٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشّر به وثقته بكرم ربه، وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال: {رَبّ ٱجْعَل لِّى ءَايَةً } فقال الله تعالى: {ءَايتك أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكره ههنا ثلاثة أيام، وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً أحدها: أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً، وفيه فائدتان إحداهما: أن يكون ذلك آية على علوق الولد والثانية: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل، ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله تعالى، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود، وأداء لشكر تلك النعمة، فيكون جامعاً لكل المقاصد. ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات وثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات وثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات. القول الثاني في تفسير هذه الآية: وهو قول أبي مسلم: أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق، قال آيتك أن لا تكلم، أي تصير مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق، أي تكون مشتغلاً بالذكر والتسبيح والتهليل معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب، وهذا القول عندي حسن معقول، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف. القول الثالث: روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام. أما قوله {إِلاَّ رَمْزًا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أصل الرمز الحركة، يقال: ارتمز إذا تحرك، ومنه قيل للبحر: الراموز، ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا على أقوال أحدها: أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد، أو الرأس، أو الحاجب، أو العين، أو الشفة والثاني: أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا: وحمل الرمز على هذا المعنى أولى، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل والثالث: وهو أنه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام الخفي، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه. فإن قيل: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟. قلنا: لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاماً، ويجوز أيضاً أن يكون استثناءً منقطعاً فأما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل. المسألة الثانية: قرأ يحيـى بن وثاب {إِلاَّ رَمْزًا } بضمتين جمع رموز، كرسول ورسل، وقرىء {رَمْزًا } بفتح الراء والميم جمع رامز، كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس، ومعنى {إِلاَّ رَمْزًا } إلا مترامزين، كما يتكلم الناس مع الأخرس بالإشارة ويكلمهم. ثم قال الله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا } وفيه قولان أحدهما: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا {إِلاَّ رَمْزًا } فأما في الذكر والتسبيح، فقد كان لسانه جيداً، وكان ذلك من المعجزات الباهرة والثاني: إن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكت اللسان وبقي الذكر في القلب، ولذلك قالوا: من عرف الله كل لسانه، فكأن زكريا عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها. {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: {العشي} من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، قال الشاعر:شعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشى تذوق تفسير : والفيء إنما يكون من حين زوال الشمس إلى أن يتناهى غروبها، وأما الإبكار فهو مصدر بكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار، ومثله بكر وابتكر وبكر، ومنه الباكورة لأول الثمرة، هذا هو أصل اللغة، ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكاراً، كما سمي إصباحاً، وقرأ بعضهم {والأبكار} بفتح الهمزة، جمع بكر كسحر وأسحار، ويقال: أتيته بكراً بفتحتين. المسألة الثانية: في قوله {وَسَبّحْ } قولان أحدهما: المراد منه: وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحاً قال الله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح، وههنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين الأول: أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } فرق، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني: وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ } وثانيهما: أن قوله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } محمول على الذكر باللسان.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} «جعل» هنا بمعنى صيّر لتعديه إلى مفعولين. و «لي» في موضع المفعول الثاني. ولما بُشِّر بالولد ولم يَبْعُد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية ـ أي علامة ـ يعرف بها صحة هذا الأمر وكونهَ من عند الله تعالى، فعاقبه الله تعالى بأن أصابة السكوت عن كلام الناس لسؤاله الآيَة بعد مُشافهة الملائكة إياه؛ قاله أكثر المفسرين. قالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض خرسٌ أو نحوه ففيه على كل حال عقاب مّا. قال ٱبن زيد: إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجة منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحد، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى؛ فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقة الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ رَمْزاً} الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين؛ وأصله الحركة. وقيل: طلب تلك الآية زيادة طمأنينة. المعنى: تممّ النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة؛ فقيل له: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} أي تمنع من الكلام ثلاث ليال؛ دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد. وآختار هذا القول النحاس وقال: قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا؛ والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيباً عني. و «رَمْزاً» نصب على الاستثناء المنقطع؛ قاله الأخفش. وقال الكسائي: رمز يرمز ويرمز. وقرىء «إلا رمزا» بفتح الميم و «رمزا» بضمها وضم الراء، الواحدة رمزة. الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها:حديث : «أين الله»؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»تفسير : . فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك؛ فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ٱبن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه. وقال الشافعيّ في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس وإنما هو ٱستحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. قال أبو الحسن بن بطّال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة. ولعل البخاري حاول بترجمته «باب الإشارة في الطلاق والأُمور» الردَّ عليه. وقال عطاء: أراد بقوله {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} صوم ثلاثة أيام. وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزاً. وهذا فيه بُعْدٌ. والله أعلم. الرابعة: قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسّنّة: إن زكريا عليه السلام مُنع الكلامَ وهو قادر عليه، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام: «حديث : لا صَمْتَ يوماً إلى الليل»تفسير : . وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة؛ كذلك قال المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أنه. «لا صَمْتَ يوماً إلى الليل» إنما معناه عن ذكر الله، وأما عن الهَذَر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ذلك حسن. قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} أمره بألاّ يترك الذكر في نفسه مع ٱعتقال لسانه؛ على القول الأوّل. وقد مضى في البقرة معنى الذكر. وقال محمد ٱبن كعب القرظيّ: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}تفسير : [الأنفال: 45]. وذكره الطبري. «وسَبِّحْ» أي صلِّ؛ سميت الصلاة سُبْحَة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. و «العشيّ» جمع عشِية. وقيل: هو واحد. وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب؛ عن مجاهد. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشيّ. «والإبكار» من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّي ءايَةً} علامة أعرف بها الحبل لاستقبله بالبشاشة والشكر وتزيح مشقة الانتظار. {قَالَ آيَتُكَ * أَن لا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثاً، وإنما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصة ليخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره، قضاء لحق النعمة وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال. {إِلاَّ رَمْزًا} إشارة بنحو يد أو رأس، وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر والاستثناء منقطع وقيل متصل والمراد بالكلام ما دل على الضمير. وقرىء {رَمْزًا} بفتحتين كخدم جمع رامز ورمزاً كرسل جمع رموز على أنه حال منه ومن الناس بمعنى مترامزين كقوله:شعر : مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجِف رَوَانِفُ أَليتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا} في أيام الحبسة، وهو مؤكد لما قبله مبين للغرض منه، وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِيّ} من الزوال إلى الغروب. وقيل من العصر أو الغروب إلى ذهاب صدر الليل. {وَٱلإبْكَـٰرِ} من طلوع الفجر إلى الضحى. وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أي علامة على حمل امرأتي {قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّتُكَلِمَ ٱلنَّاسَ } عليه {أَن لا * تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ } أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر الله تعالى {ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ } أي بلياليها {إِلاَّ رَمْزًا } إشارة {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ } صلِّ {بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَٰرِ } أواخر النهار وأوائله.
