٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
القرطبي
تفسير : قيل: الرب هنا جبريل، أي قال لجبريل: ربَّ ـ أي يا سيدي ـ أنَّي يكون لي غلام؟ يعني ولدا؛ وهذا قول الكلبي. وقا ل بعضهم: قوله «رب» يعني الله تعالى. «أنَّى» بمعنى كيف، وهو في موضع نصب على الظرف. وفي معنى هذا الاستفهام وجهان: أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وٱمرأته على حاليهما أو يُردّان إلى حال مَن يَلِد؟. الثاني سأل هل يُرزق الولد من ٱمرأته العاقر أو من غيرها. وقيل: المعنى بأي منزلة آستوجب هذا وأنا وٱمرأتي على هذه الحال؛ على وجه التواضع. ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بُشِّر فيه أربعون سنة، وكان يوم بشر ٱبن تسعين سنة وٱمرأته قريبة السّن منه. وقال ٱبن عباس والضحاك: كان يوم بشِّر ٱبن عشرين ومائة سنة وكانت ٱمرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ فذلك قوله {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} أي عَقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وٱمرأة عاقر بيّنة العقْر.وقد عَقُرت وعَقُر (بضم القاف فيهما) تعقُر عُقْرا صارت عاقرًا، مثل حسنت تحسن حسنا؛ عن أبي زيد. وعُقارة أيضاً. وأسماء الفاعلين من فُعل فعيلة، يقال: عظمت فهي عظيمة، وظرفت فهي ظريفة. وإنما قيل عاقر لأنّه يراد به ذات عُقْر على النسب، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأنّ بها عقرًا، أي كبرًا من السنّ يمنعها من الولد. والعاقر: العظيم من الرمل لا ينبت شيئاً. والعُقْر أيضا مهر المرأة إذا وطئت على شُبهة. وبيضة العُقْر: زعموا هي بيضة الديك؛ لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطّول. وعُقْر النار أيضاً. وسطحها ومعظمها. وعَقْر الحوض: مؤخّره حيث تقف الإبل إذا وردت؛ يقال: عُقْر وعُقُر مثل عُسْر وعُسُر، والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك. والكاف في قوله «كذلك» في موضع نصب، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك. والغلام مشتق من الغُلْمة وهو شدّة طلب النكاح. وٱغتلم الفحل غُلْمة هاج من شهوة الضِّراب. وقالت لَيْلى الأخْيَليّة: شعر : شفاها من الداء العُضال الذي بها غلامٌ إذا هَزَّ القناة سقاها تفسير : والغلام الطارّ الشارب. وهو بيّن الغُلُومة والغُلوميّة، والجمع الغِلمة والغلمان. ويقال: إن الغَيْلم الشابّ والجارية أيضاً. والغَيْلم: ذكر السُّلَحْفاة. والغيلم موضع. وٱغتلم البحر هاج وتلاطمت أمواجه.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} استبعاداً من حيث العادة، أو استعظاماً أو تعجيباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه. {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} أدركني كبر السن وأثر في. وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة. {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} لا تلد، من العقر وهو القطع لأنها ذات عقر من الأولاد. {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} أي يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يفعل ما يشاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة، ويفعل ما يشاء بيان له أو كذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، والله يفعل ما يشاء بيان له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ } كيف {يَكُونُ لِي غُلَٰمٌ } ولد {وَقَدْ بَلَغَنِيَ ٱلْكِبَرُ } أي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } بلغت ثمانيَ وتسعين سنة {قَالَ } الأمر {كَذٰلِكَ } من خلق الله غلاماً منكما {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } لا يعجزه عنه شيء، ولإظهاره هذه القدرة العظيمة أُلْهِمَ السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشَّر به.
ابن عطية
تفسير : اختلف المفسرون لم قال زكرياء {رب أنّى يكون لي غلام} فقال عكرمة والسدي: إنه نودي بهذه البشارة، جاء الشيطان يكدر عليه نعمة ربه فقال هل تدري من ناداك؟ قال: نادتني ملائكة ربي قال بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من عند ربك لأخفاه لك كما أخفيت نداءك قال: فخالطت قلبه وسوسة وشك مكانه، فقال: {أنّى يكون لي غلام} وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون؟ قال الفقيه أبو محمد: وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء عليه السلام وقال مكي: وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة. قال الفقيه أبو محمد: وهذا قول ضعيف المعنى، و {أنّى} معناها كيف ومن أين، وقوله {بلغني الكبر} استعارة كأن الزمان طريق والحوادث تتساوق فيه فإذا التقى حادثان فكأن كل واحد منهما قد بلغ صاحبه وحقيقة البلوغ في الأجرام أن ينتقل البالغ إلى المبلوغ إليه، وحسن في الآية: {بلغني الكبر} من حيث هي عبارة واهن منفعل وبلغت عبارة فاعل مستعل، فتأمله ولا يعترض على هذا بقوله: {أية : وقد بلغت من الكبر عتياً} تفسير : [مريم: 8] لأنه قد أفصح بضعف حاله في ذكر العتيّ، والعاقر الإنسان الذي لا يلد، يقال ذلك للمرأة والرجل، قال عامر بن الطفيل: شعر : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً جباناً فما عذري لدى كل مشهد؟ تفسير : و"عاقر" بناء فاعل وهو على النسب وليس بجار على الفعل، والإشارة بذلك في قوله: {كذلك الله}، يحتمل أن تكون إلى هذه الغريبة التي بشر بها أي كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله، ففي الكلام حذف مضاف، والكلام تام في قوله: {كذلك الله} وقوله: {يفعل ما يشاء} شرح الإبهام الذي في ذلك، ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكرياء وحال امرأته كأنه قال: ربِّ على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا؟ فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام على هذا التأويل في قوله: {كذلك} وقوله: {والله يفعل ما يشاء} جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ}، لأنه بمنزلة الطالب له. {عَاقِرٌ} لا تلد، وإنما قال ذلك بعد البشارة تعجباً من قدرة الله ـ تعالى ـ وتعظيماً لأمره، أو أراد [أن] يعلم على أي حال يكون؟ بأن يردا إلى شبابهما، أو على حال الكبر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قال} يعني زكريا {رب} أي يا رب قيل خطاب مع جبريل لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوهم الملائكة فعلى هذا القول يكون الرب هنا بمعنى السيد والمربي أي يا سيدي، وقيل: إنه خطاب مع الله تعالى فيكون الرب بمعنى المالك، وذلك أن الملائكة لما بشروه بالولد تعجب ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى فقال رب {أنى يكون لي غلام} يعني من أين يكون وكيف يكون لي غلام {وقد بلغني الكبر} قيل: هو من المقلوب ومعناه وقد بلغت الكبر وشخت. وقيل: معناه وقد نالني الكبر وأدركني الضعف. فإن قلت كيف أنكر زكريا الولد مع تبشير الملائكة إياه به وما معنى هذه المراجعة، ولم تعجب من ذلك بعد ذلك وعد الله إياه به أكان شاكاً في وعد الله أو قدرته؟ قلت: لم يشك زكريا عليه السلام في وعد الله وقدرته إنما قال ذلك على سبيل الاستفهام والاستعلام والمعنى من أي جهه يكون لي الولد أيكون بإزالة العقر عن زوجتي ورد شبابي علي؟ أو يكون ونحن على حالنا من الكبر والضعف؟ فأجابه بقوله {كذلك الله يفعل ما يشاء} وقال عكرمة والسدي: لما سمع زكريا نداء الملائكة جاءه الشيطان وقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله تعالى، وإنما هو من الشيطان، ولو كان من الله تعالى لأوحاه إليك كما يوحي إليك من سائر الأمور: فقال ذلك زكريا دفعاً للوسوسة واعترض على الجواب بأنه لا يجوز أن يشتبه على الأنبياء كلام الملائكة بكلام الشيطان، إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق بأخبارهم عن الوحي السماوي، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لما دلت الدلائل على صدق الأنبياء فيم يخبرون به عن الله تعالى بواسطة الملك، فلا مدخل للشيطان فيه وذلك فيما يتعلق بالدين والشرائع، فأما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فقد يحتمل فيه حصول الوسوسة فسأل زكريا ذلك لنزول هذه الوسوسة من خاطره. قال الكلبي: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنين وتسعين سنة. وقيل: ابن تسع وتسعين سنة وقال ابن عباس في رواية الضحاك: كان ابن مائة وعشرين سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة. فذلك قوله تعالى: {وامرأتي عاقر} أي عقيم لا تلد {قال كذلك الله يفعل ما يشاء} يعني أنه تعالى قادر على هبة الولد على الكبر يفعل ما يشاء لا يعجزه شيء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما سمع زكريا النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله أوحى إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر. فشك مكانه وقال {أَنى يكون لي غلام}. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه قال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم. ناداني ملائكة ربي قال: بل ذلك الشيطان لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال {رب اجعل لي آية}. أما قوله تعالى: {وامرأتي عاقر}. أخرج ابن جرير وابن حاتم أبي عن شعيب الجبائي قال اسم أم يحيى أشيع. قوله تعالى: {قال كذلك يفعل الله ما يشاء}. أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {كذلك} يعني هكذا. وفي قوله {ربي اجعل لي آية} قال: قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {رب اجعل لي آية} قال بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام} قال: إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: اعتقل لسانه من غير مرض. وأخرج عن السدي قال: اعتقل لسانه ثلاثة أيام، وثلاث ليال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن نفير قال: ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام، ثم أطلقه الله بعد ثلاث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلاَّ رمزاً} قال:" الرمز" بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {إلاَّ رمزاً} قال: إيماؤه بشفتيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {إلاَّ رمزاً} قال: الاشارة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: "الرمز" أن يشير بيده أو رأسه ولا يتلكم. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الرمز أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده. وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {إلاَّ رمزاً} قال: الاشارة باليد، والوحي بالرأس قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : ما في السماء من الرحمن مرتمز إلا إليه وما في الأرض من وزر تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً} ولو رخص في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله قال الله {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً}تفسير : [الأنفال: 45]. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وسبِّح بالعشي والإِبكار} قال {العشي} ميل الشمس إلى أن تغيب {والإبكار} أول الفجر.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئناف مبني عن السؤال كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ؟ فقيل قال: {رَبّ} لم يخاطِب الملَكَ المناديَ له بملابسة أنه المباشرُ للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى نهجُ دعائه السابق مبالغةً في التضرع والمناجاة وجِدّاً في التبتل إليه تعالى واحترازاً عما عسى يوهم خطابُ الملَكِ من توهّم أن علمه سبحانه بما يصدُر عنه يتوقف على توسّطه كما يتوقف وقوفُ البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسّطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} فيه دَلالةٌ على أنه قد أخبر بكونه غلاماً عند التبشير كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } تفسير : [مريم، الآية 7] وأنىٰ بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجارِّ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدم والتشويقِ إلى ما أُخر، أي كيف أو من أين يحدُث لي غلام ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حالاً من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له، أو ناقصة واسمُها ظاهرٌ وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى منصوب على الظرفية {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} حال من ياء المتكلم أي أدركني كِبَرُ السِّنِّ وأثّر فيَّ، كقولهم: أدركته السنُّ وأخذته السن، وفيه دلالةٌ على أن كبرَ السن من حيث كونُه من طلائع الموت طالبٌ للإنسان لا يكاد يتركه، قيل: كان له تسعٌ وتسعون سنة، وقيل: اثنتان وتسعون، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: ستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبعون، وقيل: خمس وسبعون، وقيل: خمس وثمانون ولامرأته ثمانٍ وتسعون {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ} أي ذاتُ عُقر وهو أيضاً حال من الياء في لي عند من يجوز تعدد الحال أو من ياء {بَلَغَنِي} أي كيف يكون لي ذلك والحال أني وامرأتي على حالة منافية له كلَّ المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لا سيما بعد مشاهدته عليه الصلاة والسلام للشواهد السالفة استعظاماً لقدرة الله سبحانه وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته عز وجل عليه في ذلك لا استبعاداً له وقيل: بل كان ذلك للاستبعاد حيث كان بـين الدعاء والبشارة ستون سنةً وكان قد نسِيَ دعاءَه وهو بعيد، وقيل: كان ذلك استفهاماً عن كيفية حدوثه {قَالَ} استئناف كما سلف {كَذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر {يَفْعَلُ} في قوله عز وجل: {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} أي ما يشاء أن يفعلَه من عجيب الأفاعيل الخارقةِ للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعتٌ لمصدر محذوف أي الله يفعل ما يشاء أن يفعله فعلاً مثلَ ذلك الفعل العجيبِ والصنعِ البديعِ الذي هو خلقُ الولد من شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقر، فقُدِّم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه، واعتبرت الكافُ مقحمةً لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة، الآية 143] أو على أنها حال من ضمير المصدرِ المقدر معرِفةٌ أي يفعل ما يشاء بـيانٌ لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبرٌ لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [آل عمران، الآية 40] بـيانٌ له.
القشيري
تفسير : قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنَّى يكون لي غلام؟ ويحتمل أنه قال: بأي استحقاقٍ مني تكون له هذه الإجابة لولا فضلك؟ ويحتمل أنه قال أنَّى يكون هذا: أَعَلَى وَجهِ التبني أم على وجه التناسل؟ ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت في السن أو من جهة التَّسرِّي بمملوكة؟ أمْ مِنْ هذه؟ فقيل له: لا بَلْ مِنْ هذه؛ فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معاً، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} عند نداء الملائكة إياه وبشارتهم له بالولد بالاستفهام متعجبا من حيث العادة ومسرورا بالولد {رب أنى يكون لى} اى كيف يحصل لى {غلام} وفيه دلالة على انه خبر بكونهِ غلاما عند التبشير {وقد بلغنى الكبر} اى ادركنى كبر السن واثر فىّ. وفيه دلالة على ان كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للانسان لا يكاد يتركه قيل كان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون {وامرأتى عاقر} اى ذات عقر وعقيم لا تلد {قال} اى الله {كذلك} اشارة الى مصدر يفعل فى قوله تعالى {الله يفعل ما يشاء} اى ما يشاء ان يفعله من تعاجيب الافاعيل الخارقة للعادات. فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف فى محل النصب على انها فى الاصل نعت لمصدر محذوف اى الله يفعل ما يشاء ان يفعله فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذى هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر.
