبهما‏.‏ أن رسول الله إذا قال فعل‏.‏ وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ أتمهما وأكملهما‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يوسف بن سرح ‏"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فسأل جبريل فقال‏:‏ لا علم لي‏.‏ فسأل جبريل ملكاً فوقه فقال‏:‏ لا علم لي‏.‏ فسأل ذلك الملك ربه فقال الرب عز وجل "‏أبرهما وأتقاهما وأزكاهما" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏:‏‏"حديث : أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل جبريل فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فسأل ميكائيل فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل الرفيع، فسأل الرفيع فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل اسرافيل، فسأل إسرافيل فقال‏:‏ لا أدري حتى أسأل ذا العزة، فنادى إسرافيل بصوته الأشد‏:‏ يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين‏"‏ قال علي بن عاصم‏:‏ فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول‏:‏ حدثني أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة تبارك وتعالى‏ "‏أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبه‏،‏ عشر سنين" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه‏"حديث : ‏قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ أوفاهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال ‏"‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل‏: يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فقل أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوج‏؟‏ فقال الصغرى منهما‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر رضي الله عنه قال ‏‏"‏حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ فقل خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت أي المرأتين تزوج‏؟‏ فقل الصغرى منهما‏، وهي التي جاءت فقالت ‏{‏يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين‏}‏ فقال‏:‏ ما رأيت من قوته‏؟‏ قالت‏:‏ أخذ حجراً ثقيلاً فألقاه على البئر قال‏:‏ وما الذي رأيت من أمانته‏؟‏ قالت‏:‏ قال لي امشي خلفي ولا تمشي امامي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"حديث : ‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ أبعدهما وأطيبهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي ذر رضي الله عنه‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏:‏ أبرهما وأوفاهما‏.‏ قال‏:‏ وإن سئلت أي المرأتين تزوج‏؟‏ فقل الصغرى منهما ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال"حديث : ‏‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قال‏: ‏سوف أسأل جبريل، فسأل قال‏:‏ سوف أسأل ميكائيل، فسأله قال‏:‏ سوف أسأل إسرافيل، فسأله فقال‏:‏ سوف أسأل الرب، فسأله فقال‏:‏ أبرهما وأوفاهما ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن مقسم قال‏:‏ لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقلت له‏:‏ أي الأجلين قضى موسى‏.‏ الأول أو الآخر‏؟‏ قال‏:‏ الآخر‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏والله على ما نقول وكيل‏} ‏ قال‏:‏ على قول موسى وختنه‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً} [الآية: 23]. قال الواسطى رحمة الله عليه: الوارد يطلب المفالته لثقل الخدمة والقادُ يطلب اللقاء والظفر. وقال أبو بكر بن طاهر: ورد فى الظاهر ماء مدين وورد فى الحقيقة على مالك مياه الأنس وبساتين المعرفة. فوجد عليه أمة أى خواصًا من العباد يرتعون فى تلك الميادين فشرب معهم من تلك المياه شربةً أورثته شرب ذلك الماء الثبات فى حالة المخاطبة. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: وقد سئل عن قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} كان متوجهًا الى ربه مفارقًا لما دونه قد أثرت فيه المحن وأنكأ فيه الضُّر ثم تولى إلى الظل إلى الاستراحة إلى الحق فلما طال عليه البلاء آنس بالشكوى وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [الآية: 24] يناجيه بلسان الافتقار وليس فى الشكوى الى المحبوب نقص.

القشيري

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. لمَّا وافى مدينَ شعيب كان وقت الهاجرة، وكانت لهم بئر يستقون منها، فيصبون الماءَ في الحياضِ، ويسقون أغنامهم، وكانوا أهل ماشية. وكان شعيبُ النبيُّ عليه السلام قد كُفَّ بَصَره لكثرة بكائه؛ ففي القصة أنه بكى فذهب بَصَرَه، ثم رَدَّ الله عليه بَصَرَه فبكى، فردَّ الله بصرة فبكى حتى ذهب بَصَرَهُ، فأوحى الله إليه: لِمَ تبكي يا شعيب..؟ إِنْ كان بكاؤك لخوف النار فقد أَمَّنْتُكَ، وإن كان لأَجْلِ الجنة فقد أَتَحْتُها لك. فقال: ربِّ..إنما أبكي شوقاً إليك. فأوحى الله إليه لأجل ذلك أَخْدَمْتُكَ نَبِيِّي وكليمي عَشْرَ حجج. وكانت لشعيب أغنامٌ، ولم يكن لديه أجير، فكانت بِنْتاه تسوقان الغنْمَ مكانَ الرعاة، ولم يكن لهما قدرة على استقاء الماء من البئر، وكان الرعاة يستقون، فإذا انقضَوْا فإنْ بَقِيَتْ في الحوضِ بقيةٌ من الماء استقت بنات شعيب. فلمَّا وافى موسى ذلك اليومَ وشاهَدَ ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رَقَّ قلبُه لهما وقال: ما خطبُكما؟ فقالتا: {لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. وليس لدينا أجير. فلمَّا انصرف الرعاةُ سَقَى لهما، ثم تولّى إلى ظلِّ جدارٍ بعد ذلك. كان الجوع قد أصابه خلال سَفَرِه، ولم يكن قد تعوَّد، قط الرحلةَ والغُرْبةَ، ولم يكن معه مالٌ، فدعا الله: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. قيل طَلَبَ قوةً تُزِيل جوعَه، وقيل طَلَبَ حالاً يستقِلُّ بها. والأحسن أن يقال جاع فَطَلَبَ كِسْرَة يَسُدُّ بها رَمَقَه - والمعرفة توجِب سؤالَ ما تحتاج إليه من الله قليلاً أو كثيراً. فلمَّا انصرفت ابنتا شعيب خَرَجَ شعيبُ إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية ليمسَّها بيديه فوجَدَ أثرَ الزيادة في تلك الكَرَّة، فسأَلَهما فَذَكَرَتا له القصة، وما سمعتا منه حين قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} فقال شعيب: إذاً هو جائع. وبَعَثَ إحداهما لتدعوَه:- {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. قيل إنما استحيَتْ لأنها كانت تخاطِبُ مَنْ لم يكن لها مَحْرَماً. وقيل لمّا دَعَتْه للضيافة تكلمتْ مستحييةً - فالكريم يستحي من الضيافة. ويقال لم تَطِبُ نَفْسُ شعيب لمَّا أَحْسَنَ موسى إليه وأنه لم يكافئه - وإن كان موسى لم يُرِدْ مكافأةً منهم {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ}: لم يَقُلْ: فلما جاءَه قَدَّم السُّفْرةَ بل قال: وقصَّ عليه القصص.. وهذا طَرَفٌ من قصته. ويقال: وَرَدَ بظاهرِه ماءَ مدين، ووَرَدَ بقلبه موارِدَ الأُنْس والرَّوْح. والموارد مختلفة؛ فمواردُ القلبِ رياضُ البَّسطِ بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطَفَة، ومواردُ الأرواح مشاهدُ الأرواح فيُكَاشَفون بأنوار المشاهدة، فيغيبون عن كل إحساسٍ بالنَّفْسِ، ومواردُ الأسرارِ ساحاتُ التوحيدِ.. وعند ذلك الولاية لله، فلا نَفْسَ ولا حِسَّ، ولا قلبَ ولا أُنْسَ.. استهلاكٌ في الصمدية وفناءٌ بالكليةّ! ويقال كانت الأجنبيةُ والبعد عن المحرميَّة يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما، والإعراضَ والسكونَ عن سؤالهما.. ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة بالسِّرِّ استنطقة حتى سألهما عن قصتهما، كما قيل: شعر : أَجَارَتَنا إِنَّا غريبان ها هنا وكلُّ غريبٍ للغريبِ نسيبُ تفسير : ويقال: لمَّا سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيامُ بأمرهما؛ ليُعْلَمَ أنَّ مَنْ تَفَقَّدَ أمرَ الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤُهم. ويقال مِنْ كمالِ البلاء على موسى أَنَّه وافى الناسَ وكان جائعاً، وكان مقتضى الرِّفْقِ أَنْ يُطْعِموه، ولكنه قَبَضَ القلوبَ عنه، واستقبله مِنْ موجباتِ حُكْمِ الوقتِ أَنْ يعملَ عَمَلَ أربعين رجلاً؛ لأن الصخرة التي نَحَّاها عن رأس البئر - وَحْدَه - كان ينقلها أربعون رجلاً، فلمَّا عَمِلَ عَمَلَ أربعين رجلاً، تولَّى إلى الظِّلِّ، وقال: إنْ رأيتَ أَنْ تُطْعِمَني بعد مُقَاساة اللتيا والتي.. فذلك فَضْلُكَ!. قال ذلك بلسان الانبساط، ولا لسانَ أحلى من ذلك. وسُنَّةُ الشكوى أن تكون إليه لا مِنْكَ.. بل منه إليه. ويقال: تولَّى إلى ظلِّ الأُنْس ورَوْح البسط واستقلال السِّرِّ بحقيقة الوجود. ويقال قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}: فَزِدْني فقراً؛ فإنَّ فقري إليك يوجِبُ استعانتي بك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما ورد} الورود اتيان الماء وضده الصدور وهو الرجوع عنه. وفى المفردات الورود اصله قصد الماء ثم يستعمل فى غيره. والمعنى ولما وصل موسى وجاء {ماء مدين} وهو بئر على طرف المدينة على ثلاثة اميال منها او اقل كانوا يسقون منها. قال ابن عباس رضى الله عنهما ورده وانه ليتراآى خضرة البقل فى بطنه من الهزال {وجد عليه} اى جانب البئر وفوق شفيرها {امة من الناس} جماعة كثيرة منهم {يسقون} مواشيهم {ووجد من دونهم} فى مكان اسفل منهم {امرأتين} صفوريا وليا ابنتا يثرون ويثرون هو شعيب قاله السهيلى فى كتاب التعريف {تذودان} الذود الكف والطرد والدفع اى تمنعان اغنامهما عن التقدم الى البئر. قال الكاشفى [از آنجا كه شفقت ذاتى انبيا مى باشد فرا بيش رفت وبطريق تلطف] {قال} عليه السلام {ماخطبكا} الخطب الامر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب اى ماشأنكما فيما انتما عليه من التأخير والذود ولم لا تباشران السقى كدأب هؤلاء. قال بعضهم كيف استجاز موسى ان يكلم امرأتين اجنبيتين والجواب كان آمنا على نفسه معصوما من الفتنة فلاجل علمه بالعصمة كلمهما كما يقال كان للرسول التزوج بامرأة من غير الشهود لان الشهود لصيانة العقد عن التجاحد لقد عصم الرسول من ان يجحد نكاحا او يجحد نكاحه دون غيره من افراد امته {قالتا لانسقى حتى يصدر الرعاء} لاصدار [بازكردانيدن] والرعاء بالكسر جمع راع كقيام جمع قائم والرعى فى الاصل حفظ الحيوان اما بغذائه الحافظ لحياته او بذب العدو عنه والرعى بالكسر مايرعاء والمرعى موضع الرعى ويسمى كل سائس لنفسه او لغيره راعيا وفى الحديث "حديث : كلكم مسئول عن رعيته"تفسير : قيل الرعاء هم الذين يرعون المواشى والرعاة هم الذين يرعون الناس وهم الولاة. والمعنى عادتنا ان لا نسقى مواشينا حتى يصرف الرعاء: وبالفارسية [باز كردانند شبانان] مواشيهم بعد ريها ويرجعوا عجزا عن مساجلتهم وحذرا من مخالطة الرجال فاذا انصرفوا سقينا من فضل مواشيهم وحذف مفعول السقى والذود والاصدار لما ان الغرض هو بيان تلك الافعال انفسها اذهى التى دعت موسى الى ماصنع من حقهما من المعروف فانه عليه السلام انما رحمهما لكونهما على الذياد والعجز والعفة وكونهم على السقى غير مبالين بهما ومارحمهما لكون مذودهما غنما ومستقيم ابلا مثلا {وابونا} وهو شعيب {شيخ} [بيرى است] {كبير} كبير السن او القدر والشرف لايستطيع ان يخرج فيرسلنا للرعى والسقى اضطرارا ومن قال من المعاصرين فيه عبرة ان مواشى النبى لم يلتفت اليها فقد اتى بالعبرة لان الراعى لايعرف ماالنبى كما ان القروى فى زماننا لايعرف ماشريعة النبى وقد جرت العادة على ان اهل الايمان من كل امة اقل