ابن عطية
تفسير : "الآية" العلامة، وقال الربيع والسدي وغيرهما: إن زكرياء قال: يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حق، فاجعل لي علامة أعرف صحة ذلك بها، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس، وقالت فرفة من المفسرين: لم يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له {أية : كذلك الله يفعل ما يشاء} تفسير : [آل عمران:40] سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف المفسرون هل كان منعه الكلام لآفة نزلت به أم كان ذلك لغير آفة فقال جبير بن نفير، ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقال الربيع وغيره: عوقب لأن الملائكة شافهته بالبشارة فسأل بعد ذلك علامة فأخذ الله عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام، وقال قوم من المفسرين: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله قاله الطبري، وذكر نحوه عن محمد بن كعب، ثم استثنى الرمز، وهو استثناء منقطع، وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها، إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ونحوها، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلاً، والكلام المراد بالآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، أنه متقطع، وقرأ جمهور الناس {رَمْزاً} بفتح الراء وسكون الميم، وقرأ علقمة بن قيس: "رُمزاً" بضمها، وقرأ الأعمش "رَمْزاً" بفتحها، والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس الرامز بأي شيء كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ذلك، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز، لأنها علامات بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلام به، وقد يقال للتصويت الدال على معنى رمز، ومنه قول جوية بن عائد: [الوافر] شعر : وَكَانَ تَكَلُّمُ الأبْطَالِ رَمْزاً وَغَمْغَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الْهَدِيرِ تفسير : وأما المفسرون فخصص كل واحد منهم نوعاً من الرمز في تفسيره هذه الآية، فقال مجاهد: {إلا رمزاً} معناه إلا تحريكاً بالشفتين، وقال الضحاك: معناه إلا إشارة باليد والرأس، وبه قال السدي وعبد الله ابن كثير، وقال الحسن: أمسك لسانه فجعل يشير بيده إلى قومه، وقال قتادة: {إلا رمزاً}، معناه إلا إيماء، وقرأ جمهور الناس: {ألا تكلم الناس} بنصب الفعل بأن، وقرأ ابن أبي عبلة، "ألا تكلمُ" برفع الميم، وهذا على أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة ويكون فيها ضمير الأمر والشأن التقدير آيتك أنه لا تكلم الناس، والقول بأن هذه الآية نسخها قول النبي عليه السلام: لا صمت يوماً إلى الليل قول ظاهر الفساد من جهات، وأمره تعالى بالذكر لربه كثيراً لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه، وقال محمد بن كعب القرظي: لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكرياء عليه السلام حيث قال: "آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً"، لكنه قال له: {واذكر ربك كثيراً}، وقوله تعالى: {وسبح} معناه قل سبحان الله، وقال قوم معناه: صلّ والقول الأول أصوب لأنه يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس، و"العشي" في اللغة من زوال الشمس إلى مغيبها ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي، و"العشي" من حين يفيء الفيء، ومنه قول حميد بن ثور: شعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشيِّ تذوق تفسير : و"العشي" اسم مفرد عند بعضهم، وجمع عشية عند بعضهم كسفينة وسفين، و {الإبكار} مصدر أبكر الرجل "إذا بادر أمره من لدن طلوع الشمس، وتتمادى البكرة شيئاً بعد طلوع الشمس يقال أبكر الرجل وبكر فمن الأول قول ابن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : أَمِنْ آلِ نُعْمى أَنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ تفسير : ومن الثاني قول جرير: [الطويل] شعر : أَلاَ بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا وشقَّ العَصَا بَعْدَ اجتماعٍ أمِيرُها تفسير : وقال مجاهد في تفسير {الإبكار}: أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَايَةً} علامة لوقت الحمل لتعجيل السرور به. {رَمْزًا} تحريك الشفتين، أو الإشارة أو الإيماء. {وَاذْكُر رَّبَّكَ} منع من الكلام ولم يمنع من الذكر. {بِالْعَشِيَ} أصله الظلمة فسمي ما بعد الزوال عشياً لاتصاله بالظلام. والعشا: ضعف البصر. {وَالإِبْكَارِ} من الفجر إلى الضحى أصله التعجيل، لأنه تعجيل للضياء.
النسفي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّي } «لِي» مدني وأبو عمرو {ءَايَةً } علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت {قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ } أي لا تقدر على تكليم الناس {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } إلا إشارة بيد أو رأس أوعين أو حاجب وأصله التحرك، يقال ارتمز إذا تحرك. واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً، أو هو استثناء منقطع. وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة عن تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإبْكَـٰرِ } أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة، وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال. والعشي من حين الزوال إلى الغروب، والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. {وَإِذْ } عطف على «إذ قالت امرأة عمران» أو التقدير واذكر إذا {قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ } روي أنهم كلموها شفاها {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية {وَطَهَّرَكِ } مما يستقذر من الأفعال {وَٱصْطَفَـٰكِ } آخراً {عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ } أديمي الطاعة أو أطيلي قيام الصلاة {وَٱسْجُدِي } وقيل: أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة، ثم قيل لها {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلركِعِينَ } أي ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيـى ومريم {مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين، أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف دل عليه «يلقون» كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً في التكفل بها {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي اذكر {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ } أي بعيسى {مِّنْهُ } في موضع جر صفة لكلمة {ٱسْمُهُ } مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر {ٱلْمَسِيحُ } خبره والجملة في موضع جر صفة لـ «كلمة». والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله «مشيحاً» بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله: {أية : وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ }تفسير : [مريم: 31]. وقيل: سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً {عِيسَى } بدل من المسيح {ٱبْنَ مَرْيَمَ } خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأن اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى ابن مريم. وإنما قال «ابن مريم» إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه «وَجِيهاً» ذا جاه وقدر «في الدُّنيا» بالنبوة والطاعة {وَٱلآخِرَةِ } بعلو الدرجة والشفاعة {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } برفعه إلى السماء، وقوله «وجيهاً» حال من «كلمة» لكونها موصوفة وكذا «ومن المقربين» أي وثابتاً من