٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قولنا: ثم، وهناك، وهنالك، يستعمل في المكان، ولفظة: عند، وحين يستعملان في الزمان، قال تعالى: {أية : فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 119] وهو إشارة إلى المكان الذي كانوا فيه، وقال تعالى: {أية : إِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } تفسير : [الفرقان: 13] أي في ذلك المكان الضيق، ثم قد يستعمل لفظة {هُنَالِكَ } في الزمان أيضاً، قال تعالى: {أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقّ } تفسير : [الكهف: 44] فهذا إشارة إلى الحال والزمان. إذا عرفت هذا فنقول: قوله {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } إن حملناه على المكان فهو جائز، أي في ذلك المكان الذي كان قاعداً فيه عند مريم عليها السلام، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه، وإن حملناه على الزمان فهو أيضاً جائز، يعني في ذلك الوقت دعا ربه. المسألة الثانية: اعلم أن قوله {هُنَالِكَ دَعَا } يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء، وقد اختلفوا فيه، والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا: هو أن زكريا عليه السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، ومن فاكهة الشتاء في الصيف، فلما رأى خوارق العادات عندها، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضاً فيرزقه الولد من الزوجة الشيخة العاقر. والقول الثاني: وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، وإرهاصات الأنبياء قالوا: إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك، واعلم أن القول الأول أولى، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضاً فعلاً خارقاً للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم، والزوجة العاقر من خوارق العادات، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى. فإن قيل: إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام. فإن قلنا: إنه كان عالماً بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سبباً لزيادة علمه بقدرة الله تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر. والجواب: أنه كان قبل ذلك عالماً بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالماً به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات. المسألة الثالثة: إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة، فحينئذ تصير دعوته مردودة، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هكذا قاله المتكلمون، وعندي فيه بحث، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقاً، وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا يكون معصية، ثم إنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب، وذلك لا يكون نقصاناً بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون فإن أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على باب الخالق. أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: {هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في لفظة {لَّدُنْ } فسيأتي في سورة الكهف والفائدة في ذكره ههنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى: أُريد منك إلٰهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من هذه الأسباب. المسألة الثانية: لذرية النسل، وهو لفظ يقع على الواحد، والجمع، والذكر والأنثى، والمراد منه ههنا: ولد واحد، وهو مثل قوله {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } تفسير : [مريم: 5] قال الفراء: وأنث {طَيّبَةً } لتأنيث الذرية في الظاهر، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ، وتارة على المعنى، وهذا إنما نقوله في أسماء الأجناس، أما في أسماء الأعلام فلا، لأنه لا يجوز أن يقال جاءت طلحة، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان ذلك الشخص مذكراً لم يجز فيها إلا التذكير. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء } ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه، وهو كقول المصلين: سمع الله لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة مريم {أية : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } تفسير : [مريم: 4].
ابن كثير
تفسير : لما رأى زكريا عليه السلام أن الله يرزق مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وكان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم واشتعل رأسه شيباً، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقراً، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفياً، وقال: {رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ} أي: من عندك {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي: ولداً صالحاً {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}. قال تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ} أي: خاطبته الملائكة شفاهاً خطاباً، أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان. وقوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}. روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: بعيسى بن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}، قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام، وهكذا قال السدي أيضاً. قوله: {وَسَيِّدًا} قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. قال قتادة: سيداً في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد: الحكيم المتقي. قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله عز وجل. وقوله: {وَحَصُورًا} روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له، ولا ماء له. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء. وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، يعني: ابن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص ـ لا يدري عبد الله أو عمرو ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} قال: ثم تناول شيئاً من الأرض، فقال: «حديث : كان ذكره مثل هذا»تفسير : . ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} ثم أخذ شيئاً من الأرض، فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة، فهذا موقوف أصح إسناداً من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله أعلم. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا، فإن الله يقول {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا}»تفسير : . قال: «حديث : وإنما ذكره مثل هدبة الثوب»تفسير : وأشار بأنملته، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان المقري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا؛ فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين»تفسير : ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض، فأخذها وقال: «حديث : وكان ذكره مثل هذه القذاة».تفسير : وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان {وَحَصُورًا} ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوباً، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها؛ كأنه حُصِر عنها. وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء، وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم قمعها، إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله عز وجل كيحيى عليه السلام، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه، درجة عليا، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن، وقيامه عليهن، وإكسابه لهن، وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: «حديث : حبب إليّ من دنياكم»تفسير : هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور، ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: {هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} كأنه قال: ولداً له ذرية ونسل وعقب، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقوله: {وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله لأم موسى: {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7] فلما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ} أي: الملك: {كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىۤ ءَايَةً} أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني {قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} أي: إشارة، لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: {أية : ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً}تفسير : [مريم: 10] ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِبْكَـٰرِ}. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُنَالِكَ } أي لما رأى زكريا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } لما دخل المحراب للصلاة في جوف الليل {قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } من عندك {ذُرّيَّةً طَيّبَةً } ولداً صالحاً {إِنَّكَ سَمِيعُ } مجيب {ٱلدُّعَاء }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {هُنَالِكَ } ظرف يستعمل للزمان والمكان، وأصله للمكان، وقيل: إنه للزمان خاصة، وهناك للمكان، وقيل: يجوز استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، واللام للدلالة على البعد، والكاف للخطاب. والمعنى: أنه دعا في ذلك المكان الذي هو قائم فيه عند مريم، أو في ذلك الزمان أن يهب الله له ذرية طيبة، والذي بعثه على ذلك ما رآه من ولادة حنة لمريم، وقد كانت عاقراً، فحصل له رجاء الولد، وإن كان كبيراً، وامرأته عاقراً، أو بعثه على ذلك ما رآه من فاكهة الشتاء في الصيف، والصيف في الشتاء عند مريم؛ لأن من أوجد ذلك في غير وقته يقدر على إيجاد الولد من العاقر، وعلى هذا يكون هذا الكلام قصة مستأنفة سيقت في غضون قصة مريم لما بينهما من الارتباط. والذرية: النسل، يكون للواحد، ويكون للجمع، ويدل على أنها هنا للواحد. قوله: {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً}تفسير : [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وتأنيث طِّيبة لكون لفظ الذرية مؤنثاً. قوله: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } قرأ حمزة، والكسائي: «فناداه»، وبذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود. وقرأ الباقون: «فنادته الملائكة»، قيل: المراد هنا جبريل، والتعبير بلفظ الجمع عن الواحد جائز في العربية، ومنه: {حديث : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران: 173]؛ وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الظاهر من إسناد الفعل إلى الجمع والمعنى الحقيقي مقدّم، فلا يصار إلى المجاز إلا لقرينة. قوله: {وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية، و {يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } صفة لقوله: {قَائِمٌ } أو خبر ثان لقوله: {وَهُوَ }. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ } قريء بفتح أنّ، والتقدير بأن الله، وقريء بكسرها على تقدير القول. وقرأ أهل المدينة "يبشرك" بالتشديد. وقرأ حمزة بالتخفيف. وقرأ حميد بن قيس المكي بكسر الشين، وضم حرف المضارعة. قال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد، والقراءة الأولى هي التي وردت كثيراً في القرآن، ومنه {أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ } تفسير : [الزمر: 17] {أية : فَبَشّرْهُم بِمَغْفِرَةٍ }تفسير : [يۤس: 11] {أية : فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ } تفسير : [هود: 71] {أية : قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الحجر: 55] وهي: قراءة الجمهور. والثانية: لغة أهل تهامة، وبها قرأ أيضاً عبد الله بن مسعود، والثالثة من أبشر يبشر إبشاراً. ويحيـى ممتنع إما لكونه أعجمياً أو لكون فيه وزن الفعل، كيعمر مع العلمية. قال القرطبي حاكياً عن النقاش: كان اسمه في الكتاب الأول حنا. انتهى. والذي رأيناه في مواضع من الإنجيل أنه يوحنا. قيل: سمي بذلك؛ لأن الله أحياه بالإيمان، والنبوّة. وقيل: لأن الله أحيا به الناس بالهدى. والمراد هنا: التبشير بولادته، أي: يبشرك بولادة يحيـى. وقوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } أي: بعيسى عليه السلام، وسمي كلمة الله؛ لأنه كان بقوله سبحانه "كن"، وقيل: سمي كلمة الله؛ لأن الناس يهتدون به، كما يهتدون بكلام الله. وقال أبو عبيد: معنى: {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } بكتاب من الله، قال: والعرب تقول أنشدني كلمته، أي: قصيدته، كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان، فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. انتهى. ويحيـى أوّل من آمن بعيسى، وصدّق، وكان أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل: بستة أشهر. والسيد: الذي يسود قومه. قال الزجاج: السيد: الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. والحصور: أصله من الحصر، وهو الحبس، يقال حصرني الشيء، وأحصرني: إذا حبسني، ومنه قول الشاعر:شعر : وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أنْ تكون تَبَاعَدتْ عَلَيْكَ وَلا أن أحْصَرتك شُغولُ تفسير : والحصور: الذي لا يأتي النساء، كأنه يحجم عنهن، كما يقال رجل حصور، وحصير: إذا حبس رفده، ولم يخرجه، فيحيـى عليه السلام كان حصوراً عن إتيان النساء، أي: محصوراً لا يأتيهنّ، كغيره من الرجال، إما لعدم القدرة على ذلك، أو لكونه يكف عنهنّ منعاً لنفسه عن الشهوة مع القدرة. وقد رجّح الثاني بأن المقام مقام مدح، وهو لا يكون إلا على أمر مكتسب يقدر فاعله على خلافه، لا على ما كان من أصل الخلقة، وفي نفس الجبلة. وقوله: {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: ناشئاً من الصالحين، لكونه من نسل الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين، كما في قوله: {أية : وَإِنَّهُ فِى ٱلأخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [البقرة: 130]. قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم، قوله: {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } ظاهر هذا أن الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، وذلك لمزيد التضرّع، والجدّ في طلب الجواب، عن سؤاله، وقيل: إنه أراد بالربّ جبريل، أي: يا سيدي، قيل: وفي معنى هذا الاستفهام، وجهان: أحدهما أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها؟ وقيل: معناه بأيّ سبب استوجب هذا، وأنا، وامرأتي على هذه الحال؟ والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما؛ لأنه كان يوم التبشير كبيراً، قيل: في تسعين سنة، وقيل: ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك قال: {وََقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} أي: والحال ذلك، جعل الكبر، كالطالب له لكونه طليعة من طلائع الموت، فأسند الفعل إليه. والعاقر: التي لا تلد، أي: ذات عقر على النسب، ولو كان على الفعل لقال عقيرة، أي: بها عقر يمنعها من الولد، وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طِّيبة، ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم استعظاماً لقدرة الله سبحانه لا لمحض الاستبعاد، وقيل: إنه قد مرّ بعد دعائه إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل: عشرون سنة، فكان الاستبعاد من هذه الحيثية. قوله: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أي: يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو: إيجاد الولد من الشيخ الكبير، والمرأة العاقر، والكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر يفعل، أو الكاف في محل رفع على أنها خبر، أي: على هذا الشأن العجيب شأن الله، ويكون قوله: {يَفْعَلُ مَا يَشَاء } بياناً له، أو الكاف في محل نصب على الحال، أي: يفعل الله الفعل كائناً مثل ذلك. قوله: {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أي: علامة أعرف بها صحة الحبل، فأتلقى هذه النعمة بالشكر {قال آيتك ألا تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } أي: علامتك أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار، ووجه جعل الآية هذا؛ لتخلص تلك الأيام لذكر الله سبحانه شكراً على ما أنعم به عليه، وقيل: بأن ذلك عقوبة من الله سبحانه له بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين. والرمز في اللغة: الإيماء بالشفتين، أو العينين، أو الحاجبين، أو اليدين، وأصله الحركة، وهو: استثناء منقطع، لكون الرمز من غير جنس الكلام، وقيل: هو متصل على معنى أن الكلام ما حصل به الافهام من لفظ، أو إشارة، أو كتابة، وهو بعيد. والصواب الأوّل، وبه قال الأخفش، والكسائي. قوله: {وَسَبّحْ } أي: سبحه {بِٱلْعَشِىّ } وهو: جمع عشية، وقيل: هو واحد، وهو: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل، وهو ضعيف جداً {وَٱلإبْكَـٰرِ } من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة. قوله: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ} الظرف متعلق بمحذوف، كالظرف الأول {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } اختارك {وَطَهَّرَكِ } من الكفر، أو من الأدناس على عمومها {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: هذا الاصطفاء الآخر غير الاصطفاء الأوّل، فالأوّل هو: حيث تقبلها بقبول حسن، والآخر لولادة عيسى. والمراد بالعالمين هنا قيل: نساء عالم زمانها، وهو الحق، وقيل: نساء جميع العالم إلى يوم القيامة، واختاره الزجاج، وقيل: الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء الأول، والمراد بهما جميعاً: واحد. قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ} أي: أطيلي القيام في الصلاة، أو أديميه؛ وقد تقدّم الكلام على معاني القنوت، وقدّم السجود على الركوع، لكونه أفضل، أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب. وقوله: {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ } ظاهره أن ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة. وقيل: المعنى: أنها تفعل مثل فعلهم، وإن لم تصلّ معهم. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها. والوحي في اللغة: الإعلام في خفاء، يقال وحي، وأوحى بمعنى. قال ابن فارس: الوحي الإشارة، والكتابة، والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى تعلمه. قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي: تحضرنهم يعني المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفي حضوره عندهم مع كونه معلوماً؛ لأنهم أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحاً لم يبق طريق للعلم به إلا المشاهدة، والحضور، وهم لا يدّعون ذلك، فثبت كونه، وحياً مع تسليمهم أنه ليس ممن يقرأ التوراة، ولا ممن يلابس أهلها. والأقلام جمع قلم، من قلمه: إذا قطعه، أي: أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: قداحهم {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } أي: يحضنها، أي: يلقون أقلامهم؛ ليعلموا أيهم يكفلها، وذلك عند اختصامهم في كفالتها، فقال زكريا: هو: أحق بها لكون خالتها عنده، وهي أشيع أُخت حنة أمّ مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها لكونها بنت عالمنا، فاقترعوا، وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف قلمه، ولم يجر مع الماء، فهو صاحبها، فجرت أقلامهم، ووقف قلم زكريا، وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: لما رأى زكريا ذلك، يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، عند مريم قال: إن الذي أتى بهذا مريم في غير زمانه قادر أن يرزقني ولداً، فذلك حين دعا ربه. وأخرج ابن عساكر، عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي: {ذُرّيَّةً طَيّبَةً } يقول: مباركة. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن مسعود: "فناداه جبريل، وهو قائم يصلي في المحراب"، وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي أنه قال: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } أي: جبريل. وأخرج ابن المنذر، عن السدي قال: المحراب المصلى. وقد أخرج الطبراني، والبيهقي، عن ابن عمرو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اتقوا هذه المذابح»تفسير : يعني: المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» تفسير : وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة؛ قال: إنما سمي يحيـى؛ لأن الله أحياه بالإيمان. وأخرجوا، عن ابن عباس قال: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } قال: عيسى بن مريم هو: الكلمة. وأخرج ابن جرير، من طريق ابن جريج، عنه قال: كان يحيـى، وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيـى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، وهو: أوّل من صدق بعيسى. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَسَيّدًا } قال: حليماً تقياً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: السيد الكريم على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن المسيب قال: السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَسَيّدًا وَحَصُورًا } قال: السيد الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد، عن سعيد بن جبير في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان ذكره مثل هدبة الثوب» تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، من وجه آخر، عن ابن عمرو موقوفاً، وهو أقوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن شعيب الجبائي قال: اسم أم يحيـى أشيع. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {ٱجْعَل لِّى ءايَةً } قال: بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {آيتك ألاّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } قال: إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، فبشرته بيحيـى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه، فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: الرمز الإشارة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } قال: العشيّ ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أوّل الفجر. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج نحوه، أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن حبان، والحاكم، من حديثه مرفوعاً، وفي الصحيحين، وغيرهما من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام» تفسير : وفي المعنى أحاديث كثيرة، وكلها تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر، عن مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع نسوة سادات نساء عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالماً فاطمة»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أطيلي الركوع يعني: القيام. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أخلصي. وأخرج عن قتادة قال: أطيعي ربك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} قال: إن مريم لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: ألقوا أقلامهم في الماء، فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا، فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج، أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عطاء: أنها القداح.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} اختلف في سبب دعائه على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً. والثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. {قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} يعني هب لي من عندك ولداً مباركاً، وقصد بالذرية الواحد. {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ} أي تجيب الدعاء، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه. قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ} قرأ حمزة، والكسائي: {فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ}، وفي مناداته قولان: أحدهما: أنه جبريل وحده، وهو قول السدي. والثاني: جماعة من الملائكة. {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} قيل إنما سمّاه يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان، وسماه بهذا اسم قبل مولده. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: بكتاب من الله، وهذا قول أبي عبيدة وأهل البصرة. والثاني: يعني المسيح، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي. واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين: أحدهما: أنه خلقه بكلمته من غير أب. والثاني: أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله عز وجل. {وَسَيِّداً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الخليفة، وهو قول قتادة. والثاني: أنه التقي، وهو قول سالم. والثالث: أنه الشريف، وهو قول ابن زيد. والرابع: أنه الفقيه العالم، وهو قول سعيد بن المسيب. والخامس: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم، وهذا قول بعض المتكلمين. {وَحَصُوراً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان عِنَّيناً لا ماء له، وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس، والضحاك. والثاني: أنه كان لا يأتي النساء، وهو قول قتادة، والحسن. والثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، لأنه كان معه مثل الهْدبة، وهو قول سعيد بن المسيب. قوله عز وجل:{قَالَ: رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} وإنما جاز له أن يقول: وقد بلغني الكبر لأنه بمنزلة الطالب له. {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} أي لا تلد. فإن قيل: فَلِمَ راجع بهذا القول بعد أن بُشَّرَ بالولد، ففيه جوابان: أحدهما: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب، أم على حال الكبر، فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي على هذه الحال، وهذا قول الحسن. والثاني: أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً. قوله عز وجل: {قَالَ:رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً} أي علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به. {قَالَ:ءَايَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: تحريك الشفتين وهو قول مجاهد. والثاني: الإشارة، وهو قول قتادة. والثالث: الإيماء، وهو قول الحسن. {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيراً} لم يمنع من ذكر الله تعالى، وذلك هي الآية. {وَسَبِّحْ بِالْعَشِّيِ وَالإِبْكَارِ} والعشي: من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، وأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة. وأما الإبكار فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء.
