Verse. 328 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِذْ قَالَتِ امْرَاَتُ عِمْرٰنَ رَبِّ اِنِّىْ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِيْ بَطْنِىْ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىْ۝۰ۚ اِنَّكَ اَنْتَ السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ۝۳۵
Ith qalati imraatu AAimrana rabbi innee nathartu laka ma fee batnee muharraran fataqabbal minnee innaka anta alssameeAAu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قالت امرأة عمران» حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا «رب إني نذرت» أن أجعل «لك ما في بطني محرَّرا» عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس «فتقبَّل مني إنك أنت السميع» للدعاء «العليم» بالنيات، وهلك عمران وهي حامل.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الاولى واقعة حنة أم مريم عليهما السلام وفيه مسائل: المسألة الأولى: في موضع {إِذْ } من الإعراب أقوال الأول: قال أبو عبيدة: إنها زائدة لغواً، والمعنى: قالت امرأة عمران، ولا موضع لها من الإعراب، قال الزجاج: لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من كتاب الله تعالى، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة والثاني: قال الأخفش والمبرد: التقدير اذكر {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث: قال الزجاج، التقدير: واصطفى آل عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران، وطعن ابن الأنباري فيه وقال: إن الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح، ولما كان اصطفاؤه تعالى آدم ونوحاً قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال: إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر اصطفاء كل واحد إنما ظهر عند وجوده، وظهور طاعاته، فجاز أن يقال: إن الله اصطفى آدم عند وجوده، ونوحاً عند وجوده، وآل عمران عندما قالت امرأة عمران هذا الكلام الرابع: قال بعضهم: هذا متعلق بما قبله، والتقدير: والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران هذا القول. فإن قيل: إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول، فما معنى هذا التقييد؟ قلنا: إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في النسب والمتعلقات. المسألة الثانية: أن زكريا بن أذن، وعمران بن ماثان، كانا في عصر واحد، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم، وكان يحيـى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، ثم في كيفية هذا النذر روايات: الرواية الأولى: قال عكرمة. إنها كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت:اللّهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته. والرواية الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد حتى شاخت، وكانت يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يطعم فرخاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت ربها أن يهب لها ولداً فحملت بمريم، وهلك عمران، فلما عرفت جعلته لله محرراً، أي خادماً للمسجد، قال الحسن البصري: إنها إنما فعلت ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أم موسى فقذفته في اليم وليس بوحي. المسألة الثالثة: المحرر الذي جعل حراً خالصاً، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته، وخلصته فلم تبق فيه شيئاً من وجوه الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه تعلق، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصاً للعبادة عن الشعبي، وقيل: خادماً للبيعة، وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله، وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويعلم في البيع، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفاً على طاعة الله، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى، وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير بين المقام والذهاب، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس. المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض، والأذى، ثم إن حنة نذرت مطلقاً إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر. المسألة الخامسة: في انتصاب قوله {مُحَرَّرًا } وجهان الأول: أنه نصب على الحال من {مَا } وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً والثاني: وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً. ثم قال الله تعالى حاكياً عنها: {فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } التقبل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحدي: وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته، ثم قالت {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } والمعنى: أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي. واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام. قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائداً إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالماً بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة. ثم قال تعالى: {قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت {رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار. ثم قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر {وَضَعَت } برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت {إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى، فأزالت الشبهة بقولها {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام، والباقون بالجزم على أنه كلام الله، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيماً لولدها، وتجهيلاً لها بقدر ذلك الولد، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت، وفي قراءة ابن عباس {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } على خطاب الله لها، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات. ثم قال تعالى حكاية عنها {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } وفيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى، وسبب هذا التفضيل من وجوه أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث: الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى. والقول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه. ثم حكى تعالى عنها كلاماً ثانياً وهو قولها {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } وفيه أبحاث: البحث الأول: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء. البحث الثاني: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا، والذي يؤكد هذا قولها بعد ذلك {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }. البحث الثالث: أن قوله {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } معناه: وإني سميتها بهذا اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسماً لها، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة. ثم حكى الله تعالى عنها كلاماً ثالثاً وهو قولها {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } وذلك لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات القانتات، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم في أول الكتاب. ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } ولم يقل: فتقبلها ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] أي إنباتاً، والقبول مصدر قولهم: قبل فلان الشيء قبولاً إذا رضيه، قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على فعول: قبول وطهور ووضوء ووقود وولوغ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم، وأجاز الفراء والزجاج: قبولاً بالضم، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال: قبلته قبولاً وقبولا، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة، فكذا ههنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول. فإن قيل: فلم لم يقل: فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل؟ والجواب: أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع، بل على وفق الطبع، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى، إلا أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها، وهذا الوجه مناسب معقول. المسألة الثانية: ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوهاً: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها» تفسير : ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } طعن القاضي في هذا الخبر وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل فوجب رده، وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوه أحدها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم والثالث: لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الأنبياء عليهم السلام الرابع: أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم. الوجه الثاني: في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وقالت: خذوا هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا. الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة. الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن. ثم قال الله تعالى: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة. ثم قال الله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة وكفلاً فهو كافل، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي الحديث «حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين» تفسير : وقال الله تعالى: {أَكْفِلْنِيهَا }. المسألة الثانية: قرأ عاصم وحمزة والكسائي (وكفلها ) بالتشديد، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا، فمن قرأ (زكرياء) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه، وهو الاختيار، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } وعليه الأكثر، وعن ابن كثير في رواية {كفلها} بكسر الفاء، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان، كالهيجاء والهيجا، وقرأ مجاهد {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا } على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب {رَبُّهَا } كأنها كانت تدعو الله فقالت: اقبلها يا ربها، وأنبتها يا ربها، واجعل زكريا كافلاً لها. المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، وبه جاءت الروايات، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ثم قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً. وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة. ثم قال الله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {ٱلْمِحْرَابَ } الموضع العالي الشريف، قال عمر بن أبي ربيعة:شعر : ربة محراب إذا جئتها لم أدن حتى أرتقي سلما تفسير : واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } تفسير : [صۤ: 21] والتسور لا يكون إلا من علو، وقيل: المحراب أشرف المجالس وأرفعها، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب. المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم: أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقاً للعادة، أو لا يكون، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلاً على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } والقرآن دل على أنه كان آيساً من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقاً للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } يدل على تعظيم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقاً. أي رزق غريب عجيب، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقاً للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 91] ولولا أنه ظهر عليهما من الخوارق، وإلا لم يصح ذلك. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ولداً من غير ذكر؟ قلنا: ليس هذا بآية، بل يحتاج تصحيحه إلى آية، فكيف نحمل الآية على ذلك، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها، وذلك لا يكون إلا بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام الخامس: ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها السلام كان فعلاً خارقاً للعادة، فنقول: إما أن يقال: إنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك الزمان هو زكريا عليه السلام، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالماً بحاله وشأنه، فكان يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } وأيضاً فقوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } مشعر بأنه لما سألها عن أمر تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا بأخبار مريم، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع كرامات الأولياء. اعترض أبو علي الجبائي وقال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من معجزات زكريا عليه السلام، وبيانه من وجهين الأول: أن زكريا عليه السلام دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقاً، وأنه ربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فعنذ ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني: يحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت هو من عند الله لا من عند غيره. المقام الثاني: أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق العادات، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات، فكان زكريا عليه السلام إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من وجه لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال، هذا مجموع ما قاله الجبائي في «تفسيره» وهو في غاية الضعف، لأنه لو كان ذلك معجزاً لزكريا عليه السلام كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يبق أيضاً لقوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فائدة، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني. وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة، وأيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق. أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوّة لا يوجد مع غير الأنبياء، كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم. والجواب من وجوه الأول: وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدعي، فإن ادعى صاحبه النبوّة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبياً، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه ولياً والثاني: قال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها والثالث: وهو أن النبي يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق. ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى، وقوله {بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله {أية : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 3] وههنا آخر الكلام في قصة حنة.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ} قال أبو عبيدة: «إذ» زائدة. وقال محمد ابن يزيد: التقدير ٱذكر إذ. وقال الزجاج: المعنى وٱصطفى آل عمران إذ قالت ٱمرأة عمران. وهي حَنّة (بالحاء المهملة والنون) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدّة عيسى عليه السلام، وليس باسم عربيّ ولا يعرف في العربية حَنّة ٱسم ٱمرأة. وفي العربية أبو حَنّة البدريّ، ويقال فيه: أبو حبّة (بالباء بواحدة) وهو أصح، وٱسمه عامر، ودير حَنّة بالشأم، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك؛ قال أبو نُوَاس:شعر : يا دَيْرَ حَنّةَ مِن ذات الأُكَيْرَاحِ مَن يَصْحُ عنك فإنّي لستُ بالصّاحي تفسير : وحَبّة في العرب كثير، منهم أبو حَبّة الأنصاريّ، وأبو السَّنابل بن بَعْكَك المذكورُ في حديث سُبَيْعة حَبّة، ولا يعرف خنّة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف جنة (بالجيم) إلا أبو جنة، وهو خال ذي الرُّمّة الشاعر. كل هذا من كتاب ٱبن مَاكُولاَ. الثانية: قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} تقدّم معنى النذْر، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسَه. ويقال: إنها لما حملت قالت: لئن نجّاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته مُحَرَّراً. ومعنى «لك» أي لعبادتك. «محرّراً» نصب على الحال، وقيل: نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاماً محرّراً، والأوّل أولى من جهة التفسير وسيَاقِ الكلام والإعراب: أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أُخرى، وأما التفسير فقيل إن سبب قول ٱمرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تَلِد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وأنها كانت تحت شجرة فبَصُرت بطائر يَزُقُّ فَرْخاً فتحرّكت نفسُها لذلك، ودعت ربها أن يَهَب لها ولداً، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها مُحرّراً: أي عتيقاً خالصاً لله تعالى، خادماً للكنيسة حَبِيساً عليها، مُفرّغاً لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزاً في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما وضعت مريم قالت: «رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى» يعني أو الأُنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة. قيل: لما يصيبها من الحَيْض والأذى. وقيل: لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن يكون ذَكَراً فلذلك حَرّرت. الثالثة: قال ٱبن العربيّ: «لا خلاف أن ٱمرأة عِمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرّة، فلو كانت ٱمرأته أُمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله؛ فإنه إن كان الناذر عبداً فلم يتقرّر له قول في ذلك؛ وإن كان حرّاً فلا يصح أن يكون مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله: فأيّ وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه ـ والله أعلم ـ أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلِّي، فطلبت هذه المرأةُ الولدَ أنْساً به وسُكوناً إليه؛ فلما منّ الله تعالى عليها به نذرت أن حَظّها من الأنْس به متروك فيه، وهو على خدمة الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. وأرادت به مُحَرّراً من جهتي، محرراً من رِقّ الدنيا وأشغالها؛ وقد قال رجل من الصُّوفيّة لأُمّه: يا أُمَّهْ: ذَرِيني لِلَّه أتعبّد له وأتعلم العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصّر ثم عاد إليها فدقّ الباب، فقالت مَنْ؟ فقال لها: ٱبنُكِ فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. الرابعة: قوله تعالى: {مُحَرَّراً} مأخوذ من الحُرِّية التي هي ضد العُبودِيّة؛ من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خُصَيف عن عِكرمة ومجاهد: أن المحرّر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلَص: حُرّ، ومحرّر بمعناه؛ قال ذو الرُّمّة:شعر : والقُرْط في حُرّة الذِّفْرَى مُعَلّقُهُ تباعد الحبلُ منه فهو يَضْطرِب تفسير : وطِين حُرّ لا رمل فيه، وباتت فلانة بليلةٍ حُرَّة إذا لم يصل إليها زوجها أوَّل ليلة؛ فإن تمكّن منها فهي بليلة شَيْباء. الخامسة: قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} قال ٱبن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يُقبل في النَّذْر إلا الذكور، فقبِل الله مريم. «وأُنثى» حال، وإن شئت بدلٌ. فقيل: إنها ربّتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها؛ رواه أشهب عن مالك: وقيل: لفتها في خِرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوفّت بنذرها وتبرّأت منها. ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام؛ ففي البخاريّ ومسلم. أن ٱمرأة سوداء كانت تَقُمّ المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. الحديث. السادسة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} هو على قراءة من قرأ «وضعتُ» بضم التاء من جملة كلامها؛ فالكلام متّصل. وهي قراءة أبي بكر وٱبن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له (أن يخفى عليه شيء)، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرّر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قُدّم، وتقديره أن يكون مؤخّراً بعد {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} والله أعلم بما وضعت؛ قاله المَهْدوِيّ. وقال مكيّ: هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم قالته أو لم تقله. ويقوِّي ذلك أنه لو كان من كلام أُمّ مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعتُ؛ لأنها نادته في أوّل الكلام في قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى. ورُوي عن ٱبن عباس «بما وضعتِ» بكسر التاء، أي قيل لها هذا. السابعة: قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} ٱستدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها، ٱبنُ العربيّ، وهذه منه غفلة، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بيّنة حالها ومَقْطع كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته أُنثى لا تصلح وأنها عورة ٱعتذرت إلى ربّها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها. ولم ينصرف «مريم» لأنه مؤنث معرفة، وهو أيضاً أعجمي؛ قاله النحاس. والله تعالى أعلم. الثامنة: قوله تعالى: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} يعني خادم الربّ في لغتهم. {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} يعني مريم. {وَذُرِّيَّتَهَا} يعني عيسى. وهذا يدلّ على أن الذرّيَّة قد تقع على الولد خاصّة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود يولد إلا نَخَسه الشيطان فيستهلّ صارخاً من نخسه (الشيطان) إلا ٱبن مريم وأُمّه»تفسير : ثم قال أبو هريرة: ٱقرءوا إن شئتم {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديثُ أن الله تعالى ٱستجاب دعاء أُمّ مريم، فإن الشيطان ينخَس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وٱبنها. قال قتادة: كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأُمّه جُعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لهما منه شيء، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظنّ فاسد؛ فكم تعرّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يَرُومه الشيطان، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42]. هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِلّ به قَرِينه من الشياطين؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فَمَرْيَمُ وَٱبْنُها وإن عُصِما من نخسه فلم يُعْصما من ملازمته لهما ومقارنته. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : امرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوماً طائراً يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرت أن يكون محرراً، أي: خالصاً مفرغاً للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكراً أم أنثى؟ {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} قرىء برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرىء بتسكين التاء، على أنه من قول الله عز وجل، {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ} أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى {وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقرراً، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «حديث : ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم»تفسير : أخرجاه، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه، وسماه عبد الله، وفي صحيح البخاري: أن رجلاً قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد، فما أسميه؟ قال: «حديث : أسم ولدك عبد الرحمن»تفسير : ، وثبت في الصحيح أيضاً: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس، سماه المنذر، فأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه»تفسير : فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويُدَمَّى، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه، وسماه إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صح لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم، وقوله إخباراً عن أم مريم أنها قالت: {وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} أي: عوذتها بالله عز وجل من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسه إياه، إلا مريم وابنها»تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ}، أخرجاه من حديث عبد الرزاق، ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وروي من حديث قيس، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرةً أو عصرتين، إلا عيسى بن مريم ومريم»تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضاً، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشْمَعِلّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب».