المقربين، وكذا «ويكَلِّمُ النّاسَ» أي ومكلماً الناس في المهد حال من الضمير في «يكلم» أي ثابتاً في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي بالمصدر {وَكَهْلاً } عطف عليه أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً أي يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حال أيضاً والتقدير يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات. {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له كن فيكون} أي إذا قدر تكون شيء كونه من غير تأخير لكنه عبر بقوله «كن» إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه {وَيُعَلِّمُهُ } مدني وعاصم وموضعه حال معطوفة على «وجيهاً». الباقون: بالنون على أنه كلام مبتدأ {الكتابَ} أي الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه. وقيل: كتب الله {والحكمَةَ} بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد. والحكمة: البيان باللسان {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ * وَرَسُولاً } أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً {إِلَىٰ بَنِي إِسْرٰءِيلَ أَنّي } بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة {أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ } نصب بدل من «أني قد جئتكم» أو جر بدل من «آية» أو رفع على «هي أني أخلق لكم». «ِإنِّيَ»: نافع على الاستئناف {مِّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير {فَيَكُونُ طَيْرًا } فيصير طيراً كسائر الطيور. «طائراً»: مدني {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بأمره. قيل: لم يخلق شيئاً غير الخفاش {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ } الذي ولد أعمى {وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } كرر «بإذن الله» دفعاً لو هم من يتوهم فيه اللاهوتية. روي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا: هذا سحر مبين فأرنا آية فقال: يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبىء لك كذا وهو قوله {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } و«ما» فيهما بمعنى «الذي»، أو مصدرية {إِنَّ فِي ذَلِكَ } فيما سبق {لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } رد على قوله «بآية من ربكم» أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم. وما حرم الله عليهم في شريعة موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } كرر للتأكيد {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في تكذيبي وخلافي {وَأَطِيعُونِ } في أمري {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى {فَٱعْبُدُوهُ } دوني {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم. {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } علم من اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس {قَالَ مَنْ أَنصَارِي } «أنصاري» مدني وهو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف {إِلَى ٱللَّهِ } يتعلق بمحذوف حال من الياء أي من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } حواريّ الرجل صفوته وخاصته {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أعوان دينه {آمنا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ } يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد {رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ } أي رسولك عيسى {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد عليه السلام لأنهم شهداء على الناس {وَمَكَرُواْ } أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه {وَمَكَرَ ٱللَّهُ } أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } ظرف لمكر الله {يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } إلى سمائي ومقر ملائكتي {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته، أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن، إذ الواو لا توجب الترتيب. قال النبي عليه السلام«حديث : ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين سنة، ويتزوج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي وفي وسطها»تفسير : أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بك {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وتفسير الحكم هاتان الآيتان فيوفيهم حفص.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قال} يعني زكريا يا {رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة والشكر لك {قال آيتك} أي علامتك على الذي طلبت معرفة علمه {أن لا تكلم الناس} أي لا تقدر على تكليم الناس {ثلاثة أيام} أي مدة ثلاثة أيام بلياليها. قال جمهور المفسرين: عقد لسانه عن تكليم الناس ثلاثة أيام مع إبقائه على قدرة التسبيح والذكر ولذلك قال في آخر الآية {واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} يعني في أيام منعك من تكليم الناس وهذه من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة لأن قدرته على التسبيح والذكر مع عجزه عن تكليم الناس بأمور الدنيا. وذلك مع صحة الجسم وسلامة الجوارح من أعظم المعجزات، وإنما منع من الكلام مع الناس ليخلص في هذه الأيام لعبادة الله تعالى وذكره ولا يشغل لسانه بشيء آخر توقيراً منه على قضاء حق هذه النعمة الجسيمة وشكراً لله على إجابته فيما طلب الآية من أجله، وأن يكون ذلك دليلاً على وجود الحمل ليتم سروره بذلك وقال قتادة: إنما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه ببشارة الولد فلم يقدر على الكلام {ثلاثة أيام إلاّ رمزاً} يعني الإشارة والإشارة قد تكون باليد وبالعين وبالإيماء بالرأس وكانت إشارته بالأصبع المسبحة. وقيل: الرمز قد يكون باللسان من غير تبين كلام وهو الصوت الخفي شبه الهمس وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا والقول الأول أصح لموافقة أهل اللغة عليه {واذكر ربك كثيراً} وذلك لما منعه الله من الكلام في تلك المدة أمره بالذكر فقال: واذكر ربك كثيراً فإنك لا تمنع من ذلك ولا يحال بينك وبينه {وسبح} أي وعظم ربك ونزهه عن النقائص وقيل: وصل لربك وسميت الصلاة تسبيحاً لأن فيها تنزيهاً للرب سبحانه وتعالى {بالعشي والإبكار} فأما العشي فهو ما بين زوال الشمس إلى غروبها، ومنه سميت صلاتا الظهر والعصر صلاتي العشي والإبكار هو ما بين طلوع الفجر إلى الضحى. قوله عز وجل: {وإذ قالت الملائكة} يعني جبريل عليه السلام {يا مريم إن الله اصطفاك} أي واختارك {وطهرك} يعني من مسيس الرجال. وقيل: الحيض والنفاس. وكانت مريم لا تحيض وقيل: من الذنوب {واصطفاك} أي واختارك {على نساء العالمين} أي على عالمي زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين. فإن قلت هل فرق بين الاصطفاء الأول والثاني؟ قلت: ذكر العلماء في معناهما وجوهاً يتحصل منها الفرق فقيل في معنى الاصطفاء الأول إن الله تعالى اختار مريم وقبلها منذورة محررة ولم تحرر قبلها أنثى ولم يجعل ذلك لغيرها من النساء وأن الله بعث إليها رزقها من عنده وكفلها زكريا ومعنى الإصفطاء الثاني أن الله تعالى وهب لها عيسى من غير أب وأسمعها كلام الملائكة ولم يحصل ذلك لغيرها من النساء (ق) عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد" تفسير : قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض قيل: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في قوله خير نسائها ومعناه إنهما خير كل النساء بين السماء والأرض قال الشيخ محيي الدين النووي: والأظهر أن معناه أن كل واحد منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه. (ق) عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلاّ مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" تفسير : قال العلماء معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق وثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه من غير ثريد وفضل عائشة على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" تفسير : أخرجه الترمذي.