الطوسي
تفسير : المعنى: إن قيل لم راجع هذه المراجعة مع ما بشره الله تعالى بأنه يهب له ذرية طيبة، وبعد أن سأل ذلك؟ قيل: إنما راجع ليعرف على أي حال يكون ذلك أيرده إلى حال الشباب وامرأته، أم مع الكبر، فقال الله (تعالى) {كذلك الله يفعل ما يشاء} أي على هذه الحال، وتقديره كذلك الأمرالذي أنت عليه {يفعل الله ما يشاء} هذا قاله الحسن. وقيل في وجه آخر، وهو أنه قال على وجه الاستعظام لمقدور الله والتعجب الذي يحدث للانسان عند ظهور آية عظيمة من آيات الله، كما يقول القائل: كيف سمحت نفسك باخراج الملك النفيس من يدك تعجباً من جوده، واعترافاً بعظمه. وقال بعضهم: إن ذلك إنما كان للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان حتى خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة. وهذا لا يجوز، لأن النداء كان على وجه الاعجاز على عادة الملك فيما يأتي به من الوحي عن الله، والانبياء (ع) لا يجوز عليهم تلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الافهام، فلا يعرفوا نداء ملك من نداء شيطان أو انسان. اللغة: والغلام: هو الشباب من الناس. يقال: غلام بين الغلومية والغلومة والغلمة. والاغتلام: شدة طلب النكاح. والغيلم منع الماء من الآبار، لأنه طلب الظهور. وغلم الاديم جعله في غلمة ليتفسخ عنه صوفه، لأنه طلب لتقطعه. وقوله: {وقد بلغني الكبر} والمراد بلغت الكبر، لأن الكبر بمنزلة الطالب له، فهو يأتيه بحدوثه فيه. والانسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، كما يقول القائل: يقطعني الثوب وإنما هو يقطع الثوب. ولا يجوز أن يقول بلغني البلد بمعنى بلغت البلد، لأن البلد لا يأتيه أصلا. وقوله: {وامرأتي عاقر} فالعاقر من النساء التي لا تلد. يقال: امرأة عاقر، ورجل عاقر. وقال عامر بن الطفيل: شعر : لبئس الفتى ان كنت أعور عاقرا جباناً فما عذري لدى كل محضر تفسير : وذلك لأنه كالذي حدث به عقر يقعده عما يحاول من الامر. وعقر كل شيء أصله. وعقر العاقر المصدر. والعقر: دية فرج المرأة: إذا غصبت نفسها وبيضة العقر آخر بيضة. والعقر: الجرح. والعقر: محلة القوم. والعاقر معروف. والعقار الخمر. والمعاقرة إدمان شربها مع أهلها. وأصل الباب: العقرالذي هو أصل كل شيء، فعقر العاقر لانقطاع أصل النسل.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} قد مضى مكرّراً انّ امثال هذا جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما قال بعد البشارة من الله بالولد؟ - قال {قال رَبِّ أَنَّىٰ} كيف {يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ} والكبير لا يصلح نطفته لانعقاد الولد كان الظّاهر ان يقول وقد بلغت الكبر لكنّه نسب البلوغ الى الكبر للاشعار بانّ الهرم كالطّالب الاتى الى الانسان {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} ما كان يصلح رحمها لانعقاد الولد قبل الكبر فكيف بعد الكبر وهذا تعجّب واستبعاد منه للولد بحسب الاسباب الطبيعيّة ولذلك اتى بعده بانقطاع الاسباب الطبيعيّة وتبجّج منه بافضال الله واكرامه مع عدم الاسباب لا انّه انكار منه لفعل الله بدون الاسباب حتّى يكون مخالفاً لمقام الانبياء (ع) قيل كان زكريّا يوم بشّر بالولد ابن عشرين ومائة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة {قَالَ} الله او الملك المنادى {كَذَلِكَ} خبر مبتدأ محذوف اى الامر كما بشّرت به او متعلّق بيفعل يعنى مثل اعطاء الولد من غير وجود الاسباب الطبيعيّة {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} كانت اسبابه موجودة او لم تكن، وقيل: كان استفهامه على سبيل التعرّف ايعطيهما الولد على حال الشّيخوخة ام يجعلهما شابّين ثمّ يعطيهما، وقيل: يحتمل ان يكون اشتبه الامر عليه ايعطيه من امرأته العجوز العاقر ام من امرأة أخرى شابّة صالحة للولد، وقيل: انّما سأل ذلك ليعرف انّ البشارة كانت حقّة وكانت من الملك ام كانت من الشّيطان ولذلك {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وقد بلغني الكِبَر} وقد كان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثماني وتسعون سنة {قال آيتك أن لا تكلم} لا تقدر على كلام {الناس ثلاثة أيام} وإنما خص كلام الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصَّةً مع إبقاء قدرته على الثناء بالذكر لله تعالى {إلا رمزاً} يعني إلا إشارة بيدك أو غيرها {وسبِّح بالعشي} من حين تزول الشمس إلى حين تغيب {والإِبكار} من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. قال في تفسير الهادي: يحيى بن الحسين (عليه السلام) وسألت عن يحيى (عليه السلام) والخبر الذي بلغ عنه هو أن اليهود لعنهم الله تعالى لما أن طلبوه دخل الشجرة فلحقوه فنشروه بالمنشار وأما الذي نوثق به ونصححه فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا وصل إلى الأكانع يدعوهم إلى الله تعالى كان فيهم ملك جبار عنيد، فلما كان ذات يوم وهو يدعو الخلق إلى الله تعالى ويحضهم على طاعته ويقيم عليهم حجج ربه، إذ جاءت إليه امرأة على فرس ذات جمال وهيئة، قاصدة إلى الملك فقيل ليحيى (عليه السلام): إن هذه المرأة يفسق بها هذا الظالم وهي تختلف إليه كذلك فوثب إليها (عليه السلام) ورماها بالحصى وقال: يا عدوة الله تجاهرين بمعصية الله ووعظها مع كلام طرحه (عليه السلام) لها، فلما دخلت على الملك دخلت غضبانة فسألها عن خبرها فأخبرته بما فعل يحيى بن زكريا (عليه السلام) وامتنعت من الوقوف عنده والانبساط إليه حتى يقتل لها يحيى (عليه السلام)، فأرسل الطغاة له فنشروه بالمنشار طلباً لرضى الفاجرة لما كان من فعله بها، فلم يمنع الطغاة عنه أحد من أهل ذلك الدهر منه، ولم ينكر فعله عليه، فأقام دمُّه يعلو على الأرض جهراً، فلما أن قال بخت نصر وظهر على البلد قال: ما بال هذا الدم يعلوُ؟ فقيل له: إنه على ما تعاين دهراً وحيناً طويلاً وأعلموه بالسبب، فقال: إن لهذا الدم لأمراً وشأناً فلأقتلن جميع أهل البلد فأقبل يقتلهم على الدم والدم يطفح على دمائهم ويعلو حتى قتل مائة ألف إلا واحداً والدم يعلو على حاله يعلُو على الدماء، فقال: اطلبوا فقيل له: لم يبق من القوم أحد، فأمر بالطلب فلم يزالوا يطلبوا حتى وجدوا رجلاً متحيزاً في غارٍ فضربوا عنقه على الدم، فلما أن قتل سكن الدم عند كمال مائة ألف، هذا ما كان من خبره (عليه السلام) رواه في تفسير الهادي (عليه السلام). {اصطفاك} أولاً حين تقبلك من أمك وربك {وطهرك} مما قذفك به اليهود {واصطفاك} آخراً {على نساء العالمين} بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من نساء العالمين، قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي} أمرت بذلك لكونها من هيئة الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: {واركعي مع الراكعين} يعني ولتكن صلاتك مع المصلّين في الجماعات ويحتمل أن يكون في زمانها من لا يركع فأمرت بالركوع مع الراكعين، ذلك إشارة إلى ما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى {أقلامهم} أي أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين، وقيل: هي الأقلام التي كتبوا بها التوراة اختاروها للقرعة تبركاً بها، قوله تعالى: {يختصمون} في شأنها تنافساً في التكفيل بها.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ}: أى يا رب. {أَنَّى يَكُونُ لِى غُلاَمٌ}؟: استفهام تعجب، أو استفهام استعظام أو استفهام استبعاد بحسب العادة، لأن ولادة الشيخ من الشيخة العاقرة خفى السبب مما يتعجب منه، ويستعظم ويستبعد عادة. {أية : والله عَلَى كُلّ شَىءٍ قَدير}تفسير : ويجوز أن يكون استفهاماً حقيقيا، سأل الله أن يفهمه سبب الولادة و كيفيها، مع أنه وزوجته شيخان وهى عاقر ولا خبر للكون، أى كيف؟ أو من أين يحدث لى غلام؟ وإن جعلت لهُ خبراً فهو لى، ويتعلق {أنى} بيكون، وذكر وجه التعجب أو الاستعظام أو الاستبعاد أو حقيقة الاستفهام بقوله: {وَقَدْ بَلَغَنِى الْكِبَرُ}: أدركنى كبر السن وأثر فى، وكان عمره حينئذ تسعاً وتسعين سنة، وعمر زوجته ثمانية وتسعين. وقال الكلبى: كان عمره اثنين وتسعين سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة. {وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ}: لا تلد، وأصل عاقر فى هذا المعنى، وصف للنسب، أى: ذات قطع، لأنها قطعت عن الولادة، وتغلبت عليه الاسمية، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، أى معقورة، أى مقطوعة عنها، ولا يشك زكريا فى وعد الله سبحانهُ وتعالى، ولكن أراد استعظام قدرة الله تعالى، وتردّ: هل يكون الولد بأن يرده الله وزوجته شابين، أو يبقيهما شيخين، أو يرزقهُ الله الولد من غيرهما من النساء؟ قال الحسن: أراد أن يعلم كيف يهب لهُ الولد وهو كبير وامرأتهُ عاقر: كقول إبراهيم: {أية : رب أرنى كيف تحيى الموتى}تفسير : وجملة {وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ}: حال من ياء {بلغنى}، وجملة {قَدْ بَلَغَنِى الْكِبَر}، حال من ياء {لى}. ويجوز أن تكون جملة {قَدْ بَلَغَنِى الْكِبَر} وجملة {امْرَأَتِي عَاقِرٌ}: حالين من باء {لى}، والواو فيهما للحال، كذا أفهم كلام بعض، والذى عندى أن الحال الجملى لا يتعدد، ويغنى عن تعدّده إبقاء الواو على أصلها الذى هو العطف، فيحصل معنى تعدد الحال بالعطف، لأن المعطوف على الحال فى معنى الحال، والاسمية قد تعطف على الفعلية، ولا سيما أن الفعلية هنا مقرونة بـ {قد}. {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}: أى قال الله ومقتضى الظاهر، قلت كذلك أفعل ما أشاء، ولكن ذكر لفظ الجلالة الجامع لصفات الكمال، ومنها القدرة على توليد عاقر شيخة، من شيخ فان، وزعم بعضهم أن "رب" فى قوله: {قال رب أنى يكون لى غلام} هو جبريل، وهو الذى بشره بالولد لجواز استعمال رب، لغير الله إذا أضيف، فيكون على هذا قوله: {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآء} على مقتضى الظاهر، أى: قال جبريل: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} وكأنه قال: يا سيدى، أو يأمرنى بالوحى من الله أنى يكون لى غلام. وعن عكرمة والسدى: لما سمع زكريا قول الملائكة {أية : إن الله يبشرك بيحيى} تفسير : قال له الشيطان إن هذا الصوت من شيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك إيحاءً، كما يوحى إليك. فقال زكريا: دفعاً لهذه الوسوسة {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلاَم}، واعترض بأنه لو يشتبه على نبى كلام الشيطان بكلام الملك، لزال الوثوق بالوحى، وأجيب بأنه لا يشتبه فى أمرع الشرع ولا مانع من اشتباهه فى غيره من مصالح الدنيا، والواضح تنزيه ساحة الأنبياء من الاشتباه مطلقاً، كما وعدك بالولد، وأنت وهى شيخان، وهى عاقر، ففى قوله {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} دلالة على أنهُ يرزقه الولد منها لا من امرأة شابة غيرها، وأنه يبقيهما على شيخوختهما، لأن هذا أبلغ فى القدرة. و{الله}: مبتدأ، و{يفعل}: خبر، و{كَذَلِك}: متعلق بـ {يفعل} أو مفعول مطلق، أى: يفعل فعلا ثابتاً كذلك، أو يفعل فعلا مثل ذلك. أو {الله}: مبتدأ، و {كَذَلِك}: خبره، و{يَفْعَلُ مَا يَشَاء}: إيضاح المعنى اسم الإشارة أى الله على ذلك الوصف من فعل كل ما يشاء، أى صفته ذلك أو {كَذَلِك}: خبر لمحذوف، أى الأمر كذلك، أى: كما أخبرتك. و{اللَّهُ يَفْعَل}: مبتدأ وخبر، والجملة إيضاح لقوله الأمر كذلك، تم لشدة رغبته عليه السلام فى الولد للولد، واشتياق إليه، قال: ما حكى الله تعالى عنه بقوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِّي}.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ} لم يخاطب الملك المبشر له إعظاما لله عز وجل بإلغاء الوسائط {أَنَّى} كيف أو من أين {يَكُون لِى غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِى الْكِبَرُ} تسع وتسعون سنة، أو اثنتان وتسعون سنة، أو خمس وثمانون، أو خمس وسبعون، أو سبعون أو ستون، وعن ابن عباس رضى الله عنهما مائة وعشرون {وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ} وكبيرة السن، ثمان وتسعون، وأصل العقر القطع فاعل للنسب كلإبن، وذلك استبعاد بالنسبة إلى العادة مع إيمانه بقدرة الله على ذلك، واستعظام وتعجب أو استفهام حقيقى، يا رب أتردنى وإياها إلى الشباب وتزيل عقمها أم تبقينا على حالنا، وتزيل عقمهما، أم ترزقنى الولد من إمرأة شابة، وقيل، استفهم الولد بالتبنى أم من الصلب، وفيه، أنه سأل من الصلب، فلعله ذهل لعظم الأمر، وهذا كله يتصور مع دعائه الله فى الولد لا منافيه لما مر، وأما ما قيل، إنه دعا فيه قبل بشارته بأربعين عاما أو ستين، فقال: أنى يكون لى الخ فبعيد جدا ولا سيما مع ظاهر التعقيب فى قوله عز وجل: فنادته الخ وأجابه الله عز وجل بأنه يبقيهما على حالهما من الشيخوخة ويولدهما كما هو المراد فى قوله تعالى {قَالَ} جبريل، أو الله، وهو أنسب بقوله، قال: رب أنى يكون لى غلام، بل يتعين {كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآء} أى الأمر كذلك، أى