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } (حنّة) لما أسنَّت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ } أن أجعل {لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدّس {فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ } للدعاء {ٱلْعَلِيمُ } بالنيات، وهلك عمران وهي حامل.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِذْ قَالَتِ } قال أبو عمرو: «إذ» زائدة. وقال محمد بن يزيد: إنه متعلق بمحذوف تقديره اذكر إذ قالت. وقال الزجاج: هو متعلق بقوله: {ٱصْطَفَى } وقيل: متعلق بقوله: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وامرأة عمران اسمها - حنة بالحاء المهملة، والنون - بنت فاقود بن قبيل أم مريم، فهي جدة عيسى. وعمران هو ابن ماثان جد عيسى، قوله: {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } تقديم الجار، والمجرور، لكمال العناية، وهذا النذر كان جائزاً في شريعتهم. ومعنى: {لَكَ } أي: لعبادتك {ومحرراً} منصوب على الحال، أي: عتيقاً خالصاً لله خادماً للكنيسة. والمراد هنا: الحرية التي هي ضد العبودية. وقيل: المراد بالمحرر هنا الخالص لله سبحانه الذي لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. ورجح هذا بأنه لا خلاف أن عمران، وامرأته حران. قوله: {فَتَقَبَّلْ مِنّي } التقبل: أخذ الشيء على وجه الرضا، أي: تقبل مني نذري بما في بطني. قوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } التأنيث باعتبار ما علم من المقام أن الذي في بطنها أنثى، أو لكونه أنثى في علم الله، أو بتأويل ما في بطنها بالنفس، أو النسمة، أو نحو ذلك. قوله: {قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } إنما قالت هذه المقالة؛ لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكر دون الأنثى، فكأنها تحسرت، وتحزنت لما فاتها من ذلك الذي كانت ترجوه، وتقدره، و{أنثى} حال مؤكدة من الضمير، أو بدل منه. قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ أبو بكر، وابن عامر بضم التاء، فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلاً بما قبله، وفيه معنى التسليم لله، والخضوع، والتنزيه له أن يخفى عليه شيء. وقرأ الجمهور {وضعت}، فيكون من كلام الله سبحانه على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه، والتجليل لها حيث وقع منها التحسر، والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله، وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويختصها بما لم يختص به أحداً. وقرأ ابن عباس: «بما وضعت» بكسر التاء على أنه خطاب من الله سبحانه لها، أي: إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم الله فيه من الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام، وتتضافر عندها العقول. قوله: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلاْنثَىٰ } أي: وليس الذكر الذي طلبت، كالأنثى التي وضعت، فإن غاية ما أرادت من كونه ذكراً أن يكون نذراً خادماً للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم، وشأنها فخيم. وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع، ورفع شأنه، وعلوّ منزلته، واللام في الذكر، والأنثى للعهد، هذا على قراءة الجمهور، وعلى قراءة ابن عباس، وأما على قراءة أبي بكر، وابن عامر، فيكون قوله: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلاْنثَىٰ } من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها، وتحزنها، أي: ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادماً، ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك، وكأنها أعذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت. قوله: {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } عطف على {إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } ومقصودها من هذا الإخبار بالتسمية التقرّب إلى الله سبحانه، وأن يكون فعلها مطابقاً لمعنى اسمها، فإن معنى مريم: خادم الربّ بلغتهم، فهي، وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات. قوله: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } عطف على قوله: {إِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }، والرجيم المطرود، وأصله المرمى بالحجارة، طلبت الإعاذة لها، ولولدها من الشيطان، وأعوانه. قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } أي: رضي بها في النذر، وسلك بها مسلك السعداء. وقال قوم: معنى التقبل التكفل، والتربية، والقيام بشأنها، والقبول مصدر مؤكد للفعل السابق، والباء زائدة، والأصل تقبلاً، وكذلك قوله: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } وأصله إنباتاً، فحذف الحرف الزائد، وقيل: هو مصدر لفعل محذوف، أي: فنبتت نباتاً حسناً. والمعنى أنه سوّى خلقها من غير زيادة، ولا نقصان، قيل: إنها كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام، وقيل: هو مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أي: ضمها إليه. وقال أبو عبيدة ضمن القيام بها. وقرأ الكوفيون: {وَكَفَّلَهَا } بالتشديد، أي: جعله الله كافلاً لها، وملتزماً بمصالحها، وفي معناه ما في مصحف أبيّ، "وأكفلها"، وقرأ الباقون بالتخفيف على إسناد الفعل إلى زكريا، ومعناه ما تقدّم من كونه ضمها إليه، وضمن القيام بها. وروى عمرو بن موسى، عن عبد الله بن كثير، وأبي عبد الله المزني، "وكفلها" بكسر الفاء. قال الأخفش: لم أسمع كفل. وقرأ مجاهد: «فتقبلها» بإسكان اللام على المسألة، والطلب، ونصب "ربَّها" على أنه منادى مضاف. وقرأ أيضاً: «وأنبتها» بإسكان التاء «وكفلها» بتشديد الفاء المكسورة، وإسكان اللام، ونصب «زكريا» مع المدّ. وقرأ حفص، وحمزة، والكسائي: «زكريا» بغير مد، ومده الباقون، وقال الفراء: أهل الحجاز يمدون {زكريا}، ويقصرونه. قال الأخفش: فيه لغات المد، والقصر، و"زكريّ" بتشديد الياء، وهو ممتنع على جميع التقادير للعجمة، والتعريف مع ألف التأنيث. قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } قدّم الظرف للاهتمام به، وكلمة كل ظرف، والزمان محذوف، و"ما" مصدرية، أو نكرة موصوفة، والعامل في ذلك قوله: {وَجَدَ } أي: كل زمان دخوله عليها، وجد عندها رزقاً، أي: نوعاً من أنواع الرزق. والمحراب في اللغة: أكرم موضع في المجلس قاله القرطبي، وهو: منصوب على التوسع، قيل: إن زكريا جعل لها محراباً: لا يرتقي إليه إلا بسلم، وكان يطلق عليها حتى كبرت، وكان إذا دخل عليها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فقال: { يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } أي: من أين يجيء لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } فليس ذلك بعجيب، ولا مستنكر، وجملة قوله: {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } تعليلية لما قبلها، وهو من تمام كلامها، ومن قال إنه من كلام زكريا، فتكون الجملة مستأنفة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يتعبد فيها، وكانت ترجو أن يكون ذكراً. وأخرج ابن المنذر عنه قال: نذرت أن تجعله محرراً للعبادة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مُحَرَّرًا } قال: خادماً للبيعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: محرراً خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنيا، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم، وابنها،» تفسير : ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } وللحديث ألفاظ عن أبي هريرة هذا أحدها، وروى من حديث غيره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: كفلها زكريا، فدخل عليها المحراب، فوجد عندها عنباً في مكتل في غير حينه، فقال: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، قال: إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من العاقر الكبير العقيم ولداً {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }تفسير : [آل عمران: 38]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: كانت مريم ابنة سيدهم، وإمامهم، فتشاحّ عليها أحبارهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوج أختها، فكفلها، وكانت عنده، وحضنها. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال: جعلها معه في محرابه.

الماوردي

تفسير : {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} فيه ثلاثة أقاويل: - أحدها: محرراً أي مُخْلَصاً للعبادة، وهذا قول الشعبي. والثاني: يعني خادماً للبيعة، وهذا قول مجاهد. والثالث: يعني عتيقاً من الدنيا لطاعة الله، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير. قوله تعالى:{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ: ربِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} إنما قالت ذلك اعتذاراً من العدول عن نذرها لأنها أنثى. ثم قال تعالى: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التاء، فيكون ذلك راجعاً إلى اعتذارها بأن الله أعلم بما وضعت، وقرأ الباقون بجزم التاء، فيكون ذلك جواباً من الله تعالى لها بأنه أعلم بما وضعت منها. ثم قال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} لأن الأُنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر من خدمة المسجد المقدس، لما يلحقها من الحيض، ولصيانة النساء عن التبرج، وإنما يختص الغلمان بذلك. {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه: من طعن الشيطان الذي يستهل به المولود صارخاً، وقد روى ذلك أبو هريرة مرفوعاً. والثاني: معناه من إغوائه لها، وهذا قول الحسن، ومعنى الرجيم المرجوم بالشهب.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُحَرَّرًا} مُخلَصاً للعبادة، أو خادماً للبيعة، أو عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله ـ تعالى ـ.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {مني إنك} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. {بما وضعت} على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد. الباقون {وضعت} على الغيبة. {وإني أعيذها} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. {وكفلها} مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون خفيفاً {زكريا} مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا. الباقون بالمد والرفع. {فناديه} بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف. الباقون {فنادته} بتاء التأنيث {في المحراب} بالإمالة حيث كان مخفوضاً. قتيبة وابن ذكوان {إن الله} بكسر "إن": ابن عامر وحمزة. الباقون بالفتح. {يبشرك} وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي. الباقون بالتشديد {لي آية} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير. الوقوف: {مني} ج للابتداء ولاحتمال لأنك {العليم} ه {أنثى} ط لمن قرأ {بما وضعت} بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها. {بما وضعت} ط {كالأنثى} ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ {وضعت} بالضم {الرجيم} ه {حسناً} ص لمن قرأ {وكفلها} مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف {زكريا} وفاعل المشدد الرب. وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: {أية : أكفلنيها} تفسير : [ص:23] {المحراب} (لا) لأن {وجد} جواب {كلما} {رزقاً} ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف {هذا} ط {من عند الله} ط {حساب} ه {ربه} ج لما قلنا في {رزقاً} {طيبة} ج للابتداء ولجواز لأنك {الدعاء} ه {في المحراب} (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول {الصالحين} ه {عاقر} ط {ما يشاء} ه {آية} ط {والإبكار} ه. التفسير: إنه سبحانه ذكر في هذا المقام قصصاً. القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن. روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت. فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته. فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل. قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله تعالى كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم. عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة. وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف. قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين. فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً. فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك. ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان. لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر. {محرراً} حال من "ما". وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً. فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة. والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث"حديث : نهى عن حبل الحبلة " تفسير : ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.{قالت رب إني وضعتها} حال كونها {أنثى} ثم من قرأ {والله أعلم بما وضعت} على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها {إني وضعتها أنثى} الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها. ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله تعالى فقالت: {والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: {رب إني وضعتها أنثى} ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً {وليس الذكر} الذي طلبت {كالأنثى} التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى. ومن قرأ {بما وضعت} بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله {والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} معترضتان. ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك. ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: {وليس الذكر} الذي طلبت {كالأنثى} التي وهبت لها. {وإني سميتها مريم} وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها. ومريم في لغتهم العابدة. فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان {فتقبلها ربها} الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها {رب إني وضعتها} ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك {بقبول حسن} تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك. قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره. وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم. والباء في قوله {بقبول} بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط". وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن. قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. {وأنبتها نباتاً حسناً} قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام. وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد {وكفلها زكريا} روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة. فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح. فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا. فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين. وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور. والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه. وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا} من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟ قالت {هو من عند الله} فلا تستبعد {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله تعالى. واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " تفسير : قلت: وذلك لدعاء حنة {وإني أعيذها} ومنه تكلمها في الصغر. ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "حديث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم جاع في زمن قحط فأهدت له صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع صلى الله عليه وسلم بها إليها وقال: هلمي يا بنية. فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل. ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته صلى الله عليه وسلم حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة رضي الله عنها على جيرانها"تفسير : . وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء. والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها. وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات. بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم. وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه. فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها. وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين. قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه. قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية. قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟ وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله. فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله لا من عند غيره. فعند ذلك يعلم أن الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة. ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره. على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات. فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال. قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة. على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال. وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟ وكيف مدح الله تعالى مريم بحصول هذا الرزق عندها؟ وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله تعالى بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: {أية : وجعلناها وابنها آية للعالمين؟}تفسير : [الأنبياء: 91]. القصة الثانية: واقعة زكريا عليه السلام وذلك قوله سبحانه {هنالك} أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان {دعا زكريا ربه} وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر. وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله تعالى غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب. وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها. قال المتكلمون: إن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه. وقول إن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه. ومعنى قوله: {من لدنك} أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه. فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب. والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: {أية : فهب لي من لدنك ولياً} تفسير : [مريم: 5] قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر. فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير. {إنك سميع الدعاء} يعني سماع إجابة. وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم {أية : ولم أكن بدعائك رب شقياً} تفسير : [مريم: 4]. {فنادته الملائكة} ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم. ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه. أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون. {يبشرك بيحيى} يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية. فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم {أية : إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى}تفسير : [مريم: 7] وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر. ثم إنه تعالى وصف يحيى بصفات منها: قوله {مصدقاً بكلمة من الله} وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة. قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله. وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته. والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى. قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما. فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى. قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: {مصدقاً بكلمة من الله} وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى. وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح. وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به. ومنها قوله: {وسيداً} والسيد الذي يفوق قومه في الشرف. وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة. وقال ابن عباس: السيد الحليم. وقال ابن المسيب: الفقيه العالم. وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب. ومنها قوله: {وحصوراً} قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح. والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان. ومنها قوله: {ونبياً} واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا. والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه. روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت. فقوله: {ونبياً} أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة. ثم قال: {ومن الصالحين} أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: {أية : وإنه في الآخرة لمن الصالحين} تفسير : [البقرة: 130] أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " تفسير : وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة {أية : وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} تفسير : [النمل: 19] وقال يوسف: {أية : توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} تفسير : [يوسف: 101]. ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله تعالى ومناجياً إياه {رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر} أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني. قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين. فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه. والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه. ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب. {وامرأتي عاقر} هي من الصفات الخاصة بالنساء. ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً. فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله تعالى إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: {أنى يكون} من أين يحصل لي غلام؟ فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة. وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه. ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل. والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله تعالى، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: {كذلك الله يفعل ما يشاء} وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون {كذلك الله} مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و{يفعل ما يشاء} بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: {رب اجعل لي آية} علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام} أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم {أية : ثلاث ليال} تفسير : [مريم: 10] ومعنى قوله:{ألا تكلم الناس} قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم. حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد. وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر. ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج. ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد. ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر. وعن قتادة أنه صلى الله عليه وسلم عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام. قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها. وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل. وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح {إلا رمزاً} إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها. وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: {ألا تكلم} وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً. وقيل: الرمز الكلام الخفي. وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف. وقرأ يحيى بن وثاب {إلا رمزاً} بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء {رمزاً} بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم {واذكر ربك كثيراً} قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر. وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً {وسبح} حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر. وقد تسمى الصلاة تسبيحاً {أية : فسبحان الله حين تمسون} تفسير : [الروم: 17] لاشتمالها عليه. والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها. والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار. وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. التأويل: إن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله. فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى {فتقبل مني} راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين {فتقبلها ربها} أي تقبلها ربها أن يربيها {بقبول حسن} كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى {وكفلها زكريا} من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة. {وجد عندها رزقاً} أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " تفسير : {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة {هنالك دعا زكريا ربه} كما أنه تعالى جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين {فنادته الملائكة وهو قائم} بالله {يصلي} بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه {في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى} لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون. {مصدقاً بكلمة من الله} وهي قوله: {أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوة} تفسير : [مريم: 12] {وسيداً} أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين {وحصوراً} نفسه عن التعليق بالكونين {ونبياً من الصالحين} من أهل الصف الأول {رب أنى يكون لي غلام} لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة {آيتك ألا تكلم الناس} لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام {إلا رمزاً} ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله تعالى به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى. ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