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} وهو بئر كانت لهم {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} لمواشيهم من البئر {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} تمنعان غنمهما عن الماء {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما تذودان اغنامكما عن الورد {قَالَتَا لاَ نَسْقِي} اغنامنا عند مزاحمة النّاس {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} قرئ من باب الافعال ومن الثّلاثىّ المجرّد وننتظر فضول الماء فنسقى به ولا نقدر نحن على السّقى من البئر {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر على ان يتولّى السّقى بنفسه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ} أي: جماعة من الناس {يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} أي: الناس عن شائهما؛ وفي بعض القراءة: (تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ شَائِهِمَا)، أي: حابستين شاءهما تذودان الناس عنهما. وقال بعضهم: تمنعان غنمهما أن تختلط بأغنام الناس. {قَالَ} لهما موسى: {مَا خَطْبُكُمَا} أي: ما أمركما {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ} أي: حتى يسقي الناس ثم نبتغي فضالتهم في تفسير الحسن {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. {فَسَقَى لَهُمَا} فلم يلبث أن أروى غنمها {ثُمَّ تَوَلَّى} أي: انصرف {إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} يعني الطعام. وكان بجهد. وقال سعيد بن جبير: كان فقيراً إلى شق تمرة. قوله: {فَجَآءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ} واضعة يديها على وجهها. قال الحسن: بعيدة والله عن البذاء. قال: ويقولون شعيب وليس بشعيب، ولكنه سيد أهل الماء يومئذ؛ ذكروا عن ابن عباس قال: اسم ختن موسى يترى. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ} أي: خبره {قَالَ} الشيخ: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} أي بلغه المراد بئر يسقون منها مواشيهم. {وَجَدَ عَلَيْهِ} أي على شفيره. {أُمَّةً} جماعة كثيرة مختلفة. {مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} مواشيهم. {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ} أي غير الجماعة أو في مكان أسفل من مكانهم وقيل: بعيدا عن الجماعة. {امْرَأَتَيْنِ} وصل اليهما قيل الوصول الى الأمة. {تَذُودانِ} تمنعان أغنامهما عن الماء لئلا تختلط بأغنام الناس وخوفا من السقات الأقوياء ولئلا تختلطا بالرجال، وعن بعض تأخرتا حتى يصدر الرعاة فتسقيا أغنامهما مما بقي في حياضهم وتقديري مواشيهم بعد يسقون وأغنامهما بعد تذودان بيان للواقع وبيان لكون المفعول محذوفا ولا يمنع اثبات المفعول لهما كون موسى عليه السلام رحم الابنتين على مطلق الذياد والحال ان قومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم ابلا او ابلا وغيرها لجواز ذكر المفعول وتعليق الحكم بناصية بدون النظر اليه وصحح ابن هشام انه لا مفعول لهما قال: ومما لا يقدر له مفعول على الأصح {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} الآية ألا ترى انه صلى الله عليه وسلم انه رحمهما كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم ابلا وكذلك المقصود من قولهما ألا نسقي السقي لا المسقي ومن لم يتأمل قدر يسقون ابلهم وتذود أن غنمهما ولا نسقي غنمنا. {قَالَ} لهما موسى. {مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما لا تسقيان. {قَالَتَا لا نَسْقِي} أغنامنا. {حَتَّى يُصْدِرَ} أي يرجع. {الرِّعَآءُ} جمع راع من السقي قرأ ابو عمر وابن عامر بفتح الياء وضم الدال وقرأه الباقون بضم الياء وكسر الدال وبهذا نقرأ فيقدر له مفعول وهو رباعي أي يصرفوا أغنامهم وقريء بضم نون نسقي وراء الرعاء فيكون اسم جمع وذكر جار الله أن الرعاء بالكسر قياس كصيام وقيام. {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر أن يسقي فلذلك أرسلنا للسقي ومالنا رجل يقوم بذلك ولا نقدر على مزاحمة الرجال فتأخرنا فبان لك ان شعيبا انما أرسلهما للسقي عن ضرورة مع انه ليس بمحظور شرعا والأحوال متابينة والعرب خلاف العجم في الأحوال وأحوال البدو غير أحوال الحضر والمشهور أن أبوهما هو شعيب وقيل ثيرون بن أخي شعيب وكان شعيب قد مات بعد ما كف بصره وقيل هو رجل ممن آمن بشعيب وقيل هو سيد ذلك الماء يومئذ فلما سمع موسى كلامهما رق لهما ورحمهما فاقتلع صخرة عن فم بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا أربعون رجلا وقيل عشرة وكانت آبارهم تغطى بالحجارة.

