Verse. 335 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَاِذْ قَالَتِ الْمَلٰۗىِٕكَۃُ يٰمَرْيَمُ اِنَّ اللہَ اصْطَفٰىكِ وَطَہَّرَكِ وَاصْطَفٰىكِ عَلٰي نِسَاۗءِ الْعٰلَمِيْنَ۝۴۲
Waith qalati almalaikatu ya maryamu inna Allaha istafaki watahharaki waistafaki AAala nisai alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قالت الملائكة» أي جبريل «يا مريم إن الله اصطفاك» اختارك «وطهرك» من مسيس الرجال «واصطفاك على نساء العالمين» أي أهل زمانك.

42

Tafseer

الرازي

تفسير : القصة الثالثة وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها وفيه مسائل: المسألة الأولى: عامل الإعراب ههنا في {إِذْ } هو ما ذكرناه في قوله {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } تفسير : [آل عمران: 35] من قوله {سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ثم عطف عليه {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ } وقيل: تقديره واذكر إذ قالت الملائكة. المسألة الثانية: قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده، وهذا كقوله {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] يعني جبريل، وهذا وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام، وهو قوله {أية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } تفسير : [مريم: 17]. المسألةالثالثة: اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى:{أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } تفسير : [يوسف: 109] وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام، وذلك جائز عندنا، وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكرياء عليه السلام، وهو قول جمهور المعتزلة، ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 7]. المسألة الرابعة: اعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً: هو الاصطفاء، وثانياً: التطهير، وثالثاً: الاصطفاء على نساء العالمين، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها. النوع الأول من الاصطفاء: فهو أمور أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث وثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ألقتها إلى زكريا، وكان رزقها يأتيها من الجنة وثالثها: أنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ورابعها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وخامسها: أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول، وأما التطهير ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم {أية : وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } تفسير : [الأحزاب: 33] وثانيها: أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال وثالثها: طهرها عن الحيض، قالوا: كانت مريم لا تحيض ورابعها: وطهرك من الأفعال الذميمة، والعادات القبيحة وخامسها: وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم. وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة. المسألة الخامسة: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : حسبك من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون، وخديجة، وفاطمة عليهن السلام» تفسير : فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء، وهذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل، وقول من قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها، فهذا ترك الظاهر. ثم قال تعالى: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ وَٱسْجُدِى } وقد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] وبالجملة فلما بيّن تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله أوجب عليها مزيد الطاعات، شكراً لتلك النعم السنية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع؟. والجواب من وجوه الأول: أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب الثاني: أن غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجداً قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد»تفسير : فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات. ثم قال: {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ } وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث: قال ابن الأنباري: قوله تعالى: {ٱقْنُتِى } أمر بالعبادة على العموم، ثم قال بعد ذلك {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى } يعني استعملي السجود في وقته اللائق به، واستعملي الركوع في وقته اللائق به، وليس المراد أن يجمع بينهما، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم الرابع: أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله {أية : وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ }تفسير : [ق: 40] وفي الحديث «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين» تفسير : وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز. إذا ثبت هذا فنقول قوله {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى } معناه: يا مريم قومي، وقوله {وَٱسْجُدِى } أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة، ثم قال: {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرٰكِعِينَ } إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله {وَٱسْجُدِى } أمراً بالصلاة حال الانفراد، وقوله {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرٰكِعِينَ } أمراً بالصلاة في الجماعة، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله {وَٱسْجُدِى } أمراً ظاهراً بالصلاة، وقوله {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرٰكِعِينَ } أمراً بالخضوع والخشوع بالقلب. الوجه الخامس في الجواب: لعلّه كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع. السؤال الثاني: اما المراد من قوله {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ }. والجواب: قيل معناه: افعلي كفعلهم، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه، وإن كانت لا تختلط بهم. السؤال الثالث: لم لم يقل واركعي مع الراكعات؟ والجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء. واعلم أن المفسرين قالوا: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام شفاها، قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من قدميها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} أي ٱختارك، وقد تقدّم. {وَطَهَّرَكِ} أي من الكفر؛ عن مجاهد والحسن. الزجاج: من سائر الأدناسِ من الحيض والنفاس وغيرهما، وٱصطفاك لولادة عيسى {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ } يعني عالمِي زمانها؛ عن الحسن وٱبن جُريج وغيرهما. وقيل: {على نساء العالمين} أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح على ما نبينه، وهو قول الزجاج وغيره. وكرر الاصطفاء لأن معنى الأوّل الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى. وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنتِ عمران وآسية ٱمرأةِ فرعون وإنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الكمال هو التناهي والتمام؛ ويقال في ماضيه «كمل» بفتح الميم وضمها، ويكمل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبِه. والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصدّيقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرّر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوّة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيّتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبيّة؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدّم ويأتي بيانه أيضاً في «مريم». وأما آسية فلم يرِد ما يدل على نبوّتها دلالة واضحة بل على صدّيقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في «التحريم». وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة: «حديث : خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ٱمرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد»تفسير : . ومن حديث ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ٱمرأة فرعون»تفسير : . وفي طريق آخر عنه: «حديث : سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة»تفسير : . فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حوّاء إلى آخر ٱمرأة تقوم عليها الساعة؛ فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء؛ فهي إذاً نبيّة والنبيّ أفضل من الوليّ فهي أفضل من كل النساء: الأوّلين والآخرين مطلقاً. ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسِية. وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كُرَيْب عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسِية»تفسير : . وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خصّ الله مريم بما لم يؤته أحداً من النساء؛ وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في دِرعها ودنا منها للنفخة؛ فليس هذا لأحد من النساء. وصدّقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بُشِّرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية؛ ولذلك سماها الله في تنزيله صِدّيقة فقال: {أية : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} تفسير : [المائدة: 75]. وقال: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12] فشهد لها بالصدّيقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقُنُوت. وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم ٱمرأته فقال: أنى يكون لي غلام وٱمرأتي عاقر؛ فسأل آية؛ وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بِكْرٌ ولم يمسسها بشر فقيل لها: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ} تفسير : [مريم: 21] فاقتصرت على ذلك، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كُنْه هذا الأمر، ومن لأمرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب!. ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة؛ جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أقسمتُ لبرَرْتُ لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلاً منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ٱبنة عمران»تفسير : . وقد كان يحِق على من ٱنتحل علم الظاهر وٱستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : وقوله حيث يقول: «حديث : لِواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أوّل خطيب وأوّل شفيع وأوّل مُبشِّر وأوّل وأوّل»تفسير : . فلم ينْل هذا السّؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن. وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصدّيقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية. ومن قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة دِحية الكلبي حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأوّل أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ} كلموها شفاهاً كرامة لها، ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة لزكريا أو إرهاصاً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن الإِجماع على أنه سبحانه وتعالى لم يستنبىء امرأة لقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً }تفسير : [يوسف: 109] وقيل ألهموها، والاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم يقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء. والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتها مما قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها؛ لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانياً مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين، قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط»تفسير : ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به، وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد»تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله، وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون»تفسير : تفرد به الترمذي وصححه، قال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله»تفسير : رواه ابن مردويه أيضاً. من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة، سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون»تفسير : . وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: «حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»تفسير : . وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم عليه السلام في كتابنا" البداية والنهاية"، ولله الحمد والمنة. ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل؛ لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب، فقال تعالى: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ} أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: {أية : بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ}تفسير : [البقرة: 116]. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة»تفسير : . ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به، وفيه نكارة. وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالاً لقول الله تعالى: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ} قال الحسن: يعني اعبدي لربك، {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ} أي: كوني منهم. وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في قدميها رضي الله عنها وأرضاها. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى} قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها. وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، ثنا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كانت مريم عليها السلام، تغتسل في كل ليلة. ثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي: نقصه عليك {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي: ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر. قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبي بكر عن عكرمة، قال: ثم خرجت بها، يعني: أم مريم بمريم تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام، قال: وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها، وهي ابنتي، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا ـ وكان عمران يؤمهم في الصلاة ـ وصاحب قرباننا، فقال زكريا: ادفعوها لي؛ فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها. وقد ذكر عكرمة أيضاً والسدي وقتادة والريبع بن أنس وغير واحد، دخل حديث بعضهم في بعض، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم، فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء، فهو كافلها، فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء، إلا قلم زكريا، فإنه ثبت، ويقال: إنه ذهب صُعُداً يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر { إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَئِكَةُ } أي جبريل {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَٰكِ } اختارك {وَطَهَّرَكِ } من مسيس الرجال {وَٱصْطَفَٰكِ عَلَىٰ نِسَاءِ ٱلْعَٰلَمِينَ } أي أهل زمانك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك} فيه قولان: أحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها، وهذا قول الحسن. والثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح، وهو قول الزجاج. {وَطَهَّرَكِ} فيه قولان: أحدهما: طهرك من الكفر، وهو قول الحسن ومجاهد. والثاني: طهرك من أدناس الحيض والنفاس، وهو قول الزجاج. {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ} فيه قولان: أحدهما: انه تأكيد للاصطفاء الأول بالتكرار. والثاني: أن الاصطفاء الأول للعبادة، والاصطفاء الثاني لولادة المسيح. قوله عز وجل: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني أخلصي لربك، وهو قول سعيد. والثاني: معناه أديمي الطاعة لربك، وهو قول قتادة. والثالث: أطيلي القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد. {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} وفي تقديم السجود على الركوع قولان: أحدهما: أنه كان مقدماً في شريعتهم وإن كان مؤخراً عندنا. والثاني: أن الواو لا توجب الترتيب، فاستوى حكم التقديم في اللفظ وتأخيره، وأصل السجود والانخفاض الشديد والخضوع، كما قال الشاعر: شعر : فكلتاهما خَرّت وأسجّدّ رأسُها كما سَجَدتْ نصرانةٌ لم تحنف تفسير : وكذلك الركوع إلا أن السجود أكثر إنخفاضاً. وفي قوله تعالى: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} قولان: أحدهما: معناه وافعلي كفعلهم. والثاني: يعني مع الراكعين في صلاة الجماعة. قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ} يعني ما كان من البشرى بالمسيح. {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} وأصل الوحي إلقاء المعنى إلى صاحبه، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة، كما قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيٍّا}. قال العجاج: شعر : …………………………. أوحى لها القرار فاستقرّت تفسير : {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} فيه قولان: أحدهما: أنهم تشاجروا عليها وتنازعوا فيها طلباً لكفالتها، فقال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، وقال القوم: نحن أحق بها لأنها بنت إمامنا وعالمنا، فاقترعوا عليها بإلقاء أقلامهم وهي القداح مستقبلة لجرية الماء، فاستقبلت عصا زكريا لجرية الماء مصعدة، وانحدرت أقلامهم فقرعهم زكريا، وهو معنى قوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا} وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، والحسن، والربيع. والقول الثاني: أنهم تدافعوا كفالتها لأن زكريا قد كان كفل بها من غير اقتراع، ثم لحقهم أزمة ضعف بها عن حمل مؤونتها، فقال للقوم: ليأخذها أحدكم فتدافعوا كفالتها وتمانعوا منها، فأقرع بينهم وبين نفسه فخرجت القرعة له، وهذا قول سعيد.

ابن عطية

تفسير : قال الطبري: العامل في {إذ} قوله {سميع} فهو عطف على قوله: {أية : إذ قالت امرأة عمران} تفسير : [آل عمران: 35]، وقال كثير من النحاة: العامل في {إذ} في هذه الآية فعل مضمر تقديره "واذكر" وهذا هو الراجح لأن هذه الآيات كلها إنما هي إخبارات بغيب تدل على نبوة محمد عليه السلام، مقصد ذكرها هو الأظهر في حفظ رونق الكلام، وقرأ عبد الله بن عمر وابن مسعود، "وإذ قال الملائكة"، واختلف المفسرون هل المراد هنا بالملائكة جبريل وحده أو جمع من الملائكة؟ وقد تقدم القول على معنى مثلها في قوله تعالى: {أية : فنادته الملائكة} تفسير : [آل عمران: 39] و {اصطفاك} مأخوذ من صفا يصفو وزنه - افتعل - وبدلت التاء طاء التناسب الصاد، فالمعنى تخيرك لطاعته وقوله تعالى: {وطهرك} معناه من كل ما يصم النساء في خلق أو خلق أو دين قاله مجاهد وغيره، وقال الزجّاج: قد جاء في التفسير أن معناه طهرك من الحيض والنفاس. قال الفقيه أبو محمد : وهذا يحتاج إلى سند قوي وما أحفظه. وقوله تعالى: {واصطفاك على نساء العالمين} إن جعلنا {العالمين} عاماً فيمن تقدم وتأخر جعلنا الاصطفاء مخصوصاً في أمر عيسى عليه السلام وأنها اصطفيت لتلد من غير فحل، وإن جعلنا الاصطفاء عاماً جعلنا قوله تعالى: {العالمين} مخصوصاً في عالم ذلك الزمان، قاله ابن جريج وغيره، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة، خديجة بنت خويلد" تفسير : وروي عنه أنه قال: "حديث : خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد"تفسير : ، فذهب الطبري وغيره إلى أن الضمير في قوله - نسائها - يراد به الجنة، وذهب قوم إلى أنه يراد به الدنيا، أي كل امرأة في زمانها، وقال النبي عليه السلام، "حديث : خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه إلى زوج في ذات يده" تفسير : ، وقال أبو هريرة راوي الحديث: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط، وهذا الزيادة فيها غيب، فلا يتأول أن أبا هريرة رضي الله عنه، قالها إلا عن سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، "حديث : خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد"تفسير : ، وقد أسند الطبري، أن النبي عليه السلام، قال لفاطمة بنته، "حديث : أنت سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم بنت عمران، البتول"تفسير : ، وأنه قال، "حديث : فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين ". تفسير : قال الفقيه الإمام أبو محمد: وإذا تأملت هذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها، وجدت مريم فيها متقدمة، فسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على {العالمين} عموماً أيضاً، وقد قال بعض الناس، إن مريم نبية، قال ابن إسحاق، كانت الملائكة تقبل على مريم فتقول، {يا مريم إن الله اصطفاك}، الآية، فيسمع ذلك زكريا فيقول، إن لمريم لشأناً، فمن مخاطبة الملائكة لها، جعلها هذا القائل نبية، وجمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة. و {اقنتي} معناه اعبدي وأطيعي، قاله قتادة والحسن، وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي عليه السلام قال، كل قنوت في القرآن فهو بمعنى طاعة الله، ويحتمل أن يكون معناه، أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى لقوله، {واسجدي واركعي} وبه قال مجاهد، وابن جريج، والربيع وروى مجاهد أنها لما خوطبت بهذا، قامت حتى ورمت قدماها، وروى الأوزاعي، أنها قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها، وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها، تظنها جماداً لسكونها في طول قيامها، وقال سعيد بن جبير، {اقنتي لربك}، معناه أخلصي لربك، واختلف المتأولون، لم قدم السجود على الركوع؟ فقال قوم: كان ذلك في شرع زكرياء وغيره منهم وقال قوم: الواو لا تعطي رتبة، وإنما المعنى، افعلي هذا وهذا، وقد علم تقديم الركوع، وهذه الآية أكثر إشكالاً من قولنا، قام زيد وعمرو، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة، وهذه الآية قد علم أن السجود بعد الركوع، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك، فالقول عندي في ذلك، أن مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة، وهما طول القيام والسجود، وخصا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة، وإذا العبد يقرب في وقت سجوده من الله تعالى: وهذان يختصان بصلاتها مفردة، وإلا فيمن يصلي وراء إمام، فليس يقال له أطل قيامك، ثم أمرت -بعد - بالصلاة في الجماعة، فقيل لها، {واركعي مع الراكعين} وقصد هنا معلم من معالم الصلاة، لئلا يتكرر لفظ، ولم يرد بالآية السجود والركوع، الذي هو منتظم في ركعة واحدة والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {اصْطَفَاكِ} لولادة المسيح، أو على عالمي زمانك. {وَطَهَّرَكِ} من الكفر، أو أدناس الحيض والنفاس. {وَاصْطَفَاكِ} تأكيد للأصطفاء [أو] الأول للعبادة، والثاني لولادة المسيح عليه الصلاة والسلام.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ويعلمه} بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب. الباقون بالنون. {أني أخلق} بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع {أني أخلق} بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد {كهيئة} بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف. وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها. الباقون بالياء والهمزة. {الطائر} يزيد. الباقون {الطير} {فتكون} بتاء التأنيث. المفضل. الباقون: بياء الغيبة {طائر} أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة. الباقون {طيراً} {أنصاري إلى} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة {فيوفيهم} بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء. الباقون بالنون. الوقوف: {العالمين} ه {الراكعين} ه {إليك} ط {يكفل مريم} ص لعطف / المتفقتين. {يختصمون} ه {منه} ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً. فالوجه أن لا يوقف إلى {الصالحين} لأن {وجيهاً} حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين. {الصالحين} ه {بشر} (ط) {يشاء} ط {فيكون} ه {والإنجيل} ج لأن {ورسولاً} يجوز أن يكون معطوفاً على {ومن الصالحين} أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف. {من ربكم} ج لمن قرأ {إني أخلق} بالكسر {بإذن الله} ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات. {في بيوتكم} ط {مؤمنين} ج للعطف {وأطيعون} ه {فاعبدوه} ط {مستقيم} ه {إلى الله} ط {أنصار الله} ج لأن {آمناً} في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام {مسلمون} ه {الشاهدين} ه {ومكر الله} ط {الماكرين} ه {القيامة} ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار. {والآخرة} ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود. {ناصرين} ه {أجورهم} ط {الظالمين} ه {الحكيم} ه {آدم} ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف. {فيكون} ط {الممترين} ه. التفسير: القصة الثالثة قصة مريم. والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: {أية : إذ قالت امرأة عمران} تفسير : [آل عمران: 35] لمكان العطف. والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم {أية : فأرسلنا إليها روحنا} تفسير : [مريم: 17]. واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: {أية : وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} تفسير : [الأنبياء: 7] فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة. ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى {أية : وأوحينا إلى أم موسى} تفسير : [القصص: 7]. ثم إنه تعالى مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها. وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته {أية : ويطهركم تطهيراً} تفسير : [الأحزاب: 33]. وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة. وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود. قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة "تفسير : ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم. فقوله: {اقنتي} أمر بالعبادة على العموم {واسجدي} أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله {أية : وأدبار السجود} تفسير : [ق: 4] وفي الخبر "حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين"تفسير : ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : أقرب ما يكون العبد من الله تعالى وهو ساجد "تفسير : ثم قال: {واركعي مع الراكعين} فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة. وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود. وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله:{اقنتي} الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: {واسجدي واركعي} استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم. وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء. روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما. اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء {ذلك} الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب {نوحيه إليك} قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها. وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: {أية : وأوحى ربك إلى النحل} تفسير : [النحل: 68] وقال: {أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} تفسير : [الأنعام: 121] وقال: {أية : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً} تفسير : [مريم: 11] فلما كان الله سبحانه ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً {وما كنت لديهم} نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه صلى الله عليه وسلم فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز {أية : وما كنت بجانب الغربي} تفسير : [القصص: 44] {أية : وما كنت بجانب الطور} تفسير : [القصص: 46] {إذ يلقون أقلامهم} ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا {أيهم يكفل مريم} حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه. وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له. ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها. وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر. وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم. وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم. فمن خرج له السهم سلم له الأمر. قال تعالى: {أية : فساهم فكان من المدحضين} تفسير : [الصافات: 141] وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور. وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى. قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه. {وما كنت لديهم إذ يختصمون} يتنازعون على التكفل. قيل: هم خزنة البيت. وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي. ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير. ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع. وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً. القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته {إذ قالت الملائكة} يعني جبريل كما مر. ومتعلق "إذ" هو متعلق {وإذ قالت} لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: {إذ يختصمون}. قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها. فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول. ويجوز أن يتعلق بـ {يختصمون} ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل. واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم. ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته. ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث. كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض. وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات. فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد. قوله: {بكلمة منه} لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه تعالى غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله. وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال. وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق. وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك {أية : وجعلني مباركاً أينما كنت} تفسير : [مريم: 31] وكذلك عيسى معرب "إيشوع". أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون. عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ. وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها. وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب. وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام. وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين. وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم. قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون. وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة. قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها. وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس. / وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته. وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه. وذلك من جملة ما اصطفيت به. وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر. وإنما قيل: {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة. {وجيهاً} ذا الجاه والشرف والقدر. وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه {في الدنيا} بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب {والآخرة} بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة. ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة. وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات. وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة. والمهد قيل: حجر أمه. وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي. وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد {وكهلاً} عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة. والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي. روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء. ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة. وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال. فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟ فالجواب من وجوه. قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال. وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة. وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة. ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر. وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر. فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً. والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع. ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء. وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت. فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة. فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك. ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: {ومن الصالحين} كما ختم بذلك أوصاف يحيى. وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى. {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر} لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: {كذلك الله يخلق ما يشاء} وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله:{إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة {ويعلمه} بالياء عطف على {يبشرك} أو على {وجيهاً} أو على {يخلق} لأن قوله:{يخلق ما يشاء} وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ. وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة {إنا نبشرك} ونحن نخلقه. ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط. وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به. وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة. ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه. وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق. ثم قال: {ورسولاً} عطفاً على {وجيهاً} وما بعده. {إلى بني إسرائيل} أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف. وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم {أني قد جئتكم} يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم. وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم. وأما قوله: {ومصدقاً لما بين يديّ} فمعطوف على قوله: {بآية} أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم {لأحل لكم} وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي. أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يديّ. وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم. والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: {أني أخلق} فيمن قرأ بفتح {أني} ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق. ومن قرأ {إني أخلق} فللاستئناف أو للبيان كقوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} [آل / عمران: 59] ثم فسر المثل بقوله: {خلقه من تراب} [آل عمران: 59] وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح. والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته. {فأنفخ فيه} أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير {فيكون طيراً} وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع. يروى أنه خلق أنواعاً من الطير. وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ {طائراً} وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله. وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ. وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه تعالى أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟ أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات؟ وهذا هو الحق لقوله تعالى {أية : الذي خلق الموت والحياة}تفسير : [الملك: 2] ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة {أية : ربي الذي يحيي ويميت}تفسير : [البقرة: 258] فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال {وأبرىء الأكمه والأبرص} ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى. وقيل: هو الممسوح العين. ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل. وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل. وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن. وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه. وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه. وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه. والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما. والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز. يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده {وأحيي الموتى} أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له. قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: {بإذن الله} رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب. روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان عليه السلام يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم. كان عليه السلام يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء. فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت. فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت. فقال عليه السلام: فمن في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير. فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون فإذا هم خنازير. وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة. وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك. والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم. واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً. ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة} وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته. ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين. ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة. وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس. ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان. والثاني أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء: 160] واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم. كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له. {وجئتكم بآية من ربكم} شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: {إن الله ربي وربكم} لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه. وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: {إني قد جئتكم بآية من ربكم} أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب. {فاتقوا الله} لما جئتكم به من الآيات {وأطيعون} فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله. ثم ختم كلامه بقوله: {إن الله ربي وربكم} إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم. القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: {فلما أحس} أي علم {عيسى منهم الكفر} علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه. قال السدي: لما بعثه الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته. وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ. فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك. فقال عليه السلام: يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر. فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه. فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني. فلما فعل دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً. فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟ فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى عليه السلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً وقصد اليهود قتله صلى الله عليه وسلم وأظهروا الطعن فيه. / وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله {قال من أنصاري إلى الله} قيل: إنه لما دعا عليه السلام بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا عليه السلام فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى عليه السلام: إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟ فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه السلام بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى. وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم. ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى عليه السلام أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت. والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه عليه السلام. وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر {أية : فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين} تفسير : [الصف: 14] ومعنى {إلى الله} قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟ وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله. فالجار على القولين من صلة {أنصاري} مضمناً معنى الإضافة. وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟ أو حال التجائي إليه؟ وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟ وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى: "حديث : اللهم منك وإليك" تفسير : أي تقرباً إليك. فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف. وقيل: "إلى" بمعنى اللام. وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله. وهذا قول الحسن. {قال الحواريون نحن أنصار الله} أعوان دينه ورسوله. وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن. والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة. عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم. وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم. وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب. وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا. وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان. فطبخ عيسى عليه السلام حباً واحداً وجعل الجميع فيه. وقال: كوني بإذن الله كما أريد. فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر. فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد. فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون. وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟ فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين. وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة. فكانت القصعة لا تنقص. فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟ قالوا: نعم. فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم. قال: فإني أترك ملكي فأتبعك. فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون. قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته. {آمنا بالله} يجري مجرى السبب لقولهم: {نحن أنصار الله} فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه {واشهد بأنا مسلمون} منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه. أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة. ثم تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين. فقال ابن عباس: أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة: 143] وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143] وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} تفسير : [آل عمران: 18] وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: {أية : كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} تفسير : [المطففين: 18] {ومكروا} يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر {ومكر الله} المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة. قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم. وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق. فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً. أما مكرهم بعيسى عليه السلام فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى عليه السلام وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة. فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب. وأخرى قالت: كان ابن الله. وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله. وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى عليه السلام. وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد. فسمع بذلك ملك الروم. وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم. ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم. وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك. ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح والهم بقتله. وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود {والله خير الماكرين} أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب. واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله تعالى محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40] أو بأنه تعالى عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج. وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير. {إذ قال الله} ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر {يا عيسى إني متوفيك} أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك. وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ. وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق. ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي. وقال محمد بن إسحق. توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه. وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب. أخذه من قوله {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} تفسير : [الزمر: 42]. وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده. وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته. وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته. وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: {أية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} تفسير : [فاطر: 10] وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير. فإن الواو لا تقتضي الترتيب. والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا. ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك. أما قوله {ورافعك إليّ} فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله تعالى وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: {أية : إني ذاهب إلى ربي} تفسير : [الصافات: 99] وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله. والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية. ولئن سلم أنه تعالى يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى عليه السلام إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى. ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: {ومطهرك من الذين كفروا} أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق. فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء. وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة. ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى. على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعده فصدقوه في قوله: {أية : ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} تفسير : [الصف: 6] أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى. واعلم أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: {أية : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} تفسير : [النساء: 157] فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات. الثاني أن جبريل كان معه حيث سار. ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض. فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟ وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟ الثالث أنه تعالى كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟ وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟ الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء. الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً. فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر. والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه تعالى قادر على خلق مثل زيد. وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم. وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف. والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة. وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم. إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط. وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر. على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية. قال: {ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين. وتفسيره قوله: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها {والآخرة} بدخول النار خالدين فيها {وما لهم من ناصرين} {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين} الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه. وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين. {ذلك} الذي سبق من نبأ عيسى عليه السلام وغيره وهو مبتدأ خبره {نتلوه عليك} والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض. جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته. {من الآيات} خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي. ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و {نتلوه} صلته و{من الآيات} الخبر. ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره {نتلوه}. والذكر الحكيم القرآن. وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه. وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه تعالى أنزل هذه القصص مما كتب هناك. قال المفسرون: حديث : إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد. قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} تفسير : أي حاله الغريبة كحاله. ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب. لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه. ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله:{خلقه من تراب} أي قدّره جسداً من طين. قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث. وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل". والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" {ثم قال له} أي لذلك المقدّر {كن فيكون} وهذا كقوله: {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : [المؤمنون: 14] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: شعر : فأصر بها بلا دهش فخرت تفسير : أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة. وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: {خلقه من تراب} أي صيره بشراً سوياً. ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن". وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه تعالى بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص. والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود. قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج. وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء {أية : خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً} تفسير : [الفرقان: 54] ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء. ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً {أية : إني خالق بشراً من طين} تفسير : [ص: 71] ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين {أية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} تفسير : [المؤمنون: 13] ثم جعله طيناً لازباً {أية : إنا خلقناهم من طين لازب} تفسير : [الصافات: 11] ثم سنه وغير رائحته {أية : ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون} تفسير : [الحجر: 26]. عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى عليه السلام؟ قالوا: / لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيي الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً. {الحق من ربك} خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو {الحق} مبتدأ و{من ربك} خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان. {فلا تكن من الممترين} الشاكين. قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً. وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة. التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس {أية : إن الله اصطفى آدم} تفسير : [آل عمران: 33] ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على الكائنات كقوله: حديث : لولاك لما خلقت الأفلاكتفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : آدم فمن دونه تحت لوائي "تفسير : ، واصطفاء على الجنس كقوله: {أية : يا موسى إني اصطفيتك على الناس} تفسير : [الأعراف: 144] ولمريم {إن الله اصطفاك} لاصطفائك إياه {وطهرك} عن الالتفات لغيره {واصطفاك على نساء العالمين} لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء. {إن الله يبشرك بكلمة منه} كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله تعالى. والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "حديث : كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"تفسير : والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة. وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره. قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال صلى الله عليه وسلم " حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه " تفسير : وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب} تفسير : [مريم: 30] روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. وسمي المسيح لأنه حين مسح الله تعالى ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " حديث : إن الله تعالى أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم "تفسير : فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح. {وكهلاً} أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم {ومن الصالحين} يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام. {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات. ولما كان روح عيسى عليه السلام وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات {فلما أحس عيسى منهم الكفر} فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر {قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون} وهم القلب وصفاته {نحن أنصار الله آمنا بالله} أي بوحدانيته والتبري عن غيره {واشهد بأنا مسلمون} منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه {ربنا آمنا بما أنزلت} من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق {واتبعنا الرسول} الوارد من نفحات ألطافك {فاكتبنا مع الشاهدين} المشاهدين لأنوار جلالك {ومكروا} أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح {ومكر الله} بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها {والله خير الماكرين} في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك} عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية {ورافعك إليّ} بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى. ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية {ثم إليّ مرجعكم} باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح. {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، {والآخرة} بالقطيعة والبعد عن الله {والله لا يحب الظالمين} الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله تعالى. ثم قال له كن فيكون. هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد {فلا تكن من الممترين} نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}: العامل في «إِذْ»: «ٱذْكُرْ»؛ لأن هذه الآياتِ كلَّها إِنما هي إِخبارات بغَيْبٍ تدلُّ على نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، مَقْصِدُ ذِكْرها هو الأظهر في حِفْظِ رَوْنَقِ الكلام. و {ٱصْطَفَـٰكِ}: معناه: تَخَيَّرَكِ لطاعته، و {طَهَّرَكِ}: معناه: من كُلِّ ما يَصِمُ النساء في خَلْقٍ، أو خُلُقٍ، أو دِينٍ؛ قاله مجاهد وغيره، وقولُ الزَّجَّاجِ: قد جاء في التفْسير؛ أنَّ معناه: طَهَّرك من الحَيْض والنفاسِ ـ يحتاج إِلى سند قويٍّ، وما أحفظُه، و {ٱلْعَـٰلَمِينَ} يحتملُ عَالَمَ زَمانها. قال * ع *: وسائغ أنْ يتأوَّل عموم الاِصطفاء على العَالَمِينَ، وقد قال بعضُ الناس: إِن مريم نَبِيَّةٌ من أَجْلِ مخاطَبَةِ الملائكةِ لها، وجمهورُ النَّاسِ علَىٰ أنها لم تُنَبَّإِ ٱمرأةٌ، و {ٱقْنُتِي} معناه: ٱعبُدِي، وأَطِيعِي؛ قاله الحَسَن وغيره، ويحتمل أنْ يكون معناه: أطِيلِي القيامَ في الصَّلاة، وهذا هو قولُ الجمهورِ، وهو المناسبُ في المعنَىٰ لقوله: {وَٱسْجُدِي}، وروى مجاهدٌ؛ أنها لما خوطِبَتْ بهذا، قامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها، وروى الأوزاعيُّ: حَتَّىٰ سَالَ الدَّمُ والقَيْحُ من قَدَمَيْهَا، وروي أنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ، تنزلُ علَىٰ رَأْسِهَا تظُنُّها جَمَاداً. واختلف المتأوِّلون، لِمَ قُدِّمَ السُّجودُ على الركوع. فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم. وقال * ص *: قوله: {وَٱرْكَعِي}، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم؛ لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدَّماً في شرعهم. اهـ.

