Verse. 3277 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

فَجَاۗءَتْہُ اِحْدٰىہُمَا تَمْشِيْ عَلَي اسْـتِحْيَاۗءٍ۝۰ۡقَالَتْ اِنَّ اَبِيْ يَدْعُوْكَ لِيَجْزِيَكَ اَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا۝۰ۭ فَلَمَّا جَاۗءَہٗ وَقَصَّ عَلَيْہِ الْقَصَصَ۝۰ۙ قَالَ لَا تَخَفْ۝۰۪ۣ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّٰلِــمِيْنَ۝۲۵
Fajaathu ihdahuma tamshee AAala istihyain qalat inna abee yadAAooka liyajziyaka ajra ma saqayta lana falamma jaahu waqassa AAalayhi alqasasa qala la takhaf najawta mina alqawmi alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فجاءته إحداهما تمشي على استحياء» أي واضعة كُمَّ درعها على وجهها حياء منه «قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا» فأجابها منكراً في نفسه أخذ الأجرة كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت إلى أن جاء أباها وهو شعيب عليه السلام وعنده عشاء فقال: اجلس فتعش قال: أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل خير عوضاً قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فأكل وأخبره بحاله قال تعالي «فلما جاءه وقص عليه القصص» مصدر بمعنى المقصوص من قتله القبطي وقصدهم قتله وخوفه من فرعون «قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين» إذ لا سلطان لفرعون على مدين.

25

Tafseer

ابن كثير

تفسير : لما رجعت المرأتان سريعاً بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعاً، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام، فبعث إحداهما إليه؛ لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} أي: مشي الحرائر؛ كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: أنه قال: كانت مستترة بكم درعها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خراجة ولاجة. هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجرئية السليطة، ومن النوق: الشديدة. {قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} وهذا تأدب في العبارة، لم تطلبه طلباً مطلقاً؛ لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا، {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} أي: ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} يقول: طب نفساً، وقر عيناً، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال: {نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس: أنه بلغه أن شعيباً هو الذي قص عليه موسى القصص، قال: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}. وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي: أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «حديث : مرحباً بقوم شعيب، وأختان موسى، هديت» تفسير : وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: {أية : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 89] وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيباً عاش مدة طويلة، إنما هو ــــ والله أعلم ــــ احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب: أنه لو كان إياه، لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريباً إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه ثيرون، والله أعلم. قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثيرون هو ابن أخي شعيب عليه السلام، وعن أبي حمزة عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين، رواه ابن جرير به، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك. وقوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل، قيل: هي التي ذهبت وراء موسى عليه السلام، قالت لأبيها: {يٰأَبَتِ ٱسْتَـئْجِرْهُ} أي: لرعية هذه الغنم. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلاَّ عشرة رجال، وإني لما جئت معه، تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلفت علي الطريق، فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق؛ لأهتدي إليه. وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: أكرمي مثواه، وصاحبة موسى حين قالت: {يٰأَبَتِ ٱسْتَـئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}. قال: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى غنمه، ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين، قال شعيب الجبائي: وهما صفورا، وليا. وقال محمد بن إسحاق: صفورا، وشرفا، ويقال: ليا وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين بمائة، فقال: اشتريت، أنه يصح، والله أعلم. وقوله: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} أي: على أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين، فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية، {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ} أي: لا أشاقك ولا أؤذيك ولا أماريك، وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحمل الحديث المروي في "سنن أبي داود": «حديث : من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا» تفسير : على هذا المذهب، وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر، ليس هذا موضع بسطه؛ لطوله، والله أعلم. ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة، بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه "السنن" حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه: حدثنا محمد بن المصفي الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد عن مسلمة بن علي عن سعيد بن أبي أيوب عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة ابن المنذر السلمي يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طسم، حتى إذا بلغ قصة موسى، قال: «حديث : إن موسى آجر نفسه ثماني سنين، أو عشر سنين، على عفة فرجه، وطعام بطنه» تفسير : وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف؛ لأن مسلمة بن علي، وهو الخشني الدمشقي البلاطي، ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر، وفيه نظر أيضاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي ابن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن موسى عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه» تفسير : وقوله تعالى إخباراً عن موسى عليه السلام: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشراً، فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما، فقد برئت من العهد، وخرجت من الشرط، ولهذا قال: {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ } أي: فلا حرج علي، مع أن الكامل، وإن كان مباحاً، لكنه فاضل من جهة أخرى بدليل من خارج؛ كما قال تعالى: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 203] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر، فقال: «حديث : إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» تفسير : مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر، هذا وقد دل الدليل على أن موسى عليه السلام إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما. وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس رضي الله عنه فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال، فعل، هكذا رواه البخاري، وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد بن جبير، ووقع في حديث الفتون من رواية القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية، والأول أشبه، والله أعلم، وقد روي من حديث ابن عباس مرفوعاً، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن الحميدي عن سفيان، وهو ابن عيينة: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، وكان من أسناني، أو أصغر مني، فذكره. وفي إسناده قلب، وإبراهيم هذا ليس بمعروف. ورواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم: قرىء على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن يوسف بن تيرح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «حديث : لا علم لي» تفسير : فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال جبريل: لا علم لي، فسأل جبريل ملكاً فوقه، فقال: لا علم لي، فسأل ذلك الملك ربه عز وجل عما سأله عنه جبريل، عما سأله عنه محمد صلى الله عليه وسلم فقال الرب عز وجل: قضى أبرهما وأبقاهما، أو قال: أزكاهما، وهذا مرسل، وقد جاء مرسلاً من وجه آخر، وقال سنيد: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال مجاهد: إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل، فسأله، فقال: سوف أسأل الرب عز وجل، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما. (طريق أخرى مرسلة أيضاً) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «حديث : أوفاهما وأتمهما» تفسير : فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي هذا مرفوعاً من رواية أبي ذر رضي الله عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عويذ بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «حديث : أوفاهما وأبرهما، قال: وإن سئلت: أي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما» تفسير : ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلاَّ بهذا الإسناد. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عَوبَد بن أبي عمران، وهو ضعيف. ثم قد روي أيضاً نحوه من حديث عتبة بن النّدر بزيادة غريبة جداً، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأجلين قضى موسىٰ؟ قال: «حديث : أبرهما وأوفاهما» تفسير : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن موسى عليه السلام لما أراد فراق شعيب عليه السلام، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرت شاة، إلاَّ ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان كلها، وولدت ثنتين وثلاثاً كل شاة ليس فيها فشوش ولا ضبوب، ولا كميشة تفوت الكف، ولا ثغول» تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا فتحتم الشام، فإنكم ستجدون بقايا منها، وهي السامرية» تفسير : هكذا أورده البزار. وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله ابن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن موسى عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه، فلما وفى الأجل ــــ قيل: يا رسول الله أي الأجلين؟ قال: ــــ أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى عليه السلام إلى عصاه، فسماها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض، فلم تصدر منها شاة إلا وضرب جنبها، شاة شاة، قال: فأتأمت وألبنت، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلاَّ شاة أو شاتين، ليس فيها فشوش ــــ قال يحيى: ولا ضبوب، وقال صفوان: ولا صبوب، قال أبو زرعة: الصواب طنوب ــــ ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كميشة تفوت الكف» تفسير : قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو افتتحتم الشام، وجدتم بقايا تلك الغنم، وهي السامرية».تفسير : وحدثنا أبو زرعة، أنبأنا صفوان قال: سمعت الوليد قال: سألت ابن لهيعة: ما الفشوش؟ قال: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، قلت: فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره، قلت: فما العزوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت: فما الثعول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، قلت: فما الكميشة؟ قال: التي تفوت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف. مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم. وينبغي أن يروى: ليس فيها فشوش ولا عزوز ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة، وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك موقوفاً عليه ما يقارب بعضه بإِسناد جيد، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما دعا نبي الله موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها، فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالاً على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلقاً، إلاَّ شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَاءٍ } أي واضعة كُمَّ درعها على وجهها حياءً منه {قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } فأجابها منكراً في نفسه أخذ الأجرة كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها فقال لها: امشي خلفي ودُلّيني على الطريق ففعلت إلى أن جاء أباها وهو شعيب عليه السلام وعنده عشاء فقال له اجلس فتعشَّ، قال: أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنّا أهلُ بيت لا نطلب على عمل خيرٍ عوضاً قال لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فأكل وأخبره بحاله، قال تعالى {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ } مصدر بمعنى المقصوص من قتله القبطي وقصدهم قتله وخوفه من فرعون {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ } إذ لا سلطان لفرعون على (مدين).

