Verse. 330 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَتَقَبَّلَہَا رَبُّہَا بِقَبُوْلٍ حَسَنٍ وَّاَنْۢبَتَہَا نَبَاتًا حَسَـنًا۝۰ۙ وَّكَفَّلَہَا زَكَرِيَّا۝۰ۭۚ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْہَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ۝۰ۙ وَجَدَ عِنْدَھَا رِزْقًا۝۰ۚ قَالَ يٰمَرْيَـمُ اَنّٰى لَكِ ھٰذَا۝۰ۭ قَالَتْ ھُوَمِنْ عِنْدِ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يَرْزُقُ مَنْ يَّشَاۗءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ۝۳۷
Fataqabbalaha rabbuha biqaboolin hasanin waanbataha nabatan hasanan wakaffalaha zakariyya kullama dakhala AAalayha zakariyya almihraba wajada AAindaha rizqan qala ya maryamu anna laki hatha qalat huwa min AAindi Allahi inna Allaha yarzuqu man yashao bighayri hisabin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فتقبلها ربها» أي قبل مريم من أمها «بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا» أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وآتت بها أمها الأحبار سدنة بيت المقدس فقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها أنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى «وَكَفَلَهَا زَكَريَّاُ» ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا والفاعل الله «كلما دخل عليها زكريا المحراب» الغرفة وهي أشرف المجالس «وجد عندها رزقا قال يا مريم أنَّى» من أين «لك هذا قالت» وهي صغيرة «هو من عند الله» يأتيني به من الجنة «إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» رزقا واسعا بلا تبعة.

37

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} المعنى: سلك بها طريق السعداء؛ عن ٱبن عباس. وقال قوم: معنى التّقبّل التكفّل في التربية والقيامُ بشأنها. وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عذّبها ساعةً قطُّ من ليل ولا نهار. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقَبُّلاً وإنباتاً. قال الشاعر:شعر : أكُفْراً بعد ردّ الموت عنِّي وبعدَ عطائكَ المائةَ الرِّتاعا تفسير : أراد بعد إعطائك، لكن لما قال «أنبتها» دل على نَبَت؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : فصِرْنا إلى الحسنى ورَقّ كلامُنا ورُضْتُ فذلّت صعبةً أيّ إذلالِ تفسير : وإنما مصدر ذَلّتْ ذُلٌّ، ولكنه ردّه على معنى أذْلَلتْ؛ وكذلك كل ما يَرِد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبّل وقَبِل واحد، فالمعنى فقَبِلها ربُّها بقبول حَسَن. ونظيره قولُ رُؤْبة:شعر : وقـد تَطَوّيْـتُ ٱنطـواءَ الحِضْـبِ تفسير : (الأفعى) لأن معنى تَطَوّيتُ وٱنطويت واحد؛ ومثله قول القَطامِيّ:شعر : وخير الأمر ما ٱستقبلت منه وليس بأن تَتَبّعَه اتباعا لتفسير : لأن تَتَبعت وٱتّبعت واحد. وفي قراءة ٱبن مسعود «وأَنْزل الملائكةَ تَنْزيلاً» لأن معنى نزّل وأنزل واحد. وقال المُفَضّل: معناه وأنبتها فنبتتْ نَباتاً حَسَناً. ومراعاة المعنى أوْلى كما ذكرنا. والأصل في القبول الضم؛ لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة؛ مثل الوَلوع والوَزوع؛ هذه الثلاثة لا غيرُ؛ قاله أبو عمرو والكسائي والأئمة. وأجاز الزجاج «بقُبُول» بضم القاف على الأصل. قوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي ضَمها إليه. أبو عبيدة: ضِمن القيام بها. وقرأ الكوفيون «وكفّلها» بالتشديد، فهو يتعدّى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفّلها ربُّها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدّر ذلك عليه ويَسّره له. وفي مصحف أُبَيّ «وأكفلها» والهمزة كالتشديد في التعدّي؛ وأيضاً فإن قَبْله «فتقبلها، وأنبتها» فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء «كفّلها» بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولّى كفالتها والقيامَ بها؛ بدلالة قوله: {أية : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} تفسير : [آل عمران: 440]. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفّلها زكريا كفَلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كَثِير وأبي عبد الله المُزَنِي «وكَفِلها» بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذُكِرت. وقرأ مجاهد «فتقبّلْها» بإسكان اللام على المسألة والطلب. «رَبّها» بالنصب نداء مضاف. «وأنبتْها» بإسكان التاء «وكفلْها» بإسكان اللام «زكرياء» بالمدّ والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مد ولا همز، ومدّه الباقون وَهَمزوه. وقال الفَرّاء: أهل الحجاز يمدّون «زكرياء» ويُقْصرونه، وأهل نَجْد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريٌّ. قال الأخفش: فيه أربع لغات: المد والقصر، وزكرِيٌّ بتشديد الياء والصرف، وزكَرٍ ورأيت زكرِيا. قال أبو حاتم: زكري بلا صرف لأنه أعجميّ وهذا غلط؛ لأن ما كان فيه «يا» مثل هذا ٱنصرف مثل كرسيّ ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف. فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} المِحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد بيان في سورة «مريم» وجاء في الخبر: إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعَد إليها بُسلّم. قال وَضّاح اليمين:شعر : رَبَّةُ مِحـرابٍ إذا جئتُها لم أَلْقَها حتى ٱرتَقِي سُلّمَا تفسير : أي رَبّة غرفة. روى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: حملت ٱمرأة عمران بعد ما أسنّت فنذرت ما في بطنها محرّرا فقال لها عمران: ويحِك! ما صنعت؟ أرأيت إن كانت أنثى؟ فاغتما لذلك جميعا. فهلك عِمران وحَنّة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حَسَن، وكان لا يُحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي، على ما يأتي. فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنّت جعل لها مِحرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم؛ وٱستأجر لها ظِئرًا وكان يُغِلق عليها باباً، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها ٱمرأة زكريا في قول الكَلْبي. قال مُقاتِل: كانت أختها ٱمرأة زكريا، وكانت إذا طهرت من حيضتها وآغتسلت ردّها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لاتحيض وكانت مطهَّرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القَيْظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال: يا مريم أنَّى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله. فعند ذلك طمِع زكريا في الولد وقال: إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى «أنّى» من أين؛ قاله أبو عبيدة. قال النحاس: وهذا فيه تساهل؛ لأن «أين» سؤال عن المواضع و «أنىَّ» سؤال عن المذاهب والجهات. والمعنى من أي المذاهب ومن أيّ الجهات لكِ هذا. وقد فرّق الكُمَيت بينهما فقال:شعر : أنّى ومن أيْنَ آبك الطّرب من حيث لا صَبْوة ولا رِيَب تفسير : و «كلّما» منصوب بــ «ـوَجَدَ»، أي كلّ دَخْلة. {إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا؛ فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد. الثانية: قوله تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} هنالك في موضع نصب؛ لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان. وقال المُفَضَّل بن سَلَمة: «هنالك» في الزمان و «هناك» في المكان، وقد يجعل هذا مكان هذا. و {هَبْ لِي} أعطني. {مِن لَّدُنْكَ} مِن عِندِك. {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي نَسلا صالحا. والذُّرِّية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى، وهو هنا واحد. يدل عليه قوله {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} تفسير : [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أنَّثَ «طَيِّبة» لتأنيث لفظ الذرية؛ كقوله:شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : فأنَّثَ ولدته لتأنيث لفظ الخليفة. ورُوي من حديث أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي رجل مات وترك ذُرّية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا»تفسير : . وقد مضى في «البقرة» اشتقاق الذرية. و {طَيِّبَةً} أي صالحة مباركة. {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي قابلة؛ ومنه: سمِع الله لمن حَمِده. الثالثة: دلّت هذه الآية على طلب الولد، وهي سُنّة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرعد: 38] وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وَقّاص قال: أراد عثمان أن يتبتّل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : النكاح من سُنَّتي فمن لم يعمل بُسنّتي فليس منّي وتزوّجوا فإني مكاثِرٌ بكم الأمم ومن كان ذا طَول فَلْيَنْكِح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء»تفسير : . وفي هذا رَدٌّ على بعض جُهّال المتصوّفة حيث قال: الذي يطلب الولدَ أحمق، وما عَرَفَ أنه (هو) الغبيُّ الأخرق؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} تفسير : [الفرقان: 74]. وقد ترجم البخاري على هذا «باب طلب الولد». حديث : وقال صلى الله عليه وسلم لأبى طَلْحة حين مات ٱبنه. «أعْرَسْتم الليلة»؟ قال نعم. قال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» تفسير : قال فحملت. في البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن. وترجم أيضا «باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة» وساق حديث أنس بن مالك قال قالت حديث : أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: «اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الّلهُمّ ٱغفر لأبي سَلَمة وٱرفع درجته في المهديَّين فيما وٱخلفه في عَقِبه في الغابرين»تفسير : . أخرّجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم»تفسير : . أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «أو ولد صالح يدعو له»تفسير : . ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. الرابعة: فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه؛ ألا ترى قول زكريا {أية : وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 6] وقال: {ذُرِيَّةً طَيِبةً}. وقال: {هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَّاتِنَا قُرَّة أَعْيُنٍ}. حديث : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: «اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه»تفسير : . خرّجه البخاري ومسلم، وحسْبُك.

