Verse. 329 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَلَمَّا وَضَعَتْہَا قَالَتْ رَبِّ اِنِّىْ وَضَعْتُہَاۗ اُنْثٰى۝۰ۭ وَاللہُ اَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ۝۰ۭ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْاُنْثٰى۝۰ۚ وَاِنِّىْ سَمَّيْتُہَا مَرْيَمَ وَاِنِّىْۗ اُعِيْذُھَا بِكَ وَذُرِّيَّــتَہَا مِنَ الشَّيْطٰنِ الرَّجِيْمِ۝۳۶
Falamma wadaAAatha qalat rabbi innee wadaAAtuha ontha waAllahu aAAlamu bima wadaAAat walaysa alththakaru kaalontha wainnee sammaytuha maryama wainnee oAAeethuha bika wathurriyyataha mina alshshaytani alrrajeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فلما وضعتها) ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلامًا إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان (قالت) معتذرة يا (رب إني وضعتها أنثى والله أعلم) أي عالم (بما وضعت) جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء (وليس الذكر) الذي طلبت (كالأنثى) التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه (وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها) أولادها (من الشيطان الرجيم) المطرود في الحديث "" ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها "" رواه الشيخان.

36

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاماً إذ لم يكن يحرَّر إلا الغلمان {قَالَتْ } معتذرة {رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ } أي عالم {بِمَا وَضَعَتْ } جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ } الذي طلبت {كَٱلأُنثَىٰ } التي (وُهِبْتُ) لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لها لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا } أولادها {مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ } المطرود. وفي الحديث « حديث : ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها » تفسير : رواه الشيخان.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية خطاب من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والوضع الولادة، وأنث الضمير في {وضعتها}، حملاً على الموجودة ورفعاً للفظ {ما} التي في قولها {أية : ما في بطني} تفسير : [آل عمران: 33] وقولها، {رب إني وضعتها أنثى} لفظ خبر في ضمنه التحسر والتلهف، وبيّن الله ذلك بقوله: {والله أعلم بما وضعت}: وقرأ جمهر الناس "وضعَتْ" بفتح العين وإسكان التاء، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "وضعْتُ"، بضم التاء وإسكان العين، وهذا أيضاً مخرج قولها، {رب إني وضعتها أنثى} من معنى الخبر إلى معنى التلهف، وإنما تلهفت لأنهم كانوا لا يحررون الإناث لخدمة الكنائس ولا يجوز ذلك عندهم، وكانت قد رجت أن يكون ما في بطنها ذكراً فلما وضعت أنثى تلهفت على فوت الأمل وأفزعها أن نذرت ما لا يجوز نذره، وقرأ ابن عباس "وضعتِ" بكسر التاء على الخطاب من الله لها، وقولها {وليس الذكر كالأنثى} تريد في امتناع نذره إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان قاله قتادة والربيع والسدي وعكرمة وغيرهم، وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول: وليست الأنثى كالذكر فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد، وفي قولها {وإني سميتها مريم} سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم وقد روي عنه عليه السلام أن ذلك في يوم السابع يعق عن المولود ويسمى، قال مالك رحمه الله: ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه ولا تسمية، قال ابن حبيب: أحب إلي أن يسمى، وأن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته، و {مريم}، لا ينصرف لعجمته وتعريفه وتأنيثه، وباقي الآية إعادة، وورد في الحديث عن النبي عليه السلام من رواية أبي هريرة قال: حديث : كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل إلا ما كان من مريم ابنة عمران وابنها فإن أمها قالت حين وضعتها: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجابتفسير : ، وقد اختلفت ألفاظ الحديث من طرق والمعنى واحد كما ذكرته. وقوله تعالى: {فتقبلها} إخبار لمحمد عليه السلام بأن الله رضي مريم لخدمة المسجد كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك، والمعنى يقتضي أن الله أوحى إلى زكرياء ومن كان هنالك بأنه تقبلها، ولذلك جعلوها كما نذرت، وقوله {بقبول} مصدر جاء على غير الصدر، وكذلك قوله {نباتاً} بعد أنبت، وقوله {وأنبتها نباتاً حسناً}، عبارة عن حسن وسرعة الجودة فيها في خلقة وخلق، وقوله تعالى: {وكفلها زكريا} معناه: ضمها إلى إنفاقه وحضنه، والكافل هو المربي الحاضن، قال ابن إسحاق: إن زكرياء كان زوج خالتها لأنه وعمران كانا سلفين على أختين، ولدت امرأة زكرياء يحيى وولدت امرأة عمران مريم، وقال السدي وغيره: إن زكرياء كان زوج ابنة أخرى لعمران، ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم في يحيى وعيسى: ابنا الخالة، قال مكي: وهو زكريا بن آذن، وذكر قتادة وغير واحد من أهل العلم: أنهم كانوا في ذلك الزمان يتشاحون في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد فيتساهمون عليه، وأنهم فعلوا في مريم ذلك، فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، وقيل أقلاماً بروها من عود كالسهام والقداح، وقيل عصياً لهم، وهذه كلها تقلم، وروي أنهم ألقوا ذلك في نهر الأردن، وروي أنهم ألقوه في عين، وروي أن قلم زكرياء صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين مع الماء في جريته، وروي أن أقلام القوم عامت علىالماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء مرتكزاً واقفاً كأنما ركز في طين فكفلها عليه السلام بهذا الاستهام، وحكى الطبري عن ابن إسحاق، أنها لما ترعرعت أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء: إني قد عجزت عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا فخرج السهم على رجل يقال له جريج فجعل ينفق عليها وحينئذ كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق. قال أبو محمد: وهذا الاستفهام غير الأول، هذا المراد منه دفعها، والأول المراد منه أخذها، ومضمن هذه الرواية أن زكرياء كفلها من لدن طفولتها دون استهام، لكن أمها هلكت وقد كان أبوها هلك وهي في بطن أمها فضمها زكرياء إلى نفسه لقرابتها من امرأته، وهكذا قال ابن إسحاق، والذي عليه الناس أن زكرياء إنما كفل بالاستهام لتشاحهم حينئذ فيما يكفل المحرر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر {وكفلها زكرياء} مفتوحة الفاء، خفيفة "زكرياء" مرفوعاً ممدوداً، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وكفلها مشددة الفاء ممدوداً منصوباً في جميع القرآن، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، "كفَّلها" مشددة الفاء مفتوحة، "زكريا" مقصوراً في جميع القرآن، وفي رواية أبي بن كعب، و "أكفلها زكرياء" بفتح الفاء على التعدية بالهمزة، وقرأ مجاهد، "فتقبلْها" بسكون اللام على الدعاء " ربَّها" بنصب الباء على النداء و "أنِبتها" بكسر الباء على الدعاء، و"كفِلها" بكسرالفاء وشدها على الدعاء زكرياء منصوباً ممدوداً، وروي عن عبد الله بن كثير، وأبي عبد الله المزني، و"وكفِلها" بكسر الفاء خفيفة وهي لغة يقال: كفل يكفُل بضم العين في المضارع، وكفِل بكسر العين يكفَل بفتحها في المضارع، "زكرياء" اسم أعجمي يمد ويقصر، قال أبو علي: لما عرب صادق العربية في بنائه فهو كالهيجاء تمد وتقصر، قال الزجاج: فأما ترك صرفه فلأن فيه في المد ألفي تأنيث وفي القصر ألف التأنيث، قال أبو علي: ألف زكرياء ألف تأنيث ولا يجوز أن تكون ألف إلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه، ولا يجوز أن تكون منقلبه، ويقال في لغة زكرى منون معرب، قال أبو علي: هاتان ياءا نسب ولو كانتا اللتين في {زكريا} لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف وإنما حذفت تلك وجلبت ياء النسب، وحكى أبو حاتم، زكرى بغير صرف وهو غلظ عند النحاة، ذكره مكي. وقوله تعالى: {كلما} ظرف والعامل فيه {وجد}، و {المحراب} المبنى