ابن عادل

تفسير : في الناصب لِـ "إذْ" أوجه: أحدها: أنه "اذكر" مقدَّراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، أي: اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس. الثاني: أن الناصب له معنى الاصطفاء، أي: "اصْطَفَى" مقدَّراً مدلولاً عليه بـ "اصْطَفَى" الأوَّل والتقدير: واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة عمران. وعلى هذا يكون قوله: {أية : وَآلَ عِمْرَانَ} تفسير : [آل عمران: 33] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات؛ إذ لو جُعِل من عطف المفردات لزم أن يكون وقتُ اصطفاءِ آدمَ وقول امرأةِ عمران كيت وكيت، وليس كذلك؛ لتغاير الزمانَيْن، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظِ به، وإلى هذا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وغيره. الثالث: أنه منصوب بـ "سميع" وبه صرح ابن جرير الطبري، وإليه نحا الزمخشري؛ فإنه قال: سميع عليم لقول امرأة عمران ونِيَّتها، و "إذْ" منصوب به. قال أبو حيّان: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لأن قوله: {عَلِيمٌ} إمّا أن يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله: "سميع" فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول؛ لأنه أجنبيٌّ عنهما، وإن كان وَصْفاً فلا يجوز أن يَعْمَل {سَمِيعٌ} في الظرف؛ لأنه قَدْ وُصِفَ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وُصِفَ قَبْلَ معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك؛ لأن اتصافه تعالى بـ {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لا يتقيد بذلك الوقت. قال شهابُ الدين: "وهذا القدر غيرُ مانع؛ لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيره، ولذلك تقدم على ما في خبر "أل" الموصولة وما في خبر "أن" المصدرية". وأما كونه - تعالى - سميعاً عليماً لا يتقيد بذلك الوقت، فإن سَمْعَه لذلك الكلام مقيَّد بوجود ذلك الكلام، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيَّد بذكرها لذلك، والتغيُّر في السمع والعلم، إنما هو في النسبِ والتعلُّقات. الرابع: أن تكون "إذْ" زائدةً، وهو قول أبي عُبَيْدَةَ، والتقدير: قالت امرأة عمرانَ، وهذا غلط من النحويين، قال الزّجّاج لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً؛ لأن إلغاء حرفٍ من كتاب الله تعالى - من غير ضرورةٍ لا يجوز، وكان أبو عبيدة يُضَعَّفُ في النحو. الخامس: قال الأخفش والمُبَرِّد: التقدير: "ألم تر إذْ قالت امرأة عمران، ومثله في كتاب الله كثير". فصل امرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا أم مريم، وهي حنة - بالحاء المهملة والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي. قال القرطبيُّ: "ولا يُعْرَف في العربية "حنة": اسم امرأة - وفي العرب أبو حنة البدريّ، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحَّدة - وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك. قال أبو نواس: شعر : 1414- يَا ديرَ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الأكَيْرَاحِ مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي تفسير : وفي العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاريّ وأبو السنابل بن بعْكك - المذكور في حديث سبيعة الأسلمية، ولا يعرف "خَنَّة" - بالخاء المعجمة - إلا بنت يحيى بن أكثم، وهي أم محمد بن نصر، ولا يُعْرَف "جَنَّة" - بالجيم - إلاَّ أبو جنة وهو خال ذي الرمة الشاعر، نقل هذا كله ابنُ ماكولا". وعمران بن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. وقيل: عمران بن أشهم، وكان زكريا قد تزوَّج إيشاع بنت فاقوذ، وهي أخت حنة أم مريم، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة، وفي كيفية هذا النذر روايات. قال عكرمةُ: إنها كانت عاقراً لا تلد، وتغبط النساء بالأولاد، فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً ن أتصدَّقَ به على بيتك المقدَّس، فيكونَ من سَدَنَتِهِ. الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد، فلما شاخت جلست يوماً في ظل شجرة فرأت طائراً يُطْعِم فِراخًاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت رَبَّها أن يَهَبَ لها وَلَداً، فحملت مريم وهلك عمران - فلما عرفت جعلته لله محرراً - أي: خادماً للمسجد. قال الحسن البصري: إنما فعلت ذلك بإلهام من الله - تعالى - ولولاه لما فعلت، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبحَ ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر الله تعالى - وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أمَّ موسى بقَذْفه في اليم وليس بوحي، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو، قال لها زوجها: ويحكِ: ما صنعتِ؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثَى لا يصح لذلك؟ فوقعوا جميعاً في هَمٍّ من ذلك، فهلك عمران وحنة حامل بمريم {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}. قوله: "مُحَرَّراً" في نَصبه أوجه: أحدها: أنها حال من الموصول - وهو {مَا فِي بَطْنِي} - فالعامل فيها "نذرت". الثاني: أنه حال من الضمير المرفوع بالجار؛ لوقوعه صلة "ما" وهو قريب من الأول، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور. الثالث: أن ينتصب على المصدر؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعول من الفعل الزَّائد على ثلاثة أحرف، وعلى هذا، فيجوز أن يكون في الكلام حذفُ مضاف، تقديره: نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويجوز أن يكون "ما" انتصب على المعنى؛ لأن معنى {نَذَرْتُ لَكَ}: حرَّرتُ لك ما في بطني تحريراً، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله: {أية : وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 19] وقوله: {أية : وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} تفسير : [الحج: 18] - في قراءة من فتح الراء - أي: كلَّ تمزيق، فما له من إكرام. ومثله قول: [الوافر] شعر : 1415- ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوَافِي فَلاَ عِيًّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَا تفسير : أي تسريحي القوافي. الرابع: أن يكون نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ، تقديره: غلاماً مُحَرَّراً، قاله مكيُّ بن أبي طالب - وجعل ابنُ عطية، في هذا القول نظراً. قال شهاب الدين: "وجه النظر فيه أن "نذر" قد أخذ مفعوله - وهو قوله: {مَا فِي بَطْنِي} فلم يتعد إلى مفعول آخرَ، وهو نظر صحيح". وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالاً مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العِتْق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير، ووقف أبو عمرو والكسائي على "امرأة" بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا "امرأة" بالتاء وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف "امرأة العزيز" موضعين - وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وأهل المدينة يقفون بالتاء؛ إتباعاً لرسم المصحف، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة: حمزت. وأنشدوا: شعر : 1416- وَاللهُ نَجَّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلَمَتْ مِنْ بَعْدِمَا وَبعْدِمَا وَبَعْدِمَتْ تفسير : فصل والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النَّذْر كان في بني إسرائيل، ولم يوجَد في شرعنا. قال ابن العربي: "لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حَمْلِها نذرٌ؛ لكونها حُرَّةٌ، فلو كانت امرأته أَمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذرُ عبداً فلم يتقرر وله في ذلك، وإن كان حُرًّا، فلا يصح أن يكون، مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله، فأي وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريدُ ولَده للأنس به والتسلّي، والاستنصارِ، فطلبت هذه المرأة أنساً به، وسُكوناً إليه، فلمَّا مَنَّ الله - تعالى - عليها به نذرَتْ أن حظها من الأنس متروك فيه، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوفٌ، وهذا نَذْر الأحرار من الأبرار، وأرادت به مُحَرَّراً من جهتي رق الدنيا وأشغالها. قوله: {مَا فِي بَطْنِي} أتى بـ "ما" التي لغير العاقلِ؛ لأن ما في بطنها مُبْهَمٌ أمرُه، والمُبْهَم أمره يجوز أن يُعَبَّر عنه بـ "ما". ومثاله أن تقول إذا رأيتَ شبحاً من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره: ما هذا؟ ولو عرفته إنساناً وجهلت كونه ذكراً أو أنثى، قلت: ما هو أيضاً؟ والآية من هذا القبيل، هذا عند مَنْ يرى أن "ما" مخصوصة بغير العاقل، وأما من يرى وقوعها على العقلاء، فلا يتأوَّل شيئاً. وقيل: إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه بـ "ما" التي لغير العُقَلاء. المحرر: الذي يُجْعَل حُرًّا خالصاً، يقال: حرَّرت العبدَ - إذا أخلصته من الرق - وحرَّرْت الكتاب، أي: أصلحته وخلصته من وجوه الغلط، ورجل حُرّ: إذا كان خالصاً لنفسه، وليس لأحد عليه تعلُّق. والطين الحر: الخالص من الرمل والحمأة والعيوب، فمعنى "مُحَرَّراً"، أي: مُخْلصاً للعبادة، قاله الشعبيُّ. وقيل: خادماً للبيعة. وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله. وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويُعَلِّم في البيع. والمعنى أنها نذرت أن تجعلَ الولدَ وَقْفاً على طاعة الله تعالى. قيل: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شيء، فكان تحريرهم جعلَهم أولادَهم على الصفة التي ذكرنا؛ وذلك؛ لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صَارَ بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا - بالنذر - يتركون ذلك النوعَ من الانتفاع، ويجعلونهم محرَّرين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى. وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة - يقوم بخدمتها - حتى يبلغَ الحلم، ثم يُخَيَّر بين المُقام والذهاب فإن أبي المقام، وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعدَ ذلك خيار، ولم يكن نبيّ إلا ومن نسله محرَّر في بيت المقدس. وهذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان، أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك؛ لِمَا يُصِيبها من الحيض، والأذى، وحنَّةُ نذرت مطلقاً، إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلةً إلى طلب الذكر ومعنى: نذرت لك أي لعبادتك، وتقدم الكلام على النذر، ثم قال تعالى - حاكياً عنها -: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، والتقبُّل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحديُّ: "وأصله من المقابلة؛ لأنه يقابَل بالجزاءِ، وهذا كلام مَن لم يرد بفعله إلا رضا الله - تعالى - والإخلاصَ في عبادته ومعنى {ٱلسَّمِيعُ} أي: لتضرعي ودعائي وندائي {ٱلْعَلِيمُ} بما في ضميري ونيَّتي. قوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} الضمير في "وضعتها" يعود على "ما" - من حيث المعنى -؛ لأن الذي في بطنها أنْثَى - في علم الله - فعاد الضمير على معناها دون لفظها. وقيل: إنما أنث؛ حَمْلاً على مضيّ النسمة أو الْجِبلَّة أو النفس، قاله الزمخشريُّ. وقال ابنُ عطية: حملاً على الموجودة، ورفعاً للفظ "ما" في قوله {مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}. قوله: {أُنْثَىٰ} فيه وجهان: أحدهما: أنها منصوبة على الحال، وهي حال مؤكِّدَة؛ لأن التأنيث مفهوم من تأنيث الضمير، فجاءت "أُنْثَىٰ" مؤكدة. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: كيف جاز انتصاب "أُنْثَىٰ" حالاً من الضمير في "وَضَعْتُهَا" وهو كذلك كقولك: وضعت الأنثى أُنْثَىٰ؟ قلت: الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن الحالَ وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في من كانت أمك؛ لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْن} تفسير : [النساء: 176]. وأما على تأويل النسمة والجبلة فهو ظاهرٌ، كأنه قيل: إني وَضَعْتُ النسمةَ أنثى". يعني أن الحال على الجواب الثاني - تكون مبيِّنة لا مؤكِّدة؛ وذلك لأن النسمة والجبلة تصدق على الذكر وعلى الأنثى، فلما حصل الاشتراكُ جاءت الحال مبيِّنةً لها، إلا أن أبا حيّان ناقشه في الجواب الأول، فقال: وآل قوله - يعني الزمخشري - إلى أن "أنثى" تكون حالاً مؤكِّدة، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال عن أن يكون حالاً مؤكِّدة، وأما تشبيهه ذلك بقوله: من كانت أمّك - حيث عاد الضمير على معنى "ما" - فليس ذلك نظير {وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}؛ لأن ذلك حَمْلٌ على معنى "ما" إذ المعنى: أية امرأة كانت أمك، أي كانت هي أي أمُّك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبرِ، وإنما هو من باب الحملِ على معنى "ما" ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير {وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}؛ لأن الخبر تخصَّصَ بالإضافة إلى الضمير فاستفيد من الخبر ما لا يُستفاد من الاسم، بخلاف "أنْثَى" فإنه لمجرَّد التأكيد، وأما تنظيره بقوله: {فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْن}. فيعني أنه ثَنَّى الاسمَ؛ لتثنية الخبر. والكلام يأتي عليه في مكانه إن شاء الله تعالى فإنها من المشكلات، فالأحسن أن يُجعل الضمير - في {وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} - عائداً على النسمة أو النفس، فتكون الحال مبيِّنة مؤكِّدة. قال شهاب الدين: قوله: "ليس نظيرها؛ لأن من كانت أمك" حُمل فيه على معنى من، وهذا أنث لتأنيث الخبر" ليس كما قال، بل هو نظيره، وذلك أنه في الآية الكريمة حُمل على معنى "ما" كما حمل هناك على معنى "من"، وقول الزمخشري: "لتأنيث الخبر" أي لأن المرادَ بـ "من": التأنيث، بدليل تأنيث الخبر، فتأنيث الخبر بَيَّنَ لنا أن المراد بـ "من" المؤنث كذلك تأنيث الحال وهو أنثى، بيّن لنا أن المراد بـ "ما" في قوله: {مَا فِي بَطْنِي} أنه شيءٌ مؤنث، وهذا واضح لا يحتاج إلى فكر، وأما قوله: "فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف {وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}، فإنه لمجرد التوكيد" ليس بظاهر أيضاً؛ وذلك لأن الزمخشري إنما أراد بكونه نظيره من حيث إن التأكيد في كلّ من المثالين مفهوم قبل مجيء الحال في الآية وقَبْل مجيء الخبر في النظير المذكور؛ أما كونه يفارقه في شيء آخر لعارض، فلا يضر ذلك في التنظير، ولا يخرجه عن كونه يشبهه من هذه الجهة، وقد تحصل لك في هذه الحالة وجهان: أحدهما: أنها مؤكِّدة إن قلنا: إن الضمير في {وَضَعَتْهَا} عائد على معنى "ما". الثاني: أنها مبيِّنة إن قلنا: إن الضمير عائد على الجبلة والنسمة أو النفس أو الجِبلَّة لصدق كل من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكر والأنثى. الوجه الثاني من وجهي "أُنْثَىٰ": أنها بدل من "ها" في {وَضَعَتْهَا} بدل كل من كل - قاله أبو البقاء. ويكون في هذا البدلِ بيان ما المراد بهذا الضميرِ، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبة، فإن كان الضمير مرفوعاً نحو: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا} تفسير : [الأنبياء: 3] - على أحد الأوجهِ - فالكل يجيزون فيه البدلَ، وإن كان غير مرفوعٍ نحو ضربته زيداً ومررت به زيدٍ فاختلِفَ فيه، والصحيح جوازه كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 1417- عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماً عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ تفسير : بجر حاتم الأخير بدلاً من الهاء في "جُودِهِ". فصل والفائدةُ في قولها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالبُ على ظَنِّها أنه ذَكَر، فلم تشترط ذلك في كلامِها، وكانت عادتُهم تحريرَ الذكر، لأنه هو الذي يُفَرَّغ لخدمة المسجد دون الأُنْثَىٰ، فقالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يُعتَد به، ومعتذرةً من إطلاقها النذر المتقدم، فذكرت ذلك على سبيل الاعتذار، لا على سبيل الإعلام؛ تعالى الله عن [أن يحتاج إلى إعلامها]. قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} قرأ ابن عامر وأبو بكر "وَضَعْتُ" بتاء المتكلم - وهو من كلام أمِّ مَرْيَمَ خاطبت بذلك نفسَها؛ تَسَلِّياً لها واعتذاراً للهِ تعالى؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس. قال الزمخشريُّ - وقد ذكر هذه القراءة -: "تعني ولعل لله - تعالى - فيه سِرًّا وحكمةً، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر؛ تَسلِيَةً لنفسها". وقيل: قالت ذلك؛ خوفاً أن يُظَنَّ بها أنها تُخْبِر الله - تعالى - فأزالت الشبهةَ بقولها هذا وبينت أنها إنما قالتْ ذلك للاعتذارِ لا للإعلام - وفي قولها: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ إذ لو جَرَتْ على مقتضَى قولها: "رَبِّ" لقالت: وأنت أعلم. وقرأ الباقون: "وَضَعَتْ" بتاء التأنيث الساكنةِ - على إسناد الفعل لضمير أم مريم، وهو من كلام الباري تعالى، وفيه تنبيه على عِظَم قَدْر هذا المولود، وأنَّ له شأناً لم تعرفيه، ولم تعرفي إلا كونه أُنْثَىٰ لا غير، دون ما يئول إليه من أمور عِظَامٍ، وآيات واضحةٍ. قال الزمخشريُّ: "ولتكلُّمها بذلك على وجه التحسُّر والتحزُّن قال الله - تعالى -: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيماً لموضوعها، وتجهيلاً لها بقدر ما وُهِبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آيةً للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت". وقد رجح بعضهم القراءة الثانية على الأولى بقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} قال: "ولو كان من كلامِ مريم لكان التركيب: وأنت أعلم". وقد تقدم جوابُه بأنه التفات. وقرأ ابن عباس {والله أعلم بِمَا وَضَعَتِ} - بكسر التاء - خاطبها الله - تعالى - بذلك، بمعنى: أنك لا تعلمين قدرَ هذه المولودة، ولا قدر ما علم الله فيها من عظائمِ الأمورِ. قوله: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}؛ هذه الجملة - يحتمل أن تكون معترضةً، وأن يكون لها محل، وذلك بحسب القراءات المذكورة في "وَضَعَتْ" - كما يأتي تفصيله - والألف واللام في "الذكَر" يحتمل أن تكون للعهدِ، والمعنى: ليس الذكر الذي طلبَتْ كالأنثى التي وَهِبَتْ لها. قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: فما معنى قولها: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}؟ قلت: هو بيان لما في قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} من التعظيم للموضوع، والرفع منه، ومعناه: ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وُهِبَتْ لها، والألف واللام فيهما يحتمل أن تكون للعهد وأن تكون للجنس، على أن المراد: أن الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزية؛ إذ هو صالح لخدمة المتعبدات والتحرير ولمخالطة الأجانب، بخلاف الأنثى؛ لِما يعتريها من الحيض، وعوارض النسوان. وكان سياقُ الكلام - على هذا - يقتضي أن يدخل النفي على ما استقر، وحصل عندَها، وانتفت عنه صفاتُ الكمال للغرض المقصود منه، فكان التركيبُ: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن ذلك؛ لأنها بدأت بالأهم لما كانت تريده، وهو المُتَلَجلِج في صدرها، والحائل في نفسها، فلم يَجْرِ لسانُها في ابتداء النطق إلا به، فصار التقديرُ: وليس جنسُ الذكرِ مثل جنس الأنثى، لما بينهما من التفاوتِ فيما ذكر، ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء، وفهموها عن الله - تعالى - لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنًى؛ إذ كلُّ أحدٍ يعلَمُ أن الذكر لَيْسَ كالأنثى. وقوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} هذه الجملة معطوفة على قوله {إِنِّي وَضَعْتُهَآ} على قراءة مَنْ ضَمَّ التاء في قوله وضعت فتكون هي وما قبلها في محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إني وضعتُها، وقالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، وقالت: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَم. وأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فتكون {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا} أيضاً معطوفاً على {إِنِّي وَضَعْتُهَآ} ويكون قد فصل بين المتعاطفَيْن بجملتي اعتراض، كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76] قاله الزمخشريُّ. قال أبو حيّان: "ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان؛ لأنه يحتمل أن يكون: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} من كلامها في هذه القراءة" ويكون المعترض جملة واحدة - كما كان من كلامها في قراءة من قرأ "وَضَعْتُ" بضم التاء - بل ينبغي أن يكون هذا المتعيِّن؛ لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة، ولأن في اعتراضِ جملتين خلافاً لمذهب أبي علي الفارسي من أنه لا يعترض جملتان. وأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما - على زعمه - بين المعطوف والمعطوفِ عليه، بقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76] ليس تشبيهاً مطابقاً للآية؛ لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم - الذي هو {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} تفسير : [الواقعة: 75] - وبين جوابه - الذي هو {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 77] - بجملة واحدة - وهي قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} - لكنه جاء في جملة الاعتراض - بين بعض أجزائها، وبعض اعتراض بجملة - وهي قوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ} اعتراضٌ بها بين المنعوتِ الذي هو "لَقَسَمٌ" - وبين نعته - الذي هو "عَظِيمٌ" - فهذا اعتراضٌ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}. قال شهابُ الدين: والمشاحَّة بمثل هذه الأشياء ليست طائلة، وقوله: "ليس فصلاً بجملتي اعتراض" ممنوع، بل هو فَصْلٌ بجملتي اعتراض، وكونه جاء اعتراضاً في اعتراض لا يضر ولا يقدَح في قوله: فصل بجملتين" فـ "سمى" يتعدى لاثنين، أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه، تقول: سميت زيداً، و الأصل: بزيدٍ، وجمع الشاعرُ بين الأصل والفرع في قوله: [المتقارب] شعر : 1418- وَسُمِّيْتَ كَعباً بِشَرِّ الْعِظَامِ وَكَانَ أبُوكَ يُسَمَّى الْجُعَل تفسير : أي يسمى بالجُعَل - وقد تقدم الكلامَ في مريمَ واشتقاقها ومعناها. فصل ظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قد مات قبل وَضْعِ حَنَّة مَرْيمَ، فلذلك تولَّت الأم تسميتها؛ لأن العادة أن التسمية يتولاّها الآباء، وأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله أن يعصمها من آفاتِ الدين والدنيا؛ لأن مريم - في لغتهم - العابدة، ويؤكد ذلك قوله: بعد ذلك: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}. وقولها: {سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} جَعَلت هذا اللفظَ اسماً لها وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة، وعلى أن تسمية الولد يكون يوم الوضع. قوله: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا} عطف على {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا} وأتى - هنا - بخبر "إنَّ" فعلاً مضارعاً؛ دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها، بخلاف قوله: {وَضَعْتُها} و {سَمَّيْتُهَا} حيث أتى بالخبرين ماضيَيْن؛ لانقطاعهما، وقدم المُعَاذَ به على المعطوف؛ اهتماماً به. وفتح نافع ياءَ المتكلم قبل هذه الهمزة المضمومة، وكذلك ياء وقع بعدها همزة مضمومة إلا في موضعين فإن الكُلَّ اتفقوا على سكونها فيهما -: {أية : بِعَهْدِيۤ أُوف}تفسير : [البقرة: 40] و {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغ} تفسير : [الكهف: 96] والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها. فصل لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد، تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان، وأن يجعلها من الصالحات القانتات. قال القرطبي: "معنى قوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} يعني خادم الرب - بلغتهم - {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} مريمَ. {وَذُرِّيَّتَهَا} عيسى. وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصّة". قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} الجمهور على {فَتَقَبَّلَهَا} فعلاً ماضياً على "تَفَعَّل" بتشديد العينِ - و {رَبُّهَا} فاعل به، وتفعل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى المجرَّد - أي فقبلها - بمعنى رَضِيها مكان الذَّكر المنذورِ، ولم يقبل أنثى منذورة - قبل مريم - كذا ورد في التفسير، و - "تَفَعَّل" يأتي بمعنى "فَعَل" مُجَرَّداً، نحو تعجب وعَجب من كذا، وتَبَرَّأ وبَرِئَ منه. والثاني: أن "تفعل" بمعنى: استفعل، أي: فاستقبلها ربُّها، يقال: استقبلت الشيءَ أي: أخذته أول مرة. والمعنى: أن اللهَ تولاَّها من أول أمرها وحين ولادتها. ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 1419- وَخَيْرُ الأمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعا تفسير : ومنه المثل: خذ الأمر بقوابله. و "تَفَعَّل" بمعنى "استفعل" كثير، نحو: تعظم، واستعظم، وتكبر، واستكبر، وتعجَّل واستعجل. قال بعضُ العلماء: "إن ما كان من باب التفعُّل، فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل، كالتصبُّر والتجلُّد، ونحوهما، فإنهما يُفيد أن الجِدَّ في إظهار الصَبْرِ والجَلَدِ، فكذا هنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبولِ". فإن قيل: فلِمَ لَمْ يَقُلْ: فتقبلها ربُّها بتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، حتى تكمُلَ المبالغةُ؟ فالجوابُ: أنَّ لفظَ التَّقَبُّل - وإن أفاد ما ذكرنا - يُفِيدُ نوعَ تكلُّفِ خلاف الطبعِ، فذكر التقبلَ، ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبولَ، ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبعِ، بل على وفق الطبعِ، وهذه الوجوه - وإن كانت ممتنعةً في حق اللهِ تعالى - تدل من حيثُ الاستعارةُ - على حصول العنايةِ العظيمةِ في تربيتها، وهو وجه مناسبٌ. والباء - في قوله: "بِقَبُولٍ" - فيها وجهانِ: أحدهما: أنها زائدة، أي: قبولاً، وعلى هذا فينتصب "قبولاً" على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذْ لو جاء على "تَقَبُّل" لقيل: تَقَبُّلاً، نحو تَكَبَّرَ تَكَبُّراً. وَقَبُول: من المصادر التي جاءت على "فَعُول" - بفتح الفاء - قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على "فَعُول" قَبُول، وطَهُور، ووَقُود، ووَضُوء، وولُوع، إلا أن الأكثر في الوقود - إذا كان مصدراً - الضَّمّ، يقال: قَبلتُ الشيءَ قَبُولاً، وأجاز الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ ضم القافِ من قَبُول وهو القياس، كالدخولِ والخروجِ، وحكاها ابنُ الأعرابي عن الأعراب: قبلت قَبُولاً وقُبُولاً - بفتح القافِ وضمها - سماعاً، وعلى وجهه قُبُول - لا غير - يعني لم يُقَل هنا إلا بالضم، وأنشدوا: [السريع] شعر : 1420- قَدْ يُحْمَدُ الْمَرْءُ وَإنْ لَمْ يُبَلْ بالشّرِّ وَالْوَجْهُ عَلَيْهِ الْقُبُولْ تفسير : بضم القاف - كذا حكاه بعضهم. قال الزَّجَّاجُ: إن "قَبُولاً" هذا ليس منصوباً بهذا الْفِعْلِ حتى يكونَ مصدراً على غير المصدر، بل هو منصوب بفعل موافقٍ له، - أي: مجرداً - قال: والتقدير: فتقبلها بتقبُّلٍ حَسَنٍ، وقَبِلَها قبولاً حَسَناً، أي: رضيها، وفيه بُعَدٌ. والوجه الثاني: أن الياء ليست بزائدة، بل هي على حالها، ويكون المرادُ بالقبول - هنا - اسماً لما يقبل به الشيءُ، نحو اللدود، لما يُلَدُّ به. والمعنى بذلك اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكرِ في النذر. فصل في تفسير ذلك القبولِ الْحَسَنِ وجوهٌ: أحدها: أنه - تعالى - استجاب دعاءَ أمِّ مريمَ، وعصمها، وعصم ولدَهَا عيسى - عليه السلام - من الشيطان. روى أبو هريرةَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَمَسه - حِيْنَ يُولَدُ - فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إلاَّ مَرْيَمَ وَابنها"تفسير : ثم قال أبو هريرة: اقرَأُوا - إنْ شِئْتُمْ - {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}، طعن القاضي في هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدَّليلِ؛ وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوهٍ: الأول: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشَّرِّ مَنْ يَعْرف الخير والشر، والطفل المولود ليس كذلك. الثاني: أن الشيطان لو تمكَّن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك - من إهلاك الصالحين، وإفساد أحوَالهم. الثالث: لِمَ خَصَّ - بهذا الاستثناء - مريم وعيسى - عليهما السلام - دون سائر الأنبياء؟ الرابع: أن ذلك المس لو وُجِدَ بَقِيَ أثَرهُ، ولو بقي أثره لدام الصُّرَاخُ والبُكاءُ، فلمَّا لم يكن كذلك علمنا بُطْلانَهُ. الوجه الثاني - في معنى القبول الحسن -: ما رُوِيَ أن حَنَّةَ - حين ولدت مريمَ - لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون - وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة - وقالت: خذوا هذه النذيرةَ، فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريَّا: أنا أحق بها؛ عندي خالتها، فقالوا: لا، حتى نقترع عليها، فانطلقوا - وكانوا سبعةً وعشرين - إلى نهرٍ جارٍ. قال السُّدِّيُّ: هو نهر الأردُن - فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها، على أن كل من يرتفع قلمه، فهو الراجحُ، ثم ألقوا أقلامَهم ثلاثَ مراتٍ، وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماءِ، وترسب أقلامهم، فأخذها زكريَّا. قاله محمد بن إسحاق وجماعة، وقيل: جرى قلم زكريا مُصْعِداً إلى أعلى الْمَاءِ، وجرت أقلامهم بجري الماء. وقال السُّدِّيُّ وجماعة: ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامُهم، فذهب بها الماء، فسَهَمَهُم زكريا - وكان رأس الأحبار ونبيهم - فأخذها. الوجه الثالث: رَوَى القفّالُ عن الحسنِ أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها - كما تكلم المسيحُ - ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الْجَنَّةِ. الوجه الرابع: أن عادتَهم في شريعتهم أن التحريرَ لا يجوز إلا في حق الغلام، وحتى يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وهنا قبل الله تلك الْجَارِيَةَ على صغرهَا، وعدم قدرتها على خدمة المسجد. وقيل: معنى التَّقَبُّل: التكفُّل في التربية، والقيام بشأنها. وقال الحسنُ: معنى التقبل أنه ما عاذ بها قط ساعة من ليل ونهار. وقوله: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} نبات: مصدر على غير المصدر؛ إذ القياس إنبات، وقيل: بل هو منصوب بمُضْمَرٍ موافق له أيضاً، تقديره: فتنبت نباتاً حسناً، قاله ابنُ الأنباريّ. وقيل: كانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام. وقيل: تنبت في الصلاح والعِفَّةِ والطاعةِ. وقال القرطبي: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} أي: سَوَّى خَلْقَها من غير زيادةٍ ولا نُقْصَانٍ. قوله: {وَكَفَّلَهَا} قرأ الكوفيون {وَكَفَّلَهَا} - بتشديد الْعَيْنِ - "زَكَرِيَّا" - بالقصر - إلا أبا بكر، فإنه قرأه بالمد كالباقين، ولكنه ينصبه، والباقون يرفعونه. وقرأ مجاهدٌ "فَتَقَبَّلَهَا" بسكون اللام "رَبَّهَا" منصوباً، "وأنْبَتَهَا" - بكسر الباء وسكون التاء - وكَفِّلْها - بكسر الفاء [وسكون اللام] والتخفيف وقرأ أبي: "وأكْفَلَهَا" - كأكْرَمَهَا - فعلا ماضياً. وقرأ عبد الله المزني "وَكَفِلَهَا" - بكسر الفاء والتَّخْفِيفِ -. فأما قراءة الكوفيين فإنهم عَدَّوُا الفعل بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما زكريا، فمن قصره، كالأخَوَيْن وحفص - كان عنده مُقَدَّر النصب، ومن مَدَّ كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة وهكذا أقرأ به، وأما قراءة بقية السبعة فـ "كَفِلَ" مخفف عندهم، متعد لواحد - وهو ضمير مريم - وفاعله زكريا. قال أبو عبيدة: ضمن القيام بها، ولا مخالفة بين القراءتين؛ لأن الله لما كفَّلَها إياه كَفِلَها، وهو في قراءتهم ممدود، مرفوع بالفاعلية. وأما قراءة: "أكْفَلهَا" فإنه عدَّاه بالهمزة كما عدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو خرَّجْته وأخْرَجته، وكرَّمته وأكرمته وهذه قراءة الكوفيين في المعنى والإعْرَابِ؛ فإن الفاعل هو الله تعالى، والمفعول الأول هو: ضمير مَرْيَمَ والثاني: هو زكريا. أما قراءة "وَكفِلها" - بكسر الفاءِ - فإنها لغة في "كَفَل" يقال: كَفَلَ يَكْفُل - كقَتَل يقْتُل - وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلُ - كعَلِمَ يَعْلَمُ - وعليها هذه الْقِرَاءةُ، وإعرابها كإعراب قراءة الجماعة في كون "زكريا" فاعلاً. وأما قراءة مجاهدٍ فإنها "كَفِّلْهَا" على لفظ الدعاء من أم مريم لله - تعالى - بأن يفعل لها ما سألته ربَّهَا منصوب على النداء، أي: فَتَقَبَّلْهَا يَا رَبَّهَا، وأنبِتْهَا وكَفِّلْهَا يَا رَبَّهَا، وزكريا في هذه القراءة مفعول ثان أيضاً كقراءة الكوفيين. وقرأ حفص والأخوانِ "زكريا" - بالقصر - حيث ورد في القرآن، وباقي السبعة بالْمَدِّ والمدُّ والقَصْرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهل الحجاز. وهو اسم أعجمي فكان من حقه أن يقولوا فيه: مُنِع من الصرف للعلمية، والعُجْمَة - كنظائره - وإنَّما قالوا منع من الصرف لوجود ألفِ التَّأنِيثِ فيه: إما الممدودة كَحَمْرَاءَ، وإما المقصورة كحُبْلَى، وكأن الذي اضطرهم إلى ذلك أنهم رأوْه ممنوعاً - معرفةً ونكرة - قالوا: فلو كان منعه للعلمية والعُجمَةِ لانصرف نكرة لزوال أحد سببي المنع، لكن العرب منعته نكرةً، فعلمنا أن المانع غير ذلك، وليس معناه - هنا - يصلح مانعاً من صَرْفهِ إلا ألف التأنيث - يَعْنُون للشبه بألف التأنيث - وإلا فهذا اسم أعجمي لا يُعْرفَ له اشتقاقٌ، حتى يُدَّعَى فيه أنَّ الألف فيه للتأنيث. على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صَرْفه نكرةً، وكأنه لحظ المانعَ فيه ما تقدمَ من العلميَّة والعُجْمَةِ، لكنهم غلطوه وخطئوه في