ابن كثير

تفسير : يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}، أي: جعلها شكلاً مليحاً، ومنظراً بهيجاً، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده؛ تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال: {وكَفَلَها زَكَرِيَّا وفي قراءة: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي: جعله كافلاً لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين؛ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح: «حديث : فاذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة»تفسير : وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً توسعاً، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: «حديث : الخالة بمنزلة الأم»تفسير : ، ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} أي: علماً، أو قال: صحفاً فيها علم، رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} أي: يقول: من أين لك هذا؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة، فقال: «حديث : يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟»تفسير : قالت: لا والله ـ بأبي أنت وأمي ـ، فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء، فخبأته لك، قال: «حديث : هلمي يا بنية»تفسير : . قالت: فأتيته بالجفنة، فكشفتُ عنها، فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها، بهتت، وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله، وصليت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه حمد الله وقال: «حديث : من أين لك هذا يا بنية»تفسير : ؟ قالت: يا أبت {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فحمد الله، وقال: «حديث : الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً وسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب»تفسير : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } أي قَبِلَ مريم من أمها {بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أنشأها بخَلْق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أُمها الأحبار سدنة بيت المقدس فقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم، فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا - وهم تسعة وعشرون - إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها، فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب (زكريا) ممدوداً[وكفّلها زكريا] ومقصوراً والفاعل الله {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } الغرفة وهي أشرف المجالس {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يٰمَرْيَمَ أَنَّى ٰ} من أين {لَكِ هَٰذَا قَالَتْ } وهي صغيرة {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } يأتيني به من الجنة {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } رزقاً واسعاً بلا تبعة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} يعني أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قرأ أهل الكوفة {وَكَفَّلَهَا} بالتشديد، ومعنى ذلك أنه دفع كفالتها إلى غيره. وقرأ الباقون: {كفَلَهَا} بالتخفيف، ومعنى ذلك أنه أخذ كفالتها إليه. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} وهو معروف، وأصله أنه أكرم موضع في المجلس. {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} فيه قولان: أحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذا قول الحسن. واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين: أحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها. والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام. {قَالَ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق. والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه. {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فيه قولان: أحدهما: أنه حكاية عن قول مريم بعد أن قالت هو من عند الله. والقول الثاني: أنه قول الله تعالى بعد أن قطع كلام مريم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا} رضيها في النذر. {وَأَنبَتَهَا} أنشأها إنشاء حسناً في غذائها وحسن تربيتها. {الْمِحْرَابَ} أكرم موضع في المجلس. {رِزْقًا} فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، أو لم تُلقم ثدياً حتى تكلمت في المهد، وكان يأتيها رزقها من الجنة، وكان ذلك بدعوة زكريا ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو توطئة لنبوة المسيح عليه الصلاة والسلام {مِنْ عِندِ اللَّهِ} يأتيها الله ـ تعالى ـ به أو بعض الأولياء، بتسخير الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} من قول الله تعالى، أو من قول مريم ـ عليها السلام ـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فتقبلها ربها بقبول حسن} يعني أن الله تعالى تقبل مريم من حنة مكان الذكر المحرر بمعنى قبل ورضي. قال الزجاج: الأصل في العربية تقبلها بتقبل ولكن قبول محمول على قبلها قبولاً كما يقال: قبلت الشيء قبولاً إذا رضيته. وقال أبو عمر: ليس في المصادر فعول بفتح الفاء إلاّ هذا ولم أسمع فيه الضم. قيل معنى التقبل والقبول واحد وهما سواء وهو أن يرى الشيء ويأخذه. وقيل معنى التكفل في التربية والقيام بشأنها، وإنما قال بقبول للجمع بني الأمرين يعني التقبل الذي بمعنى التكفل والقبول الذي بمعنى الرضا {وأنبتها نباتاً حسناً} معناه وأنبتها فنبتت هي نباتاً حسناً قال ابن عباس في قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن} أي سلك بها طريق السعداء: {وأنبتها نباتاً حسناً} يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام {وكفلها زكريا} قال أهل الأخبار: لما ولدت حنة مريم أخذتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم يؤمئذ يلون من بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، وقالت: دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم قال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالت له الأحبار لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نفترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلاً إلى نهر جار قيل: هو الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها من غيره وكان على كل قلم مكتوب اسم واحد منهم وقيل بل كانوا يكتبون التوراة فالقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ووقف وانحدرت أقلامهم ثم رسبت في النهر. وقيل جري قلم زكريا مصعداً إلى أعلى وجرت أقلامهم مع جري الماء إلى أسفل فسهمهم زكريا وقرعهم، وكان زكريا رأس الأحبار ونبهم فذلك قوله تعالى: وكفلها زكريا قرئ بتشديد الفاء ومعناه وضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة. وقرئ بتخفيف الفاء ومعناه ضمها زكريا إلى نفسه بالقرعة وقام بأمرها وهو زكريا بن أذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام، فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها المراضع وقيل: ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بني لها محراباً في المسجد وجعل بابه في وسطه ولا يرقى إليه إلاّ بسلم ولا يصعد إليها غيره. وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم فذلك قوله تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب} يعني الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من المسجد وقيل: المحراب ما يرقى إليه بدرج. وقيل كان زكريا يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها المحراب {وجد عندها رزقاً} يعني فاكهة في غير وقتها فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء {قال} يعني زكريا {يا مريم أنى لك هذا} أي من أين لك هذه الفاكهة {قالت} يعني مريم مجيبة لزكريا {هو من عند الله} يعني من الجنة. وقيل: إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثدياً بل كان يأتيها رزقها من الجنة فيقول زكريا: يا مريم أنى لك هذا فتقول هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة في المهد كما تكلم ولدها عيسى عليه السلام وهو صغير في المهد. وقال محمد بن إسحاق: أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها وكفالتها فخرج على بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي: فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بداً فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم لرجل نجار يقال له يوسف بن يعقوب وكان ابن عم لمريم فحملها فعرفت مريم في وجهه شدة ذلك عليه. فقالت: يا يوسف أحسن بالله الظّن فإن الله سيرزقنا، فصار يوسف يرزق لمكانها منه فكان يأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها إذا أدخله عليها في المحراب أنماه الله وزاده فيدخل زكريا عليها فيقول: يا مريم أنى لك هذا فتقول: هو من عند الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} وهذا يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم أو ابتداء كلام من الله عز وجل ومعناه أن الله تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير لكثرته أو من غير سبب، وفي هذه الآية دليل على جواز كرامات الأولياء وظهور خوارق العادات على أيديهم قال أهل الأخبار: فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها وحينها في غير سبب لقادر أن يصلح زوجي ويهب لي ولداً في غير حينه مع الكبر وطمع في الولد. وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا، وكان زكريا قد كبر وشاخ وأيس من الولد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن} قال: تقبل من أمها ما أرادت بها الكنيسة فأجرها فيه {وأنبتها نباتاً حسناً} قال: نبتت في غذاء الله. وأخرج ابن جرير عن الربيع وكفلها زكريا قال: ضمها إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كفلها زكريا فدخل عليها المحراب فوجد عندها رزقاً عنباً في مكتل في غير حينه {قال أنىٰ لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} قال: إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من العاقر الكبير العقيم ولداً {هنالك دعا زكريا ربه} فلما بشر بيحيى قال {رب اجعل لي آية قال آيتك ألاَّ تكلم الناس} قال: يعتقل لسانك من غير مرض وأنت سوي. وأخرج عبد بن حميد وآدم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {وكفلها زكريا} قال: سهمهم بقلمه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم فتشاح عليها أحبارهم، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوج خالتها. فكفلها وكانت عنده وحضنتها. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة، إن الذين كانوا يكتبون التوراة إذا جاؤوا إليهم بإنسان محرر واقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان معهم، وكانت أخت أم مريم تحته، فلما أتوا بها قال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، تحتي أختها. قال: فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنيه كأنه في طين فأخذ الجارية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وكفلها زكريا} قال: جعلها معه في محرابه. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأها {وكفلها} مشددة {زكرياء} ممدودة مهموز منصوب. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس {وجد عندها رزقاً} قال: مكتلاً فيه عنب في غير حينه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن جرير عن مجاهد {وجد عندها رزقاً} قال: عنباً في غير زمانه. وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد {وجد عندها رزقاً} قال: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد {وجد عندها رزقاً} قال: علماً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وجد عندها رزقاً} قال: وجد عندها ثمار الجنة. فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وجد عندها رزقاً} قال: الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {أنَّى} يعني من أين. وأخرج عن الضحاك {أنى لك هذا} يقول من أتاك بهذا. وأخرج أبو يعلى عن جابر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ فقالت: لا والله. فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له: ـ بأبي أنت وأمي ـ قد أتى الله بشيء قد خبأته لك فقال: هلمي يا بنية بالجفنة. فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله. فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه حمد الله وقال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبت {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فحمد الله ثم قال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله رزقاً فَسُئِلَتْ عنه {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ".

ابو السعود

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا} أي أخذ مريمَ ورضيَ بها في النذر مكانَ الذكَر {رَبُّهَا} مالكها ومُبلِّغها إلى كمالها اللائق بها وفيه من تشريفَها ما لا يخفى {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} قيل: الباء زائدة والقَبول مصدرٌ مؤكِّد للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبّلها قبولاً حسناً وإنما عدَلَ عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعُّل مُشعِرةٌ بحسب أصل الوضعِ بالتكليف، وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المرادُ بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوةِ الفعل وكثرتِه وقيل: القبولُ ما يقبل به الشيء كالسَّعوط واللَّدود لما يُسعَط به ويلُدّ، وهو اختصاصُه تعالى إياها بإقامتها مُقام الذكَر في النَّذر، ولم تُقبلْ قبلها أنثى أو بأنْ تُسلِّمها أمُّها عَقيبَ الولادة قبل أن تنشأ وتصلُحَ للسِّدانة. روي أن حنة حين ولدتها، لفّتها في خرقة، وحملتْها إلى بـيت المقدس، ووضعتها عند الأحبار أبناءِ هارونَ وهم في بـيت المقدس كالحَجَبة في الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم، وصاحبِ قُربانهم، فإن بني ماثانَ كانت رؤوسَ بني إسرائيلَ وملوكَهم، وقيل: لأنهم وجدوا أمرَها وأمرَ عيسى عليه الصلاة والسلام في الكتب الإلٰهية فقال زكريا عليه الصلاة والسلام: «أنا أحقُّ بها لأن عندي خالتَها» فأبوا إلا القُرْعةَ، وكانوا سبعةً وعشرين، فانطلقوا إلى نهر فألقَوْا فيه أقلامَهم فطفا قلمُ زكريا ورسبَتْ أقلامُهم فتكفلها. وقيل: هو مصدر وفيه مضافٌ مقدرٌ أي فتقبلها بذي قبولٍ أي بأمرٍ ذي قَبول حسن، وقيل: تقبّل بمعنى استقبل كتقصَّى بمعنى استقصىٰ وتعجَّل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرِها حين وُلدت بقبول حسن {وَأَنبَتَهَا} مجازٌ عن تربـيتها بما يُصلِحها في جميع أحوالها {نَبَاتًا حَسَنًا} مصدر مؤكّدٌ للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل: بل لفعل مُضمر موافقٍ له تقديرُه فنبتت نباتاً حسناً {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي جعله عليه الصلاة والسلام كافلاً لها وضامناً لمصالحها قائماً بتدبـير أمورِها لا على طريقة الوحي بل على ما ذُكر من التفصيل فإن رغبتَه عليه الصلاة والسلام في كفالتها وطُفوَّ قلمِه ورسوبَ أقلامِهم وغيرَ ذلك من الأمور الجارية بـينهم كلُّها من آثار قدرته تعالى، وقرىء أَكفلَها وقرىء زكرياءَ بالنصب والمد وقرىء بتخفيف الفاء وكسرِها ورفع زكرياءُ ممدوداً وقرىء وتقبَّلْها ربَّها وأنبِتْها وكفَّلْها على صيغة الأمر في الكل ونصبِ ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ربها وربِّها تربـيةً حسنةً واجعلْ زكريا كافلاً لها فهو تعيـينٌ لجهة التربـية. قيل: بنىٰ عليه الصلاة والسلام لها مِحْراباً في المسجد أي غرفةً يُصعد إليها بسُلّم وقيل: المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها كأنها وضعت في أشرف موضعٍ من بـيت المقدس وقيل: كانت مساجدُهم تسمى المحاريب. روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلّق عليها سبعة أبواب {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} تقديمُ الظرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرِها ونصبُ المحراب على التوسّع وكلمة {كُلَّمَا} ظرف على أن ما مصدرية والزمان محذوف، أو نكرةٌ موصوفة معناها الوقتُ والعائد محذوفٌ والعامل فيها جوابُها أي كلَّ زمانِ دخولِه عليها أو كلَّ وقتٍ دخل عليها فيه {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} أي نوعاً منه غيرَ معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة. وكان يجد عندها في الصيف فاكهةَ الشتاء وفي الشتاء فاكهةَ الصيف ولم ترضَعْ ثدياً قط {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه الصلاة والسلام عند مشاهدةِ هذه الآية؟ فقيل قال: {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} أي من أين جاء لك هذا الذي لا يُشبه أرزاقَ الدنيا والأبوابُ مغلقةٌ دونك؟ وهو دليل على جواز الكرامةِ للأولياء ومن أنكرها جعلَ هذا إرهاصاً وتأسيساً لرسالة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأما جعلُه معجزةً لزكريا عليه الصلاة والسلام فيأباه اشتباهُ الأمر عليه، عليه السلام، وإنما خاطبها عليه الصلاة والسلام بذلك مع كونها بمعزلٍ من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده أنها مؤيَّدةٌ من عند الله تعالى بالعلم والقدرة {قَالَتْ} استئناف كما قبله كأنه قيل: فماذا صنعت مريمُ وهي صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب؟ فقيل قالت: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فلا تعجبْ ولا تستبعد {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء} أن يرزُقَه {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاقٍ تفضلاً منه تعالى وهو تعليل لكونه من عند الله إما من تمام كلامِها فيكونُ في محل النصب وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنفٌ، روي «حديث : أن فاطمة الزهراءَ رضي الله عنها أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعةَ لحم فرجع بها إليها فقال: "هلُمّي يا بنية" فكشف عن الطبق فإذا هو مملوءٌ خبزاً ولحماً فقال لها: "أنى لك هذا؟" قالت: "هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"، فقال عليه الصلاة والسلام: "الحمدُ لله الذي جعلك شبـيهةً بسيدة بني إسرائيلَ"، ثم جمع علياً والحسنَ والحسينَ وجميعَ أهلِ بـيته رضوانُ الله عليهم أجمعين فأكلوا وشبِعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها.