الحسن كالغرف والعلالي ونحوه، ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى وهو موقف الإمام محراب، وقال الشاعر: [وضاح اليمن] [السريع] شعر : رَبَّة مِحْرابٍ إذَا جئْتُهَا لَمْ أَلْقَهَا أَوْ أرتقي سُلَّما تفسير : ومثل قول الآخر: [عدي بن زيد] [الخفيف] شعر : كَدُمَى العاجِ في المحاريبِ أَوْ كالــــ ـــبيضِ في الرَّوضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ تفسير : وقوله تعالى: {وجد عندها رزقاً}، معناه طعاماً تتغذى به ما لم يعهده ولا عرف كيف جلب إليها وكانت فيما ذكر الربيع، تحت سبعة أبواب مغلقة وحكى مكي أنها كانت في غرفة يطلع إليها، بسلم، وقال ابن عباس: وجد عندها عنباً في مكتل في غير حينه، وقاله ابن جبير ومجاهد، وقال الضحاك ومجاهد أيضاً وقتادة: كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وقال ابن عباس: كان يجد عندها ثمار الجنة: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وقال الحسن: كان يجد عندها رزقاً من السماء ليس عند الناس ولو أنه علم أن ذلك الرزق من عنده لم يسألها عنه، وقال ابن إسحاق: هذا الدخول الذي ذكر الله تعالى في قوله {كلما دخل عليها} إنما هو دخول زكرياء عليها وهي في كفالة جريج أخيراً، وذلك أن جريجاً كان يأتيها بطعامها فينميه الله ويكثره، حتى إذا دخل عليها زكرياء عجب من كثرته فقال: {يا مريم أنّى لك هذا} والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق، وقوله {أنى} معناه كيف ومن أين؟ وقولها: {هو من عند الله}، دليل على أنه ليس من جلب بشر، وهكذا تلقى زكرياء المعنى وإلا فليس كان يقنع بهذا الجواب، قال الزجاج: وهذا من الآية التي قال تعالى: {أية : وجعلناها وابنها آية للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 91] وروي أنها لم تلقم ثدياً قط، وقولها: {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله، وذهب الطبري إلى أن ذلك ليس من قول مريم وأنه خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والله تعالى لا تنتقص خزائنه، فليس يحسب ما يخرج منها، وقد يعبر بهذه العبارة عن المكثرين من الناس أنهم ينفقون بغير حساب، وذلك مجاز وتشبيه، والحقيقة هي فيما ينتفق من خزائن الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَضَعْتُهَا أُنثَى} اعتذرت بذلك لعدوله عن نذرها. {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} إذ لا تصلح لخدمة بيت المقدس، ولصيانتها عن التبرج. {وَإِنِّى أُعِيذُهَا} من طعن الشيطان الذي يستهل به المولود، أو من إغوائه {الرَّجِيمِ} المرجوم بالشهب.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فلما وضعتها} أي ولدت حملها وإنما قال: وضعتها لأنه كان في علم الله أنها جارية وكانت حنة ترجو أن يكون غلاماً {قالت} يعني حنة {رب إني وضعتها أنثى} تريد بذلك اعتذار إلى الله من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك على سبيل الاعتذار لا على سبيل الإعلام، لأن الله تعالى عالم بما في بطنها قبل أن تضعه {والله أعلم بما وضعت} قرئ بجزم التاء إخباراً عن الله تعالى والمعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بالشيء الذي وضعت. وقرئ وضعت برفع التاء وهو من كلام أم مريم على تقدير أنها لما قالت رب: إني وضعتها أنثى خافت أن تكون أخبرت الله بذلك فأزالت هذه الشبهة بقولها والله أعلم بما وضعت {وليس الذكر كالأنثى} يعني في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وليس الأنثى كالذكر، والمراد منه تفضيل الذكر على الأنثى لأن الذكر يصلح للخدمة للكنيسة ولا تصلح الأنثى لذلك لضعفها، وما يحصل لها من الحيض لأنها عورة ولا يجوز لها الحضور مع الرجال. وقيل: في معنى الآية: إن المراد منها هو تفضيل هذه الأنثى على الذكر كأنها قالت: كان الذكر مطلوبي لخدمة المسجد وهذه الأنثى هي موهوبة لله تعالى، وليس الذكر التي طلبت كالأنثى التي هي موهبة لله تعالى وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها {وإني سميتها مريم} يعني العابدة والخادمة وهو بلغتهم أرادت بهذه التسمية أن يفضلها الله على إناث الدنيا {وإني أعيذها بك وذريتها} أي أمنعها وأجيرها بك وذريتها {من الشيطان الرجيم} يعني اللعين الطريد وذلك أن حنة أم مريم لما فاتها ما كانت تطلب من أن يكون ولدها ذكراً، فإذا هي أنثى تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها ويعصمها من الشيطان الرجيم، وأن يجعلها من الصالحات العابدات. (ق) عن أبي هريرة قال: سمعت الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من بني آدم من مولود إلاّ نخسه الشيطان حتى يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلاّ مريم وابنها"تفسير : . ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}. وللبخاري عنه قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}: الوضْعُ: الولادةُ، وقولها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ}: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}، وقولها: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ}، تريد في ٱمتناعِ نَذْرها؛ إِذ الأنثَىٰ تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثَىٰ كالذَّكَر، وفي قولها: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ؛ ونحوُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِٱسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ»تفسير : ، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي: ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ؛ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء، عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ»تفسير : . وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ٱبْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ»تفسير : وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وَهْب الجُشَمِيِّ، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة»تفسير : . اهـ. وفي الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «حديث : كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ ٱبْنَةِ عِمْرَانَ، وٱبْنِهَا؛ فَإِنَّ أُمَّهَا قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ}، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ»تفسير : ، وَقَدِ ٱخْتلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنىٰ واحد؛ كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ: رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة (رضي اللَّه عنها)؛ "أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ؛ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكُرْسيِّ، و {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ...} إلى آخر الآيَةِ، وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ«. انتهى. وقوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}: إخبار منه سبحانه لمحمَّد صلى الله عليه وسلم؛ بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد؛ كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسَنَّىٰ لها الأمَلَ في ذلك. وقوله سبحانه: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ. * ص *: {بِقَبُولٍ} مصدر علَىٰ غير الصَّدْرِ، والجاري علَىٰ: تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قَبِلَ قَبُولاً، و {نَبَاتاً}: مصدرٌ منصوبٌ بـــ «أَنْبَتَهَا»؛ علَىٰ غير الصَّدْر. انتهى. وقوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها؛ وَيَعْضُدُ هذا القوْلَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم في يَحْيَـىٰ وعِيسَىٰ: «ٱبْنَا الخَالَةِ»، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ؛ لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر. وقوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}: المِحْرَابُ: المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه؛ ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المُصَلَّىٰ؛ وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى {رِزْقاً}، أيْ: طعاماً يتعذَّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة، وقوله: {أَنَّىٰ}: معناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} دليلٌ علَىٰ أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج. وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالَىٰ: {أية : وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأنبياء:91] وقولها: {إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من اللَّه تعالَىٰ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، واللَّه سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ؛ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه)، وقد قال العلماءُ في معنَىٰ قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}: إِنه الفتوحُ، إِذا كان علَىٰ وجهه. اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَوْ دُعِيْتُ إِلَىٰ ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ».تفسير : وقوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} هُنَالِكَ؛ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنَىٰ هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأَىٰ زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالَىٰ تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه علَىٰ حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، وٱشتعالِ شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع علَىٰ واحد فصاعدًا؛ كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالَىٰ: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} تفسير : [آل عمران:39]، وتُرِكَ محذوفٌ كثيرٌ دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين؛ أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ؛ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديثٌ عنه صلى الله عليه وسلم، فيتَّبَع.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أي ما في بطنها، وتأنيثُ الضمير العائد إليه لما أن المقامَ يستدعي ظهورَ أنوثتِه واعتبارَه في حيز الشرط إذ عليه يترتب جوابُ لما، أعني قوله تعالى: {قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ} لا على وضع ولدٍ ما كأنه قيل: فلما وضعت بنتاً قالت الخ، قيل: تأنيثُه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤوّلٌ بالمرة من الحَبَل أو النفْس أو النَّسَمة وأنت خبـير بأن اعتبارَ شيءٍ مما ذُكر في حيز الشرط لا يكون مداراً لترتب الجواب عليه وقولُه تعالى: {أُنثَىٰ} حال مؤكّدة من الضمير أو بدلٌ منه، وتأنيثُه للمسارعة إلى عَرْض ما دَهَمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبْلةِ أو النسمة فالحال حينئذ مبـيِّنة وإنما قالته تحزُّناً وتحسّراً على خيبة رجائِها وعكسِ تقديرِها لما كانت ترجو أن تلدَ ذكَراً ولذلك نذرَتْه محرّراً للسِّدانة، والتأكيدُ للرد على اعتقادها الباطل {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيمٌ من جهته تعالى لموضوعها وتفخيمٌ لشأنه وتجهيلٌ لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعتْه وما علِقَ به من عظائم الأمور وجعلِه وابنَه {أية : آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء، الآية 91] وهي غافلةٌ عن ذلك والجملة اعتراضية وقرىء {وَضَعَتْ} على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدرَ هذا الموهوبِ وما أودع الله فيه من علو الشأنِ وسموِّ المقدار وقرىء وَضَعَتْ على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة إظهاراً لغاية الإجلال فيكون ذلك منها اعتذاراً إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلُح لما نذرته من السدانة، أو تسليةً لنفسها على معنى لعل لله تعالى فيه سراً وحكمة ولعل هذه الأنثى خيرٌ من الذكر فوجهُ الالتقاتِ حينئذ ظاهر وقوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ} اعتراض آخرُ مبـيِّن لما في الأول من تعظيم الموضوعِ ورفع منزلتِه، واللامُ في الذكَر والأنثى للعهد أي ليس الذكرُ الذي كانت تطلُبه وتتخيل كماله ليكون كواحد من السَّدَنة كالأنثى التي وُهِبتْ لها فإن دائرةَ علمِها وأمنيتها لا تكاد تُحيط بما فيها من جلائل الأمور. هذا على القراءتين الأُولَيَـيْن وأما على التفسير الأخير للقراءة الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها، وأما على تفسير الأول لها فمعناها تأكيدُ الاعتذارُ ببـيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحيةِ خدمة المتعبّدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللامُ للجنس، وقوله تعالى: {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} عطف على إني وضعتُها أنثى وغرضُها من عَرْضها على علام الغيوب التقربُ إليه تعالى واستدعاءُ العصمة لها فإن مريمَ في لغتهم بمعنى العابدة. قال القرطبـي: معناه خادمُ الرب، وإظهارُ أنها غيرُ راجعة عن نيّتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها وإن لم تكن خليقةً بسِدانة بـيت المقدس فلتكنْ من العابدات فيه {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ} عطف على إني سميتها وصيغةُ المضارع للدَلالة على الاستمرار أي أُجيرُها بحفظك، وقرىء بفتح ياء المتكلم في المواضع التي بعدها همزةٌ مضمومة إلا في موضعين {أية : بِعَهْدِى أُوفِ } تفسير : [البقرة، الآية 40] {أية : ءَاتُونِى أُفْرِغْ } تفسير : [الكهف، الآية 96] {وَذُرِّيَّتَهَا} عطف على الضمير، وتقديمُ الجار والمجرور عليه لإبراز كمالِ العناية به {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} أي المطرود، وأصلُ الرجم الرميُ بالحجارة. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يَمَسه حين يولد فيستهِلُّ صارخاً من مسّه إلا مريمَ وابنَها» تفسير : ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصَمهما ببركة هذه الاستعاذة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما وضعتها} اى ولدت النسمة وهى انثى {قالت} حنة وكانت ترجو ان تكون غلاما {رب انى} التأكيد للرد على اعتقادها الباطل {وضعتها انثى} تحسرا على ما رأته من خيبة رجائها وعكس تقديرها والضمير المتصل عائد الى النسمة وانثى حال منه {والله اعلم بما وضعت} تعظيم من جهته تعالى لموضوعها فانها لما تحسرت وتحزنت على ان ولدت انثى قال الله تعالى انها لا تعلم قدر هذا الموهوب والله وهو العالم بالشىء الذى وضعته وما علق به من العجائب وعظائم الامور فانه تعالى سيجعله وولده آية للعالمين وهى جاهله بذلك لا تعلم به فلذلك تحسرت وتحزنت{وليس الذكر كالانثى} مقول لله ايضا مبين لتعظيم موضوعها ورفع منزلته. واللام فيهما للعهد اى ليس الذكر الذى كانت تطلبه وتتخيل فيه كمالا قصاراه ان يكون كواحد من السدنة كالانثى التى وهبت لها فان دائرة عملها وامنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الامور فهى افضل من مطلوبها وهى لا تعلم وهاتان الجملتان من مقول الله تعالى اعتراضان بين قول ام مريم {انى وضعتها انثى} وقولها {وانى سميتها مريم} وفائدتهما التسلية لنفس حنة والتعظيم لوضعها {وانى سميتها مريم} من مقول حنة عطف على قولها {انى وضعتها} اى انى جعلت اسمها مريم وغرضها من عرضها على علام الغيوب التقرب اليه تعالى واستدعاء العصمة لها فإن مريم فى لغتهم بمعنى العابدة وخادم الرب واظهار انها غير راجعة فى نيتها وان كان ما وضعته انثى وانها ان لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه وظاهر هذا الكلام يدل على ان عمران كان قد مات قبل وضع حنة مريم ولا لما تولت الام تسمية المولود لان العادة ان التسمية يتولاها الآباء {وانى اعيذها بك} اى اجيرها بحفظك {وذريتها} عطف على الضمير المنصوب اى اولادها {من الشيطان الرجيم} اى المطرود. واصل الرجم الرمى بالحجارة وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه الا مريم وابنها ".تفسير : ومعناه ان الشيطان يطمع فى اغواء كل مولود بحيث يتأثر منه الا مريم وابنها فان الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة.