الشوكاني

تفسير : قوله: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَاء } في الكلام حذف يدل عليه السياق. قال الزجاج: تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدّثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل: الصغرى أن تدعوه له، فجاءته. وذهب أكثر المفسرين إلى أنهما ابنتا شعيب، وقيل: هما ابنتا أخي شعيب، وأن شعيباً كان قد مات. والأوّل أرجح، وهو ظاهر القرآن. ومحلّ {تَمْشِي} النصب على الحال من فاعل جاءت، {وَعَلَىٰ ٱسْتِحْيَاء } حال أخرى، أي كائنة على استحياء حالتي المشي والمجيء فقط، وجملة: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ } مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قالت له لما جاءته؟ {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } أي جزاء سقيك لنا {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ } القصص مصدر سمي به المفعول أي: المقصوص يعني أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله القبطيّ إلى عند وصوله إلى ماء مدين {قَالَ } شعيب: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي فرعون وأصحابه؛ لأن فرعون لا سلطان له على مدين، وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدًّا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عزّ وجلّ، والجواب عليها يظهر للمقصر فضلاً عن الكامل، وأشفّ ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي. ويجاب عنه: بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبيّ من أنبياء الله، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدّم إليه الطعام قال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً. {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـئجِرْهُ } القائلة هي التي جاءته، أي استأجره ليرعى لنا الغنم، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة. وقد اتفق على جوازها، ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه عن سماع أدلتها أصمّ، وجملة: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى، أي إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعاً بين خصلتي القوّة والأمانة. وقد تقدّم في المرويّ عن ابن عباس، وعمر: أن أباها سألها عن وصفها له بالقوّة والأمانة فأجابته بما تقدّم قريباً: {قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } فيه مشروعية عرض وليّ المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، والقصة معروفة، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوّة، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } أي على أن تكون أجيراً لي ثماني سنين. قال الفراء: يقول: على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين، ومحل: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي} النصب على الحال، وهو مضارع أجرته، ومفعوله الثاني محذوف، أي نفسك و{ثَمَانِيَ حِجَجٍ } ظرف. قال المبرد: يقال: أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدوداً، والأوّل أكثر {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ } أي إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين فمن عندك، أي تفضلاً منك لا إلزاماً مني لك، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام، موكولاً إلى المروءة. ومحل {فَمِنْ عِندِكَ } الرفع على تقدير مبتدأ، أي: فهي من عندك {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } بإلزامك إتمام العشرة الأعوام، واشتقاق المشقة من الشقّ، أي شق ظنه نصفين، فتارة يقول: أطيق، وتارة يقول: لا أطيق. ثم رغبه في قبول الإجارة فقال: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ } في حسن الصحبة والوفاء. وقيل: أراد الصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولاً أولياً، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضاً للأمر إلى توفيق الله ومعونته. ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى فقال: {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } واسم الإشارة مبتدأ، وخبره ما بعده، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه، وجملة: {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ } شرطية، وجوابها: {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ }، والمراد بالأجلين: الثمانية الأعوام والعشرة الأعوام، ومعنى {قضيَت}: وفيت به، وأتممته، والأجلين مخفوض بإضافة أيّ إليه، وما زائدة. وقال ابن كيسان: «ما» في موضع خفض بإضافة أيّ إليها، والأجلين بدل منها، وقرأ الحسن: "أيما" بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود: "أيّ الأجلين ما قضيت" ومعنى {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ }: فلا ظلم عليّ بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين، أي كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب بالنقصان على العشرة. وقيل: المعنى كما لا أطالب بالزيادة على العشرة الأعوام لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام، وهذا أظهر. وأصل العدوان: تجاوز الحد في غير ما يجب. قال المبرد: وقد علم موسى أنه لا عدوان عليه إذا أتمهما، ولكنه جمعهما؛ ليجعل الأوّل كالأتمّ في الوفاء. قرأ الجمهور: {عدوان} بضم العين. وقرأ أبو حيوة بكسرها. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } أي على ما نقول من هذه الشروط الجارية بيننا شاهد وحفيظ، فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شيء من ذلك. قيل: هو من قول موسى. وقيل: من قول شعيب، والأوّل أولى لوقوعه في جملة كلام موسى. {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } هو أكملهما، وأوفاهما، وهو العشرة الأعوام، كما سيأتي آخر البحث، والفاء فصيحة {وَسَارَ بِأَهْلِهِ } إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور ناراً، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة طه مستوفًى. {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ إِنّي ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِي ءَاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } وهذا تقدّم تفسيره أيضاً في سورة طه، وفي سورة النمل. {أَوْ جَذْوَةٍ } قرأ الجمهور بكسر الجيم، وقرأ حمزة ويحيـى بن وثاب بضمها، وقرأ عاصم، والسلمي، وذرّ بن حبيش بفتحها. قال الجوهري: الجِذوة والجُذوة والجَذوة: الجمرة، والجمع جِذَى وجُذى وجَذى. قال مجاهد: في الآية أن الجذوة قطعة من الجمر في لغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: هي القطعة الغليظة من الخشب كأن في طرفها ناراً، ولم يكن، ومما يؤيد أن الجذوة الجمرة قول السلمي:شعر : وبدلت بعد المسك والبان شقوة دخان الجذا في رأس أشمط شاحب تفسير : {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي تستدفئون بالنار {فَلَمَّا أَتَـٰهَا } أي: أتى النار التي أبصرها، وقيل: أتى الشجرة، والأوّل أولى لعدم تقدّم الذكر للشجرة {نُودِيَ مِن شَاطِيء ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَـنَ }: "من" لابتداء الغاية، و{الأيمن} صفة للشاطىء، وهو من اليمن وهو البركة، أو من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى، أي الذي يلي يمينه دون يساره، وشاطىء الوادي: طرفه. وكذا شطه. قال الراغب: وجمع الشاطىء أشطاء، وقوله: {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ } متعلق بـ {نودي} أو بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، و{مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } بدل اشتمال من شاطىء الواد؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء. وقال الجوهري: يقول: شاطىء الأودية ولا يجمع. قرأ الجمهور: {في البقعة} بضم الباء، وقرأ أبو سلمة والأشهب العقيلي بفتحها، وهي لغة حكاها أبو زيد {أَن يامُوسَىٰ إِنّي أَنَا ٱللَّهُ }: "أن" هي المفسرة، ويجوز أن تكون هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، والأوّل أولى. قرأ الجمهور بكسر همزة {إني} على إضمار القول أو على تضمين النداء معناه. وقرىء بالفتح، وهي قراءة ضعيفة. وقوله: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } معطوف على {أَن يامُوسَىٰ } وقد تقدّم تفسير هذا وما بعده في طه والنمل، وفي الكلام حذف، والتقدير: فألقاها فصارت ثعباناً فاهتزت {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } في سرعة حركتها مع عظم جسمها {وَلَّىٰ مُدْبِراً } أي منهزماً، وانتصاب {مدبراً} على الحال وقوله: {وَلَمْ يُعَقّبْ } في محل نصب أيضاً على الحال أي لم يرجع {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ } قد تقدّم تفسير جميع ما ذكر هنا مستوفى فلا نعيده، وكذلك قوله: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } جناح الإنسان: عضده، ويقال لليد كلها: جناح، أي اضمم إليك يديك المبسوطتين؛ لتتقي بهما الحية كالخائف الفزع، وقد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: الأولى: {اسلك يدك في جيبك}. والثانية: {واضمم إليك جناحك}. والثالثة: {وأدخل يدك في جيبك}. ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعباناً. ومعنى {مِنَ ٱلرَّهْبِ }: من أجل الرهب، وهو الخوف. قرأ الجمهور: "الرهب" بفتح الراء والهاء، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر والكوفيون إلاّ حفصاً بضم الراء وإسكان الهاء. وقال الفراء: أراد بالجناح: عصاه، وقال بعض أهل المعاني: الرهب: الكمّ بلغة حمير وبني حنيفة. قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، فسألته عن الرهب، فقال: الكم. فعلى هذا يكون اضمم إليك يدك وأخرجها من الكمّ {فَذَانِكَ } إشارة إلى العصا واليد {بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي: حجتان نيرتان ودليلان واضحان، قرأ الجمهور: {فذانك} بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديدها، قيل: والتشديد لغة قريش. وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر وشبل وأبو نوفل بياء تحتية بعد نون مكسورة، والياء بدل من إحدى النونين، وهي لغة هذيل، وقيل: لغة تميم، وقوله: {مِن رَبّكَ } متعلق بمحذوف، أي كائنان منه، وكذلك قوله: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} متعلق بمحذوف، أي مرسلان، أو واصلان إليهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ }: متجاوزين الحدّ في الظلم، خارجين عن الطاعة أبلغ خروج، والجملة تعليل لما قبلها. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب في قوله: {تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَاء } قال: جاءت مستترة بكمّ درعها على وجهها. وأخرجه ابن المنذر عن أبي الهذيل موقوفاً عليه. وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال: لما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء، فقال له شعيب: كل، قال موسى: أعوذ بالله، قال: ولم؟ ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً عما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، قال: لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيباً هو الذي قصّ عليه القصص. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: كان صاحب موسى أثرون ابن أخي شعيب النبي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثربي صاحب مدين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه قال: كان اسم ختن موسى يثربي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: يقول أناس: إنه شعيب، وليس بشعيب، ولكنه سيد الماء يومئذٍ. وأخرج ابن ماجه والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عتبة بن المنذر السلمي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ سورة: {طسۤمۤ} حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «حديث : إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه وطعام بطنه، فلما وفى الأجل تفسير : قيل: يا رسول الله، أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: حديث : أبرّهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته: أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه»تفسير : الحديث بطوله. وفي إسناده مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعفه الأئمة. وقد روي من وجه آخر، وفيه نظر. وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: حدثنا أبو زرعة عن يحيـى بن عبد الله بن بكير، حدّثني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة ابن المنذر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وابن لهيعة ضعيف، وينظر في بقية رجال السند. وأخرج ابن جرير عن أنس طرفاً منه موقوفاً عليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس: أنه سئل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه نحوه، وقوله: "إن رسول الله إذا قال فعل" فيه نظر؛ فإن موسى لم يقل إنه سيقضي أكثر الأجلين بل قال: {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ}. وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسىٰ قضى أتمّ الأجلين من طرق. وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإن سئلت أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: {يا أبت استأجره}»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقل: أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوّج؟ فقل: الصغرى منهما»تفسير : . وأخرج البزار وابن أبن حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه. قال السيوطي: بسندٍ ضعيف، عن أبي ذرّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: «حديث : أبرّهما وأوفاهما»تفسير : ، قال: «حديث : وإن سئلت أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصغرى منهما» تفسير : . قال البزار: لا نعلم يروي عن أبي ذر إلاّ بهذا الإسناد، وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران، وهو ضعيف. وأما روايات أنه قضى أتمّ الأجلين فلها طرق يقوّي بعضها بعضاً. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدّي قال: قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل سار بأهله، فضلّ الطريق، وكان في الشتاء فرفعت له نار، فلما رآها ظنّ أنها نار، وكانت من نور الله {فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ إِنّي ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلّي آتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } فإن لم أجد خبراً آتيكم بشهاب قبس {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } من البرد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} لعلي أجد من يدلني على الطريق، وكانوا قد ضلوا الطريق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أَوْ جَذْوَةٍ } قال: شهاب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {نُودِيَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِ} قال: كان النداء من السماء الدنيا، وظاهر القرآن يخالف ما قاله رضي الله عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال: ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم وسلمت، فأهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه، فلفظه، فصليت على النبيّ وسلمت، ثم انصرفت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } قال: يدك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ} قال ابن عباس: فاستبكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حُفّلا بطاناً فقال لهما: إن لكما اليوم لشأناً فأخبرتاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه فجاءته تمشي على استحياء، وفيه قولان: أحدهما: أنه استتارها بكم درعها، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الثاني: أنه بعدها من النداء، قاله الحسن. وفي سبب استحيائها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها دعته لتكافئه وكان الأجمل مكافأته من غير عناء. الثاني: لأنها كانت رسولة أبيها. الثالث: ما قاله عمر لأنها ليست بسلفع من النساء خَرَّاجة ولاّجة. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} وفي أبيها قولان: أحدهما: أنه شعيب النبي عليه السلام. الثاني: أنه يثرون ابن أخي شعيب، قاله أبو عبيدة والكلبي. وكان اسم التي دعت موسى وتزوجها: صفوريا. واسم الأخرى فيه قولان: إحدهما: ليا، قاله ابن اسحاق. الثاني: شرفا، قاله ابن جرير. {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} أي ليكافئك على ما سقيت لنا فمشت أمامه فوصف الريح عجيزتها فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت. {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} أي أخبره بخبره مع آل فرعون. {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال ابن عباس: يعني أنه ليس لفرعون وقومه عليّ سلطان ولسنا في مملكته. قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَآ أَبَتِ أَسْتَأْجِرْهُ} والقائلة هي التي دعته وهي الصغرى يعني استأجره لرعي الغنم. {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} فيه قولان: أحدهما: القوي فيما ولي، الأمين فيما استودع، قاله ابن عباس. الثاني: القوي في بدنه، الأمين في عفافه. وروي أن أباها لما قالت له ذلك دخلته الغيرة فقال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته فأنه كشف الصخرة التي على بئر آل فلان ولا يكشفها دون عشرة، وأما أمانته فإنه خلفني خلف ظهره حين مشى. قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} فروى عبد الرحمن بن زيد أن موسى قال: فأيهما تريد أن تنكحني؟ قال: التي دعتك، قال: لا إلا أن تكون تريد ما دخل في نفسك عليها فقال: هي عندي كذلك فزوجه وكانت الصغيرة واسمها صفوريا. {عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حَجَجٍ} يعني عمل ثماني حجج فأسقط ذكر العمل واقتصر على المدة لأنه مفهوم منها، والعمل رعي الغنم. واختلف في هذه الثماني حجج على قولين: أحدهما: أنها صداق المنكوحة. الثاني: أنها شرط الأب في إنكاحها إياه وليس بصداق. {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرَاً فَمِنْ عِنْدِكَ} قال ابن عباس كانت على نبي الله موسى ثماني حجج واجبة وكانت سنتان عِدة منه فقضى الله عنه عِدته فأتمها عشراً. {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} فيه قولان: أحدهما: من الصالحين في حسن الصحبة. قاله ابن إسحاق. الثاني: فيما وعده به. حكى يحيى بن سلام أنه جعل لموسى كل سخلة توضع على خلاف شبه أمها فأوحى الله إلىموسى أن ألق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. وقال غير يحيى: بل جعل له كل بلقاء فولدن كلهن بُلْقاً. قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} قال السدي: لا سبيل عليّ. {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قول السدي: شهيد. الثاني: حفيظ، قاله قتادة. الثالث: رقيب، قاله ابن شجرة. فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ مُوسَى أَجَّرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وَطُعْمَةِ بَطْنِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى؟ فَقَالَ أَبَرُّهُمَا وَأَوفَاهُمَا ".