اطفيش

تفسير : {ولمَّا وَردَ} وصل، وأصل ورود الماء دخوله أو الشرب منه {ماء مَدْين} بئرها تسمية للمحل باسم الحال {وجَد عليْه} عَلى شفيره وليس حذفا للمضاف، لأن الوجود على الماء حقيقة عرفية فى الوجود عنده {أمَّةً} عظيمة للتنوين فى النكرة، كذا قيل، وليس بلازم ولا متبادرا، بل يفيد الكثرة على بعد بقوله: {من الناس} إذ الكون من أخلاط الناس، يشير إليها لكثرة الناس باختلاط كل من جاء بدون أن يخص ذوو المروءة مثلا فيقلوا فهم من مطلق الأصناف، وقيل ذكروا بالناس، لأنه لا خصلة لهم يذكرون بها، أو لشبههم بالبهائم، حتى كانهم يميزون عنها ببيان أنهم من الناس، إذ لم يراعوا حق النسوة الضعاف المتورعات بنات شيخ أعمى نبى ولكن أى كثرة فى الرعاء إذا كان الناس الرعاء اللهم إلا أن الكثرة أمر نسبى، قد تعتبر بالنسبة الى ما هو قليل. {يسْقُونَ} منه مواشيهم {ووَجَد مِنْ دُونِهم} بعيدا عنهم أو قريبا {امرأتين تَذُودان} تدفعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس أو مواشيهم، أو تفترق، او يدخل فيها غيرها أو خوفا من السقاة، ومن أن تشرب من ماء تعنوا فيه دونهما، وقيل تذودان الناس عن غنمهما، ولا يظهر ان يراد تدفعان الناس عن النظر اليهما، واسم الصغرى صفيراء، والكبرى صفراء، أو اسم إحداهما ليا أو عبرا أو شرقا، والأخرى صفوريا أو صفوراء أو صفيراء {قال ما خَطْبُكما} ما شأنكما، أو ما مطلوبكما، وأصل الخطب الطلب، الناس يسقون ماشيتهم، وأنتما ماكثتان عن السقى {قَالتَا} معا والظاهر أنه قالت إحداهما عن نفسها وعن الأخرى، وقولها قول الأخرى، ولعل القائلة الكبيرة، وقد قيل من بطن واحد، كبرت إحداهما الأخرى بنصف النهار. {لا نَسْقى} عادتنا التباعد عن السقى، والمضارع للتكرار، ولم يتعلق الغرض بالمفعول وهو الماشية، فلم يذكر {حتَّى يُصْدر} ينصرفَ {الرِّعاءُ} بمواشيهم لئلا نختلظ بالرجال مساً او نظراً منهم، جمع راع والمقياس الرعاة كقضاة {وأبونا شيخٌ كَبيرٌ} عاجز لكثرة سنه، ولو كان غير شيخ، أو كان شيخاً غير كبير، أو كان كثير المال، ولو كان له ابن يصلح للرعة والسقى لتولاهما هو، أو الابن او استأجر، وأبوهما شعيب، وقيل صاحب موسى أثرون ابن أخى شعيب، قيل: صاحب موسى هارون، وقيل: مروان، وقيل: أبوهما ابن أخى شعيب، وقيل: أخوه فسمتا العم أبا، وقيل: يثرب صاحب مدين، وقيل: يثرون خبرها، وإنما سألهما موسى لمطلق التعجب من حالهما، ولما أخبرتاه رق لهما مع ما رأى منهما من الديانة.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } أي وصل إليه وورد. الورود بمعنى الدخول وبمعنى الشرب وليس شيء منهما مراداً، والمراد بماء مدين بئر كانوا يسقون منها، فهو مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل {وَجَدَ عَلَيْهِ } أي فوق شفيره ومستقاه {أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ } أي جماعة كثيرة مختلفي الأصناف، ويشعر بالقيد الأول التنوين، وبالثاني من الناس لشموله للأصناف المختلفة وهي فائدة ذكره، وقيل فائدته تحقير أولئك الجماعة وأنهم لئام لا يعرفون بغير جنسهم أو محتاجون إلى بيان أنهم من البشر {يَسْقُوْنَ } الظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة الأنواع بمعنى أن منهم من كان يسقي إبلاً ومنهم من كان يسقي غنماً وهكذا، وتخصيص سقيهم بنوع يحتاج إلى توقيف {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } أي في مكان أسفل من مكانهم، وقيل من قربهم أو من سواهم أو مما يلي جهته إذا قدم عليهم وإلى هذا الأخير ذهب ابن عطية حيث قال: المعنى ووجد من الجهة التي وصل إليها قبل أن يصل إلى الأمة {ٱمْرَأَتَينِ } اسم إحداهما قيل ليا وقيل عبرا وقيل شرفا، واسم الأخرى قيل صفوريا وقيل صفوراء وقيل صفيراء، وفي «الكشاف» صفيراء اسم الصغرى واسم الكبرى صفراء {تَذُودَانِ } كانتا تمنعان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء قاله ابن عباس وغيره، وقيل تمنعان غنمهما عن التقدم إلى البئر لئلا تختلط بغيرها. وحكي ذلك عن الزجاج. وقال قتادة: تمنعان الناس عن غنمهما. وقال الفراء: تحبسان غنمهما عن أن تتفرق، وفي جميع هذه الأقوال تصريح بأن المذود كان غنماً، والظاهر أن ذلك عن توقيف،، وقيل تذودان عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما وهذا كما ترى. {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } أي ما مخطوبكما / ومطلوبكما مما أنتما عليه من التأخر والذود ولم لا تباشران السقي كغيركما؟ وأصل الخطب مصدر خطب بمعنى طلب ثم استعمل بمعنى المفعول. وفي سؤاله عليه السلام إياهما دليل على جواز مكالمة الأجنبية فيما يعني. وقرأ شمر {مَا خَطْبُكُمَا } بكسر الخاء، قال في «البحر»: أي من زوجكما؟ ولم لا يسقي هو؟. وهذه قراءة شاذة نادرة اهـ. ولا يخفى ما فيه وإباء الجواب عنه. وقال بعضهم: الخطب فيها بمعنى المخطوب والمطلوب كما في القراءة المتواترة، ونظيره الحب بكسر الحاء المهملة بمعنى المحبوب. {قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرّعَاء }. أي عادتنا أن لا نسقي حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريها عن الماء عجزاً عن مساجلتهم لا أنا لا نسقي اليوم إلى تلك الغاية. وقرأ ابن مصرف {لاَ نَسْقِى } بضم النون من الإسقاء. وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وقتادة والعربيان: ابن عامر، وأبو عمرو {يصدر} بفتح الياء وضم الدال أي حتى يصدر الرعاة بأغنامهم. وسأل بعض الملوك عن الفرق بين القراءتين من حيث المعنى. فأجيب بأن قراءة (يصدر) بفتح الياء تدل على فرط حيائهما وتواريهما من الاختلاط بالأجانب. وقراءة (يصدر) بضم الياء تدل على إصدار الرعاة المواشي ولم يفهم منها صدورهم عن الماء. وقرىء بزاي خالصة وبحرف بين الصاد والزاي. وقرىء (الرعاء) بضم الراء والمعروف في صيغ الجمع فعال بكسر الفاء كما في قراءة الجمهور، وأما فعال بالضم فعلى خلاف القياس لأنه من أبنية المصادر والمفردات كنباح وصراخ، وإذا استعمل في معنى الجمع كما في القراءة الشاذة فقيل هو اسم جمع لا جمع وقيل إنه جمع أصلي وقيل إنه جمع ولكن الأصل فيه الكسر، والضم فيه بدل من الكسر كما أنه بدل من الفتح في نحو سكارى، والوارد منه في كلام العرب ألفاظ محصورة ذكرها الخفاجي في «شرح درة الغواص» والمشهور منها على ما قال ثمانية، وقد نظمها صدر الأفاضل لا الزمخشري على الأصح بقوله:شعر : ما سمعنا كلما غير ثمان هي جمع وهي في الوزن فُعال فرباب وفرار وتؤام وعرام وعراق ورُخال وظؤار جمع ظئر وبساط جمع بسط هكذا فيما يُقال تفسير : وذهب أبو حيان إلى أن الرعاء في قراءة الجمهور ليس بقياس أيضاً قال: لأنه جمع راع وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعلة كقاض وقضاة وما سوى جمعه هذا فليس بقياس، وقرأ عياش عن أبـي عمرو (الرعاء) بفتح الراء وهو مصدر أقيم مقام الصفة فاستوى لفظ الواحد والجماعة فيه، وجوز أن يكون مما حذف منه المضاف أي أهل الرعاء. {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } إبداء منهما للعذر له عليه السلام في توليهما للسقي بأنفسهما كأنهما قالتا: إنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وذكر بعضهم أنه عليه السلام أخرج السؤال على ما يقتضيه كرمه ورحمته بالضعفاء حيث سألهما عن مطلوبهما من التأخر والذود قصداً لأن يجاب بطلب المعونة إلا أنهما لجلالة قدرهما حملتا قوله على ما يجاب عنه بالسبب / وفي ضمنه طلب المعونة لأن إظهارهما العجز ليس إلا لذلك، وقيل: ليس في الكلام ما يدل على ضعفهما بل فيه أمارات على حيائهما وسترهما ولو أرادتا إظهار العجز لقالتا لا نقدر على السقي ومعنى {وأبونا شيخ كبير} أنا مع حيائنا إنما تصدينا لهذا الأمر لكبره وضعفه وإلا كان عليه أن يتولاه، ولعل الأولى أن يقال: إنهما أرادتا إظهار العجز عن المساجلة للضعف ولما جبلا عليه من الحياء، والكلام وإن لم يكن فيه ما يدل على ضعفهما، فيه ما يشير إليه لمن له قلب، ويفهم من بيان معنى جوابهما المار آنفاً أن جملة {أبونا شيخ كبير} عطف على مقدر، وجوز أن تكون حالاً أي نترك السقي حتى يصدر الرعاء والحال أبونا شيخ كبير. وأبوهما عند أكثر المفسرين شعيب عليه السلام. {فَانٍ قِيلَ } كيف ساغ لنبي الله تعالى أن يرضى لابنتيه بسقي الغنم؟ فالجواب: أن الأمر في نفسه ليس بمحظور فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك والعادات متباينة فيه وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحال حال ضرورة، وذهب جماعة إلى أنه ليس بشعيب عليه السلام فأخرج سعيد بن منصور وابن أبـي شيبة وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن أبـي عبيدة أنه قال كان صاحب موسى عليه السلام أثرون بن أخي شعيب النبـي عليه السلام، وحكى هذا القول عنه أبو حيان أيضاً إلا أنه ذكر هٰرون بدل أثرون وحكاه أيضاً عن الحسن إلا أنه ذكر بدله مروان، وحكى الطبرسي عن وهب وسعيد بن جبير نحو ما حكاه أبو حيان عن أبـي عبيدة، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال بلغني أن أبا الإمرأتين ابن أخي شعيب واسمه رعاويل وقد أخبرني من أصدق أن اسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين والكاهن حبر، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين، وجاء في رواية أخرى عنه أن اسمه يثرون وهو موافق لما نقل عن «الكتاب» من الاسم ولم يذكر في هاتين الروايتين نسبته إلى شعيب عليه السلام فيحتمل أن المسمى بما فيها ابن أخيه ويحتمل أنه رجل أجنبـي عنه فقد قيل: إن أباهما ليس ذا قرابة من شعيب عليه السلام وإنما هو رجل صالح، وحكى الطبرسي عن بعضهم أن يثرون اسم شعيب وقد أخبرني بعض أهل الكتاب بذلك أيضاً إلا أنه قال هو عندنا يثرو بدون نون في آخره والذي رأيته أنا في الفصل الثاني من السفر الثاني من توراتهم ما ترجمته: ولما سمع فرعون بهذا الخبر أي خبر القتل طلب أن يقتل موسى فهرب موسى من بين يديه وصار إلى بلد مدين وجلس على بئر ماء وكان لإمام مدين سبع بنات فجاءت ودلت وملأت الأحواض لسقي غنم أبيهن فلما جاء الرعاة فطردوهن قام موسى فأغاثهن وسقى غنمهن فلما جئن إلى رعوايل أبيهن قال ما بالكن أسرعتن المجيء اليوم الخ، وفي أول الفصل الثالث منه ما ترجمته: وكان موسى يرعى غنم يثرو حمية إمام مدين الخ فلا تغفل. وفي «البحر» عند الكلام في تفسير {أية : إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ } تفسير : [القصص: 25] قيل: كان عمها صاحب الغنم وهو المزوج عبرت عنه بالأب إذ كان بمثابته والظاهر أن هذا القائل يقول: إنهما عنتا بالأب هنا العم، وأنت تعلم أن هذا وأمثاله مما تقدم مما لا يقال من قبل الرأي فالمدار في قبول شيء من ذلك خبر يعول عليه والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب مختلفة ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيما بينها وكأني بك تعول على المشهور الذي عليه أكثر المفسرين وهو أن أباهما على الحقيقة شعيب عليه السلام إلى أن يظهر لك ما يوجب العدول عنه.