الطوسي

تفسير : القراءة، والمعنى: قرأ {والله أعلم بما وضعتُ} ابن عامر، وأبو عمرو عن عاصم، ويعقوب بمعنى قولي. {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى} قيل: فيه قولان: أحدهما - الاعتذار من العدول عن النذر، لأنها انثى. الثاني - تقديم الذكر في السؤال لها بانها انثى وذلك ان عيب الانثى أفظع، وهو إليها أسرع، وسعيها أضعف، وعقلها أنقص فقدمت ذكر الانثى ليصح القصد لها في السؤال على هذا الوجه. وقوله: {وليس الذكر كالأنثى} اعتذار بأن الأنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر، وإنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الاناث، لانها لا تصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة المسجد المقدس، لما يلحقها من الحيض والنفاس، والصيانة عن التبرج للناس. وقال قتادة: لم يكن التحرير إلا للغلمان فيما جرت به العادة. والهاء في قوله: {وضعتها} يحتمل أن يكون كناية عن (ما) في قوله {نذرت لك ما في بطني} وجاز ذلك لوقوع (ما) على مؤنث. ويحتمل أن يكون كناية عن معلوم قد دل عليه الكلام. اللغة: وأصل الوضع: الحط. وضعه يضعه وضعاً. ووضعت بمعنى ولدت أي وضعت الولد. ومنه الموضع: مكان الوضع. والتواضع: خلاف التكبر لأنه وضع العبد من نفسه. والضعة: الخساسة لأنها تضع من قدر صاحبها. والوضيعة: ذهاب شيء من رأس المال. والمواضعة: المواهبة في التباع لوضع ما ينفق عليه في ذلك. والايضاع في السير: الرفق فيه لأنه حط عن شدة الاسراع. ومنه قوله تعالى: {أية : ولأوضعوا خلالكم}تفسير : وأصل الباب: الحط. المعنى: فان قيل هل يجوز أن تقول: والله أعلم بأن الجسم محدث من زيد العالم به، كما قالت: {والله أعلم بما وضعت}؟ قيل: لا يجوز لأن علم كل واحد منهما يجوز أن ينقلب عنه إلى خلافه، وليس كذلك بأنه يعلم الله، وأفعل من كذا إنما يقال للمبالغة في الصفة. ومن ضم التاء جعل ذلك من كلام أم مريم على وجه التسبيح والانقطاع إليه تعالى كما يقول القائل: قد كان كذا وكذا، وأنت تعلم لا على وجه الاعلام بل على ما قلناه. واسكان التاء أجود لامرين: أحدهما - أن قولها {إني وضعتها أنثى} قد أغنى عن ذلك. والثاني - أنه كان يجب أن تقول وأنت أعلم، لأنها تخاطب الله تعالى. وقوله: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} قيل في معناه قولان: أحدهما - الاستعاذة من طعن الشيطان للطفل الذي له يستهل صارخاً، فوقاها الله عز وجل وولدها عيسى منه بحجاب على ما رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الثاني - قال الحسن انها استعاذت من إغواء الشيطان. اللغة: والرجيم بمعنى الموجود بالشبهة وأصل الرجم: الرمي بالحجارة رجم يرجم رجماً والرجم القذف بالغيب لأنه رمى العبد به. ومنه {أية : لأرجمنك وأهجرني ملياً}تفسير : والرجم الاخبار عن الظن لأنه رمى بالخبر لا عن يقين. ومنه {أية : رجماً بالغيب} تفسير : والرجوم النجوم، لأن من شأنها أن يرمى بها الشياطين ومنه قوله: {أية : وجعلناها رجوماً للشياطين}.تفسير : والرجام القبور التي عليها الحجارة. والمراجمة المباراة في الكلام، والعمل له من كل واحد من النفيسين لرمي صاحبه بما يكيده وأصل الباب الرمي.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} وكانت ترجوا ان تضع ذكراً ورأتها انثى خجلت واستحيت و {قَالَتْ} منكّسة رأسها مظهرة لخجلتها {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} او لمّا وضعتها انثى وكانت ترجو انّ الولد ذكر وخابت عن متمنّاها قالت اظهاراً لخيبتها {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} او لمّا وضعتها ورأت انها انثى وعلمت انّ الانثى تكون ضعيفة فى عقلها قالت تقدمة لسؤال استعاذتها ربّ انّى وضعتها انثى والانثى تكون ضعيفة (فأعيذها بك من الشّيطان)، او {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} تقدمة لعدولها عن نذرها يعنى انّ الانثى لا تصلح لخدمة المعابد فلا اقدر على الوفاء بنذرى قيل: مات عمران حين حملها ووضعتها بعد وفات عمران {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} جملة معترضة من الله لتبجيل ما وضعت يعنى هو اعلم بشأن ما وضعت ومقامها العالى وتحسّرها على كونها انثى كان لجهلها بمقامها وقرئ بضمّ التّاء على ان يكون من كلامها تسلية لنفسها وبكسر التّاء على ان يكون من كلامها خطاباً لنفسها تسلية لها وعلى ان يكون من كلام الله تعالى خطاباً لها وتسلية لها وقوله تعالى {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} من كلامه تعالى تسلية لها يعنى ليس الذّكر المتمنّى مثل هذه الانثى المولودة فى الشّرف والمقام او هو من كلامها تعليلاً لتمنّيها وتحسّرها على الانثى اى ليس جنس الذّكر مثل جنس الانثى فى الخسّة والممنوعيّة من الرّسالة والمعابد بواسطة الانوثة والحيض، او ليس الذّكر الموعود مثل هذه الانثى فى الخسّة والممنوعيّة وقيل فيه غير هذا {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} تفاؤلاً فانّ مريم كانت بمعنى العابد {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} نسب الى النّبىّ (ص) "حديث : انّه ما من مولودٍ الاّ والشّيطان يمسّه حين ولد فيستهلّ صارخاً من مسّ الشّيطان ايّاه الاّ مريم وابنها ".

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا}: أى وضعت بنتها مريم، أنث الضمير مع عوده إلى ما، من قوله {أية : ما فى بطنى}تفسير : لأنه فى نفس الأمر أنثى، فهو من اعتبار معنى {ما}، ولو لم تعلم امرأة عمران الناذرة به أنه أنثى، لأن قوله {وَضَعَتْهَا} من كلام الله تعالى، وهو قد علمه أنثى. {قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى}: حال من ضمير النصب المذكور فى {وَضَعَتْهَا}، وإنما جاز ذلك مع أنه بمنزلة: وضعت امرأة عمران الأنثى أنثى، لأن كل ضمير وقع بين اسمين مذكر ومؤنث وهما عبارتان عن مدلول واحد يجوز فيه التذكير والتأنيث، فضمير النصب فى وضعتها واقع بين ما، وهو مذكر اللفظ وفرض الكلام أن يؤتى له بحال مؤنث، وهو لفظ أنثى، فاعتبر هذا الحال المؤنث، فقيل: وضعتها، ولو اعتبر لفظ {ما}، لقيل: رب إنى وضعته أنثى، لكن هذا يضعفه مراعاة المعنى فى قوله {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا}، ثم إنه تجىء الحال مؤكدة لصاحبها، كما تجىء مؤكدة لعاملها، ولك أن تقول: أنث الضمير المنصوب فى وضعتها فى الموضعين لتأويل ما فى بطنها بالمؤنث الذى يستعمل فى الذكر، والأنثى كالنفس والنسمة والحبلى فلا إشكال حينئذ فى قوله {أُنْثَى}، لأن النفس ونحوه، يقع على الذكر والأنثى فبين الأنوثة بقوله {أُنْثَى}. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ}: أنه أنثى، لأنه لا يخفى عليه شىء، ولكن قالت {رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى} تحسراً عما فاتها من كونه ذكراً، يصلح لخدمة بيت المقدس، كما نذرت بخدمته، فقولها {إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى} مجاز مركب غير استعارة، إذ حقيقته أن يخبر به من يجهل ما وضعت، أو تخبر به من يجهل أنها عالمة بما وضعت، وقال الله تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تعظيما لما ولدت، أى: وضعت ولداً عظيما هى جاهلة لعظمه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بإسكان العين وضم التاء إلى أنه من كلامها، تسلية، تكلمت به تسلية لنفسها أى: ولعل الله قد علم الخيرة فى الأنثى التى ولدتها. وقرىء بإسكان العين كسر التاء، خطابا من الله تعالى لها، وهو قراءة ابن عباس رضى الله عنهما. {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثَى}: إما من كلامه تعالى، وإما من كلامها من جملة تحسرها، أى: وليس الذكر الذى طلبت، كالأنثى التى وهبت لى وفى الكلام قلب، أى: ليس الأنثى كالذكر، لأنها تحيض، ولا تباشر