ابن عادل

تفسير : إن شئت جعلتَ "إذ" نسقاً على الظرف قبله - وهو قوله: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَةُ عِمْرَانَ} تفسير : [آل عمران: 35]، وإن شئت جعلته منصوباً بمقدّر، قاله أبو البقاء. وقرأ ابنُ مسعودٍ وابن عمرَ: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ}، - دون تاء تأنيث، وتقدم توجيهه في "فناداه الملائكة" - ومعمول القول الجملة المؤكدة بـ "إنَّ" - من قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} - وكرر الاصطفاء؛ رَفْعاً من شأنها. قال الزمخشريُّ: "اصطفاك أولاً حين تَقَبَّلَكِ مِنْ أمِّكِ، وربَّاكِ، واختصك بالكرامة السنية، واصطفاك آخراً على نساء العالمين، بأن وَهَبَ لكِ عيسى من غير أبٍ، ولم يكن ذلك لأحد من النساء". واصطفى: "افتعل" من الصفوة أبدلت التاء طاءً؛ لأجل حرف الإطباق كما تقدم تقريره في البقرة، وتقدم سبب تعديه بـ "على" وإن كان أصل تعديته بمن. وقال أبو البقاء: "وكرر اصطفى إما توكيداً وإما لتبيين من اصطفاها عليهم". وقال الواحديُّ: "وكرَّر الاصطفاء؛ لأنّ كلا الاصطفاءين يختلف معناهما، فالاصطفاء الأول عموم يدخل فيه صوالح النساءِ، والثاني: اصطفاءٌ بما اختصت به من خصائصها". فصل المراد بالملائكة - هنا جبريل وحده كقوله: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النحل: 2] يعني: جبريل وإنما عدلنا عن الظاهر؛ لأن سورةَ مريمَ دلت على أن المتكلمَ مع مريم عليه السلام هو جبريلُ؛ لقوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} تفسير : [مريم: 17]. فصل اعلم أن مريمَ - عليها السلامُ - ما كانت من الأنبياء، لقوله تعالى {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 7]، وهذا الاستدلالُ فيه نظرٌ؛ لأن الإرسالَ ليس هو المدَّعَى، وإنما المدَّعَى هو النبوة، فإنَّ كلَّ رسول نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً، وإذا كان كذلك كان إرسالُ جبريلَ إليها إمَّا يكون كرامةً لها - وهو مذهب مَنْ يُجوز كرامات الأولياء - وإرهاصاً لعيسى، والإرهاص: هو مقدمة تأسيسِ النبوةِ، وإما أن يكون معجزةً لزكريا عليه السلام وهو قول جمهور المعتزلة. وقال بعضهم: إن ذلك كان على سبيل النفث في الرَّوع، والإلهام، والإلقاء في القلب، كما كان في حقِّ أم موسى - عليه السلام - في قوله: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 7]. فصل قيل: المرادُ بالاصطفاء الأول أمور: أحدها: أنه - تعالى - قبل تحريرها - مع كونها أنثى - ولم يحصل هذا لغيرها. وثانيها: قال الحسنُ: إن أمَّها لما وضعتها ما غذَّتها طرفة عين، بل ألقتها إلى زكريا، فكان رزقُها يأتيها من الجَنَّةِ. وثالثها: أنّه - تعالى - فرَّغها لعبادته، وكفاها أمر رِزقها. ورابعها: أنه - تعالى - أَسْمَعَها كلام الملائكة شِفَاهاً، ولم يتَّفِق ذلك لأُنْثَى غيرها. فصل وفي التطهير أيضاً وجوه: أحدها: أنه - تعالى - طهرها عن الكفر والمعصية، كقوله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} تفسير : [الأحزاب: 33]. وثانيها: طهرها عن مسيس الرجال. وثالثها: طهرها عن الحيض والنفاس. ورابعها: طهرها عن الأفعال الخسيسة. وخامسها: طهرها عن مقال اليهود وكذبهم وافترائهم. وأما الاصطفاء الثاني، فالمراد منه أنه - تعالى - وَهَبَ لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأَنْطَق عيسى حين انفصاله منها وحين شَهِد لها ببراءتها من التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين. وقال علي - رضي الله عنه - سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَان، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" تفسير : رواه وكيع وأشار وكيع إلى السماء والأرض. وعن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ ابْنَة عمران، وآسِية امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَة عَلَى سائِر النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيد عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ". تفسير : وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حَسْبُك مِنْ نِسَاء العَالَمِين أَرْبَعٌ: مَرْيم بِنْتُ عِمْرانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ". تفسير : وقيل: دلَّ هذا الحديثُ على أن هؤلاء الأربع أفضلُ من سائر النساء، وهذه الآية دلت على أنَّ مريم عليها السلام أفضل من الكُلِّ. وقَول مَنْ قال: "المراد أنها مُصْطَفَاةٌ على عالمي زمانها، فهذا تَركٌ للظاهر. وروى موسى بن عقبة عن كُريب عن ابن عباسٍ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : سَيِّدَةُ نساءِ العَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَة، ثُمَّ خَدِيْجَةُ، ثُمَّ آسيَةُ" تفسير : حديث حسن. قال القرطبي: خصَّ الله مريَم بما لم يؤتهِ أحداً من النساء؛ وذلك أن رُوحَ القدس كلَّمها، وظهر لها ونفخ في دِرْعها، ودنا منها للنفخة، وليس هذا لأحد من النساء، وصدَّقت بكلمات ربِّها، ولم تَسأَلْ آيةً عندما بُشرَت - كما سأل زكريا - من الآية، ولذلك سمَّاها الله - تعالى - في تنزيله: صِدِّيقةً، قال "وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ" وقال: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ} تفسير : [التحريم: 12] فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق بكلمات البشرى، وشهد لها بالقنوت؛ ولما بُشِّرَ زكريا بالغلام لحظ إلى كِبَر سِنِّه، وعقم رحم امرأته فقال: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ} تفسير : [آل عمران: 40]، فسأل آية. وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر، ولم يَمْسَسْها بَشَر، فقيل لها كذلك قال رَبُّكِ فاقتصرت على ذلك، وصدَّقت بكلمات ربها، ولم تسأل آية، فمن يَعْلم كُنه هذا الأمر، ومن لامرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدمَ ما لها من هذه المناقب؟ قوله: {يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تقدم الكلام في القنوت عند قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238]. وأنه طول القيام. فإن قيل: لِمَ قدم ذكر السجود على الركوع؟ فالجواب من وجوهٍ: أحدها: أن الواو تفيد التشريك لا الترتيبَ. الثاني: أن غاية قُرْب العبد من ربه إذا كان ساجداً، فلما اختص السجود بهذه الفضيلة قُدِّم على بَاقِي الطَّاعَاتِ. الثالث: قال ابنُ الأنباري: "قوله تعالى: {ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} أمر بالعبادة على العموم، وقوله بَعْدَ ذلك: {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي} يعني استعملي السجود في وقته اللائق به، وليس المراد أن تجمع بينهم، ثم تقدم السجود على الركوعِ". الرابع: أن الصلاة تسمى سجوداً - كما قيل في قوله: {أية : وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [ق: 40] وفي الحديث: "حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين ". تفسير : وأيضاً قال: فالسجود أفضل أجزاء الصلاة، وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه مجاز مشهور. وإذا ثبت ذلك فقوله: {يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي} معناه: قومي، وقوله: {وَٱسْجُدِي} أمر ظاهر بالصلاة حال الانفراد، وقوله: {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أمر بالخضوع، والخشوع بالقلب. الخامس: لعلّ السجود في ذلك الدين كان متقدّماً على الركوع. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: واركعي مع الراكعات؟ فالجواب: لأن الاقتداء بالرجل - حال الاختفاء من الرجال - أفضل من الاقتداء بالنساء. وقيل: لأنه أعم وأشمل. قال المفسّرون: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات - شفاهاً - لمريم قامت في الصّلاة، حتى تورمت قدماها، وسالت دماً وقَيْحاً. وقوله: {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} قيل: معناه: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به الصلاة الجامعة. قوله: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ} يجوز فيه أوجه: أحدها: أن يكون "ذَلِكَ" خبرَ مبتدأ محذوفٍ، وتقديره: الأمر ذلك. و {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} - على هذا - يجوز أن يكون من تتمة هذا الكلام, حالاً من اسم الإشارة, ويجوز أن يكون الوقف على "ذَلِكَ" ويكون {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} متعلقاً بما بعدَه، وتكون الجملة من "نُوحِيهِ" - إذ ذاك - إما مُبَيِّنَة وشارحة للجملة قبلها، وإما حالاً. الثاني: أن يكون "ذَلِكَ" مبتدأ، و {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} خبره، والجملة من "نُوحِيهِ" مستأنفة، والضميرُ من "نوحِيهِ" عائد على الغيب، أي: الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونُظهرك على قصص مَنْ تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في "نُوحِيهِ". وهذا أحسن من عَوْده على "ذَلِكَ"؛ لأن عَوده على الغيب يشمل ما تقدم من القصص، وما لم يتقدم منها، ولو أعدته على "ذَلِكَ" اختص بما مَضَى وتقدم. الثالث: أن يكون "نُوحِيهِ" هو الخبر و {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} على وجهَيْه المتقدمَيْن من كونه حالاً من ذلك، أو متعلقاً بـ "نُوحِيه". ويجوز فيه وجه ثالثٌ - على هذا - وهو أن يُجْعَل حالاً من مفعول "نُوحِيهِ" أي: نوحيه حال كونه بعض أنباءِ الغيبِ. فصل الإنباء هو الإخبارُ عما غاب عنك - والإيحاء، ورد بإزاء معانٍ مختلفةٍ، وأصله إعلام في خفاء يكون بالرمز والإشارة ويتضمن السرعة. كما في قوله: [الطويل] شعر : 1456-................... فَأَوْحَتْ إلَيْنَا وَالأنَامِلُ رُسْلُهَا تفسير : وقال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} تفسير : [مريم: 11]. ويكون بالكتابة، قال زهير: [الطويل] شعر : 1457- أتَى الْعُجْمَ وَالآفاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقِينَ بَقَاءَ الْوَحْي فِي الْحَجَرِ الأصَمْ تفسير : ويطلق الوحي على الشيء المكتوب، قال: [الكامل] شعر : 1458- فَمَدَافِعُ الرَّيانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا تفسير : قيل: الوُحِيّ: جمع وَحْي - كفلس وفلوس - كُسِرَت الحاءُ إتباعاً. قال القرطبيُّ: "وأصل الوحي في اللغة: إعلام في خفاءٍ". وتعريفُ الوحي بأمر خفي من إشارة، أو كتابة، أو غيرها، وبهذا التفسير يُعَدُّ الإلهامُ وَحياً، كقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}تفسير : [النحل: 68] وقال - في الشياطين -: {أية : لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 121] وقال: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً}تفسير : [مريم: 11]، فلما ألقى الله - تعالى - هذه الأنباء إلى الرسول عليه السلام - بواسطة جبريل عليه السلام - بحيث يخفى ذلك على غيره - سمَّاه وحياً. قوله تعالى: {إِذْ يُلْقُونَ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب بالاستقرار العامل في الظرف الواقع خبراً. والثاني - وإليه ذهب الفارسي -: أنه منصوب بـ "كُنْتَ". وهو منه عجيب؛ لأنه يزعم أنها مسلوبة الدلالة على الحدثِ، فكيف يعمل في الظرف، والظرف وعاء للأحداث؟ والذي يظهر أن الفارسيَّ إنما جوَّز ذلك بناء على ما يجوز أن يكون مراداً في الآية، وهو أن تكون "كان" تامة بمعنى: وما وُجدتَ في ذلك الوقت. والضمير في "لَدَيْهِمْ" عائد على المتنازعين في مريم - وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ -؛ لأن السياقَ قد دلّ عليهم. فإن قيل: لم نُفِيَت المشاهدةُ - وانتفاؤها معلوم بالضرورة - وتُرِك نفي استماع هذه الأنباء من حُفَّاظِها، وهو أمر مجوز؟ فالجواب: أن هذا الكلامَ ونحوه، كقوله: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ} تفسير : [القصص: 46] وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} تفسير : [يوسف: 102] وقوله: {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} تفسير : [هود: 49] - وإن كان انتفاؤه معلوماً بالضرورة - جارٍ مَجْرَى التهكُّم بمُنْكِري الوحي، يعني أنه إذا عُلِمَ أنك لم تُعَاصِر أولئك، ولم تُدارِس أحداً في العلم، فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوَحْي. ومعنى الآية: ذلك - الذي ذكرناه - من حديث زكريا ويحيى ومريم - عليهم السلام - من أخبار الغيب نوحيه إليك، وذلك دليلٌ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن قصصهم - ولم يكن قرأ الكتب - وصدَّقه أهل الكتاب بذلك. ثم قال: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي: وما كنت يا محمد بحضرتهم {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ}. أقلام: جمع قَلَم، وهو فَعَل بمعنى مفعول، أي: مَقْلُوم. والقَلْمُ: القَطْع، ومثله: القبض بمعنى المقبوض، والنقض بمعنى المنقوض، وجمع القلم على أقلام - وهو جمع قِلَّة - وحكى ابنُ سيدَه أنه يُجْمَع على قلام - بوزن رِماح - في الكثرة. وقيل له: قَلَم؛ لأنه يُقْلَم، ومنه قلمت ظفري - أي: قطعته وسويته. قال زهير: [الطويل] شعر : 1459- لَدَى أسَدٍ شَاكِي السلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ تفسير : وقيل: سمي القَلَمُ قَلَماً، تشبيهاً بالقُلامةِ - وهو نَبْتٌ ضعيفٌ - وذلك لأنه يُرقق فيَضْعف. فصل في المراد بالأقلام - هنا - وجوهٌ: أحدها: التي يُكْتَب بها، وكان اقتراعهم أن مَنْ جرى قلمُه عكس جَرْي الماء، فالحقُّ معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك، فسلموا الأمر له، وهذا قول الأكثرين. الثاني: قال الربيع: ألْْقَوا عِصِيَّهم في الماء. الثالث: قال أبو مسلم: هي السهام التي كانت الأمم يفعلونها عند المساهمة، يكتبون عليها أسماءَهُمْ، فمَنْ خرج له السهم سُلِّم إليه الأمر، قال تعالى: {أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} تفسير : [الصافات: 141]. وإنما سميت هذه السهامُ أقْلاَماً؛ لأنها تُقْلَم وتُبْرَى، وكلما قَطَعْتَ شيئاً بعد شيء فقد قلمته، ولهذا يُسَمَّى ما يُكْتَب به قَلَماً. واختلفوا فيهم، فقيل: هم سَدَنَةُ البيت، وقيل: هم العلماء والأحبار وكُتَّاب الوَحْي. قوله: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} هذه الجملة منصوبة المحل؛ لأنها مُعَلقة لفعل محذوف، ذلك الفعل في محل نصب على الحال، تقديره: يُلْقُون أقلامَهم ينظرون - أو يعلمون - أيهم يكفل مريم. وجوز الزمخشريُّ: أن يقدَّر بـ "يقولون" فيكون مَحْكيًّا به، ودل [على ذلك] قوله، يُلْقُون. وقوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} كقوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون}. فصل اختلفوا في السبب، الذي لأجله رغبوا في كفالتها، حتى تنازعوا فيها: قيل: لأن أباها عمرانَ كان رئيساً لهم، ومتقدِّماً فيهم، فلأجل حَقِّ أبيها رغبوا في كفالتها. وقيل: لأن أمَّها حرَّرَتْها لعبادة الله - تعالى - ولخدمة بيته، فلأجْل ذلك حرصوا على التكفُّل بها. وقيل: لأنهم وجدوا أمرها وأمر عيسى مبيَّناً في الكتب الإلهيةِ، فلهذا السببِ اختصموا في كفالتها. فصل دلت هذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصل في شَرْعِنا لكل من أراد العدل في القسمة. قال القرطبيُّ: وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستوين في الحجة؛ ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظِّنَّةُ عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحدٌ منهم على صاحبه، وقد ورد الكتاب والسنة بالقرعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا معنى لها، وزعموا أنها تُشْبِه الأزلام التي