ابن عطية
تفسير : هناك في كلام العرب إشارة إلى مكان فيه بعد أو زمان، و {هنالك} باللام أبلغ في الدلالة على البعد، ولا يعرب {هنالك} لأنه إشارة فأشبه الحروف التي جاءت لمعنى، ومعنى هذه الآية: أن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ومكانتها منه وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن أسنت وأن الله تقبلها وجعلها من الصالحات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم واشتعال شيب وذلك لخوفه الموالي من ورائه حسبما يتفسر في سورة مريم إن شاء الله فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة، و "الذرية" اسم جنس يقع على واحد فصاعداً كما الولي يقع على اسم جنس كذلك، وقال الطبري: إنما أراد هنا بالذرية واحداً ودليل ذلك طلبه ولياً ولم يطلب أولياء، وأنث "الطيبة" حملاً على لفظ الذرية كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : أبوك خليفةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الْكَمَالُ تفسير : وكما قال الآخر: شعر : فما تزدري مِنْ حَيَّةٍ جَبليَّة؟ سِكَات إذا ما عضَّ لَيْسَ بأدْرَدا تفسير : وفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام، و {طيبة} معناه سليمة في الخلق والدين نقية، و {سميع} في هذه الآية بناء اسم فاعل. ثم قال تعالى: {فنادته الملائكة} وترك محذوف كثير دل ما ذكر عليه، تقديره فقبل الله دعاءه ووهبه يحيى وبعث الملك أو الملائكة بذلك إليه فنادته، وذكر أنه كان بين دعائه والاستجابة له بالبشارة أربعون سنة، وذكر جمهور المفسرين: أن المنادي المخبر إنما كان جبريل وحده وهذا هو العرف في الوحي إلى الأنبياء، وقال قوم: بل نادرت ملائكة كثيرة حسبما تقتضيه ألفاظ الآية، وقد وجدنا الله تعالى بعث ملائكة إلى لوط وإلى إبراهيم عليه السلام وفي غير ما قصة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود وقراءته "فناداه جبريل وهو قائم يصلي"، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو: "فنادته" بالتاء "الملائكة"، وقرأ حمزة والكسائي "فناداه الملائكة" بالألف وإمالة الدال، قال أبو علي: من قرأ بالتاء فلموضع الجماعة والجماعة ممن يعقل في جمع التكسير تجري مجرى ما لا يعقل، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال كما تقول: هي الجذوع وهي الجمال، ومثله: {أية : قالت الأعراب} تفسير : [الحجرات: 14]. قال الفقيه الإمام: ففسر أبو علي على أن المنادي ملائكة كثيرة، والقراءة بالتاء على قول من يقول: المنادي جبريل وحده متجهة على مراعاة لفظ الملائكة، وعبر عن جبريل بالملائكة إذ هو منهم، فذكر اسم الجنس كما قال تعالى: {أية : الذين قال لهم الناس} تفسير : [آل عمران: 173] قال أبو علي: ومن قرأ "فناداه الملائكة"، فهو كقوله تعالى: {أية : وقال نسوة في المدينة} تفسير : [يوسف: 30]. قال القاضي: وهذا على أن المنادي كثير، ومن قال إنه جبريل وحده كالسدي وغيره فأفرد الفعل مراعاة للمعنى، وعبر عن جبريل عليه السلام بالملائكة إذ هو اسم جنسه، وقوله تعالى: {فنادته} عبارة تستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به فلم يكن هذا من الملائكة إخباراً على عرف الوحي بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل، وقوله تعالى: {وهو قائم} جملة في موضع الحال، و {يصلي} صفة لقائم، و {المحراب} في هذا الموضع موقف الإمام من المسجد، وقرأ ابن عامر وحمزة: "إن الله" بكسر الألف، قال أبو علي: وهذا على إضمار القول، كأنه قال {فنادته الملائكة} فقالت وهذا كقوله تعالى: {أية : فدعا ربه أني مغلوب} تفسير : [القمر: 10] على قراءة من كسر الألف، وقال بعض النحاة: كسرت بعد النداء والدعاء لأن النداء والدعاء أقوال، وقرأ الباقون بفتح الألف من قوله: {أن الله يبشرك} قال أبو علي: المعنى فنادته بأن الله فلما حذف الجار منها وصل الفعل إليها فنصبها، فــ"إن" في موضع نصب، وعلى قياس قول الخليل في موضع جر، وفي قراءة عبد الله "في المحراب، يا زكرياء إن الله"، قال أبو علي: فقوله "يا زكرياء" في موضع نصب بوقوع النداء عليه، ولا يجوز فتح الألف في "إن" على هذه القراءة لأن نادته قد استوفت مفعوليها أحدهما الضمير، والآخر المنادى، فإن فتحت "إن" لم يبق لها شيء متعلق به، قال أبو علي: وكلهم قرأ {في المحراب} بفتح الراء إلا ابن عامر فإنه أمالها، وأطلق ابن مجاهد القول في إمالة ابن عامر الألف من محراب ولم يخص به الجر من غيره، وقال غير ابن مجاهد: إنما نميله في الجر فقط. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يبشرك"، بضم الياء وفتح الباء والتشديد في كل القرآن إلا في "عسق" فإنهما قرآ {أية : ذلك الذي يبشر الله عباده} تفسير : [الشورى: 23] بفتح الياء، وسكون الباء، وضم الشين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر، "يبشِّرك بشد الشين المكسورة في كل القرآن، وقرأ حمزة "يبشُر" خفيفاً بضم الشين مما لم يقع في كل القرآن إلا قوله تعالى، {أية : فبم تبشرون} تفسير : [الحجر:54] وقرأ الكسائي "يبشر" مخففة في خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكرياء وقصة مريم وفي سورة بني إسرائيل والكهف، ويبشر المؤمنين، وفي "عسق" {يبشر الله عباده}، قال غير واحد من اللغويين: في هذه اللفظة ثلاث لغات، بشّر بشد الشين، وبشر بتخفيفها، وأبشر يبشر إبشاراً، وهذه القراءات كلها متجهه فصيحة مروية، وفي قراءة عبد الله بن مسعود "يُبشِرك" بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة من - أبشر- وهكذا قرأ في كل القرآن. و {يحيى} اسم سماه الله به قبل أن يولد، قال أبو علي: هو اسم بالعبرانية صادف هذا البناء، والمعنى من العربية، قال الزجاج: لا ينصرف لأنه إن كان أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل، وقال قتادة: سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان {مصدقاً} نصب على الحال وهي مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: {بكلمة من الله}، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي وغيرهم، "الكلمة" هنا يراد بها عيسى ابن مريم. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة منه تعالى لا بسبب إنسان آخر كعرف البشر، وروى ابن عباس: أن امرأة زكرياء قالت لمريم وهما حاملتان: إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك، وفي بعض الروايات، يسجد لما في بطنك قال، فذلك تصديقه. قال الفقيه أبو محمد: أي أول التصديق، وقال بعض الناس: {بكلمة من الله}، معناه بكتاب من الله الإنجيل وغيره من كتب الله فأوقع المفرد موقع الجمع، فكلمة اسم جنس، وعلى هذا النظر سمت العرب القصيدة الطويلة كلمة، وقوله تعالى: {وسيداً} قال فيه قتادة: أي والله سيد في الحلم والعبادة والورع، وقال مرة: معناه في العلم والعبادة، وقال ابن جبير: {وسيداً} أي حليماً، وقال مرة: السيد التقي وقال الضحاك: {وسيداً} أي تقياً حليماً، وقال ابن زيد: السيد الشريف، وقال ابن المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال ابن عباس: {وسيداً} يقول، تقياً حليماً، وقال عكرمة: السيد الذي لا يغلبه الغضب. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه كل من فسر من هؤلاء العلماء المذكورين السؤدد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السؤدد ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه فلم يفسر بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل {مصدقاً بكلمة من الله} وتحصل التقى بباقي الآية، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاحتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم وكف الأذى، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات وجبر الكسير والإفضال على المسترقد، والإنقاذ من الهلكات، وانظر أن النبي عليه السلام قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر يجمع الله الأولين والآخرين، وذكر حديث شفاعته في إطلاق الموقف، وذلك منه احتمال في رضى ولد آدم فهو سيدهم بذلك، وقد يوجد من الثقات العلماء من لا يبرز في هذه الخصال، وقد يوجد من يبرز في هذه فيسمى سيداً وإن قصر في كثير من الواجبات أعني واجبات الندب والمكافحة في الحق وقلة المبالاة باللائمة، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحداً أسود من معاوية بن أبي سفيان قيل له، وأبو بكر وعمر؟ قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسود منهما، فهذه إشارة إلى أن معاوية برز في هذه الخصال ما لم يواقع محذوراً، وأن أبا بكر وعمر كانا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذلك من أنفسهما وإقامة الحقائق على الناس بحيث كانا خيراً من معاوية ومع تتبع الحقائق وحمل الناس على الجادة وقلة المبالاة برضاهم والوزن بقسطاس الشريعة تحريراً ينخرم كثير من هذه الخصال التي هي السؤدد ويشغل الزمن عنها، والتقى والعلم والأخذ بالأشد أوكد وأعلى من السؤدد، أما إنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام، وليس هذا الذي يحسن بواجب ولا بد، كما ليس التتبع والتحرير في الشدة بواجب ولا بد، وهما طرفا خير حفتهما الشريعة، فمن صائر إلى هذا ومن صائر إلى هذا، ومثال ذلك، حاكم صليب معبس فظ على من عنده أدنى عوج لا يعتني في حوائج الناس، وآخر بسط الوجه بسام يعتني فيما يجوز، ولا يتتبع ما لم يرفع إليه وينفذ الحكم مع رفق بالمحكوم عليه فهما طريقان حسنان. وقوله تعالى: {وحصوراً} أصل هذه اللفظة الحبس والمنع، ومنه الحصير لأنه يحصر من جلس عليه ومنه سمي السجن حصيراً وجهنم حصيراً، ومنه حصر العدو وإحصار المرض والعذر، ومنه قيل للذي لا ينفق مع ندمائه حصور، قال الأخطل: [البسيط] شعر : وشارِب مرْبح بالْكَأْسِ نَادَمني لا بالحصورِ وَلاَ فِيها بِسَوَّارِ تفسير : ويقال للذي يكتم السر حصور وحصر، قال جرير: [الكامل] شعر : وَلَقَدْ تَسَاقَطَني الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا حَصِراً بسرِّكِ يا أميمُ ضَنِينَا تفسير : وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام إنما هي الامتناع من وطء النساء إلا ما حكى مكي من قول من قال: إنه الحصور عن الذنوب أي لا يأتيها، وروى ابن المسيب عن ابن العاصي إما عبد الله وإما أبوه عن النبي عليه السلام، أنه قال: حديث : كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء تفسير : ، قال: ثم دلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض فأخذ عويداً صغيراً، ثم قال: حديث : وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله سيداً وحصوراً تفسير : ، وقال ابن مسعود " الحصور" العنين، وقال مجاهد وقتادة: "الحصور" الذي لا يأتي النساء، وقال ابن عباس والضحاك: الحصور الذي لا ينزل الماء. قال القاضي: ذهب بعض العلماء إلى أن حصر يحيى عليه السلام كان لأنه لم يكن له إلا مثل الهدبة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان لأنه كان عنيناً لا يأتي النساء وإن كانت خلقته غير ناقصة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان بأنه يمسك نفسه تقى وجلداً في طاعة الله وكانت به القدرة على جماع النساء، قالوا: وهذا أمدح له وليس له في التأويلين الأولين مدح، إلا بأن الله يسر له شيئاً لا تكسب له فيه، وباقي الآية بيّن، وروي من صلاحه عليه السلام أنه كان يعيش من العشب وأنه كان كثير البكاء من خشية الله حتى خدد الدمع في وجهه طرقاً وأخاديد.
ابن عبد السلام
تفسير : {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} بإذنه له في ذلك، لأنه معجز فلا يطلب إلا بإذن، أو لما رأى خرق العادة في رزق مريم طمع في الولد من عاقر فدعا {طَيِّبةَ} مباركة. {سَمِيعُ الدُّعَآءِ} مجيب الدعاء، لأن الإجابة بعد السماع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {هنالك دعا زكريا ربه} يعني أنه عليه السلام دخل محرابه وأغلق الأبواب وسأل ربه الولد {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} يعني أنه قال: يا رب أعطني من عندك ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً والذرية تطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هنا الواحد وإنما قال طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إنك سميع الدعاء} أي سامعه ومجيبه.