يخلق الله منكما غلاماً وأنت شيخ فان، وزوجك عجوز عاقر، واحتج على ذلك بقوله الله يفعل ما يشاء، لا يعجزه شىء، أو يخلقه منكما وأنتما كذلك بحالكما، أو شأن الله كذلك، فبينه بقوله: يفعل ما يشاء، أو يفعل ما يشاء مثل ذلك، قيل: كان بين البشارة وولادة يحيى زمان مديد، لأن سؤال الولد والبشارة فى صغر مريم، ووضعه بعد بلوغها ثلاث عشرة سنة، هى زمان حملها بعيسى، وقيل: حملت عيسى بنت عشر سنين، ولما تاقت نفسه للولد المبشر به قال ما ذكر عنه فى قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى ءَايَةً} علامة على حملة لأزيد شكراً، وأفرح، فقوله: أنى يكون لى الخ بمعنى أتلد مع بقاء شيخوختنا، أم بالرد إلى الشاب، وأيضاً من استبعد الشىء يدهش بحصوله، وبقول: من أين وكيف هو، وأيضاً بشر بيحيى ولم يعلم أمن صلبه أو بالتبنى، وايضاً من يرغب فى شىء يلتذ بتكرير الإجابة إليه، أو نسى الإجابة لطول مدتها على ما مر، أو قال له الشيطان عند سماع البشارة، إن هذا الصوت من الشيطان، ومراده أن يريه آية فلا يكون من الشيطان، فلهذه الأوجه ساغ أن يقول، أنى يكون الخ، والوحى لا يلتبس بكلام الشيطان ولو فى مصالح الدنيا والولد {قَالَ ءَايتُكَ} الآية التى تطلب على حملة {أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ} لا تقدر أن تكلمهم، قهرا من الله، ولو أردت تكليمهم، وهو أنسب، لكون آية وأوفق لما فى مريم، كما روى ابن جرير وابن ابى حاتم أنه ربا لسانه حتى ملأفاه، واحترز بالناس عند ذكر الله، فإنه ينطق لسانه به، يبعد أن عدم التكلم كناية عن الصوم، وكانوا إذا صاموا لم يتكلموا، ويبعد أن خرس لسانه عقوبة، إذ طلب الآية بعد تبشير الملائكة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وهو مردود {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} بلياليها، كما قال ثلاث ليال سويا؛ ينطلق فيهن لسانك بالذكر والشكر مقتصرا عليهما قضاء لحق نعمة رزق الحمل، وأحسن الجواب ما أخذ منه وجهه كما هنا، فإنه لما طلب الآية للشكر قيل له، آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأيضا لما سأل آية لأجل الشكر أجيب بأنه لا يقدر إلا على الشكر، فلا يقدر على كلام الدنيا، وليس فى قوله تعالى، {رب اجعل لى آية} ما يشعر بأن طلبها للشكر، بل يشعر به المقام، لأنه لما أزيل الاستبعاد ولم يبق لطلب الآية إلا القيام بالشكر {إلاّ رَمْزاً} إشارة بيد أو اجب أو عين أو رأس أو تحريك الشفتين، أو كتابة على الأرض، أو إشارة بالمسبحة، أو صوت خفى، ويقال، الإشارة باليد والوحى بالرأس، والصحيح أن تسمية ذلك كلاما مجاز، وإن أريد بتكليم الناس عموم الإفصاح عما فى القلب، ولو بلا لفظ كان استثناء متصلا، ولا يلزم أن يرجع كل منقطع إلى متصل بالتأويل، فلا يبقى منقطع، فانظر، كم تجد من منقطع لا يقبل التأويل بالاتصال البتة، وكم من منقطع لا يقبله إلا بتكلف، بخلاف ما هنا فإنه صحيح بلا تكلف {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} فى هذه الأيام الثلاثة التى أحبس فها لسانك إلا عن الذكر شكرا لهذه النعمة، أو مطلقا، وقيل أيام الحمل لتعود بركة الذكر على الجنين، وفى الآية عطف الإنشاء الفعلى على الإخبار الإسمى، ووجه ذلك أن الجملة الأولى بمنزلة الفعلية الأمرية، أى اسكت وأنت قادر على الكلام، واذكر ربك، لكن هذه على أن السكون على اختيار، أو يقدر، ارتقب ذلك، واذكر أو اشكر واذكر، وكثيرا مفعول مطلق أى ذكرا كثيرا، لا ظرف، أى زمانا كثيرا، لأنه قد ذكر أن الزمان ثلاىثة أيام، ومعلوم أن الذكر فيها لا فى زمان كثير، ولا كثرة ذكر إلا باعتبار اذكر ربك فى أكثر ساعات الأيام الثلاثة {وَسَبِّحْ} صل كثيرا ما لم تحرم الصلاة بقرب الغروب {بِالعَشِىِّ} مفرد، وقيل، المفرد عشية {وَالأبْكَارِ} كثيراً، أو استمر عليها وحين تجوز الصلاة، ما لم تحرم بقرب الزوال، مصدر أبكر، نائب عن الزمان، كأنه قيل وقت الإبكار، كأنه قيل، صل إبكارا، بكسر الهمزة، كجئت طلوع الشمس، وقرىء بقتح الهمزة جمع بكر بفتح الباء والكاف، كسحر وأسحار، أو جمع بكرة، بضم وإسكان شذوذا، وإن أريد بالتسبيح مطلق التسبيح ولو بلا صلاة فهو يسبح ولو قرب الزوال والغروب، فيكون المراد بالعشى والإبكار عموم الأوقات قدر الطاقة، ولو كان العشى من الزوال، أو من العصر، أو من المغرب، أو صار ذهاب صدر الليل، والبكرة أو النهار.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ؟ فقيل: {قَالَ رَبّ } الخ، وخاطب عليه السلام ربه سبحانه ولم يخاطب الملك المنادي طرحاً للوسائط مبالغة في التضرع وجداً في التبتل، و {أَنىَّ } بمعنى كيف، أو من أين، وكان يجوز أن تكون تامة وفاعلها {غُلاَمٌ } و {أَنىَّ } واللام متعلقان بها، ويجوز أن تكون ناقصة، و {لِى } متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة، وفي الخبر حينئذ وجهان: أحدهما: {أَنىَّ } لأنها بمعنى كيف، أو من أين والثاني: أن الخبر الجار، و {أَنىَّ } منصوب على الظرفية، وفي التنصيص على ذكر الغلام دلالة على أنه قد أخبر به عند التبشير كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ }تفسير : [مريم: 7]. {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } حال من ياء المتكلم أي أدركني الكبر وأثر/ فيَّ، وأسند البلوغ إلى الكبر توسعاً في الكلام كأن الكبر طالب له وهو المطلوب. روي عن ابن عباس أنه كان له عليه السلام ـ حين بشر بالولد ـ مائة وعشرون سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، وقيل: كان له من العمر تسع وتسعون سنة، وقيل: اثنتان وتسعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل: خمس وسبعون، وقيل سبعون، وقيل: ستون. {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } جملة حالية أيضاً إما من ياء {لِى } أو ياء {بَلَغَنِي } و ـ العاقر ـ العقيم التي لا تلد من العقر ـ وهو القطع لأنها ذات عقر من الأولاد، وصيغة فاعل فيه للنسب وهو في المعنى مفعول أي معقورة، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث ـ قاله أبو البقاء ـ وكانت الجملة الأولى فعلية لأن الكبر يتجدد شيئاً فشيئاً ولم يكن وصفاً لازماً (وكانت) الثانية اسمية لأن كونها عاقراً وصف لازم لها وليس أمراً طارئاً عليها، وإنما قال ذلك عليه السلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لاسيما بعد مشاهدته عليه السلام الشواهد السالفة استفساراً عن كيفية حصول الولد أيعطاه على ما هو عليه من الشيب ونكاح امرأة عاقر