ابن عطية

تفسير : في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر قدره ابن إسحاق فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من أمر الرجل الذي سقى لهما فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى، أن تدعوه له فجاءت على ما في هذه الآية، وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى شرفا، وروي أن اسم زوجة موسى منهما صفورة، وقيل إن اسمها صوريا، وقال وهب: زوجه الكبرى، وروي عن النبي عليه السلام أنه زوجه الصغرى، وذكره الثعلبي ومكي من طريق أبي ذر، وقال النقاش: ويقال كانتا توأمتين، وولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار، وقوله {تمشي} حال من {إحداهما}، وقوله {على استحياء} أي خفرة قد سترت وجهها بكم درعها قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال عمرو بن ميمون: لم تكن سلفعاً من النساء ولاجة خراجة، واختلف الناس في الرجل الداعي لموسى عليه السلام من هو، فقال الجمهور هو شعيب عليه السلام وهما ابنتاه، وقال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون، وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب، وقيل إن المرأتين إنما كان مرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو المزوج ولكن عبر عن العم بالأب في جميع الأمر إذ هو بمثابته، وروي أن موسى عليه السلام لما جاءته بالرسالة أجاب فقام يتبعها إلى أبيها فهبت ريح ضمت قميصها إلى بدنها فوصفت عجيزتها فتحرج موسى من النظر إليها فقال لها ارجعي خلفي وأرشديني الطريق ففهمت عنه فذلك سبب وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس، فوصل موسى عليه السلام إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فأنسه بقوله {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون. فلما فرغ كلامهما قالت الابنة التي ذهبت عنه {يا أبت استأجره} الآية، فما وصفته بالقوة والأمانة قال لها أبوها ومن أين عرفت هذا منه؟ فقالت: أما قوته ففي رفع الصخرة وأما أمانته ففي تحرجه من النظر إليَّ وقت هبوب الريح، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له عند ذلك الأب {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيَّ} قال ابن عباس فزوجه التي دعته، و"تأجر"، معناه تثيب وقال مكي في هذه الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمر وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئاً. قال القاضي أبو محمد: أما التعيين فيشبه أنه كان في أثناء حال المراوضة وإنما عرض الأمر مجملاً وعين بعد ذلك، وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه فإما رسماه، وإلا فهو من وقت العقد وإما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهذا أمر قد قرره شرعنا وجرى به في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك خاص، وبعضهم إلى أنه منسوخ، ولم يجوز مالك رحمه الله النكاح بالإجارة، وجوزها ابن حبيب وغيره إذا كانت الأجرة تصل إلى الزوجة قبل ومن لفظ شعيب عليه السلام حسن في لفظ العقود في النكاح، أنكحه إياها أكثر من أنكحها إياه وهذا معترض، وجعل شعيب "الثمانية الأعوام" شرطاً ووكل العامين إلى المروءة.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} استكثر أبوهما سرعة صدورهما بالغنم حُفَّلاً بِطاناً فقال إن لكما لشأناً فأخبرتاه بصنع موسى فأمر أحداهما أن تدعوه. {عَلَى اسْتِحْيَآءٍ} مستترة بكم درعها، أو لبعدها من النداء له، واستحيت لأنها دعته لتكافئه وكان الأجمل مكافأته من غير إعناء، أو لأنها كانت رسول أبيها، أو ما قاله عمر ليست بسلفع من النساء خراجة ولا ولاجة. أراد تمشي مشي من لم تتعود الخروج حياء وخَفَرَاً وكان أبوهما شعيباً، أو يثرون ابن أخي شعيب. قاله الكلبي وأبو عبيدة. {لِيَجْزِيَكَ} ليكافئك فمشت أمامه فوصفت الريح عجيزتها فقال: امشي خلفي ودليني للطريق إن أخطأت. {الْقَصَصَ} خبره مع آل فرعون {نَجَوْتَ} إذ لسنا من مملكة فرعون.

النسفي

تفسير : {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } على استحياء في موضع الحال أي مستحية، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها، و «ما» في {ما سقيت} مصدرية أي جزاء سقيك. روي أنهما ما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفّل قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي فتبعها موسى عليه السلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ } أي قصته وأحواله مع فرعون، والقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص {قَالَ } له {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا، وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبداً أو أنثى والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع. وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل: إنه لا بأس به عند الحاجة كما كان لموسى عليه السلام، على أنه روي أنها لما قالت {ليجزيك} كره ذلك وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها لأن للقاصد حرمة. ولما وضع شعيب الطعام بين يديه امتنع فقال شعيب: ألست جائعاً؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا ولا نأخذ على المعروف ثمناً. فقال شعيب عليه السلام: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فأكل.

الخازن

تفسير : قال الله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} قيل هي الكبرى واسمها صفوراء وقيل صفراء وقيل بل هي الصغرى واسمها ليا وقيل صفيراء وقال عمر بن الخطاب ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء وقيل استحيت منه لأنها دعته لتكافئه وقيل لأنها رسول أبيها {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} قيل لما سمع موسى ذلك كره أن يذهب معها ولكن كان جائعاً فلم يجد بداً من الذهاب فمشت المرأة ومشى موسى خلفها فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها فكره موسى أن يرى ذلك منها فقال امشي خلفي ودليني على الطريق إذا أخطأت ففعلت ذلك فلما دخل موسى على شعيب إذ هو بالعشاء مهيئاً فقال: اجلس يا فتى فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ذاك ألست بجائع؟ قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضاً من الدنيا فقال له شعيب: لا والله يا فتى لكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس وأكل فذلك قوله عز وجل {فلما جاءه} أي موسى {وقص عليه القصص} أي أخبره بأمره أجمع من خبر ولادته وقتله القبطي وقصد فرعون قتله {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} يعني من فرعون وقومه وإنما قال ذلك لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين {قالت إحداهما يا أبت استأجره} أي اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا {إن خير من استأجرت القوي الأمين} يعني إن خير من استعملت من قوي على العمل وأدى الأمانة فقال لها أبوها ما أعلمك بقوته وأمانته؟ قالت أما قوته فإنه رفع الحجر من على رأس البئر ولا يرفعه إلا عشرة. وقيل أربعون رجلاً وأما أمانته فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك {قال} شعيب عند ذلك {إني أريد أن أنكحك} أي أزوجك {إحدى ابنتي هاتين} قيل زوجه الكبرى وقال الأكثرون إنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفوراء وهي التي ذهبت في طلب موسى {على أن تأجرني ثمان حجج} أي تكون لي أجيراً ثمان سنين {فإن أتممت عشراً فمن عندك} أي فإن أتممت العشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك {وما أريد أن أشق عليك} أي ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت وقيل يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب وإنما قال إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته {قال} يعني موسى {ذلك بيني وبينك} يعني ما شرطت علي فلك وما شرطت من تزوج إحداهما فلي والأمر بيننا على ذلك {أيما الأجلين قضيت} أي أيّ الأجلين أتممت وفرغت منه الثمانية أو العشرة {فلا عدوان علي} أي لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منه {والله على ما نقول وكيل} قال ابن عباس شهيد بيني وبينك (خ) عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت لا أدري حتى أقدم على خير العرب فاسأله فقدمت فسألت ابن عباس: فقال قضي أكثرهما وأطيبهما لأن رسول الله إذا قال فعل وروي عن أبي ذر مرفوعاً: "إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأبرهما وإذا سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره فتزوج صغراهما وقضى أوفاهما". وقال وهب أنكحه الكبرى وروى شداد بن أوس مرفوعاً بكى شعيب النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى عمي فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره فقال الله له: ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار فقال: لا يا رب ولكن شوقاً إلى لقائك فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئاً لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك كليمي موسى ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصاه يدفع بها السباع عن غنمه قيل كانت من آس الجنة حملها آدم معه فتوارثها الأنبياء وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. ثم إن موسى لما قضى الأجل سلم شعيب إليه ابنته فقال لها موسى اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم فطلبت من أبيها ذلك فقال لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها وقيل إن شعيباً أراد أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراماً وصلة لا بنته فقال له: إني قد وهبت لك ولد أغنامي كل أبلق وبلقاء في هذه السنة فأوحى الله تعالى إلى موسى في النوم أن اضرب بعصاك الماء، ثم اسق الأغنام منه ففعل ذلك فما أخطأت واحدة إلا وضعت حملها مابين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن هذا رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه وأعطاه الأغنام.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَاءٍ...} الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية. وقوله: {عَلَى ٱسْتِحْيَاءٍ} أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها؛ قاله عمر بن الخطاب ـــ رضي اللّه عنه ـــ. ورَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هريرةَ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : الْحَيَاءُ مِنَ الإيمَانُ فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ؛ والجَفَاءُ فِي النَّارِ»تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ انتهى. والجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى ـــ عليه السلامُ ـــ هو شُعَيْبُ عليه السلام وأن المرأتينْ ابنتَاه. فـ {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ...} الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى عليه السلام من النظر إليها فقال امشي خلفي وأرشديني إلى الطرق فَفَهِمَتْ عَنْهُ؛ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ؛ قاله ابن عباس. {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} فآنسَه بقَولهِ: {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتيْنِ {يَٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟ قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ...} الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» قوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ؛ لأنه لو كان عَقْداً، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا؛ لأن العلماءَ وإنْ اخْتَلَفُوا في جوازِ البيعِ، إذَ قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ؛ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ. ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟ قال: الصغرى، انتهى. «وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطاً وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى؛ وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمانِ حججٍ، و {أيما} استفهامٌ نُصِبَ بـ {قَضَيْتَ} و «ما» صلةٌ للتَّأكِيد و «لا عدوان» لاتِبَاعَةَ عَلَيَّ، و «الوكيل»: الشَّاهدُ القائمُ بالأمر.