الرجال، وهى ضعيفة ولا تصلح لخدمة بيت المقدس، ويجوز أن يكون المعنى: ليس الذكر الذى طلبت لنذرى كالأنثى، و"أل" فيهما للحقيقة ويجوز أن يكون للعهد، أى: ليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وهبت لى بل هى أفضل منه، لأنه من خدمة المسجد، وهذه الأنثى موهوبة لله تعالى وهذا على أنه من كلام الله ظاهر، وكذا على أنه من كلامها. {وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}: ومعناه بلغتهم العابدة، وأرادت بهذه التسمية أن يفضلها الله على أناث الدنيا، وفاطمة رضى الله عنها مثلها، أو أفضل منها، وعائشة أفضل منها ولعل عمران مات، أو غاب حين ولدتها، لأن العادة فى التسمية أن يتولاها الأب، وإذا جعلنا قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثَى} من كلام الله تعالى، كان معترضاً بين العاطف والمعطوف عليهِ، وإن قوله: {وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} عطف على قوله: {إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى}، ولما فاتها أن يكون ما فى بطنها ذكراً يصلح لخدمة المسجد، تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان، وأن يجعلها من الصالحات، كما قال الله تعالى: {وِإِنِّى}: وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. {أُعِيذُهَا بِكَ}: أى أجيرها. {وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}: المرجوم بالشهب، كما يرجم الشىء بالحجارة، أو المتعبد من رحمة الله تعالى اعتصمت بالله تعالى، أن يمنعها من الشيطان الرجيم، أن يضرها فى بدنها أو دينها، قال أبو هريرة رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل ابن آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بأصبعيه حين يولد، غير عيسى بن مريم، ذهب ليطعن فطعن فى الحجاب"تفسير : وكذا مريم. وقد ذكرت رواية أخرى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من بنى آدم مولود، إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من نخسه إياه، إلا مريم وابنها"تفسير : . قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}. وروى هذا الكلام مرفوعاً أيضاً إليه صلى الله عليه وسلم فى وراية عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : هكذا كل مولود من بنى آدم له طعنة من الشيطان، وبها يستهل الصبى، إلا ما كان من مريم بنت عمران وابنها، فإن أمها قالت حين وضعتها: وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان فى الحجاب"تفسير : . وظاهر الأحاديث أن الطعن حقيق سلط عليه الشيطان، وقال الزمخشرى: إن صح الحديث، فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان فى إغوائه، إلا مريم وابنها، فإنهما معصومان، وكذا كل من كان فى صفتهما، كقوله تعالى {إلاَّ عِبَادَك مِنهم المُخْلَصين} واستهلاله صارخاً من نخسه تخييل وتصوير لطعمهِ فيه، ونحو من النخييل قول ابن الرومى: شعر : لما تؤذن الدنيا بهِ من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد تفسير : وبعد هذا: شعر : وإلا فما يبكيه منها وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد تفسير : قال: وأما حديث المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو، فكلا ولو سلط إبليس على الناس بنخسهم، لامتلأت الدنيا صراخاً من نخسه.. قلت: لعلهُ سلط الشيطان على نخس المولود نخساً محصوصاً مرة واحدة وظاهره أن الشيطان الناخس إبليس، والظاهر أنهُ الخنس من الشياطين، ولعله أراد بأمره لعنهُ الله، وكذا إرادة امرأة عمران الجنس أو إبليس، لأنهُ الآمر بذلك، وعن فاطمة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادتها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش، أن يأتيانها فتقرأ عندها آية الكرسى {أية : وإن ربكم.. }تفسير : الآية، ونعوذاها بالمعوذتين، يعنى ولادة فاطمة إذ ولدت الحسن والله أعلم. وفى الآية التسمية بالاسم الحسن، وكذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم"تفسير : . وعن ابن عمر عنهُ صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : أحب أسمائكم إلى الله عز وجل: عبد الله، وعبد الرحمن"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها: الحارث وهمام وأقبحها: حرب ومرة"تفسير : . وفى الآية الدعاء للولد عند الولادة، وكذا مر ذكره ما يقرأ عند الولادة، وفيها تسمية الولد عند الولادة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولد لى الليلة مولود فسميته باسم أبى إبراهيم ".

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أى وضعت ما فى بطنها، ولفظ ما مذكر، وأنثه لأن هذا من كلام الله، وهو عالم بأن ما فى بطنها أنثى، فراعى جانب المعنى، وليس نفى بعض لهذا الوجه صحيحاً، ويجوز أن يكون التأنيث باعتبار ما بعد ولادتها، ويناسب التأنيث وضوحه فى الجواب، كما يؤنث المبتدأ لتأنيث الخبر ولو كان ضمير المذكر، وحاصل ذلك كله أنه أنث باعتبار الواقع {قَالَتْ رَبِّ} يا رب {إنِّى وَضَعْتُهَا} أى وضعته، أى وضعت ما فى بطنى، وأنت لما ذكرت ولاعبتار الحال، وهو كالخبر، وهو قوله {أُنثَى} لقاعدة، أن كل ضمير وقع بين اسمين، مذكر ومؤنث مدلولهما واحد، يجوز تذكيره وتأنيثه، لا باعتبار كون المتكلم عالما بالأنوثة، فضلا عن أن يلزم كون أنثى حالا عنه لغوا، أو التأنيث فى الموضعين باعتبار أن ما فى بطنها نفس،أو حبلة، وأن النفس أو الحبلة ولو مؤنثين يطلقان على الذكر والأنثى، فبين الأنوثة بقوله أنثى،و هو حال من ها، ويجوز أن يكون بدلا منهما {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بأنوثة ما وضعت، ولكن ذكرت إنى وضعتها أنثى تحسرا على عدم الذكر الذى قصدت لخدمة بيت المقدس، واستجلابا للقبول بخضوع فلذا جوزيت بالقبول، وأن هذا الأنثى كالذكر، والكلام المنحصر فى الفائدة أو لازمها إنما هو الخبر، وهذا إنشاء، والإنشاء لا يكون معناه الفائدة ولا لازمها {وَلَيْسَ الَّذكَرُ كَالأُنثَى} هذا من كلام الله، لا من كلامها، معترض فى كلامها، أى ليس الذكر المعهود الذى طلبت كالأنثى المعهودة التى أعطيت، بل الأنثى التى أعطيت أفضل لمزايا يضعها الله تعالى فيها، وإن كانت لا تصلح لخدمة البيت، ويجوز أن يكون من باب القلب، أى ليس مطلق الأنثى أو هذه الأنثى الموضوعة كمطلق الذكر المطلوب إذ لا تصلح لخدمة البيت، فقلب ليفيد نكتة، هى إيهام التعبير الأول من أن بعض أفراد النساء لكمالها أفضل، أو جعل بالنسبة إليها مشبها، ويجوز أن يكون من كلامها على القلب تضرعا منها، فقلبه الله عنها لنكتة، أو على معنى أن مراد الله أفضل من مرادى تعظما لعطيته تعالى، ويجوز أن يكون بلا قلب من كلام الله أو كلامها على أنه لا يشبه الذكر بالأنثى، لأنه أفضل، وليسا سواء {وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} تقربا إلى الله عز وجل لعصمتها، وأن تكون من العابدات، فإن مريم فى لغتهم العابدة الخادمة لله عز وجل ولو لم تصلح لخدمة البيت، لأنها ولو خدمت، لكن يقطعها الحيض، وذلك بقاء على نية الخير وقصده بما فى بطنها ولا يخفى أن التسمية باسم العبادة لله إذا كان لحب الله، وعبادته تقربٌ ناشىء عن القلب، وقيل، مريم معرب مارية، بمعنى جارية فى لغتهم، والتسمية قبل السابع جائزة كما فى الآية {وَإِنِّى أُعِيذُهَا} أمنعها {بِكَ} يا رب {وَذُرِّيَّتَهَا} وقدمت بك لمزيد اعتنائها بمريم {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أى المرجوم، أى المطرود، وذلك استعارة على الصحيح، وقيل الرجم بمعنى الطرد حقيقة، ولا يدل لذلك كلام القاموس، لأنه يذكر المجاز فى معانى الكلمات، مثل أن يقول، الأسد السبع والشجاع، واستجاب الله سبحانه دعاءها، كما قال البخاري ومسلم عن أبي هريرة: كل ابن آدم يطعنه الشيطان فى جنبيه بإصبعيه حين يولد غير ابن مريم فإنه ذهب ليطعن فطعن فى الحجاب، أى المشيمة، وقيل، حجاب من الملائكة مما يلى الأرض، وقد يبس عن ظاهرها لدوران الملائكة عليه، وذلك منها يتضمن الدعاء بحياتها حتى تلد.