ابن عاشور

تفسير : يدل قوله {لما ورد ماء مدين} أنه بلغ أرض مدين، وذلك حين ورد ماءهم. والورود هنا معناه الوصول والبلوغ كقوله تعالى {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71]. والمراد بالماء موضع الماء. وماء القوم هو الذي تعرف به ديارهم لأن القبائل كانت تقطن عند المياه وكانوا يكنون عن أرض القبيلة بماء بني فلان، فالمعنى: ولما ورد، أي عندما بلغ بلاد مدين. ويناسب الغريب إذا جاء ديار قوم أن يقصد الماء لأنه مجتمع الناس فهنالك يتعرف لمن يصاحبه ويضيفه. و{لما} حرف توقيت وجود شيء بوجود غيره، أي عندما حل بأرض مدين وجد أمة. والأمة: الجماعة الكثيرة العدد، وتقدم في قوله تعالى {أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : في [البقرة: 213]. وحذف مفعول {يسقون} لتعميم ما شأنه أن يسقى وهو الماشية والناس، ولأن الغرض لا يتعلق بمعرفة المسقي ولكن بما بعده من انزواء المرأتين عن السقي كما في «الكشاف» تبعاً «لدلائل الإعجاز»، فيكون من تنزيل الفعل المتعدّي منزلة اللازم، أو الحذف هنا للاختصار كما اختاره السكاكي وأيده شارحاه السعد والسيد. وأما حذف مفاعيل {تَذُودان لا نسقي فسقى لهما} فيتعين فيها ما ذهب إليه الشيخان. وأما ما ذهب إليه صاحب «المفتاح» وشارحاه فشيء لا دليل عليه في القرآن حتى يقدر محذوف وإنما استفادة كونهما تذودان غنماً مرجعها إلى كتب الإسرائيليين. ومعنى {من دونهم} في مكان غير المكان الذي حول الماء، أي في جانب مباعد للأمة من الناس لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره. وتتفرع من ذلك معان مجازية مختلفة العلاقات، ومنها ما وقع في هذه الآية. فــــ(دون) بمعنى جهة يصل إليها المرء بعد المكان الذي فيه الساقون. شُبّه المكان الذي يبلغ إليه الماشي بعد مكان آخر بالمكان الأسفل من الآخر كأنه ينزل إليه الماشي لأن المشي يشبه بالصعود وبالهبوط باختلاف الاعتبار. ويحذف الموصوف بــــ(دون) لكثرة الاستعمال فيصير (دون) بمنزلة ذلك الاسم المحذوف. وحرف {من} مع (دون) يجوز أن يكون للظرفية مثل {أية : إذا نُودِي للصلاة من يوم الجمعة}تفسير : [الجمعة: 9]. ويجوز أن يكون بمعنى (عند) وهو معنى أثبته أبو عبيدة في قوله تعالى {أية : لن تُغْنِيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}تفسير : [ آل عمران: 10]. والمعنى: ووجد امرأتين في جهة مبتعدة عن جهة الساقين. و{تذودان} تطرُدان. وحقيقة الذود طرد الأنعام عن الماء ولذلك سموا القطيع من الإبل الذود فلا يقال: ذدت الناس، إلا مجازاً مرسلاً، ومنه قوله في الحديث «حديث : فَلَيذادن أقوام عن حوضي»تفسير : الحديث. والمعنى في الآية: تمنعان إبلاً عن الماء. وفي التوراة: أن شعيباً كان صاحب غنم وأن موسى رعى غنمه. فيكون إطلاق {تذودان} هنا مجازاً مرسلاً، أو تكون حقيقة الذود طرد الأنعام كلها عن حوض الماء. وكلام أيمة اللغة غير صريح في تبيين حقيقة هذا. وفي سفر الخروج: أنها كانت لهما غنم، والذود لا يكون إلا للماشية. والمقصود من حضور الماء بالأنعام سقيها. فلما رأى موسى المرأتين تمنعان أنعامهما من الشرب سألهما: ما خطبكما؟ وهو سؤال عن قصتهما وشأنهما إذ حضرا الماء ولم يقتحما عليه لسقي غنمهما. وجملة {قال ما خطبكما} بدل اشتمال من جملة {ووجد من دونهم امرأتين تذودان}. والخطب: الشأن والحدث المهم، وتقدم عند قوله تعالى {أية : قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه}تفسير : [يوسف: 51]، فأجابتا بأنهما كرهتا أن تسقيا في حين اكتظاظ المكان بالرعاء وأنهما تستمران على عدم السقي كما اقتضاه التعبير بالمضارع إلى أن ينصرف الرعاء. و{الرعاء}: جمع راع. والإصدار: الإرجاع عن السقي، أي حتى يسقي الرعاء ويصدروا مواشيهم، فالإصدار جعل الغير صادراً، أي حتى يذهب رعاء الإبل بأنعامهم فلا يبقى الزحام. وصدهما عن المزاحمة عادتهما لأنهما كانتا ذواتي مروءة وتربية زكية. وقرأ الجمهور {يصدر} بضم الياء وكسر الدال. وقرأه ابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر {يصدر} بفتح حرف المضارعة وضم الدال على إسناد الصدر إلى الرعاء، أي حتى يرجعوا عن الماء، أي بمواشيهم لأن وصف الرعاء يقتضي أن لهم مواشي. وهذا يقتضي أن تلك عادتهما كل يوم سقي، وليس في اللفظ دلالة على أنه عادة. وكان قولهما {وأبونا شيخ كبير} اعتذاراً عن حضورهما للسقي