أم يتغير الحال ـ قاله الحسن ـ وقيل: اشتبه عليه الأمر أيعطي الولد من امرأته العجوز أم من امرأة أخرى شابة فقال ما قال، وقيل: قال ذلك على سبيل الاستعظام لقدرة الله تعالى والتعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية عظيمة كمن يقول لغيره: كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك الملك النفيس من يدك؟! تعجباً من جوده، وقيل: إن الملائكة لما بشرته بيحيـى لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة التبني؛ أو من صلبه فذكر ذلك الكلام ليزول هذا الاحتمال، وقيل: إن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء وطلبه من السيد ووعده السيد باعطائه ربما تكلم بما يستدعي إعادة الجواب ليلتذ بالإعادة وتسكن نفسه بسماع تلك الإجابة مرة أخرى فيحتمل أن يكون كلام زكريا عليه السلام هذا من هذا الباب، وقيل: قال ذلك استبعاداً من حيث العادة لأنه لما دعا كان شاباً ولما أجيب كان شيخاً بناءاً على ما قيل: إن بين الدعاء والإجابة أربعين سنة أو ستين سنة ـ كما حكي عن سفيان بن عيينة ـ وكان قد نسي دعاءه ولا يخفى ما في أكثر هذه الأقوال من البعد، وأبعد منها ما نقل عن السدي ـ أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال: إن هذا الصوت من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه الأمر عليه فقال: رب أنى يكون لي ولد ـ وكان مقصوده من ذلك أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي لا من الشيطان، ومثله ما روى ابن جرير عن عكرمة أنه قال: «أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم ناداني ملائكة ربـي قال: بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال: رب أنى يكون لي ـ الخ، واعترضه القاضي وغيره بأنه لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم السلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع، وأجيب بأنه يمكن أن يقال: إنه لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين فلا جرم يحصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملك ولا يدخل الشيطان فيه، وأما فيما يتعلق بمصالح الدنيا ـ والولد أشبه شيء بها ـ فربما لم يتأكد ذلك بالمعجز، فلا جرم بقي احتمال كون ذلك الكلام من الشيطان ولهذا رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال، وأنت تعلم أن الاعتراض ـ ذكر ـ والجواب ـ أنثى ـ ولعل هذا المبحث يأتيك إن شاء الله تعالى مستوفى عند تفسير قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ}تفسير : [الحج: 52] الآية. وبالجملة القول باشتباه الأمر على زكريا عليه السلام في غاية البعد لا سيما وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر/ عن قتادة أنه قال: إن الملائكة شافهته عليه السلام بذلك مشافهة فبشرته بيحيـى. {قَالَ } أي الرب، والجملة استئناف على طرز ما مر {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أي يفعل الله ما يشاء أن يفعله من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة فعلاً مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد مع الحالة التي يستبعد معها الخلق بحسب العادة، فالكاف في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف، والإشارة لذلك المصدر، وقدم الجار لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت الكاف مقحمة لتأكيد الفخامة المشعر بها اسم الإشارة على ما أشير إليه من قبل في نظيره، ويحتمل الكلام أوجهاً أخر. الأول: أن يكون الكاف في موضع الحال من ضمير المصدر المقدر معرفة أي يفعل الفعل كائناً مثل ذلك، الثاني: أن يكون في موضع الرفع على أنه خبر مقدم، و {ٱللَّهُ } مبتدأ مؤخر أي كهذا الشأن العجيب شأن الله تعالى، وتكون جملة {يَفْعَلُ مَا يَشَاء } بياناً لذلك الشأن المبهم، الثالث: أن يكون {كَذٰلِكَ } في موضع الخبر لمبتدأ محذوف أي: الأمر كذلك وتكون جملة {ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } بياناً أيضاً، الرابع: أن يكون ذلك إشارة إلى المذكور من حال زكريا عليه السلام كأنه قال: رب على أي حال يكون لي الغلام؟ فقيل له: كما أنت يكون الغلام لك، وتكون الجملة حينئذ تعليلاً لما قبلها كذا قالوا، ولا يخفى ما في بعض الأوجه من البعد، وعلى كل تقدير التعبير بالاسم الجليل روماً للتعظيم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ}. لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر عتياً. وذلك في قوله تعالى عنه: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8] والعتي اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر. وقال ابن جرير في تفسيره: وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد أو كفر فهو عاتٍ وعاسٍ قوله تعالى عن زكريا: {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] لم يبين هنا هل كانت كذلك أيام شبابها، ولكنه بين في سورة مريم أنها كانت كذلك قبل كبرها بقوله عنه. {أية : وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً}تفسير : [مريم: 8] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {غُلاَمٌ} (40) - فَلَمَّا تَحَقَّقَ زَكَرِيَا مِنَ البِشَارَةِ، أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْ وِلاَدَةِ وَلَدٍ لَهُ بَعْدَ الكِبَرِ، فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ، وَقَدْ كَبِرْتُ وامْرأتِي عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ، فَرَدَّ عَلَيهِ المَلَكُ قَائِلاً: إنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ، لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلا يَتَعَاظَمُهُ أَمْرٌ، وَلاَ يَحُولُ دُونَ نَفَاذِ مَشِيئَتِهِ حَائِلٌ. أنَّى يَكُونُ - كَيْفَ يَكُونُ وَمِنْ أيْنَ يَكُونُ. العَاقِرُ - الذِي لاَ يولَدُ لَهُ أوْلاَدٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40]. إن زكريا - وهو الطالب - يصيبه التعجب من الاستجابة فيتساءل. كيف يكون ذلك؟ والحق يورد ذلك ليعلمنا أن النفس البشرية دائماً تكون في دائرات التلوين، وليست في دائرات التمكين، وذلك ليعطي الله لخلقه الذين لا يهتدون إلى الصراط المستقيم الأسوة في أنه إذا ما حدث له ابتلاء فعليه الرجوع إلى الله، فيقول زكريا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]. إن بلوغ الكبر ليس دليلاً على أنه عاجز عن الإنجاب لأنه يكون كبير العمر، وقادراً على إخصاب امرأة، ذلك أن الإخصاب بالنسبة لبعض الرجال ليس أمراً عسيراً مهما بلغ من العمر إن لم يكن عاقراً، ولكن المرأة هي العنصر المهم، فإن كانت عاقراً، فذلك قمة العجز في الأسباب. ولو أن زكريا قال فقط: "وامرأتي عاقر" لكان أمراً غير مستحب بالنسبة لزوجته، ولكان معنى ذلك أنه نسب لنفسه الصلاحية وهي غير القادرة. إنه أدب النبوة وهو أدب عال؛ لذلك أوردها من أولها: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] ولنر دقة القول في: "بلغني الكبر"، إنه لم يقل: "بلغت الكبر" بل يقول: إن الكبر هو الذي جاءني ولم أجيء أنا إلى الكبر؛ لأن بلوغ الشيء يعني أن هناك إحساساً ورغبة في أن تذهب إليه، وذكر زكريا "وامرأتي عاقر" هو تضخيم لطلاقة القدرة عند من يستمع للقصة، لقد أورد كل الخوالج البشرية، وبعد ذلك يأتي القول الفصل: {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40] إنها طلاقة القدرة التي فوق الأسباب لأنها خالقة الأسباب. ويقول زكريا: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. إن زكريا يطلب علامة على أن القول قد انتقل إلى فعل. {أية : قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 8-9]. لقد كان هذا القول تأكيداً لا شك فيه، فبمجرد أن قال الرب فقد انتهى الأمر. فماذا يريد زكريا من بعد ذلك؟ إنه يطلب آية، أي علامة على أن يحيى قد تم إيجاده في رحم أمه، وما دامت المرأة قد كبرت فهي قد انقطع عنها الحيض، ولا بد أنه عرف الآية لأنه يعرف مسبقاً أنها عاقر. لكن زكريا لم يرغب أن يفوت على نفسه لحظة من لحظات هبات الله عليه، وما دام الحمل قد حدث فهنا كانت استغاثة زكريا، لا تتركني يا رب إلى أن أفهم بالعلامات الظاهرة المحسة، لأنني أريد أن أعيش من أول نعمتك عليّ في إطار الشكر لك على النعمة، فبمجرد أن يحدث الإخصاب لا بد أن أحيا في نطاق الشكر؛ لأن النعمة قد تأتي وأنا غير شاكر. إنه يطلب آية ليعيش في نطاق الشكر، إنه لم يطلب آية لأنه يشك - معاذ الله - في قدرة الله، ولكن لأنه لا يريد أن يفوت على نفسه لحظة النعمة من أول وجودها إلا ومعها الشكر عليها، والذي يعطينا هذا المعنى هو القول الحق: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. لا بد أن معناها أنه يرغب في الكلام فلا يستطيع. إن هناك فارقاً بين أن يقدر على الكلام ولا يتكلم، وبين ألا يقدر على الكلام. وما دامت الآية هبة من الله. فالحق هو الذي قال له: سأمنعك من أن تتكلم، فساعة أن تجد نفسك غير قادر على الكلام فاعرف أنها العلامة، وستعرف أن تتكلم مع الناس رمزاً، أي بالإشارة، وحتى تعرف أن الآية قادمة من الله، وأن الله علم عن عبده أنه لا يريد أن تمر عليه لحظة مع نعمة الله بدون شكر الله عليها، فإننا نعلم أن الله سينطقه.. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكراً، وجعل كل وقته ذكراً، فلم ينشغل بالناس أو بكلام الناس، وذكر الرب كثيراً هو ما علمه - سبحانه - عن زكريا عندما طلب الآية ليصحبها دائماً بشكر الله عليها، إن قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} [آل عمران: 41] تفيد أن زكريا قادر على الذكر وغير قادر على كلام الناس، لذلك لا يريد الله أن يشغله بكلام الناس، وكأن الله يريد أن يقول له: ما دمت قد أردت أن تعيش مع النعمة شكراً فسأجعلك غير قادر على الكلام مع الناس لكنك قادر على الذكر. والذكر مطلقاً هو ذكر الله بآلائه وعظمته وقدرته وصفات الكمال له، والتسبيح هو التنزيه لله، لأن ما فعله الله لا يمكن أن يحدث من سواه، فسبحان الله، معناها تنزيه لله، لأنه القادر على أن يفعل ما لا تفعله الأسباب ولا يقدر أحد أن يصنعه. إنه يريد أن يشكر الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب. تلك اللفتة .. التي جاءت من قبل من مريم لزكريا. وزكريا كما نعلم هو الكفيل لها، فكونها تنطق بهذه العبارة دلالة على أن الله مهد لها بالرزق، يجيئها من غير زكريا، بأنها ستأتي بشيء من غير أسباب. وكأن التجربة قد أراد الله أن تكون من ذاتها لذاتها؛ لأنها ستتعرض لشيء يتعلق بعرض المرأة، فلا بد أن تعلم مسبقاً أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وبدون أسباب. فإن جاءت بولد بدون سبب من أبوة لتعلم أن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فلما سمع زكريا منها ذلك قال: ما دام الله يرزق من غير حساب ويأتي بالأشياء بلا أسباب فأنا قد بلغت من الكبر عتياً، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب من ربي أن يهبني غلاماً؟ إذن فمقولة مريم: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] قد لفتت زكريا، ونبهت إيماناً موجوداً في أعماقه وحاشية شعوره، ولا نقول أوجدت إيماناً جديداً لزكريا بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ولكنها أخرجت القضية الإيمانية من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا: ما دام الأمر كذلك فأنا أسأل الله أن يهبني غلاماً .. وقول زكريا: {أية : هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} تفسير : [آل عمران: 38] دل على أنه وزوجته لا يملكان اكتساب الأبوة والأمومة ولذلك طلب الهبة من الله. والهبة شيء بدون مقابل. فلما سأل الله ذلك استجاب الله له، وقال له سبحانه: سأهبك غلاماً بدون أسباب من خصوبتك في التلقيح أو خصوبة الزوجة في الحمل، وما دامت المسألة ستكون بلا أسباب وأنا - الخالق - سأتولى الإيجاب بـ "كن" ولمعنى سام شريف سأمنحكم شيئاً آخر تقومون به أنتم معشر الآباء والأمهات - عادة - إنه تسمية المولود، فأفاض الحق عليهم نعمة أخرى وهي تسمية المولود بعد أن وهبه لهما .. هنا وقفة عند الهبة بالاسم. {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [آل عمران: 39]. حين يولد للناس ولد فهم يسمونه، فالتسمية أمر شائع في عادات الناس. ولكن من يهمهم أمر الوليد حينما يقبلون على تسميته؛ فهم يحاولون أن يتفاءلوا؛ فيسموه اسماً يرجون أن يتحقق في المسمى، فيسمونه "سعيداً" أملاً في أن يكون سعيداً، أو يسمونه "فضلاً" أو يسمونه "كريماً". إنهم يأتون بالاسم الذي يحبون أن يجدوا وليدهم على صفته, وذلك هو الأمل منهم ولكن أتأتي المقادير على وفق الآمال؟ قد يسمونه سعيداً، ولا يكون سعيداً. ويسمونه فضلاً، ولا يكون فضلاً. ويسمونه عزاً، ولا يكون عزاً. ولكن ماذا يحدث حين يسمي الله سبحانه وتعالى؟ لا بد أن يختلف الموقف تماماً، فإذا قال اسمه "يحيـى" دل على أنه سيعيش. وقديماً قال الشاعر حينما تفاءل بتسمية ابنه يحيى: شعر : فسميته يحيا ليحيا فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل تفسير : كان الشاعر قد سمى ابنه يحيى أملاً أن يحيا، ولكن الله لم يرد ذلك، فمات الابن. لماذا؟ لأن المسميِّ من البشر ليس هو الذي يُحْيِي، إن المسمي إنسان قدرته عاجزة، ولكن "المحيى" له طلاقة القدرة، فحين يسمى من له طلاقة القدرة على إرادة أن يحيا فلا بد من أن يحيا حياة متميزة؟ وحتى لا تفهم أن الحياة التي أشار الله إليها بقوله: "اسمه يحيى" بأنها الحياة المعروفة للبشر عادة - لأن الرجل حينما يسمى ابنه "يحيى" يأمل أن يحيا الابن متوسط الأعمار، كما يحيا الناس ستين عاماً، أو سبعين، أو أي عدد من السنوات مكتوبة له في الأزل. لكن الله حينما يسمي "يحيى" فانه لا يأخذ "يحيى" على قدر ما يأخذه الناس، بل لا بد أن يعطيه أطول من حدود أعمار الناس، ويهيىء له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيداً، وهو بالشهادة يصير حياً، فكأنه يحيا دائماً، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. وهكذا أراد الله ليحيى عليه السلام أن يحيا كحياة الناس، ويحيا أطول من حياة الناس إلى أن تقوم الساعة، وأيضاً نأخذ ملحظاً في أن زكريا حينما بُشِّر بأن الله سيهبه غلاماً ويسميه يحيى، نجده قد استقبلها بالعجب. كيف يستقبل زكريا مسألة الرزق بالولد متعجباً مع أنه رآها في الرزق الذي كان يجده عند مريم؟ {أية : يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. ولنا أن نقول: أكنت تحب أن يمر مثل هذا الأمر الخارق للعادة والخارق للناموس على سيدنا زكريا كأنه أمر عادي لا يندهش له ولا يتعجب؟ لا، لا بد أن يندهش ويتعجب لذلك قال: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [آل عمران: 40]. فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة، ولو لم تكن تلك الدهشة لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادي. إذن، فهو يلفتنا إلى الأمر العجيب الذي خصه الله به. وأيضاً جاءت المسألة على خلاف ناموس التكاثر والإنجاب والنسل: {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]. إن المسألة كلها تفضل وهبة من الله. فلما جاءته البشارة، لم يقل الله له: إنني سأهبك الغلام واسمه يحيى من امرأتك هذه، أو وأنت على حالتك هذه. فيتشكك ويتردد ويقول: أترى يأتي الغلام الذي اسمه "يحيى" مني وأنا على هذه الحالة، امرأتي عاقر وأنا قد بلغت هذا الكبر، أو ربما ردنا الله شباب حتى نستطيع الإنجاب، أو تأتي امرأة أخرى فأتزوجها وأنجب. إذن فالعجب في الهيئة التي سيصير عليها الإنجاب فقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] هذا التساؤل من زكريا يهدف به إلى معرفة الهيئة أو الحالة التي سيأتي بها الإنجاب، لأن الإنجاب يأتي على حالات متعددة. فلما أكد الله ذلك قال: "كذلك" ماذا تعني كذلك؟ إنها تعني أن الإنجاب سيأتي منك ومن زوجك وأنتما على حالكما، أنت قد بلغت من الكبر عتياً، وامرأتك عاقر. لأن العجيبة تتحقق بذلك، أكان من المعقول أن يردهما الله شباباً حتى يساعداه أن يهبهما الولد؟ لا. لذلك قال الحق: {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40]. أي كما أنتما، وعلى حالتكما. لقد جعل الحق الآية ألا يكلم زكريا الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة، وقد يكون عدم الكلام في نظر الناس مرضاً .. لا، إنه ليس كذلك، لأنّ الحق يقول له: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] إن الحق يجعل زكريا قادراً على التسبيح، وغير قادر على الكلام. وهذه قدرة أخرى من طلاقة قدرة الله، إنه اللسان الواحد، غير قادر على الكلام، ولو حاول أن يتكلم لما استطاع، ولكن هذا اللسان نفسه - أيضاً - يصبح قادراً فقط على التسبيح، وذكر الله بالعشيّ والإبكار، ذكر الله باللسان وسيسمعه الناس، وذلك بيان لطلاقة القدرة. وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى مسألة أخرى تتعلق بمريم، لأن مريم هي الأصل في الكلام، فالرزق الذي كان يأتيها من الله بغير حساب هو الذي نبه سيدنا زكريا إلى طلب الولد، وجاء الحق لنا بقصة زكريا والولد، ثم عاد إلى قصة مريم: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} وهي التي لاَ تَلِدُ. وَكَذَلِكَ الرَّجلُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلاً منه ورحمة، لا استحقاقاً في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الحديد: 21]. {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزاً، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ} [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلاً منه ورحمة لا استحقاقاً واستعداداً، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله: "حديث : لولاك ما خلقت الأفلاك ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". تفسير : ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [آل عمران: 42]، {ٱصْطَفَـٰكِ} [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه {وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ". تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي} [آل عمران: 43]، واقتربي {وَٱرْكَعِي} [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال {ذٰلِكَ} [آل عمران: 44]، أحوال {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة {نُوحِيهِ إِلَيكَ} [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعداً، كقوله تعالى: "حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلق الخلق؛ لأعرف"تفسير : ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضاً كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: أحدهما: أنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عرف نفسه عرف ربه ". تفسير : والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ}تفسير : [النساء: 171]، وبقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ} [آل عمران: 45]، {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]، {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]، حتى روى مجتهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: {وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}تفسير : [الأحقاف: 15]، {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):