٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } وهي المرسَلة الكبرى أو الصغرى {يٰأَبَتِ ٱسْتَئجِرْهُ } اتخذه أجيراً يرعى غنمنا أي بدلنا {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } أي استأجره لقوّته وأمانته فسألها عنهما فأخبرته بما تقدّم من رفعه حجر البئر ومن قوله لها: امشي خلفي وزيادة أنها لما جاءته وعلم بها صَوَّبَ رأسه فلم يرفعه فرغب في إنكاحه.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَالَتْ إِحْداهُمَا} الصغرى التي دعته استأجره لرعي الغنم {الْقَوِىُّ} فيما ولي {الأَمِينُ} فيما استودع. "ع" أو القوي في بدنه الأمين في عفافه.
النسفي
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ } اتخذه أجيراً لرعي الغنم. رُوي أن كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء، وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهي التي تزوجها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه. وورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته وقوته أمران متحققان. وقولها {إن خير من استأجرت القوي الأمين} كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك، وقيل: القوي في دينه الأمين في جوارحه. وقد استغنت بهذا لكلام الجاري مجرى المثل عن أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاث: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله {أية : عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا} تفسير : [يوسف: 21] {قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ } أزوجك {إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ } قوله {هاتين} يدل على أنه كان له غيرها وهذه مواعدة منه ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقداً لقال قد أنكحتك {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى } تكون أجيراً لي من أجرته إذا كنت له أجيراً {ثَمَانِىَ حِجَجٍ } ظرف والحجة السنة وجمعها حجج والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقضة بخلاف التزوج على الخدمة {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } أي عمل عشر حجج {فَمِنْ عِندِكَ } فذلك تفضل منك ليس بواجبة عليك، أو فإتمامه من عندك ولا أحتمه عليك ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } بإلزام أتم الأجلين، وحقيقة قولهم: شققت عليه وشق عليه الأمر أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وطوراً لا أطيقه {سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ } في حسن المعاملة والوفاء بالعهد، ويجوز أن يراد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة. والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك
ابو السعود
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} وهي التي استدعتْهُ إلى أبـيها وهي التي زوَّجها مِن موسى عليهما السَّلام {إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ} أيْ لرعي الغنمِ والقيامِ بأمرِها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـأجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} تعليلٌ جارٍ مجرى الدِّليلِ على أنَّه حقيقٌ بالاستئجارِ، وللمبالغةِ في ذلكَ جُعل خيرَ اسماً لأنَّ، وذُكر الفعلُ على صيغةِ الماضي للدِّلالةِ على أنَّه أمينٌ مجرَّبٌ رُوي أنَّ شُعيباً عليهِ السَّلامُ قال لهَا وما أعلمكِ بقوَّتِه وأمانتِه فذكرتْ ما شاهدتْ منه عليه السَّلام من إقلالِ الحجر ونزعِ الدَّلِو وأنَّه صوَّبَ رأسه حتَّى بلَّغتْهُ رسالتَه وأمَرها بالمشي خلفَهُ {قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى} أي تكونَ أجيراً لي أو تثيبني من أجرتُ كذا إذا أثبتُه إيَّاه، فقولُه تعالى: {ثَمَانِىَ حِجَجٍ} على الأولِ ظرفٌ وعلى الثَّاني مفعولٌ به على تقديرِ مُضافٍ أي رِعيةَ ثماني حججٍ. ونُقل عن المبرِّدِ أنَّه يُقال أجرتُ داري ومملوكي غيرَ ممدودٍ وآجرتُ ممدوداً. والأولُ أكثرُ، فَعلَى هذا يكون المفعولُ الثَّاني محذوفاً والمعنى على أنْ تأجرنِي نفسَك، وقولُه تعالى ثماني حججٍ ظرفٌ كالوجِه الأولِ: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً} في الخدمةِ والعملِ {فَمِنْ عِندِكَ} أي فهوُ مِن عندك بطريقِ التَّفضلِ لا من عندِي بطريقِ الإلزامِ عليك. وهذا من شُعيبٍ عرضٌ لرأيه على مُوسى عليهما السَّلام واستدعاءٌ منه للعقدِ لا إنشاءٌ وتحقيقٌ له بالفعل. {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بالزامِ إتمامِ العشرِ أو المُناقشةِ في مُراعاةِ الأوقاتِ واستيفاءِ الأعمالِ. واشتقاقُ المشقةِ من الشقِّ فإنَّ ما يصعبُ عليك يشقُّ عليك اعتقادُك في إطاقته ويوزعُ رأُيك في مزاولتِه. {سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ} في حُسنِ المعاملةِ ولينِ الجانبِ والوفاءِ بالعهدِ. ومراده عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالاستثناءِ التبرُّكُ بهِ وتفويضُ أمرِه إلى توفيقِه تعالى لا تعليقُ صلاحِه بمشيئتِه تعالى. {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ} مبتدأُ وخبرٌ أي ذلكَ الذي قلتَهُ وعاهدتِني فيه وشارطتِني عليه قائمٌ وثابتٌ بـينَنا جميعاً لا يخرجُ عنه واحدٌ منَّا لا أنَا عمَّا شرطتُ علي ولا أنتَ عمَّا شرطتَ على نفسِك. وقولُه تعالى: {أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ} أي أكثرَهما أو أقصرَهما {قُضِيَتُ} أي وفيتكَهُ بأداءِ الخدمةِ فيه {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} تصريحٌ بالمرادِ وتقريرٌ لأمرِ الخيرةِ أي لا عُدوانَ عليَّ بطلبِ الزيادةِ على ما قضيتُه من الأجلينِ. وتعميمُ انتفاءِ العُدوانِ لكلا الأجلين بصددِ المُشارطةِ مع عدمِ تحققِ العُدوانِ في أكثرِهما رأساً للقصدِ إلى التَّسويةِ بـينهما في الانتفاءِ أي كما لا أطالبُ بالزيادةِ على العشرِ لا أطالبُ بالزيادةِ على الثمانِ أو أيَّما الأجلينِ قضيتُ فلا إثمَ عليَّ يعني كما لاَ إثمَ عليَّ في قضاءِ الأكثرِ لا إثمَ عليَّ في قضاءِ الأقصرِ فقطْ. وقُرىء أيَّ الأجلينِ ما قضيتُ فمَا مزيدةٌ لتأكيدِ القضاءِ كما أنَّها في القراءةِ الأُولى مزيدةٌ لتأكيدِ إبهامِ أيَ وشياعِها. وقُرىء أيْما بسكونِ الياءِ كقولِ مَن قال: [الطويل] شعر : تنظَّرتُ نصراً والسماكينِ أيْهما عليَّ من الغيثِ استهلتْ مواطرُه تفسير : {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ} من الشُّروطِ الجاريةِ بـيننا {وَكِيلٌ} شاهدٌ وحفيظٌ فلا سبـيلَ لأحدٍ منَّا إلى الخروجِ عنه أصلاً وليس ما حُكي عنهما عليهما الصَّلاة والسَّلام تمامَ ما جرى بـينهما من الكلامِ في إنشاءِ عقدِ النِّكاحِ وعقدِ الإجارةِ وإيقاعِهما بل هُو بـيانٌ لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه حسبما يتوقفُ عليه مساقُ القصَّةِ إجمالاً من غيرِ تعرضٍ لبـيانِ مواجبِ العقدينِ في تلك الشريعةِ تفصيلاً. رُوي أنَّهما لمَّا أتمَّا العقدَ قال شعيبٌ لموسى عليهما السَّلام ادخُلْ ذلكَ البـيتَ فخُذ عصاً من تلكَ العصيِّ وكانت عنده عِصِيُّ الأنبـياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام فأخذَ عصا هبطَ بها آدمُ عليه الصَّلاة والسَّلام من الجنَّةِ ولم يزلِ الأنبـياءُ يتوارثونَها حتَّى وقعتْ إلى شُعيبٍ عليه السَّلام فمسَّها وكان مكفوفاً فضنَّ بها فقال خُذ غيرَها فما وقعَ في يده إلا هي سبعَ مرَّاتٍ فعلم أنَّ له شأناً وقيل: أخذَها جبريلُ عليه السَّلام بعد موتِ آدمَ عليه السَّلام فكانتْ معه حتَّى لقَي بها مُوسى عليه السَّلام ليلاً. وقيل: أودعها شعيباً ملَكٌ في صورةِ رجلٍ فأمرَ بنتَه أنْ تأتيَه بعصا فأتتْهُ بها فردَّها سبعَ مرَّاتٍ فلم يقعْ في يدها غيرُها فدفعَها إليه ثم ندِمَ لأنَّها وديعةٌ فتبعَه فاختصَما فيها ورضيا إنْ يحكمَ بـينهما أولُ طالعٍ فأتاهُما المَلكُ فقالَ ألقياها فمَن رفعَها فهَي له فعالَجها الشَّيخُ فلم يُطِقْها ورفعَها مُوسى عليه السَّلام. وعن الحسنِ رضي الله عنه: ما كانتْ إلا عصاً من الشَّجرِ اعترضها اعتراضاً. وعن الكلبـيِّ رحمه الله: الشَّجرةُ التي منها نُوديَ شجرةُ العَوسجِ ومنها كانت عصاهُ. ولمَّا أصبحَ قال له شُعِيبٌ صلواتُ الله وسلامُه عليهما إذا بلغتَ مفرقَ الطَّريقِ فلا تأخذْ على يمينكَ فإنَّ الكلأَ وإنْ كانَ بها أكثرَ إلاَّ أنَّ فيها تِنِّيناً أخشاهُ عليكَ وعلى الغنم فأخذتِ الغنمُ ذاتَ اليمينِ فلم يقدرْ على كفِّها ومشَى على أثرِها فإذا عشبٌ وريف لم يرَ مثلَه فنامَ فإذا بالتنِّينِ قد أقبل فحاربتْهُ العَصا حتَّى قتلتْهُ وعادتْ إلى جنبِ مُوسى عليه السَّلامُ داميةً فلما أبصرَها داميةً والتنِّينَ مقتولاً ارتاحَ لذلك ولما رجعَ إلى شُعيبٍ عليهما السَّلامُ مسَّ الغنمَ فوجدَها ملأى البُطونِ غزيرةَ اللبنِ فأخبرَه مُوسى عليه السَّلام بالشَّأنِ ففرحَ وعلَم أنَّ لموسى والعصا شأناً وقال له: إنِّي وهبتُ لك من نتاجِ غنمي هذا العامِ كلَّ أدرعَ. ودرعاءَ فأُوحي إليه في المنام أن اضربْ بعصاك مُستقى الغنمِ ففعلَ، ثم سقَى فما أخطأتْ واحدةٌ إلا وضعت أَدرعَ ودرعاءَ فوفَّى له بشرطِه. والفاءُ في قولِه تعالى:
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} [الآية: 26]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: القوى فى دينه الأمين فى جوارحه.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}. كان شُعيبُ عليه السلام يحتاج إلى أجير، ولكن لا يسكن قلبُ إلى أحدٍ، فلمَّا رأى موسى، وسمع من ابنته وصفةَ بالقوة والأمانة سأل: عَرَفْتُ قُوَّتَه.. فكيف عرفْتِ أمانتَه؟ فقالت: كنتُ أمشي قُدَّامَه فأَخَّرَني عنه في الطريق قائلاً: سيري ورائي واهديني، لئلا يَقَعَ بَصَرُه عليَّ.. فقال شعيب: {قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}. فرغب موسى وتزوجها على صداقٍ أن يعمل عشر حجج لشعيب. وفي القصة أن شعيباً قال لموسى: ادخلْ هذا البيتَ وأخْرِجْ مما فيه من العِصِيِّ عصاً، وكان البيتُ مظلِماً، فَدَخَل وأخرج العصا، تلك التي أظهر الله فيها معجزاته، ويقال: إنها كانت لآدم عليه السلام، ووقعت لشعيب من نبيٍّ إلى نبيٍّ. إذ يقال: إنه لما هَبَطَ آدمُ إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السَِّباع، فأنزل عليه الله عصاً، وأمَرَه جبريلُ أنْ يَرُدَّ السباعَ عن نَفْسِه بتلك العصا. وتوارث الأنبياءُ واحداً بعد الآخر تلك العصا، فلمَّا أخرج موسى تلك العصا، قال شعيب: ردَّها إلى البيت، واطرحها فيه، وأخْرِجْ عصاً أخرى، فَفَعَلَ غير مرة، ولم تحصل كلَّ مرة في يده إلا تلك العصا، فلمَّ تَكَرَّرَ ذلك عَلِمَ شعيبُ أنَّ له شأناً فأعطاه إياها. وفي القصة: أنه في اليوم الأول ساق غَنَمه، وقال له شعيب: إنَّ طريقَكَ يتشعب شِعْبَيْن: على أحدهما كَلأٌ كثيرٌ.. فلا تَسْلُكْه في الرعي فإنَّ فيه ثعباناً، واسْلُكْ الشِّعْبَ الآخرَ. فلمَّا بلغ موسى مَفْرِقَ الطريقين، تَفَرَّقَتْ أغنامُه ولم تطاوعه، وسامت في الشِّعْبِ الكثيرِ الكَلأَ، فَتَبِعَها، ووقع عليه النومُ، فلمَّا انتبه رأى الثعبانَ مقتولاً، فإن العصا قتلته، ولمَّا انصرف أخبر شعيباً بذلك فَسُرَّ به. وهكذا كان يرى موسى في عصاه آياتٍ كثيرة، ولذا قال: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18].