التستري

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}[37] أي وقال: الملك الأعلى أولى بالمحرر عن رقّ النفس ورقّ الدنيا. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}[37] قال: بالعمل الصالح في ذكر الله تعالى وجوارحها في خدمة الله وقلبها في معرفة الله عزَّ وجلَّ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}. حيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته، وتولاّهَا بما تَولَّى به أولياءه، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها العَجَبَ من حُسْنِ توليه أمرها، وإن كانت بنتاً. ويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما يُقال، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء. شعر : أجد الملامة في هواكِ لذيذةً حُبَّاً لذكرك فليلمني اللُّوَمُ تفسير : وكما قيل: شعر : ليقل من شاء ما شاء فإني لا أُبالي تفسير : ويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: {أية : إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}تفسير : [مريم: 18]. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه - سبحانه - في جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام، وهذا هو النبات الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ بأمرها وحفظها نبياً من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام، وقد أوحى الله إلى داود عليه السلام: إنْ رأيْتَ لي طالباً فكُنْ له خادماً. قوله جلّ ذكره: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . مِنْ إمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه وهناك يوجد المحراب - فذلك عَبْدٌ عزيز. ويقال مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلُها على زكريا عليه السلام: فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وَجَدَ عندها رزقاً لِيَعْلَمَ العاملون أن الله - سبحانه - لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غير، ومن خدم ولياً من أوليائه كان هو في رفق الولي لا إنه تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفي هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه في رفق الفقراء. ثم كان زكريا عليه السلام يقول: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شُغْلها، فكان يسأل ويقول: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} ومن أتاكِ به؟ وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان: إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يسبق به. قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} فلفظة كلَّما للتكرار وفي هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها - وإنْ وجد عندها رزقًا - بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله: {يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا}؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه. وقوله: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فتقبلها} اى اخذ مريم ورضى بها فى النذر مكان الذكر {ربها} مالكها ومبلغها الى كمالها اللائق {بقبول حسن} بوجه حسن يقبل به النذائر وهو قبول تلك الانثى مع انوثتها وصغرها فان المعتاد فى تلك الشريعة ان لا يجوز التحرير الا فى حق غلام عاقل قادر على خدمة المسجد وهنا لما علم تعالى تضرع حنة قبل بنته حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد {وانبتها نباتا حسنا} مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها مما يصلح فى جميع احوالها ثم ان الله تعالى ذكر قبولها منها وذلك لضعفها وصدق نيتها فى الابتداء وحيائها فى الانتهاء وكان فى ذلك الزمان اربعة آلاف محرر لم يشتهر خبر احد منهم اشتهار خبرها. وفيه تنبيه للبعد على ان يرى من نفسه التقصير بعد جهدها ليقبل الله عملها لاظهار افلاسها واضمار اخلاصها رزقنا الله واياكم شعر : طريقت همينست كاهل يقين نكو كار بودند وتقصير بين تفسير : واعلم انه سبحانه قطع السائرين له وهم المريدون والواصلين اليه وهم المرادون عن رؤية اعمالهم وشهود احوالهم. اما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها فانقطعوا اليه برؤية تقصيرهم. واما الواصلون فلأنه غيبهم شهوده عنها لانه الفعال وهو آلة مسخرة. ولما دخل الواسطى نيسابور سأل اصحاب الشيخ ابى عثمان المغربى بم يأمركم شيخكم قالوا كان يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال امركم بالمجوسية المحضة هلا آمركم بالغيبة عنها بشهود منشئها ومجريها. قال القشيرى وانما اراد الواسطى صيانتهم عن محل الاعجاب لا تعريجا فى اوطان التقصير او تجويزا للاخلال بادب من الآداب. قال النهر جورى من علامة من تولاه الله فى اعماله ان يشهد التقصير فى اخلاصه والغفلة فى اذكاره والنقصان فى صدقه والفتور فى مجاهدته وقلة المراعاة فى فقره فتكون جميع احواله عنده غير مرضية ويزداد فقرا الى الله فى فقرة وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه. قال الشيخ ابو العباس رضى الله عنه فى اشارة قوله تعالى {أية : يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل}تفسير : [لقمان: 29]. يولج المعصية فى الطاعة ويولج الطاعة فى المعصية يطيع العبد الطاعة فيعجب بها ويعتمد عليها ويستصغر من لم يفعلها ويطلب من الله العوض عليها فهذه حسنة احاطت بها سيئات ويذنب الذنب فيلجأ الى الله فيه ويستصغر نفسه ويستعظم من لم يفعله فهذه سيئة احاطت بها سيئات فايتهما الطاعة وايتهما المعصية فعلى السالك ان يجتهد فى الطاعات ولا يغتر بالعبادات لعله يصل الى غاية فى روضات الجنات شعر : جه زرها بخاك سيه در كنند كه باشد كه روزى مسى زركنند تفسير : يعنى ان المشتغلين بتحصيل صنعة الكيمياء يجعلون دنانير كثيرة تحت التراب اى يبذلونها لتحصيلها ويفرقونها فى اسبابها كى يصير النحاس فى ايديهم ذهبا بحتا ويتشرفوا بوصولها شعر : زر ازبهر جيرى خريدن نكوست جه خواهى خريدن به ازوضل دوست تفسير : فالسعى فى الاعمال انما هو لطلب رضى الله ووصول جنابه وهو الذى يبذل فى طريقه المال والروح لينفتح باب الفتوح. قال الشيخ الشاذلى قدس سره فى لطائف المنن واعملوا ان الله اودع انوار الملكوت فى اصناف الطاعات فأى من فاته من الطاعات صنف او اغوزه من الموافقات جنس فقد فقد من النور بمقدار ذلك ولا تهملوا شيأ عن الطاعات ولا تستغنوا عن الاوراد بالواردات ولا ترضوا لانفسكم بما رضى به المردعون بحر الحقائق على ألسنتهم وخلوا انوارها من قلوبهم انتهى. فينبغى للعبد ان يواظب على اصناف الطاعات وينساها بعدما عملها كيلا يبطلها العجب لانه يقال حفظ الطاعة اشد من فعلها لان مثلها كمثل الزجاج يسرع اليه الكسر ولا يقبل الجبر وكذا الخيرات اذا ازيلت بالمخالفات {وكفلها زكريا} الفعل لله تعالى بمعنى وضمنها الله الى زكريا وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها قائما بتدابير امورها والكافل هو الذى ينفق على انسان ويهتم باصلاح مصالحه وفى الحديث "حديث : انا وكافل اليتيم كهاتين" تفسير : وهو زكريا بن اذن بن مسلم بن صدون من اولاد سليمان عليه السلام ابن داود عليه السلام - روى - ان حنة حين ولدت مريم لفتها فى خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الاحبار ابناء هارون وهم فى بيت المقدس كالحجبة فى الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة اى خذوها فتنافسوا فيها لانها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فان بنى ماثان كانت رؤس بنى اسرائيل وملوكهم فقال لهم زكريا انا احق بها عندى خالتها فقالوا لا حتى نقرع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين الى نهر قيل هو نهر الاردن فالقوا فيه اقلامهم التى كانوا يكتبون بها الوحى على ان كل من ارتفع قلمه فهو الراجح فالقوا ثلاث مرات ففى كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت اقلامهم فتكفلها. قال الشيخ فى تفسيره وهو معنى قوله {فتقبلها ربها} الآية {كلما} اى كل وقت {دخل عليها} على مريم {زكريا} فاعل دخل {المحراب} اى فى المحراب قيل بنى لها محرابا فى المسجد اى غرفة تصعد اليها بسلم او المحراب اشرف المجالس ومقدمها كانها وضعت فى اشراف موضع من بيت المقدس او كانت مساجدهم تسمى المحاريب - روى انها لا يدخل عليها الا هو وحده فاذا خرج غلق عليها سبعة ابواب فكلما دخل {وجد عندها رزقا} اى نوعا منه غير معتاد اذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها فى الصيف فاكهة الشتاء وفى الشتاء فاكهة الصيف ولم ترضع ثديا قط {قال} كأنه قيل فماذا قال زكريا عليه السلام عند مشاهدة هذه الآية فقيل قال {يا مريم أنى لك هذا} اى من اين يجيء لك هذا الذى لا يشبه ارزاق الدنيا وهو آت فى غير حينه والابواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به اليك {قالت} مريم وهى صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب قيل تكلمت وهى صغيرة كما تكلم عيسى وهو فى المهد {هو من عند الله} فلا تعجب ولا تستبعد {ان الله يرزق من يشاء} ان يرزقه {بغير حساب} اى بغير تقدير لكثرته او بلا محاسبة او من حيث لا يحتسب وهو تعليل لكونه من عند الله اما من تمام كلامها فيكون فى محل النصب وأما من كلامه عز وجل وفهو مستأنف. وفى الآية دليل على جواز الكرامة للاولياء ومن انكرها جعل هذا ارهاصا وتأسيسا لرسالته عليه السلام "حديث : عن النبى صلى الله عليه وسلم انه جاع فى زمن قحط فاهدت له فاطمة رضى الله عنها رغيفين وبضعة لحم اثرته بها فرجع بها اليها وقال "هلمى يا بنية" فكشفت عن الطبق فاذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت انها نزلت من عند الله فقال لها صلى الله عليه وسلم "أنى لك هذا" فقالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال صلى الله عليه وسلم "الحمد لله الذى جعلك شبهة بسيدة بنى اسرائيل" ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والحسنين رضى الله عنهم وجمع اهل بيته عليه فاكلوا وشبعوا وبقى الطعام كما هو فاوسعت فاطمة رضى الله عنها على جيرانها ".تفسير : وقد ظهر على السلف رضى الله عنهم من الصحابة والتابعين ثم على من بعدهم من الكرامات. قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه اكبر الكرامات ان تبدل خلقا مذموما من اخلاقك. قال الشيخ ابو العباس رضى الله رحمه الله ليس من الشأن من تطوى له الارض فاذا هو بمكة وغيرها من البلدان انما الشأن من تطوى عنه اوصاف نفسه. وقيل لابى يزيد ان فلانا يمشى على الماء قال قال الحوت اعجب منه اذ هو شأنه * فقيل له ان فلانا يمشى فى الهواء قال الطير اعجب من ذلك اذ هو حاله * قيل له كان فلان يمشى الى مكة ويرجع من يومه قال ابليس أعجب من ذلك اذ هو حاله تطوى له الارض كلها فى لحظة وهو فى لعنه الله فالطى الحقيقى ان تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة اقرب اليك منك لان الارض تطوى لك فاذا انت حيث شئت من البلاد لان هذا ربما جر الى الاغترار وذلك يؤدى للتعلق بالواحد القهار - وحكى - عن ابى عنوان الواسطى قال انكسرت السفينة وبقيت انا وامرأتى اياما على لوح وقد ولدت فى تلك الحالة صبية فصحات بى فقالت يقتلنى العطش فرفعت رأسى فاذا رجل فى الهواء جالس وفى يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت احمر وقال هاك اشربا قال فاخذت الكوز وشربنا منه فاذا هو اطيب من المسك واحلى من العسل فقلت من انت يرحمك الله قال انا عبد لمولاك فقلت بم وصلت الى هذا فقال تركت هواى لمرضاته فاجلسنى فى الهواء ثم غاب عنى فلم اره. وحج سفيان الثورى مع شيبان الراعى رضى الله عنهما فعرض لهما سبع فقال سفيان لشيبان اما ترى هذا السبع فقال لا تخف واخذ شيبان اذنيه فعركهما فتبصبص وحرك ذنبه فقال سفيان ما هذه الشهرة فال لولا مخافة الشهرة لما وضعت زادى الاعلى ظهرى حتى آتى مكة شعر : توهم كردن از حكم داور مبيج كه كردن نه بيجدزحكم توهيج محالست جون دوست داردترا كه دردست دشمن كذارد ترا

الطوسي

تفسير : القراءة، والمعنى، واللغة: قرأ أهل الكوفة {كفلها} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. والتخفيف أليق بقوله {أية : أيهم يكفل مريم}تفسير : وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر {زكريا} مقصوراً. الباقون بالمد. ونصب {زكرياء} مع المد أبو بكر. الباقون بالرفع. قوله: {فتقبلها ربها بقبول حسن} معناه رضيها في النذر الذي نذرته بالاخلاص للعبادة في بيت المقدس، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. وإنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل، لأن فيه معنى قبلها. وقال أبو عمرو: لا نظير للقبول في المصادر، ففتح فاء الفعل والباب كله مضموم الفاء كالدخول، والخروج، وقال سيبويه: جاءت خمسة مصادر على فعول: قبول، ووضوح، وظهور، وولوغ، ووقود إلا أن الاكثر في وقود الضم إذا أريد المصدر. وأجاز الزجاج في القبول الضم. وقوله: {وأنبتها نباتاً حسناً} معناه أنشأها إنشاء حسناً في عذابها وحسن تربيتها. والكفل تضمن مؤنة الانسان كفلته أكفله كفلا فأنا كافل: إذا تكلفت مؤنته. ومنه {وكفلها زكريا} ومن قرأ بالتثقيل فمعنا كفلها الله زكريا والكفيل: الضامن. والكفل: مؤخر العجز. والكفل من الرجال الذي يكون في مؤخر الحرب همته الفرار. والكفل النصيب. ومنه قوله: {أية : يؤتكم كفلين من رحمته}تفسير : وقوله: {أية : ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}تفسير : وأصل الباب التأخر فمنه الكفالة الضمان. وفي زكريا ثلاث لغات: المد، والقصر. وقد قرىء بهما وزكريَّ بالياء المشددة وأحكامها مختلفة في الجمع. والتثنية، فمن مد قال في التثنية: زكريا وان. وفي الجمع زكريا وون. ومن قصر قال في التثنية زكريان. وفي الجمع زكريون. والذي بالياء زكريان في التثنية، وزكريون في الجمع، وزكرياء بالمد لا يجوز صرفه لأن فيه ألفي التأنيث. ومن قال: لأنه أعجمي معرفة يلزمه إذا نكر أن يصرفه، وهذا لا يجوز. وأما زكري، فان ينصرف لأنه بنأ النسب خرج إلى شبه العربي كما خرج مدائني إلى شبه الواحد على قول المبرد. والمحراب: مقام الامام من المسجد وأصله أكرم موضع في المجلس وأشرفه قال عدي بن زيد العبادي: شعر : كدمى العجاج في المحاريب أو كالـ بيض في الروض زهره مستنير تفسير : وقيل هو المكان العالي ذكره الزجاج قال الشاعر: شعر : ربة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلما تفسير : وقوله: {وجد عندها رزقاً}، فالرزق هو ما للانسان، الانتفاع به على وجه ليس لأحد منعه. المعنى: وقيل إنه كان فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن اسحق. وقال: تكلمت في المهد، ولم تلقم ثدياً قط، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذه تكرمة من الله تعالى لها. وعندنا يجوز فعل ذلك بالأولياء والصالحين، وإن لم يكونوا أنبياء. ومن منع منه قالوا فيه قولين: أحدهما - أن ذلك كان آية لدعوة زكريا لها بالرزق في الجملة. والثاني - قال قوم: هو تأسيس لنبوة المسيح، والأول قول الجبائي. واختار وجهاً آخر أن يكون الله (تعالى) سخر لها بعض عباده أن يأتيها به بلطفه على مجرى العادة، ولايكون معجزاً، وهذا خلاف جميع أقوال المفسرين لأنهم كلهم قالوا لما رأى زكريا ذلك قال: الذي يقدر على أن يأتي مريم بالرزق يقدر أن يخلق الولد من امرأة عاقر، فهنالك سأله أن يرزقه ولداً. ويحتمل ايصال قوله: {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} بما تقدم من وجهين: أحدهما - أن يكون حكاية لقول مريم. والثاني - أن يكون استئنافاً من الله الاخبار به. والأولى أن يكون على الاستئناف، لأنه ليس من معنى الجواب عما سئلت عنه في شيء. وقال الحسن: هو على الحكاية. وقوله: {بغير حساب} معناه بغير حساب الاستحقاق على العمل، لأنه تفضل يبتدىء الله به من يشاء من خلقه. ويحتمل أن يكون المراد بغير تقتير كما يحسب الذي يخاف الاملاق. وقد بينا فيما مضى معنى {أنى} وأن معناه من أين لك. وقال قوم معناه كيف لك. والأول أظهر.