البقاعي

تفسير : ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سبباً لدعاء شعيب عليه الصلاة والسلام له، قال بانياً على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما و بإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه: {فجاءته} أي بسبب قول الأب وعلى الفور {إحداهما} أي المرأتين حال كونها {تمشي} ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه، مالكة لزمامه، عبر بأداة الاستعلاء فقال: {على استحياء} أي حياء موجود منها لأنها كلفت الإتيان إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف إليه السامع من أمرها فقال: {قالت} وأكدت إعلاماً بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه في قولها: {إن أبي} وصورت حاله بالمضارع فقالت: {يدعوك ليجزيك} أي يعطيك مكافأة لك، لأن المكافأة من شيم الكرام، وقبولها لا غضاضة فيه {أجر ما سقيت لنا} أي مواشينا، فأسرع الإجابة لما بينهما من الملاءمة، ولذلك قال: {فلما} بالفاء {جاءه} أي موسى شعيباً عليهما الصلاة والسلام {وقص} أي موسى عليه الصلاة والسلام {عليه} أي شعيب عليه الصلاة والسلام {القصص*} أي حدثه حديثه مع فرعون وآله في كفرهم وطغيانهم وإذلالهم لعباد الله، وتتبع له الأمور على ما هي عليه لما توسم فيه بما آتاه اله من الحكم والعلم من النصيحة والشفقة، والعلم والحكمة، والجلال والعظمة. ولما كان من المعلوم أنه لا عيشة لخائف، فكان أهم ما إلى الإنسان الأمان، قدم له التأمين بأن {قال} أي شعيب له عليهما الصلاة والسلام: {لا تخف} أي فإن فرعون لا سلطان له على ما ههنا، ولأن عادة الله تعالى جرت أن تواضعك هذا ما كان في أحد إلا قضى الله برفعته، ولذلك كانت النتيجة: {نجوت} أي يا موسى {من القوم الظالمين*} أي هو و غيره وإن كانوا في غاية القوة والعراقة في الظلم. ولما اقتضى هذا القول أنه آواه إليه، علمت انتباه مضمونه، وكانتا قد رأتا من كفايته وديانته ما يرغب في عشرته، فتشوفت النفس إلى حالهما حينئذ، فقال مستأنفاً لذلك: {قالت إحداهما} أي المرأتين. قيل: وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها: {يا أبت استأجره} ليكفينا ما يهمنا؛ ثم عللت قولها فقالت مؤكدة إظهاراً لرغبتها في الخير واغتباطها به: {إن خير من استأجرت} لشيء من الأشياء {القوي} وهو هذا لما رأيناه من قوته في السقي {الأمين*} لما تفرسنا فيه من حيائه، وعفته في نظره ومقاله وفعاله، وسائر أحواله؛ قال أبو حيان: وقولها قول حكيم جامع، لأنه إذا اجتمعت الأمانة والكفاية في القائم بأمر فقد تم المقصود. {قال} أي شعيب عليه الصلاة والسلام، وهو في التوراة يسمى: رعوئيل - بفتح الراء وضم العين المهملة وإسكان الواو ثم همزة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة ولام، ويثرو - بفتح التحتانية وإسكان المثلثة وضم الراء المهملة وإسكان الواو {إني أريد} يا موسى، والتأكيد لأجل أن الغريب قل ما يرغب فيه أول ما يقدم لا سيما من الرؤساء أتم الرغبة {أن أنكحك} أي أزوجك زواجاً، تكون وصلته كوصلة أحد الحنكين بالآخر {إحدى ابنتي}. ولما كان يجوز أن يكون المنكح منهما غير المسقي لهما، نفى ذلك بقوله: {هاتين} أي الحاضرتين اللتين سقيت لهما، ليتأملهما فينظر من يقع اختياره عليها منهما ليعقد له عليها {على أن تأجرني} أي تجعل نفسك أجيراً عندي أو تجعل أجري على ذلك وثوابي {ثماني حجج} جمع حجة - بالكسر، أي سنين، أي العمل فيها بأن تكون أجيراً لي أستعملك فيما ينوبني من رعية الغنم وغيرها، وآجره - بالمد والقصر، من الأجر والإيجار، وكذلك أجر الأجير والمملوك وآجره: أعطاهما أجرهما {فإن أتممت} أي الثماني ببلوغ العقد بأن تجعلها {عشراً} أي عشر سنين {فمن} أي فذلك فضل من {عندك} غير واجب عليك، وكان تعيين الثماني لأنها - إذا أسقطت منها مدة الحمل - أقل سن يميز فيه الولد غالباً، والعشر أقل ما يمكن فيه البلوغ، لينظر سبطه إن قدر فيتوسم فيه بما يرى من قوله وفعله، والتعبير بما هو من الحج الذي هو القصد تفاؤلاً بأنها تكون من طيبها بمتابعة أمر الله وسعة رزقه وإفاضة نعمه ودفع نقمه أهلاً لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كل واحدة منها إلى بيت الله الحرام. ولما ذكر له هذا، أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة فقال: {وما أريد أن أشق عليك} أي أدخل عليك مشقة في شيء من ذلك ولا غيره لازم أو غير لازم؛ ثم أكد معنى المساهلة بتأكيد وعد الملاءمة فقال: {ستجدني} ثم استثنى على قاعدة أولياء الله وأنبيائه في المراقبة على سبيل التنزل فقال: {إن شاء الله} أي الذي له جميع الأمر {من الصالحين*} أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت وكل ما تريد من خير {قال} أي موسى عليه السلام {ذلك} أي الذي ذكرت من الخيار وغيره {بيني وبينك} أي كائن بيننا على حكم النصفة والعدل والسواء على ما ألزمتني به لازماً، وما أشرت إلى التفضل به إحساناً، وعليك ما ألزمت به نفسك فرضاً وفضلاً؛ ثم بين وفسر ذلك بقوله: {أيما الأجلين} أي أيّ أجل منهما: الثماني أو العشر {قضيت} أي عملت العمل المشروط علي فيه خرجت به من العهدة {فلا عدوان} أي اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد {علي} أي في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب على الزيادة على العشر لا تجب عليّ الزيادة على الثمان، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدو {والله} أي الملك الأعظم {على ما نقول} أي كله في هذا الوقت وغيره {وكيل*} أي شاهد وحفيظ قاهر عليه وملزم به في الدنيا والآخرة، فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح والأجر والأجل.