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } الضمير ـ لما ـ ولما علم المتكلم أن مدلولها مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكراً، وأما التأنيث في قوله تعالى: {قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } فليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة، و {أُنثَىٰ } حال بمنزلة الخبر فأنث العائد إلى (ما) نظراً إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو أو باعتبار التأويل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث ـ كالنفس، والحبلة، والنسمة ـ فلا يشكل التأنيث ولا يلغو {أُنثَىٰ } بل هي حالة مبينة ـ كذا قيل ـ ولا يخلو عن نظر، فالحق أن الضمير لما ـ في بطني ـ والتأنيث في الأول لما أن المقام يستدعي ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب (لما) لا على وضع ولد مّا، والتأنيث في الثاني للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء وانقطاع حبل الأمل، و {أُنثَىٰ } حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه، وليس الغرض من هذا الكلام الإخبار لأنه إما للفائدة أو للازمها، وعلم الله تعالى محيط بهما بل لمجرد التجسر والتحزن، وقد قال الإمام المرزوقي: إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى الإخبار كما في قوله:شعر : قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت (يصيبني سهمي) تفسير : فإن هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار، وحاصل المعنى هنا على ما قرر ـ فلما وضعت بنتاً تحسرت إلى مولاها وتفجعت إذ خاب منها رجاها ـ وعلى هذا لا إشكال أصلاً في التأنيث ولا في الجزاء نفسه، ولا في ترتبه على الشرط، وما قيل: إنه يحتمل أن يكون فائدة هذا الكلام ـ التحقير للمحرر استجلاباً للقبول لأنه من تواضع لله تعالى رفعه الله سبحانه ـ فمستحقر من القول بالنسبة إلى ما ذكرنا؛ والتأكيد هنا قيل: للرد على اعتقادها الباطل وربما أنه يعود إلى الاعتناء والمبالغة في التحسر الذي قصدته والرمز إلى أنه صادر عن قلب كسير وفؤاد/ بقيود الحرمان أسير. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره ـ أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات، وهي غافلة عن ذلك كله، و (ما) على هذه عبارة عن الموضوعة، قيل: والاتيان بها دون ـ من ـ يلائم التجهيل فإنها كثيراً ما يؤتى بها لما يجهل به وجعلها عبارة عن الواضعة أي والله تعالى أعلم بشأن أم مريم حين تحسرها وتحزنها من توهم خيبة رجاها وأنها ليست من الولي إلى الله تعالى في شيء إذ لها مرتبة عظمى وتحريرها تحرير لا يوجد منه ـ مما لا وجه له وجزالة النظم تأباه. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {بِمَا وَضَعَتْ } على خطاب الله تعالى لها، والمراد به تعظيم شأن الموضوع أيضاً أي إنك لا تعلمين قدر ما وضعته وما أودع الله تعالى فيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب {بِمَا وَضَعْتُ } على أنه من كلامها قالته اعتذاراً إلى الله تعالى حيث وضعت مولوداً لا يصلح للغرض، أو تسلية لنفسها أي ولعل لله تعالى في ذلك سراً وحكمة ـ ولعل هذه الأنثى خير من الذكر فالجملة حينئذ لنفي العلم لا للتجهيل لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال ولا يقف على ما في خلاله من الأسرار، وحمل قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على هذا المعنى بجعل الخطاب منها لنفسها في غاية البعد، ووضع الظاهر موضع ضمير المخاطب إظهاراً لغاية الإجلال. {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } اعتراض آخر مبين لما اشتمل عليه الأول من التعظيم وليس بياناً لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف. واللام في الذكر والأنثى للعهد، أما التي في الأنثى فلسبق ذكرها صريحاً في قوله سبحانه حكاية: {إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } وأما التي في الذكر فلقولها: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ} تفسير : [آل عمران: 35] الخ إذ هو الذي طلبته والتحرير لا يكون إلا للذكر وسمي هذا العهد التقديري ـ وهو غير الذهني لأن قولها: {أية : مَا فِي بَطْنِي}تفسير : [آل عمران: 35] صالح للصنفين، وقولها: {أية : مُحَرَّرًا} تفسير : [آل عمران: 35] تمن لأن يكون ذكراً فأشير إلى ما في البطن حسب رجائها، وجوز أن تكون الجملة من قولها فيكون مرادها نفي مماثلة الذكر للأنثى، فاللام للجنس ـ كما هو الظاهر ـ لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل إن المراد أن هذا الجنس ليس كهذا الجنس، وأورد عليه أن قياس كون ذلك من قولها أن يكون وليست الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر والعادة في مثله أن ينفى عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وأجيب بأنه جار على ما هو العادة في مثله أيضاً لأن مراد أمّ مريم ليس تفضيل الذكر على الأنثى بل العكس تعظيماً لعطية الله تعالى على مطلوبها أي وليس الذكر الذي هو مطلوبـي كالأنثى التي وهبها الله تعالى لي علماً منها بأن ما يفعله الرب خير مما يريده العبد ـ وفيه نظر ـ أما أولاً: فلأن اللام في الذكر والأنثى على هذا يكون للعهد وهو خلاف الظاهر الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وأما ثانياً: فلأنه ينافي التحسر والتحزن المستفاد من قولها: {رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } فإن تحزنها ذلك إنما هو لترجيحها الذكر على الأنثى، والمفهوم من هذا الجواب ترجيحها الأنثى على الذكر اللهم إلا أن يحمل قولها ذلك على تسلية نفسها بعد ما تحزنت على هبة الأنثى بدل الذكر الذي كانت طلبته إلا أنه تبقى مخالفة الظاهر على ما هي، فالأولى في الجواب عدم الخروج عما هو الظاهر والبحث فيما اقتضته العادة فقد قال في «الانتصاف» بعد نقل الإيراد وذكر القاعدة: وقد وجدت الأمر في ذلك مختلفاً فلم يثبت لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [الأحزاب: 32] فنفى عن الكامل شبه الناقص لأن الكمال لأزواج النبـي صلى الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء ـ وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ـ ومنه أيضاً {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } تفسير : [النحل: 17] انتهى. / وتمام الكلام في هذا المقام ما ذكره بعض المحققين أنه إذا دخل نفي بلا أو غيرها، أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه، أو ببعضها احتمل معنيين تفضيل المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى ـ كقولك ليس زيد كحاتم في الجود ـ ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ـ ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك ـ وقوله:شعر : طرف الخيال ولا كليلة مدلج تفسير : ووقع في «شروح المقامات» وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وأن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري في قوله:شعر : غدوت ولا اغتداء الغراب تفسير : وعِيب قول صاحب «التلويح» في خطبته: نال حظاً من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار، ومبنى الاعتراض على هذا، ولعله ليس بلازم كما أشار إليه صاحب «الانتصاف» بما أورد من الآيات، ومما أورده الثعالبـي من خلافه أيضاً في كتابه «المنتخب» ـ فلان حسن ولا القمر، وجواد ولا المطر ـ على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أن ما ورد في النفي بلا المعترضة بين الطرفين لا في كل نفي انتهى. ـ وهو كما قال: من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها ـ. وقوله تعالى: {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } عطف على {إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } المنصوبة المحل على المفعولية للقول ـ وما بينهما كما علمت ـ اعتراض بجملتين غير محكيتين الثانية من تتمة الأولى معنى على ما بين ولهذا أجراه البعض مجرى الاعتراض في الاعتراض فجعله نظير قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }تفسير : [الواقعة: 76]. واعترض بأنه كيف يجوز الاعتراض بين كلامي أم مريم وكلام متكلم لا يجوز أن يكون معترضاً بين كلامي متكلم آخر، وأجيب بأن كلام أم مريم من كلام الله تعالى نقلاً عن أم مريم ولا بعد في أن يكون كلامه تعالى اعتراضاً بين كلاميها اللذين هما من كلام الله تعالى نقلاً عنها، هذا على تقدير أن لا تكون تانك الجملتان من كلام أم مريم أما إذا كانتا من كلامها بناءاً على ما سبق من القراءة والاحتمال فلا اعتراض. قيل: والغرض من عرض التسمية على علام الغيوب التقرب إليه تعالى واستدعاء العصمة لها فإن مريم في لغتهم بمعنى العابدة ـ ولا يخفى بعده ـ إذ مجرد ذكر تسميتها مريم لا يكاد يكون مقرباً لها إليه تعالى لأن التقرب إليه تعالى إنما يكون بسبب العبادة ـ ومجرد عرض التسمية ليس بعبادة ـ فكيف يكون مقرباً اللهم إلا أن يقال: إن التقرب إلى الله تعالى بحبها للعبادة الذي أشعر به تسميتها بنتها عابدة، أو اعتقاد أن الله تعالى مستعاذ يجير من يستعيذ به عما يخافه. واعترض بأن هذا لا يدفع الشبهة بل هي باقية أيضاً لأن المقرب حينئذٍ ما في القلب من الحب والاعتقاد لا عرض ذلك على من لا تخفى عليه خافية، والأولى أن يقال: إن الغرض من ذلك إظهار أنها غير راجعة عن نيتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها وإن لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه واستقلالها بالتسمية لكون أبيها قد مات وأمها حامل بها فتقديم المسند إليه للتخصيص يعني التسمية مني لا يشاركني فيها أبوها، قيل: وفي ذلك تعريض بيتمها استعطافاً له تعالى وجعلاً ليتمها شفيعاً لها، والقول بأن فائدة عرض تسميتها التحسر والتحزن أيضاً أي إني سميتها لا أبوها لعدم احتفاله بها والتفاته إليها لكراهة الرجال في الغالب البنات فمع أنه خلاف ما دل عليه أكثر الآثار ونطق به غالب الأخبار من موت أبيها وهي حمل يجر إلى ما ينبغي أن تنزه عنه ساحة الرجل الصالح عمران كما لا يخفى. وقد تقدم الكلام في مريم وزناً ومعنى، وقد اختار بعض المتأخرين أنها معربة مارية بمعنى ـ جارية ـ ويقرب أن يكون القول المعول عليه، واستدل بالآية على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة لا يوم السابع لأن الظاهر أنها إنما قالت ذلك بإثر الوضع، واستدل بتغاير المفعولين على/ تغاير الاسم والمسمى، وقد تقدم البحث فيه. {وَإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ } عطف على {إِنّى سَمَّيْتُهَا } وأتى هنا بخبر إن فعلاً مضارعاً دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها وهذا بخلاف (وضعتها، وسميتها) حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما وقدم المعاذ به على المعطوف الآتي اهتماماً به، ومعنى {أُعِيذُهَا بِكَ } أمنعها وأجيرها بحفظك، وأصل العوذ كما قال الراغب: الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال: عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه أخذت العوذة وهي التميمة والرقية؛ وقرأ أبو جعفر ـ ونافع ـ إٍنِّيَ ـ بفتح ياء المتكلم وكذا في سائر المواضع التي بعد الياء ألف مضمومة إلا في موضعين {أية : بِعَهْدِى أُوفِ} تفسير : [البقرة: 40] و {أية : ءاتُونِى أُفْرِغْ }تفسير : [الكهف: 96]. و{ذُرِّيَّتَهَا} عطف على الضمير المنصوب، وفي التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها رمز إلى طلب بقائها حية حتى تكبر، وطلب للتناسل منها هذا إذا أريد بالإعاذة {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } أي المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة - الحفظ من إغوائه الموقع في الخطايا لأنه إنما يكون بعد البلوغ إذ لا تكليف قبله، وأما إذا أريد منها الحفظ منه مطلقاً فيفهم طلب الأمرين من الأمر الأخير، ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه صارخاً إلا مريم وابنها» تفسير : وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينها حجاب وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب، وفي رواية إسحاق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بإصبعه ولهذا يستهل إلا ما كان من مريم وابنها فإنه لم يصل إبليس إليهما» تفسير : . وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبر واحد على خلاف الدليل، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز ولأنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضاً لم خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء؟ وأنه لو وجد المس أو النخس لدام أثره وليس فليس، والزمخشري زعم أن المعنى على تقدير الصحة أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [ص: 82-83] واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي:شعر : لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد تفسير : وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه انتهى. ولا يخفى أن الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مدون في «الصحاح» والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام فليتلق بالقبول، والتخييل الذي ركن إليه الزمخشري ليس بشيء لأن المس باليد ربما يصلح لذلك أما الاستهلال صارخاً فلا على أن أكثر الروايات لا يجري فيها مثل ذلك، وقوله: لامتلأت الدنيا عياطاً قلنا: هي مليئة فما من مولود إلا يصرخ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الأوقات كيف وفي «الصحيح»: «حديث : لولا أن الملائكة يحفظونكم لاحتوشتكم الشياطين كما يحتوش الذباب العسل» تفسير : وفي رواية «لاختطفتكم الجن» وفسر قوله تعالى: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ } تفسير : [الرعد: 11] في أحد الوجوه به، وبهذا يندفع أيضاً قول القاضي/ من أنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين وبقاء الأثر بل وحصوله أيضاً ليس أمراً ضرورياً للمس ولا للنخس والحصر باعتبار الأغلب والاقتصار على عيسى عليه السلام وأمه إيذاناً باستجابة دعاء امرأة عمران على أتم وجه ليتوجه أرباب الحاج إلى الله تعالى بشراشرهم، أو يقدر له ما يخصصه، وعلى التقديرين يخرج النبـي صلى الله عليه وسلم من العموم فلا يلزم تفضيل عيسى عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه، وقد قال به جمع ويشهد له ما روى الجلال في «البهجة السنية» عن عكرمة قال: لما ولد النبـي صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نوراً فقال إبليس: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده: لو ذهبت إليه فجاءه فركضه جبريل عليه السلام فوقع بعدن، وهذا أولى من إبقاء العام على عمومه، والقول بأنه لا يبعد اختصاص عيسى وأمه بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم السلام ولا يلزم منه تفضيله عليهم عليهم السلام إذ قد يوجد في الفاضل ما لا يوجد في الأفضل، وعلى كلا الأمرين الفاضل والمفضول لا إشكال في الاخبار من تلك الحيثية، نعم قد يشكل على ظاهرها أن إعاذة أم مريم كانت بعد الوضع فلا يصح حملها على الإعاذة من المسِّ الذي يكون حين الولادة، وأجيب بأن المس ليس إلا بالانفصال وهو الوضع ومعه الإعاذة، غايته أنه عبر عنه بالمضارع كما أشرنا إليه لقصد الاستمرار فليتأمل، والعجب من بعض أهل السنة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل إلى ترهات الفلاسفة مع أن إبقاءها على ظاهرها مما لا يرنق لهم شرباً ولا يضيق عليهم سرباً، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} (36) - فَلَمَّا وَضَعَتِ امْرَأةُ عِمْرَانَ حَمْلَها، وَرَأتْ أنَّهُ أُنثَى، تَحَسَّرَتْ عَلَى مَا رَأتْ مِنْ خَيْبَةِ رَجَائِها، فَإنَّهَا نَذَرَتْ أنْ تُحَرِّرَ مَا فِي بَطْنِهَا لِخِدْمَةِ المَعْبَدِ، وَالانْقِطَاعِ لِلعِبادَةِ، وَالأنْثَى لاَ تُصْلُحُ لِذَلِكَ. وَقَالَتْ رَبِّ إنّي وَضَعْتُها أنْثَى، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَكَانَةِ الأنثَى التِي وَضَعتَها، وَأنَّها خَيْرٌ مِنَ الذُّكُورِ. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى فِي القُوَّةِ وَالجَلدِ فِي العِبَادَةِ، وَفِي احْتِمَالِ خِدْمَةِ المَعْبَدِ، وَقَالَتْ إني سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وَإني عَوَّذْتُها بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. أعِيذُهَا بِكَ - أَجْعَلُها فِي حِفْظِكَ وَرِعَايَتِكَ، وَعَاذَ فُلاَنٌ بِفُلانٍ إذا اسْتَجَارَ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد جاء هذا القول منها، لأنها كانت قد قالت إنها نذرت ما في بطنها محرراً لخدمة البيت، وقولها: "محرراً" تعني أنها أرادت ذكراً لخدمة البيت، لكن المولود جاء أنثى. فكأنها قد قالت: ان لم أُمَكّنْ من الوفاء بالنذر، فلأن قدرك سبق، لقد جاءت المولودة أنثى. لكن الحق يقول بعد ذلك: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36]. وهذا يعني أنها لا تريد إخبار الله، ولكنها تريد أن تظهر التحسر، لأن الغاية من نذرها لم تتحقق وبعد ذلك يقول الحق: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]. فهل هذا من كلامها، أم من كلام الله؟ قد قالت: {إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} [آل عمران: 36] وقال الله: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]. إن الحق يقول لها: لا تظني أن الذكر الذي كنت تتمنينه سيصل إلى مرتبة هذه الأنثى، إن هذه الأنثى لها شأن عظيم. أو أن القول من تمام كلامها: {إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ} [آل عمران: 36] ويكون قول الحق: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] هو جملة اعتراضية ويكون تمام كلامها {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]. أي أنها قالت: يا رب إن الذكر ليس كالأنثى، إنها لا تصلح لخدمة البيت. وليأخذ المؤمن المعنى الذي يحبه، وسنجد أن المعنى الأول فيه إشراق أكثر، إنه تصور أن الحق قد قال: أنت تريدين ذكراً بمفهومك في الوفاء بالنذر، وليكون في خدمة البيت، ولقد وهبت لك المولود أنثى، ولكني سأعطي فيها آية أكبر من خدمة البيت، وأنا أريد بالآية التي سأعطيها لهذه الأنثى مساندة عقائد، لا مجرد خدمة رقعة تقام فيها شعائر. إنني سأجعل من هذه الآية مواصلة لمسيرة العقائد في الدنيا إلى أن تقوم الساعة. ولأنني أنا الخالق، سأوجد في هذه الأنثى آية لا توجد في غيرها، وهي آية تثبت طلاقة قدرة الحق، ولقد قلت من قبل: إن طلاقة القدرة تختلف عن القدرة العادية، إن القدرة تخلق بأسباب، ولكن من أين الأسباب؟ إن الحق هو خالق الأسباب أيضاً. إذن فما دام الخالق للأسباب أراد خلقاً بالأسباب فهذه إرادته. ولذلك أعطانا الحق القدرة على رؤية طلاقة قدرته؛ لأنها عقائد إيمانية، يجب أن تظل في بؤرة الشعور الإيماني، وعلى بال المؤمن دائماً. لقد خلق الله بعضاً من الخلق بالأسباب كما خلقنا نحن، وجمهرة الخلق عن طريق التناسل بين أب وأم، أما خلق الحق لآدم عليه السلام فقد خلقه بلا أسباب. ونحن نعلم أن الشيء الدائر بين اثنين له قسمة عقلية ومنطقية، فما دام هناك أب وأم، ذكر وأنثى، فسيجيء منهما تكاثر .. إن الحق يقول: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الذاريات: 49]. وعندما يجتمع الزوجان، فهذه هي الصورة الكاملة، وهذه الأولى في القسمة المنطقية والتصور العقلي، وإما أن ينعدم الزوجان فهذه هي الثانية في القسمة المنطقية والتصور العقلي. أو أن ينعدم الزوج الأول ويبقى الطرف الثاني، وهذه هي الثالثة في القسمة المنطقية والتصور العقلي، أو أن ينعدم الزوج الثاني ويبقى الطرف الأول، وهذه هي الرابعة في القسمة المنطقية والتصور العقلي. تلك إذن أربعة تصورات للقسمة العقلية. وجميعنا جاء من اجتماع العنصرين، الرجل والمرأة. أما آدم فقد خلقه الله بطلاقة قدرته ليكون السبب. وكذلك تم خلق حواء من آدم. وأخرج الحق من لقاء آدم وحواء نسلاً. وهناك أنثى وهي مريم ويأتي منها المسيح عيسى ابن مريم بلا ذكر. وهذه هي الآية في العالمين، وتثبت قمة عقدية. فلا يقولن أحد: ذكراً، أو أنثى، لأن نية امرأة عمران في الطاعة أن يكون المولود ذكراً، وشاء قدر ربكم أن يكون أسمى من تقدير امرأة عمران في الطاعة، لذلك قال: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]. أي أن الذكر لن يصل إلى مرتبة هذه الأنثى. وقالت امرأة عمران: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. إن امرأة عمران قالت ما يدل على شعورها، فحينما فات المولودة بأنوثتها أن تكون في خدمة بيت الله فقد تمنت امرأة عمران أن تكون المولودة طائعة، عابدة، فسمتها "مريم" لأن مريم في لغتهم - كما قلنا - معناها "العابدة". وأول ما يعترض العبودية هو الشيطان. إنه هو الذي يجعل الإنسان يتمرد على العبودية. إن الإنسان يريد أن يصير عابداً، فيجيء الشيطان ليزين له المعصية. وأرادت إمرأة عمران أن تحمي ابنتها من نزغ الشيطان لأنها عرفت بتجربتها أن المعاصي كلها تأتي من نزغ الشيطان، وقد سمتها "مريم" حتى تصبح "عابدة لله"، ولأن إمرأة عمران كانت تمتلك عقلية إيمانية حاضرة وتحمل المنهج التعبدي كله لذلك قالت: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. إن المستعاذ به هو الله، والمستعاذ منه هو الشيطان، وحينما يدخل الشيطان مع خلق الله في تزيين المعاصي، فهو يدخل مع المخلوق في عراك، ولكن الشيطان لا يستطيع أن يدخل مع ربه في عراك، ولذلك يقال عن الشيطان إنه إذا سمع ذكر الله فإنه يخنس أي يتراجع، ووصفه القرآن الكريم بأنها "الخنَّاس"، إن الشيطان إنما ينفرد بالإنسان حين يكون الإنسان بعيداً عن الله، ولذلك فالحق يُعَلِّمُ الإنسان: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [الأعراف: 200]. إن الشيطان يرتعد فرقاً ورعشة من الاستعاذة بالله. وعندما يتكرر ارتعاد الشيطان بهذه الكلمة؛ فإنه يعرف أن هذا الإنسان العابد لن يحيد عن طاعة الله إلى المعاصي. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجيء الرجل امرأته، ومجيء الأهل هو مظنة لمولود قد يجيء، فيقول العبد: "اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني" (من دعاء رسول الله). إن من يقول هذا القول قبل أن يحدث التخلق "فلن يكون للشيطان ولاية أو قدرة على المولود الذي يأتي بإذن الله". ولذلك قالت إمرأة عمران: {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. والذرية قد يفهمها الناس على أنها النسل المتكاثر، ولكن كلمة "ذرية" تطلق على الواحد وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة أو أكثر. والذرية هنا بالنسبة لمريم عليها السلام هي عيسى عليه السلام، وتنتهي المسألة. وبعد دعاء إمرأة عمران {وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] يجيء القول الحق: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 142 : 6 : 39 - سفين عن الأعمش عن عمارة بن عمير ان يحيى بن وثاب سأل الأسود عن قول الله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} فقرأها الاسود {بِمَا وَضَعَتْ}. [الآية 26].