الجنابذي

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} مع انوثتها من المنذور لخدمة بيت المقدّس ولم يقبل قبلها انثى فى ذلك او المعنى تقبّلها وتكفّل امرها بحيث ما عرتها علّة ساعة من ليل او نهار او تقبّلها بتكفيل نبيّه لها {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} الباء فيه مثل الباء فى قوله {أية : فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 52] فالباء فيه للمصاحبة او للآلة وحسن قبولها اخذها مقام الذّكر وحفظها من الآفات وتسلّمها عقيب ولادتها قبل ان تكبر وتصلح للخدمة وتكفيلها زكريّا نسب الى الرّواية انّ حنّة لمّا ولدتها لفّتها فى خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الاحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لانّها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فانّ بنى ماثان كانوا رؤس بنى اسرائيل وملوكهم فقال زكريّا: انا احقّ بها عندى خالتها فأبوا الاّ القرعة وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا الى نهر فالقوا فيه اقلامهم فطفى قلم زكريّا ورسبت اقلامهم فتكفّلها {وَأَنبَتَهَا} من حنّة او انماها فى نفسها {نَبَاتاً} امّا مصدر من غير لفظ الفعل او حال موطّئة للتّوصيف يعنى انبتها حال كونها نباتاً {حَسَناً} بان سوّى خلقها او بان جعلها بحيث كانت تنمو فى يوم ما ينمو غيرها فى عام، او جعلها بحيث صامت نهارها وقامت ليلها وتبتّلت الى الله حين بلغت حتّى فاقت الاحبار {وَكَفَّلَهَا} الله {زَكَرِيَّا} كما سبق وقرئ بتخفيف الفاء وزكريّا كان من ولد سليمان وفيه ثلاث لغات المدّ والقصر وتشديد الياء بدون الالف ولما كفّل زكريّا مريم بنى لها بيتاً واسترضع لها او ضمّها الى خالتها امّ يحيى حتى اذا شبّت وبلغت مبلغ النّساء بنى لها محراباً فى المسجد وجعل بابه فى وسطه لا يرقى اليها الاّ بسلّم مثل باب الكعبة ولا يصعد اليها غيره وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كلّ يوم {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} اى بيّتها سمّى محراباً لكونه معبدها ومحلّ محاربتها للشّيطان {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} فاكهة فى غير حينها غضّاً طريّاً والجملة جواب كلّما {قَالَ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما قال لها كلّما وجد عندها رزقاً؟ - فقال تعالى: قال {يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} كيف لك او من اىّ مكانٍ لك هذا الرّزق وهو للتعجّب {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} استئناف فى مقام التّعليل.

فرات الكوفي

تفسير : {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ: يا مَرْيَمُ أنّىَ لكِ هذا؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُق مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حسابٍ37} فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه. ر] قال:حديث : أصبح علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] ذات يومٍ [فـ] قال: يا فاطمة عندك شيء تغذينيه؟ قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي شيءٌ أغذيكاه (ظ) [أ، ب: اغتذيناه] وما كان شيءٌ أطعمناه مذ يومين إلاّ شيءٌ كنت أوثرك به على نفسي وعلى ابنيّ هذين الحسن والحسين فقال علي [عليه السلام.ب]: يا فاطمة ألا كنت أعلمتيني فأبغيكم [ب: فأبتاعكم] شيئاً. فقالت يا أبا الحسن إني لاستحيي من إلهي أن تكلف نفسك مالا تقدر عليه. فخرج علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ب] [من. أ، ب] عند فاطمة [عليها السلام. ر، ب] واثقاً بالله بحسن [ب: حسن] الظن [بالله. أ، ب] فاستقرض ديناراً، فبينا الدينار في يد علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ر، ب] يريد أن يبتاع لعياله ما يصلحهم فتعرض [أ: إذ تعرض] له المقداد بن الأسود [الكندي. ب] في يوم شديد الحر؛ قد لوّحته الشمس من فوقه وأذته من تحته، فلما رآه علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ر، أ] [وكرمه. ر] أنكر شأنه فقال: يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟ قال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي ولا تسألني عما ورائي فقال: يا أخي إنه [ب: إنى] لا يسعني أن تجاوزني حتى أعلم علمك. فقال: يا أبا الحسن رغبة إلى الله وإليك أن تخلي سبيلي ولا تكشفني عن حالي فقال له: يا أخي إنه لا يسعك أن تكتمني [أ: تكفني] حالك. فقال: يا أبا الحسن أما إذا ثبت [ب: أبيت] فوالذي أكرم محمداً [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر] بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلي إلا الجهد وقد تركت عيالي يتضاغون [ب: يتصارخون] جوعاً، فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض فخرجت مهموماً راكباً رأسي، هذه حالي وقصّتي. فانهملت عينا علي [عليه السلام، ب] بالبكاء [حتى. ب] بلت دمعته لحيته فقال [له. أ، ر]: أحلف بالذي خلقك ما أزعجني إلا الذي أزعجك من رحلك وقد [ب، ر: فقد] استقرضت ديناراً فهاكه فقد آثرتك على نفسي. فدفع الدينار إليه. ورجع حتى دخل مسجد النبي [أ، ب: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب مرّ بعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو في الصف الأول وهمزه [أ، ر: حمزة] برجله فقام علي [عليه السلام. ب] مقتفياً خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحقه على باب من أبواب المسجد فسلم عليه فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبا الحسن هل عندك شيء تعشيناه فنميل معك؟ فمكث مطرقاً لا يحير جواباً حياءً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعلم ما كان من أمر الدينار ومن أين أخذه وأين وجهه، وقد كان أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يتعشى الليلة عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سكوته فقال: يا أبا الحسن مالك لا تقول لا فأنصرف [عنك. ب] أو تقول نعم فأمضي معك. قال: حياءً وتكرماً [ب: حباً وكرامة] فاذهب بنا. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد [ر: يد] علي بن أبي طالب عليه السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة الزهراء عليها السلام وهي في مصلاها قد قضت صلاتها وخلفها جفنة تفور دخاناً فلما سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رحلها خرجت من مصلاها فسلمت عليه، وكانت أعز الناس عليه، فردّ [عليها. ب] السلام ومسح بيده على رأسها وقال لها: "يا بنتاه كيف أمسيت رحمك الله [تعالى. ر] عشينا غفر الله لك وقد فعل". فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي رسول الله [ر: النبي] [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] وعلي بن أبي طالب [عليهما الصلاة والسلام. ب: عليه السلام] فلما نظر علي بن أبي طالب عليه السلام إلى [الجفنة و.ب] الطعام وشم ريحه رمى فاطمة رمياً شحيحاً، قالت له فاطمة: سبحان الله ما أشح نظرك وأشدّه هل أذنبت فيما بيني وبينك ذنب استوجب به السخطة؟ قال: وأي ذنبٍ أعظم من ذنبٍ أصبتيه! أليس عهدي إليك اليوم الماضي [ب: الحاضر] وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاماً مُذ يومين؟! قال: فنظرت إلى السماء فقالت: إلهي يعلم في سمائه ويعلم في أرضه أنى لم أقل إلاّ حقاً. فقال لها: يا فاطمة أنّى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قط [ولم أشم مثل ريحه قط. ر، ب] وما [ب، أ: لم] أكل أطيب منه قط!!. قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه الطيبة المباركة بين كتفي علي بن أبي طالب عليه السلام فغمزها ثم قال: يا علي هذا بَدلٌ بدينارك هذا جزاءٌ بدينارك {من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}. ثم استعبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكياً ثم قال: الحمد لله الذي هو أبى لكم أن تخرجا من الدنيا حتى يجزيكما هذا [أ: هنا. ر: هوابا] يا علي في المنازل الذي جزى فيها زكريا ويجزيك يا فاطمة في الذي أجزيت فيه مريم بنت عمران: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً} .

الهواري

تفسير : قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي: ضمّها زكرياء في تفسير من خَفّف قراءتها، ومن ثقّل قراءتها يقول: وكفّلها اللهُ زكريا، بنصب زكرياء. قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} ذكر بعضهم قال: كان يجد عندها فاكهة الصّيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} أي: من أين لك هذا. {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قال الله: {هُنَالِكَ َدَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [أي تقيّةً] {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} فاستجاب الله له {فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} أي في المسجد. فبينما هو قائم يصلي إذا هو برجل قائم، عليه ثياب بيض، قائم مقابله، وهو جبريل عليه السلام؛ فناداه وهو قائم يصلي في المحراب: {أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىَ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}. والكلمة عيسى عليه السلام. قوله: {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىَ} قال بعض المفسّرين: أحياه الله بالإِيمان. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}، يعني عيسى على سنته ومنهاجه. قال: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}. قال بعض المفسّرين: السيد الحسن الخلق، والحصور الذي لا يأتي النساء، يقول: حصر عنهن فلا يستطيعهن. وقال بعضهم: سيد بالعبادة والحلم والورع. والحصور الذي لا يأتي النساء. وقال مجاهد: السيد هو الكريم على الله. {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ} أي كيف يكون {لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} أي لا تلد. قال الحسن: أراد أن يعلم كيف وهب ذلك له وهو كبير، وامرأته كبيرة عاقر. وإنما ذلك بمنزلة قول إبراهيم: (أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى) تفسير : [البقرة:260]. أراد أن يزداد علماً.

اطفيش

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا}: أى قبل الله الأنثى المذكورة المسماة مريم، من أمها حنة، مكان الذكر، دعت الله أن يقبلها، إذ قالت {أية : فتقبل مِنّى}تفسير : فأجاب الله دعاءها فقبلها، فتقبل لموافقة المجرد، بمعنى: قبل ورضى، ويجوز أن يكون المعنى: أخذها منها حين ولدت، كما تأخذ القابلة الولد حين يولد وذلك بأن قدر لها من أخذها وتكفلها للعبادة، وخدمة البيت وحين ولدت، ولم يتركها حتى تكبر وتصلح للخدمة، فيناسب هذا الوجه أن يكون كقولك استقبلها كقولهم تعجل بمعنى استعجله ومعنى استقبل الأمر: أخذ بأوله.. قال القطامى: شعر : وخير الأمر ما اسْتَقْبَلْتَ منه وليس بأن تتبعه اتباعا تفسير : ومنه المثل: خذ الأمر بقوابله، ولك أن تقول: التقبل للمبالغة. {بِقَبُولٍ حَسَنٍ}: القبول مصدر ولم يقل بتقبل حسن، مع أنهُ أنسب لتقبلها وأدل على التوكيد بالمبالغة، لأن القبول يفيد معنى القبول على وفق طبع البشر، والتقبل من الصيغ التى تدل على التكلف فى الشىء، فذكر القبول ألا بصيغة تدل على التكلف فى وصف البشر بشدة الاعتناء، ليفيد المبالغة، وذكره ثانياً بلفظ يدل على أنه على وفق الطبع، والباء زائدة فى المفعول المطلق الواقع اسم مصدر، أى قبولا حسناً، أو للدلالة، وعليه فالقبول اسم لما يقبل عليه الشىء كأنه قال بوجه حسن يقبل به النذر أو بأمر ذى قبول حسن، وهو إقامتها مقام الذكر أو أخذها من حين ولدت، بأن لم تترك حتى تصلح للخدمة. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}: بأن كانت تنبت فى اليوم ما ينبت غيرها من الأولاد فى العام فى كبر الجسم والعقل، وكلما يصلح له قال ابن عباس: انبتها نبات السعادة. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}: فام بمصالحها من طعام وشراب ولباس ودهن، وغير ذلك، لما ولدت حنة امرأة عمران مريم لفتها فى خرقة، وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار وهم فى بيت المقدس، محبة وخدمة لبيت المقدس فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، أى: خذوها فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وقيل: لأنها حررت لخدمة بيت الله والعبادة وكان أبوها قد مات فتنازع فى كفالتها رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم قال مجاهد: فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندى خالتها، فقال له الأحبار: لو تركت لأحق الناس بها، لتركت لأمها التى ولدتها، ولكن نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه بها، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا، إلى نهر الأردن فألقوا فى الماء أقلامهم، على أن من رسب قلمه فى الماء فليست له، ومن صعد على الماء قلمه، فهو أولى بها، فكان اسم كل واحد مكتوب على قلمه، والقلم هو ما يتساهم به فى مثل هذا المحل، وقيل: أقلامهم التى يكتبون بها التوراة، كما قال الشيخ هود: أقلامهم التى يكتبون بها الوحى قيل: كانوا يكتبون التوراة، فألقوا أقلامهم فى الماء، كانت بأيديهم يكتبون بها، فارتفع قلم زكريا على الماء، وكان زكريا رأس الأحبار ونبتهم، وإنما كان إيشاع أخت مريم وخالتها أيضاً، لأن عمران تزوج أم حنة، فولد إيشاع، وكانت حنة بنتاً لغير عمران، ثم تزوج عمران حنة، وهى ربيبته على أن ذلك جائز فى شريعتهم، فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب، وخالتها أيضاً كذا قيل. قال السدى وغيره: أن زكريا كان زوج أختها. قال صلى الله عليه وسلم فى يحيى وزكريا أنهما أبناء الخالة. وشدد الفاء حمزة والكسائى وعاصم، وقصروا {زكريا}، فزكريا على هذه القراءة إما فاعل والتشديد للمبالغة، وإما مفعول ثان والتشديد للتعدية، وروى حفص عن عاصم: أنه مد {زكريا} ونصبه على أنه مفعول ثان وهو دال على الوجه الثانى وكذا يدل عليه قراءة أبى: وأكفلها زكريا، بالهمزة قبل الكاف، وهى للتعدية، ونصب زكريا، أى: أكفلها الله زكريا وعلى التشديد والنصب، ففاعل {كفلها} ضمير يعود إلى الله تعالى، ولما أخذها زكريا اتخذ لها مراضع، وقيل: أرضعتها زوجته أم يحيى، حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً فى المسجد، وجعل بابه فى وسطه، ولا يرقى إليه إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، ولا يأمن عليها غيره، وإذا خرج غلق عليها سبعة أبواب، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وقال الحسن: لم يسترضع لها، ولم تلقم ثدياً قط، أنبتها الله بغير رضاع. وقرأ مجاهد: فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسنا، وكفلها زكريا، بإسكان لام تقبل، وكفل، وتاء ابنتها وكسر باء أنبت، وفاء كفل بصورة الأمر تدعو الله بذلك، ونصب ربها، على النداء وزكريا على المفعول الثانى، أى: واجعلها كافلها، وهذا دليل أيضاً على الوجه الثانى المذكور آنفاً وحفص وحمزة والكسائى يقصرون {زكريا} فى القرآن كله. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً}: فاكهة الشتاء فى الصيف، وفاكهة الصيف فى الشتاء، وكان هو يأتيها بطعام الشتاء فى الشتاء، وطعام الصيف فى الصيف، قال الأصمعى: المحراب الغرفة وقيل: المحراب أيضاً أشرف المجالس ومقدمها. فقيل: وضعت فى أشرف موضع من بيت المقدس، وكذا قال الزجاج: وكذلك المحراب من المسجد تفضل جهته، ولو قيل إنهُ ليس من المسجد، وقيل: المحراب إما يرقى إليهِ بدرج، وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. واستدل الأصمعى على أنه الغرفة بقوله تعالى {أية : إذ تَسَوَّرُوا المحراب}.تفسير : قيل: سمى محراب الصلاة والعباد محراباً لأنه آلة يُحَارَب الشيطان بها، أو موضع يحارب فيه الشيطان، وكل ظرف متعلق بوجد، وما مصدرية، والمصدر من الفعل بعدها نائب فى المعنى عن ظرف الزمان، مضاف إليه كل. {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا؟}: أى من أين لك هذا؟. أو كيف لك هذا؟ والإشارة للرزق كيف كان هذا الرزق لك، وقد أغلقت عليك باباً أو سبعة أبواب، وليس هذا الوقت بأوانهّ، لم يشبه طعام الدنيا. و {أنى}: ظرف بمعنى من أين؟ أو من أى جهة؟ بنى لتضمنه معنى من الابتدائية وتتضمنه معنى همزة الاستفهام وللجمود على حال واحد، وهو متعلق بمحذوف خبر، وهذا: مبتدأ، ولك: متعلق بما تعلق به أنى، أو معنى كيف خبر لهذا، ولك: حال من المبتدأ على الجواز ولا يسمى أنه اسم إشارة، أو لك: خبر لها، وأنى: حال. {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ}: وذلك بعد ما شبت، وقيل: ذلك كله من حين أخذها، وأنها تأكل من حينئذ من رزق الجنة، وأن كلامها من ذلك الوقت كتكلم عيسى فى الصغر، وكانت تكلم فتكلم لها، أو تكلم لها تعجباً، وتفكهاً بالصبى، ولم يدر أنها تجيبه فأجابته. {إنًّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَاب}: هذا من جملة كلامها ويحتمل أن يكون من الله تعالى مستأنفاً، واختاره الطبرى، ومعنى بغير حساب بغير تقدير لكثرته، فهو كناية عن الكثرة، والله لا يخفى عليهِ شىء، وإنما يخفى الحصر على المخلوق، أو معناه تفضل بغير محاسبة، ومن كلام فيه. والآية دليل على جواز كرامات الأولياء إذ رزقها الله من الجنة، أو رزقاً لا يوجد فى ذلك الوقت، قيل: وهو أيضاً معجزة لزكريا عليه السلام واعتّرض بأنه لم يعلم بدليل قوله {أَنَّى لَكِ هَـذَا} أو بأنه لم يعلم بأخبارها إياه أن ذلك خرق عادة، سال خرقها بأن تلد له امرأته ولداً، وهما شيخان عاقران، وأجيب بأنه عالم أن ذلك الرزق من الله، وأنه سألهم تعجباً، واختباراً لها، وتقريراً. ألا ترى أنه يكرر لها القول، وتذكر بذلك أن يطلب الولد ودليل النبوة، لا يوجد مع غير النبى، بل فى النبى، لكنها لما كانت صغيرة، والمرأة لا تصلح للنبوة وكانت فى حجره، صح لها ذلك معجزة. وروى حديث : أن فاطمة رضى الله عنها، أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم، وقد جاع فى زمان القحط أثرته بتلك الهدية، فرجع بها إلى فاطمة رضى الله عنها، وقال: "هلمى يا بنيتى" فكشفت عن الطبق، فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذى جعلك شبيهة بسيدة بنى إسرائيل". ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب، والحسن والحسين، وجمع أهل بيته عليه، حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانهاتفسير : ، وذكر محمد بن إسحاق: أصابت بنى إسرائيل فاقة حتى ضعف زكريا، عن القيام بمريم، فخرج عليهم فقال: يا بنى إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سنا، وضعفت عن حمل مريم بنت عمران، فأيكم يكفلها بعدى؟ فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السفه ما ترى. فتدافعوا بينهم، ثم لم يجدوا من حملها بدا، فتقارعوا عليها الأقلام، فخرج سهم لرجل نجار، يقال له يوسف بن يعقوب، وكان ابن عم لمريم فعرفت مريم فى وجهه شدة ذلك عليه فقالت له: يا يوسف أحسن بالله ظناً، فإن الله سيرزقنا. فصار يوسف يرزق لمكانها منه، فكان يأنها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فإذا دخل عليها فى المحراب به أنماه الله فيدخل زكريا عليها فيقول: يا مريم أنَّى لكِ هذا؟ فتقول: هو من عند الله.