ذلك، وأشبع الفارسيُّ القولَ فيه فقال: "لا يخلو من أن تكون الهمزة فيه للتأنيث، أو للإلحاق أو منقلبة، ولا يجوز أن تكون منقلبةٌ؛ لأن الانقلاب لا يخلو من أن يكون من حرفٍ أصلي، أو من حرف الإلحاق؛ لأنه ليس في الأصول شيء يكون هذا مُلْحَقاً به، وإذا ثَبَتَ ذلكَ ثبت أنها للتأنيث وكذلك القول في الألف المقصورة". قال شِهَابُ الدِّينِ: "وهذا - الذي قاله أبو علي - صحيح، لو كان فيما يُعْرَفُ له اشتقاق ويدخله تصريف، ولكنهم يُجرون الأسماء الأعجميّة مُجْرَى العربية بمعنى أنَّ هذا لَوْ وَرَدَ في لسان العرب كيف يكون حكمه". وفيه - بَعْدَ ذلك - لغتانِ أخْرَيَانِ: إحداهما: زكريّ - بياء مشددة في آخره فقط دون ألف - وهو في هذه اللغة منصرف، ووجَّهَ أبو علي ذلك فقال: "القول فيه أنَّهُ حُذِفَ منه الياءان اللتان كانتا فيه - ممدوداً ومقصوراً - وما بعدها، وألحق بياء النَّسَب، ويدل على ذلك صرفُ الاسم، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ؛ للعجمة والتعريف، وهذه لُغَةُ أهل نجد ومَنْ والاهم". الثانية: زَكْر - بوزن عَمْرو - حكاه الأخفشُ. والكفالة أي: الضمان - في الأصل - ثم يُستعار للضَّمِّ والأخذ، يقال منه: كَفَل يَكْفُل، وكَفِلَ يَكْفَلُ، كعلم يعلم - كفالةً وكَفْلاً، فهو كافِل وكفيل، والكافل: هو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح حاله، وفي الحديث: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" تفسير : وقال تعالى: {أية : أَكْفِلْنِيهَا} تفسير : [ص: 23]. واختلفوا في كَفَالةِ زكريا - عليه الصلاة والسلام - إياها، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفولتها، وبه جاءت الروايات. وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن طمثت، واحتجوا بوجهين: أحدهما: قوله تعالى: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} ثم قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النباتِ الحسنِ. الثاني: أنه - تعالى - قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع في وقت تلك الكفالة. وأجيبوا عن الأول بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الإنباتَ الحسنَ وكفالة زكريا حَصَلا معاً. وعن الثاني بأن دخول زكريا عليها، وسؤالَه لها هذا السؤالَ لعله وقع في آخرِ زمانِ الكفالةِ. قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} "المحراب" فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه منصوب على الظرف، وشذ عن سائر أخواته بعد "دَخَلَ" خاصَّةً، يعني أن كل ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل إلا بواسطة "في" نحو صليت في المحراب - ولا تقول: صليت المحرابَ - ونِمْتُ في السوقِ - ولا تقول: السوقَ - إلا مع دخل خاصة، نحو دخلت السوق والبيت... الخ. وإلا ألفاظاً أخر مذكورة في كتب النحو. والثاني مذهب الأخفش وهو نَصب ما بعد "دَخَلَ" على المفعول به لا على الظرف فقولك: دخلت البيت، كقولك: هدمت البيت، في نصب كل منهما على المفعول به - وهو قول مرجوح؛ بدليل أن "دَخَلَ" لو سُلِّطَ على غير الظَّرْفِ المختص وجب وصوله بواسطة "في" تقول: دخلتُ في الأمر - ولا تقول: دخلت الأمر - فدل ذلك على عدم تَعَدِّيه للمفعول به بنفسه. والجواب: قال أبو عبيدة: هو سَيِّدُ المجالس ومقدَّمها وأشرفها، وكذلك هو من المسجد. وقال أبو عمرو ابن العلاء: هو القصر؛ لعُلُوِّه وشَرَفِهِ. وقال الأصمعيُّ: هو الغُرْفَة. وأنشد لامرئِ القيس: [الطويل] شعر : 1421- وَمَاذَا عَلَيْهِ أنّ ذَكَرْتَ أو أنِسَا كَغِزْلاَنِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أقْيَالِ تفسير : قالوا معناه: في غرف أقيال. وأنشد غيره - لعُمَرَ بن أبي ربيعة: [السريع] شعر : 1422- رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا ما جِئْتُهَا لَمْ أدْنُ حَتَّى أرْتَقِي سُلَّما تفسير : وقيل: هو المحراب من المسجد المعهود، وهو الأليق بالآية. وقد ذكرناه عمن تقدم فإنما يَعْنُونَ به: المحراب من حيث هو، وأما في هذه الآية فلا يظهر بينهم خلاف في أنه المحراب المتعارف عليه. واستدل الأصمعيّ على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [ص: 21] والتسوُّر لا يكون إلا من عُلُو. يُرْوَى أنها لما صارت شابة بنى زكريا - عليه السلام - لها غرفة في المسجد, وجعل بابها في وسطها, لا يُصْعَد إليها إلا بِسُلَّم, ويقال للمسجد - أيضاً - المحراب. قال المبرد: "لا يكون المحراب: إلا أن يُرْتَقَى إليه بِدَرَج". واشتقاقه من الحرب؛ لتحارُبِ الناس عليه. قال ابنُ ذكوان - عن ابن عامر - "المِحْرَاب" في هذه السورة - موضعين - بلا خلاف؛ كونه أن فيه سببَ الإمالة, وذلك أن الألف تقدمها كسرة, وتأخرت عنها كسرةٌ أخْرَى, فقوى داعي الإمالة, وهذا بخلاف المحراب غير المجرور فإنه نُقِل عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإمالة وعدمها, نحو قوله: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [ص: 21] فوجه الإمالة تقدم الكسرة، ووجه التَّفْخِيم أنه الأصل. قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} "وجد" هذه بمعنى أصاب ولَقِيَ وصَادَفَ، فيتعدى لِواحِدٍ وهو "رِزْقاً" و "عندها" الظاهر أنه ظرف للوجدان. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من "رِزْقاً"؛ لأنه يصلح أن يكون صفة له في الأصل، وعلى هذا فيتعلق بمحذوف، فـ "وجد" هو الناصب لِـ "كُلَّمَا" لأنها ظرفية، وأبو البقاء سمَّاه جوابها؛ لأنها عنده الشرط كما سيأتي. قوله: {قَالَ يَٰمَرْيَمُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون بدلاً من "وَجَدَ"؛ لأنه ليس بمعناه". الثاني: أنه معطوف بالفاء، فحذف العاطف، قال أبو البقاء: "كما حذفت في جواب الشرط في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]، وكذلك قول الشاعر: [البسيط] شعر : 1423- مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ........................... تفسير : وهذا الموضع يشبه جوابَ الشرط، لأن "كُلَّمَا" تشبه الشرط في اقتضائها الجواب. قال شهاب الدين: وهذا - الذي قاله - فيه نظر من حيث إنه تخيَّل أن قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} أن جوابَ الشرط هو نفس {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} حُذِفَتْ منه الفاء، وليس كذلك، بل جواب الشرط محذوف، و - {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} جواب قسم مقدر قبل الشرط وقد تقدم تحقيق هذه المسألة، وليس هذا مما حُذِفَتْ منه فاء الجزاء ألبتة، وكيف يَدَّعِي ذلك، ويُشَبِّهه بالبيت المذكور، وهو لا يجوز إلا في ضرورة؟ ثم الذي يظهر أن الجملةَ من قوله: "وَجَدَ" في محل نصب على الحال من فاعل "دَخَلَ" ويكون جواب "كُلَّمَا" هو نفس "قَالَ" والتقدير: كلما دخل عليها زكريا المحراب واجداً عندَها الرزق. قال: وهذا بَيِّن. ونكر "رِزْقاً" تعظيماً، أو ليدل به على نوع "ما". قوله: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} "أنى" خبر مقدم، و "هَذَا" مبتدأ مؤخر ومعنى أنى هذا: من أين؟ كذا فسَّره أبو عبيدة. قيل: ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية، أي: كيف تَهَيأ لكِ هذا؟ قال الكميت: [المنسرح] شعر : 1425- أنَّى وَمِنْ أيْنَ هَزَّكَ الطَّرَبُ مِنْ حَيْثُ لاَ صَبْوةٌ وَلاَ رِيَبُ تفسير : وجوَّز أبو البقاء في "أنَّى" أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في "ذلك". و "لك" رافع لـ "هذا" يعني بالفاعلية. ولا حاجة إلى ذلك، وتقدم الكلام على "أنى" في "البقرة". فصل قال الرَّبيع ابن أنس: إن زكريا كان إذا خرج من عندها غلق عليها سبعةَ أبوابٍ، فإذا دخل عليها غُرفتها وجد عندها رزقاً - أي: فاكهة في غير حينها - فاكهة الصَّيْفِ في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيقول يا مريمُ، أنى لك هذا؟ قال أبو عبيدة: معناه من أين لك هذا، وأنكر بعضهم عليه وقال: معناه من أي جهة لك هذا؛ لأن أنّى للسؤال عن الجهة، وأين للسؤال عن المكان. فصل احتجوا على صحة القول بكرامات الأولياء بهذه الآية؛ فإنَّ حصول الرزق عندها إمَّا أن يكون خارقاً للعادة أو لا يكون، فإن كان غيرَ خارقٍ للعادة، فذلك باطلٌ من خمسة أوْجُهٍ: الأول: أنه على هذا التقدير لا يكون ذلك الرزقُ عند مريم دليلاً على عُلُوِّ شأنِهَا، وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصِّيَّةِ، وهو المعنى المراد من الآية. الثاني: قوله {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} تفسير : [آل عمران: 38] والقرآن دلَّ على أنه كان آيساً من الولد؛ بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى خَرْقَ العادة في حق مريمَ طمع في حصول الولد، فيستقيم قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ}. ولو كان الذي شاهده في حق مريم غيرَ خارق لم تكن مشاهدةُ ذلك سبباً لطمعه في انخراق العادة له بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر. الثالث: تنكير الرزق في قوله: "رِزْقاً" فإنه يدل على تعظيم حال ذلك الرزق كأنه قيل: رزق وإنه رزق عجيب فلولا أنه خارق للعادة لم يفد الغرض اللائق بسياق الآية. الرابع: أنه - تعالى - قال: {أية : وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 91] ولولا أنه ظهر عليها الخوارق وإلا لم يصح ذلك. الخامس: تواتُر الروايات على أن زكريا - عليه السلام - كان يجد عندها فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها الصلاة والسلام كان خارقاً للعادة، وإذا ثبت ذلك فنقول: إمّا أنه كان معجزةً لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل؛ لأن النبيَّ الموجودَ في ذلكَ الزمانِ زكريا - عليه السلام - ولو كان ذلك معجزةً له لكان عالماً بحاله، ولم يَشْتبه أمْرُه عليه، ولم يَقُلْ لـ "مريم" أنَّى لَكِ هَذَا؟ وأيضاً فقوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} مُشْعِرٌ بأنه لما سألها ذكرت له أن ذلك من عند الله، فهنالك طمع في انخراق العادةِ في حصول الولد من المرأة الشيخة العقيم العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا من إخبار مريم، وإذا كان كذلك، وإذا ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزةً لزكريا - عليه السلام - فلم يَبْقَ إلاَّ أنها كانت لمريم عليها السلام إما بسبب ابنها أو لعيسى عليه الصلاة والسلام كرامة لمريم، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل. قال أبو علي الجبائي: لم لا يجوز أن يقال تلك الخوارق كانت معجزات زكريا - عليه السلام - لوجهين: الأول: أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وأنه كان غافلاً عما يأتيها من الأرزاق من عند الله، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معيَّن قال لها: أنَّى لكِ هذا؟ فقالت هو من عند الله، فعند ذلك يعلم أن الله أظهر بدعائه تلك المعجزةَ. الثاني: يحتمل أن يكون زكريا شاهد عند مريم رزقاً معتاداً، إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك، حَذَراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت: هو من عند الله لا من عند غيره. وأيضاً لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من الخوارق، بل معنى الآية أن الله - تعالى - كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الانفاق على الزاهداتِ العابداتِ، فكأن زكريا عليه الصلاة والسلام لمّا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه رُبَّما أتاها ذلك الرزق من جهةٍ لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال. والجواب عن الأول والثاني: أنه لو كان معجزاً لزكريا لكان زكريا مأذوناً له من عند الله في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً له في ذلك الطلب كان عالماً - قطعاً - بأنه يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يكن لقول: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فائدة. والجواب عن الثالث: أنه - على هذا التقدير - لا يبقى لاختصاص مريم بمثل هذه الواقعة وجه. أيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا يليق، فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة؟ فسقطت هذه الأسئلة. واحتج المعتزلة على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النَّبِيِّ لا يوجد مع غير النبي، كما أن الفعل المُحْكَم - لما كان دليلاً على العلم لا جرم - لا يوجد في حَقِّ غَيْرِ العالمِ. والجواب من وجوه: الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدَّعِي، فإن ادَّعَى صاحبهُ النبوةَ، فذلك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبيًّا، وإن ادَّعَى الولايةَ، فذلك يدل على كونه وليًّا. والثاني: قال بعضهم: "الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها". والثالث: أن النبي يدَّعي المعجزة ويقطع به، والولي لا يمكنه القطع به. الرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة. قوله: {إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يُحْتَمَل أن يكون من جملة كلام مريم - عليها السلام - فيكون منصوباً. ويحتمل أن يكون مستأنفاً، من كلام الله تعالى، وتقدم الكلامُ على نظيره.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ} في حيِّز النصب على المفعولية بفعل مقدَّرٍ على طريقة الاستئنافِ لتقرير اصطفاءِ آلِ عمرانَ وبـيانِ كيفيته أي اذكر لهم وقت قولِها الخ وقد مر مراراً وجهُ توجيهِ التذكيرِ إلى الأوقات مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث، وقيل: هو منصوبٌ على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكيِّ عليمٌ بضميرها المَنْويّ، وقيل: هو ظرفٌ لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل: واصطفى آلَ عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجُمل على الجمل دون عطفِ المفردات على المفردات ليلزَمَ كونُ اصطفاءِ الكلِّ في ذلك الوقت، وامرأةُ عمرانَ هي حنّةُ بنتُ فاقوذا جدةُ عيسى عليه الصلاة والسلام وكانت لعِمرانَ بنِ يَصْهرَ بنتٌ اسمُها مريمُ أكبرُ من موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام فظن أن المراد زوجتُه وليس بذاك، فإن قضيةَ كفالةِ زكريا عليه الصلاة والسلام قاضيةٌ بأنها زوجةُ عمرانَ بنِ ماثانَ لأنه عليه الصلاة والسلام كان معاصراً له وقد تزوج إيشاع أختَ حنة أم يحيـى عليه الصلاة والسلام وأما «حديث : قولُه عليه الصلاة والسلام في شأن يحيـى وعيسى عليهما الصلاة والسلام: "هما ابنا خالة"» تفسير : فقيل: تأويلُه أن الأختَ كثيراً ما تُطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابنيْ خالة وقيل: كانت إيشاعُ أختَ حنةَ من الأم وأختَ مريمَ من الأب، على أن عمرانَ نكحَ أولاً أمَّ حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناءً على نكاح الربائبِ في شريعتهم فولدَتْ مريمَ فكانت إيشاعُ أختَ مريمَ من الأب وخالتَها من الأم لأنها أخت حنة من الأم، روي أنها كانت عجوزاً عاقراً فبـينما هي ذاتَ يوم في ظل شجرة إذ رأت طائراً يُطعم فرخَه فحنّت إلى الولد، وتمنتْه، وقالت: اللهم إن لك عليَّ نذراً إن رَزقتني ولداً أن أتصدق به على بـيت المقدس فيكونَ من سَدَنته. وكان هذا النذرُ مشروعاً عندهم في الغلمان ثم هلك عِمرانُ وهي حامل. وحينئذ فقولها: {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} لا بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرِها وإخراجِه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز، والتعرضُ لوصف الربوبـية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوب مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة الإجابة، ولذلك قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته، وتأكيدُ الجملة لإبراز وفورِ الرغبة في مضمونها، وتقديمُ الجارّ والمجرور لكمال الاعتناءِ به، وإنما عُبّر عن الولد (بما) لإبهام أمرِه وقصورِه عن درجه العقلاء {مُحَرَّرًا} أي مُعْتقاً لخدمة بـيتِ المقدس لا يشغَلُه شأن عنه، أو مُخلَصاً للعبادة، ونصبُه على الحالية من الموصول والعامل فيه {نَذَرْتُ} وقيل: من ضميره في الصلة والعامل معنى الاستقرار فإنها في قوة ما استقر في بطني، ولا يخفىٰ أن المراد تقيـيدُ فعلِها بالتحرير ليحصُل به التقربُ إليه تعالى لا تقيـيدُ ما لا دخلَ لها فيه من الاستقرار في بطنها {فَتَقَبَّلْ مِنّي} أي ما نذرتُه والتقبُّل أخذُ الشيء على وجه الرضا وهذا في الحقيقة استدعاءٌ للولد إذ لا يُتصور القَبولُ بدون تحقيق المقبول بل للولد الذكَرِ لعدم قَبول الأنثى {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي {ٱلْعَلِيمُ} بكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير، وهو تعليلٌ لاستدعاء القبول لا من حيث إن كونه تعالى سميعاً لدعائها عليماً بما في ضميرها مصحّحٌ للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمَه تعالى بصحة نيتها وإخلاصِها مستدعٍ لذلك تفضلاً وإحساناً، وتأكيدُ الجملة لعرض قوةِ يقينها بمضمونها، وقصرُ صفتي السمعِ والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائِها به تعالى وانقطاعِ حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغةً في الضراعة والابتهال.