ابن عادل
تفسير : القصة الثانية "هنا" هو الاسم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وهو منصوب على الظرف المكاني بـ "دَعَا" وزان "ذلك"، وهو منصوب على الظرف المكاني، بـ "دعا" أي: في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى من أمر مريمَ، وهو ظرف لا يتصرف بل يلزم النصبَ على الظرفية بـ "مِنْ" وَ "إلَى". قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1426- قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمكِنَهْ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هُنَهْ تفسير : وحكمه حكم "ذَا" من كونه يُجَرَّد من حرف التنبيه، ومن الكاف واللام، نحو "هُنَا" وقد يَصْحَبه "ها" التنبيه، نحو هاهنا، ومع الكاف قليلاً، نحو ها هناك، ويمتنع الجمع بينها وبين اللام. وأخوات "هنا" بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها - و "ثَمَّ" بفتح الثاء - وقد يقال: "هَنَّت". ولا يشار بـ "هُنَالِكَ" وما ذُكِرَ مَعَهُ إلا للأمكنة، كقوله: {أية : فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 119] وقوله: {أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الكهف: 44] وقوله: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}تفسير : [الفرقان: 13]. وقد زعم بعضهم أن "هُنا" و "هناك" و "هنالك" للزمان، فمن ورود "هنالك" بمعنى الزمان عند بعضهم - هذه الآية أي: في ذلك الزمان دعا زكريا ربه، ومثله: {أية : هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأحزاب: 11]، وقوله: {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ} ومنه قول زهير: [الطويل] شعر : 1427- هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَالَ يُخْبِلُوا .......................... تفسير : ومن "هنَّا" قوله: [الكامل] شعر : 1428- حَنَّتْ نُوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّتِ وَبَدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أجَنَّتِ تفسير : لأن "لات" لا تعمل إلا في الأحيان. وفي عبارة السجاوندي أن "هناك" في المكان، و "هنالك" في الزمان، وهو سهو؛ لأنها للمكان سواء تجردت، أو اتصلت بالكاف واللام معاً، أم بالكاف من دون اللام. فصل ذكر المفسّرون أن زكريا - عليه السلام - لما رأى خَوَارِقَ العادة عند مريم طمع في خرق العادةِ في حقه، فرزقه الله الولد من الشيخة العاقر. فإن قيل: لِمَ قلتم: إنَّ زكريا - عليه السلام - ما كان عالماً بأن الله قادر على خَرْق العادة إلا عند مشاهدة تلك الكرامات عند مريم، وهذه النسبة شَكٌّ في قدرة الله - تعالى - من زكريا، وإن قلتم بأنه كان عالماً بقدرة الله تعالى على ذلك لم تكن المشاهدة سبباً لزيادة علمه بقدرة الله - تعالى - فلم يكن لمشاهدته لتلك الكرامات أَثرٌ في السببية؟ فالجواب: أنه كان عالماً قبل ذلك بالخوارق، أما أنّه هل تقع أم لا؟ فلم يكن عالماً به، فلما شاهد وعلم أنه إذا وقع كرامة لوَلِيّ فبأن يجوز وقوع معجزة لنبيّ كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند ذلك. قوله: {مِن لَّدُنْكَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه يتعلق بـ "هَبْ" وتكون "مِنْ" لابتداء الغاية مجازاً، أي: يا رب هَبْ لي من عندك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة لِـ "ذُرِّيَّة" فلما قُدِّم عليها انتَصَبَ حالاً. وتقدم الكلام على "لَدُنْ" وأحكامها. قال ابن الخطيب: "وقول زكريا: {هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً} لما لم تكن أسباب الولادة في حقه موجودة، قال: {مِن لَّدُنْكَ} أي بمحض قدرتك، من غير شيء من هذه الأسباب". فصل الذرية: النسل، وهو يقع على الواحدِ والجمعِ والذكرِ والأنثى، والمراد - هنا - ولد واحد، وهو مثل قوله: "فهب لي من لدنك وليًّا". قوله: {طَيِّبَةً} إن أريد بـ "ذُرِّيَّة" الجنس، فيكون التأنيث في "طيِّبة" باعتبار تأنيث الجماعة، وإن أريد به ذَكر واحد فالتأنيث باعتبارِ اللفظِ. قال الفراء: وأنّث "طَيِّبَةً" لتأنيث لفظ "الذرية" كما قال القائل في ذلك البيت: [الوافر] شعر : 1429- أبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وَأنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ تفسير : وهذا فيما لم يُقْصَد به واحد مُعين، أما لو قُصِدَ به واحدٌ معيَّن امتنع اعتبار اللفظ نحو طلحة وحمزة، فيجوز أن يُقال: جاءت طلحة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكَّراً لم يجز فيه إلا التذكيرُ، وقد جمع الشاعر بين التذكير والتانيث في قوله: [الطويل] شعر : 1430- فَمَا تَزْدَرِي مِنْ حَيَّةٍ جبَلِيَّةٍ سُكَاتٍ إذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدَا تفسير : قوله {سَمِيعٌ ٱلدُّعَآءِ} مثال مبالغة، مُحَوَّل من سامع، وليس بمعنى مُسْمِع؛ لفساد المعنى؛ لأن معناه إنك سامعه، وقيل: مُجِيبه، كقوله: {أية : إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ}تفسير : [يس: 25] أي: فأجيبوني، وكقول المصلي: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، يريد قبل اللهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ من المؤمنين. فصل قال القرطبيُّ: دَلَّتْ هذه الآيةُ على طلب الولد، وهي سُنَّةُ المرسلين والصِّدِّيقينَ. قال تعالى - حكاية عن إبراهيم -: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84]. وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} تفسير : [الفرقان: 74] ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: "حديث : اللهُمَّ أكثر مالَه وولَده، وبَارِك لَهُ فِيمَا أعْطَيْتَه"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الوَدُودَ؛ فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ الْقِيَامةِ" تفسير : فدلَّ على أن طلب الولَد مندوبٌ إليه؛ لِما يُرْجَى من نفعه في الدنيا والآخرة، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا مَاتَ أحَدُكُم انْقَطَع عَمَلُهُ إلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ" تفسير : فذكر "حديث : أو ولَدٌ صَالح يَدْعُو لَهُ ". تفسير : فصل ويجب على الإنسان أن يتضرَّع إلى الله - تعالى - في هداية زوجته وولده بالتوفيق، والهداية، والصَّلاح، والعَفَاف، وأن يكونا معينَيْنِ له على دينه ودُنياه، حتى تَعْظُم منفعتُهما قال زكريا: {أية : وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} تفسير : [مريم: 6]، وقال: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} وقال تعالى: {أية : هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}تفسير : [الفرقان: 74]. قوله: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قرأ الأخوان "فَنَادَاهُ المَلاَئِكَةُ" - من غير تأنيث - والباقون "فَنَادَتْهُ" بتاء التأنيث - باعتبار الجمع المُكَسَّر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكير باعتبار الجمع، والتأنيث باعتبار الجماعة، ولتأنيث لفظ "الملائكة" مع أن المذكور إذا تقدَّم فعلُهم - وهم جماعة - كان التأنيث فيه أحسن؛ كقوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ} تفسير : [الحجرات: 14]. ومثل هذا {أية : إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [الأنفال: 50] تُقْرأ بالتاء والياء، وكذا قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [المعارج: 4]. قال الزجاج: يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعَبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه - تعالى جمع الملائكة، وهكذا قوله: {أية : وَقَالَ نِسْوَةٌ} تفسير : [يوسف: 30]. وإنما حَسُنَ الحذفُ - هنا - للفصل بين الفعل وفاعله. وقد تجرأ بعضُهم على قراءة العامة، فقال: "أكره التأنيثَ؛ لما فيه من موافقة دَعْوَى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث". روى إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود يُذَكِّر الملائكةَ في كُلِّ القرآنِ. قال أبو عُبَيْد: "نراه اختار ذلك؛ خلافاً على المشركين؛ لأنهم قالوا: الملائكة بناتُ اللهِ". وروى الشعبيُّ أن ابن مسعود قال: "إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياءً". وتجرأ أبو البقاء على قراءة الأخوين، فقال: وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية، ولذلك قرأ "فناداه" بغير تاء - والقراءة غير جيِّدة؛ لأن الملائكة جمع، وما اعتلوا ليس بشيءٍ؛ لأن الإجماع على إثبات التاء في قوله: {أية : وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ} تفسير : [آل عمران: 42]. وهذان القولان - الصادران من أبي البقاء وغيره - ليسا بجيِّدَيْن؛ لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن ترد إحداهما ألبتة. والأخوان على أصلهما من إمالة "فَنَادَاهُ". والرسم يحتمل القراءتين معاً - أعني: التذكير والتأنيث والجمهور على أن الملائكة المراد بهم واحد - وهو جبريل. قال الزَّجَّاج: أتاه النداء من هذا الجنس الذين هم الملائكة، كقولك: فلان يركب السُّفُنَ - أي: هذا الجنس كقوله تعالى: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} تفسير : [النحل: 2] يعني جبريل "بِالرُّوحِ" يعني الوحي. ومثله قوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] وهو نعيم بن مسعود، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان. ولما كان جبريل - عليه السلام - رئيسَ الملائكة أخبر عنه إخبار الجماعة؛ تعظيماً له. قيل: الرئيس لا بدَّ له من أتباع، فلذلك أخبر عنه وعنهم، وإن كان النداء قد صدر منه - قاله الفضل بن سلمة - ويؤيد كون المنادي جبريل وحده قراءةُ عبد الله - وكذا في مصحفه - فناداه جبريل. والعطف بالفاء - في قوله "فَنَادَتْهُ" - مُؤذِنٌ بأن الدعاء مُتَعقب بالتبشير. والنداء: رفع الصوت، يقال: نادَى ندَاء - بضم النون وكسرها - والأكثر في الأصوات مجيئها على الضم، نحو البُكَاء، والصُّراخ، والدُّعاء، والرُّغاء. وقيل: المكسور مصدر، والمضموم اسم. ولو عُكِسَ هذا لكان أبْيَنَ؛ لموافقته نظائره من المصادر. قال يعقوب بن السكيت: إن ضمّيت نونه قصرته، وإن كسرتها مددته. وأصل المادة يدل على الرفع، ومنه المنْتَدَى والنادي؛ لاجتماع القوم فيهما وارتفاع أصواتهم. وقالت قريش: دار الندوة، لارتفاع أصواتهم عند المشاورة والمحاورة فيها، وفلان أنْدَى صَوْتاً من فلان - أي: أرفع - هذا أصله في اللغة، وفي العرف: صار ذلك لأحسنها نَغَماً وصوتاً، والنَّدَى: المَطَر، ومنه: نَدِيَ، يَنْدَى، ويُعَبَّر به عن الجود، كما يُعَبَّر بالمطر والغيث عنه استعارةً. قوله: {وَهُوَ قَائِمٌ} جملة حالية من مفعول النداء، و "يُصَلِّي" يحتمل أوجهاً: أحدها: أن يكون خبراً ثانياً - عند مَنْ يرى تَعَدُّدَه مطلقاً - نحو: زيدٌ شاعرٌ فقيهٌ. الثاني: أنه حال من مفعول النداء، وذلك - أيضاً - عند مَنْ يجوِّز تعدُّدَ الحال. الثالث: أنه حال من الضمير المستتر في "قَائِمٌ" فيكون حالاً من حال. الرابع: أن يكون صفة لِـ "قَائِمٌ". قوله: {فِي ٱلْمِحْرَابِ} متعلق بـ "يُصَلِّي"، ويجوز أن يتعلق بـ "قَائِمٌ" إذا جعلنا يُصَلِّي حالاً من الضمير في "قَائِمٌ"؛ لأن العامل فيه - حينئذ - وفي الحال شيء واحد، فلا يلزم فيه فَصْل، أما إذا جعلناه خبراً ثانياً أو صفة لِـ "قَائِمٌ" أو حالاً من المفعول لزم الفصلُ بين العاملِ ومعمولهِ بأجنبيٍّ. هذا معنى كلام أبي حيّان. قال شِهَابُ الدِّيْنِ: والذي يظهر أنه يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع؛ فإن كُلاًّ من "قَائِمٌ" و "يصلِّي" يصح أن يتسلَّط على "فِي الْمِحْرَابِ" وذلك على أي وجهٍ تقدم من وجوه الإعراب. والمحراب - هنا -: المسجد. قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ} قرأ نافع وحمزة وابن عامر بكسر "إنَّ" والباقون بفتحها، فالكسر عند الكوفيين؛ لإجراء النداء مُجْرَى القولِ، فيُكْسر معه، وعند البصريين، على إضْمار القول - أي: فنادته، فقالت. والفتح والحذف - على حذف حرف الجر، تقديره: فنادته بأن الله، فلما حُذِفَ الخافض جَرَى الوجهان المشهوران في مَحَلِّها. وفي قراءة عبد الله: "فنادته الملائكة يا زكريا" فقوله: "يا زكريا" هو مفعول النداء، وعلى هذه القراءة يتعين كسر "إن" ولا يجوز فتحُها؛ لاستيفاء الفعلِ معموليه، وهما الضمير وما نُودي به زكريا. قوله: {يُبَشِّرُكَ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم الخمسة في هذه السورة {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} - في موضعين - وفي سورة الإسراء: {أية : وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الإسراء: 9] وفي سورة الكهف: {وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} - بضم الياء، وفتح الباء، وكسر الشين مشددة - من بَشَّرَه، يُبَشِّرُه. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم - ثلاثتهم - كذلك في سورة الشورى، وهو قوله: {أية : ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [الشورى: 23]. وقرأ الجميع - دون حمزة - كذلك في سورة براءة: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ}تفسير : [التوبة: 21] وفي الحجر - في قوله: {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 53] - ولا خلاف في الثاني - وهو قوله: {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}تفسير : [الحجر: 54] - أنه بالتثقيل. وكذلك قرأ الجميع - دون حمزة - في سورة مريم - في موضعين - {أية : إِنَّا نُبَشِّرُكَ} تفسير : [مريم: 7] وقوله: {أية : لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [مريم: 97]. وكل من لم يذكر من قرأ بالتقييد المذكور فإنه يقرأ بفتح حرف المضارعة، وسكون الياء وضم الشين. وإذا أردت معرفة ضبط هذا الفَضل، فاعلم أن المواضع التي وقع فيها الخلاف المذكور تسع كلماتٍ، والقُرَّاء فيه على أربع مراتبٍ: فنافع وابن عامر وعاصم ثَقَّلُوا الجميعَ. وحمزة خفّف الجميع إلا قوله: {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}تفسير : [الحجر: 54]. وابن كثير وأبو عمرو ثقلا الجميعَ إلا التي في سورة الشورَى فإنهما وافقَا فيها حمزة. والكسائي خفَّف خمساً منها، وثقَّل أربعاً، فخفَّفَ كلمتي هذه السورةِ، وكلمات الإسراء والكهفِ والشورَى. وقد تقدم أن في هذا الفعل ثلاث لغاتٍ: بشَّر - بالتشديد - وبَشَرَ - بالتخفيف -. وعليه ما أنشده الفراء قوله: [الطويل] شعر : 1431- بَشَرْتَ عِيَالِي إذْ رَأيْتَ صَحِيفَةً أتَتْكَ مِنَ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا تفسير : الثالثة: أبْشَرَ - رباعياً - وعليه قراءة بعضهم "يُبَشِّرُكَ" - بضم الياء. ومن التبشير قول الآخر: [الكامل] شعر : 1432- يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ هَلاَّ غَضِبْتَ لَنَا وَأنْتَ أمِيْرُ؟ تفسير : وقد أجمع على مواضع من هذه اللغات نحو "فَبَشِّرْهُمْ". {أية : وَأَبْشِرُوا}تفسير : [فصلت: 30] {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} تفسير : [هود: 71]. قالوا: {أية : بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الحجر: 55]. فلم يرد الخلاف إلا في المضارع دونَ الماضي. وقد تقدم معنى البشارة واشتقاقها في سورة البقرة. قوله: {بِيَحْيَـىٰ} متعلق بـ {يُبَشِّرُكَ} ولا بد من حذف مضاف، أي: بولادة يحيى؛ لأن الذوات ليست متعلقة للبشارة، ولا بد في الكلام من حذف معمول قاد إليه السياقُ، تقديره: بولادة يحيى منك ومن امرأتك، دلَّ على ذلك قرينةُ الحالِ وسياقُ الكلامِ. و "يحيى" فيه قولان: أحدهما - وهو المشهور عند المفسِّرين -: أنه منقول من الفعل المضارع وقد سَمُّوا بالأفعالِ كثيراً، نحو يعيش ويعمر ويموت. قال قتادة: "سُمِّي {يَحْيَـىٰ} لأن الله أحياه بالإيمان". وقال الزَّجَّاج: "حيي بالعلم" وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلميَّة ووزن الفعل، نحو يزيد ويشكر وتغلب. والثاني: أنه أعجميّ لا اشتقاق له - وهو الظاهر - فامتناعه للعلمية والعُجْمَة الشخصية. وعلى كلا القولين يُجْمَع على "يَحْيَوْنَ" بحَذْف الألف وبقاء الفتحةِ تدلّ عليها. وقال الكوفيون: إن كان عربيَّا منقولاً من الفعل فالأمر كذلك، وإن كان أعجمياً ضُمَّ ما قبل الواو، وكسر ما قبل الياء؛ إجراءً له مُجْرَى المنقوص، نحو جاء القاضُون، ورأيت القاضِين، نقل هذا أبو حيّان عنهم. ونقل ابنُ مالك عنهم أن الاسم إن كانت ألفه زائدةٌ ضُمَّ ما قبلَ الواو، وكُسِرَ ما قبلَ الياءِ، نحو: جاء حبلون ورأيت حُبلِين، وإن كانت أصليةً نحو دُجَوْن وجب فتح ما قبل الحرفين. قالوا: فإن كان أعجمياً جاز الوجهان؛ لاحتمال أن تكون ألفهُ أصليةً أو زائدة؛ إذْ لا يُعْرَف له اشتقاق. ويصغر يحيى على "يُحَيَّى" وأنشد للشيخ أبي عمرو بن الحاجب في ذلك: [مجزوء الرمل] شعر : 1433- أيُّها الْعَالِمُ بِالتَّصْرِ يفِ لا زِلْتَ تُحَيَّا قَالَ قَوْمٌ: إنَّ يَحْيَى إنْ يُصَغَّرْ فَيُحَيَّا وَأبَى قَوْمٌ فَقَالُوا لَيْسَ هَذَا الرَّأيُ حَيَّا إنَّمَا كَانَ صَوَاباً لَوْ أجَابُوا بِيُحَيَّا كَيْفَ قَدْ رَدُّوا يُحَيَّا وَالَّذِي اخْتَارُوا يُحَيَّا؟ أتُرَاهُمْ فِي ضَلالٍ أمْ تَرَى وَجْهاً يُحَيَّا؟ تفسير : وهذا جارٍ مَجْرَى الألْغاز في تصغير هذه اللفظة، وذلك يختلف بالتصريف والعمل، وهو أنه لما اجتمع في آخر الاسم المصَغَّر ثلاثُ ياءاتٍ جرى فيه خلافٌ بين النحاة بالنسبةِ إلى الحَذْف والإثبات، وأصل المسألة تصغير "أحْوَى" ويُنْسَب إلى "يَحْيَى" "يَحْيَى" - بحذف الألف، تشبيهاً لها بالزائد - نحو حُبْلِيّ - في حُبْلَى - و "يَحْيَوِيّ" - بالقلب؛ لأنها أصل كألف مَلْهَوِيّ، أو شبيهة بالأصل إن كان أعجمياً - و "يَحْيَاوِيّ" - بزيادة ألف قبل قَلْبِ ألفِهِ واواً. وقرأ حمزة والكسائي "يَحْيَى" بالإمالة؛ لأجل الياء والباقون بالتفخيم. قال ابن عباس: "سُمِّيَ" يَحْيَى؛ لأن اللهَ أحيا به عَقْرَ أمِّه. وقال قتادة: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان. وقيل: لأن الله أحياه بالطاعة حتى إنه لم يَعْصِ اللهَ، ولم يَهِمّ بمعصيةٍ. قال القرطبي: "كان اسمه - في الكتاب الأول - حَيَا، وكان اسم سارة - زوجة إبراهيم - يسارة، وتفسيره بالعربية: لا تلد، فلما بُشِّرَت بإسحاق قيل لها: سارة، سمَّاها بذلك جبريل - عليه السلام - فقالت: يا إبراهيم، لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل - عليه السلام - فقال: إن ذلك حرف زيد في اسمِ ابنٍ لها من أفضل الأنبياء، اسمه حيا، فسُمِّي بيَحْيَى". قوله: {مُصَدِّقًا} حال من "يَحْيَى" وهذه حال مقدرة. وقال ابن عطية: "هي حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام". و "بِكلِمةٍ" متعلق بـ "مُصَدِّقاً". وقرأ أبو السّمال "بِكِلْمَةٍ" - بكسر الكاف وسكون اللام - وهي لغة صحيحة؛ وذلك أنه أتبع الفاء للعين في حركتها، فالتقى بذلك كسرتان، فحذف الثانيةَ؛ لأجل الاستثقال. فصل قيل: المراد بها الجمع؛ إذ المقصود التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله تعالى المُنَزَّلة فعبَّر عن الجمع ببعضه، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍتفسير : حيثُ قال: [الطويل] شعر : 1434- ألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِل ............................. تفسير : وذكر جابر - رضي الله عنه - الحُوَيْدِرَة فقال: لَعَنَ اللهُ كلمته - يعني قصيدته. وقال الجمهور: الكلمة: هي عيسى عليه السلام. قال السديُّ: لقيت أمُّ عيسى، أمَّ يَحيى - وهذه حامل بعيسى، وتلك حامل بيحيى - فقالت أم يحيى: أشعَرْتِ أني حُبْلَى؟: فقالت: مريم: وأنا - أيضاً - حُبْلَى، قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}. قال القرطبيُّ: "رُوِيَ أنها أحسَّت بجنينها يَخِرّ برأسه إلى ناحية بطن مريم". وقال ابن عبّاسٍ: إن يحيى كان أكبر سِنًّا من عيسى بستةِ أشهر. وقيل: بثلاث سنين، وكان يحيى أول من آمن به وصدق بأنه كلمة الله وروحه. وسمي عيسى عليه السلام كلمة. قيل: لأنه خُلِقَ بكلمة من الله {كُنْ فَيَكُونُ} من غير واسطة أب فسمي لهذا كلمة - كما يسمى المخلوق خَلْقاً، والمقدور قُدْرة، والمرجُوُّ رجاءً، والمشتَهَى شهوةً - وهو باب مشهور في اللغة. وقيل: هو بشارة اللهِ مريم بعيسى - بكلامه على لسان جبريل عليه السَّلام. وقيل: لأنه تكلم في الطفوليَّة، وأتاه الكتاب في زَمَنِ الطفوليَّةِ، فلهذا كان بالغاً مبلغاً عظيماً، فسُمِّيَ كلمة كما يقال: فلان جود وإقبال - إذا كان كاملاً فيهما. وقيل: لما وردت البشارةُ به في كتب الأنبياء قبله، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة - كما إذا أخبر عن حدوث أمر، فإذا حَدَث ذلك الأمر، قال: قد جاء قولي، وجاء كلامي - أي: ما كنت أقول، وأتكلم به - ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} تفسير : [غافر: 6] وقوله: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الزمر: 71]. وقيل: لأن الإنسان قد يُسَمَّى بـ "فضل الله" و "لطف الله" وكذلك عيسى كان اسمه كلمة الله وروح الله. واعلم أن كلمة الله - تعالى - كلامه، وكلامه - على قول أهل السنة - صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاته وفي قول المعتزلة: صفة يخلقها الله في جسم مخصوص، دالة بالوضع على معاني مخصوصة. وضروريّ حاصل بأن الصفة القديمة، أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: إنها ذات عيسى، ولما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول، لم يَبْقَ إلا التأويل. قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} في محل جر؛ صفة لـ "كَلِمَةٍ" فيتعلق بمحذوف، أي: بكلمة كائنة من الله {وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً} أحوال أيضاً - كمصَدِّقاً. والسيد: فَيْعِل، والأصل سَيْود، ففُعِلَ به ما فعل بـ "ميت"، كما تقدم، واشتقاقه من سَادَ، يَسُودُ، سِيَادَةً، وسُؤدُداً - أي فاق نظراءه في الشرف والسؤدد. ومنه قوله: [الرجز] شعر : 1435- نَفْسٌ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَاما وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ والإقْدَامَا وَصَيَّرَتْهُ بطلاً هُمَامَا تفسير : وجمعه على "فَعَلَة" شاذ قياساً، فصيح استعمالاً؛ قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} تفسير : [الأحزاب: 67]. وقال بعضهم: سُمي سيِّداً؛ لأنه يسود سَوَاد الناس أي: مُعْظَمهم وجُلَّهم. والأصل سَوَدَة، و "فَعَلَة" لِـ "فاعِل" نحو كافِر وكفرة، وفاجِر وفَجَرَة، وبارّ وبررة. وقال ابن عباس: السَّيِّد: الحليم. قال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين، ورئيساً لهم في الدين - أعني: في العلم والحلم والعبادة و الورع. قال مجاهدٌ: السَّيِّد: الكريم على الله تعالى. وقال ابن المُسَيِّبِ: السيِّد: الفقيه العالم. وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه الغضبُ. وقيل: هو الرئيس الذي يتبع، ويُنتَهَى إلى قولهِ. وقال المفضل: السيد في الدين. وقال الضحاك: الحسن الخلق. وقال سعيد بن جبير: هو الذي يُطيع ربَّه. ويقول عن الضَّحَّاكِ: السيد: التقِيّ. وقال سفيان: الذي لا يحسد. وقيل: هو الذي يفوق قومَه في جميع خصال الخيرِ. وقيل: هو القانع بما قسم الله له. وقيل: هو السَّخِيّ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "مَنْ سَيدُكُمْ يَا بَنِي سَلمةَ"؟ قالوا: جَد بن قَيْس على بُخْلِه، فقال: "وأي دواء أدوى من البخل، لكن سَيِّدَكم عمرو بن الجموح""تفسير : . وفي الآية بذلك دليل على جواز تسمية الإنسان سيداً كما تجوز تسميته عزيزاً وكريماً. وقال صلى الله عليه وسلم لبني قريظة: حديث : قوموا إلى سيِّدكم . تفسير : وقال - في الحسن -: "حديث : إن ابني هذا سَيِّدٌ، فلعلَّ اللهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْن عَظِيْمَتين من المسلمين ". تفسير : قال الكسائي: السيّد من المَعْز: [الْمُسِّن]. وفي الحديث: "حديث : الثَّنِيُّ من الضَّأن خير من السَّيِّد مِن الْمَعْزِ الْمُسِنّ ". تفسير : وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1436- سَوَاءٌ عَلَيْهِ شَاةُ عَامٍ دَنَت لَهُ لِيَذْبَحَهَا للِضَّيْفِ أمْ شَاةُ سَيِّد تفسير : والحصور: فعول للمبالغة، مُحَوَّل من حاصر، كضروب. وفي قوله: [الطويل] شعر : 1437- ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا إذَا عَدِمُوا زاداً فَإنَّكَ حَاصِرُ تفسير : وقيل: بل هو فَعُول بمعنى: مفعول، أي: محصور، ومثله ركوب بمعنى: مركوب، وحلوب بمعنى: محلوب. والحصور: الذي يكتم سره. قال جرير: [الكامل] شعر : 1438- وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا حَصِراً بِسِرِّكِ يَا أمَيْمَ ضَنِينَا تفسير : وهو البخيل - أيضاً - قال: [البسيط] شعر : 1439-........................ لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ تفسير : وقد تقدم اشتقاق هذه المادة وهو مأخوذ من المنع؛ وذلك لأن الحصور هو الذي لا يأتي النساء - إما لطبعه على ذلك، وإما لمغالبته نفسه - قال ابنُ مسعودٍ وابن عبَّاس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء والحسن: الحصور: الذي لا يأتي النساء ولا يقربُهُنَّ، وهو - على هذا - بمعنى فاعل، يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات. قال سعيد بن المُسيِّبِ هو العِنِّين الذي لا ماء له، فيكون بمعنى "مفعول" كأنه ممنوع من النساء. واختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد - مثل الشروب والظلوم والغشوم - والمنع إنما يحصل إذا كان المقتضي قائماً، والدفع إنما يحصل عند قوة الداعية والرغبة والغِلْمَة. والكلام إنما خرج مخرج الثناء وأيضاً فإنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء - والصفة التي ذكروها صفة نقص، وذكر صفة النقصان في معرِض المدحِ، لا يجوز، ولا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً. فصل احتجَّ بعضُهم - بهذه الآية - على أن ترك النكاح أفضل؛ لأنه - تعالى - مدحه بترك النكاح، فيكون تركه أفضل في تلك الشريعة، فيجب أن يكون الأمر كذلك في شريعتنا؛ للنص والمعقول أما النص فقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. وأمَّا المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان، والنسخ على خلاف الأصل. وأجيبوا بأن هذا منسوخ بقوله - "تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا" وقوله: "لا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإسلامِ". وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : النِّكَاحُ سُنَّتِي وَسُنَّةُ الأنبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ". تفسير : وقولهم: النسخ على خلاف الأصل. قلنا: مسلم إذا لم يُعْلَم الناسخُ، وقد علمناه. قوله: {وَنَبِيًّا} اعلم أن السيادةَ إشارة إلى أمرين: أحدهما: القدرة على ضبط مصالح الخَلْق فيما يرجع إلى تعليمِ الدين. والثاني: ضبط مصالحهم في تأديبهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والحصور إشارة إلى الزهد التام، فلما اجتمعا حصلت النبوة؛ لأنه ليس بعدهما إلا النبوة. قوله: {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} صفة لقوله: {وَنَبِيّاً} فهو في محل نصب، وفي معناه ثلاثة أوجهٍ: الأول: معناه من أولاد الصالحين. الثاني: أنه خَيِّر - كما يقال للرجل الخَيِّر: إنه من الصالحين. الثالث: أن صلاحه كان أتمَّ من صلاح سائر الأنبياء؛ لقوله - عليه السلام -: "حديث : مَا مِنْ نَبِيٍّ إلاَّ عَصَى وَهَمّ بِمَعْصِيَةٍ إلاَّ يحيَى بن زكريا، فإنه لم يَعْصِ ولم يَهِمَّ بمعصيةٍ ". تفسير : فإن قيل: إن كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح، فما الفائدة في ذكر منصب الصلاح بعد ذكر النبوة؟ فالجواب: أن سليمان - بعد حصول النبوة - قال: {أية : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النمل: 19]. وتحقيقه أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر - بالنسبة إليهم - يجري مجرى حفظ الواجبات - بالنسبة إلينا - وبعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتُهم في الزيادة على ذلك القدر، فكلما كان أكثر نصيباً كان أعلى قَدْراً. والله أعلم. قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} يجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها - حينئذ - وجهان: أحدهما: "{أَنَّىٰ" لأنها بمعنى "كيف" أو بمعنى "مِنْ أيْنَ"؟، و "لِي" - على هذا - تبيين. والثاني: أن الخبر هو الجار والمجرور، و "كيف" منصوب على الظرف. ويجوز أن تكون التامة، فيكون الظرف والجار - كلاهما - متعلقين بـ "يَكُونُ"، أي: كيف يحدث لي غلام؟ ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "غُلاَمٌ"؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً له. قوله: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} جملة حالية. قال أهل المعاني: "كل شيء صادفتَه وبلغتَه فقد صادفكَ وبلغكَ". فلهذا جاز أن نقول: بلغتُ الكِبَرَ، وجاز أن تقول: بلغَنِي الكِبَرُ، يدل عليه قولُ العربِ: تلقيت الحائط وتلقاني الحائط. وقيل: لأن الحوادث تطلب الإنسان. وقيل: هو من المقلوب، كقوله: [البسيط] شعر : 1440- مِثْلُ الْقَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ نَجْرَانَ أوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجرُ تفسير : فإن قيل: أيجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد؟ فالجواب: أنه لا يجوز، والفرق بينهما أن الكِبَر كالشيء الطالب للإنسان، فهو يأتيه بحدوثه فيه والإنسان أيضاً يأتيه - أيضاً - بمرور السنين عليه، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرقُ. فصل قدم في هذه السورة حال نفسه، وأخَّر حالَ امرأته، وفي سورة مريم عكس. فقيل: لأن ضَرْبَ الآيات - في مريم - مطابق لهذا التركيب؛ لأنه قدَّم وَهْنَ عَظْمِه، واشتعالَ شيْبه، وخوفه مواليه ممن ورائه، وقال: "وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً" فلما أعاد ذِكْرَهما في استفهامه أخر ذِكْر الكِبَر، ليوافق رؤوس الآي - وهي باب مقصود في الفصاحة - والعطف بالواو لا يقتضي ترتيباً زمانيًّا فلذلك لم يبال بتقديم ولا تأخير. فصل الغلام: الفَتِيُّ السِّنِّ من الناس - وهو الذي بَقَلَ شَارِبُه - وإطلاقه على الطفل وعلى الكهل مجاز؛ أما الطفل فللتفاؤل بما يئول إليه، وأما الكهل، فباعتبار ما كان عليه. قالت ليلى الأخيليّة: [الطويل] شعر : 1441- شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلاَمٌ إذَا هَزَّ القَنَاةَ سَقَاهَا تفسير : وقال بعضهم: ما دام الولد في بطن أمِّه سُمِّي جَنِيناً، قال تعالى: {أية : وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النجم: 32] سمي بذلك لاجتنانه في الرحم، فإذا وُلِدَ سُمِّي صَبِيًّا، فإذا فُطِمَ سمي غُلاماً إلى سبع سنين، ثم يُسَمَّى يافعاً إلى أن يبلغ عشر سنين، ثم يُطْلَق عليه حَزَوَّر إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قمراً إلى خمس وعشرين سنةً، ثم عنطْنَطاً إلى ثلاثين. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1442- وَبِالْمَخْضِ حَتَّى صَارَ جَعْداً عَنَطْنَطاً إذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ تفسير : ثم حَلْحَلاً إلى أربعين، ثم كَهْلاً إلى خمسين - وقيل: إلى ستين - ثم شيخاً إلى ثمانين، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قوله: {أية : فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} تفسير : [آل عمران: 46] ثم هو راغم بعد ذلك. واشتقاق "الغلام" من الغِلْمَة والاغتلام، وهو طلب النكاح، لما كان مسبباً عنه أخذ منه لفظه. ويقال: اغتلم الفَحْلُ: أي: اشتدت شهوتُه إلى طلب النكاح، واغتلم البحر، أي: هاج وتلاطمت أمواجه، مستعار منه. وجمعه - في القلة - أغْلِمَةٌ، وفي الكثرة: غِلْمان، وقد جمع - شذوذاً - على غِلْمَة، وهل هذه الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع؟ قال الفراء: "يقال: غلام بيِّن الغلومة والغلومِيَّة والغُلامية، قال: والعرب تجعل مصدر كل اسم ليس له فعل معروف على هذا المثال فيقولون: عبد بَيِّنُ العبودية والعُبَاديَّة - يعني لم تتكلم العرب من هذا بفعل -". قال القرطبي: والغَيْلم: ذكر السلحفاة، والغَيْلم: موضع. وهي مصدر كَبِر يَكْبَر كِبَراً أي: طعن في السِّنِّ، قال: [الطويل] شعر : 1443- صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبَهْمَ يَا لَيْتَ أنَّنَا إلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ تفسير : فصل قال الكلبيُّ: كان زكريا - يوم بُشِّر بالولد - ابن ثنتين وتسعين سنة. وقيل: ابن ثنتين وسبعين سنة. وروى الضحاك - عن ابن عباسٍ - قال: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنةً. فإن قيل: قوله: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ} خطاب مع الله، أو مع الملائكة، وليس جائزاً أن يكون مع الله تعالى؛ لأن الآية المقدمةَ دلَّت على أن الذين نادَوْه هم الملائكةُ، وهذا الكلام، لا بُدَّ أن يكون خطاباً مع ذلك المنادَى لا مع غيره، وليس جائزاً أن يكون خطاباً مع الملك؛ لأنه لا يجوز أن يقول الإنسان للملك: يا رب، فذكر المفسّرون فيه جوابَيْنِ: أحدهما: أن الملائكة لما نادَوه وبَشَّروه تعجَّب زكريا، ورجع في إزالة ذلك التعجُّب إلى الله - تعالى -. الثاني: أنه خطاب مع الملائكة، و الربُّ إشارة إلى المربِّي، ويجوز وَصْف المخلوقِ به، فإنه يقال: فلان يربيني ويُحْسِن إليَّ. فإن قيل: لم قال زكريا - بعدما وعده الله وبشره بالولد -: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أكان ذلك عنده محال أو شَكًّا في وعد الله وقدرته؟ فالجواب: من وجوهٍ: أحدها: إن قلنا: معناه من أين؟ هذا الكلام لم يكن لأجل أنه لو كان لا نُطْفَةَ إلا مِن خَلْق، ولا خَلْقَ إلا من نطفة، لزم التسلسل، ولزم حدوث الحوادث في الأزل - وهو محال - فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله - تعالى - لا من نطفة، أو من نطفة خلقها اللهُ - تعالى - لاَ مِنْ إنسان. [ثانيها]: يحتمل أن زكريَّا طلب ذلك من الله - تعالى - فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لَمَا طلبه من الله - تعالى -. وإذا كان معنى "أنَّى": كيف، فحدوث الولد يحتمل وجهين: أحدهما: أي منع شيخوخته، وشيخوخة امرأته، أو يجعله وامرأته شابين، أو يرزقه الله ولداً من امرأة أخْرَى، فقوله: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} معناه: كيف تعطيني الولد؟ فسأل عن الكيفية على القسم الأول، أمّا على القسم الثاني فقال مستفهماً لا شاكاً. قاله الحسنُ والأصمّ. وثانيهما: أن من كان آيساً من الشيء مستبعِداً لحصوله ووقوعه، إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود، فربما صار كالمدهوش من شدة الفرحِ، ويقول: كيف حصل هذا؟ ومن أين وقع؟ كمن يرى إنساناً وَهَبَ أموالاً عظيمة، يقول: كيف وَهَبَ هذه الأموالَ؟ ومن أين سَمَحَتْ نفسك بِهبَتِهَا. كذا هنا. الثالث: أن الملائكة لما بشَّروه بيحيى، لم يعلم أنه يُرزَق الولد من جهة أنثى، أو من صُلْبه، فذكر هذا الكلام ليزول ذلك الاحتمال. الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياقِ إلى شيء يطلب من السيد، ثم إن السيد يَعِدُه بأنه سيعطيه، فعند ذلك يلتذُّ السائلُ بسماعِ ذلك، فربما أعاد السؤال؛ ليُعِيدَ ذلك الجواب، فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى، فيحتمل أن يكون هذا هو السبب في إعادة هذا الكلام. الخامس: نقل عن سفيان بن عيينة قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان نسي ذلك السؤال وقت البشارةِ، فلما سمع البشارة - زمان الشيخوخة - استبعد ذلك - على مجرى العادة لا شكًّا في قدرة الله - تعالى -. السادس: قال عكرمة والسُّدِّيُّ: إنَّ زكريا - عليه السلام - جاءه الشيطان عند سماع البشارة، فقال يا زكريا إن هذا الصوت من الشيطان - وقد سخر منك - ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال زكريا ذلك؛ دَفْعاً للوسوسة، ومقصوده من هذا الكلام أن يُرِيَه الله آيةً تدل على أن ذلك الكلامَ من الوَحْيِ والملائكة لا من إلقاء الشيطانِ. قال القرطبي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشياطينِ عند الأنبياء عليهم السلام؛ إذْ لَوْ جوَّزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع. ويمكن أن يُجاب بأنه لمَّا قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله بواسطة الملائكة، ولا مَدْخَل للشيطان فيه، أمّا ما يتعلق بمصالح الدنيا أو الولد، فربما لا يتأكد ذلك بالمعجزات. فلا جرم [بقي احتمال كون ذلك الكلام من الشيطان]، فرجع إلى الله - تعالى - في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال. قوله: {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} جملة حالية، إما من الياء في "لِي" فيتعدد الحال - عند مَنْ يراه - وإما من الياء في "بَلَغَنِي"، والعاقر: مَنْ لا يولد له رجلاً كان أو امرأة، مشتقاً من العَقْر، وهو القتل، كأنهم تخيلوا فيه قتل أولاده، والفعل - بهذا المعنى - لازم، وأما عَقَرْتُ - بمعنى "نَحَرْت" فمُتَعَدٍّ. قال تعالى: {أية : فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} تفسير : [الأعراف: 77]. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1444-........................ عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأ الْقَيْسِ فَانْزِلِ تفسير : وقيل: عاقر - على النسب - أي: ذات عقر، وهي بمعنى مفعول، أي: معقورة، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث، والعَُقْر بفتح العين وضمها - أصل الشيء، ومنه عقر الدار، وعقر الحوض، وفي الحديث: "حديث : ما غُزِيَ قَوْمٌ قَطٌّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلاَّ ذَلُّوا" تفسير : وعقرته، أي: أصبت عقره، أي: أصله - نحو رأسته، أي أصبت رأسه، والعقر - أيضاً - آخر الولد، وكذلك بيضة العَقر، والعقار: الخمر لأنها تعقر العقل - مجازاً - وفي كلامهم رفع فلان عقيرته، أي: صوته، وذلك أن رَجَلاً عُقِرَ رجله فرفع صوته، فاستُعِير ذلك لكلّ من رفع صوته. وقال: وأنشد الفراء: [الرجز] شعر : 1445- أرْزَامُ بَابٍ عَقُرَتْ أعْوَامَا فَعَلَّقَتْ بُنَيَّهَا تَسْمَامَا تفسير : وقال بعضهم: يقال: عَقُرت المرأةُ تعقُر عَقْراً وعَقَاراً ويقال: عَقُر الرجل وعَقَر وعَقِرَ إذا لم تَحْبَل زوجته، فجعل الفعل المسند إلى الرجل أوسع من المسند إلى المرأة. قال الزّجّاج: عاقر بمعنى ذات عُقر قال: لأن فَعُلْت أسماء الفاعلين منه على فعيل نحو ظريفة، وكريمة، وإنما عاقر على ذات عُقْر، قلت: وهذا نص في أن الفعل المسند للمرأة لا يقال فيه إلا عَقُرَتْ - بضم القاف؛ إذْ لَوْ جاز فَتْحها، أو كسرها لجاء منهما فَاعِل - من غير تأويل على النسب، ومن ورود عاقر وصفاً للرجل قول عامر بن الطفيل: [الطويل] شعر : 1446- لَبِئْسَ الْفَتَى إنْ كُنْتُ أعْوَرَ عَاقِراً جَبَاناً فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ تفسير : قال القرطبيُّ: "والعاقر: العظيم من الرمل، لا يُنْبِت شيئاً، والعُقْر - أيضاً - مهر المرأة إذا وطئت بِشُبْهَةٍ وبَيْضَةُ الْعُقْر: زعموا أنها بيضة الديك، لأنه يبيض في عمره بيضةً واحدةً إلى الطول، وعقر النار - أيضاً - وسطها ومعظمها وعقر الحوض: مُؤخِّره - حيث تقف الإبل إذا وردت". قوله: {قَالَ كَذَلِكَ} هذا القائل هو الرب المذكور في قوله: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون هو الله تعالى, وأن يكون هو جبريل - عليه السلام. قوله: {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} في الكاف وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب، وفيه التخريجان المشهوران: الأول - وعليه أكثر المعربين -: أنها نعت لمصدر محذوف، وتقديره يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة، مثل ذاك الفعل، وهو خلق الولد بين شيخ فَانٍ وعجوز عاقرٍ. والثاني أنها في محل نصب على الحال من ضمير ذلك المصدرِ، أي: يفعل الفعل حال كونه مثل ذلك وهو مذهب سيبويه، وقد تقدم إيضاحه. الثاني - من وجهي الكاف -: أنها في محل رفع خبر مقدَّم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، فقدره الزمخشري على نحو هذه الصفة لله، ويفعل ما يشاء بيان له، وقدره ابن عطية: "كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله". وقدّره أبو حيّان، فقال: "وذلك على حذف مضاف، أي: صنع الله الغريب مثل ذلك الصنع، فيكون {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} شرحاً للإبهام الذي في اسم الإشارة". فالكلام - على الأول - جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. وقال ابن عطية: "ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكريا وحال امرأته، كأنه قال: رَبِّ على أيّ وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا؟ فقال لهما: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام، على هذا التأويل - في قوله "كذلك"، وقوله: {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} جملة مبيِّنة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب". وعلى هذا الذي ذكره يكون "كَذَلِكَ" متعلقاً بمحذوف، و "اللهُ يَفْعَلُ" جملة منعقدة مع مبتدأ وخبر. قوله: {ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} يجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير، فيتعدى لاثنين: أولهما "آية" الثاني: الجار قبله، و التقديم - هنا - واجب؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة - وهي آية - أي: لو انحلت إلى مبتدأ وخبر إلا تقدم هذا الجار، وحكمها بعد دخول الناسخ حكمها قبله، والتقدير: صير آية من الآيات لي، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق والإيجاد - أي: أوجد لي آية - فيتعدى لواحد، وفي "لِي" - على هذا - وجهان: أحدهما: أن يتعلق بالجَعْل. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "آيةً"؛ لأنه لو تأخَّر لجاز أن يقع صفة لها. ويجوز أن يكون للبيان. وحرك الياء - بالفتح - نافع وأبو عمرو، وسكنها الباقون. فصل المراد بالآية: العلامة، أي: علامة أعلم بها وقتَ حَمْل امرأتي، فأزيد في العبادة شكراً لذلك، وذكروا في الآية وجوهاً: أحدها: أنه - تعالى - حبس لسانه ثلاثة أيامٍ، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً؛ وهو قول أكثر المفسّرين، وفيه فائدتان: إحداهما: أن يكون ذلك دليلاً على علوق الولد. والثانية: أنه تعالى - حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقْدَره على الذكر، والتسبيح، والتهليل، فيكون في تلك المدةِ مشتغِلاً بذكر الله - تعالى - وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة. واعلم أن اشتمالَ تلك الْوَاقِعَةِ على المعجزة من وجوهٍ: أحدها: أن قدرته على التكلُّم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن الكلام بأمور الدنيا من أعظم المعجزات. وثانيها: أن حصول تلك المعجزة في تلك الأيامِ المقدرة - مع حصول البنية واعتدال المزاج - معجزة ظاهرة. ثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة، فقد حصل الولد، ثُم إنَّ الأمر خرج على وفق هذا الخبر. الثاني: قال أبو مسلم: إنّ زكريا لما طلب من الله آيةً تدل على علوق الولد، قال تعالى: آيتك أن تصير مأموراً بأن لا تكلم الناس ثلاثة أيامٍ بلياليها مع الخلق، وأن تكون مشتغلاً بالذكر، والتسبيح، والتهليل، معرضاً عن الخلق والدنيا؛ شكراً لله - تعالى - على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن كانت لك حاجة دُلَّ عليها بالرمز، فإذا أمرت بهذه الطاعة فقد حصل المطلوب. الثالث: قال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام؛ عقوبة لسؤاله الآية - بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة - فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام. وقوله: {أَلاَّ تُكَلِّمَ} "أن" وما في حَيِّزها في محل رفع؛ خبراً لقوله: {آيَتُكَ} أي آيتك عدم كلامك الناس. والجمهور على نصب "تُكَلِّمَ" بأن المصدرية. وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها - حينئذ - ضمير الشأن محذوف والجملة المنفيَّة بعدها في محل رفع، خبراً لِـ "أن" ومثله: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ} تفسير : [طه: 89] وقوله: {أية : وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [المائدة: 71] ووقع الفاصل بين "أن" والفعل الواقع خبرها حرف نفي، ولكن يُضعف كونَها مخفَّفةً عدمُ وقوعها بعد فعل يقين. والثاني: أن تكون "أن" الناصبة حُمِلَتْ على "ما" أختها، ومثله: {أية : لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] و "أن" وما في حيزها - أيضاً - في محل رفع، خبراً لـ "آيتك". قوله: {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} الصحيح أن هذا النحو - وهو ما كان من الأزمنة يستغرق جميع الحدث الواقع فيه - منصوب على الظرف، خلافاً للكوفيين، فإنهم ينصبونه نصب المفعول به. وقيل: وثم معطوف محذوف تقديره ثلاثة أيام ولياليها، فحذف، كقوله تعالى: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] ونظائره؛ يدل على ذلك قوله - في سورة مريم - {أية : ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} تفسير : [مريم: 10] وقد يقال: إنه يؤخذ المجموع من الآيتين، فلا حاجة إلى ادعاء حذف؛ فإنه على هذا التقدير الذي ذكرتموه - يحتاج إلى تقدير معطوف في الآية الأخرى: ثلاث ليال وأيامها. قوله: {إلاَّ رَمْزًا} فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس من جنس الكلام، إذ الرمز الإشارة بعَيْن، أو حاجب أو نحوهما، ولم يذكر أبو البقاء غيره. وبه بدأ ابن عطية مختاراً له، فإنه قال: "والمراد بالكلام - في الآية - إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، منقطع، ثم قال: وذهب الفقهاءُ إلى أن الإشارة ونحوها في حكم الكلام في الأيْمَان ونحوها؛ فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلاً". والوجه الثاني: أنه متصل؛ لأن الكلام لغة يطلق بإزاء معانٍ: الرمز والإشارة من جملتها. أنشدوا: [الطويل] شعر : 1447- إذَا كَلَّمَتْنِي بِالْعُيُونِ الْفَوَاتِرِ رَدَدتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوَادِرِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1448- أرَادَتْ كَلاَماً فَاتَّقَتْ مِنْ رَقِيبِهَا فَلَمْ يَكُ إلاَّ وَمْؤُهَا بِالْحَوَاجِبِ تفسير : وهو مستعمل، قال حبيب: [البسيط] شعر : 1449- كَلَّمْتُهُ بِجُفُونٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ فَكَانَ مِنْ رَدِّهِ مَا قَالَ حَاجِبُهُ تفسير : وبهذا الوجه بدأ الزمخشريُّ مختاراً له، قال: "لما أدى مؤدَّى الكلام، وفُهِم منه ما يُفْهَم سُمِّي كلاماً، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً". والرمز: الإشارة والإيماء بعين، أو حاجب أو يَدٍ - ذكر بعض المفسّرين أن إشارته كانت بالمُسَبِّحة ومنه قيل للفاجرة: الرَّمَّازة، والرمَّازة، وفي الحديث: "حديث : نَهَى عَنْ كَسْبِ الرَّمَّازَةِ"تفسير : يقال منه: رمزت ترمُز وترمِز - بضم العين وكسرها في المضارع. وأصل الرمز: التحرك، يقال: رمز وارْتَمز أي: تحرَّك، ومنه قيل للبحر: الراموز، لتحركه واضطرابه. وقال الراغب: "الرمز: الإشارة بالشفة والصوت الخفي، والغمز بالحاجب. وما ارمَازَّ: أي ما تكلم رمزاً، وكتيبه رمَّازة: أي: لم يُسْمَع منها إلا رَمزاً؛ لكثرتها". ويؤيد كونه الصوت الخفي - على ما قاله الراغب - أنه كان ممنوعاً من رفع الصوت. قال الفراء: "قد يكون الرمز باللسان من غير أن يتبيَّن، وهو الصوت الخفي، شبه الهَمْس". وقال عطاء: أراد صوم ثلاثة أيامٍ؛ لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزاً. وقرأ العامة: "رمزاً" - بفتح الراء وسكون الميم - وقرأ يحيى بن وثَّابِ وعلقمة بن قيس "رُمُزاً" بضمها - وفيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر على "فُعْل" - بتسكين العين - في الأصل، ثم ضُمَّتِ العين؛ إتباعاً، كقولهم اليُسُر والعُسُر - في اليُسْر والعُسْر - وقد تقدم كلام أهل التصريف فيه. والثاني: أنه جمع رموز - كرُسُل في جمع رسول - ولم يذكر الزمخشريُّ غيره. وقال أبو البقاء: "وقرئ بضمها - أي: الراء - وهو جمع رُمُزَة - بضمتين - وأقر ذلك في الجمع. ويجوز أن يكون مسَكَّنَ الميم - في الأصل - وإنما أتبع الضمُّ الضَّمَّ. ويجوز أن يكون مصدراً غير جمع، وضُمَّ، إتباعاً، كاليُسُر واليُسْر". قال شهاب الدين: قوله: "جمع رُمُزة" إلى قوله: في الأصل؛ كلام لا يفهم منه معنى صحيح. وقرأ الأعمش: "رَمَزاً" بفتحهما. وخرجها الزمخشري على أنه جمع رامز - كخادم وخَدَم - وانتصابه على هذا - على الحال من الفاعل - وهو ضمير زكريا - والمفعول معاً - وهو الناس - كأنه قال: إلا مترامزين، كقوله: [الوافر] شعر : 1450- مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا تفسير : وكقوله: [الكامل] شعر : 1451- فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ أَيِّي وَأيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ؟ تفسير : قوله: "كَثِيراً" نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير ذلك المصدر، أو نعت لزمان محذوف تقديره: ذِكْراً كثيراً، أو زماناً كثيراً، والباء في قوله: "بِالْعَشِيِّ" بمعنى "فِي" أي: في العشي والإبكار. والعشي: يقال من وقت زوال الشمس إلى مَغيبها، كذا قال الزمخشريُّ. وقال الراغب: "العشيُّ من زوال الشمسِ إلى الصباحِ". والأول هو المعروف. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1452- فَلاَ الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ وَلاَ الْفَيْءُ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ تفسير : وقال الواحديُّ: "العَشِيّ: جمع عشية، وهي آخر النهارِ". والعامة قرءوا: "والإبْكَارِ" بكسر الهمزة، وهو مصدر أبكر يُبْكِر إبكاراً - أي: خرج بُكْرَةً، ومثله: بَكَرَ - بالتخفيف - وابتكر. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : 1453- أمِنْ آلِ نُعْمٍ أنْتَ غَادٍ فَمُبْكر ......................... تفسير : وقال: [الخفيف] شعر : 1454- أيُّهَا الرَّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكَاراً ........................ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 1455- بَكَرْنَ بُكُوراً وَاسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ تفسير : وقرئ شاذاً "والأبْكَار" - بفتح الهمزة - وهو جمع بَكَرَ - بفتح الفاء والعين - ومتى أريد به هذا الوقت من يوم بعينه امتنع من الصرف والتصرُّف، فلا يُستعمَل غيرَ ظرف، تقول: أتيتك يوم الجمعة بَكَر. وسبب مَنْع صَرْفه التعريفُ والعدل عن "أل". فلو أرِيدَ به وقت مُبْهَم انصرف نحو أتيتك بكراً من الأبكار ونظيره سحر وأسْحار - في جميع ما تقدم. وهذه القراءة تناسب قوله: {بِٱلْعَشِيِّ} عند من يجعلها جمع عَشِيَّة؛ ليتقابل الجَمْعَان. ووقت الإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقال الراغب: أصل الكلمة هي البكرة - أول النهار - فاشتقَّ من لفظه لفظُ الفعل، فقيل: بكر فلان بُكُوراً - إذا خرج بُكْرَةً. والبَكور: المبالغ في البكور، وبَكَّر في حاجته، وابتكر وبَاكَر. [وتصور فيها] معنى التعجيل؛ لتقدُّمِها على سائر أوقاتِ النهار فقيل لكل مُتَعَجِّل: بَكَّر. وظاهر هذه العبارة أن البَكَر مختص بطلوع الشمس إلى الضُّحَى، فإن أريد به من أول طلوع الفجر إلى الضحى فإنه على خلاف الأصلِ. وقد صرح الواحديُّ بذلك، فقال: "هذا معنى الإبكارِ، ثم يُسَمَّى ما بين طلوعِ الفجر إلى الضُّحَى إبكاراً كما يسمى إصْبَاحاً". فصل قيل: المراد بالذكر الكثير: الذكر بالقلب، وقوله: {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} محمول على الذكر باللسان. وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة؛ لأنها تسمى تسبيحاً، قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم: 17]. ومنه سمي صلاة الظهر والعصر: صلاتي العشيّ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما رأى ذلك زكريا يعني فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال: إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه قادر أن يرزقني ولداً فذلك حين دعا ربه. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها: أنى لك هذا في غير حينه؟ فقالت: هذا رزق من عند الله يأتي به الله {أن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فطمع زكريا في الولد فقال: أن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي، ويهب لي منها ولداً، فعند ذلك {دعا زكريا ربه} وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم. قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله قال: يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك ـ يعني من عندك ـ ذرية طيبة يعني تقيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ذرية طيبة} يقول: مباركة.
ابو السعود
تفسير : {هُنَالِكَ} كلامٌ مستأنفٌ وقصةٌ مستقلة سيقت في تضاعيف حكايةِ مريمَ لما بـينهما من قوة الارتباطِ وشدةِ الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتُها من بـيان اصطفاءِ آلَ عمران، فإن فضائلَ بعض الأقرباء أدلةٌ على فضائل الآخَرين، وهنا ظرفُ مكانٍ واللامُ للدِلالة على البُعد والكافُ للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعدٌ عند مريمَ في المحراب أو في ذلك الوقت إذ يستعار هنا وثمَةَ وحيث للزمان {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} لما رآى كرامةَ مريمَ على الله ومنزلتَها منه تعالى رغِب في أن يكون له من إيشاعَ ولدٌ مثلُ ولدِ حنّةَ في النجابة والكرامة على الله تعالى وإن كانت عاقِراً عجوزاً فقد كانت حنة كذلك وقيل: لما رأى الفواكهَ في غير إِبّانِها تنبه لجواز ولادةِ العجوز العاقرِ من الشيخ الفاني فأقبل بالدعاء من غير تأخير كما يُنبىء عنه تقديمُ الظرف على الفعل لا على معنى أن ذلك كان هو الموجبَ للإقبال على الدعاء فقط بل كان جزءاً أخيراً من العلة التامة التي من جملتها كِبَرُ سِنّه عليه الصلاة والسلام وضَعفُ قواه وخوفُ مَواليه حسبما فُصِّل في سورة مريم {قَالَ} تفسيرٌ للدعاء وبـيانٌ لكيفيته لا محل له من الإعراب {رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ} كلا الجارَّين متعلقٌ بهَبْ لاختلاف معنيـيهما فاللامُ صلةٌ له و{مِنْ} لابتداء الغايةِ مجازاً أي أعطني من مَحْض قدرتِك من غير وسطٍ معتاد {ذُرّيَّةً طَيّبَةً} كما وهبتَها لحنّةَ، ويجوز أن يتعلق مِنْ بمحذوفٍ وقع حالاً من {ذُرّيَّةِ} أي كائنة من لدنك، والذريةُ النسلُ تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هٰهنا ولدٌ واحد فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال: شعر : أبوك خليفةٌ ولدتْه أُخرى وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ تفسير : وهذا إذا لم يُقصَدْ به واحدٌ معين أما إذا قُصد به المعيَّنُ امتنع اعتبارُ اللفظِ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال: جاءت طلحة وذهبت حمز {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء} أي مجيبُه وهو تعليلٌ لما قبله وتحريكٌ لسلسلة الإجابة.
القشيري
تفسير : أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقيناً على يقين، ورجاء على رجاء؛ فسأل الوَلَدَ على كبر سِنِّه، وإجابتُه إلى ذلك كانت نقضاً للعادة. ويقال إن زكريا عليه السلام سأل الوَلَدَ ليكونَ عوناً له على الطاعة، ووارثاً من نَسْلِه في النبوة، ليكون قائماً بحقِّ الله، فلذلك استحق الإجابة؛ فإن السؤال إذا كان لحقِّ الحقِّ - لا لحظِّ النَّفْسِ - لا يكون له الرد. وكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم في الشتاء، وفاكهة الشتاء عندها في الصيف، فسأل الولد في حال الكِبَر ليكون آية ومعجزة.
البقلي
تفسير : {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} اذا دخل زكريا على مريم وجد عندها من فواكه الالوان علم انها من نفائس كرامات الله تعالى فتحرك فيه غيرة النبوة وسكن هناك فى الخلوة وطلب من الله تعالى ولدا فاعطاه الله الله ما سأله وايضا نظر بنورا لنبوة فى مريم فابصر فيها نور عيسى صلوات الله عليهم أجمعين يتشعشع فى مريم وراى كرامته عند الله فتمنى عليه ولدا مثل عيسى فناجى ربه لسان الاضطرار وسال عنه يحيى عليه السلام مشكوة الانوار فاستجاب الله تعالى دعوة شيخ الانياء شقفة على غيرته واظهار الكرامته وهذا احسن الادب للاولياء واهل المعرفة اذا كانوا يحتاجون الى الله تعالى بشئ من مرادهم خلوا عن الخلق ودخلوا فى زوايا الصدق حتى ينالوا بالاعتزال عن الخلق والاشتغال بالدنيا والاخلاص فى النجوى حقيقة مقام استجابة الدعوة لان من لزم باب سيده فى الخلوات والمراقبات يشكف له المقامات السنية والاحوال الشريفة من اسرار الاخرة وانوار المعرفة {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} سال من الله من يعينه فى طاعة الله ويكون له خليفة فى اداء الرسالة النصح للامة وايضا يكون له مشاورات السيرفى عالم الربوبية والعبودية ومونسا من الله فى الكشف والحقيقة والعشق والمحبة طيبة يعنى مطهرا من اشغال الكونين منفردا عن ارادته مقدسا من شهواته فاذا علم الحق سبحانه صدق نيته اعطاه ما موله على الفور ليكون له معجزة وكرامة الاشارة فيه ان من طلب من الله شيئا بعينه فى طاعته وسبا لمرضاته فيحصل له استجابة الدعوة فى الساعة قوله تعالى {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} محل مثلجات الحق الصلوة لانها فيه عصمة الحق فها نزول الوحى من دخل فيها بشرط التفريد وخلوص النية الهمة الحق خصائص الخطاب واخبره بما يكون قبل ان يكون والمحارب محل لزوم المراقبين فيه لاجل تعرض السر نفحات اسرار الحق وبروز نور التوحيد وكشف جمال مشاهدة الحضرة والمحراب محل الانس وتصفية السر وذم الجوارح واشراق اليقين وسبب الزلفة ووجدان حلاوة العبادة واسترواح الروح من اداء صحبة الخلق بوجدان صحبة الحق والمحراب فقر العباد وملجا الزهاد ومعصم المتوكلين ومجلس المشتاقين ومسند الراضين وبستان المحبين وسرو المريدين ورياض العاشقين وكعبة المستنانسين ورحم المؤمنين ونور التائبين وقيد الموحدين وستر الشطاحين اذا اراد الله ان يستر احدا من خاصة معرفته --- اليه ليكون له مقويا فى مقاصده من الله وقال ابن عطا ما فتح الله على عباد من عبيده حالة سنية الا باتباع الا وامروا اخلاص الطاعات ولزوم المحاريب وقال الواسطى هو قائم بربه يصلى سره محاربة نفسه وهواه وقال ابو عثمن المحراب باب كل برو موضع الاجابة واستفتاح الطريق الانبساط والمناجات والاعراض عن المحراب سبب اغلاق الباب دونك قال الله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب وقيل ملازمة الخدمة يؤرثك أداب الخدمة وأداب الخدمة تورثك منازكل القربة ومنازل القربة تورثك حلاوة الانس {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} يسمى يحيى لان من نظرا اليه يرى مشاهدة الحق فى جمال نبوته فيحيى قلبه من موت الفترة وقيل انه حى به عقرامه وقيل انه سبب حيوة من أمن بقلبه {وَسَيِّداً وَحَصُوراً} السيد الذى قد غلب عليه نرو هيبة عزة الحق جل وعلا الحصود الذى عصم عن جميع الشهوات بعصمة الازلية وايضا السيد الذى خلعه نور الانانية وكساه لباس الفردانية وتوجه يتيجان البهاء حتى يستحق ان يستحيى منه جميع الخلق ويضعوا تحت امره ونهيه اعناق الجبرية والحصور المقدس عن شوائب التقليد وعن الاتلفات الى لاكونين وقيل سيد لانه لم يطلب لنفسه مقاما ولا شاهدا لنفسه قد راو قال جعفر بن محمد السيط الذى عرف ربه وانكر ما دونه والحصور الذى يملك والسيد الذى يالف ولا يؤلف والحصور الذى لا يعرف سوى الله وقالا سيد الذى ساد اهل زمانه باخلاقه والحصور الذى حصر ماءه عن النساء وسمى يحيى حصورا لانه قرع فى قلبه تلك العظمة فخذ فيه ماء الشهوات وصار خصورا ومحصورا وقال ابن عطا السيد المتحقق بتحقيقة الحق ولاحضور المنزه عن الاكوان وما فيها وقال جعفر السيد المبائن عن الخلق وصفا وحالا وخلقا وقال النصر ابادى السيد من صحح نسبته مع الحق فاستوجب به مثيراث نسبته وقال الجنيد السيد الذى جاد بالكونين عوضا عن ربه وقال محمد بن على السيد من استوت احواله عند المنع والعطاء وقال ابن منصور السيد من خلى من اوصاف البشرية واظهر نبعوت الربوبية قوله تعالى {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} ولما وعدا الله تعالى نبيه عليه السلام يحيتى طلب من الله تعالى علامة وقت ظهوره ولا يشك فى وعد الله لكن غرضه طمانية قلبه ليتهيا اسباب الادب لزمان ظهروه موهبة الله استقبالا الى الله بشكر نعمته ليدوم عليه مواهب الالهية {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} حصر لسان نبيه عليه السلام عن المكالمة والمحادثة مع غيرا لله ليتجرد سره وحاله عن ازدهام الخلق وذكرهم والادب فيه ان من يطلب من الله تعالى شيئا من معانى الغيب ورؤية معجزته وكرامته ولا يتجرك لسانه بالفضولات وقلبه من طوارقات الوسواس حتى يكون ظاهره وباطنه مشغولا بالحق لان التفرق اذا وقع فى الظاهر بتشوش به الباطن واجاز له الرمز ليدفع به ضيق قلبه ومن دخل عليه من اهله والرمز من الانبياء للاولياء والرمز من الاولياء الخاصة المريدين وحقيقة الرمز من تعريض السر الى السر واظهار التفرس الى التفرس واعام الخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين المخطاب والمخاطب {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} الذكر الكثير ههنا تخليص النية عن الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السرف المناجاة وتحير الروح فى المشاهدات وادب الله اهل محبته وارادته بما اخبر عن معجزة زكريا واستجابة دعوته حتى اذا ارادوا كشف الغيب اتجابة الدعوة اعتزلوا عن الخلق وعن محادثتهم وتركوا ما لا يعينهم وقطعوا لسانهم بمقاريض الصمت وجعلوه رطبا بذكر الله فى ايام مناجاتهم التى ارادوا فيها كشف المقصودة.
اسماعيل حقي
تفسير : {هنالك} اى حيث كان قاعدا عند مريم فى المحراب ولما رأى زكريا عليه السلام حال مريم فى كرامتها على الله ومنزلتها رغب فى ان يكون له من ايشاع ولد مثل ولد اختها حنة فى النجابة والكرامة على الله وان كانت عاقرا عجوزا فقد كانت اختها كذلك {دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك} اى اعطنى من محض قدرتك من غير وسط معتاد {ذرية طيبة} اى ولدا صالحا مباركاً تقيا رضيا مرضيا. والذرية النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والانثى والمراد ههنا ولد واحد. والطيب هو الذى تستطاب افعاله واخلاقه فلا يكون فيه امر يستخبث ويعاب {انك سميع الدعاء} اى مجيبه كما فى قولهم سمع الله لمن حمده وهذا لان من لن يجب فكأنه لم يسمع. فان قيل ان زكريا كان عاملا ان فى قدرة الله ذلك قبل رؤية حال مريم فهلا سأل قبل ذلك. قلنا قد يزداد الانسان رغبة فى الشىء اذا عاينه وان كان عالما به قبله.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هنالك}: اسم إِشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان. {والملائكة}: جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: {فنادته الملائكة}، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: {فناداه}، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردّاً على الكفار. والمراد هنا: جبريل عليه السلام كقوله:{أية : يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ}تفسير : [النّحل: 2]،{أية : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ}تفسير : [آل عِمرَان: 42]، و {بشر}: فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بَشَرَ يَبْشُر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بَشْر يُبَشّر تبشيراً. يقول الحقّ جلّ جلاله: مخبراً عن زكريا عليه السلام: {هنالك} أي: في ذلك الوقت الذي رأى من الخوارق عند مريم، {دعا زكريا ربه}، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: {ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة}، كما وهبتها لحنَّة العجوز العاقر، {إنك سميع الدعاء} أي: مجيبه فاسمع دعائي يا مجيب، {فنادته الملائكة}، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع؛ إذ لا يخلو من أصحاب، {وهو قائم يصلي في المحراب} رُوِيَ: أنه كان قائماً يصلّي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: {إن الله يبشرك بيحيى}، سمي به؛ لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء. {مصدقاً بكلمة من الله} وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كُنْ، من غير سبب عادي، و {سيداً} أي: يسود قومه يوفُوقهم، و {حصوراً}، أي: مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. رُوِيَ أنه مرَّ في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت، أو عِنِّيناً، رُوِيَ: "أنه كان له ذَكَرٌ كالقذاة" رواه ابن عباس. وقال في الأساس: (رجل حصور: لا يرغب في النساء). قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يُملك. وقال القشيري: {حصوراً}: أي: مُعْتَقاً من الشهوات، مَكْفِيّاً أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، {ونبيّاً من الصالحين} الذي صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة. ولما سمع البشارة هزَّه الفرحُ فقال: يا {رب أنى يكون لي غلام} أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاماً أو تعجباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. {وقد بلغني الكبر}، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، {وامرأتي عاقر} لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء. قال له جبريل: {كذلك الله يفعل ما يشاء} من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: {الله يفعل ما يشاء}. ولما تحقق بالبشارة طلبَ العلامةَ، فقال: {رب اجعل لي آية} أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام} أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثاً، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، {إلا رمزاً} بيدٍ أورأس أو حاجب أو عين. {واذكر ربك كثيراً} في هذه المدة التي حبِسْتَ فيها عن الكلام، وهو يُبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. {وسبّح بالعشي} أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، {والإِبكار}؛ من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى:{أية : فَأْوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً }تفسير : [مريم: 11]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام: طلب الولد؛ إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نَسْله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسيّ أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عمله إلا مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ، أوْ عِلَم يُنْتَفَعُ به"تفسير : . وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا عليّ - كَرّم الله وجهه -:"حديث : لأنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لكَ مِنْ حُمْر النَعَمِ ". تفسير : وقال بعض الشعراء: شعر : وَالمَرْءُ في مِيزانِه أتْباعُهُ فاقْدرْ إِذَنُ قَدْرَ النبيّ مُحمَّد تفسير : وقد سلَك هذا المسلك القطبُ بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تَصْلِيَته المشهورة: (اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا). فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونارى نداءً خفيّاً في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقاً بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيداً وحصوراً عن شواغل الحس، مستغرقاً في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، (الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون)، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : اللغة والمعنى: معنى هنالك: عند ذلك. والأصل فيه الطرف من المكان نحو رأيته هنا وهناك، وهنالك، والفصل بينهما، القرب والعبد، فهنا للقريب وهنالك للبعيد، وهناك لما بينهما. وقال الزجاج: ويستعمل في الحال كقوله من ههنا قلت: كذا أي من هذا الوجه. وفيه معنى الاشارة كقولك: ذا، وذاك. وزيدت اللام لتأكيد التعريف، لأن الأصل في زيادتها التعريف إلا أنها كسرت لالتقاء الساكنين كما كسرت في ذلك. ولا يجوز إعرابها، لأن فيها معنى الحرف. ومعنى الآية عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف ما جرت به العادة، طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف مجرى العادة، فسأل ذلك. وزكريا (ع) وإن كان عالماً بانه تعالى يقدر على خلق الولد من العاقر، وإن لم تجربه العادة، فانه كان يجوز ألا يفعل ذلك لبعض التدبير، فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها قوي ظنه أنه يفعل ذلك: إذا اقتضت المصلحة، وقوي في نفسه ما كان علمه، كما أن ابراهيم وإن كان عالماً بأنه (تعالى) يقدر على إحياء الميت سأل ذلك مشاهدة لتأكد معرفته وتزول عنه خواطره. وقال الجبائي: إن الله تعالى كان أذن له في المسألة وجعل وقته الذي أذن له فيه الوقت الذي رأى فيه المعجزة الظاهرة فلذلك دعا. وقوله {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} فالهبة تمليك الشيء من غير ثمن تقول: وهب يهب، فهو واهب والشيء موهوب، وتواهبوا الأمر بينهم تواهباً، واستوهبه استيهاباً. وقوله من لدنك معناه من عندك وإنما بني ولم يبن عند، لأنه استبهم استبهام الحروف، لأنه لا يقع في جواب أين كما يقع عند نحو قوله أين زيد فتقول عندك، ولاتقول لدنك. {ذرية} تقع على الجمع، والواحد. وقيل أن المراد ها هنا واحد لقوله {أية : فهب لي من لدنك ولياً}تفسير : وأما بمعنى الجمع، فمثل قوله: {أية : ذرية من حملنا من نوح}تفسير : وقوله: {طيبة} قال السدي معناه مباركة. وإنما انث طيبة، وهو سأل ولداً ذكراً على تأنيث الذرية كما قال الشاعر: شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك بالكمال تفسير : وقال آخر: شعر : فما نزدري من حية جبلية سكات إذا ما عاض ليس بأدردا تفسير : فجمع التأنيث، والتذكير في بيت واحد مرة على اللفظ، ومرة على المعنى. وإنما يجوز هذا في أسماء الأجناس دون الاعلام نحو طلحة، وحمزة، وعنترة، لا يجوز أن تقول جاءت طلحة من قبل أن التذكير الحقيقي يغلب على تأنيت اللفظ فأما قوله: شعر : وعنترة الفيحاء جاءت ملاماً كأنك فند من عماية أسود تفسير : فانما أراد شفة عنترة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقوله: {إنك سميع الدعاء} معناه سامع الدعاء بمعنى قابل الدعاء. ومنه قول القائل: سمع الله لمن حمده أي قبل الله دعاه وأصل السمع ادراك المسموع وإنما قيل للقابل سامع لأن من كان أهلا أن يسمع منه فهو أهل أن يقبل منه خلاف من لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لم يسمع.
الجنابذي
تفسير : {هُنَالِكَ} فى ذلك المكان او فى ذلك الزّمان {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} يعنى بعد ما شاهد من مريم ما شاهد من اكرام الله لها حنّ الى ولد كريم على الله مثلها فدعا ربّه {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي} لانتفاعى {مِن لَّدُنْكَ} لا من لدن غيرك من الملائكة او الشّياطين حتّى يكون عوده الى حضرتك {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} اى مجيبه فانّ السّماع فى امثال المقام يستعمل فى الاجابة والجملة مستأنفة لبيان علّة الدّعاء او لبيان حاله تعالى فى مقام الدّعاء.
اطفيش
تفسير : {هُنَالِكَ}: هو ظرف مكان، أو زمان، إذ قد يستعار هنا بالزمان وكذا: ثَمَّ، وحيث. وقيل: وضعت حيث لهما. أى: فى ذلك المكان الذى خاطب فيه مريم، فأجابته وقت الخطاب، أو بعده، أو فى ذلك الوقت الذى خاطبها فيه. {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ}: بعد أن دخل محرابه، وأغلق الأبواب، جوف الليل، أن يرزقه ولداً، وكان هو وزوجته شيخين عاقرين، ولكن حمله على طلب الولد ما رآه من خرق العادة فى رزق مريم، فواكه فى غير أوانها، مع أن أخت زوجته كانت عاقراً فرزقها الله الولد، فطمع أن يرزقه من زوجته وهى عاقر ولداً، مثل ولد أختها، فى النجابة والكرامة على الله، ومع أن ظهور الفاكهة فى غير أوانها، بمنزلة ولادة العاقر من الشيخ وزوجته هى إيشاع، وأخته حنة، والولد مريم، والولد الذى أجاب الله دعاء زكريا به هو يحيى - على نبينا وعليهم السلام - وكأنه قيل ما قال زكريا فى دعائه فقال: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَة}: كما وهبتها لحنة العجوز. والمراد بالطيبة: الطاهرة من الذنوب، مباركة. والذرية: تطلق على الولد الواحد فصاعداً. {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ}: أى مجيبه.
اطفيش
تفسير : {هُنَالِكَ} فى هذا المكان المجازى، وهو ثبوت الرزق لها بلا حساب من الجنة فى غير أوانه، والولد للعجوز أو فى المكان الحقيقى، وهو المحراب إذ دخله، أو الزمان فإن هنا قد يطلق عليه تبيه بولادة العجوز وثبوت الرزق من الجنة، وفواكه فى غير أوانها إلى أن هذا من جملة الأزمان المفتوحة للخوارق، وإلى أن الولد كالثمرة والنبات، وإلى أن الله يقدر أن يرزق له وهو كبير ولدا من امرأة عاقر كبيرة، خرقا للعادة كذلك، وذلك التنبه لا يقتضى الغفلة الخارجية عن منصب النبوة، لأنه تنبه فوق علم وتنبه فى حق خصوص نفسه ولا يعترض قياسا الولد من عاقر إلى الثمار باستبعاده الولادة عند التبشير بها، لأنه نسى هذا القياس باستعظام البشارة، ولأن من أحب حصول شيءى جدا يجب تصوره وأحواله ولو عرفها {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} كأنه قيل ما دعاؤه، فقال الله{قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيَّبَةً} مباركة صالحة عابدة {إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ} وليس تقديم هنالك للحصر، بل على طريق الاهتمام برتبة الرزق فى غير معتاده، وهذا قابل، لأنه أخر الدعاء إلى السحر أو الجمعة أو نحو ذلك، وروى أنه اغتسل وصلى ودعا جوف الليل، وإن قلنا، هنالك ذلك المكان الحقيقى أو الزمان قلنا دعا فيه، ودعا بعد، فلا حصر، أو التقديم للحصر، باعتبار دعاء دعَا به فى ذلك غير دعاء آخر أخره، وعن الحسن قال، يا رازق مريم ثمار الصيف فى الشتاء وثمار الشتاء فى الصيف، هب لى من لدنك ذرية طيبة، والذرية الطيبة من يستحق من ولده إرث العلم والنبوة وسمع الدعاء إجابته، لأنها من لازم السمع وسببه، واختار لفظ رب إشارة إلى آثار التربية المناسة للولد المطلوب، دعا ثلاثا هده، وإنى وهن العظم منى، ولا تذرنى فردا، وبين كل واحدة والأخرى زمان، وقيل بمرة وفرق فى ذكرها، ويدل على ذلك الفاء فى قوله: {فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ} أى جنسهم للصادق بالواحد الذى هو جبريل المنادى، فلو حلفت لتلبسنَّ الثياب لبررت بواحد، أى وصل إليه البداء من جنس الملائكة لا من جنس آخر، وسماه ملائكة تعظيما، أو المراد فناداه بعض الملائكة أو شبه الواحد بالجماعة بجمعه ما لهم من الخصال، أو نادوه كلهم، وهو غير محال، ولو لم يتعارف، أو جبريل بالنطق وغيره بالحضور والرضا، فيكون عَلَى هذا من عموم المجاز {وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى} نفلا، ليدعو عقبه، قيل يصلى يدعو {فِى المِحْرَابِ} محرابه، وقيل محراب مريم، وهو ما مر، أو هوالمسجد أو بمعنى أشرف، وضع فى المسجد، وذكر قائما مع يصلى مبالغة، إذ يكفى ذكر الصلاة، لأنها فى قيام أصالة، ولأن طول القيام أفضل من كثرة الركعات على الصحيح، والجملة حال من المستتر فى قائم، أو خبر ثان، أو حال ثانية {أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} لفظ عجمى عبرانى، وأنت خبير بأن العبرى قريب من العربى، فهو مشعر بالحياة ولو كان لا تصرف له، وقد قيل، اسمه حيا، وزاد الله له حرفا من حروف بسارة زوج إبراهيم، فهى سارة، وهو يحيى، وقيل عربى منفول من المضارع، لأن الله أحيا به عقم أمه، أو لأن الله أحيا قلبه بالإيمان أو بالعلم والحكمة اللذين يؤناهما، أو لأن الله يحيى به الناس من الضلال، أو لأن الله سبحانه علم أنه يموت شهيداً، والشهداء أحياءً عن ربهم يرزقون {مُصَدِّقاً بِكَلِمةٍ مِّنَ اللهِ} هى الإنجيل أو التوراة، أو كلاهما، تسمية للكل باسم الجزء، وقيل. الكلمة حقيقة فى القليل والكثير، أو هو عيسى، وهو أولى، لقوله بكلمة منه اسمه المسيح، سماه كلمة لأنه وجد يكن المعبر به عن توحيد الإرادة لا بأب، فذلك بشارتان، بشارة بيحيى وبشارة بعيسى عليه السلام، أو لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله عز وجل، أو لأنه عز وجل بشر به مريم على لسان جبريل، أو لأنه عز وجل أخبر الأنبياء أنه سيخلقه بلا أب، ولما خلقه قال، هذه الكلمة التى وعدت، ويحيى أول من آمن بعيسى، وهو أكبر من عيسى بستة أشهر، قالت أم يحيى لمريم، أجد ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك، يخر براسه إلى جهة بطنك، وذلك من جملة قوله، مصدقاً بكلمة، وقيل، أكبر منه بثلاث سنين، وقيل بخمس سنين، وقيل، ولد بعد رفع عيسى بقليل، وقيل، قتل قبل رفع عيسى، ولا يصح ما قيل من أن الاتفاق أنه ولد قبل عيسى، ومريم ولدت عيسى بنت ثلاث عشر سنة، وقيل، بنت عشر، ويقال، بين ولادة يحيى والبشارة بمريم زمان مديد، ولا يلزم ذلك، والدعاء والحكمة يتصوران ممن يشاء الله ولو طفلا {وَسَيِّداً} رئيسا فى العبادة والورع والعلم، وفائقاً فى أنه ما هم بسيئة، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه الله به أو يرحمه، إلا يحيى بن زكرياتفسير : ، رواه ابن أبى حاتم وابن عساكر، ساد قومه وفاقهم بذلك، والكرم وحسن الخلق والتُّقى والعلم والرضا بقضاء الله سبحانه، وعدم الحسد وسائر صفات الخير {وَحَصُوراً} مانعاً لنفسه من النساء منعاً عظيما فى نفسه وكثرته، مغالبا لنفسه، أو خلقة وطبعا، والأولى أنه قادر عليهن مانع لنفسه، وعدم القدرة عليهن نقص يجب تنزيه الأنبياء عنه، واستدل الشافعية بذلك على فضل العزوبة على التزوج. وذلك فى تلك الأمة، والأصل بقاؤه، والأصل عدم النسخ ولا سيما مع قوله، فبهداهم اقتده وليس كذلك، بل نص الحديث على فضل النزوج لهذه الأمة إى آخر الزمان إذا فسد، قال أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربعة لعنوا فى الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة، رجل جعله الله ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذى يضل الأعمى، ورجل حصور" تفسير : ، ولم يجعل الله حصوراً رجلا تحصر بعد يحيى، وكلا الحديثين، صريح فى أن حصورا مانع نفسه من النساء، وهو قادر، فما يذكر أن ذكره كهدية الثوب أو كنواة، أو كالأنملة، أو كقذاة إن صح عنه صلى الله عليه وسلم كناية عن عدم اشتغاله بنكاح كمن صفته ذلك، وهو عيب، والماقم مقام مدح، لا يكفى فيه، أنه غير عيب، فكيف وهو عيب، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تزوجوا فإنى مكاثر بكم الأمم" تفسير : ، أو مانعا لنفسه عن غير الطاعة من الشهوات ولو مباحة، ومن الملاهى، يدعوه الصبيان في صباه للعب فيقول، ما للعب خلقت، رواه ابن عساكر عن معاذ مرفوعا، وعبد الرزاق عن قتادة موقوفا {وَنَبِياً} مستقلا، وليس من أمة عيسى، أو منها كما دل له مصدقاً بكلمة، وإذ قلنا إنها عيسى، كلوط هو من أمة إبراهيم نبى {مِّنَ الصَّالِحِينَ} من ذريتهم، أو من جملتهم، والأول أمدح، والصالح من قام بحقوق الله وحقوق العباد، وقيل من ترك الصغائر والكبائر، والمراد الصغائر المنفرة، وإلا فقد قال الله عز وجل: " أية : كلا لما يقض ما أمره "تفسير : [عبس: 23]، إذ لا يخلو أحد من تقصير.
الالوسي
تفسير : {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } قصة مستقلة سيقت في أثناء قصة مريم لكمال الارتباط مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له، و (هنا) ظرف مكان، و ـ اللام ـ للبعد، و ـ الكاف ـ للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، وهي ظرف ملازم للظرفية وقد تجر بمن وإلى؛ وجوز أن يراد بها الزمان مجازاً فإن (هنا) و ثم و حيث كثيراً ما تستعار له وهي متعلقة ـ بدعا ـ وتقديم الظرف للإيذان بأنه أقبل على الدعاء من غير تأخير، وقال الزجاج: إن (هنا) هنا مستعارة للجهة والحال ـ أي من تلك الحال دعا زكريا ـ كما تقول: من هٰهنا قلت كذا، ومن هنالك قلت كذا ـ أي من ذلك الوجه وتلك الجهة. أخرج ابن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها: أنى لك هذا في غير حينه. قالت: هو رزق من عند الله يأتيني به الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال: إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر على أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولداً فعند ذلك دعا ربه وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله تعالى، وقيل: أطمعه في الولد فدعا مع أنه كان شيخاً فانياً وكانت امرأته عاقراً لما أن الحال نبهته على جواز ولادة العاقر من الشيخ من وجوه. الأول: ما أشار إليه الأثر من حيث أَن الولد بمنزلة الثمر والعقر بمنزلة غير أوانه، والثاني: أنه لما رأى تقبل أنثى مكان الذكر تنبه لأنه يجوز أن يقوم الشيخ مقام الشاب والعاقر مقام الناتج، والثالث: أنه لما رأى تقبل الطفل مقام الكبير للتحرير تنبه لذلك. والرابع: أنه لما رأى تكلم مريم في غير أوانه تنبه لجواز أن تلد امرأته في غير أوانه، والخامس: أنه لما سمع من مريم {أية : إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] تنبه لجواز أن تلد من غير استعداد؛ ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الخدش، وعلى العلات ليس ما رأى فقط علة موجبة للإقبال على الدعاء بل كان جزءاً من العلة التامة التي من جملتها كبر سنه عليه السلام وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم. {قَالَ } شرح للدعاء وبيان لكيفيته {رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } الجاران متعلقان بما قبلهما وجاز لاختلاف المعنى، و {مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً أي أعطني من عندك {ذُرّيَّةً طَيّبَةً } أي مباركة كما قال السدي، وقيل: صالحة تقية نقية العمل، ويجوز أن يتعلق الجار الأخير بمحذوف وقع حالاً من ذرية، وجاء الطلب بلفظ الهبة لأن الهبة إحسان محض ليس في مقابلة شيء وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد لكبر سنه ولا للوالدة لكونها عاقرة لا تلد فكأنه قال: أعطني ذرية من غير وسط معتاد، والذرية في المشهور النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى. والمراد هٰهنا ولد واحد؛ قال الفراء: وأنث ـ الطيبة ـ لتأنيث لفظ الذرية والتأنيث والتذكير تارة يجيئان على اللفظ/ وأخرى على المعنى وهذا في أسماء الأجناس كما في قوله:شعر : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال تفسير : بخلاف الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير. {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء } أراد كثير الإجابة لمن يدعوك من خلقك وهو تعليل لما قبله وتحريك لسلسلة الإجابة، وفي ذلك اقتداء بجده الأعلى إبراهيم عليه السلام إذ قال: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء } تفسير : [إبراهيم: 39] قيل: قد ذكر الله تعالى في كيفية دعائه ثلاث صيغ. إحداها: هذه والثانية: {أية : إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } تفسير : [مريم: 4] الخ، والثالثة: {أية : رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } تفسير : [الأنبياء: 89] الخ، فدل على أن الدعاء تكرر منه ثلاث مرات كل مرة بصيغة، ويدل على أن بين الدعاء والإجابة زماناً، ويصرح به ما نقل في بعض الآثار أن بينهما أربعين سنة، وفيه منع ظاهر لجواز أن تكون الصيغ الثلاث حكاية لدعاء واحد مرة على سبيل الإيجاز، وتارة على سبيل الإسهاب، وأخرى على سبيل التوسط، وهذه الحكاية في هذه الصِّيغ إنما هي بالمعنى إذ لم يكن لسانهم عربياً؛ ولهذا ورد عن الحسن أنه عليه السلام حين دعا قال: يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك ذرية ولم يذكر في الدعاء ـ يا رب ـ قيل: ويدل على أنه دعاء واحد متعقب بالتبشير العطف بالفاء في قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}.
ابن عاشور
تفسير : أي في ذلك المكان، قبل أن يخرج، وقد نبّهه إلى الدعاء مشاهدةُ خوارق العادة مع قول مريم: {أية : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}تفسير : [آل عمران: 37] والحكمةُ ضالة المؤمن، وأهلُ النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه، وقد كان في حَسرة من عدم الولد كما حكى الله عنه في سورة مريم. وأيضاً فقد كان حينئذ في مكان شَهد فيه فيضا إلاهياً. ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمْكنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلاّ كالذوات الصالحة في أنها محالّ تجلّيات رضا الله. وسأل الذرية الطيّبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة. ومشاهدةُ خوارق العادات خوّلت لزكرياء الدعاء بما هو من الخوارق، أو من المستبعدات، لأنّه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزاً لحدود الأدب مع الله على نحو ما قرّره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز. وسميع هنا معنى مجيب.
الواحدي
تفسير : {هنالك} أَيْ: عند ذلك {دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك} أَيْ: من عندك {ذريةً طيبةً} أَيْ: نسلاً مباركاً تقيّاً، فأجاب الله دعوته وبعث إليه الملائكة مبشرين، وهو قوله: {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله} أَيْ: مُصدِّقاً بعيسى أنَّه روح الله وكلمته، وسُمِّي عيسى كلمة الله؛ لأنَّه حدث عند قوله: {كُنْ} فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنَّه بها كان {وسيداً} وكريماً على ربِّه {وحصوراً} وهو الذي لا يأتي النِّساء ولا أرب له فيهنَّ. {قال} زكريا لمَّا بُشِّر بالولد: {ربِّ أنى يكون لي غلامٌ} أَيْ: على أيِّ حالٍ يكون ذلك؟ أَتردُّني إلى حال الشَّباب وامرأتي أَمْ مع حال الكبر؟ {وقد بلغني الكبر} أَيْ: بَلغْتُه؛ لأنَّه كان ذلك اليوم ابن عشرين ومائة سنةٍ {وامرأتي عاقر} لا تلد، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً. قيل له: {كذلك} أَيْ: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على الكبر يفعل الله ما يشاء، فسبحان مَنْ لا يعجزه شيء، فلمَّا بُشِّر بالولد سأل الله علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته، وذلك قوله: {قال رب اجعل لي آية} فقال الله تعالى: {آيتك ألاَّ تكلم الناس ثلاثة أيام} جعل الله تعالى علامة حمل امرأته أَنْ يُمسك لسانه فلا يقدر أنْ يُكلِّم النَّاس ثلاثة أيَّامٍ {إلاَّ رمزاً} أَيْ: إيماءً بالشَّفتين والحاجبين والعينين، وكان مع ذلك يقدر على التَّسبيح وذكر الله، وهو قوله: {واذكر ربك كثيراً وسبِّح} أَيْ: وصَلِّ {بالعشي} وهو آخر النَّهار {والإِبكار} ما بين طلوع الفجر إلى الضُّحى. {وإذ قالت الملائكة} أَيْ: جبريل عليه السَّلام وحده: {يا مريم إنّ الله اصطفاك} أَيْ: بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته {وطهرك} من ملامسة الرِّجال والحيض {واصطفاك على نساء العالمين} على عالمي زمانك. {يا مريم اقنتي لربك} قومي للصَّلاة بين يدي ربكِّ، فقامت حتى سالت قدماها قيحاً {واسجدي واركعي} أَي: ائتي بالرُّكوع والسُّجود، والواو لا تقتضي الترتيب {مع الراكعين} أَي: افعلي كفعلهم، وقال: {مع الراكعين} ولم يقل: مع الرَّاكعات؛ لأنَّه أعمُّ. {ذلك} أَيْ: ما قصصنا عليك من حديث زكريا ومريم {من أنباء الغيب} أَيْ: من أخباره {نوحيه إليك} أَيْ: نلقيه {وما كنت لديهم} فتعرف ذلك {إذ يلقون أقلامهم} وذلك أنَّ حنَّة لمَّا ولدت مريم أتت بها سدنة بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النَّذيرة، فتنافس فيها الأحبار حتى اقترعوا عليها، فخرجت القرعة لزكريا، فذلك قوله: {إذ يلقون أقلامهم} أَيْ: قداحهم التي كانوا يقترعون بها لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 38- لما رأى زكريا - عليه السلام - ما رآه من نعمة الله على مريم، اتجه إلى الله ضارعاً أن يهبه من فضله وكرمه وبقدرته ولداً، فهو يسمع دعاء الضارعين، وهو القدير على الإجابة وإن وقفت الأسباب العادية من شيخوخة أو عقم دون تحقيقها. 39- فاستجاب الله دعاءه، فنادته الملائكة وهو قائم فى معبده متجهاً إلى ربه، بأن الله يبشرك بولد اسمه يحيى، يؤمن بعيسى - عليه السلام - الذى سيوجد بكلمة من الله فيكون على غير السُنَّة العامة فى التوالد، ويجعله (أى يحيى) يسود قومه بالعلم والصلاة، يعزف عن الشهوات والأهواء، ويجعله من الأنبياء والصالحين. 40- ولما سيقت إليه هذه البشرى، اتجه إلى ربه متشوقاً إلى معرفة الكيفية التى يكون بها هذا الغلام، مع عدم توافر الأسباب العادية لكبر سنه وعقم زوجه، ورد الله عليه بأنه متى شاء أمراً أوجد له سببه، أو خلقه بغير الأسباب المعروفة. فهو يفعل ما يشاء. 41- فدعا زكريا ربه أن يجعل له علامة لتحقق هذه البشرى، فأجابه الله بأن علامتك أن تعجز عن كلام الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة إليهم بما تريد، وثابر على ذكر ربك وتنزيهه فى المساء والصباح. 42- واذكر - أيها النبى - إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختارك لتكونى أم نبيه، وطهرك من كل دنس، وخصك بأمومتك لعيسى بفضل على كل نساء العالمين. 43- وهذا يا مريم يستوجب منك الشكر لربك، فالزمى طاعته، وصلى له، وشاركى الذين يعبدونه ويصلون له.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: هنالك: ثَمَّ عندما رأى كرامة الله لمريم عليها السلام. زكريا: أحد أنبياء بني إسرائيل ورسلهم. هب لي: أعطني. من لدنك: من عندك. ذريّة طيبة: أولاداً أطهاراً صالحين. بكلمة من الله: هي عيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله تعالى "كُن". وسيداً وحصوراً: شريفاً ذا عِلْم وحلم، ولا رغبة له في النساء لقلة مائه. غلام: ولد ذكر. عاقر: عقيم لا تلد لعُقْمها وعُقْرها. آية: علامة استدل بها على بداية الحمل لأشكر نعمتك. إلا رمزاً: إلا إشارة بالرأس أو باليد يفهم منها ما يفهم من الكلام. الإبكار: أول النهار، والعشي آخره. معنى الآيات: لما شاهد زكريا من كرامات الله لمريم أنها تُؤْتَى بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ذكر أن الله تعالى قد يعطي ما شاء لمن يشاء على غير نظام السنن الكونيّة فكبر سِنّه وعُقم امرأته لا يمنعان أن يعْطيه الله تعالى ولداً، فسأل ربّه الولد فاستجاب له ربّه فبشرته الملائكة بالولد وهو قائم يصلي في محرابه قائلة إن الله يبشرك بولد اسمه يحيى مصدّقاً بكلمة من الله يريد أن يصدق بعيسى بن مريم ويكون على نهجه، لأن عيسى هو الكلمة إذ كان بقول الله تعالى له "كُن" فكان، ووصفه بأنّه سيد ذو علم وحِلم وتقىً وحصور لا يأتي النساء، ونبيُّ من الصالحين. فلما سمع البشارة من الملائكة جاءه الشيطان وقال له: إن الذي سمعته من البشرى هو من الشيطان ولو كان من الرحمن لأوحاه إليك وحياً، وهنا أراد زكريا أن يتثبت من الخبر فقال: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ}؟ فأوحى إليه: أن هذا فعل الله والله يفعل ما يشاء. وهنا قال زكريا رب اجعل لي آية يريد علامة يستدل بها على وجود الحمل ليستقبل النعمة بالشكر فأجابه ربه قائلا: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} يريد أنك تصبح وأنت عاجز عن الكلام لمدة ثلاثة أيام، فلا تقدر أن تخاطب أحداً إلا بالإشارة وهي الرمز فيفهم عنك، وأمره تعالى أن يقابل هذا الإِنعام بالشكر التام فقال له {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ} يريد صلِّ بالعشي آخر النهار والإِبكار أوله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الاعتبار بالغير، إذ زكريا دعا بالولد لما رأى كرامة الله تعالى لمريم. 2- مشروعية الدعاء وكونه سراً أقرب إلى الإِجابة، وكونه في الصلاة كذلك. 3- جواز تلبيس إبليس على المؤمن، ولكن الله تعالى يذهب كيده ووسوسته. 4- جواز سؤال الولد الصالح. 5- كرامات الله تعالى لأوليائه - باستجابة دعاءهم. 6- فضل الإِكثار من الذكر، وفضيلة صلاتي الصبح والعصر وفي الحديث: "حديث : من صلى البردين دخل الجنة ".
القطان
تفسير : بكلمة من الله: عيسى بن مريم. سيدا: شريفا في العلم العبادة. حصورا: لا يأتي النساء، وهو يحبس نفسه عن كل ما ينافي الفضائل. عاقر: عقيم لا تلد. الآية: العلامة. الا تكلم الناس: لا تستطيع الكلام. الرمز: الاشارة. ولما رأى زكريا ما رآه من نعمة الله على مريم اتجه الى الله داعياً ان يهبه من فضله ولدا طيبا، ايمانا منه بأن الله تعالى يسمع دعاء الضارعين. فاستجاب الله دعاءه ونادته الملائكة وهو قائم يتعبد في محرابه بأن الله يبشّرك بولد اسمه يحيى، ويؤمن بعيسى عليَه السلام الذي سيوجَد بكلمة من الله فيكون وجوده معجزة. ان يحيى سيكون سيداً شريفاً عابدا قانتا، وحصوراً بعيدا عن كل الأدناس والشهوات، ونبياً من الصالحين. وكان يحيى ابن خالة عيسى. وعندما سمع زكريا هذه البشرى استبعد ان يكون له ولد وهو عجوز طاعن في السن وامرأته عقيم لا تلد، فردّ عليه الله بأنه متى شاء أمراً أمراً أوجدَ له سببه. فدعا زكريا ربه ان يجعل له علامة لتحقُّق هذه البشرى، فقال: علامة ذلك ان لا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة ومع ذلك تظل تستطيع ان تذكر الله وتسبّحه أثناء تلك الايام الثلاثة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف "فناداه الملائكة" بالإمالة والتذكير. وقرأ حمزة وابن عامر "ان الله" بكسر همزة إن. وقرأ حمزة والكسائي "إن الله يبشّرُك" بفتح الياء وضم الشين بدون تشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : (38) - فَلَمَّا رَأى زَكَرِيَّا مِنْ كَرَامَاتِ مَرْيَمَ، وَكَانَ قَدِ اشْتَعَلَ رَأسُهُ شَيْباً، وَأصْبَحَ شَيْخاً طَاعِناً فِي السِّنِّ، طَمِعَ فِِي أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ صَالِحٌ مِثْلُهَا هِبَةً وَفَضْلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِراً، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ نِداءً خَفِيّاً، وَقَالَ: يَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، إنَّكَ تَسْمَعُ دُعَاءَ الصَّالِحينَ، وَأنْتَ القَدِيرُ عَلَى الإِجَابَةِ. الطَّيِّبُ - مَا تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ - أوْ هُوَ مَا تُسْتَطَابُ أَفْعَالُهُ وَصِفَاتُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنها ساعة أن قالت له: إن الرزق من عند الله، وأنه الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، هنا أيقظت فيه القضية الإيمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا لنفسه: فلنطلب من ربنا أن يرزقنا ما نرجوه لأنفسنا، وما دام قد قال هذا القول فلا بد أنه قد صدق مريم في قضيتها، بأن هذا الرزق الذي يأتيها هو من عند الله، ودليل آخر في التصديق, هو أنه لا بد وقد رأى أن الألوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته، أو ليست في أوانها؛ وكل ذلك في المحراب. ونحن نعرف أن المحراب كلمة يراد بها بيت العبادة. يقول الحق: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13]. أو "المحراب" وهو مكان الإمام في المسجد، أو هو حجرة يصعد إليها بسلم، كالمبلغات التي تقام في بعض المساجد. وما دامت مريم قد أخبرت زكريا وهي في المحراب بأن الرزق من عند الله، وأيقظت بذلك تلك القضية الإيمانية في بؤرة شعوره، فماذا يكون تصرفه؟ هنا دعا زكريا أثناء وجوده في المحراب. {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [آل عمران: 38] إنه هنا يطلب الولد. ولكن لا بد لنا أن نلاحظ ما يلي: - هل كان طلبه للولد لما يطلبه الناس العاديون من أن يكون زينة للحياة أو "عزوة" أو ذكرا؟ لا، إنه يطلب الذرية الطيبة، وذكر زكريا الذرية الطيبة تفيد معرفته أن هنالك ذرية غير طيبة. وفي قول زكريا الذي أورده الحق: {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ..}تفسير : [مريم: 6]. أي أن يكون دعاء لإرث النبوة وإرث المناهج وإرث القيم، هكذا طلب زكريا الولد. لقد طلبه لمهام كبيرة، وقول زكريا: "رب هب لي" تعني أنه استعطاء شيء بلا مقابل، إنه يعترف. أنا ليس لي المؤهلات التي تجعل لي ولداً؛ لأني كبير السن وامرأتي عاقر، إذن فعطاؤك يارب لي هو هبة وليس حقاً، وحتى الذي يملك الاستعداد لا يكون هذا الأمر حقاً له، فلا بد أن يعرف أن عطاء الله له يظل هبة، فإياك أن تظن أن اكتمال الأسباب والشباب هي التي تعطي الذرية، إن الحق سبحانه ينبهنا ألاّ نقع في خديعة وغش أنفسنا بالأسباب. {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]. إن في ذلك لفتاً واضحاً وتحذيراً محدداً ألا نفتتن بالأسباب، إذن فلكل عطاء من الله هو هبة، والأسباب لا تعطي أحداً ما يريد. إن زكريا يقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} [آل عمران: 38] وساعة أن تقول من: "لدنك" فهو يعني "هب لي من وراء أسبابك". لماذا؟ لأن الكل من الله. ولكن هناك فرقاً بين عطاء الله بسبب، كأن يذهب إنسان ليتعلم العلم ويمكث عشرين عاماً ليتعلم، وهناك إنسان يفيض الله عليه بموهبة ما، ولذلك يقول أهل الإشراقات: إنه علم لدنى، أي من غير تعب، وساعة أن نسمع "من لدن" أي انعزلت الأسباب، كان دعاء زكريا هو {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} [آل عمران: 38] وكلمة "هب" توضح ما جاء في سورة مريم من قول زكريا: {أية : قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8]. إن "هب" هي التي توضح لنا هذه المعاني، هذا كان دعاء زكريا: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [آل عمران: 38] فهل المراد أن يسمع الله الدعاء؟ أم أن يجيب الله الدعاء؟ إنه يضع كل أمله في الله، وكأنه يقول: إنك يارب من فور أن تسمعني ستجيبني إلى طلبي بطلاقة قدرتك. لماذا؟ لأنك يا رب تعلم صدق نيتي في أنني أريد الغلام لا لشيء من أمور كقرة العين، والذكر، والعز، وغيرها، إنما أريد الولد ليكون وارثاً لي في حمل منهجك في الأرض، وبعد ذلك يقول الحق: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ...}.
الجيلاني
تفسير : ولما سمع زكريا منها ما سمع ورأى ما رأى {هُنَالِكَ} أي: في ذلك الوقت والزمان {دَعَا زَكَرِيَّا} المراقب لنفحات الله في جميع حالاته {رَبَّهُ} الذر رباه بتعرض نفحاته لإصلاح حاله متمنياً في دعائه خلفاً يحيي اسمه حيث {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} بريئة عن جميع الرذائل والنقائض كما وهبتها لامرأة عمران {إِنَّكَ} بإحاطتك على سرائر عبادك {سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [آل عمران: 38] أي: الدعاء الصادر عن ألسنة استعداداتهم بإلقائك على قلوبهم. ولما كان دعاؤه صادراً عن عزيمة صحيحة واردة في وقت قدر الله في علمه، بادر سبحانه إلى إجابته، أمر الملائكة بتبشيره {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} بأمر ربهم {وَهُوَ} في تلك الحالة مترصد للإجابة {قَائِمٌ} للخضوع والتذلل {يُصَلِّي} لله، ويميل إليه مقبلاً عليه {فِي ٱلْمِحْرَابِ} المعد للاستقبال قائلين له، منادين عليه: يا زكريا {أَنَّ اللَّهَ} السميع لدعائك يجيبك {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} بابن سمي من عنده بيحيى، لتضمن دعائك بمن يحيي اسمك، ثم لما كان الباعث لك على هذا الدعاء مشاهدة الخوارق والإرهاصات الظاهرة من مريم - رضي الله عنها - صار ابنك الموهوب لك {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ} لابنها الحاصل لها بلا مباشرة زوج بل صادرة {مِّنَ ٱللَّهِ} سمي من عنده المسيح {وَ} مع كونه مصدقاً بعيسى عليه السلام بصير {سَيِّداً} فائقاً على أهل زمانه بالزهد والتقوى، فإنه عليه السلام كان في حايته ما هم بمعصية قط {وَ} مع كون يحيى سيداً ورئيساً في قومه {حَصُوراً} مبالغاً في حبس نفسه عن مشتهياتها مع القدرة عليها {وَ} يصير بسبب اتصافه بالأوصاف المذكورة {نَبِيّاً مِّنَ} الأنبياء {ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] لتبليغ أحكام الله إلى عباده وأهدائهم إلى جنابه. ولما سمع زكريا من الملائكة ما سمع {قَالَ} متحيراً مستعبداً لكونه على خلاف جري العادة: {رَبِّ} يا من رباني بنعمك إلى كبر سني {أَنَّىٰ} من أين {يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} في هذا السن {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} غايتها {وَ} الحال إن {ٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} ذات عقر من الأولاد في أصل الخلقة، ومع ذلك كبيرة لا يرجى منها الولادة {قَالَ} له حبرائيل بوحي الله: لا تستبعده، فإنه يكون {كَذَلِكَ} أي: مثل ما قلت بلا سبب موافق لجري العادة؛ إذ {ٱللَّهُ} القادر المختار {يَفْعَلُ} يخلق ويوجد {مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40] من الموجودات إيجاداً إبداعياً بلا سبق سبب ومادة. فلك أن ترتفع غشاوة الأسباب الحاجبة عن البين، وتنسب ما جرى في ملكه إليه بلا رؤية الوسائط والأسباب؛ إذ لا حجاب عند أولي الألباب، بل كل ما صدر عنه لا يتوقف على شيء من سوابقه، ولا يتوقف عليه شيء من لواحقه عند أولي البصائر، الناظرين بنور الله في تجددات تجليات الوجود الإلهي. ثم لما تفطن زكريا من هذا الكلام ما تفطن {قَالَ} مستسرعاً مستنشطاً: {رَبِّ} يا من رباني بأنواع اللطف والكرم {ٱجْعَلْ لِّيۤ} بفظلك {آيَةً} علامة أعرف بها الحمل؛ ليفرح بها قلبي ويخلص عن الانتظار {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} أي: لا تطيق التكلم معهم؛ لعدم مساعدة آلاتك عليه مدة {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} ولا تعلمهم حوائجك {إِلاَّ رَمْزاً} إشارة بيد ورأس وغير ذلك {وَ} عند حبسك عن الكلام والتنطق {ٱذْكُر رَّبَّكَ} في نفسك ذكراً {كَثِيراً وَسَبِّحْ} نزهه عن جميع النقائض تسبيحاً مقارناً {بِٱلْعَشِيِّ} أي: جميع الليل {وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] أي: جميع النهار لتستوعب جميع أوقاتك بذكره. من هذا تفطن العارف أن الداعي المستجيب من الله لا بد له أولاً أن يفرغ قلبه عن غير الله ويستوعب أوقاته بذكره، بل يكل لسانه عن ذكر غيره مطلقاً، حتى يفوز بمطلوبه ويجيب له بفضله وطوله.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن آياته بعد أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38]، الإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل بعض الأشياء سبب البعض، فكما أنه جعل إطعام الطائر فرخة، سبب تحريك قلب زكريا لطلب الولد، هنالك دعا زكريا ربه {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [آل عمران: 38]، والإشارة في قوله: {مِن لَّدُنْكَ} [آل عمران: 38]، إلى أن الأرواح التي هي جنود مجندة بعضها في الصف الأول؛ وهي أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء ليس بينا وبين الله حجاب، وبعضها في الصف الثاني؛ وهي أرواح الأولياء وخواص المؤمنين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول، وبعضها في الصف الثالث؛ وهي أرواح المؤمنين وخواص المسلمين، وبينها وبين الله حجاب الصف الأول والصف الثاني، وبعضها في الصف الرابع؛ وهي أرواح المنافقين من مدعي الإسلام والكفار والمشركين، فقوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} [آل عمران: 38]؛ أي: من الصف الأول الذي لا واسطة بينه وبينك، {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]؛ أي: ولداً يكون روحه من أهل الصف الأول مطهراً من آل يعقوب عليه السلام؛ أي: ولداً يكون روحه من أهل الصف الأول مطهراً من آل يعقوب عليه السلام؛ يعني: النبوة كم وهبت لحنة مريم ولمريم رزق الجنة {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} [آل عمران: 38]؛ أي: مجيب الدعاء، كما أجبت دعاء حنة. {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي} [آل عمران: 39]، سائرة سره في الملكوت، فسمع نداء الملائكة وهو محارب نفسه وهواه {فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} [آل عمران: 39]؛ أي: بغلام اسمه يحيى، وإنما سمي يحيى؛ لأنه منذ خلق ما ابتلي بالمعصية؛ لئلا يموت القلب بالمعاصي كما مر ذكره، الحديث أنه ما هم بمعصية قط ولا بموت الصورة؛ لأنه استشهد والشهداء لا يموتون {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]، فهو حي يحيى في حال الدنيوي والاستقبال الأخروي {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 39]؛ وهي قوله: {أية : يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}تفسير : [مريم: 12]، {وَسَيِّداً} [آل عمران: 39]؛ أي: حراً من رق الكونين، بل سيداً لرفعتي الكونين {وَحَصُوراً} [آل عمران: 39]، نفسه عن تعلق بالكونين، {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]؛ لقبول فيض الإلوهية بلا واسطة؛ لأنه كان من أهل الأول.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم. فاستجاب له دعاءه. وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة { أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله } أي: بعيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله { وسيدًا } أي: يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور { وحصورًا } أي: ممنوعا من إتيان النساء، فليس في قلبه لهن شهوة، اشتغالا بخدمة ربه وطاعته { ونبيًا من الصالحين } فأي: بشارة أعظم من هذا الولد الذي حصلت البشارة بوجوده، وبكمال صفاته، وبكونه نبيا من الصالحين، فقال زكريا من شدة فرحه { رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر } وكل واحد من الأمرين مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله تعالى أن هذا خارق للعادة، فقال: { كذلك الله يفعل ما يشاء } فكما أنه تعالى قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا أراد أن يوجدهم من غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه السلام استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة. { رب اجعل لي آية } أي: علامة على وجود الولد قال { آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا } أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب {أية : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا } تفسير : أي: أول النهار وآخره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):