اسماعيل حقي
تفسير : {قالت احداهما} وهى الكبرى التى استدعته الى ابيها وهى التى زوجها موسى {ياابت} [اى بدر من] {استأجره} اى اتخذ موسى اجير الرعى الغنم والقيام بامرها {ان خير من استأجرت القوى الامين} اللام للجنس لا للعهد فيكون موسى مندرجا تحته. والقوى بالفارسية [توانا]. والامين [استار تعريض است بآنكه موسى را قوت وامانت هست] ـ روى ـ ان شعيبا قال لها وما اعلمك بقوته وامانته فذكرت له ماشاهدت منه من اقلاع الحجر عن رأس البئر ونزع الدلو الكبير وانه خفض رأسه عند الدعوة ولم ينظر الى وجهها تورعا حتى بلغته رسالته وانه امرها بالمشى خلفه فخصت هاتين الخصلتين بالذكر لانها كانت تحتاج اليهما من ذلك الوقت اما القوة فلسقى الماء واما الامانة فلحفظ البصر وصيانة النفس عنها كما قال يوسف عليه السلام {أية : انى حفيظ عليم}تفسير : لان الحفظ والعلم كان محتاجا اليهما اما الحفظ فلاجل ما فى خزانة الملك واما العلم فلمعرفة ضبط الدخل والخرج. وكان شريح لايفسر شيئا من القرآن الا ثلاث آيات. الاولى {أية : الذى بيده عقدة النكاح}تفسير : قال الزوج. والثانية {أية : وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}تفسير : قال الحكمة الفقه والعلم وفصل الخطاب البينة والايمان. والثالثة {ان خير من استأجرت القوى الامين} كما فسرت برفع الحجر وغض البصر
الطوسي
تفسير : قرأ عاصم {جذوة} بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها. الباقون - بكسر الجيم - وفيه ثلاث لغات - فتح الجيم وضمها وكسرها. والكسر أكثر وافصح. والجذوة القطعة الغليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الحزمة من أصل الشجر، وجمعها جذى قال الشاعر: شعر : كانت حواطب ليلى يلتمس لها جزل الجذى غير خوار ولا ذعر تفسير : وقال قتادة: الجذوة الشعلة من النار. حكى الله تعالى أن احدى المرأتين قالت لابيها {يا أبت استأجره} والاستئجار طلب الاجارة، وهي العقد على أمر بالمعاوضة، يقال: أجره أجراً، وآجره إجارة وايجاراً، واستأجره استئجاراً ومنه الاجير، والماجور. والأجر الثواب، وهو الجزاء على الخير. ثم حكى أنها قالت لأبيها {إن خير من استأجرت القوي الأمين} قال قتادة: عرفت قوته بأنه سقى الماشية بدلو واحد، وعرفت أمانته بغض طرفه، وامره إياها بأن تمشي خلفه. والقوي القادر العظيم المقدور، ومنه وصف الله تعالى بأنه القوي العزيز، وأصل القوة شدة الفتل من قوي الحبل، وهي طافاته التي يفتل عليها، ثم نقل إلى معنى القدرة على الفعل. والأمانة خاصة للتأدية على ما يلزم فيها، وهي ضد الخيانة، والثقة مثل الأمانة. ثم حكى ما قال أبو المرأتين لموسى (ع)، فانه قال له {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} أي ازوجك احداهما، فالانكاح عقد ولي المرأة على غيره الزوجية، وهو تزويجه اياها، والنكاح تزوج الرجل المرأة، يقال نكحها نكاحاً إذا تزوجها. وقوله {على أن تأجرني ثماني حجج} معناه على أن تجعل أجري على تزويجي إياك ابنتي رعي ماشيتي ثماني سنين، لأنه جعل صداق ابنته هذا الذي عقد عليه، وجعل الزيادة على المدة اليه الخيار فيها، فلذلك قال {فإن أتممت عشراً فمن عندك} أي هبة منك غير واجب عليك. ثم اخبر انه قال {وما أريد أن أشق عليك} بأن الزمك عشر سنين {ستجدني} فيما بعد {إن شاء الله من} جملة {الصالحين} الذين يفعلون الخيرات، وتعليق الصلاح بمشيئة الله في الآية يحتمل أمرين: احدهما - ان يريد بها الصلاح في الدنيا من صحة الجسم وتمام القوة، فان الله تعالى يجوز ان يفعل بأنبيائه أمراضاً امتحاناً لهم ولطفاً، فلذلك قال إن شاء الله. والثاني - ان يكون أراد ان شاء الله تبقيتي، لانه يجوز أن يخترمه الله فلا يفعل الصلاح الديني، فلذلك علقه بمشيئة الله. ويحتمل أن يكون ذلك لاتفاق الكلام، ولا يكون خبراً قاطعاً، فلا يكون بمشيئة الله شرط في فعل الصلاح وقال ابن عباس: ان موسى قضى أتما الأجلين وأوفاهما، وقيل: انه كان جعل لموسى كل سخلة تولد على خلاف شبه امها فأوحى الله (عز وجل) إلى موسى ان الق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. وقيل: جعل له كل بلقاء فولدن كلهن بلقاً. ثم حكى تعالى ان موسى قال له {ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي} أي لا تعدي علي لاني مخير في ذلك {والله على ما نقول وكيل} أي كاف وحسيب، وقيل: انه من قول الشيخ، ثم حكى تعالى ان موسى لما قضى الأجل تسلم زوجته وسار بها إلى أن {آنس من جانب الطور ناراً} اي ابصر امراً يؤنس بمثله، والطور الجبل قال العجاج: شعر : آنس جربان فضاء فانكدر دانى جناحيه من الطور فمر تفسير : فلما رأى ذلك قال لأهله: البثوا مكانكم، فاني ابصرت ناراً، فامضي نحوها {لعلي آتيكم منها بخبر} يعرف منه الطريق، فانه روي انه كان قد ضل عن الطريق {أو جذوة من النار} اى قطعة من الحطب غليظة فيها النار، وقيل الجذوة الشعلة من النار، لكي تصطلوا بها. وقيل: انهما كانا وجدا البرد، فلذلك قال ما قال. ثم حكى تعالى ان موسى لما اتى النار بان قرب منها {نودي من شاطئ الواد الأيمن} اى من جانبه وهو الشط، ويجمع شواطئ وشطاناً {من البقعة المباركة} يقال: بقعة وبقعة بالضم والفتح، وجمعه بقاع، ووصفها بأنها مباركة لأنه كلم الله فيها موسى {من الشجرة} قيل ان الكلام والنداء سمعه موسى من ناحية الشجرة، لأن الله تعالى فعل الكلام فيها لا أن الله تعالى كان في الشجرة، لانه لا يحويه مكان، ولا يحل في جسم، فتعالى الله عن ذلك {أن يا موسى} أي ناداه بان قال له يا موسى {إني أنا الله رب العالمين} الذي خلقت جميع الخلائق وأخرجتهم من العدم إلى الوجود.
الجنابذي
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ} لرعى الغنم {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ} هذا {ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} اتى باسم الظّاهر مقام الضّمير للدّلالة على وصفيه اللّذين هما سبب استيجاره قال شعيب (ع) امّا قوّته فقد عرفته برفع الحجر الّذى لا يرفعه الاّ عشرة وباستقاء الدّلو الّتى لا يستقيها الاّ عشرة فمن اين عرفت امانته؟- قالت: انّى كنت قدّامه فقال: كونى فى خلفى ودلّينى على الطّريق بالحصاه فانا من قومٍ لا ينظرون فى اعجاز النّساء، فمن هذا عرفت امانته، فلمّا قالت ذلك زاده ذلك رغبةً فيه.
الأعقم
تفسير : {قالت إحداهما يا ابت استأجره} لما رأت أمانته وقوته رغبت فيه قالت إحدى ابنتي الشيخ: يا أبت استأجره، قيل: هي التي تزوجها {إن خير من استأجرت القوي الأمين} {قال} الشيخ لموسى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين}، قيل: الصغيرة، وقيل: الكبيرة صفراء والصغيرة صفيرا {على أن تأجرني} يعني على أن تكون أجيري {ثماني حجج}، قيل: جعل مهر بنته هذا الذي عقد عليه، وقيل: بل زوجه بمهر واستأجره للرعاء ولم يجعل ذلك مهراً، ولكن شرط ذلك عليه {فإن أتممت عشراً} فمن عندك أي أنت متبرع به {وما أريد أن أشق عليك} أي أضيق {ستجدني إن شاء الله من الصالحين}، قيل: من الموفين بالعهد فقال موسى (عليه السلام): {ذلك بيني وبينك أيّما الأجلين قضيت} وفية العشر أو الثمان {فلا عدوان علي}، قيل: لا حجة، وقيل: حتى أطالب بزيادة {والله على ما نقول وكيل} قيل: شهيد وحافظ {فلما قضى موسى الأجل} وهو عشر سنين، وروي أنه وقف عنده عشرين سنة واستأذنه في الغدوّ إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له فـ {سار بأهله}، وقيل: لما قضى العشر سار بأهله وعياله وماله فأخذ على طريق متوجهاً نحو الشام وامرأته في شهرها فسار في البرية غير عارف بالطريق وألجأه السير إلى جانب الطور الأيمن في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق وضلّ الطريق وتفرقت ماشيته وأصابه المطر والبرد فبقي لا يدري أين يتوجه فبينما هو كذلك إذ رأى ناراً فقال سبحانه: {آنس} أي رأى أبصر {من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا} أقيموا ها هنا فإني رأيت ناراً {لعلي آتيكم منها بخبر} من الطريق أو أجد من يدلني عليها {أو جذوة} بل شعلة {من النار لعلكم تصطلون} أي تستدفئون بالنار فيذهب البرد الذي أصابكم.
الهواري
تفسير : {قَالَتِ إِحْدَاهُمَا} أي: إحدى المرأتين {يَآ أَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} أي: القوي في الصنعة، الأمين فيما ولى. قال مجاهد: الأمين؛ غضّ طرفه عنهما حين سقى لهما. وكان الذي رأت من قوته أنه لم تلبث ماشيتها أن سقاها وأرواها. وأن الأمانة التي رأت منه أنها حين جاءت تدعوه قال لها: كوني ورائي وكره أن يستدبرها. وبعضهم يقول في قوله: {القَوِيُّ الأَمِينُ} أنه كان على تلك البئر التي سقى منها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً، فرفعهما موسى وحده، وذلك أنه سألهما هل ها هنا بئر غير هذه فقالتا نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلا أربعون رجلاً. قال الشيخ لموسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأجُرَنِي} أي: تؤاجرني في نفسك {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِن أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَآءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: في الرفق بك. وقال لموسى في آخر ذلك: كل سخلة تخرج على غير شبه أمها في هذا البطن فهي لك. فأوحى الله إلى موسى: إذا ملأت الحياض وقرّبْتها لتشرب فألقِ عصاك في الحياض ففعل؛ فولدن كلهن خلاف شبه أُمَّهاتهن، فذهب بأولاد غنمه تلك السنة. وقال بعضهم: كُلُّ بلقاء تولد فهي لك، فولدن بُلقاً كلهن.
اطفيش
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} وهي التي قالت: ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا على الخلف فيها. {يَا أَبَتِ اسْتَأجِرْهُ} اتخذه اجيرا يرعى بدلنا. {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} اما ان تريد بالقوي الأمين موسى نفسه وتكون ال للحضور كأنها قالت ان خير من استأجرت هذا القوي الأمين فأستأجره يا أبت لقوته وأمانته واما ان تريد الحقيقة فيكون في ذلك تلويح الى ان في موسى القوة والأمانة وعلى كل حال فالجملة تعليل مستأنف جار مجرى الدليل على انه حقيق بالاستئجار فانه اذا اجتمعت القوة والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وجعل اسم ان خيرا لا القوي اعتناء باثبات كون موسى افضل ومثله قوله: ـ شعر : ألا ان خير الناس حيا وهالكا أسير ثقيف عندهم في السلاسل تفسير : وعبر بالماضي للدلالة على ان ذلك امر قد جرب وعرف ان القوي الأمين أولى بالاستئجار وان موسى قد جربت قوته وأمانته وعن ابن عباس رضي الله عنه ان شعيبا أخذته الغيرة اذ قالت استأجره ان خير من استأجرت القوي الأمين فقال لها من أين عرفت قوته وأمانته فذكرت له ما فعل في شأن السقي من رفع الحجر العظيم او مزاحمته الناس حتى سقى قبلهم فهذه قوته وذكرت له انه صوب رأسه حتى بلغته الرسالة وانه غض بصره حين السقي وانه أمرها بالمشي خلفه وروي انه قال لها امشي خلفي حتى لا تصف الريح بذلك فازداد شعيب به رغبة فأراد ان ينكحه بنته وان قلت مزاحمة الناس وقد سبقوه ظلم فكيف ينسب الى موسى قلت ان صحة المزاحمة والسقي قبله فهي على وجه جائز بأن يكون الماء معطلا بكثرة الزحام فسبق اليه وانتهزه.