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً} أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوعِ الحبَل وإنما سألها لأن العلوقَ أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه فأراد أن يُطلعه الله تعالى عليه ليتلقّى تلك النعمةَ الجليلة من حين حصولِها بالشكر ولا يؤخِّرَه إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً، ولعل هذا السؤالَ وقع بعد البشارة بزمانٍ مديد إذ به يظهر ما ذُكر من كون التفاوت بـين سِني يحيـى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاثِ سنينَ لأن ظهورَ العلامة كان عَقيبَ تعيـينها لقوله تعالى في سورة مريم: {أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } تفسير : [مريم، الآية 11] الآية، اللهم إلا أن تكونَ المجاوَبةُ بـين زكريا ومريمَ في حالة كِبَرها وقد عُدت من جملة من تكلم في الصِغَر بموجب قولها المحكي والجعلُ إبداعيّ واللام متعلقة به والتقديم لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخر أو بمحذوف وقع حالاً من آية وقيل: هو بمعنى التصيـير المستدعي لمفعولين أولُهما {ءايَةً} وثانيهما {لِى} والتقديم لأنه لا مسوّغ لكون آيةٌ مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الجار فلا يتغير حالهما بعد دخول الناسخ {قَالَ آيتك ألا تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ} أي أن تقدر على تكليمهم {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} أي متوالية لقوله تعالى في سورة مريم: {أية : ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } تفسير : [مريم، الآية 10] مع القدرة على الذكر والتسبـيح وإنما جُعلت آيتُه ذلك لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءً لحق النعمة كأنه قيل: آيةُ حصولِ المطلوب ووصول النعمة أن تحبِسَ لسانك إلا عن شكرها، وأحسنُ الجواب ما اشتق من السؤال {إِلاَّ رَمْزًا} أي إشارةً بـيد أو رأس أو نحوِهما وأصلُه التحركُ يقال: ارتمزَ أي تحرك ومنه قيل للبحر: الراموز، وهو استثناء منقطعٌ لأن الإشارة ليست من قبـيل الكلام، أو متصلٌ على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذلك القبـيل وقرىء رَمَزاً بفتحتين على أنه جمع رامز كخَدَم وبضمتين على أنه جمع رَموز كرُسُل على أنه حال منه ومن الناس معاً بمعنى مترامزين كقوله: [الوافر] شعر : متى ما تلْقني فردَيْنِ ترجُف روانف إليَتَيكَ وتُستطارا تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} أي في أيام الحبس شكراً لحصول التفضُّل والإنعام كما يُؤْذِن به العَرْضُ لعنوان الربوبـية {كَثِيراً} أي ذكراً كثيراً أو زماناً كثيراً {وَسَبِّحْ} أي سبحه تعالى أو افعل التسبـيحَ {بِٱلْعَشِىّ} أي من الزوال إلى الغروب وقيل: من العصر إلى ذهاب الليل {وَٱلإبْكَـٰرِ} من طلوع الفجرِ إلى الضحى، قيل: المرادُ بالتسبـيح الصلاةُ بدليل تقيـيده بالوقت كما في قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم، الآية 17] وقيل: الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكرُ القلبـي وقرىء الأبكار بفتح الهمزة على أنه جمعُ بكَر كسحرَ وأسحار.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}. طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل الإجابة. وجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي. قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً}. بقلبك ولسانك في جميع أوقاتك. {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ}. في الصلاة الدائبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال رب اجعل لى آية} اى علامة تدل اى تحقق المسئول او وقوع الحبل وانما سألها لان العلوق امر خفى لا يوقف عليه فاراد ان يطلعه الله عليه ليلتقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره الى ان يظهر ظهورا معتاد {قال آيتك} اى علامة حدوث الولد {ان لا تكلم الناس} اى ان لا تقدر على تكليمهم {ثلاثة ايام} اى متوالية مع ليالها فان ذكر الليالى او الايام يقتضى دخول الاخرى فيها لغة وعرفا وانما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر الله وشكره قضاء لحق النعمة {الا رمزا} اى اشارة يبد او راس او نحوهما وسمى الرمز كلاما لانه يؤدى ما يؤدى الكلام ويفهم منه ما يفهم من الكلام فلهذا جاز الاستثناء المتصل منه ثم امره تعالى بذكره لعدم منعه عن ذكر الله فقال {واذكر ربك} اى فى ايام الحبسة شكرا لحصول التفضل والانعام {كثيرا} اى ذكر كثيرا {وسبح بالعشى} اى سبحه تعالى اى من الزوال الى الغروب {والابكار} من طلوع الفجر الى الضحى. قال الامام فى قوله تعالى {واذكر ربك كثيرا} فيه قولان. احدهما انه تعالى امر بحبس لسانه عن أمور الدنيا الا رمزا فاما فى الذكر والتسبيح فقد كان لسانه جيدا وكان ذلك من المعجزات الباهرة. والقول الثانى ان المراد منه الذكر بالقلب وذلك لان المستغرقين فى بحار معرفة الله تعالى عادتهم فى اول الامر ان يواظبوا على الذكر اللسانى مدة فاذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكتوا باللسان وبقى الذكر بالقلب ولذلك قالوا من عرف الله كل لسانه فكان زكريا عليه السلام امر بالسكون باللسان والاستحضار معا فى الذكر والمعرفة واستدامتهما انتهى. واعلم ان الذكر على مراتب والذكر اللسانى بالنسبة الى الذكر القلبى تنزل - روى - ان عيسى عليه السلام حين ترقى الى اعلى مراتب الذكر جاءه ابليس فقال يا عيسى اذكر الله فتعجب عيسى من امره بالذكر مع ان جبلته على المنع منه ثم ظهر انه اراد ان يغويه وينزله من مرتبة الذكرالقلبى الى مرتبة الذكر اللسانى وذلك كان تنزلا بالنسبة الى مقامه عليه السلام. فعلى العاقل ان يداوم على الاذكار آناء الليل واطراف النهار فان الذكر يدفع هوى النفس فاذا طرد ذلك من الباطن فلا سبيل للشيطان ايضا فى الظاهر فتعلق ابواب المنهيات بالكليات ويتصفى القلب ويتكدر شعر : بيا بى بيفشان ازآيينه كرد كه صقيل نكيرد جو زنكار خورد تفسير : قال القشيرى فذكر اللسان به يصل العبد الى استدامة ذكر القلب والتأثير للذكر فاذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل فى وصفه فى حال سلوكه. قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه ما من يوم الا والجليل سبحانه ينادى عبدى ما انصفتنى اذكرك وتنسانى وادعوك الىّ وتذهب الى غيرى واذهب عنك البلايا وانت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا اذا جئتنى. وقال الحسين افتقدوا الحلاوة فى ثلاثة اشياء فى الصلاة والذكر والقراءة فان وجدتم وإلا فاعملوا ان الباب مغلق. قيل اذا تمكن الذكر من القلب فان دنا منه الشيطان صرخ كما يصرخ الانسان اذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا فيقول قد مسه الانس. قال بعضهم وصف لى ذاكرا فى اجمة فأتيته فبينما هو جالس اذا سبع عظيم ضربه ضربة واستلب منه قطعة فغشى عليه وعلىّ فلما افقت قلت ما هذا فقال قيض الله هذا السبع لى فكلما داخلتنى فترة عضنى كما رأيت اوصلنا الله واياكم الى مرتبة اليقين وشرفنا بمقام التمكين واذاقنا حلاوة الذكر فى كل حين وادخلنا الجنة المعنوية مع عباده الصالحين اجمعين.