اطفيش

تفسير : {قَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} الهاء لمريم، وقيل لمرأة عمران، لأنها التى تكلمت ونادت، قبلها لخدمة بيت المقدس، ولم يقبل أنثى قبلها، التفعل هنا بمعنى الفعل لا للعلاج ولا للتأكيد، كذا يتبادر، ولا مانع من كونه للتأكيد، وفى ذلك تشبيه النذر بالهدية، ورضى الله بقبول الهدية {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} بأن سلمها لخدمة البيت من حين ولدت قبل أن تقدر على الخدمة، أى تقبلا حسنا، أو بوجه حسن تقبل به النذائر، أى المنذورات، وهو تسليمها عقب الولادة أو إقامتها مقام الذكر، فهو كالوضوء والسعوط بالفتح لما يفعل به الشىء {وَأْنَبتَهَا نَبَاتاً} اسم مصدر أى إنباتا {حَسنَا} رباها تربية حسنة، بعبادة ربها من صغرها، ويكبرها فى كل يوم ما يكبر غيرها فى عام، وبتعهدها بما يصلح سائر أحولها، وكانت من ذرية سليمان بن داود، لفتها أمها حنة فى خرقة وحملتها إلى الأحبار فى المسجد، وهم خدمته، تسعة وعشرون رجلا، فقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم عمران بن ماثان، وكان بنو ماثان ملوكا ورؤساء فى بنى إسرائيل، ولم يكن عمران نبيا، قال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندى، فقال له الأحبار، لوبركت لأحق الناسب ها لتركت لأمها، بل نقترع، فألقوا أقلامهم فى نهر الأردن على أنه من ثبت قلمه على الماء فهو أولى بها، وقيل، من ثبت قلمه ولم يجره الماء نهى له، وقيل، من ثبت قلمه مغروزا، كأنه غرز فى الطين، فثبت قلم زكريا، وهى أقلام من نحاس يكتبون بها التوراة، أو سهام النشاب، كتبوا عليها أسماءهم، وقيل عظاما، وأمر صبيا من خدمة بيت المقدس أن يخرج واحداً منها، فأخرج قلم زكريا، وقالوا، لا نرضى، بل نلقى الأقلام فى الماء على حد ما، فذلك ثلاث مرات، واسترضع لها المراضع، وقيل، ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا فى المسجد، وجعل بابه فى وسطه، لا يرتقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعام وشراب ودهن، وقيل، لم ترضع، بل يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا، أنى لك هذا، فتقول، هو من عند الله، وهى فى المهد كولدها عيسى عليهما السلام، ويجد عندها فاكهة الشتاء صيفا وفاكهة الصيف شتاء، وذلك كما قال عز وجل {وَكفّلَهَا زَكَرِياً} ضمن مصالحها {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} الغرفة، وهى أشرف المجالس، أو بيت المقدس، سميت لأنها محل محاربة الشياطين والنفوس بالعبادة،أو على ظاهره، أنه،آلة، لما كانت محلا للمحاربة، سماها باسم الآلة، أو المحراب قبلة المسجد، ببناء مخصوص فيها، وقيل بلا بناء، ثم حدثت هذه المهنيات فى قبلته خارجة عن الصفة، وقد قيل فى محراب مريم إنه غرفه فى بيت المقدس تصعد بسلم كباب الكعبة، وقيل المحراب المسجد، وكانت مساجدهم تسمى المحاريب، وهذه المحاريب الموجودة فى مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة منهم على والنخغى، كما أخرجه ابن أبى شيبة، وهى بدعة لم تكن فى العصر الأول، قال أبو موسى الجهنى عنه صلى الله عليه وسلم، حديث : لا تزال أمتى بخير ما لم يتخذوا فى مساجدهم مذابيح كمذابيح النصارىتفسير : ، وعن أبى عبدالله بن الجعد، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون، إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح فى المساجد، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : اتقوا هذه المذابحتفسير : ، أعنى المحاريب، وسميت مذابح لأنها على صورة بناء يتقرب فيه النصارى، للعنهم الله، بالذبح {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} جواب كلما، وهو ظرف لإضافته للمصدر المنسبك بما النائب عن الزمان متعلق بوجد، وكأنه قيل، فماذا يقول، فأجابه بقوله {قَالَ يَامَريَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} وقد غلقت عليك سبعة أبواب، وكان يغلقها عليها، ولا يدخل عليها غيره، أى قال فى المرة الأولى، ويبعد أن يكون للتكرير، كالمضارع ولو جعلناه جواب كلما أفاد التكرير بواسطة كلما، فحينئذ يتعلق كلما يقال، ويكون وجد حالا {قَالَتْ} وهى فى غير أوان النطق من الصفر {هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} من جنته {إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيِرِ حِسَابٍ} انتهى كلامها ويجوز أن يكون إن الله الخ من كلام الله تعالى، وعن ابن عباس، أنه جعل لها مرضعه واحدة، أرضعتها عامين، وقيل، لم ترضع ثديا قط، عوضها الله عنه طعام الجنة، وقيل، الطعام الذى ذكر الله عز وجل بعد ضاع الحولين، حديث : روى أن فاطمة رضى الله عنها أهدت الرسول صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم، فأرسل ذلك إليها، أو مضى به إليها مغطى، وقال: هلمى يابنية، فكشف عن الطبق، فإذا هو مملوء خبزا ولحما، فقال لها، أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يزرق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد لله الذى جعلك شبيهة بسيدة نساء بنى إسرائيل، ثم جمع عليا والحسن والحسين وأهل بيته فأكلوا وشبعوا، وبقى الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانهاتفسير : ، وروى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم جاع أياما، فطاف على نسائه وفاطمة فلم يجد شيئا، ثم أعطاها حارها رغيفين وقطعة لحم، فأرسلت إليه الحسن أو الحسين، فجاء، فكشفت عن ذلك، فإذا هو أضعاف، فعلمت أنه من عند اللهتفسير : ، فقرأت الآية، وهذا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا كرامة لفاطمة، وما فى الآية كرامة لمريم رضى الله عنها،لا معجزة ليسدنا محمد فى هذه، وزكريا فى الآية، صلى الله عليهما وسلم، والحق أن كرامة الأولياء ثابتة وأنكرها المعتزلة، فزعم بعضهم أن ذلك إرهاص لعيسى، وبعضهم إرهاص لزكرياء، ولا يلزم الإرهاص لنبى أن يكون عالما به.