ابو السعود

تفسير : {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا} قيل هي كُبراهما واسُمها صفُوراءُ أو صفراءُ وقيل: صُغراهما واسمُها صُفيراءُ أي جاءتْهُ عقيبَ ما رَجَعتا إلى أبـيهما. رُوي أنَّهما لما رجعتَا إلى أبـيهما قبلَ النَّاسِ وأغنامُهما حُفلٌ بطانٌ قال لُهما ما أعجلَكُما قالتَا وجدنَا رجلاً صالحاً رحمنَا فسقَىَ لنا فقالَ لإحداهُما اذهبـي فادعيِه لي. وقولُه تعالى: {تَمْشِي} حالٌ من فاعل جاءتْ. وقوله تعالى: {عَلَى ٱسْتِحْيَاء} متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من ضميرِ تمشي أي جاءتْه تمشِي كائنةً على استحياءٍ فمعَناهُ أنَّها كانتْ على حالتي المَشي والمجيءِ معاً لا عندَ المجيءِ فقط. وتنكيرُ استحياءٍ للتفخيمِ، قيل جاءتْه متخفرةً أي شديدةَ الحياءِ وقيل قد استترتْ بكُمِّ دِرعِها {قَالَتْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ مجيئِها إيَّاه عليه الصَّلاة والسَّلام كأنَّه قيلَ فماذا قالتْ له عليه الصَّلاة والسَّلام فقيلَ قالتْ {إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} أي جزاءَ سقيكَ لنا أسندتِ الدَّعوةَ إلى أبـيها وعلَّلتها بالجزاءِ لئلاَّ يُوهمَ كلامُها ريبةً. وفيهِ من الدِّلالةِ على كمالِ العقلِ والحياءِ والعفَّةِ ما لا يخَفْى. رُوي أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أجابَها فانطلَقا وهي أمامه فألزقتِ الرِّيحُ ثوبَها بحسدِها فوصفتْهُ فقال لها أمشِي خلفي وانعَتي لي الطريقَ ففعلتْ حتَّى أتيا دارَ شُعيب عليهما السَّلامُ {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} أي ما جَرى عليهِ من الخبرِ المقصُوصِ فإنَّه مصدرٌ سُمِّيَ به المفعولُ كالعللِ. {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذي يلوحُ من ظاهرِ النَّظْمِ الكريمِ أنَّ موسى عليه السَّلام إنَّما أجابَ المستدعيةَ من غيرِ تلعثُمٍ ليتبرَّكَ برؤيةِ شعيبٍ عليه السَّلام ويستظهرَ برأيهِ لا يأخذَ بمعروفِه أجراً حسبَما صرَّحتْ به. ألا يُرى إلى ما رُوي أنَّ شُعيباً لما قدَّمَ إليه طعاماً قال إنَّا أهلُ بـيتٍ لا نبـيع ديننا بطِلاعِ الأرضِ ذهباً ولا نأخذُ على المعروفِ ثمناً ولم يتناولْ حتَّى قال شُعيبٌ عليه السَّلام: هذهِ عادتُنا مع كلِّ مَن ينزلُ بنا فتناولَ بعد ذلكَ على سبـيلِ التقبلِ لمعروفٍ مُبتدأٍ كيف لا وقد قصَّ عليه قصصَهُ وعرَّفَهُ أنَّه من بـيتِ النُّبوةِ من أولادِ يعقوبَ عليه السَّلامِ ومثله حَقيقٌ بأنْ يُضيَّفَ ويكرَّمَ لا سيَّما في دارِ نبـيَ من أنبـياءِ الله تعالى عليهم الصَّلاة والسَّلام وقيل ليس بمستنكرٍ منه عليه الصَّلاة والسَّلام أن يقبلَ الأجرَ لاضطرارِ الفقرِ والفاقةِ. وقد رُوي عن عطاءِ بن السَّائبِ أنَّه عليهِ السَّلامُ رفعَ صوتَهُ بدعائِه ليُسمَعها ولذلك قيلَ له ليجزَيك الخ ولعلَّه عليه السَّلام إنَّما فعلَه ليكونَ ذريعة إلى استدعائِه لاستيفاء الأجرِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} [الآية: 25]. قال أبو بكر بن طاهر: إتمام إيمانها وشرف عنصرها وكريم نسبها أتته على استحياء، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحياء من الإيمان ". تفسير : قال بعضهم: لفتوتها أتته على استحياء لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا فأتته على استحياء.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} الحياء صفة الكرام لكن ها هنا زيادة على حكم الحياء ولان تلك السلالة المقدسة لما رات الكليم عليه السّلام واستغرقت فى انوار ما كسى وجهه من صولة الموسوية وما البسه من نور العظمة فتحاشت واستحيت مما رات منه بنور الفراسة ذلك النور من اهلية لمحبتيه بين روحها وروح الكليم قال تعالى {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}تفسير : معناه كل من رأه احبه واستانس قال ابو بكر بن طاهر لتمام ايمانها وشرف عنصرها وكريم نسبها اتته على استحياء فان النبى صلى الله عليه وسلم قال حديث : الحياء من الايمانتفسير : ثم بين سبحانه ما رزمزنا من وصف فراستها بقوله {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} زرأت بنور الولاية قوة النبوة وامانة الصديقية وايضا قوة المعرفة والربوبية وامانة المحبة والعبودية وتكلمت عما رات فى المستقبل من امانة موسى بالوفاء فى شرطه شعيب فى عهده بقوله فان اتممت عشرا فمن عندك وقوة ارادته فى خدمته عشر حجج وهذه الكلمة ايضا صدرت منها من راس شقيقة روحا من روح موسى لذلك صارت له اهلا فابصر شعيب ما ابصرت من وسابق الحكم فى المشية والمقادير فى الازل لذلك {قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} لانه راى بنور النبوة انه يبلغ الى درجة الكمال فى ثمانى حجج ولا يحتاج الى التربية بعد ذلك وراى ان كمال الكمال فى عشر حجج لانه راى ان بعد العشر لا يبقى مقام والارادة ويكون بعد ذلك مقام الاستقلال والاستقامة ولا يحتمل مؤمنة الارادة بعد ذلك لذلك قال {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {فجاءته احداهما} عقيب مارجعتا الى ابيهما وهى الكبرى واسمها صفورياء. فان قلت كيف جاز لشعيب ارسال ابنته لطلب اجنبى. قلت لانه لم يكن له من الرجال من يقوم بامره ولانه ثبت عنده صلاح موسى وعفته بقرينة الحال وبنور الوحى {تمشى} حال من فاعل جاءته {على استحياء} ماهو عادة الابكار. والاستحياء [شرم داشتن]. قال ابو بكر ابن طاهر لتمام ايمانها وشرف عنصرها وكريم نسبها اتته على استحياء وفى الحديث "حديث : الحياء من الايمان"تفسير : اى شعبة منه. قال اعرابى لايزال الوجه كريما ماغلب حياؤه ولايزال الغصن نضيرا مابقى لحاؤه {قالت} استئناف بيانى {ان ابى يدعوك ليجزيك} ليكافئك {اجر ماسقيت لنا} جزاء سقيك لنا [موسى بجهت زيارت شعيب وتقريب آشنايى باوى اجابت كردندنه يراى طمع] ولانه كان بين الجبال خائفا مستوحشا فاجابها فانطلقا وهى امامه فالزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته او كشفته عن ساقيها فقال لها امشى خلفى وانعتى الىّ الطريق فتأخرت وكانت تقول عن يمينك وشمالك وقدامك حتى اتيا دار شعيب فبادرت المرأة الى ابيها واخبرته فاذن له فى الدخول وشعيب يومئذ شيخ كبير وقد كف بصره فسلم موسى فرد عليه السلام وعانقه ثم اجلسه بين يديه وقدم اليه طعاما فامتنع منه وقال اخاف ان يكون هذا عوضا لما سقيته وانا اهل بيت لانبيع ديننا بالدنيا لانه كان من بيت النبوة من اولاد يعقوب فقال شعيب لا والله ياشاب ولكن هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فتناول هذا وان من فعل معروفا فاهدى اليه شىء لم يحرم اخذه {فلما جاءه} [يس آن هنكام آمد موسى نزيدك شعيب] {وقص عليه القصص} اخبره بما جرى عليه من الخبر المقصوص فانه مصدر سمى به المفعول كالعلل {قال لاتخف نجوت من القوم الظالمين} اى فرعون وقومه فانه لا سلطان له بارضنا ولسنا فى مملكته. وفيه اشارة الى ان القلب مهما يكون فى مقامه يخاف عليه ان يصيبه آفات النفس وظلم صفاتها فاذا وصل بالسر الى مقام الروح فقد نجا من ظلمات النفس وظلم صفاتها ألا ترى ان السلطان مادام فى دار الحرب فهو على خوف من الاعداء فاذا دخل حد الاسلام زال ذلك: وفيه اشارة الى ان من وقع فى الخوف يقال له لا تخف كما ان من وقع فى الامن يقال له خف: وفى المثنوى شعر : لاتخافوا هست نزل خائفان هست درخور ازبراى خائف هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترسنده را ساكن كنند آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست او محتاج درس تفسير : قال اويس القرنى رضى الله عنه كن فى امر الله كأنك قتلت الناس كلهم يعنى خائفا مغموما. قال شعيب بن حرب كنت اذا نظرت الى الثورى فكأنه رجل فى ارض مسبعة خائف الدهر كله واذا نظرت الى عبدالعزيز بن ابى داود فكأنه يطلع الى القيامة من الكوة. ثم ان موسى قد تربى عند فرعون بالنعمة الظاهرة ولما هاجر الى الله وقاسى مشاق السفر والغربة عوضه الله عند شعيب النعمة الظاهرة والباطنة: قيل شعر : سافر تجد عوضا عما تفارقه وانصب فان اكتساب المجد فى النصب فالاسد لولا فراق الخيس ماافترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب تفسير : وقيل شعر : بلاد ا لله واسعة فضاء ورزق الله فى الدنيا فسيح فقل للقاعدين على هوان اذا ضاقت بكم ارض فسيحوا تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : سعد ياحب وطن كرجه حديث است صحيح نتوان مرد بسختى كه من اينجا زادم تفسير : ألا ترى ان موسى عليه السلام ولد بمصر ولما ضاقت به هاجر الى ارض مدين فوجد السعة مطلقا فالكامل لايكون زمانيا ولا مكانيا بل يسيح الى حيث امر الله تعالى من غير لىّ العنق الى ورائه ولو كان وطنه فان الله تعالى اذا كان مع المرء فالغربة له وطن والمضيق له وسيع: وفى المثنوى شعر : هركجا باشد شه مارا بساط هست صحرا اكربود سم الخياط هركجا يوسف رضى باشد جماه جنت است آن كرجه باشد قعرجاء