الطوسي
تفسير : الآية: العلامة وإنما سأل العلامة، والآية لوقت الحمل الذي سأل ربه ليتعجل السرور به في قول الحسن، فجعل الله تعالى آيته في امساك لسانه، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء من غير آفة حدثت في لسانه، كما يقال في مريم {ثلاث ليال سوياً} هذا قول الحسن، وقتادة، والربيع، وأكثر المفسرين. اللغة: وفي وزن "آية" ثلاثة أقوال: أحدها - فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين مع كون اللام حرف علة. وإنما القياس في مثله أعلال اللام نحو حياة ونواة. ونظيرها راية وطاية، وشذ ذلك، للاشعار بقوة اعلال العين. الثاني - فعلة آية إلا أنها قلبت كراهية التضعيف نحو طاي في طيي. الثالث - فاعلة منقوصة وهذا ضعيف، لأنهم صغروها أيية ولو كانت فاعلة لقالوا أوية إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة. "والرمز" الايماء بالشفتين. وقد يستعمل في الايماء بالحاجبين، والعينين واليدين. والاول أغلب قال جؤية بن عائذ: شعر : وكان تكلم الابطال رمزا وغمغمة لهم مثل الهرير تفسير : يقال منه: رمز يرمز رمزاً. ويقال: ارتمز: إذا تحرك. واصله الحركة. المعنى، واللغة: وقال مجاهد: الرمز تحريك الشفتين. وقال قتادة الرمز الاشارة. وقوله: {واذكر ربك كثيراً} معناه أنه لما منع من كلام الناس عرف أنه لا يمنع من الذكر لله والتسبيح له، وذلك أعظم الآية وأبين المعجزة. وقوله: {سبح} معناه ها هنا صل يقال فرغت من سبحتي أي من صلاتي. وأصل التسبيح التعظيم لله وتنزيهه عما لا يليق به. والعشي من حين زوال الشمس إلى غروب الشمس في قول مجاهد. قال الشاعر: شعر : فلا الظل من برد الضحى يستطيعه ولا الغي من برد العشي تذوق تفسير : والعشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل. والعشاء طعام العشي. والعشا ضعف العين والتعاشي: التعامي، لا بهام أنه بمنزلة من هو في ظلمة لا يبصر وأصل الباب الظلمة. والابكار من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وأصله التعجيل بالشيء يقال: أبكر ابكاراً وبكر يبكر بكوراً. وقال عمر بن أبي ربيعة: شعر : أمن آل نعم أنت عاد فمبكر تفسير : وقال جرير: شعر : ألا بكرت سلمى فجذ بكورها وشق العصا بعد اجتماع أميرها تفسير : ويقال في كل شيء تقدم: بكر ومنه الباكورة أول ما يجيء من الفاكهة.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} وقيل انّما قال ذلك ليتعرّف بها وقت الحمل ليزيد فى العبادة والشّكر او ليتعجّل السّرور به {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} لا تقدر على التكلّم {ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} استثناء مفرّغ منقطع اى لكن ترمز اليهم رمزاً، او المراد بالتكلّم الافهام والاستثناء متّصل والمعنى آيتك ان لا تفهم النّاس ما فى ضميرك نحواً من الافهام الاّ افهام رمزا وفى حال من الاحوال الاّ رامزاً او رامزين وانّما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصّةً دون ذكر الله ليخلص فى تلك المدّة لشكره وذكره قضاء لحقّ النّعمة، وهذا دليل على انّ طلب الآية كان لمعرفة وقت الحمل طلباً لازدياد الشّكر والذّكر. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} يعنى فى تلك الايّام عرّفه انّ حبس لسانه عن الكلام بغير ذكر الله لا عن ذكر الله ليكثر ذكر الله فى تلك المدّة {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ} قيل من الزّوال الى الغروب، وقيل من العصر الى ذهاب صدر اللّيل وهذا هو المتبادر، وقيل: من الغروب الى ذهاب صدر اللّيل {وَٱلإِبْكَارِ} من طلوع الفجر الى الضّحى والتّسبيح بمعنى التّنزيه والتّطهير لكنّه اذا نسب الى الله يراد به تنزيهه من النّقائص مع عدم اعتبار تنزّهه عن النّسب والاضافات، او مع اعتبار النّسب والاضافات الى الكثرات كما سبق تحقيقه وتحقيق الفرق بينه وبين التّقديس فى اوّل سورة البقرة عند قوله {أية : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة: 30]. تحقيق تسبيح الرّبّ وتسبيح اسم الرّبّ اعلم انّ فى كلّ فرد من افراد بنى آدم بل فى كلّ جزء من اجزاء العالم لطيفة الاهية هى تربيّه وتحرّكه الى كمالاته الثّانويّة وتخرجه من القوى والاستعدادات المودعة فيه الى فعليّاته، وتلك اللّطيفة بوجهٍ ربّه وبوجهٍ اسم ربّه وقول الشّاعر: شعر : دل هر ذرة را كه بشكافى آفتابيش در ميان بينى تفسير : وقول الآخر: شعر : يكى ميل است با هر ذرّه رقّاص كشاند ذرّه را تا مقصد خاصّ رساند كَلشنى را تا بكَلشن دواند كَلخنى راتا بكَاخن تفسير : اشارة الى هذه اللّطيقة وهذه محتجبة تحت اعدام الطّبع ورذائل النّفس، وتنزيهها عبارة عن تطهيرها عن الاعدام والنّقائص والرّذائل ولا يمكن ذلك الاّ بكثرة الذّكر المأخوذ ممّن كان مجازاً من الله بلا واسطة او بواسطة او بوسائط، ولذا أمر به بعد الامر بالذّكر الكثير وكلّما ذكر تسبيح مطلقاً او مقيّداً باسم الرّبّ او بالرّبّ او بالله واقعاً عليها بنفسه او متعلّقاً بها باللاّم او بالباء فالمراد تنزيه تلك اللّطيفة لانّها اسم للرّب وربّ ونازلة من الله والمراد {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} امّا تمام الاوقات فانّه قد يراد بذكر طرفى النّهار استغراق جميع الاوقات فى العرف، او خصوص طرفى النّهار فانّهما وقت نشاط النّفس واشتداد شوقها الى اصلها بخلاف جوف اللّيل ووسط النّهار فانّهما وقت كلال النّفس وفتور القوى ولا تقربوا الصّلاة وانتم كسالى.
الهواري
تفسير : {قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} أي: إلا إيماء. فعوقب، فأخذ عليه بلسانه في تفسير الحسن. وقال غيره: فجعل لا يفيض الكلام إلا ما أومأ إيماء. وقال بعضهم: إنما عوقب لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشّرته بيحيى مشافهة، فسأل الآية بعدما شافتهه الملائكة. فقال الله: {ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} أي إلا إيماء. قال مجاهد: بالشفتين: وقال الكلبي: بالشفتين والحاجبين واليدين. قوله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ وَالإِْبْكَارِ} يعني الصلاة. قوله: {وَإِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ} أي اختارك لدينه، {وَطَهَّرَكِ} من الكفر في تفسير الحسن. وقال مجاهد: جعلك طيبة إيماناً. {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كفاك من نساء العالمين بأربع: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد .
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِّى}: وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو. {آيَةً}: علامة أعرف بها الحمل، لأستقبله بالبشاشة والشكر بزيادة العبادة عليه، والفرح، ولأزيل مشقة الانتظار، وذلك أن النطفة المخلقة، لا يحس بها فى البطن من أول نقلها وحصولها فى الرحم، بل حتى ينتفخ بها البطن، أو يتحرك الجنين، فطلب هو علامة عاجلة قبل ذلك، أو قبل حصولها فى رحم زوجته. {قَالَ آيَتُكَ}: آية ولادتك، أو الآية المنتسبة إليك بطلبك إياها. {أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}: أى لا تقدر على الكلام للناس ثلاثة أيام لتتخلص فيهن للعبادة شكراً، بالذكر بالقلب واللسان، وإلا كان يخرس الله لسانهُ عن الكلام للناس، فلا يطيقه لو أراده، وأطلقه لذكر الله تعالى سبحانهُ القادر على ما يشاء، وأحسن الجواب ما يقتضيه السؤال ويتفرع السؤال لما طلب الآية، ليزيد شكراً أجيب بها مع قطع ما يشغله الشكر، وهو تكلم الناس، ودل على هذا قوله تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً}: فى تلك الأيام الثلاثة باللسان، وقيل: المراد الذكر بالقلب، لأن من استغرق فى المعرفة كان ذكره فى القلب، وكل لسانه أمره الله أن يستحضر فى قلبه معانى الذكر. {وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ}: وقال قتادة: أمسك الله لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بالولد، ومع ذلك لا شك له. وقيل: عدم التكلم إلا رمزاً: كناية عن الصوم، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا، والصحيح الأول لموافقة اللغة، والاستثناءُ فى قوله {إِلاَّ رَمْزاً} منقطع، لأن الرمز بالعين أو الحاجب، أو اليد، أو الرأس، أو الشفة، أو غيرهن، ليس كلاماً باللسان، لكن يفيد ما يفيد اللسان، وقيل: إنه متصل باعتبار أنه يسمى كلاماً مجازاً، وقيل: حقيقة فى أصل اللغة على الكلام، كلما دل على ما فى القلب، وأصل الرمز: التحرك، كما يقال للبحر: الراموز، لأنه دائماً يتحرك، وكان فى تلك الأيام الثلاثة. يشير بأصبعه المسبحة. وقال مجاهد: بالشفتين. وقال الكلبى: بهما وبالحاجبين واليدين. وقيل: إن هذا الرمز كلام باللسان، خفى قليل، شبه بالإشارة. فالاستثناء متصل. وقرأ يحيى بن وثاب: رمزا - بضم الراء والميم - جمع رموز - بفتح الراى وضم الميم - كرسول ورسل، وقرىء: رمزاً بفتح الراء والميم، وعلى القراءتين: حال هو من المستتر فى تكلم، ومن الناس أى: إلا مترامزين، بأن يرمز لهُ الناس، كما يرمز لهم، ومن مجىء الحال من الفاعل والمفعول معاً قوله: شعر : متى ما تلقنى فردين ترجف روانف إليتيك وتستطارا تفسير : ففردين حال من المستتر فى تلقنى، ومن الياء، وترجف تضطرب، والرانفة ما يلي الأرض من مقعدة الإنسان إذا كان قائماً، وجمع لأمن اللبس، لأن للإنسان رانفتين فقط، وألف تستطارا الراتفتين المرادتين من الجمع، والنون حذفت للجر، وقيل: أصله تستطارن بنون التوكيد الخفيفة، قلبت ألفاً، وكثيراً: مفعول مطلق، أى ذكر كثيراً، ولو لم يذكر كثير، لم يدل عليه اذكر، لأن الفعل لا يدل على الكثرة إلا بقرينة، ومعنى "سبح ربك": نزهه عن النقائص، فعطفه على {اذكر} عطف خاص على عام، وقيل: بمعنى صل، والصلاة تسبيح لاشتمالهما عليه. قال الأعشى: شعر : وسبح على حين العشية والضحا تفسير : والأول أنسب للذكر وللاستغراب مع امتناع الكلام مع الناس، ولو كان أيضاً فى الصلاة ذكر بلسان وذلك معجزة لهُ. و{العشى}: واحدة عشية، وهى من الزوال للغروب، ولذلك سميت الظهر والعصر: صلاة العشى. وقيل: من العصر أو الغروب، إلى ذهاب صدر الليل. و{الإبكار}: بكسر الهمزة، ونقلهُ مصدر أبكر، أى: دخل فى البكرة، نائب عن اسم الزمان، أى وقت الدخول فى البكرة، وهى من طلوع الفجر إلى الضحى، وقيل: إلى طلوع الشمس. وقرىء: الأبكار بفتح الهمزة، جمع بكر - بفتح الباء والكاف، كسحر وأسحار، أو جمع بكرة - بضم فإسكان - كما سمع جمع صفات على أصفاء، و{بِالْعَشِىّ}: متعلق "بسبح"، والباء بمعنى فى، ويجوز أن يتنازعه، اذكر وسبح، أى استغرق بالذكر والتسبيح، والأول أولى، لأن الذكر قد ذكر له قوله كثيراً.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر [من] حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله عليه السلام، وقول السدي: إنه سأل الآية ـ ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ـ ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً، والجعل إما بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين أولهما: {ءايَةً }، وثانيهما: {لِى } والتقديم لأنه المسوغ لكون {ءايَةً } مبتدأ عند الانحلال، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد وهو {ءايَةً } و {لِى } حينئذ في محل نصب على الحال من {ءايَةً } لأنه لو تأخر عنها كان صفة لها، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا منها كما تقدمت الإشارة إليه غير مرة ـ ويجوز أن يكون متعلقاً بما عنده وتقديمه للاعتناء به والتشويق لما بعده. {قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ } أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن جبير بن معتمر قال: ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح، وعلى كلا التقديرين عدم التكليم اضطراري، وقال أبو مسلم: إنه اختياري، والمعنى ـ آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح ـ ولا يخفى بعده هنا، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً ـ وإلى ذلك ذهب عطاء ـ وهو خلاف الظاهر، ومع هذا يتوقف قبوله على توقيف، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى. {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } أي متوالية، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام ولياليها، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه في سورة [مريم: 10] {أية : ثَلَـٰثَ لَيَالٍ } تفسير : والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر ثلاثة أيام منها وأخرى على ثلاث ليال وجعل ما لم يذكر في كل تبعاً لما ذكر، قيل: وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة/ قبلها في حساب الناس يومئذ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة إليه، واعترض بأن ـ آية الليالي ـ متقدمة نزولاً لأن السورة التي هي فيها مكية والسورة التي فيها ـ آية الأيام ـ مدنية، وعليه يكون أول ظهور هذه الآية ليلاً ويكون اليوم تبعاً لليلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب العرب فتدبر فالبحث محتاج إلى تحرير بعد، وإنما جعل عقل اللسان آية العلوق لتخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءاً لحق النعمة كأنه قيل له: آية حصول النعمة أن تمنع عن الكلام إلا بشكرها، وأحسن الجواب على ما قيل ما أخذ من السؤال كما قيل لأبـي تمام لم تقول ما لا نفهم؟ فقال: لم لا نفهم ما يقال؟ وهذا مبني على أن سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان لتلقي النعمة بالشكر، ولعل دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام وإلا ففي ذلك خفاء كما لا يخفى. وأخرج عبد الرزاق وغيره عن قتادة أن حبس لسانه عليه السلام كان من باب العقوبة حيث طلب الآية بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة ولعل الجناية حينئذ من باب ـ حسنات الأبرار سيآت المقربين ـ ومع هذا حسن الظن يميل إلى الأول، ومذهب قتادة ـ لا آمن على الأقدام الضعيفة ـ قتادة. {إِلاَّ رَمْزًا } أي إيماءاً وأصله التحرك يقال: ارتمز أي تحرك، ومنه قيل للبحر: الراموز، وأخرج الطيبي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الرمز فقال: الإشارة باليد والوحي بالرأس فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول الشاعر:شعر : ما في السماء من الرحمن (مرتمز) إلا إليه وما في الأرض من وزر تفسير : وعن مجاهد أن الرمز هنا كان تحريك الشفتين، وقيل: الكتابة على الأرض، وقيل: الإشارة بالمسبحة، وقيل: الصوت الخفي وقيل: كل ما أوجب اضطراباً في الفهم كان رمزاً وهو استثناء منقطع بناءاً على أن الرمز الإشارة والإفهام من دون كلام ـ وهو حينئذ ليس من قبيل المستثنى منه ـ وجوز أن يكون متصلاً بناءاً على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذاك القبيل، ولا يخفى أن هذا التأويل خلاف الظاهر ويلزم منه أن لا يكون استثناء منقطع في الدنيا أصلاً إذ ما من استثناء إلا ويمكن تأويله بمثل ذلك مما يجعله متصلاً ولا قائل به، وتعقب ابن الشجري النصب على الاستثناء هنا مطلقاً وادعى أن {رَمْزًا } مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض، والأصل أن لا تكلم الناس إلا برمز، فالعامل الذي قبل {إِلا } مفرغ في هذا النحو للعمل فيما بعدها بدليل أنك لو حذفت {إِلا } وحرف النفي استقام الكلام تقول في نحو ـ ما لقيت إلا زيداً ـ لقيت زيداً، وفي ـ ما خرج إلا زيد ـ خرج زيد، وكذا لو قلت ـ آيتك أن تكلم الناس رمزاً ـ استقام وليس كذلك الاستثناء، فلو قلت: ليس القوم في الدار إلا زيداً أو إلا زيد ـ ثم حذفت النفي وإلا ـ فقلت: القوم في الدار زيداً، أو زيد لم يستقم، فكذا المنقطع نحو ـ ما خرج القوم إلا حماراً ـ لو قلت: خرج القوم حماراً لم يستقم قاله السفاقسي. وقرأ يحيـى بن وثاب {إِلاَّ رَمْزًا } بضمتين جمع رموز كرسول ورسل. وقرىء {ورمزاً} بفتحتين جمع رامز ـ كخادم وخدم ـ وهو من نادر الجمع وعلى القراءتين يكون حالا من الفاعل والمفعول معاً أي مترامزين. ومثله قول عنترة:شعر : متى ما تلقني (فردين) ترجف روانف أليتيك وتستطارا تفسير : وجوز أبو البقاء أن يكون {إِلاَّ رَمْزًا } على قراءة الضم مصدراً، وجعله مسكن الميم في الأصل والضم عارض للاتباع كاليسر واليسر، وعليه لا يختلف إعرابه فافهم. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } أي في أيام الحبسة شكراً لتلك النعمة/ كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالذكر شكراً للنعمة مطلقاً لا في خصوص تلك الأيام، وأن يكون في جميع أيام الحمل لتعود بركاته إليه، والمنساق إلى الذهن هو الأول، والجملة مؤكدة لما قبلها مبينة للغرض منها، واستشكل العطف من وجهين: الأول عطف الإنشاء على الإخبار، والثاني: عطف المؤكد على المؤكد، وأجيب بأنه معطوف على محذوف أي اشكر واذكر، وقيل: لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفاً على (لا تكلم) فيكون في تقدير: أن لا تكلم وتذكر ربك، ولا يخفى ما فيه {كَثِيراً } صفة لمصدر محذوف أو زمان كذلك أي ذكراً كثيراً وزماناً كثيراً. {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ } وهو من الزوال إلى الغروب ـ قاله مجاهد ـ وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل {وَٱلإبْكَـٰرِ } أي وقته وهو من الفجر إلى الضحى، وإنما قدر المضاف لأن الابكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت فلا تحسن المقابلة كذا قيل؛ وهو مبني على أن {ٱلْعَشِىّ} ـ جمع عشية ـ الوقت المخصوص، وإليه ذهب أبو البقاء، والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدر أيضاً على فعيل لا جمع. وإليه يشير كلام الجوهري فافهم؛ وقرىء {وَٱلأَبْكَـارِ } بفتح الهمزة فهو حينئذ جمع بكر كسحر لفظاً ومعنى ـ وهو نادر الاستعمال ـ قيل: والمراد بالتسبيح الصلاة بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }تفسير : [الروم: 17] وقيل: الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر القلبـي، وعلى كلا التقديرين لا تكرار في ذكر التسبيح مع الذكر، و ـ أل ـ في الوقتين للعموم. وأبعد من جعلها للعهد أي عشي تلك الأيام الثلاثة وأبكارها والجار والمجرور متعلق بما عنده، وليس من باب التنازع في المشهور، وجوزه بعضهم فيكون الأمر بالذكر مقيداً بهذين الوقتين أيضاً، وزعم بعضهم أن تقييده بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. وفيه بعد تسليم أنه مقيد به فقط أن الكثرة أخص من التكرار. هذا ومن باب البطون: في الآيات أن زكريا عليه السلام كان شيخاً هما وكان مرشداً للناس فلما رأى ما رأى أي تحركت غيرة النبوة فطلب من ربه ولداً حقيقياً يقوم مقامه في تربية الناس وهدايتهم فقال: {أية : رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً }تفسير : [آل عمران: 38] أي مطهرة من لوث الاشتغال بالسوى منفردة عن إراداتها مقدسة من شهواتها {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ } على ساق الخدمة {يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ } وهو محل المراقبة ومحاربة النفس {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } وسمي به لأن من شاهد الحق في جمال نبوته يحيا قلبه من موت الفترة، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهو ما ينزل به الملك على القلوب المقدسة {وَسَيّدًا } وهو الذي غلب عليه نور هيبة عزة الحق، وقال الصادق: هو المباين للخلق وصفاً وحالاً وخلقاً؛ وقال الجنيد: هو الذي جاد بالكونين طلباً لربه، وقال ابن عطاء: هو المتحقق بحقيقة الحق، وقال ابن منصور: هو من خلا عن أوصاف البشرية وحلى بنعوت الربوبية، وقال محمد بن علي: هو من استوت أحواله عند المنع والإعطاء والرد والقبول {وَحَصُورًا } وهو الذي حصر ومنع عن جميع الشهوات وعصم بالعصمة الأزلية، وقال الاسكندراني: هو المنزه عن الأكوان وما فيها {وَنَبِيّا } أي مرتفع القدر بهبوط الوحي عليه ومعدوداً {أية : مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [آل عمران: 39] وهم أهل الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة المشاهدة للحق في مرايا الخلق {قَالَ} استعظاماً للنعمة: {رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } والحال {قَدْ بَلَغَنِيَ ٱلْكِبَرُ } وهو أحد الموانع العادية {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } وهو مانع آخر {أية : قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} تفسير : [آل عمران: 40] حسبما تقتضيه الحكمة {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً} على العلوق لأشكرك