التستري

تفسير : قوله: {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}[35] أي حررته وأعتقته من رق الدنيا من متابعة هواه ومرادات نفسه، وجعلته خادماً لعباد بيت المقدس خالصاً لله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [الآية: 35]. قال جعفر رحمه الله: عتيقًا من رق الدنيا وأهلها. قال محمد بن على رحمهُ الله فى قوله تعالى: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} أى: يكون لك عبداً مخلصًا، ومن كان خالصًا لك كان حرًا مما سواك. سئل سهل بن عبد الله عن المحرَّر قال: هو المعتق من إرادات نفسه ومتابعة هواهُ. قال النورى - تغمده الله برحمته - فى قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} قال: محررًا عن شغلى به وتدبيرى له، ويكونُ مسلمًا إلى تدابيرك فيه وحُسنِ اختيارِكَ له. قال محمد بن الفضل رحمه الله فى قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}، قال: عن الاشتغال بالمكاسب. قال جعفر: تقبَّلها حتى تعجَّب الأنبياءُ مع عُلوّ أقدارهم فى عظم شأنها عند الله تعالى، ألا ترى أن زكريا قال: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أى: مِنْ عند من تقبَّلنى. قال الواسطى رحمه الله: بقبول حسن: محفوظة، وأنبتها نباتًا حسنًا: أضاف الإحسان إليها فى الشريعة، وفى الحقيقةِ حفظها وأنبتها. قوله تعالى: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} [الآية: 37]. قال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبدٍ من عبيده حالةً سنِّية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب. قال الواسطى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي} سرّه بمحاربة نفسه وهواهُ. قال أبو عثمان: المحراب بابُ كل برٍ وموضع الإجابة واستفتاح الطريق إلى الانبساط، والمناجاة والإعراض عن المحراب سببُ إغلاق الباب دونك.

القشيري

تفسير : المُحَرَّرُ الذي ليس في رِقِّ شيء من المخلوقات، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خَجِلت، فلمَّا رأتها قالت {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} وهي لا تصلح أن تكون محرراً فقال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة. ولما قالت {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} قالت {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم. قالت: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ} منصوب باذكر {قالت امرأة عمران} وهو امرأة عمران بن ماثان ام مريم البتول جدة عيسى عليه السلام وهى حنه بنت فاقوذا. فان قلت كان لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم اكبر من موسى وهارون ولعمران بن ماثان مريم البتول فما ادراك ان عمران هذا هو ابو مريم البتول دون عمران ابى مريم التى هى اخت موسى وهارون قلت. كفى لكفالة زكريا دليلا على انه عمران ابو البتول لا زكريا بن اذن وعمران بن ماثان كان فى عصر واحد وقد تزوج زكريا بنته ايشاع اخت مريم فكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابنى خالة - روى - انها كانت عاقر لم تلد الى ان عجزت فبينا هى فى ظل جرة بصرت بطائر يطعم فرخاله فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت اللهم ان لك علىّ نذرا شكرا ان رزقتنى ولدا ان اتصدق له على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فحملت بمريم وهلك عمران وهى حامل وذلك قوله تعالى {رب انى نذرت لك} والنذر ما يوجبه الانسان على نفسه {ما فى بطنى} عبر عن الولد بما لا بهام امره وقصوره عن درجة العقلاء {محررا} اى معتقا لخدمة بيت المقدس لا يدلى عليه ولا استخدمه ولا اشغله بشىء او خالصا لله ولعبادته لا يعمل عمل الدنيا ولا يتزوج فيتفرغ لعمل الآخرة وكان هذا النذر مشروعا عندهم لان الامر فى دينهم ان الولد اذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الابوين فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد ولم يكم احد من الانبياء الا ومن نسله محرر لبيت المقدس ولم يكن يحرر الا االغلمان ولا تصح له الجارية لما يصيبها من الحيض والاذى فتحتاج الى الخروج ولكن حررت حنة ما فى بطنها مطلقا اما لانها بنت الامر على تقدير الذكروة او لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة الى طلب الولد الذكر {فتقبل منى} اى ما نذرته والتقبل. اخذ الشىء على وجه الرضى وهذا فى الحقيقة استدعاء للولد اذ لا يتصور القبول بدون تحقيق المقبول بل للولد الذكر لعدم قبول الانثى {انك انت السميع} لجميع المسموعات التى من جملتها تضرعى ودعائى {العليم} لكل المعلومات التى من زمرتها ما فى ضميرى لا غير.

الطوسي

تفسير : الاعراب، والمعنى: امرأة عمران المذكورة في الآية هي أم مريم بنت عمران أم المسيح، وقيل أن اسمها كانت حنَّة. و {إذ} تدل على ما مضى. وقيل فيما يتعلق به {إذ} أربعة أقوال: أحدها - قال الاخفش والمبرد: أنه اذكر إذ قالت. الثاني - قال الزجاج: انه متعلق باصطفى آل عمران إذا قالت. الثالث - يتعلق بسميع عليم إذ قالت، فيعمل فيه معنى الصفتين على تقدير مدرك لنيتها وقولها إذ قالت ذكره الرماني. الرابع - قال أبو عبيدة: ان {إذ} زائدة، فلا موضع لها من الاعراب وهذا خطأ عند البصريين. وقوله: {نذرت لك ما في بطني محرراً} فالنذر قد بيناه فيما مضى، وهو قول القائل: لله عليّ كذا وكذا. وقيل في معنى {محرراً} ثلاثة أقوال: أحدها - قال الشعبي: معناه مخلصاً للعبادة. وقال مجاهد: خادماً للبيعة. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: عتيقاً من الدنيا لطاعة الله. اللغة: ومعنى (محرر) في اللغة يحتمل أمرين: أحدهما - معتق من الحرية. تقول: حررته تحريراً: إذا أعتقته أي جعلته حرّاً. الثاني - من تحرير الكتاب وهو اخلاصه من الضرر والفساد. وأصل الباب الحرارة، لأن الحر يحمي في مواضع الانفة. فالمحرر يخلص من الاضطراب كما يخلص حرارة النار الذهب ونحوه من شائبة الفساد، وهو نصب على الحال من (ما) وتقديره نذرت لك الذي في بطني محرراً والعامل فيه نذرت. وقوله: {فتقبل مني} فأصل التقبل المقابلة، وذلك للاعتداد بالشيء فيما يقابل بالجزاء عليه. وتقبل الصنيع مشبه بتقبل الهدية من جهة أخذه دون رده. وقوله {إنك أنت السميع العليم} معناه السميع لما أقول العليم بما أنوي، فلهذا صحت الثقة لي.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} فعلى هذا لفظ اذ كان ظرفاً لسميع وعليم او مفعولاً به لهما باعتبار المضاف اليه نظير الوصف بحال المتعلّق، او ظرف لاصطفى المقدّر قبل آل عمران وعلى الوجه الاوّل قوله {والله سميعٌ عليمٌ} كان مفعولاً لا ذكر مقدّراً وكان منقطعاً عمّا قبله واسم امرأة عمران كان حنّةً وكانتا اختين احداهما عند عمران بن اشهم من ولد سليمان (ع) بن داود (ع) وقيل عمران بن ماثان وكان بنو ماثان رؤساء بنى اسرائيل، والاخرى عند زكريّا وكان اسمها اشياع، وفى اخبارنا انّ زوجة زكريّا كانت اخت مريم لا اخت امّها وكانت حنّة قد امسك عنها الولد حتّى اسنّت فبينا هى تحت شجرة اذ رأت طائراً يزّق فرخاً له فتحرّكت نفسها للولد فدعت الله ان يرزقها ولداً فحملت بمريم ونذرت ولدها لخدمة بيت المقدّس وروى انّ الله اوحى الى عمران انّى واهب لك ذكراً سويّاً مباركاً يبرء الاكمه والابرص ويحيى الموتى باذن الله وجاعله رسولاً الى بنى اسرائيل فحدّث امرأته حنّة فلمّا حملت بها كان حملها عند نفسها غلاماً {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ .... وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} لا يكون البنت رسولاً يقول الله تعالى {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} فلمّا وهب الله لمريم عيسى (ع) كان هو الّذى بشّر به عمران ووعده ايّاه فاذا قلنا فى الرّجل منّا شيئاً وكان فى ولده او ولد ولده فلا تنكروا ذلك، ولمّا ظنّت انّ حملها الذّكر الموعود نذرته لخدمة بيت المقدّس وقالت {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} معتقاً من خدمتنا لخدمة المتعبّدات او مختاراً او مهذّباً مقوّماً من الحريّة مقابل الرقيّة او بمعنى كون الشّيء مختاراً او من تحرير الكتاب بمعنى تقويمه وذكروا انّ المحرّر اذا حرّر جعل فى الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها لا يبرح حتّى يبلغ الحلم ثمّ يخيّر فان احبّ ان يقيم فيه اقام وان احبّ ان يذهب ذهب حيث شاء {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} نذرى {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} لقولى ونذرى {ٱلْعَلِيمُ} بنيّتى وانّى لا اريد بنذرى سواء رضاك.