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (تمشي): حال من (إحداهما)، و (على استحياء): حال من ضمير (تمشي)، أي: تمشي مستحيية. و(القصص): مصدر، سُمِّيَ به المقصوص. يقول الحق جل جلاله: {فجاءته إحداهما}؛ وهي التي تزوجها، وذلك أنه لما سقى لهما رجعا إلى أبيهما بغنمها بِطاناً حُفَّلاً، فقال لهما: ما أعجلكما؟ فقالتا له: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا؛ فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: أدعيه، فجاءته {تمشي على استحياء} قد سترت وجهها بكفها، واستترت بكُمِّ درعها. وهذا دليل على كمال إيمانها وشرف عنصرها؛ لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا؟ فقالت: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجرَ ما سَقيت لنا}، "ما" مصدرية، أي: أجر سُقْيَاك لنا، فتبعها موسى، فألزقت الريح ثوبها بجسدها، فوصفته، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي الطريق، فإننا بَني يعقوب، لا ننظر إلى أعجاز النساء. {فلما جاءه وقصَّ عليه القَصص}، أي: قصته وأحواله مع فرعون، وكيف أراد قَتْلَهُ، {قال} له: {لا تخفْ نجوتَ من القوم الظالمين}؛ فرعون وقومه؛ إذ لا سلطان له على أرضنا - مدين -، أو: قَبِلَ الله دعاءك في قولك: {رب نجني من القوم الظالمين}. وفيه دليل على العمل بخير الواحد، ولو أنثى، والمشي مع أجنبية على ذلك الاحتياط والتورع. قاله النسفي. وفيه نظر؛ لعصمة الأنبياء - عليهم السلام -، وما أخذ الأجر على البر والمعروف؛ فقيل: لا بأس به عند الحاجة، كما كان لموسى عليه السلام، على أنه رُوي أنه لمّا قالت له: {ليجزيك}؛ كره ذلك. وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها؛ لأن للقاصد حرمة. ولما وضع شعيب الطعام بين يديه؛ امتنع، فقال شعيب: ألست جائعاً؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سَقَيْتُ لهما، وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، ولا نأخذ على المعروف شيئاً، فقال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، فأكل. {قالت إحداهما يا أبَتِ استأجرْهُ}، أي: اتخذه أجيراً لرعي الغنم. رُوي أن كبراهما كانت تسمى: "صفراء"، والصغرى: "صفيراء"، وقيل: "صابورة" و"ليا". وصفراء هي التي ذهبت به، وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها. قاله وهب بن منبه وغيره فانظره مع ما في حديث، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تزوج صغراهما، وقضى أوفاهما" تفسير : . ويمكن الجمع بأن يكون زوّجه إحداهما ثم نقله إلى الأخرى. ثم قالت التي طلبت استئجاره: {إن خيرَ من استأجرت القويُّ الأمين}، فقال: ما أَعْلَمَكِ بقوته وأمانته؟ فذكرت نزع الدلو، أو رفع الحجر عن البئر، وأمْرها بالمشي خلفه. وفي رواية عند الثعلبي. أما قوته: فإنه عمد إلى صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً، فرفعها عن فم البئر. ثم ذكرتْ أمر الطريق. وقولها: {إنَّ خيرَ من استأجرت...} إلخ: كلام جامع؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان؛ الكفاية والأمانة، في القائم بأمرك، فقد فرغ بالك وتم مرادك. وقيل: القوي في دينه، الأمين في جوارحه. وقد استغنت بهذا الكلام، الجاري مجرى المثل، عن أن تقول: استأجره لقوته وأمانته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب، وصاحب يوسف في قوله: {أية : عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ} تفسير : [يوسف: 21]، وأبو بكر في استخلافه عمر. {قال} شعيب لموسى - عليهما السلام-: {إني أُريد أن أُنكِحَك}: أُزوجك {إحدىَ ابنتي هاتينِ}، وقوله: {هاتين} يدل على أن له غيرهما. وهذه مواعدة منه، لا عقد، وإلا لقال: أنكحتك. {على أن تأجُرَنِي} أي: تكون أجيراً لي، من أجرته: إذا كنت له أجيراً {ثمانِيَ حِجَجٍ}؛ سنين والحجة: السنة. والتزوج على رعي الغنم جائز في شرعنا، على خلاف في مذهبنا. {فإِن أتممتَ عشراً} أي: عشر حجج {فمن عندك} أي: فلذلك تفضلٌ منك، ليس بواجب عليك، أو: فإتمامه من عندك، ولا أحتمه عليك. {وما أريد أن أشق عليك} بإلزام أتم الأجلين. من المشقة، {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} في حسن المعاملة، والوفاء بالعهد، أو مطلقاً. وعلق بالمشيئة، مراعاة لحسن الأدب مع الربوبية. {قال} موسى عليه السلام: {ذلك} العهد وعقد الأجرة {بيني وبينك} أي: ذلك الذي قُلْتَهُ، وشارطتني عليه، قائم بيننا جميعاً، لا يخرج واحد منا عنه. ثم قال: {أيَّما الأجلين قضيتُ} أي: أيُّ الأجلين؛ قضيت من الأجلين: العشر أو الثماني، {فلا عدوان عَلَيّ} أي: لا يتعدى عليّ في طلب الزيادة عليه، قال المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمامهما، ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء، وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فلذلك طلب الزيادة على الأقل. {والله على ما نقول وكيل} أي: رقيب وشهيد. واختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح على قولين: أحدهما: أنه لا ينعقد إلا بشاهدين، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ينعقد بدون شهود؛ لأنه عَقْدُ معاوضة، فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان، والإظهار بالدف والدخان ليتميز من السفاح، ويجب عند الدخول. رُوي أن شعيباً كانت عنده عصِيّ الأنبياء - عليهم السلام -، فقال لموسى بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصاً من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء - عليهم السلام - يتوارثونها، حتى وقعت إلى شعيب، فلما أخذها، قال له شعيب: ردها وخذ غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات. - وفي رواية السدي: أمر ابنته أن تأتيه بعصا فجاءته بها، فلما رآها الشيخ قال: آتيه بغيرها، فألقتها لتأخذ غيرها، فلا تصير في يده إلا هي، مراراً، فرفعتها إليه، فعلم أن له شأناً. ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغتَ مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإن الكلأ، وإن كان بها أكثر، إلا أن فيها تنيناً، أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها، فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام، فإذا التنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامي، فلما أبصرها دامية، والتنينَ مقتولاً؛ ارتاح لذلك. ولما رجع إلى شعيب بالغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، وأخبره موسى، فرح، وعلم أن لموسى شأناً، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي، هذا العام، كُلَّ أَدْرَعَ وَدَرْعَاءَ - أي: كل جدي أبلق، وأثنى بلقاء - فأوحى الله تعالى إلى موسى في المنام: أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقى منه الغنم، فضرب، ثم سقى الأغنام، فوضعت كلها بلقاء، فسلمها شعيب إليه. وذكر الإمام اللجائي في كتابه (قطب العارفين): أن موسى عليه السلام انتهى، ذات يوم، بأغنامه إلى واد كثير الذئاب، وكان قد بلغ به التعب، فبقي متحيراً، إن اشتغل بحفْظ الغنم عجز عن ذلك؛ لغلبة النوم عليه والتعب، وإن هو طلب الراحة، وثبَت الذئابُ على الغنم، فرمى السماء بطرفه، وقال: إلهي إنه أحاط علمك، ونفذت إرادتك، وسبق تقديرك، ثم وضع رأسه ونام. فلما استيقظ؛ وجد ذئباً واضعاً عصاه على عاتقه، وهو يرعى الغنم، فتعجب موسى من ذلك، فأوحى الله إليه: يا موسى؛ كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد. قال: فهذه إشارة تدل على أن: مَنْ هَرَبَ مِنَ الله إلى الله؛ كفاه الله، عز وجل، مَنْ دُونَهُ. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: فجاءته - أي: القلب - إحدى الخصلتين؛ الفناء والبقاء، تمشي على مهل وقدر؛ فإن الوصول إلى المقامات إنما يكون بتدريج، على حسب القَدَر السابق. قالت إحدى الخصلتين: إن ربي يدعوك إلى حضرته؛ ليجزيك أجر ما سقيت، واستعملت في جانب الوصول إلينا. فلما جاءه، أي: وصل إليه، وتمكن منه، وقص عليه القصص، وهو ما جرى له مع نفسه وجنودها من المجاهدات والمكابدات، قال: لا تخف اليوم، حين وصلت إلينا، نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما: يا رب استأجره في العبودية شكراً، إن خير من استأجرت القوي الأمين؛ لأن عمله بالله، محفوفاً برعاية الله، قال: إني أريد أن أعطيك إحدى الخصلتين، إما الإقامة في الفناء المستغرِق، أو الرجوع إلى البقاء المستفيق، لتقوم بالأدب على ان تخدم ثماني حجج، فإن أتممت عشراً، لزيادة التمكين، فمن عندك، فأقل خدمة المريد للشيخ ثماني سنين، ونهايتها نهاية التمكين. قال الورتجبي: لأن شعيباً، عليه السلام رأى بنور النبوة أن موسى عليه السلام يبلغ درجة الكمال في ثماني حجج، ولا يحتاج إلى التربية بعد ذلك، ورأى أن كمال الكمال في عشر حجج؛ لأنه رأى أن بعد العشرة لا يبقى مقام الإرادة، ويكون بعد ذلك حراً، ولذلك قال: وما أريد أن أشق عليك. هـ. ثم ذكر رجوع موسى إلى مصر، فقال: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ...}

الجنابذي

تفسير : {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} بحيث لا يمكنه الكلام ولا المشى على ما ينبغى بين يدى الرّجال {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} فلمّا قالت اجر ما سقيت لنا كره ذلك موسى (ع) واراد ان لا يتبعها ولكن لم يجد بدّاً من متابعتها لجوعه وخوفه فخرج معها وكانت الرّيح تضرب ثوبها فتبين لموسى (ع) عجزها، فجعل يعرض عنها مرّة ويغضّ مرّةً فناداها يا امّه الله كونى خلفى وارينى الطّريق بحصاةٍ فانا من قومٍ لا ينظرون من ادبار النّساء فلمّا دخل على شعيب (ع) اذا هو بالعشاء مهيّأً، فقال له شعيب: اجلس يا شابّ فتعشّ فقال له موسى (ع): اعوذ بالله، قال شعيب (ع): ولم ذاك الست بجائعٍ؟- قال: بلى ولكن اخاف ان يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بملأ الارض ذهباً فقال له شعيب (ع): لا والله يا شابّ ولكنّها عادتى وعادة آبائى نقرى الضّيف ونطعم الطّعام، فجعل يأكل ثمّ قصّ قصّته كما قال تعالى {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ} شعيب {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} لانّ ارضنا ليست فى مملكته.

اطفيش

تفسير : {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} وهي التي تزوجها هي الكبرى واسمها صفوراء وقيل اسمها صفراء وقيل هي الصغرى واسمها ليا ويقال لها خنونا وقيل صفيراء. {تَمْشِي} وقوله. {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} حال والاستعلاء مجازي روي انها جاءت واضعة كم درعها على وجهها حياء منه حياء شديدا وعن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحياء من الايمان والايمان في الجنة والبذاء من الجفا والجفا في النار " تفسير : ، وعن بعضهم استحيت منه لأنها دعته لتكافيه وقيل لأنها رسول أبيها. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ما مصدرية أي أجر سقيك لنا فذهب معها ولكن في قلبه كراهة أخذ الأجرة فيما عمل لله قبل ولكن كان جائعا فلم يجد بدا من الذهاب وعن بعضهم كأنها قصدت للمكافأة ان كان ممن يريدها ووجه ذهابه إما النجاة من الموت بالقوت واما أن يختبر مراد الأب ولو قالت الابنة بالأجرة روي انها مشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتصف عجزها وفخذها وتكشف ساقيها فقال لها امشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت ذلك وقال اذا اخطأت فاضربي لي حجرا أمامي وروي انه قال لها امشي خلفي ودليني على الطريق فاني من بني يعقوب لا انظر الى اعجاز النساء فنعتت له الطرق الى ان وصل الى منزل ابيها ومشت خلفه حتى دخلت على شعيب فاذا بالعشاء مهيئا فقال: اجلس يا فتى فتعش فقال موسى: اعوذ بالله قال شعيب ولم ذلك ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف ان يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة فقال له شعيب: لا والله يا فتى ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس وأكل ورأى أنه لما قدم اليه الطعام امتنع وقال انا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا ولا نأخذ على المعروف ثمنا وانما عمل بقول امرأة لجواز العمل بخبر الواحد ذكر او انثى ولا سيما في غير أمر الدين وانما ماشاها منفردين لأنه قد علم من نفسه عدم الخيانة مع انه قد احتاط بأن تمشي خلفه وانما أكل مع انه سقى لهما لوجه الله تعالى لقول شعيب كل على عادتنا من قراء الضيف فسقى موسى لله وطعمه شعيب لله أو اكل موسى لضرورة ثم انه اما ان يكون شعيب دعاه أولا على نية أخذ الأجرة كما قالت ابنته ولما امتنع منها أطعمه على طريق النفل والضيافة، أو دعاه اولا على طريق النفل والضيافة ولكن توهمت بنته انها دعته بالأجرة أو مرادها ليجزيك أجر ما سقيت لنا ان كنت ممن يأخذ الأجرة. وفي عرائس القرآن قال الاستاذ ابو سعيد عبدالملك بن ابي عثمان الواعظ ان تلك البئر غير التي يستقي منها الرعاة قال: وقد حضرتها ورأيتها قال ابن عباس قال موسى: اني لما انزلت الآية ولو شاء انسان ان ينظر الى امعائه من شدة الجوع لنظر ما شاء الله اهـ. وقد قص موسى عليه السلام الخبر لشعيب بعد التقائه كما قال الله سبحانه. {فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ} مصدر بمعنى المقصوص فهو مفعول به لا مفعول مطلق اي ذكر له ما من شأنه ان يذكر وهو قتل القبطي وقصدهم قتله وخوفه من فرعون. {قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} فرعون وقومه اذ لا سلطان لهم على مدين.