الالوسي

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا } أي رضي بمريم في النذر مكان الذكر ففيه تشبيه النذر بالهدية ورضوان الله تعالى بالقبول {رَبُّهَا } أي رب مريم المبلغ لها إلى كمالها اللائق بها، وقيل: الضمير لامرأة عمران بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها: {أية : رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا} تفسير : [آل عمران: 36] الخ، والأول أولى {بِقَبُولٍ حَسَنٍ } الباء مثلها في ـ كتبت بالقلم ـ و ـ القبول ـ ما يقبل به الشيء ـ كالسعوط واللدود ـ ما يسعط به ويلد أي تقبلها بوجه حسن تقبل به النذائر وهو اختصاصه سبحانه إياها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى، أو تسلمها من أمها عقب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة والخدمة. فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما وضعتها خشيت حنة أن لا تقبل الأنثى محررة فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء فتساهم القراء عليها ـ لأنها كانت بنت إمامهم ـ أيهم يأخذها فقال زكريا وهو رأس الأحبار: أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي، فقالت القراء: ولكنا نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها فدعوا بأقلامهم التي يكتبون بها الوحي وجمعوها في موضع ثم غطوها، وقال زكريا لبعض من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم ممن في بيت المقدس: أدخل يدك فأخرج فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا: لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكفلها فألقوا أقلامهم في نهر الأردن فارتفع قلم زكريا في جري الماء فقالوا: نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكفلها فألقوا أقلامهم فجرى قلم زكريا مع الماء وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا، ويجوز أن تكون الباء للملابسة. و ـ القبول ـ مصدر وهو من المصادر الشاذة وهناك مضاف محذوف، والمعنى رضي بها متلبسة بأمر ذي قبول، ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام، ويجوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل ـ كتعجل بمعنى استعجل ـ والمعنى فاستقبلها ربها وتلقاها من أول وهلة من ولادتها بقبول/ حسن وأظهر الكرامة فيها حينئذٍ ـ وفي المثل خذ الأمر بقوابله ـ وجوز أن تكون الباء زائدة، و ـ القبول ـ مصدر مؤكد للفعل السابق بحذف الزوائد أي قبلها قبولاً حسناً، وعدل عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعل مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكلف وكون الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المراد بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوة الفعل وكثرته، ويحتمل على بعد بعيد أن تكون الباء للمصاحبة بمعنى مع ـ أي تقبل نذرها ـ مع قبول حسن لدعاء أمها في حقها وحق ذريتها حيث أعاذهما من الشيطان الرجيم من أول الولادة إلى خاتمة الحياة. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } أي رباها الرب تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي رواية عنه أنه سوى خلقها فكانت تشب في يوم ما يشب غيرها في عام، وقيل: تعهدها بما يصلحها في سائر أحوالها، ففي الكلام استعارة تمثيلية أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإن الزارع يتعهد زرعه بسقيه عند الاحتياج وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النبات. و {نَبَاتاً } هنا مصدر على غير لفظ الفعل المذكور وهو نائب عن إنبات، وقيل: التقدير فنبتت نباتاً، والنبات والنبت بمعنى. وقد يعبر بهما عن النابت. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وهو من ولد سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ـ أي ضمها الله تعالى إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها ـ على ما ذكر في حديث ابن عباس، وكل ذلك من آثار قدرته تعالى، ولم يكن هناك وحي إليه بذلك، وقرأ بتشديد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا {زَكَرِيَّا } غير عاصم في رواية ابن عياش ـ وهو مفعول به لكفلها ـ وقرأ الباقون بتخفيف الفاء ومدوا {زَكَرِيَّا } ورفعوه على الفاعلية ـ وفيه لغتان أخريان ـ إحداهما: ـ زكرى ـ بياء مشددة من غير ألف، وثانيتهما: ـ زكر ـ بغير ياء ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: لألف التأنيث، وقرأ أبـي (وأكفلها)، وقرأ مجاهد ـ فتقبلها ربها وأنبتها وكفلها ـ على صيغة الدعاء في الأفعال الثلاثة ونصب ـ ربها ـ على النداء أي فاقبلها يا ربها وربِها، واجعل زكريا كافلاً لها، وقد استجاب الله تعالى دعاءها في جميع ذلك، والذي عليه الأكثرون وشهدت له الأخبار أن كفالة زكريا كانت من أول أمرها، وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن وليس بالقوي. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } بيان لقبولها ولهذا لم يعطف، والمحراب على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما غرفة بنيت لها في بيت المقدس وجعلت بابها في وسط الحائط وكانت لا يصعد عليها إلا بسلم مثل باب الكعبة، وقيل: المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب؛ وقيل: أشرف مواضعه ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد في رأي، وأصله مفعال صيغة مبالغة ـ كمطعان ـ فسمي به المكان لأن المحاربين نفوسهم كثيرون فيه، وقيل: إنه يكون اسم مكان وسمي به لأن محل محاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدح:شعر : جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب تفسير : وتقديم الظرف على الفاعل لإظهار كمال العناية بأمرها، ونصب {ٱلْمِحْرَابَ } على التوسع إذ حق الفعل أن يتعدى بفي؛ أو بإلى وإظهار الفاعل قيل: لفصل الجملة، و {كُلَّمَا } ظرف على أن (ما) مصدرية، والزمان محذوف أو نكرة موصوفة معناها الوقت، والعائد محذوف والعامل فيها جوابها بالاتفاق لأن ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري فيها الخلاف المذكور في أسماء الشرط، ومن الناس من وهم فقال: إن ناصبه فعل/ الشرط، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الشطرنج جملاً والمعنى كل زمان دخل عليها أو كل وقت دخل عليها فيه. {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } أي أصاب ولقي بحضرتها ذلك أو ذلك كائناً بحضرتها، أخرج ابن جرير عن الربيع قال: إنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، والتنوين للتعظيم فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك من ثمار الجنة والذي عليه الجل أن ذلك عوض لها عن الرضاعة، فقد روي أنها لم ترضع ثدياً قط، وقيل: إن هذا كان بعد أن ترعرعت، ففي رواية ابن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن زكريا عليه الصلاة والسلام استأجر لها ظئراً فلما تم لها حولان فطمت وتركت في المحراب وحدها وأغلقت عليها الباب ولم يتعهد أمرها سواه». {قَالَ يَـا مَرْيَمُ } استئناف بياني {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } أي من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة دونك، ومجىء {أَنَّى } بمعنى من أين، أو كيف تقدم الكلام عليه، واستشهد للأول بقوله:شعر : تمنى بوادي الرمث زينب ضلة فكيف ومن (أنّى) بذي الرمث تطرق تفسير : وللثاني بقوله:شعر : ـ أنى ومن أين ـ أبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب تفسير : وحذف حرف الجر من {أَنّى } نحو حذف ـ في ـ من الظروف اللازمة للظرفية من نحو ـ مع، وسحر ـ لأن الشيء إذا علم في موضع جاز حذفه، والتحقيق أن الظروف محل التوسع لكثرة استعمالهم إياها وكل ظرف يستعمل مع حرف صلته التي يكثر معها استعمالها ـ لأن اتصالها بمظروفها بتلك الحروف ـ فجاز حذفها كما جاز حذف ـ في ـ إلا أنها لما كانت الأصل لوضعها للظرفية اطرد حذفها من المتصرفة وغير المتصرفة، وغيرها من صلات الظروف لا يحذف إلا مع ما يكثر من غير المتصرفة حطاً لرتبتها عن رتبة ـ في ـ كما في «الكشف». واستدل بالآية على جواز الكرامة للأولياء لأن مريم لا نبوة لها على المشهور، وهذا هو الذي ذهب إليه أهل السنة والشيعة وخالف في ذلك المعتزلة، وأجاب البلخي منهم عن الآية بأن ذلك كان إرهاصاً وتأسيساً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأجاب الجبائي بأنه كان معجزة لزكريا عليه الصلاة والسلام، ورد الأخير بأن اشتباه الأمر عليه يأبـى ذلك، ولعله مبني على الظاهر، وإلا ففي اقتضاء هذه العبارة في نفس الأمر الاشتباه نظر لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه، والقول ـ بأن اشتباه زكريا في أنها معجزة لا ينافي كونها معجزة لاشتباه أنه من الجنة أو من بساتين الدنيا ليس بشيء كما لا يخفى. {قَالَتْ } استئناف كالذي قبله {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } قيل: أرادت من الجنة، وقيل: مما رزقنيه هو لا بواسطة البشر فلا تعجب ولا تستبعد، وقيل: تكلمت بذلك صغيرة كعيسى عليه الصلاة والسلام وقد جمع من تكلم كذلك فبلغوا أحد عشر نفساً، وقد نظمهم الجلال السيوطي فقال:شعر : تكلم في المهد النبـي (محمد) (ويحيـى وعيسى والخليل ومريم) ومبرى (جريج) ثم (شاهد يوسف) (وطفل لذي الأخدود) يرويه مسلم (وطفل) عليه مر بالأمة التي يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون (طفلها) وفي زمن الهادي (المبارك) يختم تفسير : /{إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء } من عباده أن يرزقه {بِغَيْرِ حِسَابٍ } تقدم معناه، والجملة تعليل لكونه من عند الله، والظاهر أنها من كلام مريم فحينئذٍ تكون في محل النصب داخلة تحت القول، وقال الطبري: إنها ليست من كلامها بل هي مستأنفة من كلامه تعالى إخباراً لنبيه صلى الله عليه وسلم، والأول أولى، وقد أخرج أبو يعلى عن جابر: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً فأتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ فقالت: لا والله فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وقالت: لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له: بـي أنت وأمي قد أتى الله تعالى بشيء قد خبأته لك قال: هلمي يا بنية بالجفنة فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله تعالى فحمدت الله تعالى وقدمته إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فلما رآه حمد الله تعالى، وقال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبتي هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله سبحانه ثم قال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله تعالى رزقاً فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت فاطمة رضي الله تعالى عنها على جيرانها». تفسير : هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } نهى عن موالاة المؤمنين الكافرين لعدم المناسبة بينهم في الحقيقة ولفرق بين الظلمة والنور والظل والحرور، والولاية تقتضي المناسبة ومتى لم تحصل كانت الولاية عن محض رياء أو نفاق والله تعالى لا يحب المرائين ولا المنافقين، ومن هنا نهى أهل الله تعالى المريدين عن موالاة المنكرين لأن ظلمة الإنكار ـ والعياذ بالله تعالى ـ تحاكي ظلمة الكفر وربما تراكمت فسدت طريق الإيمان، {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ} ولاية {ٱللَّهِ} تعالى {فِي شَيْءٍ} معتد به إذ ليس فيه نورية صافية يناسب بها الحضرة الإلۤهية {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } فحينئذٍ تجوز الموالاة ظاهراً، وهذا بالنسبة للضعفاء وأما من قوي يقينه فلا يخشى إلا الله تعالى {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أي يدعوكم إلى التوحيد العياني لئلا يكون خوفكم من غيره {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [آل عمران: 28] فلا تحذروا إلا إياه، والأكثرون على أن هذا خطاب للخواص العارفين إذ لا يحذر نفسه من لا يعرفه وقد حذر من دونهم بقوله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] قال إبراهيم الخواص: وعلامة الخوف في القلب دوام المراقبة وعلامة المراقبة التفقد للأحوال النازلة {قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ } من الموالاة {أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } لأنه مع كل نفس وخطرة {وَيَعْلَمُ مَا فِى } سماوات الأرواح وأرض الأجسام {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تفسير : [آل عمران: 29] فلا يشغله شأن عن شأن ولا يقيده مظهر عن مظهر {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء } لأن كل ما يعمله الإنسان أو يقوله ينتقش منه أثر في نفسه ويسطر في صحائف النفوس السماوية إلا أنه لاشتغاله بالشواغل الحسية والإدراكات الوهمية والخيالية لا يرى تلك النقوش ولا يبصر هاتيك السطور فإذا تجرد عن عالم الكثافة بصر ورأى وشاهد ما به قلم الاستعداد جرى فإذا وجد سوءاً {تَوَدُّ } نفسه وتتمنى {لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } لتعذبها به {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } كرره تأكيداً لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه {أية : وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } تفسير : [آل عمران: 30] أي بسائرهم فلهذا حذرهم،/ أو بمن اتصف بمقام العبودية وانقطع إليه بالكلية {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى } لأني سيد المحبين {يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } وحقيقة المحبة عند العارفين احتراق القلب بنيران الشوق، وروح الروح بلذة العشق، واستغراق الحواس في بحر الأنس، وطهارة النفس بمياه القدس، ورؤية الحبيب بعين الكل، وغمض عين الكل عن الكونين، وطيران السر في غيب الغيب، وتخلق المحب بخلق المحبوب ـ وهذا أصل المحبة ـ وأما فرعها فهو موافقة المحبوب في جميع ما يرضاه وتقبل بلائه بنعت الرضا والتسليم في قضائه وقدره بشرط الوفا، ومتابعة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما آدابها فالانقطاع عن الشهوات واللذات المباحة والسكون في الخلوات، والمراقبات، واستنشاق نفحات الصفات، والتواضع والذل في الحركات والسكنات:شعر : مساكين أهل العشق حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر تفسير : وهذا لا يكون إلا بعد أن ترى الروح بعين السر مشاهدة الحق بنعت الجمال وحسن القدم لا بنعت الآلاء والنعم لأن المحبة متى كانت من تولد رؤية النعماء كانت معلولة وحقيقة المحبة ما لا علة فيها بين المحب والحبيب سوى ذات الحبيب، ولذا قالوا: لا تصح المحبة ممن يميز بين النار والجنة وبين السرور والمحنة وبين الفرض والسنة وبين الاعتواض والاعتراض ولا تصح إلا ممن نسي الكل واستغرق في مشاهدة المحبوب وفني فيه:شعر : خليلي لو أحببتما لعلمتما محل الهوى من مغرم القلب صبه تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى يتوق ومن يعلق به الحب يصبه غرام على يأس الهوى ورجائه وشوق على بعد المراد وقربه تفسير : وقد يقال: المحبة ثلاثة أقسام، القسم الأول: محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها وهو حب يتغير وهو لمتابعي الأعمال الذين يطلبون أجراً على ما يعملون، وفيه يقول أبو الطيب:شعر : وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيف هوى يرجى عليه ثواب تفسير : القسم الثاني: محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إجلالاً وإعظاماً ولأنه أهل لذلك، وإلى هذا القسم أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه»تفسير : ، وقالت رابعة رحمها الله تعالى:شعر : أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا تفسير : وهذا الحب لا يتغير إلى الأبد لبقاء الجمال والجلال إلى السرمد القسم الثالث: محبة خواص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلۤهية في مكامن «كنت كنزاً مخفياً» وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة، وحقيقتها أن يفنى المحب بسطوتها فيبقى بلا هو وربما بقي صاحبها حيران سكران لا هو حي فيرجى ولا ميت فيبكى، وفي مثل ذلك قيل:شعر : يقولون إن الحب كالنار في الحشا ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد وما هو إلا جذوة مس عودها ندى فهي لا تذكو ولا تتوقد تفسير : ويكفي في شرح الحب لفظه فإنه ـ حاء وباء ـ والحاء من حروف الحلق، والباء شفوية، ففيه إشارة إلى أن الهوى ما لم يستول على قلبه ولسانه وباطنه وظاهره وسره وعلنه لا يقال له: حب، وشرح ذاك يطول، وهذه محبة العبد لربه، وأما محبة ربه سبحانه له فمختلفة أيضاً، وإن صدرت من محل واحد فتعلقت بالعوام من حيث/ الرحمة فكأنه قيل لهم: اتبعوني بالأعمال الصالحة يخصكم الله تعالى برحمته، وتعلقت بالخواص من حيث الفضل فكأنه قيل لهم: اتبعوني بمكارم الأخلاق يخصكم بتجلي صفات الجمال، وتعلقت بخواص الخواص من حيث الجذبة فكأنه قيل لهم: اتبعوني ببذل الوجود يخصكم بجذبه لكم إلى نفسه، وهناك يرتفع البون من البين، ويظهر الصبح لذي عينين والقطرة من هذه المحبة تغني عن الغدير:شعر : وفي سكرة منها ولو عمر ساعة ترى الدهر عبداً طائعاً وله الحكم تفسير : {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي معاصيكم التي سلفت منكم على خلاف المتابعة ولا يعاقبكم عليها أو يغفر لكم ذنوبكم بستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته أو يغفر لكم ذنوب وجودكم ويثيبكم مكانه وجوداً لا يفنى كما قال: «حديث : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» تفسير : الحديث {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يكفر خطاياكم ويمحو ذنوب صفاتكم ووجودكم {أية : رَّحِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 31] يهب لكم عوض ذاك