مع الرجال لعدم وجدانهما رجلاً يستقي لهما لأن الرجل الوحيد لهما هو أبوهما وهو شيخ كبير لا يستطيع ورود الماء لضعفه عن المزاحمة. واسم المرأتين (لَيَّا) و(صَفُّورة). وفي سفر الخروج: أن أباهما كاهن مدْين. وسمّاه في ذلك السفر أول مرة رعْويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ووصفه بحمي موسى، فالمسمى واحد. وقال ابن العِبري في «تاريخه»: يثرون بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان، فيكون شُعيب هو المسمى عند اليهود يثرون. والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح. لأن الكاهن يخبر عن الغيب ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود. وللجزم بأنه شعيب الرسول جعل علماؤنا ما صدر منه في هذه القصة شرعاً سابقاً ففرعوا عليه مسائل مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ. ومنها مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة، ووجوب استحيائها، وولاية الأب في النكاح، وجعل العمل البدني مهراً، وجمع النكاح والإجارة في عقد واحد، ومشروعية الإجارة. وقد استوفى الكلام عليها القرطبي. وفي أدلة الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا. وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها وظهورها في مجامع الناس إذا كانت تستر ما يجب ستره فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه. وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف. ودخول {لما} التوقيتية يؤذن باقتران وصوله بوجود الساقين. واقتران فعل (سقى) بالفاء يؤذن بأنه بادر فسقى لهن، وذلك بفور وروده. ومعنى {فسقى لهما} أنه سقى ما جئن ليسقينه لأجلهما، فاللام للأجل، أي لا يدفعه لذلك إلا هما، أي رأفة بهما وغوثاً لهما. وذلك من قوة مروءته أن اقتحم ذلك العمل الشاق على ما هو عليه من الإعياء عند الوصول. والتولي: الرجوع على طريقه، وذلك يفيد أنه كان جالساً من قبل في ظل فرجع إليه. ويظهر أن {تولى} مرادف (ولى) ولكن زيادة المبنى من شأنها أن تقتضي زيادة المعنى فيكون {تولى} أشد من (ولى)، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى {أية : ولى مدبراً}تفسير : في سورة [النمل: 10]. وقد أعقب إيواءه إلى الظل بمناجاته ربه إذ قال {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}. لما استراح من مشقة المتح والسقي لماشية المرأتين والاقتحام بها في عدد الرعاء العديد، ووجد برد الظل تذكر بهذه النعمة نعماً سابقة أسداها الله إليه من نجاته من القتل وإيتائه الحكمة والعلم، وتخليصه من تبعة قتل القبطي، وإيصاله إلى أرض معمورة بأمة عظيمة بعد أن قطع فيافي ومفازات، تذكر جميع ذلك وهو في نعمة برد الظل والراحة من التعب فجاء بجملة جامعة للشكر والثناء والدعاء وهي {إني لما أنزلت إلي من خير فقير}. والفقير: المحتاج فقوله {إني لما أنزلت إلي من خير} شكر على نعم سلفت. وقوله {إني لما أنزلت إلي من خير} ثناء على الله بأنه معطي الخير. والخير: ما فيه نفع وملاءمة لمن يتعلق هو به فمنه خير الدنيا ومنه خير الآخرة الذي قد يرى في صورة مشقة فإن العبرة بالعواقب، قال تعالى {أية : ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}تفسير : [التوبة: 85]. وقد أراد النوعين كما يرمز إلى ذلك التعبير عن إيتائه الخير بفعل {أنزلت} المشعر برفعة المعطَى. فأول ذلك إيتاء الحكمة والعلم. ومن الخير إنجاؤه من القتل، وتربيته الكاملة في بذخة الملك وعزته، وحفظه من أن تتسرب إليه عقائد العائلة التي ربي فيها فكان منتفعاً بمنافعها مجنباً رذائلها وأضرارها. ومن الخير أن جعل نصر قومه على يده، وأن أنجاه من القتل الثاني ظلماً، وأن هداه إلى منجى من الأرض، ويسر له التعرف ببيت نبوءة، وأن آواه إلى ظل. و(ما) من قوله {لما أنزلت إلي} موصولة كما يقتضيه فعل المضي في قوله {أنزلت} لأن الشيء الذي أنزل فيما مضى صار معروفاً غير نكرة، فقوله (ما أنزلت إلي) بمنزلة المعرف بلام الجنس لتلائم قوله {فقير} أي فقير لذلك النوع من الخير، أي لأمثاله. وأحسن خير للغريب وجود مأوى له يطعم فيه ويبيت وزوجة يأنس إليها ويسكن. فكان استجابة الله له بأن ألهم شعيباً أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه بنته، كما أشعرت بذلك فاء التعقيب في قوله {أية : فجاءته إحداهما}تفسير : [القصص: 25].