اطفيش

تفسير : {فجاءته إحداهما} قيل الكبرى، لأنها أعلم بالكلام والملاقاة، وقيل الصغرى لخفتها {تمْشى على اسْتحياءٍ} ثابتة على استحياء عظيم، ولو كانت الكبرى وذلك لعظم مواجهة موسى، ويقال وضعت كمها او ثوبها على وجهها {قالَتْ إنَّ أبى يدْعُوك ليجْزيك أجْر ما سقيتَ} أجر سقيك {لنَا} فاتبعها ليتبرَّك بالشيخ، وليستفيد أخاً يسكن إليه، وليحقق كلامها فى أخذ الأجرة، فان كان حقا تركه، وبين له انه سقى لهما لوجه الله عز وجل، وإن وجده معداً للضفان مطلقا لا لخصوص سقيه أكل، ولما دخل وجد الطعام مهيأ، فقال شعيب: كل، فقال: أعوذ بالله، إنا قوم لا نأكل على عملنا لوجه الله أجرا، فقال شعيب: إن من عادتى وعادة آبائى إطعام الضيف وهذا منه، وقيل تبعها لضرورة الجوع الواجبة، فتقدمته لتدله على الطريق، فلعب بها الريح، وقال: تأخرى ودلينى على الطريق إذا أخطأت بكلام أو حصاة. {فلمَّا جاءه وقَصَّ عليه القَصص} جنس ما وقع له مع فرعون وفى طريقه {قال لا تخفْ نَجَوت من القَوْم الظالمين} فرعون ومن معه، علم من قبل أن فرعون لا يجرى حكمه فى مدين كما مرَّ، وقيل إلهاماً من الله عز وجل لشعيب عليه السلام، ولا ينقص بذلك سقيه، لأن ذلك أداء للواجب، حتى قيل: إنه رفع صوته بقوله: ربّ إلخ لتسمعا، قيل: وصله وقت العشاء، فوجد الطعام مهيأ، فقال أعود بالله، إنى ممن لا يبيع أحدهم عمل الآخرة بملء الدنيا ذهبا، قال هذه عادتى للضيف مطلقا فأكل.

الالوسي

تفسير : { فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} قيل هي الكبرى منهما وقيل الصغرى وكانتا على ما في بعض الروايات توأمتين ولدت إحداهما قبل الأخرى بنصف نهار. وقرأ ابن محيصن {حداهما} بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس مثل ويْلُمِّهِ في ويل أمه {تَمْشِى } حال من فاعل {جاءت} وقوله تعالى: {عَلَى ٱسْتِحْيَاء } متعلق بمحذوف هو حال من ضمير {تمشي} أي جاءته ماشية كائنة على استحياء فمعناه أنه كانت على استحياء حالتي المشي والمجيء معاً لا عند المجيء فقط، وتنكير (استحياء) للتفخيم، ومن هنا قيل: جاءت متخفرة أي شديدة الحياء. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق عبد الله ابن أبـي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال جاءت مستترة بكم درعها على وجهها وأخرجه ابن المنذر عن [ابن] أبـي الهذيل موقوفاً عليه وفي رفعه إلى عمر رواية أخرى صححها الحاكم بلفظ واضعة ثوبها على وجهها. {قَالَتْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيئها إياه عليه السلام كأنه قيل: فماذا قالت له عليه السلام؟ / فقيل قالت: {إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } أي جزاء سقيك على أن (ما) مصدرية ولا يجوز أن تكون موصولة لأن ما يستحق عليه الأجر فعله لا ما سقاه إذ هو الماء المباح وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة. وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. روي أنه عليه السلام أجابها فقام معها فقال لها امشي خلفي وانعتي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك ففعلت. وفي رواية أنه قال لها كوني ورائي فإني رجل لا أنظر إلى أدبار النساء ودليني على الطريق يميناً أو يساراً، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم أنها مشت أولاً أمامه فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق ففعلت حتى أتيا دار شعيب عليه السلام. {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ } أي ما جرى عليه من الخبر المقصوص، فإنه مصدر سمي به المفعول كالعلل {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يريد فرعون وقومه، وقال ذلك لما أنه لا سلطان لفرعون بأرضه. ويحتمل أنه قاله عن إلهام أو نحوه، واختلف في الداعي له عليه السلام إلى الإجابة فقيل الذي يلوح من ظاهر النظم الكريم أن موسى عليه السلام إنما أجاب المستدعية من غير تلعثم ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر برأيه لا طمعاً بما صرحت به من الأجر، ألا ترى إلى ما أخرج ابن عساكر عن أبـي حازم قال: لما دخل موسى على شعيب عليهما السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب: كل. قال موسى: أعوذ بالله تعالى. قال: ولم ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً قال: لا والله، ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام فأكل، وقيل: الداعي له ما به من الحاجة وليس بمستنكر منه عليه السلام أن يقبل الأجر لإضرار الفقر والفاقة. فقد أخرج الإمام أحمد عن مطرف بن الشخير قال أما والله لو كان عند نبـي الله تعالى شيء ما تبع مذقتها ولكن حمله على ذلك الجهد. واستدل بعضهم على أن ذهابه عليه السلام رغبة بالجزاء بما روي عن عطاء بن السائب أنه عليه السلام رفع صوته بقوله: {أية : رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }تفسير : [القصص: 24] ليسمعهما، ولذلك قيل: له {ليجزيك} الخ، وأجيب بأنه ليس بنص لاحتمال أنه إنما فعله ليكون ذريعة إلى استدعائه لا إلى استيفاء الأجر، ولا ضير فيما أرى أن يكون عليه السلام قد ذهب رغبة في سد جوعته وفي الاستظهار برأي الشيخ ومعرفته، ولا أقول إن الرغبة في سد الجوعة رغبة في استيفاء الأجر على عمل الآخرة أو مستلزمة لها، ودعوى أن الذي يلوح من ظاهر النظم الكريم أنه عليه السلام إنما أجاب للتبرك والاستظهار بالرأي لا تخلو عن خفاء، وعمله عليه السلام بقول امرأة لأنه من باب الرواية، ويعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى إذا كان كذلك، ومماشاته امرأة أجنبية مما لا بأس به في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع.