حسنات وصفات ووجوداً حقانية خيراً من ذلك {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } فإن المريد يلزمه متابعة المراد {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي فإن أعرضوا فهم كفار منكرون محجوبون {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 32] لقصور استعدادهم عن ظهور جماله فيهم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 33] الاصطفاء أعم من المحبة والخلة فيشمل الأنبياء كلهم وتتفاضل فيه مراتبهم كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [البقرة: 253] فأخص المراتب هو المحبة، وإليه يشير قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ }تفسير : [البقرة: 253] ثم الخلة، وفي لفظها إشارة إلى ذلك من طريق مخارج الحروف وأعمها الاصطفاء، فاصطفى آدم بتعليم الصفات وجمع اليدين وإسجاد الأكوان له، ونوحاً الذي هو الأب الثاني بتلك الأبوة وبما كان له مع قومه، واصطفى آل إبراهيم وهم الأنبياء من ذريته بظهور أنوار تجليه الخاص على آفاق وجودهم، وآل عمران بجعلهم آية للعالمين ذرية بعضها من بعض في الدين والحقيقة إذ الولادة قسمان: صورية ومعنوية، وكل نبـي تبع نبياً في التوحيد والمعرفة وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ والولد سر أبيه، ويمكن أن يقال: آدم هو الروح في أول مقامات ظهورها، ونوح هو هي في مقامها الثاني من مقامات التنزل وإبراهيم هو القلب الذي ألقاه نمرود النفس في نيران الفتن ورماه فيها بمنجنيق الشهوات، وآله القوى الروحانية، وعمران هو العقل الإمام في بيت مقدس البدن، وآله التابعون له في ذلك البيت المقتدون به، وكل ذلك ذرية بعضها من بعض لوحدة المورد واتفاق المشرب {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } تفسير : [آل عمران: 35] عن رق النفس مخلصاً في عبادتك عن الميل إلى السوي {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قال الواسطي: محفوظ عن إدراك الخلق {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} حيث سقاها من مياه القدرة وأثمرها شجرة النبوة {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } لطهارة سره، وشبيه الشيء منجذب إليه {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } هو ما علمت، ويجوز أن يراد الرزق الروحاني من المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند الله تعالى إذ الاختصاص بالعندية يدل على كونه أشرف من الأرزاق البدنية. وأخرج ابن أبـي حاتم من بعض الطرق عن مجاهد أنه قال: رزقاً أي علماً، وقد يقال على نحو الأول ليتم تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } وهي النفس في أول مراتب طاعتها لعمران العقل {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } وهو غلام القلب {مُحَرَّرًا } ليس في رق شيء من المخلوقات {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } وهي نفس أيضاً إلا أنها أكمل منها في المرتبة، والجنس يلد الجنس {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } لعلمه أنه سيظهر من هذه الأنثى العجب العجاب، وغيره سبحانه تخفى عليه الأسرار {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } وهي العابدة/ {أية : وَإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }تفسير : [آل عمران: 36] وهوالشهوات النفسانية الحاجبة للنفس القدسية عن رياض الملكوت {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } وهو اختصاصه إياها بإفاضة أنواره عليها {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ورقاها فيما تكمل به نشأتها ترقياً حسناً غير مشوب بالعوائق والعلائق {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } الاستعداد {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا } وتوجه نحوها في محراب تعبدها المبني لها في بيت مقدس القلب {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } تتغذى به الأرواح في عالم الملكوت {قَالَ أَنّىٰ لَكِ هَـٰذَا } الرزق العظيم {قَالَتْ هُوَ} مفاض {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} منزه عن الحمل بيد الأفكار {إِنَّ ٱللَّهَ } الجامع لصفات الجمال والجلال {يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } ويفيض عليهم من علمه حسب قابليتهم {أية : بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37] فسبحانه من إله وجواد كريم وهاب.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، وضمائر النصب لمريم. ومعنى تقبلها: تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس، أي أقام الله مريم مقام منقطع لله تعالى، ولم يكن ذلك مشروعاً من قبل. وقوله: { بِقَبُولٍ حَسَنٍ} الباء فيه للتأكيد، وأصل نظم الكلام: فتقبّلها قبولاً حسناً، فأدخلت الباء على المفعول المطلق ليصير كالآلَة للتقبل فكأنه شيء ثانٍ، وهذا إظهار للعناية بها في هذا القبول، وقد عرف هذا القبول بوحي من الله إلى زكرياء بذلك، وأمره بأن يكفلها زكرياء أعظم أحبارهم، وأن يوحى إليه بإقامتها بعد ذلك لخدمة المسجد، ولم يكن ذلك للنساء قبلها، وكل هذا إرهاصٌ بأنه سيكون منها رسول ناسخ لأحكام كثيرة من التوراة؛ لأنّ خدمة النساء للمسجد المقدّس لم تكن مشروعة. ومعنى: {وأنبتها نباتاً حسناً}: أنشأها إنشاء صالحاً، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغضّ على طريق الاستعارة، (ونبات) مفعول مطلق لأنبَت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت للتخفيف. {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}. عُدَّ هذا في فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأنّ أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مُربّاه. وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أَبِيَّا ابن باكر بن بنيامين من كَهَنة اليهود، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجاً امرأةً من ذرية هارون اسمها (اليصابات) وكانت امرأته نسيبَة مريم كما في إنجيل لوقا قيل: كانت أختها والصحيح أنّها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحْبار بني إسرائيل حرصاً. على كفالة بنت حبرهم الكبير، واقترعوا على ذلك كما يأتي، فطارت القرعة لزكرياء، والظاهر أنّ جعل كفالتها للأحبار لأنّها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربّى تربيَةً صالحة لذلك. وقرأ الجمهور: {وكَفَلها زكرياءُ} - بتخفيف الفاء من كفَلها - أي تولَّى كفالتها، وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: وكَفّلها - بتشديد الفاء - أي أنّ الله جعل زكرياء كافلاً لها، وقرأ الجمهور زكرياء بهمزة في آخره، ممدوداً وبرفع الهمزة. وقرأه حمزة، والكسائي وحفص عن عاصم، وخلفٌ: بالقصر، وقرأه أبو بكر عن عاصم: بالهمز في آخره ونصب الهمزة. {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. دل قوله: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقاً} على كلام محذوف، أي فكانت مريم ملازِمة لخدمة بيت المقدس، وكانت تتعبد بمكان تتخذه بها مِحراباً، وكان زكرياء يتعهد تعبدها فيرى كرامةً لها أنّ عندها ثِماراً في غير وقت وجود صنفها. و{كلّما} مركّبة من (كُلَ) الذي هو اسم لعموم ما يضاف هو إليه، ومن (مَا) الظرفية وصلتِها المقدّرةِ بالمصدر، والتّقدير: كلّ وقتِ دُخولِ زَكرياء عليها وجد عندها رزقاً. وانتصب كل على النيابة عن المفعول فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} تفسير : في سورة [البقرة: 25]. فجملة وجد عندها رزقاً حال من زكرياء في قوله {أية : وكفَلها زكرياء}تفسير : [آل عمران: 36]. ولك أن تجعل جملة {وجد عندها رزقاً} بدلَ اشتمال من جملة {وكفّلها زكريّاء}. والمحراب بناء يتّخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته، وأكثر ما يتخذ في علوّ يرتقي إليه بسلّم أو درج، وهو غير المسجد. وأطلق على غير ذلك إطلاقات، على وجه التشبيه أو التوسّع كقول عمر بن أبي ربيعة: شعر : دمْيةٌ عند راهب قسيس صوّرُوها في مذبح المحرابتفسير : أراد في مذبح البيعةِ، لأنّ المحراب لا يجعل فيه مذبح. وقد قيل: إنّ المحراب مشتق من الحَرْب لأن المتعبّد كأنّه يحارب الشيطان فيه، فكأنّهم جعلوا ذلك المكان آلة لمِحرَب الشيطان. ثم أطلق المحراب عند المسلمين على موضع كشكل نصف قبّة في طول قامة ونصف يجعل بموضع القبلة ليقف فيه الإمام للصلاة. وهو إطلاق مولد وأول محراب في الإسلام محراب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صنع في خلافة الوليد بن عبد الملك، مدةَ إمارة عُمَر بن عبد العزيز على المدينة. والتعريف في {المحراب} تعريف الجنس ويعلم أنّ المراد محراب جعلته مريم للتعبّد. و(أنّى) استفهام عن المكان، أي من أين لك هذا، فلذلك كان جواب استفهامه قوله: {من عند الله}. واستفهام زكرياءَ مريمَ عن الرزق لأنه في غير إبَّانِه ووقتِ أمثاله. قيل: كان عِنباً في فصل الشتاء. والرزق تقدم آنفاً عند قوله: {يرزق من يشاء بغير حساب}. وجملة {إنّ الله يرزق من يشاء} من كلام مريم المحكي. والحساب في قوله: {بغير حساب} بمعنى الحصر لأنّ الحساب يقتضي حصر الشيء المحسوب بحيث لا يزيد ولا ينقص، فالمعنى إنّ الله يرزق من يريد رزقه بما لا يعرف مقداره لأنه موكول إلى فضل الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰمَرْيَمُ} (37) - فَتَقَبَّلَهَا رَبُهَا نَذِيرَةً مُحَرَّرَةً لِلْعِبَادَةِ وَخِدْمَةِ بَيْتِهِ، وَأحْسَنَ نَشْأَتَهَا وَنَباتَها، وَقَرَنَها بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، تَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ العِلْمَ وَالخَيْرَ وَالدِّينَ. وَجَعَلَ زَكَريّا كَافِلاً لَهَا، إتْمَاماً لِسَعَادَتِهَا، لِتَقْتَبِسَ مِنْهُ العِلْمَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ. وَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا مَكَانَ مُصَلاَّهَا (المِحْرَابَ) وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً، فَكَانَ زَكَرِيّا يَسْأَلُهَا مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الرِّزْقُ يَا مَرْيَمُ؟ فَتَرُدُّ عَلَيهِ قََائِلَةً إنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ الذِي يَرْزُقُ النَّاسَ جَمِيعاً بِتَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَهُوَ تَعَالَى يََرْزُقَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ رِزْقاً كَثِيراً بِلاَ حُدُودٍ؟ تَقَبَّلَهَا رَبُّهَا - قَبِلَهَا رَاضِياً بِهَا. أَنْبَتَهَا - رَبَّاهَا وَجَعَلَ زَكَرِيَّا كَافِلاً لَهَا وَرَاعِياً لِمَصَالِحِهَا. المِحْرَابَ - المُصَلَّى أوْ غُرْفَةَ العِبَادَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد عرفنا القبول الحسن والإنبات الحسن، أما قوله الحق: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] فهذا يعني أن المسألة جاءت من أعلى، إنه الرب الذي تقبل بقبول حسن، وهو الذي أنبتها نباتاً حسناً. إذن، فرعاية زكريا لها إنما جاءت بأمر من الله. والدليل على ما حدث عند كفالة مريم. لقد اجتمع كبار القوم رغبة في كفالتها وأجروا بينهم قرعة من أجل ذلك. وساعة تجد قرعة، أو إسهاماً. فالناس تكون قد خرجت من مراداتها المختلفة إلى مراد الله. فعندما نختلف على شيء فإننا نجري قرعة، ويخصص سهم لكل مشترك فيها، ونرى بعد ذلك من الذي يخرج سهمه، ويلجأ الناس لهذا الأمر؛ ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الاختيار، ويصبح الأمر خارجاً عن مراد البشر إلى مراد الله سبحانه وتعالى، وهذا ما حدث عند كفالة زكريا لمريم. ولذلك فالحق يقول لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 44]. إذن فالكفالة لمريم أخذت لها ضجة، وهذا دليل على أنهم اتفقوا على إجراء قرعة بالنسبة لكفالتها، ولا يمكن أن يكونوا قد ذهبوا إلى هذه القرعة إلا إذا كان قد حدث تنازع بينهم، عن أيهم يكفل مريم، ومن فضل الله أن زكريا عليه السلام كان متزوجاً من "إشاع" " أخت" "حنة" وهي أم مريم، فهو زوج خالتها. وكلمة "أقلامهم" قال فيها المفسرون: إنها القداح التي كانوا يصنعونها قديماً، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة، فرموها في البحر، فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم، ومن غرق قلمه في البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم. إذن فهم قد خرجوا عن مراداتهم إلى مراد الله. والخروج عن المرادات، والخروج عن الأهواء بجسم ليس له اختيار - كقداح القرعة - لا يوجد في النفس غضاضة. لكن لو كان هناك من سيأخذ رعاية مريم بالقوة والغصب فلا بد أن يجد نفوس الآخرين وقد امتلأت بالمرارة أو الغضب. ولذلك فقد كان سائداً في ذلك العصر عملية إجراء السهام إذا ما خافوا أن يقع الظلم على أحد أو أن يساء الظن بأحد، وهناك قصة سيدنا يونس عندما قاربت السفينة على الغرق، وكان لا بد لإنقاذها أن ينزل واحد إلى البحر، وجاء القول الحكيم: {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ * فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الصافات: 139-144]. كان لا بد أن ينزل واحد من تلك السفينة، لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى لا تقوم معركة بين الموجودين على ظهر السفينة، وحتى لا تكون الغلبة للأقوياء، ولكن القرعة حمت الناس من ظلم بعضهم بعضاً. قالوا: لنجر قرعة السهام، فمن يخرج سهمه فهو الذي يلقى به، وكان على يونس عليه السلام أن ينزل إلى اليم فيلتقمه الحوت. ولأنه من المسبحين فإن الله ينقذه. لقد قبل يونس عليه السلام اختيار الله ولم ينس تسبيح الله فكان في ذلك الإنقاذ له. وهكذا نقرأ قول الله لنفهم أن كفالة زكريا كانت باختيار الله. {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37]. وكلمة "كفلها" أي تولى كل مهمة تربيتها، هذه هي الكفالة، ونحن نعرف أن الكفيل في عرفنا هو الضامن، والضامن هو من يسد القرض عندما يعجز الإنسان عن السداد، وقوله الحق: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] يعطينا المعنى الواضح بأن زكريا عليه السلام هو الذي قام برعاية شئون مريم. ويتابع الحق الكريم قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37] إنه لم يدخل مرة واحدة، بل دخل عليها المحراب مرات متعددة. وكان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم يجد عندها الرزق، ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق، ولا بد أن يكون تساؤله معبرا عن الدهشة، لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} [آل عمران: 37]. وساعة أن تسمع "أنى لك هذا؟" فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد به مريم، وإلا لظن أن هناك أحداً قد دخل على مريم، وكما يقولون: فإن زكريا كان يقفل على مريم الأبواب. وإلا لو كانت الأبواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر لها تلك الألوان المتعددة من الرزق. والرزق هو ما ينتفع به - بالبناء للمجهول - وعندما يقول زكريا عليه السلام: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} [آل عمران: 37]. فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقاً من أن أي إنسان وكله الله على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة أو حدود الدخل، فلا بد أن يسأل كُلاًّ منهم: من أين لك هذا؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من عدم الإهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد: من أين لك هذا؟ إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدي فستاناً مرتفع الثمن ويفوق طاقة الأسرة، أو يجد ابنه قد اشترى شيئاً ليس في طاقة الأسرة أن تشتريه، هنا يجب أن يتوقف الأب أو الولي ليسأل: من أين لك هذا؟ إن في ذلك حماية لأخلاق الأسرة من الانهيار أو التحلل. فلو فطن كل واحد أن يسأل أهله ومن يدخلون في كفالته - "من أين لك هذا؟" لعرف كل تفاصيل حركتهم، لكن لو ترك الحبل على الغارب لفسد الأمر. وقول زكريا: "أنّى لك هذا؟" هو سؤال محدد عن مصدر هذا الرزق، ولننظر إلى إجابتها: {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 37] ثم لا تدع البديهة الإيمانية عند سيدنا زكريا دون أن تذكره أنها لا تنسى حقيقة واضحة في بؤرة شعور كل مؤمن: {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] وأثارت هذه المسألة في نفس زكريا نوازع شتى؛ إنها مسألة غير عادية، لقد أخبرته مريم أن الرزق الذي عندها هو من عند الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب، إنه الإله هو القادر على أن يقول: "كن" فيكون. وهنا ذكر زكريا نفسه، وكأن نفسه قد حدثته: "إذا كانت للقدرة طلاقة في أن تفعل بلا أسباب، وتعطي من غير حساب، فأنا أريد ولداً يخلفني، رغم أنني على كبر ورغم بلوغي من السن عتيّا، وامرأتي عاقر. إن مسألة الرزق الذي وجده زكريا كلما دخل على مريم هي التي نبهت زكريا إلى ما يتمنى ويرغب. ونحن نعلم أن المعلومات التي تمر على خاطر النفس البشرية كثيرة، ولكن لا يستقر في بؤر الشعور إلا الذي يصر عليه الإنسان، وهناك فرق بين معلومات توجد في بؤرة الشعور. ومعلومات في حاشية الشعور يتم استدعاؤها عند اللزوم، فلما وجد زكريا الرزق المنوع عند مريم وقالت له عن مصدره: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]. هنا تساءل زكريا: كيف فاتني هذا الأمر؟ ولذلك يقول الحق عن زكريا: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} معناهُ ضَمَّها. تفسير : وقوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} فالمِحْرَابُ: سَيدُ المَجَالِسِ، ومُقَدمُهَا وأَشْرَفُها، وكَذَلِكَ المَساجِدُ. تفسير : وقوله تعالى: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} معناهُ مِن أَينَ لَكِ هَذا.

الأندلسي

تفسير : {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} القبول مصدر بفتح القاف وهو مصدر قبل جعل تقبّل بمعنى قبل كعجب وتعجب والباء الظاهر انها زائدة أي فقبلها قبولاً حسناً وقيل الباء ليست بزائدة فالقبول اسم لما يقبل به الشيء. كالسعوط. {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} عبارة عن حسن النشأة والجودة في خَلق وخُلق وإنشائها على الطاعة والعبادة. قال ابن عباس: لما بلغت تسع سنين صامت النهار وقامت الليل حتى أربت على الأحبار وقيل لم تجر عليها خطيئة. وانتصب نباتاً على أنه مصدر على غير المصدر أو مصدر لفعل محذوف أي فنبتت نباتاً حسناً. وقرىء {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} أي ضمها إليه حالة التربية. وقرىء وكفّلها زكريا أي كفلها الله تعالى. ويقال كفل. يكفل كعلم ويعلم وكفل يكفل كقتل يقتل لغتان. وقرىء فتقبلْها وأنبتها وكفّلها على الأمر وربّها على النصب نداء منها فتكون الجمل إذ ذاك من كلام أم مريم دعت ربها بهذه الدعوات. وقرىء زكريا بالمد والقصر ويأتي الكلام في سبب تكفيل زكريا مريم. قال ابن اسحاق: كان زكريا تزوج خالتها لأنه وعمران كانا سلفين على أختين فولدت امرأة زكريا يحيى وولدت امرأة عمران مريم وزكريا نبي معصوم وهو ابن داود بن مسلم وهو من ولد سليمان عليه السلام. قال ابن إسحاق: ضمها إلى خالتها أمّ يحيى حتى إذا شبّت وبلغت مبلغ النساء بني لها محراباً في المسجد وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليه ألا بسُلّم مثل باب الكعبة ولا يصعد إليها غيره. {كُلَّمَا} تدل على التكرار وتقدم الكلام عليها في البقرة والعامل فيها فعل ماض وقد جاء مضارعاً قليلاً في قول الشاعر: شعر : علاه بسيف كلما هز يقطع تفسير : أي قطع وقيل هنا كلام محذوف تقديره فلما صلحت للعبادة احتجبت عن أهلها في مكان بعيد منفردة للعبادة وكان زكريا يأتيها وتبناها إذ كان هو كافلها. والرزق هنا قيل: هو فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ولم يعيّن في القرآن، ولا صح تعيينه في ألسنة ولما استغرب زكريا ذلك. {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} أي من أين لك هذا فأجابته بقوله: {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي هو مسبب الأشياء وموجدها. وجوابها لسؤاله ظاهره أنه لم يأت به آدمي البتة بل هو رزق يتعهدني به الله تعالى. {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ} ظاهره أنه من كلام مريم عليها السلام. {هُنَالِكَ} إسم إشارة للمكان البعيد. قيل: وقد يستعمل للزمان، ولما كان المحراب مكان عبادة وكرامة لمريم. {دَعَا زَكَرِيَّا} فيه بأن يهب الله له ذرية طيبة ولما كان دعاؤه على سبيل ما لا تسبّب فيه لكبر سنه وعقر امرأته وكان وجوده كالوجود من غير سبب أي هبة مخصّة منسوبة إلى الله تعالى، بقوله: {مِن لَّدُنْكَ} أي من جهتك بمحض قدرتك من غير توسط سبب. وختم بقوله: {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي مجيبه. كما ختمت أمُ مريم دعاءها في قولها: فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. وطيب الذرية كونها صالحة خالصة لعبادة الله كما جاءت مريم كذلك. {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} ظاهره أنها باشرته بالنداء ليلقى سمعه إلى ما تكلمه الملائكة وتخبره عن تبشير الله له بالهبة وانه تعالى قبل دعاءه في ذلك. {وَهُوَ قَائِمٌ} جملة حالية نادته حالة التباسه بهذه العبادة العظيمة وهي الصلاة في المكان الشريف المخصوص بالعبادة. {بِيَحْيَـىٰ} أي بولادة يحيى منك ويحيى علم. والظاهر أنه أعجمي لأنه ليس من لسانهم وقرىء فناداه وفنادته. وقرىء ان الله يكسر الهمزة على تقدير قول محذوف في مذهب أهل البصرة وفي إجراء النداء مجرى القول في مذهب الكوفيين وبفتحها على تقدير الباء أي بأن الله. وقرىء يبشرك مخفف الشين، ويبشرك مضارع بشر بتشديد الشين ويبشرك مضارع أبشر بالهمزة. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ} هي عيسى عليه السلام وأطلق عليه كلمة لأنه ناشىء عن لفظ كن المستعار لسرعة التكوين. وقرىء بكلمة بكسر الكاف وسكون اللام في جميع القرآن. {وَسَيِّداً} السيد المطاع الفائق أقرانه والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. وترتبت هذه الأوصاف لحسن ترتيب بدأ فذكر التصديق أولاً وهو الإِيمان ثم السيادة وهو كونه فاق الناس في الخصال الحميدة ثم الحصر من النساء اللاتي هن ملاذ الرجال، ثم النبوة التي هي أشرف الأوصاف. وتقدم الكلام في الصلاح ما هو في البقرة في قوله: {أية : لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [البقرة: 130]. وصفات يحيى هذه مقابلة لصفات مريم اشتركا في التصديق وفي السيادة إذ كان سيد بني إسرائيل وكانت سيدة نساء العالمين وكان لا يأتي النساء وكانت عذراء. وقد قيل: انها كانت نبيّة لقوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا}تفسير : [مريم: 17]. {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} تقدم أن الملائكة بشرته بيحيى فسأل عن كيفية ذلك أيكون ذلك مع كوننا في سن من لا يولد له لكبر عمره أم ذلك على رجوعنا إلى الشبيبة، فأخبره تعالى أنه يولد لهما على علوّ سنهما من الكبر حتى قيل أن عمره كان مائة سنة وعشرين سنة وعمرها ثمانية وتسعين سنة. وقال الزمخشري: استبعاد من حيث العادة. كما قالت مريم. "انتهى". وعلى ما قاله لو كان استبعاداً لما سأله بقوله: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة، لأنه لا يسأل إلا ما كان ممكناً لا سيما الأنبياء لأن خرق العادة في حقهم كثير الوقوع. {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} جملتان حاليتان صدرت الأولى بالفعل الماضي، والثانية اسمية، لأن بلوغ الكبر مما يتجدد والعقر لا يتجدد وبلوغه تأثيره فيه وهو على سبيل المجاز. وفي سورة مريم وقد بلغت من الكبر عتيا. {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} أي مثل ذلك الفعل، وهو تكوّن الولد بين الفاني والعاقر يفعل الله ما يشاء من الأفعال الغريبة فيكون إخباراً عن الله أنه يفعل الأشياء التي تتعلق بها مشيئته فعلاً مثل ذلك الفعل لا يعجزه شيء بل سبب إيجاده هو تعلق الإِرادة سواء أكان من الأفعال الجارية على العادة أم من التي لا تجري على العادة فتكون الكاف في موضع نصب والعامل يفعل. وقيل: كذلك الله مبتدأ وخبر فتكون في موضع رفع وعلى حذف مضاف أي كذلك صنع الله أو فعله ويفعل ما يشاء جملة مفسّرة للإِبهام الذي في اسم الإِشارة. {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} سؤال عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له. {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يكون العلوق بيحيى. {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} الظاهر أنه سأل آية تدل على أنه يولد له فأجابه بأن آيته انتفاء الكلام منه مع الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً وانتفاء الكلام قد يكون لتكليف به أو بملزومه في شريعتهم وهو الصوم أو لمنع قهري مدة معينة لآفة تعرض في الجارحة أو لغير آفة قالوا مع قدرته على الكلام بذكر الله سبحانه وتعالى. (قال) الزمخشري: ولذلك قال: واذكر ربك إلى آخره، يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة. "انتهى". ولا يتعين ما قاله لما ذكرناه من احتمالات وجوه الانتفاء ولأن الأمر بالذكر والتسبيح ليس مقيداً بالزمان الذي لا يكلم الناس فيه وعلى تقدير تقييد ذلك لا يتعين أن يكون الذكر والتسبيح بالنطق والكلام وانتصب ثلاثة أيام على الظرف لا على المفعول به خلافاً للكوفيين لانتفاء الفعل في جميعها ودخل في الأيام الليالي ألا ترى إلى قوله ثلاث ليال سوياً. {إِلاَّ رَمْزاً} ظاهره أنه استثناء منقطع، وقيل: متصل. والرمز الإِشارة بالشفتين أو العين أو الحاجب أو اليد. وقرىء رمزاً بضمتين وهو مصدر جاء على فعل. وقرىء رمزاً بفتحتين وهو مصدر كقولهم: غلب غلباً. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} الظاهر أنه باللسان. {وَسَبِّحْ} مفعوله محذوف. أي وسبحه والظاهر أنه أريد {بِٱلْعَشِيِّ} آخر النهار. {وَٱلإِبْكَارِ} أوله، إذ العشي: وقت ارتفاع الأعمال، والإِبكار: وقت ابتدائها. وقرىء والإِبكار بفتح الهمزة جمع بكر. تقول: آتيك بكراً أي بكرة.

همام الصنعاني

تفسير : 393- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً}: [الآية: 37]، قال: وحد عنْدها ثمرة في غير زَمَانِها. {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}: [الآية: 37].