د. أسعد حومد

تفسير : (23) - فَلَمَّا وَصَلَ مُوسَى إِلى مَدْيَنَ وَرَدَ مَاءَهَا، وَكَانَ لَهَا بِئْرٌ يَرِدُهَا رُعَاةُ المَاشِيَةِ، فَوَجَدَ جَمَاعَةً منَ النَّاسِ يَسْقُونَ أَنْعَامَهُمْ وَوَجَدَ امْرأَتَينِ تَكَفْكِفَانِ غَنَمَهُمَا أَنْ تَرِدَ مَعَ أُولِئكَ الرّعَاةِ (أَيْ تَذُوَدانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الوُرُودِ) لئلاّ يُؤْذِيَهُمَا أَحدٌ، فَرَقَّ لَهُمَا قَلْبَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَسَأَلهُمَا لِمَاذا لا تَرِدَانِ مَعَ النَّاسِ؟ فَقَالَتَا: إِنَّهُمَا لاَ تَسْتَطِيعَانِ مُزَاحَمَةَ الرُّعَاةِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهُمَا تَنْتَظِرانِ حَتَّى يَخِفَّ الزِّحَامُ عَلَى البِئْرِ، وَيَذْهبَ الرُّعَاةُ بَمَواشِيهِمْ (يُصْدِرَ الرِّعَاءُ)، وَحِينَئِذٍ تَسْتَطِيعَانِ سَقْيَ أَغْنَامِهِمَا، وَهُمَا لَيْسَ لَهُمَا قَرِيبٌ ذَكَرٌ يَسْتَطِيعُ القِيَامَ بِمهمَّةِ السَّقْيِ، وَأَبُوهُمَا شَيخٌ كَبيرٌ لا يَحْتَمِلُ مِثْلَ هذهِ المَشَقَّةِ، لِذَلِكَ تَقُومَانِ هُمَا بِهَا. تَذُودَانِ - تَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنْ وُرُودِ المَاءِ. مَا خَطْبُكُمَا - مَا شَأْنُكُمَا وَمَا مَطْلُوبُكُمَا. يُصْدِرَ الرِّعَاءُ - يَنْصَرِفَ الرُّعَاةُ بِمَوَاشِيهِمْ عَنِ المَاءِ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} وهو بئر كانت لهم {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان (أغنامهما) عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصاراً، قتادة: (تذودان) الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: {قَالَ} يعني موسى {مَا خَطْبُكُمَا} ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ} قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل الرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حتى يصدر {ٱلرِّعَآءُ} لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى اللّه عليه وعلى جميع الانبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلاّ جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ} قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعاً، فأخذها فعالجها ساعة فلم يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم أنصرفت. {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ} قال قطرب: اللام ههنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، {مِنْ خَيْرٍ} أي طعام {فَقِيرٌ} محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلاّ أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحاً رحمنا، فسقى لنا أغنامنا (قبل الناس)، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه»: مستترة بكم درعها لوف قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن طرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح،فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودليّني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء {فَلَمَّا جَآءَهُ} يعني الشيخ {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} وهي التي تزوجها موسى {يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} لرعي أغنامنا {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلاّ أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها (فأخذ) الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها. {قَالَ} عند ذلك الشيخ لموسى {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي} يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ ماشيتي {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: (يقول العرب) آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً} أي عشر سنين {فَمِنْ عِندِكَ} وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}. {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} الثمان أو العشر {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلاّ هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلاّ يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولداً من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسُرَّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأناً. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإنْ كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنيناً عظيماً أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشباً وريفاً لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريراً فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأناً، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراماً له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك (من) الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلاّ وقد وضعت حملها ما بين بلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عرض القرآن الكريم هذه القصة في إيجاز بليغ، ومع إيجازها فقد أوضحتْ مهمة المرأة في مجتمعها، ودور الرجل بالنسبة للمرأة، والضرورة التي تُلجىء المرأة للخروج للعمل. معنى {وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ..} [القصص: 23] يعني: جاء عند الماء، ولا يقتضي الورود أن يكون شَرِب منه. والورود بهذا المعنى حلَّ لنا الإشكال في قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ..}تفسير : [مريم: 71] فليس المعنى دخول النار، ومباشرة حَرِّها، إنما ذاهبون إليها، ونراها جميعنا - إذن: وردْنا العَيْن. يعني: جئنا عندها ورأيناها، لكن الشرب منها، شيء آخر. {وَجَدَ عَلَيْهِ ..} [القصص: 23] أي: على الماء {أُمَّةً ..} [القصص: 23] جماعة {يَسْقُونَ ..} [القصص: 23] أي: مواشيهم {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ..} [القصص: 23] يعني: بعيداً عن الماء {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ ..} [القصص: 23] أي: تكفّان الغنم وتمنعانها من الشُّرْب لكثرة الزحام على الماء {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ..} [القصص: 23] أي: ما شأنكما؟ وفي الاستفهام هنا معنى التعجُّب يعني: لماذا تمنعان الغنم أنْ تشربَ، وما أتيتُما إلا للسُّقْيا؟ {قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23]. وقولهما {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ..} [القصص: 23] يعني: ينصرفوا عن الماء، فصدر مقابل ورد، فالآتي للماء: وارد، والمنصرف عنه: صادر: نقول: صدر يَصْدُر أي: بذاته، وأصدر يُصْدر أي: غيره. فالمعنى: لا نَسْقي حتى يسقي الناس وينصرفوا. و {ٱلرِّعَآءُ ..} [القصص: 23] جمع رَاعٍ. ثم يذكران العلَّة في خروجهما لِسقْي الغنم ومباشرة عمل الرجال {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23]. ثم يقول الحق سبحانه: {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2206- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {تَذُودَانِ}: [الآية: 23]، قال: تذودَانِ الناسَ عن غنمهما. 2207- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ}: [الآية: 23]، قال: فتشرب فُضالتهم.