على هذه النعمة إذ شكر المنعم واجب وبه تدوم المواهب الإلهية {قَالَ آيَتُكَ / أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} بأن يحصر لسانك عن محادثتهم ليتجرد سرك لربك ويكون ظاهرك وباطنك مشغولاً به {إِلاَّ رَمْزًا } تدفع به ضيق القلب عند الحاجة، وحقيقة الرمز عند العارفين تعريض السر إلى السر وإعلام الخاطر للخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين المخاطب والمخاطب {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا } بتخليص النية عن الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السر في المناجاة وتحير الروح في المشاهدات {وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن الشركة في الوجود {أية : بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } تفسير : [آل عمران: 41] بالفناء والبقاء. وإن أردت تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس فتقول: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا } الاستعداد {رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } وهي النفس الطاهرة المقدسة عن النقائص {أية : إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء } تفسير : [آل عمران: 38] ممن صدق في الطلب {فَنَادَتْهُ } ملائكة القوى الروحانية {وَهُوَ قَائِمٌ } منتهض لتكميل النشأة {يُصَلّى } ويدعو في محراب التضرع إلى الله تعالى المفيض على القوابل بحسب القابليات {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } وهو الروح الحي بروح الحق والصفات الإلهية {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهي ما تلقيها ملائكة الإلهام من قبل الفياض المطلق {وَسَيّدًا } لم تملكه الشهوات النفسانية {وَحَصُورًا } أي مبالغاً في الامتناع عن اللذائذ الدنيوية {وَنَبِيّا } بما يتلقاه من عالم الملكوت ومعدوداً {أية : مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [آل عمران: 39] لهاتيك الحضرة القائمين بحقوق الحق والخلق لاتصافه بالبقاء بعد الفناء {قَالَ رَبّ أَنّىٰ } أي كيف {يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ } وضعف القوى الطبيعية {وَٱمْرَأَتِى } وهي النفس الحيوانية {عَاقِرٌ } عقيم عن ولادة مثل هذا الغلام إذ لا تلد الحية إلا حيية {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ } في غرابة الشأن {أية : يَفْعَلُ مَا يَشَاء} تفسير : [آل عمران: 40] من العجائب التي يستبعدها من قيده النظر إلى المألوفات، وبقي أسيراً في سجن العادات {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } على ذلك لأشكرك مستمطراً زيادة نعمك التي لا منتهى لها {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} وهم ما يأنس به من اللذائذ المباحة {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } وهي يوم الفناء بالأفعال ويوم الفناء بالصفات ويوم الفناء بالذات {إِلاَّ رَمْزًا } أي قدراً يسيراً تدعو الضرورة إليه {وَٱذْكُر رَّبَّكَ } الذي رباك حتى أوصلك إلى هذه الغاية {كَثِيراً } حيث منّ عليك بخير كثير {وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن نقائص التقيد بالمظاهر {بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } أي وقتي الصحو والمحو. وبعض الملتزمين لذكر البطون ذكر في تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس أن القوى البدنية امرأة عمران الروح نذرت ما في قوتها من النفس المطمئنة فوضعت أنثى النفس فكفلها زكريا الفكر فدخل عليها زكريا محراب الدماغ فوجد عندها رزقاً من المعاني الحدسية التي انكشفت لها بصفائها فهنالك دعا زكريا الفكر بتركيب تلك المعاني واستوهب ولداً مقدساً من لوث الطبيعة فسمع الله تعالى دعاءه فنادته ملائكة القوى الروحانية وهو قائم في أمره بتركيب المعلومات يناجي ربه باستنزال الأنوار في محراب الدماغ {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } العقل مصدقاً بعيسى القلب الذي هو كلمة من الله لتقدسه عن عالم الأجرام {وَسَيّدًا } لجميع أصناف القوى {وَحَصُورًا } عن مباشرة الطبيعة {وَنَبِيّا } بالإخبار عن المعارف والحقائق وتعليم الأخلاق ومنتظماً في سلك الصالحين وهم المجردات ومقربو الحضرة {قَالَ [رَبّ] أَنَّىٰ يَكُونُ } ذلك {وَقَدْ بَلَغَنِي } كبر منتهى الطور {وَٱمْرَأَتِى } وهي طبيعة الروح النفسانية {عَاقِرٌ } بالنور المجرد فطلب لذلك علامة فقيل له: علامة ذلك الإمساك عن مكالمة القوى البدنية في تحصيل مآربهم من اللذائذ {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ } كل يوم عقد تام من أطوار العمر وهو عشر سنين {إِلا } بالإشارة الخفية، وأمر بالذكر في هذه الأيام التي هي مع العشر الأول التي هي سن التميز أربعون سنة/ انتهى ـ وهو قريب مما ذكرته ـ ولعل ما ذكرته على ضعفي أولى منه، وباب التأويل واسع وبطون كلام الله تعالى لا تحصى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً}. لم يبين هل المانع له من كلام الناس بُكْم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك. أو لا مانع له إلا الله وهو صحيح لا علة له. ولكنه بين في سورة مريم، أنه لا بأس عليه. وأن انتفاء التكلم عنه لا لبُكم، ولا مرض وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} تفسير : [مريم: 10]. لأن قوله سوياً حال من فاعل تكلم مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي: يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه، في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. وعن ابن عباس: "أن سوياً عائد إلى الليالي" أي: كاملات مستويات، فيكون صفة الثلاث، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران.
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ آيَةً} {آيَتُكَ} {ثَلاَثَةَ} {وَٱلإِبْكَارِ} (41) - قَالَ زَكَرِيَّا: رَبِّ اجْعَلْ لِي عَلامَةً (آيةً) أَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى وُجُودِ الوَلَدِ مِنَّي. قَالَ: العَلاَمَةُ عَلَى ذَلِكَ هِيَ أَنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ مَعَ اسْتِواءِ صِحَّتِكَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ كَامِلَةٍ. ثُمّ أَمَرَهُ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَسْبِيحِهِ في الصَّباحِ وَالمَسَاءِ حِينَمَا تَعْرِضُ لَهُ هذِهِ الحَالَةُ. رَمْزاً - إِشَارَةً بِالْيَدِ أوْ بِالرْأسِ. الإِبْكَارِ - مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وَقْتِ الزَّوَالِ. العَشِيِّ - من الزَّوَالِ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ رَمْزاً} معناهُ إِشَارَةٌ باللِسَانِ مِنْ غَيرِ بَيانٍ. ويقالُ: إيماءٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 145 : 9 : 8 - سفين عن سلمة بن نبيط عن الضحاك (في ثلثة) أيام إلا رمزا" قال، الرمز الإِشارة. [الآية 41].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):