الأعقم

تفسير : {إذا قالت امرأة عمران} يعني عمران بن ماثان جدّ عيسى (عليه السلام): {رب إني نذرت لك ما في بطني} أي أسلمت وأخلصت لك ذلك في عبادتك لا أشغله بشيء من خدمتي {محرراً} معتقاً لخدمة بيت المقدس، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم، وروي أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، وإذا بلغ الغلام خُيِّر بين أن يفعل أو أن لا يفعل {إني وضعتها} الضمير في وضعتها لما في بطني، وإنما أتت على المعنى لأن ما في معاني بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو على تأويل الحبلة أو النفس أو التسمية {والله أعلم بما وضعت} تعظيم لموضوعها {فتقبلها ربها بقبول حسن} أي رضي بها في النذر مكان الذكر، وروي أنها حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأخيار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم وكان بنو ماثان رؤساء بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي خالتها، قالوا: لا حتى نقترع فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر الأردن، فألقوا فيه اقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسيت أقلامهم، فكفلها زكريا {وأنبتها نباتاً حسناً} مجاز عن التربية الحسنة {وكفلها زكريا} يعني ضمها إليه وجعله كافلاً لها، وقيل: بنى لها (عليه السلام) محراباً في المسجد غُرفة يصعد إليها بسُّلَم، وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدمها كأنه وضعها في أشرف موضع من بيت المقدس، وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب، وقيل: كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب {وجد عندها رزقاً} كان رزقها ينزل عليها من الجنة، ولم ترتضع ثدياً قط، وكان يجد عندها فاكهة الصَّيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، قوله تعالى: {أنى لك هذا} من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو في غير حينه، والأبواب مغلقة عليك {قالت هو من عند الله} فلا تستبعد، قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} هذا من جملة كلام مريم (عليها السلام) أو من كلام رب العزَّة يعني تقديراً لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة، {هنالك} أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم (عليها السلام) في المحراب أي في ذلك الوقت لما رأى من حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له ولدٌ {ذرية} ولداً والذرِّيَّة تقع على الواحد والجمع {سميع الدعاء} أي مجيبُه {فنادته الملائكة} قيل: هو جبريل (عليه السلام) {في المحراب إن الله يبشرّك بيحيى} قيل: سمي يحيى لأنه أحياه الله تعالى بالإِيمان والحكمة والعلم، أو لأنه قتل شهيداً والشهداء أحياء، قوله تعالى: {مصدقاً بكلمة من الله} مصدقاً بعيسى مؤمناً به، وقيل: هو أول من آمن به، وسمي عيسى كلمة لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله تعالى وهي قوله: كن من غير سبب آخر، قوله تعالى: {وسيِّداً} السيّد: هو الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف، وكان يحيى فائقاً لقومه وللناس كلهم {وحصوراً} الحصور: الذي لا يقرب النساء، من حصر نفسه: منعها من الشهوات، وقيل: الذي لا يدخل في اللعب والباطل.

الهواري

تفسير : {إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}. قال مجاهد: محرراً للمسجد يقوم عليه. قال الحسن: ألهمت ذلك حتى علمت أنه لله رِضاً، فنذرت وسألت الله أن يتقبل ذلك منها. وقال بعضهم: كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها. وكانوا يحررون الذكور. وكان المحرَّر إذا حُرِّر يكون في المسجد لا يبرحه، يقوم عليه ويكنسه. وكانت المرأة لا يُستطاع أن يُصنعَ ذلك بها لِما يصيبها من الأذى، يعني الحيض. قوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} وهي تقرأ على وجه آخر:{والله أعلم بما وضعتُ}. فمن قرأها بالسكون، فهو من قول الله، ومن قرأها بالرفع، فهو من قولها. قال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى}. قال الكلبي: كانت امرأة عمران قد دخلت في السنّ، ولم يكن لها ولد، فحملت، فجعلت ما في بطنها محرّراً لبيت المقدس. ولم يكن يحرّر في ذلك الزمان إلا الغلمان، فحرّرته قبل أن تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت؟ أرأيت لو كان أنثى، وعورة المرأة ما قد علمت، ما تصنعين؟ فلم تزل في همّ مما قال لها زوجها حتى وضعت، فقالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}. فلفّتها في خرقة ثم أرسلت بها إلى المسجد، مسجد بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافسَها الأحبار بنو هارون. قال مجاهد: حين دخلت عليهم قال لهم زكرياء، وهو يومئذ رأس الأحبار: أنا أحقكم بها؛ عندي أختها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأقرب الناس إليها لتركت لأمها التي ولدتها؛ ولكنا نقترع عليها، فهي لمن خرج سهمه. فاقترعوا عليها بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكرياء فضمَّها إليه، واسترضع لها، حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد، فجعل بابه في وسطه، لا يرتقى إليها إلاّ بسلّم، ولا يأمن عليها أحداً غيره. وقال الحسن: لم يسترضع لها ولم تلقم ثدياً قط، أنبتها الله بغير رضاع. قال الكلبي: وكانت امرأة زكريا أيضاً عاقراً قد دخلت في السّن، وزكرياء شيخ كبير، فهنالك طمع زكرياء في الولد. قوله: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي أن يضلّها وإياهم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل بني آدم يطعنه الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب تفسير : . وقال بعضهم: أرأيتم هذه الصرخة التي يصرخها حين تلده أمه، فإنها منه. وذكروا عن بعضهم قال: كل آدمي طعن الشيطان في جنبه إلا عيسى وأمه، جعل بينهما وبينه حجاب، فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ إليها بشيء.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَتِ إمْرَأَةُ عِمْرَانَ}: حنة بنت فاقودا أم مريم، وعِمْران هو والد مريم، الذى بينه وبين عمران أبى موسى ألف وثمانمائة سنة، وأبو عمران المذكور فى الآية ماتان، وكان بنو ماتان رءوس بنى إسرائيل فى ذلك الزمان وأحبارهم وملوكهم. و{إذ} مفعول لمحذوف، واذكر إذ قالت، أو ظرف متعلق بعليم، أو سميع، فيقدر للآخر مثله، وقيل: تنازعا فيهِ، ولا يتم فى هذا إلا على قول من أجاز رد الضمير للظرف، ونصبه على الظرفية، فيقدر لأحدهما ضمير منصوب عائد إلى {إذْ} بما أضيفت إليه، وقيل: يقدر بفى، وكان لعمران أبى موسى ابنة اسمها مريم أكبر من هارون، وكان هارون أكبر من موسى، فظن بعضهم أن المرأة فى الآية زوجة عمران أبى موسى، وأنه عمران أبو موسى عليه السلام، وليس كذلك، لأن مريم المذكورة فى السورة كفلها زكريا، وكان زكريا فى عصر ماتان أبى عمران والد مريم، وتزوج زكريا ابنة ماتان، واسمها إيشاغ، وولدت لهُ يحيى فكان يحيى وعيسى ابنى خالة، من الأب، كما فى الحديث، وكانت امرأة عمران حنة عاقراً عجوزاً، فبين ما هى فى ظل شجرة، إذ رأت طائراً يطعم فرخه، فحنت إلى الولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك على نذراً شكراً إن رزقتنى ولداً أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم، وهلك عمران وهى حامل، وأطلقت فى نذرها ولم تقيده بالذكر، كما فى قوله تعالى: {رَبِّ إِنىِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّراً}: مخلصاً من خدمتى لا أشغله بشىء. قال الشعبى: ومخلصاً للعبادة، ولم تقل من فى بطنى، لاعتبار الصفة من الذكورة والأنوثة، وهما غير عالمين، ويحتمل أن تكون بنت الأمر على تقدير أن يكون ذكراً، أو طلبت ذكراً، ونذرت على أن يكون ذكراً، ومع هذا فهى لا تحقق الذكورة، ولا الأنوثة، وكانوا لا يستخدمون لبيت المقدس إلا الذكور، لما يصيب النساء من الحيض، وكان النذر بالذكر عندهم مشروعاً لبيت المقدس، وكان فى دينهم أن الولد، إذا كان بحيث يمكن استخدامه فلهم استخدامه لأنفسهم، وهو حق لهم، فكانوا بالنذر يتركون هذا الحق فيستخدمونه لبيت المقدس، وإذا بلغ خير بين أن يذهب حيث شاء، أو يقيم على خدمته، وإن اختار الإقامة لم يجد الذهاب، ولم يكن نبى من بنى إسرائيل، ولا عالم إلا ومن أولاده محرر لبيت المقدس، و{مُحَرَّراً}: حال من {ما}. {فَتَقَبَّلْ مِنِّى}: ما نذرته، وسكن الباء غير نافع وأبى عمرو. {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ}: لقولى. {الْعَلِيمُ}: بنيتى.

اطفيش

تفسير : {إِذْ} متعلق بسميع أو بعليم لا على التنازع، إذ لا يضمر لإذ، ويجوز أن يعلق بأحدهما، ويقدر مثله لللآخر، ولا يتعلق باصطفى لأن الله عز وجل لم يصطف آدم، ومن بعده حين قالت، وقد يتعلق بالواو لنيابتها عن اصطفى، وذلك غير معهود، وإما أن يقدر واصطفى آل عمران إذ...الخ فلا إشكال فيه {قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} أو اذكر إذ قالت امرأة عمران، أو قولها إذ قالت، وهى حنة بنت فاقود أخت إيشاع عند عمران، تزوجها زكريا وهى أم يحيى، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أيست وكبرت وهى من أهل بيت صالحين أبصرت طائرا يطعم فرخة، وهى تحت ظل شجرة، فهبت للولد، فدعت الله فيه، وقالت، اللهم هب لى ولدا أتصدق به على بيت المقدس، يخدمها، ورزقها الله جنينا من زوجها، وأحست به فقالت {رَبِّ إِنِّى نَذَرْت} وعدت {لَكَ مَا } قالت ما، لأن ما فى البطن من غير العقلاء قبل نفخ الروح {فِى بَطْنِى مُحَرَّراً} مخلصا من خدمة الدنيا لخدمة بيت المقدس إن كان ذكرا وللعبادة، وكانوا يحررون أولادهم لخدمة بيت المقدس، وإذا بلغوا اختاروا الذهاب أو البقاء، ولا أحد من علماء بنى إسرائيل أو أنبيائهم بلد إلا جعل ولده لذلك، ولا تصلح الجارية لذلك للحيض والأذى والضعف والعورة، وقيل، كانوا بعد مريم يحررون لخدمة بيت المقدس الإناث كالذكور، ولا دليل عليه، اللهم إلا أن قوله تعالى، {أية : فتقبلها ربها بقبول حسن} تفسير : [آل عمران: 37]، الآية يشير إلى أن سائر الإناث مثلها، قلت. قولها، رب إنى نذرت الخ يتضمن الدعاء بأن يكون ذكرا، أو هذا جزم بأنها وهبته لله مطلقا ذكرا أو أنثى {فَتَقَبَّلْ} نذرى {مِنَّى إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ} للأدعية، ومنها دعائى فى الولد {الْعَلِيمُ} بالنيات، ومنها نيتى فيه، وقدم السمع لأن المسموعات أقل من المعلومات، مع أن سمعه تعالى علمه بالأصوات، ومات عمران وهى حامل، وكانت حنة عاقراً إلى أن كبر سنها، وحنة هذه جدة عيسى عليه السلام، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من هرون، وعمران بن يصهر هذا هو أبو موسى وهرون عليهما السلام، وهو يصهر بن فاهت بن لا وى بن يعقوب وأما عمران أبو مريم فعمران بن ماثان، ويقال: كان يحيى وعيسى ابنى خالة من الأب، كما جاء فى الحديث الصحيح حديث : إنهما ابنا الخالتينتفسير : ، وإنما كانت لأب، لأنهما بنا عمران بن ماثان، لكن مريم من حنة وإيشاع من غيرها، ومريم ابنة عمران أكبر رتبة من إيشاع، وإيشاع أكبر سنا من مريم، وأما قول زكريا، أنا أحق بها، عندى خالتها، فوجهه أن حنة وإيشاع بنتا فاقود، فمريم بنت أخت إيشاع، وبنت الأخت يطلق عليها الأخت، فيكونان ابنى خالتين مجازاً. وكانت فى منزل زوج أختها زكريا، ورغب فى أن يكون له ولد من إيشاع مثل ولد أختها حنة، وأنهضه إلى الولادة أنه رأى طائرا يزقو ولده، فإيشاع خالة مريم وكانت أختها، وهذا حاصل ما ذكرت، فيوجه إما بأن حنة وإيشاع بنتا فاقود، فمريم بنت أخت إيشاع خالة، وكثيراً تطلق الأخت على بنت الأخت، فأطلق على عيسى ويحيى أنهما ولدا خالة، لأن عيسى ابن بنت خالة يحي، فأطلق عليه ابن الخالة، والغرض أن بينهما جهة الخئولة، ولكن هذا ينافى كون إيشاع بنت عمران، وإما بأنه تزوج أم حنة فولدت إيشاع، وكانت حنة ربيبته، تزوج حنة بعد ذلك لجوازه فى شرعهم، فولدت مريم، فإيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضاً، وهذا أحسن وجه فى الجمع بين الروايات، ولكن مر أن نوحا حرم ذوات المحارم، ويجاب بأنه لم يحرمهن كلهن.

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } تقرير للاصطفاء وبيان لكيفيته، والظرف في حيز النصب على المفعولية بفعل محذوف أي اذكر لهم وقت قولها، وقيل: هو منصوب على الظرفية لما قبله، وهو {أية : سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 34] على سبيل التنازل أو ـ السميع ـ ولا يضر الفصل بينهما بالأجنبـي لتوسعهم في الظروف، وقيل: هو ظرف لمعنى الاصطفاء المدلول عليه ـ باصطفى ـ المذكور كأنه قيل: واصطفى آل عمران. {إِذْ قَالَتِ } الخ فكان من عطف الجمل على الجمل لا المفردات على المفردات ليلزم كون اصطفاء الكل في ذلك الوقت. وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا ـ كما رواه إسحق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والحاكم عن أبـي هريرة ـ وهي جدة عيسى عليه الصلاة والسلام وكان لها أخت اسمها إيشاع تزوجها زكريا عليه الصلاة والسلام ـ هي أم يحيـى ـ فعيسى ابن بنت خالة يحيـى ـ كما ذكر ذلك غير واحد من الإخباريين ـ ويشكل عليه ماأخرجه الشيخان في حديث المعراج من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيـى بن زكريا»تفسير : وأجاب صاحب «التقريب» بأن الحديث مخرج على المجاز فإنه كثيراً ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، والغرض أن بينهما عليهما الصلاة والسلام هذه الجهة من القرابة وهي جهة الخؤلة، وقيل: كانت إيشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب على أن عمران نكح أولاً أم حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناءاً على حل نكاح الربائب في شريعتهم فولدت مريم فكانت إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها من الأم لأنها أخت حنة من الأم، وفيه أنه مخالف لما ذكره محي السنة من أن إيشاع وحنة بنتا فاقوذا على أنه بعيد لعدم الرواية في الأمرين. أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن حنة امرأة عمران كانت حبست عن الولد والمحيض فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً له فتحركت نفسها للولد فدعت الله تعالى أن يهب لها ذكراً فحاضت من ساعتها فلما طهرت أتاها زوجها فلما أيقنت بالولد قالت: لئن نجاني الله تعالى ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً ولم يكن يحرر في ذلك الزمان إلا الغلمان فقال لها زوجها: أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى ـ والأنثى عورة ـ فكيف تصنعين؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك: {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي } وهذا في الحقيقة استدعاء للولد الذكر لعدم قبول الأنثى فيكون المعنى ـ رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكراً على حد أعتق عبدك عني ـ وجعله بعض الأئمة تأكيداً لنذرها وإخراجاً له عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز واللام من {لَكَ } للتعليل، والمراد لخدمة بيتك ـ والمحرر ـ من لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله تعالى ويكون في خدمة الكنيسة ـ قاله ابن عباس/ رضي الله تعالى عنهما ـ وقال مجاهد: المحرر الخادم للبيعة، وفي رواية عنه الخالص الذي لا يخالطه شيء من أمر الدنيا، وقال محمد بن جعفر بن الزبير: أرادت عتيقاً خالصاً لطاعتك لا أصرفه في حوائجي، وعلى كل هو من الحرية ـ وهي ضربان ـ أن لا يجري عليه حكم السبـي وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذائل الدنيوية. وانتصابه على الحالية من {مَا } والعامل فيه {نَذَرْتُ }؛ وقيل: من الضمير الذي في الجار والمجرور، والعامل فيه حينئذ الاستقرار ـ ولا يخفى رجحان الوجه الأول ـ والحال إما مقدرة أو مصاحبة، وجوز أبو حيان أن ينصب على المصدر أي ـ تحريراً ـ لأنه بمعنى النذر، وتأكيد الجملة للإيذان بوفور الرغبة في مضمونها وتقديم الجار والمجرور لكمال الاعتناء به والتعبير عن الولد بما لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء، و ـ التقبل ـ أخذ الشيء على وجه الرضا وأصله المقابلة بالجزاء ـ وتقبل ـ هنا بمعنى اقبل. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ } لسائر المسموعات فتسمع دعائي {ٱلْعَلِيمُ } بما كان ويكون فتعلم نيتي وهو تعليل لاستدعاء القبول من حيث إن علمه تعالى بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلاً وإحساناً، وتأكيد الجملة لغرض قوة يقينها بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لغرض اختصاص دعائها وانقطاع حبل رجائها عما عداه سبحانه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال ـ قاله شيخ الإسلام ـ وتقديم صفة السمع لأن متعلقاتها وإن كانت غير متناهية إلا أنها ليست كمتعلقات صفة العلم في الكثرة.