ابن عاشور

تفسير : {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}. عرفت أن الفاء تؤذن بأن الله استجاب له فقيّض شعيباً أن يرسل وراء موسى ليضيفه ويزوجه بنته، فذلك يضمن له أنساً في دار غربة ومأوى وعشيراً صالحاً. وتؤذن الفاء أيضاً بأن شعيباً لم يتريث في الإرسال وراءه فأرسل إحدى البنتين اللتين سقى لهما وهي (صفورة) فجاءته وهو لم يزل عن مكانه في الظل. وذكر {تمشي} ليبني عليه قوله {على استحياء} وإلا فإن فعل (جاءته) مغن عن ذكر {تمشي}. و{على} للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف. والمعنى: أنها مستحيية في مشيها، أي تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة. وعن عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها، أي لأن ستر الوجه غير واجب عليها ولكنه مبالغة في الحياء. والاستحياء مبالغة في الحياء مثل الاستجابة قال تعالى {أية : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن}تفسير : [النور: 31] إلى قوله {أية : ليعلم ما يخفين من زينتهن}تفسير : [النور: 31]. وجملة {قالت} بدل من (جاءته). وإنما بيّنت له الغرض من دعوته مبادرة بالإكرام. والجزاء: المكافأة على عمل حسن أو سيّىء بشيء مثله في الحسن أو الإساءة، قال تعالى {أية : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}تفسير : [الرحمٰن: 60] وقال تعالى {أية : ذلك جزيناهم بما كفروا}تفسير : [سبأ: 17]. وتأكيد الجملة في قوله {إن أبي يدعوك} حكاية لما في كلامها من تحقيق الخبر للاهتمام به وإدخال المسرة على المخبر به. والأجر: التعويض على عمل نافع للمعوض، ومنه سمي ثواب الطاعات أجراً، قال تعالى {أية : وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم}تفسير : [ محمد: 36]. وانتصب {أجر ما سقيت لنا} على المفعول المطلق لبيان نوع الجزاء أنه جزاء خير، وهو أن أراد ضيافته، وليس هو من معنى إجارة الأجير لأنه لم يكن عن تقاول ولا شرط ولا عادة. والجزاء: إكرام، والإجارة: تعاقد. ويدل لذلك قوله عقبه {أية : قالت إحداهما يا أبت استأجره}تفسير : [القصص: 26] فإنه دليل على أن أباها لم يسبق منه عزم على استئجار موسى. وكان فعل موسى معروفاً محضاً لا يطلب عليه جزاء لأنه لا يعرف المرأتين ولا بيتهما، وكان فعل شعيب كرماً محضاً ومحبة لقري كل غريب، وتضييف الغريب من سُنة إبراهيم فلا غرو أن يعمل بها رجلان من ذرية إبراهيم عليه السلام. و {ما} في قوله {ما سقيت لنا} مصدرية، أي سقيك، ولام {لنا} لام العلة. كانت العوائد أن يفاتح الضيف بالسؤال عن حاله ومقدمه فلذلك قصّ موسى قصة خروجه ومجيئه على شعيب. وذلك يقتضي أن شعيباً سأله عن سبب قدومه، و{القصص}: الخبر. و{قص عليه} أخبره. والتعريف في {القصص} عوض عن المضاف إليه، أي قصصه، أو للعهد، أي القصص المذكور آنفاً. وتقدم نظيره في أول سورة يوسف. فطمأنه شعيب بأنه يزيل عن نفسه الخوف لأنه أصبح في مأمن من أن يناله حكم فرعون لأن بلاد مدْين تابعة لملك الكنعانيين وهم أهل بأس ونجدة. ومعنى نهيه عن الخوف نهيه عن ظن أن تناله يد فرعون. وجملة {نجوت من القوم الظالمين} تعليل للنهي عن الخوف. ووصف قوم فرعون بالظالمين تصديقاً لما أخبره به موسى من رومهم قتله قصاصاً عن قتل خطأ. وما سبق ذلك من خبر عداوتهم على بني إسرائيل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 25- فجاءت إحدى الفتاتين - مُرْسَلة من قبل أبيها بعد أن علم بأمر موسى معهما - تسير إلى موسى حياء، قالت: إن أبى يدعوك ليجزيك أجر سقيك لنا. فلما ذهب إليه وقصَّ عليه قصة خروجه من مصر قال والد الفتاتين: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين، إذ لا سلطان لفرعون علينا. 26- قالت أحدى الفتاتين: يا أبت اتخذه أجيرا لرعى الغنم والقيام على شأنها، إنه خير من تستأجره لقوَّته وأمانته. 27- قال له شعيب - عليه السلام - إنى أريد أن أزوجك واحدة من ابنتى هاتين، على أن يكون مهرها أن تعمل عندنا ثمانى سنوات، فإن أتممت عشرا فمن عندك تطوعا، وما أريد أن ألزمك بأطول الأجلين، وستجدنى إن شاء الله من الصالحين المحسنين للمعاملة الموفين بالعهد. 28- قال موسى: ذلك الذى عاهدتنى عليه قائم بينى وبينك، أى مدة من المدتين أقضيها فى العمل أكون وفيتك عهدك فلا أطالب بزيادة عليها، والله شاهد على ما نقول. 29- فلما أتم موسى المدة المشروطة، وأصبح زوجاً لبنت الذى آواه، وعاد بها إلى مصر أبصر فى طريقه من ناحية جبل الطور نارا، فقال لمن معه: امكثوا هنا، إنى رأيت نارا استأنست بها فى هذه الظلمة، سأذهب إليها لآتيكم من عندها بخبر عن الطريق أو بجذوة منها لعلكم تستدفئون بها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقص عليه القصص: أخبره بشأنه كله من قتله القبطي وطلب السلطة له ونصح المؤمن له بمغادرة البلاد ووصوله إلى ماء مدين. لا تخف نجوت من القوم الظالمين: أي من فرعون وملئه إذ لا سلطان لهم على بلاد مدين. يا أبت استأجره: أي اتخذه أجيراً يرعى لنا الغنم بدلنا. القوي الأمين: ذكرت له كفاءته وهي القوة البدنية والأمانة. على أن تأجرني: أي تكون أجيراً لي في رعي غنمي. ثماني حجج: أي ثماني سنوات إذ الحجة عام والجمع حجج. فإن أتممت عشراً فمن عندك: أي جعلت الثمانية عشراً فرغبت عشراً فهذا من كرمك. قال ستجدني إن شاء الله من الصالحين: أي الذين يوفون ولا ينقضون ولا ينقصون. ذلك بيني وبينك: أنا أفي بشرطي وأنت تفي بشرطك. أيما الأجلين قضيت: أي الأجلين الثمانية أو العشرة أتممت. فلا عدوان على: وذلك بطلب الزيادة فوق الثمانية أو فوق العشرة. والله على ما نقول وكيل: أي وكيل وحفيظ أي أشهد الله على العقد بشطريه أي النكاح ورعي الغنم وبذلك تم العقد. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ما تم بين موسى وابنتي شعيب من السقي لهما ومجيء إحداهما تبلغه رسالة والدها ومشيه معها وقوله تعالى {فَلَمَّا جَآءَهُ} أي جاء موسى شعيباً {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} أي أخبره بشأنه كله من قتله القبطي خطأ وطلب السلطات له ونصح مؤمن آل فرعون له بالخروج من البلاد، ووصوله إلى ماء مدين قال له شعيب عندئذ {لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} يعني فرعون وحكومته وهذا ما يعرف الآن باللجوء السياسي فأمنه على نفسه لأن فرعون لا سلطان له على هذه البلاد. وقال له شعيب: اجلس تعش معنا فقال موسى أخاف أن يكون عوضاً عما سقيت لابنتيك ما شيتهما وإني لمن أهل بيت لا يطلبون على عمل الخير عوضاً فقال له شعيب لا ليس هذا بأجر على سقيك وإنما عادتنا أن نقري الضيف ونطعم الطعام فأكل ولم ير بذلك بأساً. وقوله تعالى {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} يروى أنها لما قالت {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} أثارت حفيظته بهذه الكلمة فسألها: كيف علمت ذلك فذكرت له عن القوة في سقيه لهما وعن الأمانة في غض بصره عن النظر إليها، فصدقها شعيب وقال لموسى: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} أي أزوجك {إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} أي سنين جمع حجة وهي السَّنَهْ وقوله {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} أي احساناً منك وكرماً، {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بطلب العشرة {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي الذين يوفون بعهودهم فقال موسى رداً على كلامه {ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} أنا عليَّ أن أفي بما اشترطت عليَّ وأنت عليك أن تفي بما اشترطت لي على نفسك {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ} الثمانية أو العشرة {قَضَيْتُ} أي وفيت وأديت {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} أي بطلب الزيادة على الثمانية ولا على العشرة. فقال شعيب: نعم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} فأشهد الله تعالى على صحة العقد وبذلك أصبح موسى زوجاً لابنة شعيب التي عيّنها له والغالب أنها الكبرى التي شهدت له بالأمانة والقوة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تجلى كرم شعيب ومروءته وشهامته في تطمين موسى وإكرامه وإيوائه. 2- بيان أن الكفاءة شرط في العمل ولا أفضل من القوة وهي القدرة البدنية والعلمية والأمانة. 3- مشروعية عرض الرجل ابنته على من يرى صدقه وأمانته ليزوجه بها. 4- مشروعية إشهاد الله تعالى على العقود بمثل {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}. 5- فضيلة موسى عليه السلام بإيجار نفسه على شبع بطنه وإحصان فرجه.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِحْدَاهُمَا} {ٱلظَّالِمِينَ} (25) - وَلَمَّا رَجَعَتِ المَرأَتانِ إِلى أَبِيهِمَا بِالغَنَمِ سَرِيعاً عَلَى غَيرِ عَادَتِهِما، سَأَلَهُما عَنْ خَبرِهِما، فَقَصَّتَا عَليهِ مَا فَعَلَهُ مُوسَى عَليه السَّلامُ، فَبَعَثَ إِحدَاهُما لِتَدْعُوَه إِليه. فَجَاءَتْهُ تَمْشِي عَلى اسْتِحياءٍ (أَيْ وهَي مُسْتَحْيِيَةٌ مُتَسَتِّرةٌ) فَقَالَتْ لَهُ مُتَأَدِّبَةً في حَدِيثَها، لِكَيلا يَظُنَّ فِيها السُّوءَ: إِن أَبَاهَا يَدْعُوهُ لِيُكَافِئَهُ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ لابنَتَيهِ في سَقْي الغَنَمِ، فَسَارَ أَمَامَها، وَهِيَ تَسِيرُ خَلْفَهُ، حَتَّى أَتيا إِلى أَبيها. وَلَمَّا قَصَّ عَليهِ مُوسَى قِصَّةَ هَرَبِهِ مِنْ فِرْعَونَ، قَالَ الرَّجُلُ (وَقيلَ إِنَّهُ شُعَيْبٌ عَليهِ السَّلامُ): لاَ تَخَفْ فَقَدْ نَجَوتَ مِنْ فِرْعَونَ وَقَومِهِ الظَّالِمينَ، لأنَّ فِرعَونَ لا سُلْطَانَ لَهُ في هذِهِ الأَرضِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {إِحْدَاهُمَا ..} [القصص: 25] أي: إحدى المرأتين {تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ ..} [القصص: 25] يعني: مُستحية في مجيئها، مُستحية في مِشْيتها {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ..} [القصص: 25]. لما جاءتْه هذه الدعوة لم يتردد في قبولها، وانتهز هذه الفرصة، فهو يعلم أنها استجابة سريعة من ربه حين دعاه {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24] وهي سبب من الأسباب يَمدُّه الله له، وما كان له أنْ يردَّ أسباب الله، فلم يتأبَّ، ولم يرفض دعوة الأب. ولم يذكر لنا السياق هنا كيف سار موسى والفتاة إلى أبيها، لكن يُرْوَى أنهما سارا في وقت تهبُّ فيه الرياح من خلفها، وكانت الفتاة في الأمام لتدلّه على الطريق، فلما ضمَّ الهواء ملابسها، فوصفت عجيزتها، قال لها: يا هذه، سيري خلفي ودُلِّيني على الطريق. وهذا أدب آخر من آدام النبوة. {فَلَمَّا جَآءَهُ ..} [القصص: 25] أي: سيدنا شعيب عليه السلام {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ ..} [القصص: 25] أي: ما كان بينه وبين القبطي {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 25] يعني: طمأنه وهدَّأ من رَوْعه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} معناه واضعةٌ يَدهَا عَلَى وَجهِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} معناه ثوابُ ما سَقيتَ لَنا.

الجيلاني

تفسير : وبعدما تم مناجاته مع ربه، وطلب حاجته منه سبحانه {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا} أي: إحدى المرأتين {تَمْشِي} نحوه {عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ} تام منه، لما وصلت حوله سلمت عليه، ثمَّ {قَالَتْ} له مستحيية: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ} ويكافئك {أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} تبرعاً، فأجابها موسى تبركاً برؤية شعيب عليه السلام لا طمعاً لأجرته. رُوي أنه لمَّا دخل عليه أتى أولاً بالطعام، فامتنع موسى عليه السلام وقال: نحن من أهل بيت لا نبيع بالدنيا، قال شعيب عليه السلام: هذا من عادتنا مع كل من ينزل بنا، وإن من أتى بمعروف، وأهدي له لم يحرم أخذه وأكله في جميع الأديان. {فَلَمَّا جَآءَهُ} أي: جاء موسى شعيباً - عليهما السلام - وتبرك بشرف صحبته لاح عليه حاله {وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ} الذي جرى عليه من أوله إلى آخره، وسمع منه الشيخ على التفصيل {قَالَ لاَ تَخَفْ} بعد اليوم {نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [القصص: 25] يعني: فرعون وملأه. وبعدما جلس موسى عند شعيب - عليهما السلام - وقصَّ عليه ما جرى من الخوف والحزن وأنواع الكآبة {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} أي: إحدى الابنتين، وهي التي استدعته للضيافة: {يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ} لرعي الغنم، وأنت تريد الأجير {إِنَّ خَيْرَ} جميع {مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ} من الرجال هو؛ لأنه {ٱلْقَوِيُّ} أي: شديد القوة {ٱلأَمِينُ} [القصص: 26] ذو الأمانة والديانة. قال لها أبوها حمية وغيرة: من أين عرفت قوته وأمانته؟ فذكرت لأبيها إقلال الحجر العظيم وحده من رأس البئر مع أن الناس يقلونه في جمع كثير، فهذا دليل قوته، وأما أمانته فإني بعدما دعوته قام ومشى قدامي، وأمرني بالمشي خلفه، صيانةً عن النظر إلي، فقال لي: دليني عن الطريق إن ضللت، وهذا دليل أمانته وصيانته حدود الله. ولمَّا سمع شعيب عليه السلام من ابنته ما سمع من أمارات أمانته ومروءته رغب إلى ألفته ومؤانسته؛ حيث {قَالَ} شعيب لموسى عليه السلام {إِنِّيۤ} بعدما وجدتك شاباً صالحاً، سوياً ذا رشد وأمانة {أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} على صداق معين {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي} نفسك برعي الغنم {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً} كاملاً {فَمِنْ عِندِكَ} تبرعاً وإحساناً {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بأن أحملك أزيد من ذلك {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27] للخدمة والمصاحبة، والمؤاخاة والموافاة في أداء الحقوق والعهود. {قَالَ} موسى مجيباً له، راغباً لقبول ما ألقاء من الكلام: {ذَلِكَ} الوقت الذي عينته ملزماً عليَّ أولاً {بَيْنِي وَبَيْنَكَ} معهود ثابت، والذي قلته ثانياً تبرعاً مني، وبالجملة: {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ} يعني: أجل الالتزام، وأجل التبرع {قَضَيْتُ} يقع المعهود بلا تردد {فَلاَ عُدْوَانَ} ولا تعدي {عَلَيَّ} بعد انقضاء كل واحد من الأجلين {وَٱللَّهُ} الشهيد المطلع لعموم أحوال عباده {عَلَىٰ مَا نَقُولُ} من المشارطة والمعادة {وَكِيلٌ} [القصص: 28] حفيظ يحفظه على وجهها.