اطفيش
تفسير : {قالت إحداهُما} شهر أنها الصغيرة التى تزوجها، وهى التى دعته {يا أبَتِ استأجره} اجعله أجيراً عندك لغنمك، أو استأجر قوته مطلقا يستعمله فى كل ما أراد {إنَّ خيْرَ من استأجَرت} أى من أردت استئجارته، قيل: ويحتمل أنه قد استأجر غيره قبله، ويبحث بأنه لا يعمل التفضيل من لتصف بشىء، ومن لم يتصف به فانه لم يستأجر موسى قبل ذلك {القَوىّ الأمين} عرفت قوته برفع الصخرة وحده، وأمانته بقوله تأخرى، وإن قلنا: إنها الكبيرة فقوته برفعها، وأمانته بكلامه، ونظره أو الداعية أيضا الكبرى، وقيل القوى فى دينه، الأمين فى جوارحه. يقال أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف إذ قال: "أية : عسى أن ينفعنا"تفسير : [القصص: 9]، وبنت شعيب، وأبو بكر فى عمر إذ أوصى بخلافته، وأما كونه مع ذلك جائعاً مضرور القدمين، فقد تعلم به، وقد لا تعلم، وأل فى القوى للعهد الذكرى الحضورى أيضاً، فانه لا يتصور أن تقول استأجره، وتنسب القوة والأمانة الى غيره، أو للجنس فيدخل موسى بالأولى، وفى الآية جواز الخلوة بامرأة أجنبية إذا أمنا الفتنة، وبدأت بالقوة على سبيل الترقى من الفاضل الى الأفضل، أو بدأت بها لعلمها بها قبل علمها بأمانته. وفى الآية بعد هذه الأصداق بالعناء وهو جائز وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يمنع وهو الصحيح، فيجوز الاصداق بكل مباح نافع كعناء وغيره، ولا يختص بالمال، ولا يجوز بما هو عبادة، واختلف فى قراءة القرآن أو مقدار منه، وتعليمه، ويجوز بنسخة، وهو من العناء، وأكل الأب صداق بنته، لأنها أجازت له، أو سيعوضها، ويقال الغنم للمتزوجة، وفى قصة موسى كلام وجد فى التوراة، وأقول: لا يجوز مطالعة التوراة والانجيل لأن أهل الكتابين يزيدون وينقصون، ويقصدون مخالفة القرآن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ بما فيهما لذلك، ولو كان لا يرجع اليه أمر من الدين، قال الله عز وجل: "أية : ولئن اتبعت"تفسير : [البقرة: 120، 145، الرعد: 37] الخ.
الالوسي
تفسير : {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي زوجها من موسى عليهما السلام {يٰأَبَتِ أسْتَئْجِرْهُ} أي لرعي الأغنام والقيام بأمرها، وأصل الاستئجار كما قال الراغب طلب الشيء بالأجرة ثم عبر به عن تناوله بها وهو المراد هنا. وكذا في قوله سبحانه: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ } وهو تعليل جار مجرى الدليل على أنه عليه / السلام حقيق بالاستئجار المفهوم من طلب استئجاره، وبعضهم رتب من الآية قياساً من الشكل الأول هكذا هو قوي أمين وكل قوي أمين لائق بالاستئجار ينتج هو لائق بالاستئجار وهو المدعي المفهوم من الطلب، وتعقب بأن هذا ظاهر لوكان (خير) خبراً وليس هو كذلك، وأجيب بأن المعنى على ذلك إلا أنه جعل اسماً للاهتمام بأمر الخيرية لأنها أم الكمال المبني عليها غيرها. وفي «الكشاف» ((فإن قيل: كيف جعل {خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ} اسماً لإن و {ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ} خبراً؟ قلت: هو مثل قوله:شعر : ألا إن خير الناس حياً وهالكاً أسير ثقيف عندهم في السلاسل تفسير : في أن العناية هي سبب التقديم وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق أن يكون خبراً اسماً)) وأراد بذلك على ما قيل: أحقية كون (خير) خبراً من حيث الصناعة، ووجه بأن خيراً مضاف إلى (من) وهي نكرة فكذا هو والإخبار عن النكرة بالمعرفة خلاف الظاهر، وإن جوزوه في اسمي التفضيل والاستفهام، ولو جعلت موصولة فإضافة أفعل التفضيل لفظية لا تفيد تعريفاً كما هو أحد قولين للنحاة فيها، وعلى القول بإفادتها التعريف يقال: المعرف باللام أعرف من الموصول وما أضيف إليه. وتعقب بأن تعريف {القوي الأمين} للجنس وما فيه تعريف الجنس قد ينزل منزلة النكرة. وأجيب بأن الموصول إذ أريد به الجنس كذلك وهنا تصح هذه الإرادة ليجيء التعدد الذي يقتضيه {خير}، وحيث كان المضاف إلى شيء دونه يكون {القوي الأمين} أحق بالاسمية و{خير} أحق بالخبرية. وإذ قلت بأن أحقية الخبرية لأن سوق التعليل يقتضيها إلا أنه عدل إلى الاسمية للاهتمام خلصت من كثير من المناقشات. وقال لي الشيخ خليل أفندي الآمدي يوم اجتمعت به وأنا شاب عند وروده إلى بغداد فجرى بحث في هذه الآية الكريمة: إن القياس المأخوذ منها من الشكل الثاني هكذا موسى القوي الأمين وخير من استأجرت القوي الأمين ينتج موسى خير من استأجرت. فقلت: أظهر ما يرد على هذا أن شرط إنتاج الشكل الثاني بحسب الكيفية اختلاف مقدمتيه بالإيجاب والسلب بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة وهو منتف فيما ذكرت فسكت وأعرض عن البحث حذراً من الفضيحة. وأنت تعلم أن أدلة القرآن لا يلزم فيها الترتيب الذي وضعه المنطقيون فذلك صناعة أغنى الله تعالى العرب عنها. وما ذكر من أن جملة {خير} اسماً للاهتمام هو ما اختاره غير واحد، وجوز الطيبـي أن يكون تقديمه وجعله اسماً من باب القلب للمبالغة، والظاهر أن أل في {القوى الأمين} للجنس فيندرج موسى عليه السلام وهو وجه الاستدلال. وذكر الاستئجار بلفظ الماضي مع أن الظاهر ذكره بلفظ المضارع للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. وجوز الطيبـي أن يكون المراد بالقوي الأمين موسى عليه السلام فكأنها قالت: إن خير من استأجرت موسى، والأول أولى. ((ثم إن كلامها هذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك. وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول: استأجره لقوته وأمانته)) ولعمري إن مثل هذا المدح من المرأة للرجل أجمل من المدح الخاص وأبقى للحشمة وخصوصاً إن كانت فهمت أن غرض أبيها أن يزوجها منه، ومعرفتها قوته عليه السلام لما رأت من دفعه الناس عن الماء وحده حتى سقى لهما، ومعرفتها أمانته من عدم تعرضه لها بقبيح مّا مع وحدتها وضعفها. وروي أنها لما قالت ما قالت قال لها أبوها: ما أعلمك بقوته؟ / فذكرت له أنه عليه السلام أقل صخرة على البئر لا يقلها كذا وكذا وقد مر في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، والنقل في عدد من يقلها مضطرب فأقل ما قالوا فيه سبعة وأكثره مائة، وقد مر ما يعلم منه حال الخبر في أصل الإقلال، وذكرت أنه نزع وحده بدلو لا ينزع بها إلا أربعون. وقال: ما أعلمك بأمانته؟ فذكرت ما كان من أمره إياها بالمشي وراءه وأنه صوب رأسه حتى بلغته الرسالة، وقدمت وصف القوة مع أن أمانة الأجير لحفظ المال أهم في نظر المستأجر لتقدم علمها بقوته عليه السلام على علمها بأمانته أو ليكون ذكر وصف الأمانة بعده من باب الترقي من المهم إلى الأهم. واستدل بقولها {استأجره} على مشروعية الإجارة عندهم وكذا كانت في كل ملة وهي من ضروريات الناس ومصلحة الخلطة خلافاً لابن علية والأصم حيث كانا لا يجيزانها وهذا مما انعقد عليه الإجماع وخلافهما خرق له فلا يلتفت إليه وهذا لعمري غريب منهما إن كانا لا يجيزان الإجارة مطلقاً، ورأيت في «الاكليل» أن في قوله تعالى: {أية : أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى }تفسير : [القصص: 27] الخ رداً على من منع الإجارة المتعلقة بالحيوان عشر سنين لأنه يتغير غالباً فلعل الإجارة التي لا يجيزانها نحو هذه الإجارة والأمر في ذلك أهون من عدم إجازة الإجارة مطلقاً كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : حذف ما لقيه موسى من شعيب من الجزاء بإضافته وإطعامه، وانتقل منه إلى عَرض إحدى المرأتين على أبيها أن يستأجره للعمل في ماشيته إذ لم يكن لهم ببيتهم رجل يقوم بذلك وقد كبر أبوهما فلما رأت أمانته وورعه رأت أنه خير من يستأجر للعمل عندهم لقوته على العمل وأمانته. والتاء في {أبت} عوض عن ياء المتكلم في النداء خاصة وهي يجوز كسرها وبه قرأ الجمهور. ويجوز فتحها وبه قرأ ابن عامر وأبو جعفر. وجملة {إن خير من استأجرت القوي الأمين} علة للإشارة عليه باستئجاره، أي لأن مثله من يستأجر. وجاءت بكلمة جامعة مرسلة مثلاً لما فيها من العموم ومطابقة الحقيقة بدون تخلف، فالتعريف باللام في {القوي الأمين} للجنس مراد به العموم. والخطاب في {من استأجرت} موجه إلى شعيب، وصالح لأن يعم كل من يصلح للخطاب لتتم صلاحية هذا الكلام لأن يرسل مثلاً. فالتقدير: من استأجر المستأجر. و{من} موصولة في معنى المعرف بلام الجنس إذ لا يراد بالصلة هنا وصف خاص بمعين. وجعل {خير من استأجرت} مسنداً إليه بجعله اسماً لأن جعل {القوي الأمين} خبراً مع صحة جعل {القوي الأمين} هو المسند إليه فإنهما متساويان في المعرفة من حيث إن المراد بالتعريف في الموصول المضاف إليه {خير}، وفي المعرّف باللام هنا العموم في كليهما، فأوثر بالتقديم في جزأي الجملة ما هو أهم وأولى بالعناية وهو خير أجير، لأن الجملة سيقت مساق التعليل لجملة {استأجره} فوصف الأجير أهم في مقام تعليلها ونفسُ السامع أشد ترقباً لحاله. ومجيء هذا العموم عقب الحديث عن شخص معين يؤذن بأن المتحدث عنه ممن يشمله ذلك العموم فكان ذلك مصادفاً المحز من البلاغة إذ صار إثبات الأمانة والقوة لهذا المتحدث عنه إثباتاً للحكم بدليل. فتقدير معنى الكلام: استأجره فهو قوي أمين وإن خير من استأجر مستأجر القوي الأمين. فكانت الجملة مشتملة على خصوصية تقديم الأهم وعلى إيجاز الحذف وعلى المذهب الكلامي، وبذلك استوفت غاية مقتضى الحال فكانت بالغة حد الإعجاز. وعن عمر بن الخطاب أنه قال «أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي». يريد: أسأله أن يؤيدني بقوي أمين أستعين به. والإشارة في قوله {هاتين} إلى المرأتين اللتين سقى لهما أن كانتا حاضرتين معاً دون غيرهما من بنات شعيب لتعلق القضية بشأنهما، أو تكون الإشارة إليهما لحضورهما في ذهن موسى باعتبار قرب عهده بالسقي لهما إن كانت الأخرى غائبة حينئذ. وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه. وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها وكانت التي اختارها موسى (صفورة) وهي الصغرى كما جاء في رواية أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها فكان ذلك ترجيحاً لها عنده. وكان هذا التخيير قبل انعقاد النكاح، فليس فيه جهل المعقود عليها. وقوله {على أن تأجرني ثماني حجج} حرف {على} من صيغ الشرط في العقود. و{تأجرني} مضارع آجره مثل نصره إذا كان أجيراً له. والحجج: اسم جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة، مشتقة من اسم الحج لأن الحج يقع كل سنة وموسم الحج يقع في آخر شهر من السنة العربية. والتزام جعل تزويجه مشروطاً بعقد الإجارة بينهما عرض منه على موسى وليس بعقد نكاح ولا إجارة حتى يرضى موسى. وفي هذا العرض دليل لمسألة جمع عقد النكاح مع عقد الإجارة. والمسألة أصلها من السنة حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتزوجها وزوّجها من رجل كان حاضراً مجلسه ولم يكن عنده ما يصدقها فزوجه إياها بما معه من القرآن، أي على أن يعلمها إياه. والمشهور من مذهب مالك أن الشرط المقارن لعقد النكاح إن كان مما ينافي عقد النكاح فهو باطل ويفسخ النكاح قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل. وأما غير المنافي لعقد النكاح فلا يفسخ النكاح لأجله ولكن يلغى الشرط. وعن مالك أيضاً: تكره الشروط كلها ابتداء فإن وقع مضى. وقال أشهب وأصبغ: الشرط جائز واختاره أبو بكر ابن العربي وهو الحق للآية، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم عليه الفروج»تفسير : . وظاهر الآية أيضاً أن الإجارة المذكورة جعلت مهراً للبنت. ويحتمل أن المشروط التزام الإجارة لا غير، وأما المهر فتابع لما يعتبر في شرعهم ركناً في النكاح، والشرائع قد تختلف في معاني الماهيات الشرعية. وإذا أخذنا بظاهر الآية كانت دالة على أنهما جعلا المهر منافع إجارة الزوج لشعيب فيحتمل أن يكون ذلك برضاها لأنها سمعت وسكتت بناء على عوائد مرعية عندهم بأن ينتفع بتلك المنافع أبوها. ويحتمل أن يكون لولي المرأة بالأصالة إن كان هو المستحق للمهر في تلك الشريعة، فإن عوائد الأمم مختلفة في تزويج ولاياهم. وإذ قد كان في الآية إجمال لم تكن كافية في الاحتجاج على جواز جعل مهر المرأة منافع من إجارة زوجها فيرجع النظر في صحة جعل المهر إجارة إلى التخريج على قواعد الشريعة والدخول تحت عموم معنى المهر، فإن منافع الإجارة ذات قيمة فلا مانع من أن تجعل مهراً. والتحقيق من مذهب مالك أنه مكروه ويمضي. وأجازه الشافعي وعبد الملك بن حبيب من المالكية. وقال أبو حنيفة: لا يجوز جعل المهر منافع حر ويجوز كونه منافع عبد. ولم ير في الآية دليلاً لأنها تحتمل عنده أن يكون النكاح مستوفياً شروطه فوقع الإجمال فيها. ووافقه ابن القاسم من أصحاب مالك. وإذ قد كان حكم شرع من قبلنا مختلفاً في جعله شرعاً لنا كان حجة مختلفاً فيها بين علماء أصول الفقه فزادها ضعفاً في هذه الآية الإجمال الذي تطرقها فوجب الرجوع إلى أدلة أخرى من شريعة الإسلام. ودليل الجواز داخل تحت عموم معنى المهر. فإن كانت المنافع المجعولة مهراً حاصلة قبل البناء فالأمر ظاهر، وإن كان بعضها أو جميعها لا يتحقق إلا بعد البناء كما في هذه الآية رجعت المسألة إلى النكاح بمهر مؤجل وهو مكروه غير باطل. وإلى الإجارة بعوض غير قابل للتبعيض بتبعيض العمل فإذا لم يتم الأجير العمل في هذه رجعت إلى مسألة عجز العامل عن العمل بعد أن قبض الأجر. وقد ورد في الصحيح وفي حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم فظهر عليه أنه لم يقبلها وأن رجلاً من أصحابه قال له: إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها. قال: هل عندك ما تصدقها؟ إلى أن قال له صلى الله عليه وسلم «حديث : التمس ولو خاتماً من حديد»تفسير : قال: ما عندي ولا خاتم من حديد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما معك من القرآن؟ قال: معى سورة كذا وسورة كذا لسور سماها. قال له: قد ملكتكها بما معك من القرآن. وفي رواية أن النبي أمره أن يعلمها عشرين آية مما معه من القرآن وتكون امرأته. فإن صحت هذه الزيادة كان الحديث جارياً على وفق ما في هذه الآية وكان حجة لصحة جعل الصداق إجارة على عمل، وإن لم تصح كما هو المشهور في كتب الصحيح فالقصة خصوصية يقتصر على موردها. ولم يقع التعرض في الآية للعمل المستأجر عليه. وورد في سفر الخروج أنه رعى غنم يثرون (وهو شعيب)، ولا غرض للقرآن في بيان ذلك. ولم يقع التعرض إلى الأجر وقد علمت أن الظاهر أنه إنكاحه البنت فإذا لم نأخذ بهذا الظاهر كانت الآية غير متعرضة للأجر إذ لا غرض فيه من سوق القصة فيكون جارياً على ما هو متعارف عندهم في أجور الأعمال وكانت للقبائل عوائد في ذلك. وقد أدركت منذ أول هذا القرن الرابع عشر أن راعي الغنم له في كل عام قميص وحذاء يسمى (بلغة) ونحو ذلك لا أضبطه الآن. وقوله {فإن أتممت عشراً فمن عندك} جعل ذلك إلى موسى تفضلا منه أن اختاره ووكله إلى ما تكون عليه حاله في منتهى الحجج الثمان من رغبة في الزيادة. و(من) ابتدائية. و(عند) مستعملة في الذات والنفس مجازاً، والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فإتمام العشر من نفسك، أي لا مني، يعني: أن الإتمام ليس داخلاً في العقدة التي هي من الجانبين فكان مفهوم الظرف معتبراً هنا. واحتج مالك بقوله {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} على أن للأب إنكاح ابنته البكر بدون إذنها وهو أخذ بظاهرها إذ لم يتعرض لاستئذانها. ولمن يمنع ذلك أن يقول: إن عدم التعرض له لا يقتضي عدم وقوعه. وقوله {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} يريد الصالحين بالناس في حسن المعاملة ولين الجانب. قصد بذلك تعريف خلقه لصاحبه، وليس هذا من تزكية النفس المنهي عنه لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح، فأما ما كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف {أية : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}تفسير : [يوسف: 55]. و{أشق عليك} معناه: أكون شاقاً عليك، أي مكلفك مشقة، والمشقة: العسر والتعب والصعوبة في العمل. والأصل أن يوصف بالشاق العمل المتعب فإسناد {أشق} إلى ذاته إسناد مجازي لأنه سبب المشقة، أي ما أريد أن أشترط عليك ما فيه مشقتك. وهذا من السماحة الوارد فيها حديث: «حديث : رحم الله امرأ سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى»تفسير : . وجملة {قال ذلك بيني وبينك} حكاية لجواب موسى عن كلام شعيب. واسم الإشارة إلى المذكور وهو {أن تأجرني ثماني حجج} إلى آخره. وهذا قبول موسى لما أوجبه شعيب وبه تم التعاقد على النكاح وعلى الإجارة، أي الأمر على ما شرطت علي وعليك. وأطلق {بيني وبينك} مجازاً في معنى الثبوت واللزوم والارتباط، أي كل فيما هو من عمله. و{أيما} منصوب بــــ{قضيت}. و(أي) اسم موصول مبهم مثل (ما). وزيدت بعدها (ما) للتأكيد ليصير الموصول شبيهاً بأسماء الشرط لأن تأكيد ما في اسم الموصول من الإبهام يكسبه عموماً فيشبه الشرط فلذلك جعل له جواب كجواب الشرط. والجملة كلها بدل اشتمال من جملة {ذلك بيني وبينك} لأن التخيير في منتهى الأجل مما اشتمل عليه التعاقد المفاد بجملة {ذلك بيني وبينك}. والعدوان بضم العين: الاعتداء على الحق، أي فلا تعتدي علي. فنفى جنس العدوان الذي منه عدوان مستأجره. واستشهد موسى على نفسه وعلى شعيب بشهادة الله. وأصل الوكيل: الذي وكل إليه الأمر، وأراد هنا أنه وكل على الوفاء بما تعاقدا عليه حتى إذا أخل أحدهما بشيء كان الله مؤاخذه. ولما ضمن الوكيل معنى الشاهد عدي بحرف {على} وكان حقه أن يعدى بــــ(إلى). والعبرة من سياقة هذا الجزء من القصة المفتتح بقوله تعالى {أية : ولما توجه تلقاء مدين}تفسير : [القصص: 22] إلى قوله {والله على ما نقول وكيل} [القصص: 28] هو ما تضمنته من فضائل الأعمال ومناقب أهل الكمال وكيف هيأ الله تعالى موسى لتلقي الرسالة بأن قلّبه في أطوار الفضائل، وأعظمها معاشرة رسول من رسل الله ومصاهرته، وما تتضمنه من خصال المروءة والفتوة التي استكنت في نفسه من فعل المعروف، وإغاثة الملهوف، والرأفة بالضعيف، والزهد، والقناعة، وشكر ربه على ما أسدى إليه، ومن العفاف والرغبة في عشرة الصالحين، والعمل لهم، والوفاء بالعقد، والثبات على العهد حتى كان خاتمة ذلك تشريفه بالرسالة وما تضمنته من خصال النبوءة التي أبداها شعيب من حب القرى، وتأمين الخائف، والرفق في المعاملة، ليعتبر المشركون بذلك إن كان لهم اعتبار في مقايسة تلك الأحوال بأجناسها من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فيهتدوا إلى أن ما عرفوه به من زكي الخصال قبل رسالته وتقويم سيرته، وزكاء سريرته، وإعانته على نوائب الحق، وتزوجه بأفضل امرأة من نساء قومه، إن هي إلا خصال فاذة فيه بين قومه وإن هي إلا بوارق لانهطال سحاب الوحي عليه. والله أعلم حيث يجعل رسالاته وليأتسي المسلمون بالأسوة الحسنة من أخلاق أهل النبوءة والصلاح. لم يذكر القرآن أي الأجلين قضى موسى إذ لا يتعلق بتعيينه غرض في سياق القصة. وعن ابن عباس «قضى أوفاهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل» أي أن رسول الله المستقبل لا يصدر من مثله إلا الوفاء التام، وورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ضعيفة الأسانيد أنه سئل عن ذلك فأجاب بمثل ما قال ابن عباس. والأهل من إطلاقه الزوجة كما في الحديث: «حديث : والله ما علمت على أهلي إلا خيراً»تفسير : . وفي سفر الخروج: أنه استأذن صهره في الذهاب إلى مصر لافتقاد أخته وآله. وبقية القصة تقدمت في سورة [النمل: 7] إلا زيادة قوله: {آنس من جانب الطور ناراً} وذلك مساوٍ لقوله هنا {إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً}. والجذوة مثلث الجيم، وقرىء بالوجوه الثلاثة، فالجمهور بكسر الجيم، وعاصم بفتح الجيم وحمزة وخلف بضمها، وهي العود الغليظ. قيل مطلقاً وقيل المشتعل وهو الذي في «القاموس». فإن كان الأول فوصف الجذوة بأنها من النار وصف مخصص، وإن كان الثاني فهو وصف كاشف، و {من} على الأول بيانية وعلى الثاني تبعيضية.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِحْدَاهُمَا} {يٰأَبَتِ} {ٱسْتَأْجِرْهُ} {ٱسْتَأْجَرْتَ} (26) - فَقَالَتْ إِحدَى ابنَتَيِ الرَّجُلِ لأَبِيها: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لِرَعيِ الغَنَمِ، فَهُوَ خَيرُ مَنْ يُسْتَأْجَرُ لِمِثْلِ هذِهِ المهمَّةِ فَهوَ قَويٌّ أَمينٌ. (وقِيلَ إِنَّ أَبَاهَا سَأَلَها: وَكَيفَ عَرَفْتِ أَنَّهُ قَوِيٌّ أَمِينٌ؟ فَقَالَتْ أَمّا إِنَّهُ قَوِيٌّ فَقَدْ رَفَعَ صَخْرَةً تُغَطِّي فُوَّهَةَ البِئْرِ وَحْدَهُ، وَهِيَ لا يُطِيقُ رَفْعَهَا عَشَرَةُ رِجَالٍ. وأَمَّا إِنَّهُ أَمِينٌ فَقَدْ طَلَبَ مِني أنْ يَتَقَدَّمَني فإِذا اختلَفَتِ الطَّريقُ حَذَفْتُ لَهُ بِحَصَاةٍ يَعْلَمُ بِها كَيفَ الطَّريقُ وذلِكَ لِكَيلا يَسِيرَ وَرَاءَهَا، وَيَنْظُرَ إِلى جِسْمِهَا).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا حكم رابع نستفيده من هذه الآيات، نأخذه من قول الفتاة {يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ ..} [القصص: 26]. وفي قولها دليل على أنها لم تعشق الخروج للعمل، إنما تطلب مَنْ يقوم به بدلاً عنها؛ لِتقَّر في بيتها. ثم تذكر البنت حيثيات هذا العرض الذي عرضته على أبيها {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} [القصص: 26] وهذان شرطان لا بُدَّ منهما في الأجير: قوة على العمل، وأمانة في الأداء. وقد تسأل: ومن أين عرفتْ البنت أنه قوي أمين؟ قالوا: لأنه لما ذهب ليسقي لهما لم يزاحم الناس، وإنما مال إلى ناحية أخرى وجد بها عُشْباً عرف أنه لا ينبت إلا عند ماء، وفي هذا المكان أزاح حجراً كبيراً لا يقدر على إزاحته إلا عدة رجال، ثم سقى لهما من تحت هذا الحجر، وعرفتْ أنه أمين حينما رفض أن تسير أمامه، حتى لا تظهر له مفاتن جسمها. ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيراً عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهاباً وإياباً، ليلَ نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته؛ لذلك رأى أن يُزوِّجه إحداهما ليخلقَ وَضْعاً، يستريح فيه الجميع: {قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2209- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَئْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ}: [الآية: 26]، قال: بلغنا أن قوته كانت سرعة ما أروى عنمهما، قال: بلغنا أنه ملأ الحوض بدلوٍ واحدةٍ. 2210- معمر، وقال قتادة: وأما أمانته، فإنه أمرها أن تمشي من خلفه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):