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]. وموقعها هنا أظهر في أنها غير متعلقة بعامل، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو عبيدة: إذ هنا زائدة، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفاً، ولا يجوز تعلقها باصطفى: لأنّ هذا خاص بفضل آل عمران، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل إبراهيم. وامرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا. قيل: مات زوجها وتركها حبلى فنذرت حَبَلَها ذلك محرّراً أي مخلَّصاً لخدمة بيت المقدس، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكراً. وإطلاق المحرّر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنّه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكأنّه حُرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله تعالى. قيل: إنّها كانت تظنّه ذكراً فصدر منها النذر مطلقاً عن وصف الذكورة وإنّما كانوا يقولون: إذا جاء ذكراً فهو محرّر. وأنّث الضمير في قوله: {فلما وضعتها} وهو عائد إلى {ما في بطني} باعتبار كونه انكشف ما صْدَقه على أنثى. وقولها: {إني وضعتها أُنثى} خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليماً بكل شيء. وتأكيد الخبر بإنّ مراعاةٌ لأصل الخبرية، تحقيقاً لكون المولود أنثى؛ إذ هو بوقوعه على خلاف المترقّب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد، فلذا أكّدته. ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمّته على طريقة المجاز المركّب المُرسَل، ومعلوم أنّ المركب يَكون مجازاً بمجموعه لا بأجزائه ومفرداتِه. وهذا التركيب بما اشتمل عليه من الخصوصيات يَحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني: وهي الروْعة والكراهية لولادتها أنثى، ومحاولتها مغالطة نفسها في الإذعان لهذا الحكم، ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطْمينها بها، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك، فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معانٍ كثيرة قصدتها في مناجاتها بلغتها. وأنّث الضمير في {إني وضعتها أُنثى} باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة في قولها {أُنثى} إذ بدون الحال لا يكون الكلام مفيداً فلذلك أنّث الضمير باعتبار تلك الحال. وقوله: {والله أعلم بما وضعت} جملة معترضة، وقرأ الجمهور: وضعَتْ - بسكون التاء - فيكون الضمير راجعاً إلى امرأة عِمران. وهو حينئذ من كلام الله تعالى وليس من كلامها المحكي، والمقصود منه: أنّ اللَّه أعلم منها بنفاسة ما وضعت، وأنها خير من مطلق الذكر الذي سألْته، فالكلام إعلام لأهل القرآن بتغليطها، وتعليم بأنّ من فوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقّب تدبيره. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: بضم التاء، على أنها ضمير المتكلمة امرأةِ عمران فتكون الجملة من كلامها المحكي، وعليه فاسم الجلالة التفات من الخطاب إلى الغيبة فيكون قرينة لفظية على أنّ الخبر مستعمل في التحسر. وجملة {وليس الذكر كالأنثى} خبر مستعمل في التحسر لفوات ما قصدته في أن يكون المولود ذكراً، فتحرره لخدمة بيت المقدس. وتعريف الذكر تعريف الجنس لما هو مرتكز في نفوس الناس من الرغبة في مواليد الذكور، أي ليس جنس الذكر مساوياً لجنس الأنثى. وقيل: التعريف في {وليس الذكر كالأنثى} تعريف العهد للمعهود في نفسها. وجملة {وليس الذكر} تكملة للاعتراض المبدوء بقوله: {والله أعلم بما وضعت} والمعنى: وليس الذكر الذي رغبتْ فيه بمساوٍ للأنثى التي أعطيتْها لو كانت تعلم علوّ شأن هاته الأنثى وجعلوا نفي المشَابهة على بابه من نفي مشابهة المفضول للفاضل وإلى هذا مال صاحب «الكشاف» وتبعه صاحب «المفتاح» والأول أظهر. ونفي المشابهة بين الذكر والأنثى يقصد به معنى التفصيل في مثل هذا المقام وذلك في قول العرب: ليس سواءً كذا وكذا، وليس كذا مثلَ كذا، ولا هو مثل كذا، كقوله تعالى: {أية : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] - وقوله - {أية : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}تفسير : [الإحزاب: 32] وقول السموأل: شعر : فليسَ سواءً عالمٌ وجَهول تفسير : وقولِهم: «مرعى ولا كالسعدان، وماء ولا كَصَدَّى». ولذلك لا يَتوخون أن يكون المشبه في مثله أضعف من المشبه به؛ إذ لم يبق للتشبيه أثر، ولذلك قيل هنا: وليس الذكر كالأنثى، ولو قيل: وليست الأنثى كالذكر لفهم المقصود. ولكن قدّم الذكر هنا لأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم. وقد يجيء النفي على معنى كون المشبه المنفي أضعف من المشبه به كما قال الحريري في المقامة الرابعة: «غدوتَ قبلَ استقلال الركاب، ولا اغتداء اغتداءَ الغراب» وقال في الحادية عشرة: «وضحكتم وقت الدفن، ولا ضَحِكَكُم ساعةَ الزّفن» وفي الرابعة عشرة: «وقمتَ لله» ولا كعَمْرو بن عُبيد» فجاء بها كلها على نَسق ما في هذه الآية. وقوله: {وإني سميتها مريم} الظاهر أنها أرادت تسميتها باسم أفضل نبيئة في بني إسرائيل وهي مريم أختُ موسى وهارون، وخَوّلها أنّ أباها سَمِيُّ أبي مريم أختِ موسى. وتكرُّر التأكيد في {وإنّي سميتها} {وإنّي أعيذها بك} للتأكيد: لأنّ حال كراهيتها يؤذن بأنها ستعْرض عنها فلا تشتغل بها، وكأنها أكدت هذا الخبر إظهاراً للرضا بما قدّر الله تعالى، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة، وأكدت جملة أعيذها مع أنها مستعملة في إنشاء الدعاء: لأنّ الخبر مستعمل في الإنشاء برمّته التي كان عليها وقتَ الخبرية، كما قدّمناه في قوله تعالى: {إني وضعتها أُنثى} وكقول أبي بكر: «إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب».

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱمْرَأَتُ} {عِمْرَانَ} (35) - قِيلَ إنَّ امْرَأَةَ عِمرَانَ كَانَتْ عَاقِراً، فَرَأتْ طَائِراً يَزُقُّ فَرْخَهُ فَتَمَنَّتْ أنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَرْزُقَها وَلَداً فَحَمَلَتْ. وَلَمَّا شَعَرَتْ بِالحَمْلِ نَذَرَتْ أنْ يَكُونَ حَمْلُها خَالِصاً مُتَفرِّغاً لِعِبَادَةِ اللهِ، وَخِدْمَةِ المَعْبَدِ. وَدَعَتِ اللهَ أنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهَا نَذْرَها، فَإنَّهُ تَعَالَى هُوَ السَّميعُ لِدُعَائِها، العَلِيمُ بِنِيَّتِها. النَّذْرُ - مَا يُوجِبُهُ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ. المُحَرَّرُ - المُخَصَّصُ لِلْعِبَادَةِ وَالخِدْمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعندما تقرأ "إذْ" فلتعلم أنها ظرف ويُقدر لها في اللغة "اذكر"، ويقال "إذ جئتك" أي "اذكر أني جئتك". وعندما يقول الحق: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35] فبعض الناس من أهل الفتح والفهم يرون أن الحق سبحانه سميع عليم وقت أن قالت امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} [آل عمران: 35]، وهم يحاولون أن يربطوا هذه الآية بما جاء قبلها، بأن الله سميع وعليم. ونقف عند قول امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]. إننا عندما نسمع كلمة "محرراً" فمعناها أنه غير مملوك لأحد فإذا قلنا: "حررت العبد" يعني ينصرف دون قيد عليه. أو "حررت الكتاب" أصلحت ما فيه. إن تحرير أي أمر، هو إصلاح ما فيه من فساد أو إطلاقه من أي ارتباط أو قيد. أما قولها: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35] هو مناجاة لله، فما الدافع إلى هذه المناجاة لله؟ إن امرأة عمران موجودة في بيئة ترى الناس تعتز بأولادها، وأولاد الناس - كما نعلم - يحكمون حركة الناس، والناس تحكم حركة أولادهم، ويكد الناس من أجل أن يكون الأبناء عزوة، وقرة عين، ويتقدم المجتمع بذلك التواصل المادي، ولم تعجب امرأة عمران بذلك، لقد أرادت ما في بطنها محرراً من كل ذلك، إنها تريده محرراً منها، وهي محررة منه. وهذا يعني أنها ترغب في أن يكون ما في بطنها غير مرتبط بشيء أو بحب أو برعاية. لماذا؟ لأن الإنسان مهما وصل إلى مرتبة اليقين، فإن المسائل التي تتصل بالناس وبه، تمر عليه، وتشغله، لذلك أرادت امرأة عمران أن يكون ما في بطنها محرراً من كل ذلك، وقد يقال: إن امرأة عمران إنما تتحكم بهذا النذر في ذات إنسانية كذاتها، ونرد على ذلك بما يلي: لقد كانوا قديماً عندما ينذرون ابناً للبيت المقدس فهذا النذر يستمر ما دامت لهم الولاية عليه، ويظل كما أرادوا إلى أن يبلغ سن الرشد، وعند بلوغ سن الرشد فإن للابن أن يختار بين أن يظل كما أراد والداه أو أن يحيا حياته كما يريد. إن بلوغ سن الرشد هو اعتراف بذاتية الإنسان في اتخاذ القرار المناسب لحياته. كانت امرأة عمران لا تريد مما في بطنها أن يكون قرة عين، أو أن يكون معها، إنها تريده محرراً لخدمة البيت المقدس، وكان يستلزم ذلك في التصور البشري أن يكون المولود ذكراً؛ لأن الذي كان يقوم بخدمة البيت هم الذكران. ونحن نعرف أن كلمة "الولد" يطلق أيضاً على البنت، ولكن الاستعمال الشائع، هو أن يطلق الناس كلمة "ولد" على الذكر. لكن معنى الولد لغوياً هو المولود سواء أكان ذكراً أم أنثى. وعندما نسمع كلمة "نذر" فلنفهم أنها أمر أريد به الطاعة فوق تكليف المكلف من جنس ما كلّفه به الله. إن الله قد فرض علينا خمس صلوات، فإذا نذر إنسان أن يصلي عدداً من الركعات فوق ذلك، فإن الإنسان يكون قد ألزم نفسه بأمر أكثر مما ألزمه به الله، وهو من جنس ما كلف الله وهو الصلاة. والله قد فرض صيام شهر رمضان، فإذا ما نذر إنسان أن يصوم يومي الاثنين والخميس أو صيام شهرين فالإنسان حر، ولكنه يختار نذراً من جنس ما فرض الله من تكاليف، وهو الصيام. والله فرض زكاة قدرها باثنين ونصف بالمائة، ولكن الإنسان قد ينذر فوق ذلك، كمقدار عشرة بالمائة أو حتى خمسين بالمائة. إن الإنسان حر، ولكنه يختار نذراً من جنس ما فرض الله من تكاليف، إن النذر هو زيادة عما كلف المكلف من جنس ما كلف سبحانه. وكلمة "نذرت" من ضمن معانيها هو أن امرأة عمران سيدة تقية وورعة ولم تكن مجبرة على النذر، ولكنها فعلت ذلك، وهو أمر زائد من أجل خدمة بيت الله. والنذر كما نعلم يعبر عن عشق العبد لتكاليف الله، فيلزم نفسه بالكثير من بعضها. ودعت امرأة عمران الله من بعد ذلك بقبول ذلك النذر فقالت: "فتقبل مني". "والتقبل" هو أخذ الشيء برضا، لأنك قد تأخذ بكره، أو تأخذ على مضض، أما أن "تتقبل" فذلك يعني الأخذ بقبول وبرضا. واستجابة لهذا الدعاء جاء قول الحق: {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ..}تفسير : [آل عمران: 37]. ونلاحظ أن امرأة عمران قالت في أول ما قالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [آل عمران: 35]، ولم تقل: "يا الله" وهذا لنعلم أن الرب هو المتولي التربية، فساعة ينادي "ربي" فالمفهوم فيها التربية. وساعة يُنادي بـ "الله" فالمفهوم فيها التكليف. إن "الله" نداء للمعبود الذي يطاع فيما يكلف به، أما "رب" فهو المتولي التربية. قالت امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [آل عمران: 35]. هذا هو الدعاء، وهكذا كانت الاستجابة: {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} تفسير : [آل عمران: 37] وبعد ذلك تكلم الحق عن الأشياء التي تكون من جهة التربية. {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} تفسير : [آل عمران: 37]. كل ذلك متعلق بالتربية وبالربوبية، فساعة نادت امرأة عمران عرفت كيف تنادي ونذرت ما في بطنها. وبعد ذلك جاء الجواب من جنس ما دعت بقمة القبول وهو الأخذ برضا. {أية : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. فالحسن هنا هو زيادة في الرضا، لأن كلمة "قبول" تعطينا معنى الأخذ بالرضا، وكلمة "حسن" توضح أن هناك زيادة في الرضا، وذلك مما يدل على أن الله قد أخذ ما قدمته امرأة عمران برضا، وبشيء حسن، وهذا دليل على أن الناس ستلمح في تربيتها شيئاً فوق الرضا، إنه ليس قبولاً عادياً، إنه قبول حسن. {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} تفسير : [آل عمران: 37]. مما يدل على أن امرأة عمران كانت تقصد حين نذرت ما في بطنها، ألا تربي ما في بطنها إلى العمر الذي يستطيع فيه المولود أن يخدم في بيت الله. ولكنها نذرت ما في بطنها من اللحظة الأولى للميلاد. إنها لن تتنعم بالمولود، ولذلك قال الحق: {أية : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} تفسير : [آل عمران: 37]، وزكريا هو زوج خالة السيدة مريم. وبعد دعاء امرأة عمران، يجيء القول الحكيم: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} معناهُ خَالِصٌ دائِمٌ لاَ يُخالِطَهُ شَيءٌ مِن أَمْرِ الدُّنيا. والمُحَرَّرُ: المُعْتَقُ.

همام الصنعاني

تفسير : 390- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}: [الآية: 35]، قال: نذرت ولدها للكنيسة. {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ}: [الآية: 36] وإنما كانوا يحرّرون الغلمان - قالت: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}: [الآية: 36]. 391- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزّهري، عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مولولدٍ يولد إلا الشيطان يمسُّه، فيستهلُ صارخاً من مسَّهِ الشيطان إياه، إلا مريم وابنها"،تفسير : ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}: [الآية: 36]. 392- عبد الرزاق، قال: حدثنا المنذر بن النعمان الأفْطس: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما وُلد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قدْ نكست رؤوسها! فقال: هذا حادث حَدَثَ! مكانكم، وطار حتى جاء خافِقَي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاث البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى قد ولِدَ عند مِذْود حمار، فإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيّاً قد وُلِدَ البارحة، وما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها، إلا هذه! فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجلة.