٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: فناداه الملائكة، على التذكير والإمالة، والباقون على التأنيث على اللفظ، وقيل: من ذكر فلأن الفعل قبل الاسم، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة، وقرأ ابن عامر {ٱلْمِحْرَابَ } بالإمالة، والباقون بالتفخيم، وفي قراءة ابن مسعود: فناداه جبريل. المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة، ولا شك أن هذا في التشريف أعظم، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه السلام فقط صرنا إليه. وحملنا هذ اللفظ على التأويل، فإنه يقال: فلان يأكل الأطعمة الطيبة، ويلبس الثياب النفيسة، أي يأكل من هذا الجنس، ويلبس من هذا الجنس، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة، ولم يلبس جميع الأثواب، فكذا ههنا، ومثله في القرآن {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران: 173] وهم نعيم بن مسعود إن الناس: يعني أبا سفيان، قال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل رئيس الملائكة، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك. أما قوله {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم، والمحراب قد ذكرنا معناه. أما قوله {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى: {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [البقرة: 25] وفي قوله {يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } وجهان الأول: أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيـى وله ذرية عالية، فإذا قيل: إن ذلك النبي المسمى بيحيـى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيـى عليه السلام والثاني: أن الله يبشرك بولد اسمه يحيـى. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحمزة {أن} بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، أما الكسر فعلى إرادة القول، أو لأن النداء نوع من القول، وأما الفتح فتقديره: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك. المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي {يُبَشّرُكِ } بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقرأ الباقون {يُبَشّرُكِ } وقرىء أيضاً {يُبَشّرُكِ } قال أبو زيد يقال: بشر يبشر بشراً، وبشر يبشر تبشيراً، وأبشر يبشر ثلاث لغات. المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي {يَحْيَىٰ } بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم، وأما أنه لم سمى يحيـى فقد ذكرناه في سورة مريم، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيـى ثلاثة أنواع: الصفة الأولى: قوله {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي قوله {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } نصب على الحال لأنه نكرة، ويحيـى معرفة. المسألة الثانية: في المراد {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } قولان الأول: وهو قول أبي عبيدة: أنها كتاب من الله، واستشهد بقولهم: أنشد فلان كلمة، والمراد به القصيدة الطويلة. والقول الثاني: وهو اختيار الجمهور: أن المراد من قوله {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } هو عيسى عليه السلام، قال السدي: لقيت أم عيسى أم يحيـى عليهما السلام، وهذه حامل بيحيـى وتلك بعيسى، فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } وقال ابن عباس: إن يحيـى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيـى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيـى قبل رفع عيسى عليهما السلام، فإن قيل: لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية، وفي قوله {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ } تفسير : [النساء: 171] قلنا: فيه وجوه الأول: أنه خلق بكلمة الله، وهو قوله {كُنَّ } من غير واسطة الأب، فلما كان تكوينه بمحض قول الله {كُنَّ } وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر، لا جرم سمى: كلمة، كما يسمى المخلوق خلقاً، والمقدور قدرة، والمرجو رجاء، والمشتهي شهوة، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني: أنه تكلم في الطفولية، وآتاه الله الكتاب في زمان الطفولية، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال: فلان جود وإقبال إذا كان كاملاً فيهما والثالث: أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلٰهية، فسمى: كلمة، بهذا التأويل، وهو مثل تسميته روحاً من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح، وقد سمى الله القرآن روحاً فقال: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] والرابع: أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين كانوا قبله، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة، فسمى كلمة بهذا التأويل قالوا: ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال: قد جاء قولي وجاء كلامي، أي ما كنت أقول وأتكلم به، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } تفسير : [غافر: 6] وقال: {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الزمر: 71] الخامس: أن الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله، وروح الله، واعلم أن كلمة الله هي كلامه، وكلامه على قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة، والعلم الضروري حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنها هي ذات عيسى عليه السلام، ولما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبق إلا التأويل. الصفة الثانية: ليحيـى عليه السلام قوله {وَسَيّدًا } والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: السيد الحليم، وقال الجبائي: إنه كان سيداً للمؤمنين، رئيساً لهم في الدين، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع، وقال مجاهد: الكريم على الله، وقال ابن المسيب: الفقيه العالم، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب، قال القاضي: السيد هو المتقدم المرجوع إليه، فلما كان سيداً في الدين كان مرجوعاً إليه في الدين وقدوة في الدين، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع. الصفة الثالثة: قوله {وَحَصُورًا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس، يقال حصره يحصره حصراً وحصر الرجل: أي اعتقل بطنه، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه، والحصور الضيق البخيل، وأما المفسرون: فلهم قولان أحدهما: أنه كان عاجزاً عن إتيان النساء، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً. والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب، والظلوم، والغشوم، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائماً، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصراً لنفسه فضلاً عن أن يكون حصوراً، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول، أما النص فقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل. الصفة الرابعة: قوله {وَنَبِيّا } واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني: ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة. الصفة الخامسة: قوله {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } وفيه ثلاثة أوجه الأول: معناه أنه من أولاد الصالحين والثاني: أنه خير كما يقال في الرجل الخير (أنه من الصالحين) والثالث: أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما من نبي إلا وقد عصى، أو هم بمعصية غير يحيـى فإنه لم يعص ولم يهم». تفسير : فإن قيل: لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح؟ قلنا: أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النمل: 19] وتحقيق القول فيه: أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله {رَبّ } خطاب مع الله أو مع الملائكة، لأنه جائز أن يكون خطاباً مع الله، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة، وهذا الكلام لا بد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك: يا رب. والجواب: للمفسرين فيه قولان الأول: أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى والثاني: أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي، ويجوز وصف المخلوق به، فإنه يقال: فلان يربيني ويحسن إلي. السؤال الثاني: لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد، ثم أجابه الله تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده؟ الجواب: لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك والدليل عليه وجهان الأول: أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق، ولا خلق إلا من نطفة، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال، فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها الله تعالى لا من إنسان. والوجه الثاني: أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى، فلو كان ذلك محالاً ممتنعاً لما طلبه من الله تعالى، فثبت بهذين الوجهين أن قوله {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } ليس للاستبعاد، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً الأول: أنه قوله {أنَّى } معناه: من أين. ويحتمل أن يكون معناه: كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين أحدهما: أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته، فقوله {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } معناه: كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني؟ فقيل له كذلك، أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء، وهذا القول ذكره الحسن والأصم والثاني: أن من كان آيساً من الشيء مستبعداً لحصوله ووقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول: كيف حصل هذا، ومن أين وقع هذا كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة، يقول كيف وهبت هذه الأموال، ومن أين سمحت نفسك بهبتها؟ فكذا ههنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعداً لذلك، ثم اتفق إجابة الله تعالى إليه، صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام الثالث: أن الملائكة لما بشّروه بيحيـى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال الرابع: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس: نقل سفيان بن عيينة أنه قال: كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى فقال ما قال السادس: نقل عن السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان، وقد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال: {رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } وكان مقصوده من هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء الشيطان قال القاضي: لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع ويمكن أن يقال: لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ولا مدخل للشيطان فيه، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال. أما قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن، قال ابن عباس: كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعين وثمان. المسألة الثانية: قال أهل المعاني: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك، وكلما جاز أن يقول: بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب: لقيت الحائط، وتلقاني الحائط. فإن قيل: يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد، قلنا: هذا لا يجوز، والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب، فظهر الفرق. أما قوله {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ }. اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد، يقال: عقر يعقر عقراً، ويقال أيضاً عقر الرجل، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له، ورمل عاقر: لا ينبت شيئاً، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد. أما قوله {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } ففيه بحثان الأول: أن قوله {قَالَ } عائد إلى مذكور سابق، وهو الرب المذكور في قوله {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } وقد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو الله تعالى، وأن يكون هو جبريل. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ } مبتدأ وخبر أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالألف على التذكير، ويُميلانها لأنّ أصلها الياء، ولأنها رابعة. وبالألف قراءة ٱبن عباس وٱبن مسعود، وهو ٱختيار أبي عبيد. وروي عن جرير عن مُغِيرة عن إبراهيم قال: كان عبد الله يُذكّر الملائكة في (كل) القرآن. قال أبو عبيد: نراه اختار ذلك خلافاً على المشركين لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله. قال النحاس: هذا آحتجاج لا يُحصَّل منه شيء؛ لأن العرب تقول: قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يحتجّ عليهم بالقرآن، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرٱن بهذا لجاز أن يحتّجوا بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [آل عمران: 42] ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل: {أية : أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} تفسير : [الزخرف: 19] أي فلم يشاهدوا، فكيف يقولون إنهم إناث فقد عُلم أن هذا ظنّ وهَوىً. وأما «فناداه» فهو جائز على تذكير الجمع، «ونادته» على تأنيث الجماعة. قال مَكي: والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل، تقول: هي الرّجال، وهي الجذوع، وهي الجِمال، وقالت الأعراب. ويقوّى ذلك قوله: «وَإذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكةُ» وقد ذكر في موضع آخر فقال: {أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأنعام: 93] وهذا إجماع. وقال تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} تفسير : [الرعد: 23] فتأنيث هذا الجمع وتذكيرهُ حَسَنان. وقال السُّدي: ناداه جبريل وحده؛ وكذا في قراءة ٱبن مسعود. وفي التنزيل {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النحل: 2] يعني جبريل، والروح الَوحْي. وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني نُعيم بن مسعود؛ على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الأظهر. أي جاء النداء من قبلهم. قوله تعالى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} «وهو قائم» ٱبتداء وخبر «يصلِّي» في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر. «أن الله» أي بأن الله. وقرأ حمزة والكِسائي «إنّ» أي قالت إن الله؛ فالنداء بمعنى القول. «يبشرك» بالتشديد قراءة أهل المدينة. وقرأ حمزة «يِبْشُرُك» مخففا؛ وكذلك حُميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء. قال الأخفش: هي ثلاث لغاتٍ بمعنًى واحد. دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمرٍ فهو بالتثقيل؛ كقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادي» فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ» «فَبَشَّرْنَاهِا بإسْحَاقَ» قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ». وأما الثانية وهي قراءة عبدالله بن مسعود فهي من بَشَر يَبْشُر وهي لغة تِهامة؛ ومنه قول الشاعر:شعر : بشَرتُ عِيالي إذْ رأيتُ صحيفةً أتتك من الحجّاج يُتلى كتابُهَا تفسير : وقال آخر:شعر : وإذا رأيت الباهشين إلى النّدى غُبْراً أكُفُّهُم بِقاعٍ مُمْحِلِ فأعِنْهُم وٱبَشْر بما بَشروا به وإذا هُم نَزِلُوا بضَنْك فانزِل تفسير : وأما الثالثة فهي من أبشر يُبشر إبشارا قال:شعر : يا أم عَمْرو أبشري بالبُشْرَى موتٍ ذريعٍ وجَرادٍ عَظْلَى تفسير : قوله تعالى: {بِيَحْيَـىٰ} كان ٱسمه في الكتاب الأوّل حيا، وكان ٱسم سارّة زوجة إبراهيم عليهما السلام يسارة، وتفسيره بالعربية لا تلد، فلما بُشِّرت بإسحاق قيل لها: سارة، سمّاها بذلك جبريل عليه السلام. فقالت: يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليه السلام. فقال: «إن ذلك الحرف زيد في اسم ٱبنٍ لها من أفضل الأنبياء اسمه حيّي وسمي بيحي». ذكره النقاش. وقال قتّادة سمي بيحي لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوّة. وقال بعضهم: سُمّي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهُدَى. وقال مُقاتِل: ٱشتق ٱسمه من ٱسم الله تعالى حىّ فسميّ يحيي. وقيل: لأنه أحيا به رحم أمّه. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني عيسى في قول أكثر المفسرين. وسميِّ عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي «كن» فكان من غير أب. وقرأ أبو السّمّال العَدَوي «بِكْلِمة» مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كِتْف وفِخْذ. وقيل: سمِّي كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. وقال أبو عبيد: معنى «بكلمة من الله» بكتاب من الله. قال: والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة؛ كما رُوي أن الحُوَيْدرَة ذُكِر لحسّان فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. وقيل غير هذا من الأقوال. والقول الأوّل أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و «يحيْ» أوّل من آمن بعيسى عليه السلام وصَدّقه، وكان يحي أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر. وكانا ٱبني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمّه إليه وهو في خِرَقه. وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيْ؛ فجاءت أختها زائرة فقالت: يا مريم اشعرت أني حملت؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت أنى حملت؟ فقالت لها: وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأس إلى ناحية بطن مريم. قال السدى: فذلك قوله {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}. «ومصدقا» نصب على الحال. {وَسَيِّداً} السيد؛ الذي يسود قومه ويُنْتَهَى إلى قوله، وأصله سَيْود يقال: فلان أسْوَد من فلان، أفعل من السيادة؛ ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيداً كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما. وكذلك رُوي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني قُريظة: «قوموا إلى سيدكم»تفسير : . وفي البخاري ومسلم حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: «إن ٱبني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»تفسير : وكذلك كان، فإنه لما قُتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلّف عن أبيه وممن نَكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خُراسان، ثم سار إلى معاويةَ في أهل الحجاز والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام؛ فلما تراءى الجَمعان بموضع يقال له «مَسْكِن» من أرض السّواد بناحية الأنبار كره الحسَنُ القتالَ لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهِلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون؛ فسلّم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه، منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية؛ فالتزم كل ذلك معاوية فصدَق عليه السلام: «حديث : إن ٱبني هذا سيد» تفسير : ولا أسود ممن سوّده الله تعالى ورسوله. قال قَتادة في قوله تعالى {وَسَيِّداً} قال: في العلم والعبادة. ٱبن جبير والضحاك: في العلم والتُّقي. مجاهد: السيّد الكريم. ٱبن زيد: الذي لا يغلبه الغضب. وقال الزجاج: السيّد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. وهذا جامع. وقال الكِسائي: السيد من المِعَز المسن المسِنّ. وفي الحديث. «حديث : ثَنيُّ من الضأن خير من السيّد المعز»تفسير : . قال:شعر : سواءٌ عليه شاةُ عامٍ دَنتْ له ليذبحها للضّيِف أم شاة سيّدِ تفسير : {وَحَصُوراً} أصله من الحصر وهو الحبس. حَصَرني الشيء وأحصرني إذا حبسني. قال ٱبن ميّادة:شعر : وما هجرُ ليلَى أن تكون تباعدت عليكَ ولا أن أحْصَرتك شُغولُ تفسير : وناقة حصور: ضيّقة الإحليل. والحَصُور الذي لا يأتي النساء كأنه مُحجِم عنهن؛ كما يقال: رجل حصور وحصير إذا حبَس رِفده ولم يخرج ما يخرجه النَّدامَى. يقال: شرِب القوم فحِصر عليهم فلان، أي بِخل؛ عن أبي عمرو. قال الأخطل:شعر : وشارِبٍ مُرْبح بالكأس نادمني لا بالحَصُور ولا فيها بِسوّار تفسير : وفي التنزيل {وَجَعَلْنا جَهَنَّم للكْافِرِينَ حَصِيرا} أي محبِساً. والحِصير الملِك لأنه محجوب. وقال لبِيد:شعر : وقُماقِمٍ غُلْبِ الرّقابِ كأنهم جِنُّ لدى باب الحصير قِيام تفسير : فيحيي عليه السلام حصور، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء؛ كأنه ممنوع مما يكون في الرجال؛ عن ٱبن مسعود وغيره. وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة؛ قال الشاعر: شعر : فيها ٱثنتان وٱربعون حَلُوبةً سُوداً كخافية الغراب الأسْحَمِ تفسير : وقال ٱبن مسعود أيضا وٱبن عباس وٱبن جُبير وقَتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسنُ والسُّدي وٱبن زيد: هو الذي يكُفّ عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح الأقوال لوجهين: أحدهما أنه مَدْحٌ وثناءٌ عليه، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسَب دون الحِبِلّة في الغالب. الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين؛ كما قال:شعر : ضَروبٌ بنصل السّيف سُوقَ سِمانِها إذا عَدِموا زادا فإنك عاقِرُ تفسير : فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعلّ هذا كان شرعهِ؛ فأما شرعُنا فالنكاح، كما تقدم. وقيل: الحصور العِنِّين الذي لا ذَكَر له يتأتّى له به النكاح ولا يُنزل؛ عن آبن عباس أيضا وسعيد ٱبن المسيب والضحاك. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : «كُل ٱبن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذّبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيي ابن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين» ـ ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قَذاة من الأرض فأخذها وقال: «كان ذَكَره هكذا مثل هذه القذاة»تفسير : . وقيل: معناه الحابس نفسَه عن معاصي الله عز وجل. {ونبياً مِن الصالِحِين} قال الزجاج: الصالح الذي يؤدّي لله ما ٱفترض عليه، وإلى الناس حقوقهم.
البيضاوي
تفسير : {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} أي من جنسهم كقولهم زيد يركب الخيل. فإن المنادي كان جبريل وحده. وقرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالإِمالة والتذكير. {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} أي قائماً في الصلاة، و (يـصلي) صفة قائم أو خبر أو حال آخر أو حال من الضمير في قائم. {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } أي بأن الله. وقرأ نافع وابن عامر بالكسر على إرادة القول، أو لأن النداء نوع منه. وقرأ حمزة والكسائي (يبشرك)، و (يحيى) اسم أعجمي وإن جعل عربياً فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ} أي بعيسى عليه السلام، سمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر، أو بكتاب الله، سمي كلمة كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. {وَسَيّدًا} يسود قومه ويفوقهم وكان فائقاً للناس كلهم في أنه مَا هَمَّ بمعصية قط. {وَحَصُورًا } مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت. {وَنَبِيّاً مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} ناشئاً منهم أو كائناً من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَئِكَةُ } أي جبرئيل {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } أي المسجد {أن } أي بأن، وفي قراءة بالكسر[إنّ] بتقدير القول {ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ } مثقلاً ومخففاً [يبشرك]{بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ } كائنة {مِنَ ٱللَّهِ } أي بعيسى أنه روح الله وسُمي (كلمة) لأنه خُلِقَ بكلمة (كن) {وَسَيّدًا } متبوعاً {وَحَصُورًا } ممنوعاً من النساء {وَنَبِيّاً مّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَلائِكَةُ} جبريل ـ عليه السلام ـ، أو جماعة من الملائكة. {بِيَحْيَىَ} سماه الله ـ تعالى ـ "يحيى" قبل ولادته، قيل: لأنه حَيَا بالإيمان {بِكَلِمَةٍ} كتاب، أو بالمسيح، سمي بالكلمة، لأنه يُهتدى به كما يُهتدى بكلام الله ـ تعالى ـ، أو لأنه خلق بالكلمة من غير أب. {وَسَيِّدًا} حليماً، أو تقياً، أو شريفاً، أو فقيهاً عالماً، أو رئيساً على المؤمنين. {وَحَصُورًا} عنينا لا ماء له، أو لا يأتي النساء، أو لم يكن له ما يأتي به النساء لأنه كان كالنواة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فنادته الملائكة} يعني جبريل عليه السلام، وإنما أخبر عنه بلفظ الجمع تعظيماً لشأنه ولأنه رئيس الملائكة، وقل أن يبعث إلاّ ومعه جمع من الملائكة فجرى ذلك على مجرى العادة {وهو قائم يصلي في المحراب} أي في المسجد وذلك أن زكريا عليه السلام كان الخبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح لهم الباب فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في محرابه عند المذبح والناس ينتظرون أن يأذن في الدخول إذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع زكريا منه فناداه جبريل عليه السلام يا زكريا {إن الله يبشرك بيحيى} أي بولد اسمه يحيى قال ابن عباس: سمي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه وقيل: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يهم بمعصية قط {مصدقاً بكلمة من الله} يعني عيسى ابن مريم وإنما سمي عيسى عليه السلام كلمة لأن الله تعالى قال له: كن فكان من غير أب دلالة على كمال القدرة فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان. وقيل سمي كلمة لأن عيسى عليه السلام كان يرشد الخلق إلى الحقائق والأسرار ويهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى فسمي كلمة بهذا الاعتبار. وقيل سمي كلمة لأن الله تعالى بشر به مريم على لسان جبريل عليه السلام: وقيل لأن الله أخبر الأنبياء الذين قبله في كتبه المنزّلة عليهم أنه يخلق نبياً من غير واسطة أب، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة يعني الوعد الذي وعد أنه يخلقه كذلك. وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر وكانا ابني خالة وقتل يحيى قيل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقيل: إن أم يحيى لقيت أم عيسى وهما حاملتان فقالت أم يحيى لأم عيسى: يا مريم أشعرت أني حامل فقالت مريم: وأنا أيضاً حامل فقالت أم يحيى: يا مريم إني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله: مصدقاً بكلمة من الله يعني أن يحيى آمن بعيسى وصدق به {وسيداً} من ساد يسود. والسيد هو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله. وكان يحيى عليه السلام سيد المؤمنين ورئيسهم في الدين والعلم والحلم. وقيل: السيد هو الحسن الخلق وقيل: هو الذي يطيع ربه وقيل: هو الفقيه العالم وقيل: سيداً في العلم والعبادة والورع وقال السيد هو الحليم الذي لا يغضبه شيء وقيل: السيد هو الذي يفوق في جميع خصال الخير. وقيل: هو السخي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: جد بن قيس على أنا نبخله قال وأي داء أدوأ من البخل لكن سيدكم عمرو بن الجموح" تفسير : {وحصوراً} قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الحصور الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن فعلى هذا هو فعول بمعنى فاعل يعني أنه حصر نفسه عن الشهوات وأصله من الحصر وهو الحبس: وقيل: هو العنين وقيل هو الفقير الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليغض بصره وفيه قول آخر: وهو أن الحصور هو الممتنع عن الوطء مع القدرة عليه، وإنما تركه للعفة والزهد فيه وهذا القول هو الصحيح وهو قول جماعة من المحققين وهو أليق بمنصب الأنبياء لأن الكلام إنما خرج مخرج المدح والثناء وذكر صفة النقص في معرض المدح لا يجوز، وأيضاً فإن منصب النبوة يجل من أن يضاف إلى أحد منهم نقص أو آفة، فحمل الكلام على منع النفس من الوطء مع القدرة عليه أولى من حمله على ترك الوطء مع العجز عنه {ونبياً من الصالحين} يعني أنه من أولاد الأنبياء الصالحين.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَنَادَتْهُ} عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع به، ويُنهَىٰ إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا في الملائكةِ إِخباراً علَىٰ عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ. وقوله تعالى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ}، يعني: بـ «المِحْرَابِ»؛ في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَـى: ٱسمٌ سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، و {مُصَدِّقًا} نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قال * ع *: وسَمَّى اللَّه تعالَىٰ عِيسَىٰ كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالَىٰ، وهي «كُنْ»، لا بسبب إِنسان. وقوله تعالى: {وَسَيِّداً}: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ. قال * ع *: مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيـى ـ عليه السلام ـ بقوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}، وتحصَّل التقَىٰ بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاِعتمالُ في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأَذَىٰ، وهنا هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، وٱحتمالُ العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المُسْتَرْفد، وٱنْظُرْ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ»تفسير : ، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه ٱعتمالٌ في رِضَا ولد آدم، ثم: قال * ع *: أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يَحْيَـىٰ ـ عليه السلام ـ. وقوله تعالى: {وَحَصُوراً} أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو. قال * ع *: وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين علَىٰ أنَّ هذه الصفة ليَحْيَـىٰ ـ عليه السلام ـ إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكَىٰ مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إِلَىٰ أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه؛ تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر: وهذا القولُ هو ٱختيارُ المحقِّقين؛ أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد. قلْتُ: قال عِيَاضٌ: ٱعْلَمْ أنَّ ثناء اللَّه تعالَىٰ علَىٰ يَحْيَـىٰ ـ عليه السلام ـ؛ بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوباً أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء ـ عليهم السلام ـ، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها؛ كأنه حُصِرَ عنها، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ؛ كفَايَةً من اللَّه له؛ لكونها مَشْغَلَةً في كثير من الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي؛ في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ ـ درجةٌ عُلْيَا، وهي درجةُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، أيْ: وسائرِ النبيِّين. اهـ من «الشِّفَا». وباقي الآية بيِّن. ورُوِيَ مِنْ صلاحه - عليه السلام -؛ أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه؛ حتى ٱتخذ الدمْعُ في وَجْهه أخدودًا. * ص *: و {مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. اهـ. قلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله. وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ...} الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأَىٰ حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟ قال * ع *: وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا ـ عليه السلام ـ. وَ {أَنَّىٰ}: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية {بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ}؛ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ. وقوله: {كَذٰلِكَ}، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إِلَىٰ حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ؛ كأنه قال: رَبِّ، علَىٰ أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ؛ علَىٰ هذا التأويل في قوله: {كَذَٰلِكَ}. وقوله: {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ. وقوله: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّي ءَايَةً}، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكنْ هذا من زكريَّا علَىٰ جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً علَىٰ وَقْت الحَمْلِ. وقوله تعالى: {ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ...} الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ علَىٰ ذكر اللَّه، ثم ٱستثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ؛ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز. وأَمَرَهُ تعالَىٰ بالذِّكْر لربه كثيراً؛ لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء ـ عليه السلام ـ؛ حيث قال: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}، لكنه قال له: {ٱذْكُرْ رَّبَّكَ كَثِيراً} قال الإِمام الفَخْر: وفي الآية تأويلان: أحدهما: أنَّ اللَّه تعالَىٰ حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ؛ ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته؛ شُكْراً للَّه علَىٰ هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه: أحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات. وثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صِحَّة البِيْنَةِ من المعجزاتِ. وثالثها: أن إِخباره بأنه متَىٰ حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج علَىٰ وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات. والتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب؛ وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالَىٰ عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا ٱمتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالَىٰ، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب؛ ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ»، فكان زكريَّاء ـ عليه السلام ـ أمر بالسُّكُوت باللِّسَان وٱستحضارِ معانِي الذكْرِ والمعرفةِ، وٱستدامتها بالقَلْب. اهـ. وقوله تعالى: {وَسَبِّحْ}: معناه: قلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وقال قومٌ: معناه صَلِّ، والأول أصوبُ؛ لأنه يناسب الذكْرَ، ويستغربُ مع ٱمتناعِ الكلام مع النَّاسِ، والعَشِيُّ، في اللغة: من زوالِ الشَّمْسِ إِلى مغيبها، والإِبْكَارُ: مصدرُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ، إِذا بادر أمْرَهُ من لَدُنْ طلوع الفجر إِلى طلوع الشمْسِ، وتتمادَى البُكْرَة شَيْئاً بعد طلوع الشمس، يقال: أَبْكَرَ الرجُلُ وَبَكَّرَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال {فنادته} أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته {الملائكة} يعني هذا النوع، لا كلهم بل ناداه البعض، وكان متهيئاً بما آتاه الله سبحانه وتعالى من المفضل لمناداة الكل، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل {وهو قائم يصلي في المحراب} وهو موضع محاربة العابد للشيطان، وهو أشرف الأماكن لذلك. قال الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله، وركوع متوسط، فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى. ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال: بأي شيء نادته الملائكة؟ قوله: {أن الله يبشرك} قال الحرالي: فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني الأسماء، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية؛ وفي قوله: {بيحيى} مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل: قتل - إشعار بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية فيه دائماً، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى. {مصدقاً بكلمة} أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب. قال الحرالي: فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة، ففي قوله: {من الله} إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى. {وسيداً وحصوراً} أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من النكاح. قال في القاموس: والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك، أو الممنوع منهن، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن، والمجبوب - والهَيوب المحجم عن الشيء. وقال الحرالي: وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملاً فيه - انتهى {ونبياً} ولما كان النبي لا يكون إلا صالحاً لم يعطف بل قال: {من الصالحين *} إعلاماً بمزية رتبة الصلاح واحترازاً من المتنبيين، فكأنه قيل: فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى؟ فقيل: {قال} يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقيناً وسكينة {رب} أي أيها المحسن إلي. ولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور الأقويا الكلمة، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال: {أنّى} أي كيف ومن أين {يكون لي} وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال: {غلام} وفي تعبيره به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعاً زائداً على الحد، لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح، بحيث يظن أنه لا إرب له فيه، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد، ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه، وما ورد - كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ذكره مثل هذه القذاة " تفسير : فقد ضعفوه، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخباراً عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه لذلك، فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته، والآية مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال الوجود الإنساني بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى عليه السلام بعد نزوله {وقد} أي والحال أنه قد {بلغني الكبر} إلى حد لا يولد فيه عادة {وامرأتى عاقر} قال الحرالي: من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع النسل هرماً - انتهى؛ كذا قال، وآية سورة مريم تدل على أن المعنى أنها لم تزل عقيماً، وعليه يدل كلام أهل اللغة، قال في القاموس في الراء: العقرة وتضم: العقم، وقد عُقرت كعُنى فهي عاقر، ورجل عاقر وعقير: لا يولد له ولد، والعُقَرة كهمزة: خرزة تحملها المرأة لئلا تلد، وقال في الميم: العقم بالضم: هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد، عقمت كفرح ونصر وكرم وعُنى، ورحم عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم: لا يولد له، وقال الإمامان أبو عبد الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه: والعقر بضم العين وسكون القاف مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، يقال: الإمام أبو غالب "ابن التياني" في كتابه الموعب صاحب [تلقيح] العين: العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر، لكن خلقة، ثم قال وتعقرت: إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق. ثم وصل به قوله: {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة. ولما كان استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال: {الله يفعل ما يشاء *} لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلماً فكأنه قيل: قد قرت عينه فا قال؟ قيل {قال} إرادة تعجيل البشرى وتحقيق السراء: {رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها ذلك {قال آيتك ألا تكلم الناس} أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام دنيوي {ثلاثة أيام}. ولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازاً استثنى منه قوله: {إلا رمزاً} لتخلص هذه المدة للذكر شكراً على النعمة فاحمد ربك على ذلك. قال الحرالي: والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد واللحظ والشفتين ونحوها، والغمز أشد منه باليد ونحوها - انتهى. فعدم الكلام مع صحة آلته دليل إيجاد المتكلم مع ضعف آلته إلى حد لا يتكون عنها عادة، ولما كان الأتم في القدرة أن يحبس عن كلام دون آخر قال: {واذكر ربك} أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحاطة بكل كمال {كثيراًً} في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصاً، وفي سائر أوقاتك عموماً {وسبح} أي أوقع التسبيح لمطلق الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص {بالعشي} وقال الحرالي: من العشو وأصل معناه: إيقاد نار على علم لمقصد هدى أو قرى ومأوى على حال وهن، فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك، ويتأكد معناه في العشاء، ومنه سمي الطعام: العشاء {والإبكار *} وأصله المبادرة لأول الشيء، ومنه التبكير وهو السرعة، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر، فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله - انتهى. ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بياناً لاستجابة الدعاء من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك: {و} اذكر {إذ قالت الملائكة} وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام كما في سورة مريم عليها السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى {يا مريم إن الله} أي الذي له الأمر كله {اصطفاك} أي اختارك في نفسك، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو في نفسه خيار {وطهرك} أي عن كل دنس {واصطفاك} أي اصطفاء خاصاً {على نساء العالمين *} فمن هذا الاصطفاء ـ والله سبحانه وتعالى أعلم كما قال الحرالي: أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي؛ قال صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها: "حديث : أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران " تفسير : - انتهى. ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال: {يا مريم اقنتي} أي أخلصي أفعالك للعبادة {لربك} الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية. ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال: {واسجدي} فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. قال الحرالي: وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره على ما لم يطلع عليه أحداً ممن سواها في قوله: {واركعي مع الراكعين *} كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة:43] - إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلاً في خاتمة اليوم المحمدي، ويكمل له الوجود الإنساني حيث يتزوج ويولد له - كما ذكر، ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم وانتهائه، وفيما بين التمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من تولي الحق لها في تربيتها ورزقها، وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت على عالمها - انتهى. والمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها في سلك ما مضى من أمر آدم ويحيى إفصاحاً، وإبراهيم في ابنية إلاحة في خرق العادة فيهم، وأن تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ليس من أفعال العقلاء؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره وبالركوع الصلاة نفسها، فكأنه قيل: واسجدي مصلية ولتكن صلاتك مع المصلين أي في جماعة، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال، ولم يقل: مع الراكعات، لأن الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل، وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم عليه السلام ولا من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا في موضع واحد لا يحسن جعله فيه على ظاهره، ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء: الأول إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني إطلاق لفظ السجود مجرداً، والثالث إطلاقه مقروناً بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ذلك؛ ففي السفر الأول منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت زوجته سارة رضي الله تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكاناً يدفنها فيه فأجابوه: فقام إبراهيم فسجد لشعب الأرض بني حاث وكلمهم؛ وفيه في قصة ربانية قال: وسجد على الأرض وقال: يا رب - فذكر دعاء ثم قال: وصلى إبراهيم بين يدي الرب؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ذهب إلى بلاد حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده: فجثا الرجل - أي عبد إبراهيم - على الأرض فسجد للرب وقال: تبارك الله رب سيدي إبراهيم؛ وفيه لما أجابه أهل المرأة: فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد على الأرض قدام المرأة، وفيه عند لقاء عيصو لآخيه يعقوب عليه الصلاة والسلام: فدنت الأمان وأولادهما فسجدوا - أي لعيصوا، ودنت ليا وولدها فسجدوا؛ فلما كان أخيراً دنت راحيل ويوسف فسجدوا؛ وفيه في قصة يوسف عليه السلام: ودنا إخوته فخروا له سجداً وقالوا له: ها نحن لك عبيد؛ وفي السفر الثاني عند قدوم موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل وإخباره لهم بإرسال الله سبحانه وتعالى له وإظهاره لهم الآيات: فآمن الشعب وسمعوا أن الرب قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم, وجثا الشعب وسجدوا للرب؛ وفيه في خروجهم من مصر: فركع الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى؛ وفيه: فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجداً؛ وفيه في تلقي موسى عليه السلام لختنه شعيب عليهما السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم الله عليه بعد غرق فرعون: فخرج موسى يتلقى ختنه وسجد له وقبله وسأل كل منهما عن سلامة صاحبه؛ وفيه: وقال الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام عند ما بشره بقتل الكنعانيين وغيرهم من سكان بلاد القدس: لا تسجدوا لآلهتهم ولا تعبدوها ولا تفعلوا كأفعالهم - بل كبهم كباً على وجوههم وكسر أصنامهم - واعبدوا الرب إلهكم، وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد الرب لهم في قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة والسلام: وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله على وجهه، وفي الرابع عندما هم بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجراً من حالهم: فخر موسى وهارون عليهما السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها؛ وفيه: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها، فخرا ساجدين على وجوههما؛ وفيه عندما تذمروا عليه من أجل العطش: فجاء موسى وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان فخرا على وجوههما فظهر لهما مجد الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا وانفجار الماء؛ وفيه في قصة بلعام بن باعور حين رأى ملكاً في طريقه فجثا على وجهه ساجداً. وأما إطلاق لفظ الصلاة فقال في آخر لاسفر الثاني: وكان إذا خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته، وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه حتى يدخل إلى القبة، وإذا دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة، ويكلم موسى وكان جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفاً على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته؛ وفيه: وعمل سطلاً من نحاس فنصبه عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على باب قبة الأمد. وكل ما فيها من ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى كيفية، فلا فائدة في سرده؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة الغمام الذي ظهر له مجده تعالى فيه في جبل طور سيناء، وهي من غرائب الدهر في الارتفاع والسعة والهيئة، ففيها من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة والجواهر وصفائح الذهب والفضة والنحاس والسرداقات والستور من الحرير والأرجوان والكتاب والأطناب وغير ذلك مما يكل عنه الوصف، وكله بنص نم الله سبحانه وتعالى على الطول والعرض والوزن والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح الذهب ومساميره ونحوها تسعة وعشرون قنطاراً وأربعمائة وثلاثون مثقالاً بمثقال القدس، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالاً، ومن النحاس سبعون قنطاراً وألفان وأربعمائة مثقال؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها يخدمونها بين يدي هارون عليه الصلاة والسلام وبنيه، ومن دنا منها من غيرهم احترق، وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي، لكل سبط منزلة لا يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها، كل ذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام؛ وكان السحاب يغشاها بالنهار، وكان النار تضيء عليها بالليل وتزهر، فما دام السحاب مجللاً لها فهم مقيمون، فإذا ارتفع عنها كان إذناً في سفرهم. فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك حينئذٍ يسمى صلاة، وإلاّ كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم، وذلك موافق للغة، قال في القاموس: سجد: خضع؛ والخضوع التطأمن، وأما المكان الذي فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه: فصلى الشعب كله ساجداً لله سبحانه وتعالى، لأن الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة، يقال: ركع - أي صلى، وركع - إذا انحنى كبواً، والراكع من يكبو على وجهه، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره، لأنه لا يمكن في حال السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن بأولى مما ذكرته في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم، واحتججت باللغة لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها، على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع، ثم رأيت البغوي صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا بان عطية وغيرهما. ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجاً عن إشكال الخوارق في آله، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ذلك من الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى: ذكر قصة يحيى عليه الصلاة والسلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق من الأناجيل, وقد مزجت بي ألفاظها فجعلتها شيئاً واحداً على وجه ألم بعضه بأول أمر المسيح عليه الصلاة والسلام؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا: كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن، أي حبر إمام، اسمه زكريا من خدمة آل أبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات، وكانا كلاهما تقيين قدام الله سائرين ي جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب، ولم يكن لهما ولد لأن اليصابات كانت عاقراً، وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما، فبينما هو يكهن في أيام ترتيب خدمته أمام الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع البخور فجاء ليبخر، فدخل إلى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجاً في وقت البخور، فتراءى له ملاك الرب قائماً عن يمين مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا! قد سمعت طلبتك، وأمرأتك اليصابات تلد ابناً، ويدعي اسمه يوحنا، ويكون لك فرح وتهلل، وكثير يفرحون بمولده، يوكون عظيماً قدام الرب، لا يشرب خمراً ولا سكراً، ويمتلىء من روح القدس وهو في بطن أمه، ويعيد كثيراً من بني إسرائيل إلى إلههم، وهو يتقدم أمامه بالروح وبقوة ألياء، ويقبل بقلوب الآباء على الأبناء والعصاة إلى علم الأبرار، ويُعد للرب شعباً مستقيماً، فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها؟ فأجاب الملاك وقال: أنا جبريل الواقف قدام الله، أرسلت أكلمك بهذا وأبشرك، ومن الآن تكون صامتاً، لا تستطيع أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا. وكان الشعب منتظرين زكريا متعجبين من إبطائه في الهيكل، فلما خرج لم يقدر يكلمهم، فعلموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل، فكان يشير إليهم، وأقام صامتاً، فلما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته، ومن بعد تلك الأيام حملت اليصابات امرأته، وكتمت حملها خمسة أشهر قائلة: هذا ما صنع بي الرب في الأيام التي نظر إليّ فيها لينزع عني العار بين الناس، ولما كانت في الشهر السادس أرسل جبريل عليه الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه وتعالى إلى مدينة في الجليل تسمى ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود، واسم العذراء مريم، فلما دخل إليها الملاك قال لها: افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك! مباركة أنت في النساء، فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت قائلة ما هذا السلام؟ فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم! فقد ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى وأنت تقبلين حبلاً وتلدين ابناً، ويدعى اسمه يسوع، هذا يكون عظيماً، وابن العذراء يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه انقضاء، فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا ولا أعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك وقال لها: روح القدس يحل عليك وقوة العلي تقبلك، فإنه ليس عند الله سبحانه وتعالى أمر عسير، فقالت مريم: هانذا عبدة الرب فيكون فيّ كقولك، وانصرف عنها الملاك، فقامت مريم في تلك الأيام ومضت مسرعة إلى عين كرم إلى مدينة يهودا، ودخلت إلى بيت زكريا فسلمت على اليصابات، فلما سمعت اليصابات صوت سلام مريم تحرك الطفل في بطنها، فامتلأت اليصابات من روح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركة أنت في النساء! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي إليّ، منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك الطفل بتهليل في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب! فقالت مريم: تعظم نفسي بالرب ويتهلل روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع عبدته، وقدوس اسمه، ورحمته لخائفيه، صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل القادرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، أشبع الجياع من الخيرات، فأقامت مريم عليها السلام عندها نحواً من ثلاثة أشهر وعادت إلى بيتها. ولما تم زمان اليصابات لتلد ولدت ابناً، فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب قد أعظم رحمته معها، ففرحوا لها، فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ليختنوا الصبي ودعوه باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة: لا ولكن ادعوه يوحنا، فقالوا لها: ليس أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم، فأشاروا إلى أبيه: ما تريد أن تسميه؟ فاستدعى لوحاً وكتب قائلاً: يوحنا، فتعجب جميعهم، وانفتح فوه قائلاً من ساعته ولسانه، وتكلم وبارك، ووقع خوف عظيم على جميع جيرانهم، وتُحدث بهذا الكلام في جميع تخوم يهودا، وفكر جميع السامعين في قلوبهم قائلين: ماذا ترى يكون من هذا الصبي! ويد الرب كانت معه، فامتلأ زكريا أبوه من روح القدس وبدأ قائلاً: تبارك الرب إله إسرائيل الذي اطلع وصنع نجاة لشعبه وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على أفواه أنبيائه القديسين من الأبد، خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضاً، صنع رحمة مع آبائنا، وذكر عهدة القديس: القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ليعطينا الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل أيام حياتنا، وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى، وتنطلق قدام وجه الرب لتصلح طريقة ليعطي علم الخلاص لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة، إلهنا الذي افتقدنا شرق من العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم سبل أرجلنا للسلامة. فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل، وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس النبطي على اليهودية وهيرودس رئيس الجليل، وفيلفوس أخوه على ربع الصورية وكورة أبطرحيون, وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا، وحنان وقيافا رؤساء الكهنة، حلت كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلى كل البلاد المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا هو مكتوب في سفر كلام أشعيا النبي - قائلاً: صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب فاصنعوا سبله مستقيمة، جميع الأودية تمتلىء وجميع الجبال والآكام تتضع، ويصير الوعر سهلاً والخشنة إلى طريق سهلة، ويعاين كل ذي جسد خلاص الله سبحانه وتعالى؛ وفي إنجيل متّى: وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات - هذا هو الذي في أشعيا النبي: إذ يقول صوت صارخ، وقال مرقس: مكتوب في أشعيا النبي: هوذا أنا مرسل ملاكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، ثم استنعى صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب وسهلوا سبله، وكان لباس يوحنا وبر الإبل، ومنطقته جلداً على حقويه، وكان طعامه الجراد وعسل البر، حينئذٍ خرجوا إليه من يروشليم، وكل اليهودية وجميع كور الأردن، وكان يعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم؛ وفي مرقس: كان يوحنا يعمد في القفر ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، وكان يخرج إليه جميع كور يهودا وكل يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم فقال للجمع الذين يأتون إليه ويعتمدون منه: يا ثمرة الأفاعي! وفي متى: فلما رأى كثيراً من الفريسيين والزنادقة يأتون إلى معموديته قال لهم: يا أولاد الأفاعي - ثم اتفق هو ولوقا - من دلكم على الهرب من الغضب الآتي؟ اعملوا الآن ثماراً تليق بالتوبة ولا تقولوا في نفوسكم: إن أبانا إبراهيم، أقول لكم: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم ها هوذا الفأس موضوع على أصول الشجر، وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع وتلقى في النار، فسأله الجموع، ماذا نصنع؟ أجاب وقال لهم: من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له طعام فليصنع مثل ذلك، فأتى العشارون ليعتمدوا منه فقالوا: ماذا نصنع يا معلم؟ فقال لهم: لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به، وسأله أيضاً الجند قائلين: ماذان نصنع نحن أيضاً؟ فقال لهم: لا تعيبوا أحداً ولا تظلموا أحداً، واكتفوا بأرزاقكم. وإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح، أجابهم يوحنا أجمعين وقال لهم: أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة، وسيأتي الذي هو أقوى من الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه؛ وقال متى: لا أستحق أن أحمل حذاءه؛ وقال مرقس: وكان يبشر قائلاً: الذي يأتي بعدي أوقى مني، لست أهلاً - أعني لحل سيور حذائه، أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار، الذي بيده المرفش، ينقي به الذرة، ويجمع القمح إلى أهرائه، ويحرق التبن بناء لا تطفأ، ولا يخبز الشعب، ويبشرهم بأشياء كثيرة؛ وفي إنجيل يوحنا: كان إنسان أرسل من الله، اسمه يوحنا، جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان، الآتي إلى العالم، إلى خاصته، جاء وخاصته لم تقبله، فأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً، والكلمة صارت جسداً، وحل فينا، ورأينا مجده مجداً مثل الوحيد الممتلىء نعمة، وحقاً يوحنا شهد من أجله وصرخ وقال: هذا الذي قلت إنه يأتي بعدي كان قبلي، لأنه أقدم مني، ومن امتلائه نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل أن الناموس بموسى أعطى، والنعمة والحق أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد قط، الابن الوحيد. هذه شهادة يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ناساً من أولاد لاوي - ليسألوه: من أنت، فاعترف وأقر أني لست المسيح، فسألوه: فمن ألياء؟ فقال: لست أنا النبي، قال: كلا! فقالوا له: فمن أنت لنرد الجواب إلى الذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا الصوت الصارخ في البرية: سهلوا طريق الرب - كما قال أشعيا النبي. فأما أولئك الذين أرسلوا فكانوا من الفريسيين فقالوا: ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ألياء ولا النبي؟ أجابهم يوحنا: أنا أعمدكم بالماء، وفي وسطكم قائم ذاك الذي ليستم تعرفونه، الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني، وهو قبلى كان، ذاك الذي لست مستحقاً أن أحل سيور حذائه. هذا كان في بيت عنيا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. قال لوقا: فأما هيرودس رئيس الربع فكان يوحنا يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلفوس ولأجل الشر الذي كان هيرودس يفعله، وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في السجن؛ وقال مرقس وقد ذكر آيات أظهرها المسيح: وسمع هيرودس الملك وقال: إن يوحنا المعمدان قام من الأموات، ومن أجل تلك القوات يعمل، وقال آخرون: إنه ألياء، وآخرون: إنه نبي كواحد من الأنبياء، فلما سمع هيرودس قال: أنا قطعت رأس يوحنا؛ وفي متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات، من أجل هذه القوات يعمل، وكان هيرودس قد أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن، وقال مرقس: وحبسه من أجل هيروديا امرأة فيلفوس، لأنه كان قد تزوجها وقال له يوحنا: ما يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك، وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله، ولم تقتله لأن هيرودس كان يخاف من يوحنا، لأنه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه كثيراً بشهوة، وكان في يوم من الزمان وافى هيرودس مولود، فصنع وليمة لعظمائه ورؤسائه ومقدمي الجليل، ودخلت ابنة هيروديا فرقصت، فوافق ذلك هيرودس وجلساءه، فقال الملك للصبية: سلي ما أردت فأعطيك! وحلف لها أني أعطيك ما سألت ولو كان نصف ملكي، فخرجت وقالت لأمها: أي شيء أسأله؟ فقالت: رأس يوحنا المعمدان، فرجعت للوقت بسرعة إلى الملك وسألت رأس يوحنا على طبق، فحزن الملك، ومن أجل اليمين والمنكبين لم ير منعها، فأنفذ سيافاً من ساعته وأمر أن يؤتى برأسه في طبق، فمضى وقطع رأسه في الحبس وجاء به في طبق وأعطاه للصبية، فأخذته الصبية ودفعته لأمها؛ وسمع تلاميذه فجاؤوا ورفعوا جثته وجعلوها في قبر؛ قال متى: وجاء تلاميذه فأخذوا جسده ودفنوه, وأتوا فأخبروا يسوع, فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفرداً، فسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدن، فلما خرج أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم وأبرأ اعلاّءهم ومرضاهم انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {فنادته الملائكة} قال: جبريل. وأخرج ابن جرير عن عبدالرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن مسعود "فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب". وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ذكروا الملائكة ثم تلا {أية : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى}تفسير : [النجم: 27] وكان يقرأها "فناداه الملائكة". وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "فناداه الملائكة" بالتاء. وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم قال: كان عبد الله يذكر الملائكة في القرآن. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ {فنادته الملائكة} بالتاء {أن الله} بنصب الألف {يبشرك} مثقلة. قوله تعالى: {وهو قائم يصلي} . أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت قال: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئاً أفضل من الصلاة ما قال {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي} . قوله تعالى: {في المحراب} . أخرج ابن المنذر عن السدي. المحراب المصلى. وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا هذه المذابح. يعني المحاريب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: اتقوا هذه المحاريب. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: أن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد. يعني الطاقات. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر قال: أن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي. أنه كره الصلاة في الطاق. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم. أنه كان يكره الصلاة في الطاق. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد. أنه يكره المذابح في المساجد. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب. أنه كره المذابح في المسجد. وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: من قرأ {يبشر} مثقلة فإنه من البشارة، ومن قرأ {يبشر} مخففة بنصب الباء فإنه من السرور. وأخرج ابي جرير وابن المنذر عن قتادة قال: أن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {أن الله يبشرك بيحيى} قال: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإِيمان. وأخرج ابن عدي والدارقطني في الافراد والبيهقي وابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً "حديث : خلق الله فرعون في بطن أمه كافراً، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً "تفسير : . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مصدقاً بكلمة من الله} قال: عيسى ابن مريم، والكلمة يعني تكوّن بكلمة من الله. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك، فوضعت امرأة زكريا يحيى عليه السلام، ومريم عيسى عليه السلام. وذلك قوله {مصدقاً بكلمة من الله} قال: يحيى مصدق بعيسى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله {مصدقاً بكلمة من الله} قال: كان يحيى أول من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله. قال: وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى. وأخرج ابن جرير عن قتادة {مصدقاً بكلمة من الله} يقول: مصدق بعيسى، وعلى سنته ومنهاجه. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس {مصدقاً بكلمة من الله} قال: كان عيسى ويحيى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه وهو أول من صدق بعيسى، وكلمة عيسى. ويحيى أكبر من عيسى. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لقيت أم يحيى أم عيسى وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى فقالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى {مصدقاً بكلمة من الله}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وسيداً} قال: حليماً تقياً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: "السيد" الكريم على الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير عن عكرمة قال: "السيد" الذي لا يغلبه الغضب. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: "السيد" الفقيه العالم. وأخرج أحمد في الزهد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك قال: "السيد" الحسن الخلق "والحصور" الذي حصر عن النساء. وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: (الحصور) الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: نادى منادٍ من السماء أن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء، وأن جورجيس سيد الشهداء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: "السيد" الحليم "والحصور" الذي لا يأتي النساء. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس في قوله {وسيداً وحصوراً} قال: "السيد" الحليم و "الحصور" الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "الحصور" الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: "الحصور" الذي لا يقرب النساء. ولفظ ابن المنذر: العنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من عبد يلقى الله إلاّ ذا ذنب إلاّ يحيى بن زكريا، فإن الله يقول: {وسيداً وحصوراً} قال: وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب، وأشار بأنملته ". تفسير : وخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو. موقوفاً وهو أقوى اسناداً من المرفوع. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاّ يحيى بن زكريا، فإنه كان {سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين} ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: كان ذكره مثل هذه القذاة "تفسير : . وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله: "حديث : أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة، وأمنت الملائكة: رجل جعله الله ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور، ولم يجعل الله حصوراً إلا يحيى بن زكريا ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن صالح عن بعضهم رفع الحديث "حديث : لعن الله والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله {وحصوراً} قال: لا يشتهي النساء، ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه مثل هذه. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {وحصوراً} قال: ألذي لا يأتي النساء. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : وحصور عن الخنا يأمر النا س بفعل الحراب والتشمير
ابو السعود
تفسير : {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} كان المناديَ جبريلُ عليه الصلاة والسلام كما تُفصح عنه قراءةُ من قرأ فناداه جبريلُ، والجمع كما في قولهم: فلان يركب الخيلَ ويلبَس الثياب وما له غيرُ فرس وثوب، قال الزجاج: أي أتاه النداءُ من هذا الجنس الذين هم الملائكة وقيل: لما كان جبرائيل عليه الصلاة والسلام رئيسَهم عَبّر عنه باسم الجماعة تعظيماً له وقيل: الرئيسُ لا بد له من أتباع فأسند النداء إلى الكل مع كونه صادراً عنه خاصة وقرىء {فنادِاه} بالإمالة {وَهُوَ قَائِمٌ} جملة حالية من مفعول النداء مقرِّرةٌ لما أفاده الفاءُ من حصول البِشارة عَقيب الدعاء، وقوله تعالى: {يُصَلّى} إما صفةٌ لقائمٌ أو خبرٌ ثانٍ عند من يرى تعدُّدَه عند كونِ الثاني جملةً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه، الآية 20]أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ولا بدلية أو حالٌ من المستكنِّ في قائم وقوله تعالى: {فِى ٱلْمِحْرَابِ} أي في المسجد أو في غرفةِ مريمَ متعلق بـيصلي أو بقائم على تقدير كونِ يصلّي حالاً من ضمير قائمٌ لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شيء واحد فلا يلزم الفصلُ بالأجنبـي كما يلزم على التقادير الباقية. {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} أي بأن الله وقرىء بكسر الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مُجراه لكونه نوعاً منه وقرىء يُبْشِرُك من الإبشار ويَبْشُرُك من الثلاثي وأياً ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارته عن الله عز وجل على منهاج قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر، الآية 53] الآية، كما يلوح من مراجعته عليه الصلاة والسلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك، والعدولُ عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء: أميرُ المؤمنين يرسُم لك بكذا وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير وما يترتّب عليه من المحاورة كان كلُّ ذلك بتوسط الملك بطريق الحِكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر، وبهذا يتضح اتحادُ المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل. ويحيـى اسمٌ أعجمي وإن جعل عربـياً فمنعُ صرفه للتعريف ووزن الفعل. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما سُمّي يحيـى لأن الله تعالى أحيا به عُقرَ أمِه. وقال قتادة: لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان، قال القرطبـيُّ: كان اسمُه في الكتاب الأول حيا، ولا بد من تقدير مضافٍ يعود إليه الحالُ أي بولادة يحيـى فإن التبشيرَ لا يتعلق بالأعيان {مُصَدّقاً} حال مقدرة من يحيـى {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ} أي بعيسى عليه الصلاة والسلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كائنة منه تعالى قيل: هو أولُ من آمن به وصدق بأنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه وقال السدي: لقِيَتْ أم يحيـى أم عيسى فقالت: «يا مريم أشَعرتِ بحبَلي؟»، فقالت مريم: «وأنا أيضاً حُبلى»، قالت: «فإني وجدتُ ما في بطنك»، فذلك قوله تعالى: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ} [آل عمران، الآية 39] الخ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إن يحيـى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهرٍ»، وقيل: بثلاث سنين، وقتل قبل رفعِ عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرةٍ وعلى كل تقديرٍ يكون بـين ولادة يحيـى وبـين البشارة بها زمانٌ مديد لما أن مريمَ ولَدت وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنة أو بنتُ عشرِ سنين وقيل: {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ} أي بكتابِ الله سمّي كلمةً كما قيل: كلمة الحويدرة لقصيدته {وَسَيّدًا} عطفٌ على مصدقاً أي رئيساً يسود قومَه ويفوقهم في الشرف وكان فائقاً للناس قاطبةً فإنه لم يُلِمَّ بخطيئة ولم يَهُمَّ بمعصية فيا لها من سيادة ما أسناها {وَحَصُورًا} عطف على ما قبله أي مبالِغاً في حصر النفس وحبسِها عن الشهوات مع القدرة، روي أنه مرَّ في صباه بصبـيان فدعَوْه إلى اللعب فقال: «ما لِلَّعب خُلِقْتُ» {وَنَبِيّا} عطف على ما قبله مترتب على ما عُدِّد من الخصال الحميدة {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي ناشئاً منهم لأنه كان من أصلاب الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام أو كائناً من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ فِى ٱلأخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [البقرة، الآية 130] والمراد بالصلاح ما فوق الصلاحِ الذي لا بد منه في منصِب النبوة من أقاصي مراتبه، وعليه مبنيٌّ دعاءُ سليمانَ عليه السلام: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [النمل، الآية 19].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} [الآية: 39]. حدثنى أحمد بن محمد قال: ما ظهرت على أحد حالةٌ شريفةٌ، إلا وأصلها الصبرُ تحت الأمر والنهى. وقال: ملازمةُ الخدمة توريك آداب الخدمةِ وآداب الخدمةِ توريك منازل القُربة، ومنازل القربة وتوريكَ حلاوة الأمن. وقال بعضهم - رحمة الله عليه -: العبادات تجرُّ إلى الإعواض والأحوال تجرُّ إلى المعوَّض. قوله تعالى: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً}. قال ابن عطاء رحمه الله تعالى: السيّدُ المتحقق حقيقة الحق والحصور المنزه عن الأكوان وما فيها. قال جعفر رحمةُ الله تعالى عليه: السيّد المعاينُ عن الخلق وصفًا وحالاً وخلقًا. قال الجنيد رحمةُ الله تعالى عليه: السيد الذى حاد بالكونين عوضًا عن ربه. قال محمد بن على رحمةُ الله تعالى عليه: السيد من استوت أحواله عند المنع والعطاء. قال ابن منصور رحمةُ الله تعالى عليه: السيد من خلا من أوصاف البشرية وأظهر نعوت الربوبية. قال أبو الحسين الوراق رحمةُ الله تعالى عليه: السيدُ من لا تغلبُه نفسُهُ وهواه. قال النصرآباذى تغمده الله برحمته: من صحَّح نسبته مع الحق استوجب منه ميراث النسبة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ}. لما سأل السؤال، ولازم البال أَتَتْهُ الإجابةُ. وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة. ويقال حكم الله - سبحانه - أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو مُعَانِقٌ لخدمته، فأمَّا مَنْ أعرض عن الطاعة ألقاه في ذُلِّ الوحشة. قوله جلّ ذكره: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}. قيل سمَّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حي به عقر أمه. ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه. قوله: مصدقاً بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة "الله" فيما تعبده به أو هو مكوَّن بكلمة الله. وقوله {وَسَيِّداً}: السيدُ من ليس في رق مخلوق، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى عليه السلام. ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقامًا، ولا شَاهَدَ لنفسه قَدْرًا. ولما أخلص في تواضعه لله بكل وجهٍ رقَّاه على الجملة وجعله سيداً للجميع. وقوله {وَحَصُوراً} أي مُعْتَقاً من الشهوات، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقياً عن المطالبات، مانعاً نفسه عن ذلك تعززاً وتقرباً، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فَضْلٌ لحظِّ. {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي مستحقاً لبلوغ رتبتهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فنادته الملائكة} اى جبرائيل وحكم الواحد من الجنس قد ينسب الى الجنس نفسه نحو فلان يركب الخيل وانما يركب واحدا من افرادها ولما كان جبرائيل رئيسهم عبر عنه باسم الجماعة تعظيما له {وهو} حال من مفعول النداء اى والحال ان زكريا عليه السلام {قائم يصلى فى المحراب} اى فى المسجد او فى غرفة مريم {ان الله} مفعول ثان لنادته اى بان الله تعالى {يبشرك بيحيى} اى بولد اسمه يحى لانه حى به رحم امه ولانه تحى به المجالس من وعظة والتقدير بولادة ولد اسمه يحى فان التبشير لا يتعلق بالأعيان {مصدقا بكلمة من الله} اى بعيسى عليه السلام. وانما سمى كلمة لانه وجد بكلمة كن من غير اب فشابه البديعيات التى هى عالم الامر وهو اول من آمن بعيسى وصدق بانه كلمة من الله وروح منه ويسمى روحا ايضا لانه تعالى احيى به من الضلالة كما يحيى الانسان بالروح. قال السدى لقيت ام يحيى ام عيسى فقالت يا مريم اشعرت بحبلى فقالت مريم وانا ايضا حبلى قالت فانى وجدت ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك فذلك قوله تعالى {مصدقا} الخ وكان يحيى اكبر من عيسى بستة اشهر ثم قتل يحيى قبل ان رفع عيسى الى السماء {وسيدا} عطف على مصدقا اى رئيسا يسود قومه ويفوقهم فى الشرف وكان فائقا للناس قاطبة فانه لم يلم بخطيئة ولم يهم بمعصية فيالها ما اسناها {وحصورا} اى مبالغا فى حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة - روى - انه مر فى صباه بصبيان فدعوه الى اللعب فقال ما للعب خلقت. والحصور الممتنع من النساء مع القدرة عليهن وقد تزوج مع ذلك ليكون اغض لبصره {ونبيا} اى يوحى اليه اذا بلغ هو مبلغه {من الصالحين} اى ناشئا منهم لانه كان من اصلاب الانبياء عليهم السلام. والصلاح صفة تنتظم الخير كله والمراد به هنا ما فوق الصلاح الذى لابد منه فى منصب النبوة البتة من اقاصى مراتبه.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة والكسائي وخلف {فناداه الملائكة} على التذكير، والامالة. الباقون على التأنيث، فالاول على المعنى، والثاني على اللفظ. وقرأ حمزة وابن عامر {إن الله} بكسر الهمزة على الحكاية. الباقون بفتحها على اعمال المناداة، وتقديره نادته بأن الله. وقرأ حمزة والكسائي {يبشرك} بفتح الياء وتخفيف الشين وضمها. الباقون بضم الياء وتشديد الشين. المعنى واللغة: وقال السدي الذي نادى زكريا جبريل وحده، فعلى هذا يكون ذهب مذهب الجمع كما يقولون: ذهب في السفن وإنما خرج في سفينة وخرج على البغال وإنما ركب بغلاً واحداً. وقال غيره: ناداه جماعة من الملائكة كأنه قيل: النداء جاء من قبل الملائكة وإنما جاز ذلك لعادة جارية نحو قولهم: ناداه أهل العسكر، وناداه أهل البلد. وقوله: {وهو قائم يصلي} جملة في موضع الحال. وقوله: {إن الله يبشرك} في بشره من البشرى ثلاث لغات: بشره يبشره وبشره يبشره بشراً، وأبشره بشاراً عن أبي العباس. وقرأ حميد {يبشرك} من أبشر، وكل ذلك لظهور السرور في بشرة الوجه. وقيل إن الثقل من البشارة، والمخفف من السرور، والمعنيان متقاربان. وأنشد الاخفش: شعر : وإذا لقيت الباهشين إلى الندى غبراً أكفهم بقاع ممحل فاعنهم وابشر بما بشروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزل تفسير : قال الزجاج هذا على بشر يبشر إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الانسان تنسبط عند السرور. وقوله: {بيحيى} قال قتادة سمي يحيى، لأن الله تعالى أحياه بالايمان سماه الله بهذا الاسم قبل مولده. وقوله: {مصدقاً} نصب على الحال من يحيى {بكلمة} يعني المسيح (ع) في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي وجميع أهل التأويل إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال {بكلمة} أي بكتاب الله كما يقولون أنشدني فلان كلمة فلان أي قصيدته وإن طالت، وإنما سمي المسيح كلمة الله لامرين: أحدهما - أنه كان بكلمة الله من غير أب من ولد آدم. والثاني - لان الناس يهتدون به في الدين كما يهتدون بكلام الله. وقوله: {وسيداً} يعني مالكا لمن يجب عليه طاعته. ومن ذلك سيد الغلام يعني مالكه، ولا يقال سيد الثوب بمعنى مالك الثوب، لأنه لا يتصور هناك وجوب طاعته. وأصل السواد الشخص، فقيل سيد القوم بمعنى مالك السواد الاعظم، وهو الشخص الذي تجب طاعتة لمالكه، وهذا إذا قيل مضافاً أو مقيداً فأما إذا اطلق فلا ينبغي إلا لله تعالى، لأنه المالك لجميع الخلق. وقيل: معناه ها هنا وسيداً في العلم والعبادة في قول قتادة. وقال الجبائي: معناه وسيداً للمؤمنين بالرياسة لهم. وقال الضحاك: سيداً في الحلم والتقى. وقيل سواد الانسان لشخصه، لأنه يستر به لستر سواد الظلمة بتكائفه، وتسوله. "وحصوراً" معناه الممتنع من الجماع. ومنه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيأ للنفقة حصور قال الأخطل: شعر : وشارب مربح بالكاس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار تفسير : يعني معربد ويقال للذي يكتم سره حصور ويقال: حصر في قراءته إذا امتنع بالانقطاع فيها. ومنه حصر العدو منعه الناس من التصرف. وقال عبد الله: الحصور العنين. وقال سعيد بن المسيب إنما كان معه مثل هدب الثوب. وقال الحسن، وقتادة هو الذي لا يأتي النساء، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع)، وقال بعضهم هو الذي لا يبالي ألا يأتي النساء. وقوله: {ونبياً من الصالحين} {من} ها هنا لتبيين الصفة ليس المراد به التبعيض، لأن النبي لا يكون إلا صالحاً.
الجنابذي
تفسير : {فَ} أجاب الله تعالى دعاءه و {نَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} فى مصّلاه {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} هذا اجابة منه تعالى لدعائه (ع) فإنّ التصديق بكلمة الله دليل الطيبوبة والمراد بكلمة الله هو المسيح فانّه لفنائه فى نفسه وبقائه بربّه صار كالكلمة الغير القارّة الغير المستقلّة بنفسها القائمة بالمتكلّم {وَسَيِّداً} للخلق فى الشّرف ولقومه فى الطّاعة {وَحَصُوراً} مبالغاً فى منع النّفس عن الشّهوات ولذلك فسّر بمن لا يأتيه النّساء {وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} واتّصافه بالاوصاف الثّلاثة من الفضل فى الاجابة.
اطفيش
تفسير : {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ}: أنث بتأويل الجماعة، وقرأ حمزة والكسائى فناداه بالإمالة، وإسقاط التاء، والحكم على الملائكة بالنداء على المجموع فإن المنادى واحد منهم، وهو جبريل عليه السلام، وذلك أنه من جنس الملائكة، كما تقول: فلان يركب الخيل، وبنو فلا قتلوا فلانا، وإنما يركب فرساً واحداً، وقاتل فلان واحد منهم، وقال الله تعالى {أية : الذين قال لَهم النَّاسُ}،تفسير : أى نعيم بن مسعود: إن الناس أبا سفيان. ويجوز أن يكون جمع جبريل تعظيما له، عليه السلام، أو لأنه رئيس الملائكة، فمقاله مقال لهم ولو لم يقولوه، وقال قوم: بل نادته ملائكة كثرة، كظاهر الآية، واختاره بعض، وقال: إنه لا يعدل عنه إلا إن صح حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيره. والجمهور على أن المنادى جبريل، والمراد بالنداء التبشير فيما ينبغى أن يسرع به، وليس السامع، وليس مجرد إخبار بالوحى، بل كما نادى الرجل الأنصارى كعب بن مالك، من أعلى الجبل لما نزلت توبته كما يأتى إن شاء الله فى سورة التوبة. {وَهُوَ قَائِمٌ}: حال من الهاء. {يُصَلِّى}: حال ثان من الهاء، أو حال من المستتر فى {قَائِمٌ}، أو خبر ثان، ويجوز على قول سيبويه أن يكون نعتاً لقائم، إذ جاز نعت الأوصاف التى لم يذكر موصوفها. {فِى الْمِحْرَابِ}: تنازعه {قَائِمٌ} و {يُصَلِّى} وهو المسجد، وذلك أن زكريا عليه السلام هو الحبر الكبير الذى يقرب القربان، ويفتح الباب، فلا يدخلون حتى يأذن لهم فى الدخول، فبينما هو يُصلى فى محرابه عند المذبح، والناس ينتظرون أن يأذن لهم فى الدخول إذ هو بجبريل على صورة رجل شاب أبيض الثياب، ففزع فناداه يا زكريا. {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى} أى بولد سماه يحيى، كذلك تسميه. قال ابن عباس: سمى يحيى، لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، وقيل: إن الله أحيا قلبهُ بالإيمان. وقيل: لأن الله أحياه بالطاعة حتى أنهُ لم يهم بمعصية قط، وفى التسمية به دليل على فضل العربية، إذ سمى باسم عربى، وليس من العرب فمنعهُ من الصرف للعلمية، ووزن الفعل، وأجيز أن يكون عجمياً فيمنع للعجمة والعلمية، واستطهره الزمخشرى وإنما كسرت همزة {إن} بعد قوله: نادت لتضمن النداء معنى القول، ولفظ القول تكسر بعده. وقيل: بتقدير القول أى: نادته الملائكة قائلين إن الله يبشرك. وقرأ غير نافع، وابن عامر بالفتح على تقدير الجار، أى: بأن الله. وقرأ حمزة والكسائى: يَبْشُرك بفتح الياء المثناة التحتية وإسكان الباء الموحدة وضم الشين، وكذا فى جميع القرآن لفظ يبشر، وقرأ: يُبْشِرك بضم فإسكان فكسر، فهو يتعدى بالتشديد وبنفسه وبالهمزة. {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ}: هى عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وسمى كلمة، لأن الله تعالى خلقه بكلمة "كن" خلقها حيث شاء، أو بتوجه الإرادة إلى خلقه، فكوّنهُ بلا أب، دلالة على كمال قدرته تعالى، وقيل: سمى كلمة لأنه يرشد الخلق إلى دين الله بكلامه، كما يهتدى بكتاب الله قبل الإنجيل وبعده. وقيل: لأن جبريل تكلم به إلى مريم تبشيراً لها به بأمر الله تعالى، وقيل: لأن الله تبارك وتعالى، أخبر الأنبياء أنه سيخلق رسولا بلا أب، ولما خلقه قال إنهُ كلمة تكلم بها للأنبياء قبلهُ، وأول من صدق له يحيى عليه السلام، وذكر الله هذا التصديق بقوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّه}. قال ابن عباس: هو أكبر من عيسى بستة أشهر. وقال السدى: قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى. وقيل: التقت أم يحيى وأم عيسى حاملتين بهما، فقالت أم يحيى: أشعرت أنى حامل، وقالت أم عيسى: وأنا أيضاً حامل، فقالت أم يحيى: إنى أجد ما فى بطنى يسجد لما فى بطنك، أى يعظمه ويؤمن به، كما قال الله جل جلاله {ومُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّه} وقيل: الكلمة من الله كتاب أنزله الله وصدق به. والجمهور على أنها عيسى، وعلى أن الكلمة كتاب، فهو التوراة وعبارة بعض توهم أنه كتاب أنزل على يحيى، وعبارة بعض: أنه كتب الله كلها، والكلام يسمى كلمة، ولو طال. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل. وذكر لحسان الحويدرة الشاعر، فقال: لعن الله كلمته - يعنى قصيدته - ومن الله نعت كلمة ." تفسير : {وَسَيِّداً}: عطف على الحال وهو {مُصَدِّقاً}، فهذان وما بعدهما أحوال من يحيى، متعاطفة وهن أحوال مقارنة لأن عند الله سيد حصور نبى ولو قبل أن يولد بمعنى أنه موصوف من عنده بذلك، كما أنه مصدق فى البطن ولك جعل غير الأول حالا مقدراً، أى: سيكون بعد ولادته سيداً حصوراً نبياً، ويجوز عطف الحال المقدرة على المقارنة، وبالعكس وكذا المحكية معهما ومعنى كونه سيداً أنه يفوق الناس كلهم فى أنه ما همّ بمعصية، وغيره من الأنبياء ربما همّ بما ليس ذنباً صغيراً ولا كبيراً، ولكن عد عليه معصية، لعظم مقام الأنبياء عليهم السلام، وقال قتادة: المراد أنه سيد مؤمنى أهل زمانه فى العلم والورع والعبادة والحلم. وقيل: معناه أنه حليم لا يغضبهُ شىء، وقيل: حسن الخلق، وقيل: مطيع ربه، وقيل: الذى يفوق قومه فى خصال الخير، وقيل: سخى. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من سيدكم يا بنى سلمة؟" قالوا: جد بن قيس على أنا نبخلهتفسير : - أى ننسبه للبخل - فقال: "حديث : وأى داء أدوى من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح"تفسير : ومن فسر السؤدد بالحلم أو السخاء، فقد أحرز أكثر معنى السؤدد، ومن جوز تفسيره بالعلم والتقى ونحو ذلك، فلم يفسره بكلام العرب، ولكن راعى فيه معنى الشرف، فجعل كل يذكر ما ظهر له من الأمور المستحسنة، وذلك كما قال مجاهد: السيد، الكريم على الله. {وَحَصُوراً}: صفة مبالغة، أى بالغ فى حَصْر نفسه على العبادة، وعن الشهوات والملاهى، ومر بصبيان يلعبون وهو صبى، فدعوه للعب فقال: ما للعب خلقت! ويدعونه من بيته للعب فيجيبهم بذلك أيضاً، وقيل: بالغ فى حبس نفسه عن وطء النساء مع القدرة عليه زهداً ومنعاً لنفسه عما تشتهى، وصححت هذا جماعة من المحققين. وعن ابن عباس وغيره الحصور اسم لمن لا يشتهى النساء، وقيل: عنه معناه أنه يشتهى ويمنع نفسه وهذا أولى بالنسبة لابن عباس. وممن قال أنهُ لا يشتهى سعيد بن المسيب، قال: كان لهُ مثل هذه الثوب، وقد تزوج مع ذلك ليغض بصره، وعباره بعض: أنه عنين، وهذان القولان لا يليقان بمنصب الأنبياء، لأن ذلك نقصان، والكلام فى المدح. وقيل: حصور بمعنى محصور عن المال، أى ممنوع منه، فهو فقير. وقيل: محصور عن الذنوب، أى ممنوع ومعصوم عنها، وأنكر المحققون القول بأنه هيوب، والقول بأنه لا ذكر له، لا مدح بذلك بل نقص، إلا أن قيل: هيوب للذنوب. وقد يوجه القول بأنه لا ذكر له أو لا يشتهى، لأنه مدح من حيث أن ذلك معين على العبادة، ولكن المدح لأنه سالم مشته مانع نفسه، زهداً أعظم. {وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}: أى من أولاد الصالحين، والصالحون هم الأنبياء هنا، أو من جملة مطلق الصالحين، وليس الأول من تحصيل الحاصل كما قيل، ومن صلاحه أنه يعيش بالعشب، وأنه كثير البكاء من خشية الله تعالى، حتى اتخذ الدمع فى وجهه أجدوداً.
الالوسي
تفسير : {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } وفي قوله سبحانه: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 90] وظاهر قوله جل شأنه في مريم: {أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ }تفسير : [مريم: 7] اعتقاب التبشير الدعاء لا تأخره عنه، وأثر ـ إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة ـ لم نجد له أثراً في "الصحاح"، نعم ربما يشعر بعض الأخبار الموقوفة أن بين الولادة والتبشير مدة كما سنشير إلى ذلك قريباً إن شاء الله تعالى، والمراد من الملائكة جبريل عليه السلام فإنه المنادي وحده ـ كما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود ـ وذكر عبد الرحمن بن أبـي حماد أنه كان يقرأ (فناداه جبريل)، فالجمع هنا مجاز عن الواحد للتعظيم، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل، وقيل: الجمع فيه مثله في قولك: فلان يركب الخيل ويلبس الديباج، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد لا بعينه وهٰهنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة، وقيل: الجمع على حاله والمنادي كان جملة من الملائكة، وقرأ حمزة والكسائي (فناديه) بالإمالة والتذكير. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال: ذكروا الملائكة ثم تلا {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ } تفسير : [النجم: 27] وكان يقرأها ـ فناداه الملائكة ـ ويذكر في جميع القرآن، وأخرج الخطيب عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كذلك. {وَهُوَ قَائِمٌ } جملة حالية من مفعول النداء مقررة لما أشارت إليه الفاء على ما أشرنا إليه، وقوله تعالى: {يُصَلّى } حال من المستكن في {قَائِمٌ } أو حال أخرى من المفعول على القول بجواز تعددها من غير عطف ولا بدلية، أو خبر ثان للمبتدأ على رأي من يرى مثل ذلك، وقيل: الجملة صفة ـ لقائم ـ والمراد بالصلاة ذات الأقوال والأفعال كما هو الظاهر ـ وعليه أكثر المفسرين ـ. وأخرج ابن المنذر عن ثابت قال: الصلاة خدمة الله تعالى في الأرض ولو علم الله تعالى شيئاً أفضل من الصلاة ما قال: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى }، وقيل: المراد بها الدعاء والأول يدل على مشروعية الصلاة في شريعتهم {فِى ٱلْمِحْرَابِ } أي في المسجد، أو في موقف الإمام منه، أو في غرفة مريم. والظرف متعلق/ ـ بيصلي ـ أو ـ بقائم ـ على تقدير كون {يُصَلّى } حالاً من ضمير {قَائِمٌ } لأن العامل فيه وفي الحال شيء واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبـي كما يلزم على التقادير الباقية كذا قالوا: والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن كلاً من {قَائِمٌ } و {يُصَلّى } يصح أن يتسلط على {فِى ٱلْمِحْرَابِ } على أي وجه تقدم من وجوه الإعراب فتدبر. ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة ـ وإلى ذلك ذهب علي كرم الله وجهه وإبراهيم رحمه الله فيما أخرجه عنهما ابن أبـي شيبة ـ وهي من البدع التي لم تكن في العصر الأول، فعن أبـي موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى» تفسير : وعن عبد الله بن أبـي الجعد قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد» وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اتقوا هذه المذابح» تفسير : يعني المحاريب، والروايات في ذلك كثيرة، وللإمام السيوطي «رسالة» مستقلة فيها. {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } أي بأن الله، وبعد إسقاط حرف الجر المطرد في ـ أنّ وإن ـ يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر، والأول: مذهب سيبويه، والثاني: مذهب الخليل، وقرأ نافع وابن عامر بكسر همزة {إِنَّ } وخرج على إضمار القول، وهو مذهب البصريين، أو على إجراء النداء مجرى القول لأنه نوع منه ـ وهو مذهب الكوفيين ـ وقرأ حمزة والكسائي {يُبَشّرُكِ } من الإبشار، وقرأ {يُبَشّرُكِ } من الثلاثي. وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة، ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور. ـ ويحيـى ـ اسم أعجمي على الصحيح، وقيل: عربـي منقول من الفعل والمانع له من الصرف على الأول العلمية والعجمة، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل، والقول ـ بأنه لا قاطع لمنع صرفه لاحتمال أن يكون مبنياً يجعل العلم جملة بأن يكون فيه ضمير كما في قوله:شعر : نبئت أخوالي بني يزيد تفسير : ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون دليلاً قطعياً للقطع، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن الله تعالى أحيا به عقر أمه، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومنهم من وجه ذلك بأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان، وروي عن قتادة، وقيل: سمي بيحيـى لأنه علم الله سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما، وقيل: لأن الله يحـي به الناس بالهدى، قال القرطبـي: ((كان اسمه في الكتاب الأول حيا))، ورأيت في «إنجيل متى» أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه «كتب النصارى». وجمع ـ يحيـى ـ يحيون رفعاً، ويحيين جراً ونصباً، وتثنيته كذلك يحييان ويحيين، ويقال في النسب إليه يحي بحذف الألف، ويحيوي ـ بقلبها واواً ـ ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية، وفي تصغيره ـ يحيـى ـ بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام: وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارة من الله عز وجل على منهاج {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 53] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في ـ سورة مريم ـ للجري على سنن الكبرياء ـ كما في قول الخلفاء: أمير المؤمنين يرسم لك كذا ـ وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات ـ كما هو المتبادر ـ وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل انتهى، وكان الداعي إلى/ اعتبار ما هنا محكياً بعبارة من الله تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من الله تعالى، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك، والملوح غير موجب ـ كما لا يخفى ـ ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذ التبشير لا يتعلق بالأعيان، ويؤل في المعنى إلى ما هناك أي ـ إن الله يبشرك بولادة غلام اسمه يحيـى. {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } نصب على الحال المقدرة من (يحيـى)، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام ـ وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ـ وعليه أجلة المفسرين وإنما سمي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وجد بكلمة ـ كن ـ من دون توسط سبب عادي فشابه البديعيات التي هي عالم الأمر، و {مِنْ } لابتداء الغاية مجازاً متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة ـ أي بكلمة كائنة منه تعالى ـ وأريد بهذا التصديق الإيمان وهو أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدق أنه كلمة الله تعالى وروح منه في المشهور. أخرج أحمد عن مجاهد قال: «قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك». وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: «كان يحيـى وعيسى ابني خالة وكانت أم يحيـى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك» فذلك تصديقه له وكان أكبر من عيسى بستة أشهر كما قال الضحاك وغيره، وقيل: بثلاث سنين، قيل: وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيـى وبين البشارة بها زمان مديد لأن مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر سنين، واعترض بأن هذا إنما يتم لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة، وليس في الآية سوى ما يشعر بأن زكريا عليه السلام لما تكرر منه الدخول على مريم. ومشاهدته الرزق لديها وسؤاله لها وسماعه منها ذلك الجواب اشتاق إلى الولد فدعا بما دعا، وهذا الدعاء كما يمكن أن يكون في مبادىء الأمر يمكن أن يكون في أواخره قبيل حمل مريم وكونه في الأواخر غير بعيد لما أن الرغبة حينئذ أوفر حيث شاهد عليه السلام دوام الأمر وثباته زمن الطفولية وبعدها، وهذا قلما يوجد في الأطفال إذ الكثير منهم قد يلقي الله تعالى على لسانه في صغره ما قد يكون عنه بمراحل في كبره فليس عندنا ما يدل صريحاً على أن بين الولادة والتبشير مدة مديدة ولا بين الدعاء والتبشير أيضاً، نعم عندنا ما يدل على أن يحيـى أكبر من عيسى عليهما السلام وهو مما اتفق عليه المسلمون وغيرهم، ففي »إنجيل متى» ما يصرح بأنه ولد قبله وقتله هيردوس قبل رفعه وأنه عمد المسيح والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وحكي عن أبـي عبيدة أن معنى {بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } بكتاب منه، والمراد به الإنجيل وإطلاق الكلمة عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم ـ كلمة الحويدرة ـ للعينية المعروفة بالبلاغة. {وَسَيّدًا } عطف على (مصدقاً)، وفسره ابن عباس بالكريم، وقتادة بالحليم، والضحاك بالحسن الخلق، وسالم بالتقي، وابن زيد بالشريف، وابن المسيب بالفقيه العالم، وأحمد بن عاصم بالراضي بقضاء الله تعالى، والخليل بالمطاع الفائق أقرانه، وأبو بكر الوراق بالمتوكل، والترمذي بالعظيم الهمة، والثوري بمن لا يحسد، وأبو إسحق بمن يفوق بالخير قومه، وبعض أهل اللغة بالمالك الذي تجب طاعته، إلى غير ذلك من الأقوال وكل ما فيها من الأوصاف مما يصلح ليحيـى عليه السلام لأنها صفات كمال، وأحق الناس بصفات الكمال النبيون إلا أن التحقيق أن أصل معنى السيد من يسود قومه يكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا، ويجوز أن يراد به هنا الفائق في الدين حيث إنه عليه السلام لم يهم بمعصية أصلا كما ورد ذلك من طرق عديدة./ وأخرج ابن أبـي حاتم وابن عساكر عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيـى بن زكريا»تفسير : وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع منهم، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى: {مُصَدّقاً } للإشارة إلى أنه نبـي ـ كعيسى عليه السلام ـ وليس من أمته كما يفهمه ظاهراً قوله سبحانه: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ }. {وَحَصُورًا } عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك ـ قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه ـ وفي بعضها إنه العنين الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل، وروى الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة، وفي بعض الروايات كالقذاة، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب، قيل: والأصح الأول إذ العنة عيب لا يجوز على الأنبياء، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها ليست بصفة مدح، والكلام مخرج مخرج المدح، وما أخرجه الحافظ على تقدير صحته يمكن أن يقال: إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك. ومن هنا قيل: إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالاً بحال يحيـى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبـي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة، رجل جعله الله تعالى ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال، والذي يضل الأعمى، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصوراً إلا يحيـى بن زكريا» تفسير : وفي رواية «لعن الله تعالى والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيـى بن زكريا» ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة وقد كان حاله عليه السلام أيضاً كذلك. أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفاً وابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً أنه عليه السلام مرّ في صباه بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت. {وَنَبِيّا } عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة {مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي ناشئاً منهم أو معدوداً في عدادهم ـ فمن ـ على الأول للابتداء، وعلى الثاني للتبعيض قيل: ومعناه على الأول ذو نسب، وعلى الثاني معصوم، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد ـ نبياً ـ وقد يقال: المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمٰن عليه السلام: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النمل: 19] ولعله أولى مما قبل.
ابن عاشور
تفسير : الفاء في قوله: {فنادته الملائكة} للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت. وقوله: {وهو قائم} جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته. ومقتضى قوله تعالى: {هنالك} والتفريع عليه بقوله: فنادته أنّ المحراب محراب مريم. وقرأ الجمهور: فنادته - بتاء تأنيث - لِكون الملائكة جمعاً، وإسناد الفعل للجمع يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة. ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكاً واحداً وهو جبريل وَقد ثبت التصريح بهذا في إنجيل لوقا، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد إلى قبيلته كقولهم: قتلت بَكرٌ كُلَيباً. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: فناداه الملائكة على اعتبار المنادي واحداً من الملائكة وهو جبريل. وقرأ الجمهور: أنّ الله بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي نادته الملائكة بأنّ الله يبشرك بيحيى. وقرأ ابن عامر وحمزة: إنّ - بكسر الهمزة - على الحكاية. وعلى كلتا القراءتين فتأكيد الكلام بإنّ المفتوحة الهمزةِ والمكسورتِها لتحقيق الخبر؛ لأنّه لغرابته يُنزّل المخبَر به منزلة المتردّد الطالب. ومعنى «يبشرك بيحيى» يبشرك بمولود يسمّى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل بقرينة دخول الباء عليه وذُكر في سورة مريم (7): {أية : إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى}تفسير : . ويحيى معرّب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة المضارع من حَيي وهو غير منصرف للعُجمة أو لوزن الفعل. وقتل يحيى في كهولته عليه السلام بأمر (هيرودس) قبل رفع المسيح بمدة قليلة. وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجَا زكرياء، فقيل له مصدّقاً بكلمةٍ من الله، فمصدّقاً حال من يحيى أي كاملَ التوفيق لا يتردّد في كلمة تأتي من عند الله. وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليَعلم أنّ حادثاً عظيماً سيقع يكون ابنه فيه مصدّقاً برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام. ووُصِفَ عيسى كلمةً من الله لأنّ خُلق بمجرد أمر التكوين الإلهي المعبر عنه بكلمة كُنْ أي كان تكوينه غير معتادو سيجيء عند قوله تعالى: { أية : إن اللَّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم}تفسير : [آل عمران: 45]. والكلمة على هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام. ولا شكّ أنّ تصديق الرسول، ومعرفة كونه صادقاً بدون تردّد، هدى عظيم من الله لدلالته على صدق التأمل السريع لمعرفة الحق، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين، وخديجة وأبو بكر في الآخرين، قال تعالى: {أية : والذي جاء بالصدق وصدّق به}تفسير : [الزمر: 33]، وقيل: الكلمة هنا التوراة، وأطلق عليها الكلمة لأنّ الكلمة تطلق على الكلام، وأنّ الكلمة هي التوراة. والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل. فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي: شعر : وإنّ سيادةَ الأقوام فاعلَمْ لها صُعَدَاءُ مطلبها طويل أترجو أن تَسُودَ ولن تُعَنّى وكيف يسودُ ذو الدعةَ البَخيل تفسير : وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه، وملاكه بذل الندى، وكفّ الأذى، واحتمال العظائم، وأصالة الرأي، وفصاحة اللسان. والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً وفي الحديث «حديث : أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر»تفسير : وفيه «إنّ ابني هذا سيّد» - يعني الحسنَ بن علي - فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين، وفي تفسير ابن عطية عن عبد الله بن عمر: أنه قال: «ما رأيتُ أحداً أسود من معاوية ابن أبي سفيان - فقيل له وأبو بكر وعمر - قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسودُ منهما» قال ابن عطية: «أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية، ولكن مع تتبع الجَادّة، وقلّةِ المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذوراً». ووصف الله يحيى بالسيّد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه، فنشأ محترماً من جميع قومه قال تعالى: {أية : وآياتيه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة}تفسير : [مريم: 12، 13]، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معاً: قاله قتادة، والضحاك، وابن عباس، وعكرمة. وقيل الحليم فقط: قاله ابن جبير. وقيل السيّد هنا الشريف: قاله جابر بن زيد، وقيل السيّد هنا العالم: قاله ابن المسيّب، وقتادة أيضاً. وعُطف سيّداً على مصدّقاً، وعطفُ حَصُوراً وما بعده عليه، يؤذن بأنّ المراد به غير العليم، ولا التقي، وغيرُ ذلك محتمل. والحصور فعول بمعنى مفعول مثل رسول أي حصور عن قربان النساء. وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إمّا أن يكون مدحاً له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرّمة، بأصل الخلقة، ولعلّ ذلك لمراعاة براءته ممّا يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشدّ البهتان والاختلاق، وإمّا ألاّ يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحاً له لأنّ من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النّساء فتعيّن أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاماً لزكرياء بأنّ الله وهبه ولداً إجابة لدعوته، إذ قال: {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني}تفسير : [مريم: 5، 6] وأنّه قد أتمّ مراده تعالى من انقطاع عقب زكرياء لحكمة علمها، وذلك إظهار لكرامة زكرياء عند الله تعالى. ووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيساً لزكرياء وتخفيفاً من وحشته لانقطاع نسله بعد يحيى. وقوله: {أنى يكون لي غلام} استفهام مراد منه التعجّب، قَصَد منه تعرُّف إمكان الولد، لأنّه لما سأل الولد فقد تهيّأ لحصول ذلك فلا يكون قوله أنّى يكون لي غلام إلاّ تطلباً لمعرفة كيفية ذلك على وجه يحقّق له البشارة، وليس من الشك في صدق الوعد، وهو كقول إبراهيم: {أية : ليطمئنّ قلبي}تفسير : [البقرة: 260]، فأجيب بأنّ الممكنات داخلة تحت قدرة الله تعالى وإنْ عز وقوعها في العادة. و(أنّى) فيه بمعنى كيف، أو بمعنى المكان، لتعذّر عمل المكانين اللذين هما سبب التناسل وهما الكِبَر والعَقْرَة. وهذا التعجّب يستلزم الشكر على هذه المنّة فهو كناية عن الشكر. وفيه تعريض بأن يكون الولد من زوجه العاقر دون أن يؤمر بتزوّج امرأة أخرى وهذه كرامة لامرأة زكرياء. وقوله: {وقد بلغني الكبر} جاء على طريق القلب، وأصله وقد بلغتُ الكبرَ، وفائدته إظهار تمكّن الكبر منه كأنَه يتطلبه حتى بلغه كقوله تعالى: {أية : أينما تكونوا يدرككم الموت}تفسير : [النساء: 78] والعاقر المرأة التي لا تلد عَقَرَت رحمَها أي قطعته. ولأنه وصف خاص بالأنثى لم يؤنّث كقولهم حائض ونافس ومُرضع، ولكنه يؤنث في غير صيغة الفاعل فمنه قولهم عَقْرى دُعاء على المرأة، وفي الحديث: «حديث : عَقْرَى حَلْقَى»تفسير : وكذلك نُفَساء. وقوله: {كذلك الله يفعل ما يشاء} أي كهذا الفعل العجيب وهو تقدير الحمل من شيخ هرِم لم يسبق له ولد وامرأةٍ عاقر كذلك، ولعلّ هذا التكوين حصل بكون زكرياء كان قبل هرمه ذا قوة زائدة لا تستقرّ بسببها النطفة في الرحم فلما هرم اعتدلت تلك القوة فصارت كالمتعارف، أو كان ذلك من أحوال في رحم امرأته ولذلك عبر عن هذا التكوين بجملة {يفعل ما يشاء} أي هو تكوين قدّره الله وأوجد أسبابه ومن أجل ذلك لم يقل هنا يخلق ما يشاء كما قاله في جانب تكوين عيسى. وقوله: {قال رب اجعل لي آية} أراد آية على وقت حصول ما بُشِّر به، وهل هو قريب أو بعيد، فالآية هي العلامة الدالة على ابتداء حمل زوجه. وعن السدي والربيع: آيةَ تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا. وعندي في هذا نظر، لأنّ الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري. وقوله: {آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} جعل الله حُبْسة لسانه عن الكلام آية على الوقت الذي تحمل فيه زوجته، لأنّ الله صرف ما لَه من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدمَاغ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة يقرب منها ما يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البَلاذر لقوة الفكر. أوْ أمرِه بالامتناع من الكلام مع الناس إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى التناسل، أي متى تمت ثلاثة الأيام كان ذلك أمارة ابتداء الحمل. قال الربيع جعل الله ذلك له عقوبة لتردّده في صحة ما أخبره به الملَك، وبذلك صرح في إنجيل لوقا، فيكون الجواب على هذا الوجه من قبيل أسلوب الحكيم لأنه سأل آيةً فأعطي غيرها. وقوله: {واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} أمر بالشكر. والذِّكر المراد به: الذِّكر بالقلب والصلاةِ إن كان قد سلب قوة النطق، أو الذكر اللساني إن كان قد نهي عنها فقط. والاستثناء في قوله إلاّ رمزاً استثناء منقطع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {قَائِمٌ} {ٱلصَّالِحِينَ} (39) - فَخَاطَبَتْهُ المَلاَئِكَةُ خِطَاباً سَمِعَهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِحْرَابِهِ، وَمَحلِّ خَلْوَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَقَالَتْ لَهُ إن اللهَ يُبَشِّرُكَ بِوَلدٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيَى، يَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُصَدِّقُ بِعِيسَى الذِي خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، إِذْ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ، وَيَكُونُ حَليماً وَسَيِّداً يَفُوقُ قَوْمَهُ في الشَّرَفِ وَالعِبَادَةِ وَالعِلْمِ، وَيَكُونُ حَصُوراً يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنِ اتِّبَاعِ شَهَواتِها، وَيَكُونُ مَعْصُوماً عَنِ الفَوَاحِشِ، وَسَيَكُونُ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ حِينَمَا يَبْلُغُ سِنَّ النُّبُوَّةِ. كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ - أيْ عِيسى بَنِ مَرْيَمَ الذِي خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ. السَّيِّدُ - الرَّئِيسُ يَسُودُ قَوْمَهُ. الحَصُورُ - الذِي يَحْصُرُ نَفْسَهُ وَيَمْنَعُهَا مِنْ إِتْيانِ النَّقَائِصِ. وَيَأتِي اللَّفْظُ، لُغَةً، بِمَعْنَى العَاجِزُ عَنْ إتْيانِ النِّسَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هل كل الملائكة اجتمعوا أو نادوا زكريا؟ لا، لأن جبريل عليه السلام الذي ناداه. ولماذا جاء القول الحق هنا بأن الملائكة هي التي نادته؟ لقد جاء هذا القول الحق لنفطن إلى شيء هو، أن الصوت في الحدث - كالإنسان - له جهة يأتي منها، أما الصوت القادم من الملأ الأعلى فلا يعرف الإنسان من أين يأتيه، إن الإنسان يسمعه وكأنه يأتي من كل الجهات، وكأن هناك ملكا في كل مكان. والعصر الحديث الذي نعيشه قد ارتقى في الصوتيات ووصل لدرجة أن الإنسان أصبح قادراً على جعل المؤثر الصوتي يحيط بالإنسان من جهات متعددة، إذن فقوله الحق: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} [آل عمران: 39] فهذا يعني أن الصوت قد جاء لزكريا من جميع الجهات. {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]. لقد نادته الملائكة في أورع لقاءاته مع ربه, أو هو حينما دعا أخذ ما علمه الله للأنبياء إذا حزبهم أمر قاموا إلى الصلاة. أليس طلبه من الله؟ إذن فليقف بين يدي الله. وليجربها كل واحد منا عندما يصعب عليك أي شيء، وتتأزم الأمور، وتمتنع الأسباب، فليقم ويتوضأ وضوءاً جديداً ويبدأه بالنية حتى ولو كان متوضئاً. وليقف بين يدي الله، وليقل - إنه أمر يارب عزّ عليّ في أسبابك، وليصل بخشوع، وأنا أجزم بأن الإنسان ما إن يسلم من هذه الصلاة إلاّ ويكون الفرج قد جاء. ألم نتلق عن رسول الله هذا السلوك البديع؟ إنه كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة؟ ومعنى حزبه أمر، أي أن أسبابه ضاقت، لذلك يذهب إلى الصلاة لخالق الأسباب، إنها ذهاب إلى المسبب. وبدلاً من أن تلف وتدور حول نفسك، اذهب إلى الله من أقصر الطرق وهو الصلاة، لماذا تتعب نفسك أيها العبد ولك رب حكيم؟ وقديماً قلنا: إن من له أب لا يحمل هما، والذي له رب أليس أولى بالإطمئنان؟ إن زكريا قد دعا الله في الأمر الذي حزبه، وبمجرد أن دعا في الأمر الذي حزبه، قام إلى الصلاة، فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي، إن الملائكة لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته، {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} [آل عمران: 39]. والبشارة هي إخبار بخير زمنه لم يأت، فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت فلنر من الذي يخبر بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من لا يقدر؟ فإذا كان الله هو الذي يبشر، فهو الذي يقدر، لذلك فالمبشر به قادم لا محالة، {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} [آل عمران: 39] لقد قال له الله: سأعطيك. وزيادة على العطاء سماه الله بـ "يحيـي" وفوق كل ذلك: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 39]. ولننظر إلى دقة الحق حين يقول: {بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً} [آل عمران: 39]. هذا دليل على أنه سيعيش بمنهج الله وما يعرفه من الطاعات سيسير في هذا الطريق وهو مصدق، وهو سيأتي بكلمة من الله، أو هو يأتي ليصدق بكلمة من الله، لأن سيدنا يحيى هو أول من آمن برسالة عيسى عليه السلام. وهو موصوف بالقول الحق: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39]. أي ممنوعاً عن كل ما حُرم عليه، أو ممنوعاً عن قمة الغرائز وهي الشهوة، وهو نبيّ، أي قدوة في اتباع الرسول الذي يجيء في عصره، لقد دعا زكريا، وقام ليصلي، وتلقى البشارة بيحيى، وهنا ارتجت الأمور على بشرية زكريا، ويصوره الحق بقوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [الآية: 39]. قال يعني: عيسى بن مريم {وَسَيِّداً وَحَصُوراً} قال: / 9ط / الذي لا يقرب النساءَ. {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} [الآية: 41] يقول: توميء إِيماءً. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم قال: نا ورقاءُ عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبير قال: "الحَصُورُ": الذي لا يأْتِي النساءَ [الآية: 39]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن عطاءٍ بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [الآية: 37] قال: وجد عندها عنباً في مِكتَلٍ في غير حينه فهنالك دعا ربه، أَي عند ذلك دعا ربه فقال: إِن الذي رزق مريم هذا في غير حينه، لقادر على أَن يرزقني ولداً من امرأَتي العاقر [الآية: 38]. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءٍ بن السائب في قوله: {إِلاَّ رَمْزاً} [الآية: 41]. قال: اعتقل لسانه من غير مرض. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ} [الآية: 41] يعني من ميل الشمس إِلى أَن تغيب.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سَيِّداً وَحَصُوراً} فالسَّيِّدُ: التّقِيُ. والسَّيِّدُ: الحَلِيمُ والحَصُورُ: الذي لاَ يولَدُ لَهُ. والحَصُورُ: العِنِّينُ. والحَصُورُ: الذَي لاَ يأْتِي النِّساءَ. والحَصُورُ: الذي لَيسَ لَهُ ماءٌ. والحَصُورُ: الذي يَكُونُ مَعَ النَّدامى وَلاَ يُخْرِجُ شَيئاً. والحَصُورُ: الذي لاَ يُخْرِجُ سِراً أَبَداً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 143 : 7 : 10 - حدثنا سفين عن جويبر عن الضحاك {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً} قال، حليماً تقياً. [الآية 39]. 144 : 8 : 11 - سفين عن عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير قال، الحصور الذي لا يأتي النساء.
همام الصنعاني
تفسير : 397- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ}: [الآية: 39]، قال: شافهته الملائكة بذلك. فقال: {رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}: [الآية: 41]، قال: إيماءً. وكانت عقوبة عوقِبَ بها، إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بما بَشَّرته به. 398- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}: [الآية: 39] قال: يعني بعيسى ابن مريم. 399- {وَسَيِّداً وَحَصُوراً}: [الآية: 39]، قال: الحَصور الذي لا يأتي النساء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):