نَهَى اللهُ عنها. قال أبو عبيد: "وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد صلّى الله عليهم وسلّم". قال ابنُ المُنْذِرِ: "واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء". فصل قال القرطبيُّ: دلَّتْ هذه الآية على أن الخالةَ أحقُّ بالحضانةِ من سائر الْقَرَابَاتِ ما عدا الجَدَّة، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بابنة حمزة لجعفر - وكانت خالتها عنده - وقال: "حديث : الخالة بِمَنْزِلَةِ الأمِّ ". تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} في هذا الظرف أوجهٌ: أحدها: أن يكون منتصباً بـ "يَخْتَصِمُونَ". الثاني: أنه بدل من "إذْ يَخْتَصِمُونَ" وهو قول الزجاج. وفي هذين الوجهين بُعْدٌ؛ حيث يلزم اتحاد زمان الاختصام، وزمانِ قَوْل الكلام، ولم يكن ذلك؛ لأن وقت الاختصام كان صغيراً جِدًّا، ووقت قولِ الملائكةِ بعد ذلك بأحْيَانٍ. قال الحسنُ: إنها كانت عاقلة في حال الصِّغَرِ، وإن ذلك كان من كراماتها. فإن صحَّ ذلك صحَّ الاتحاد، وقد استشعر الزمخشريُّ هذا السؤال، فأجاب بأن الاختصام والبشارة وقَعَا في زمان واسعٍ، كما تقول: لقيته سنةَ كذا، يعني أن اللقاءَ إنما يقع في بعض السنة فكذا هذا. الثالث: أن يكون بدلاً من {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} - أولاً - وبه بدأ الزمخشريُّ - كالمختار له - وفيه بعد لكثرة الفاصل بين البدلَ والمبدل منه. الرابع: نصبه بإضمار فعل. الخامس: قال أبو عبيدة: "إذْ - هنا - صلة زائدة". والمراد بالملائكة هنا: جبريل عليه السلام لما قررناه وقد تقدم الكلام في البشارة. فصل قال القرطبيُّ: "قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ} دليل على نبوتها مع ما تقدم من كونها أفضل نساءِ العالمين، وأن الملائكة قد بلّغتها الوحي عن الله - عز وجل - بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلَّغت سائر الأنبياءِ، فهي إذاً نَبِيّة، والنبيُّ أفضل من الوليّ". وقال ابنُ الخطيب: ذلك كرامة لها؛ إذ ليست نبية؛ لاختصاص النبوةِ بالرجال، وقال جمهورُ المعتزلة؛ ذلك معجزة لعيسى - عليه السلام -. قال ابنُ الْخَطِيبِ: وهو عندنا إرهاصٌ لعيسى، أو كرامة لمريم. قوله: {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} في محل جر؛ صفة لـ "كَلِمَةٍ" و "مِنْ" ليست للتبعيض؛ إذ لو كان كذلك، لكان الله - تعالى - مُتبعِّضاً مُتجزِّئاً - تعالى الله عن ذلك - بل لابتداء الغاية؛ لأن كلمة الله مبدأ لظهوره وحدوثه، والمراد بالكلمة - هنا - عيسى - لوجوده بها وهو قوله: كن فهو من باب إطلاق السبب على المُسَبّبِ. فإن قيل: أليس كل مخلوق، فهو يخلق بهذه الكلمة؟ فالجوابُ: نَعَمْ، إلا أن ما هو السبب المتعارَف كان مفقوداً في حق عيسى - عليه السلام - فكان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل هذا التأويل كأنه نفس الكلمة، كمن غلب عليه الجود والكرم يُقال على سبيل المبالغة -: إنه نفس الجود ومَحْض الكرم، فكذا ها هنا. وأيضاً فإن السلطان قد يُوصَف بأنه ظلُّ اللهِ، ونور اللهِ - إذا أظهر لهم ظل العدل، ونور الإحسانِ، فكذا عيسى - عليه السلام - لما كان سبباً لظهور كلام الله - تعالى - بكثرة بياناته، وإزالة الشبهاتِ والتحريفات عنه، فسُمِّيَ بكلمة الله على هذا التأويل. فصل حدوث الولد من غير نطفة الأب مُمكن، أما على أصول المسلمين، فظاهر؛ لأنّ الله تعالى قادرٌ على كل الممكنات، وإذا خلق آدمَ من غير أمٍّ ولا أبٍ، فخَلْقُه عيسى - عليه السلام - من غير أب أولَى، وأما على أصول الفلاسفة فإنهم اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التولُّد؛ لامتزاج العناصر الأربعة على القدر الذي يناسب بَدَنَ الإنسان، وعند امتزاجها يجب حدوث الكيفية المزاجية، وعند حصول الكيفية المزاجية، يجب تعلُّق النفس، فثبت أن حدوث الإنسان - على سبيل التولد - معقول ممكن، وأيضاً إنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد - كتولُّد الفأر عن المدر، والحيَّات عن الشعر، والعقارب عن الباذَروج - وإذا كان كذلك فتولُّد الولَدِ لا عَنِ أبٍ أوْلَى ألا يكون ممتنعاً. وأيضاً، فإن التخيُّلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة كما أن تصور حدوث المنافي، يوجب حصول كيفية الغضب، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن، وكما أن اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض، قدر الإنسان على المشي عليه، ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما يمشي سقط، وما ذاك إلا لأن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، وقد ذكر الفلاسفة أمثلة كثيرة لهذا الباب، فما المانع أن يقال: إنها لما تخيلت صورةَ جبريل عليه السلام [كفى ذلك في علوق] الولد في رحمها، وإذا كانت هذه الوجوهُ ممكنةٌ كان القول بحدوث عيسى - من غير أبٍ - غير ممتنع. قوله: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى} اسمه مبتدأ، والمسيح خبره، وعيسى بدل منه، أو عطف بيان. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون خبراً آخرَ؛ لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ، والمبتدأ مفرد - وهو قوله: اسمه - ولو كان "عِيسَى" خبراً آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها - على تأنيث الكلمة" وأما من يجيز ذلك فقد أعرب "عِيسَى" خبراً ثانياً، وأعربه بعضهم خبرَ مبتدأ محذوفٍ - أي: هو عيسى. ويجوز على هذا الوجه وَجْهٌ رابعٌ، وهو النَّصْب بإضمار أعني؛ لأن كل ما جاز قطعه رفعاً جاز قطعه نصباً، والألف واللام في المسيح للغلبة كهي في الصعق والعيُّوق وفيه وجهان: أحدهما: أنه فَعِيل بمعنى فاعل، فحُوِّلَ منه مبالغةً. قيل: لأنه يمسح الأرض بالسياحة، أي: يقطعها ومنه: مسح القسام الأرض وعلى هذا المعنى يجوز أن يقالَ لعيسى: مِسِّيح - بالتشديد - على المبالغة، كما يقال: رجل شريب. وقيل: لأنه يمسح ذا العاهةِ فَيَبْرَأُ - قاله ابن عباس. وقيل: كان يمسح رأسَ اليتيم. وقيل: يلبس المسح فسمي بما يئوب إليه. وقيل: إنه فَعِيل بمعنى مفعول؛ لأنه مُسِحَ بالبركة. وقيل لأنه مُسِح من الأوزار والآثام، أو لأنه مَسِيح القَدَم لا أخْمَصَ له. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1460- بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلاَمٌ كَالزَّلَمْ مُدَمْلَجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ تفسير : أو لمسح وَجْههِ بالمَلاحة، قال: [الطويل] شعر : 1461- عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مِسْحَةٌ مِنْ مَلاَحَةٍ ..................... تفسير : أو لأنه كان ممسوحاً بدُهْنٍ طاهرٍ مبارَكٍ، تُمْسَح به الأنبياء، ولا يُمْسَح به غيرُهم، قالوا: وهذا الدهن من مسح به وقتَ الولادة فإنه يكون نبيًّا، أو لأنه مَسَحَهُ جبريلُ بجَنَاحه وقت الولادة؛ صوناً له عن مَسِّ الشيطان. أو لأنه خرج من بطن أمه مَمْسُوحاً بالدُّهْن. والثاني: أنّ وزنه مَفْعِل - من السياحة - وعلى هذا تكون الميمُ فيه زائدة، وعلى هذا كلِّه، فهو منقول من الصفة. وقال أبو عمرو بن العلاء: المَسِيح: الملك. وقال النَّخَعِيُّ: المسيح: الصديق. ويكون المسيح بمعنى: الكذَّاب، وبه سُمِّي الدجال، والحرف من الأضداد. وسمي الدجَّال مَسِيحاً لوجهَيْن. أحدهما: أنه ممسوح إحدى العينَيْن. الثاني: أنه يَمْسَح الأرضَ - أي يقطعها - في المدةِ القليلةِ، قالوا: ولهذا قيل له: دَجَّال؛ لضَرْبه الأرضَ، وقَطْعِه أكثر نواحيها. يقال: قد دَجَل الرجلُ - إذا فعل ذلك. وقيل: سُمِّي دَجَّالاً من دَجَّل الرجل إذا موَّه ولبَّس. قال أبو عبيدٍ واللَّيْث: أصله - بالعبرانية - مَشِيحَا، فغُيِّر. قال أبو حيان: "فعلى هذا يكون اسماً مرتجلاً، ليس مُشْتَقاً من المَسْح، ولا من السياحة". قال شهاب الدينِ: "قوله: ليس مشتقاً صحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون مُرْتَجَلاً ولا بد، لاحتمال أن يكون في لغتهم مَنْقُولاً من شيء عندهم". وعيسى أصله: يسوع، كما قالوا في موسى: أصله موشى، أو ميشا - بالعبرانية. فيكون من الاشتقاق الأوسط لأنه يُشْتَرط فيه وجود الحروف لا ترتيبها، والأكبر يُشترط فيه أن يكون في الفرع حرفان، والأصغر يُشْتَرط فيه أن يكون في الفرع حروف الأصل مرتَّبَةً. وعيسى اسم أعجمي، فلذلك لم يَنْصَرف - في معرفة ولا نكرة - لأنَّ فيه ألفَ تأنيث، ويكون مُشْتَقاً من عاسه يعوسه، إذا سَاسَه وقام عليه. وأتى الضمير مذكَّراً في قوله: "اسْمُهُ" وإن كان عائداً على الكلمة؛ مراعاةً للمعنى؛ إذ المراد بها مذكَّر. وقيل - في الدَّجّال-: مِسِّيح - بكسر الميم وشد السين، وبعضهم يقوله كذا بالخاء المعجمة، وبعضهم يقوله بفتح الميم والخاء المعجمة - مُخَفَّفاً - والأول هو المشهور؛ لأنه يمسح الأرض - أي: يطوفها - ويدخل جميعَ بلدانِها إلا مكةَ والمدينةَ وبيتَ المقدسِ، فهو فعيل بمعنى فاعل. والدَّجَّال يمسح الأرضَ محنة وابنُ مريمَ يمسحها مِنْحَةً. وإن كان سُمِّي مسيحاً؛ لأنه ممسوح العين فهو فعيل بمعنى مفعول. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1462-...................... إذَا الْمَسِيحُ يَقْتُلُ الْمَسِيحَا تفسير : فصل "ابنُ مريم" يجوز أن يكون صفة لـ "عيسَى" قال ابن عطية: وعيسى خبر لمبتدأ محذوف، ويدعو إلى هذا كون قوله: "ابن مريم" صفة لعيسى؛ إذْ قد أجمع الناسُ على كَتْبِهِ دون ألفٍ. وأما على البدل، أو عطف البيان فلا يجوز أن يكون "ابْنُ مَريمَ" صفة لـ "عِيسَى" لأن الاسم - هنا - لم يُرَدْ به الشخص. هذه النزعة لأبي علي. وفي صدر الكلام نظرٌ. انتهى. قال شهابُ الدِّينِ: "فقد حَتَّم كونه صفة؛ لأجل كَتْبهِ بغير ألف، وأما على البدل، أو عطف البيان فلا يكون "ابْنُ مَرْيَمَ" صفة لـ "عِيسَى" يعني: بدل عيسى من المسيح، فجعله غير صفة له مع وجود الدليل الذي ذكره، وهو كتبه بغير ألف". وقد منع أبو البقاء أن يكون "ابْنُ مَرْيَمَ" بدلاً أو صفة لـ "عِيسَى" قال: "لأن "ابْن مَرْيَمَ" ليس بالاسم ألا ترى أنك لا تقول: اسم هذا الرجل ابن عمرو - إلا إذا كان قد عُلِّق عَلَماً عليه". قال شهاب الدينِ: "وهذا التعليل الذي ذكره إنما ينهض دليلاً في عدم كونه بدلاً، وأما كونه صفة، فلا يمنع ذلك، بل إذا كان اسماً امتنع كونه صفة؛ إذ يصير في حكم الأعلامِ، وهي لا يُوصف بها، ألا ترى أنك إذا سميت رجلاً بـ "ابن عمرو" امتنع أن يقع "ابن عمرو" صفة والحالة هذه". قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: لِمَ قِيلَ: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} وهذه ثلاثة أشياء، الاسم عِيسَى، وأما المسيح والابن فلَقَب، وصفة؟ قلت: الاسم للمسمَّى يُعْرَف بها، ويتميَّزُ من غيره، فكأنه قِيلَ: الذي يُعْرَف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الألفاظِ الثلاثةِ". فظهر من كلامه أن مجموع الألفاظِ الثلاثة أخبار عن اسمه، بمعنى أنَّ كُلاًّ منها ليس مُستَقِلاً بالخبريَّةِ، بل هو من باب: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ [وهذا أعسر يسرا]. ونظيره قول الشاعر: [الخفيف] شعر : 1463- كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمَّا يَزْرَعُ الوُدَّ فِي فُؤادِ الْكَرِيمِ تفسير : أي مجموع كيف أصبحت، وكيف أمسيت. فكما جاز تعدُّد المبتدأ لفظاً - من غير عاطف - والمعنى على الْمَجْمُوعِ، فكذلك في الْخَبَرِ. وقد أنشدوا عليه أبياتاً كقوله: [الرجز] شعر : 1464- مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي مُقَيِّظٌ، مُصَيِّفٌ، مَشَتِّي تفسير : وقد زعم بعضهم أن "المَسِيح" ليس باسم لَقَب له، بل هو صفة كالضّارِبِ والظريف، قال: وعلى هذا ففي الكلام تقديمٌ وتأخِيرٌ؛ إذ "الْمَسِيحُ" صفةٌ لـ "عِيسَى" والتقدير: اسمه عيسى المسيح. وهذا لا يجوز أعني: تقديم الصفة على الموصوف - لكنه يعني: أنه صفة له في الأصل، والعرب إذا قدِّمت ما هو صفة في الأصل جعلوه مبيناً على العامل قَبْلَهُ، وجعلوا الموصوف بدلاً من صفته في الأصل، نحو قوله: [الرجز] شعر : 1465- وَبِالطَّوِيْلِ الْعُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ................... تفسير : الأصل: وبالعمر الطويل، هذا في المعارفِ، وأما في النِّكِرَاتِ، فينصبون الصفةَ حالاً. وقال أبو حيَّان: "ولا يصح أن يكون "الْمَسِيحُ" - في هذا التَّركيبِ - صفة؛ لأن المُخْبَر به - على هذا لفظ "عِيسَى" والمسيح من صفة المدلول، لا من صفة الدَّالِّ؛ إذ لفظ "عِيسَى" ليس المسيح". ومن قال: إنهما اسمانِ، قال: تَقَدَّمَ المسيحُ على عيسى؛ لشهرته. قال ابن الأنباريّ: وإنما بدأ بلقبه؛ لأن المسيح أشهرُ من عيسى؛ لأنه قَلَّ أن يقع على سَمِيِّ، فيشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثيرٍ، فقدَّمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم، فهذا يدل على أن المسيح عند ابن الأنباري لَقَبٌ، لا اسمٌ. قال أبو إسحاق: "عيسى معرب من أيسوع، وإن جعلته عربياً لم ينصرفْ في معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألفَ التأنيثِ، ويكون مشتقاً من عاسه يعوسه: إذا ساسه وقام عليه". قال الزمخشريُّ: "ومُشْتَقُّهُمَا - يعني المسيح وعيسَى - من المَسْح والعَيْس كالراقم على الماء"، وقد تقدم الكلام على عيسى ومريم واشتقاقهما في سورة البقرة. وقوله: {وَجِيهًا} حال، وكذلك قوله: {وَمِنَ المُقَرَّبِينَ} وقوله: {وَيُكَلِّمُ} وقوله: {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} هذه أربعة أحوالٍ انتصبت عن قوله: "بِكَلِمَةٍ". وإنما ذَكَّر الحالَ؛ حملاً على المعنى؛ إذ المعنى المرادُ بها: الولد والمُكَوِّن، كما ذكَّر الضميرَ في "اسْمُهُ". فالحال الأولى جِيءَ بها على الأصل - اسماً صريحاً - والباقية في تأويله. والثانيةُ: جار ومجرور، وأتى بِهَا هكذا؛ لوقوعها فاصلةً في الكلام، ولو جِيءَ بها اسماً صريحاً، لفات مناسبة الفواصل. والثالثة جملة فعليَّة، وعطف الفعل على الاسم؛ لتأويلهِ به، وهو كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [الملك: 19]، أي: وقَابضات، ومثله في عطفِ الاسمِ على الفعل؛ لأنه في تأويله، قولُ النابغة: [الطويل] شعر : 1466- فَأَلْفَيْتُهُ يَوْماً يُبِيْرُ عَدُوَّهُ وَمُجْرٍ عَطَاءً يَسْتَحِقُّ الْمَعَابِرَا تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : 1467- بَاتَ يُغشِّيها بِغَضَبٍ بَاتِرِ يَقْصِدُ في أَسْوُقِهَا وَجَائِرِ تفسير : والمعنى: مُبِيراً عدوه، وقاصداً. وجاء بالثالثة جملة فعلية؛ لأنها في رُتْبتها، إذ الحالُ وَصْفٌ في المعنى، وقد تقدم أنه إذا اجتمعَ صفات مختلفة في الصراحةِ والتأويل قُدِّم الاسمُ، ثمَّ الظرفُ - أو عديلهُ - ثم الجملةُ. فكذا فعل هنا، فقدم الاسم - وهو {وَجِيهًا} - ثم الجار والمجرور، ثم الفعل، وأتى به مضارعاً؛ لدلالته على التجدُّد وقتاً مؤقتاً، بخلاف الوجاهةِ، فإنَّ المرادَ ثبوتها واستقرارها، والاسمُ مُتَكَفِّلٌ بذلِك، والجار قريبٌ من المفرد، فلذلك ثَنَّى به، إذ المقصودُ ثبوتُ تَقْرِيبِهِ. والتضعيف في "الْمُقَرَّبِينَ" للتعدية، لا للمبالغةِ؛ لما تقدم من أن التضعِيفَ للمبالغة لا يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً، وهذا قد أكسبه مفعولاً - كما ترى - بخلاف: قَطَّعْتُ الأثوابَ، فإنَّ التعدي حاصل قبل ذلك. وجيء بالرابعة - بقوله: {مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} مراعاةً للفاصلةِ، كما تقدم في "الْمُقَرَّبِينَ". والمعنى: إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بهذه الكلمةِ موصوفةً بهذه الصفاتِ الجميلةِ. ومنع أبو البقاء أن تكونَ أحوالاً من "الْمَسِيحِ" أو من "عِيسَى" أو من "ابْن مرْيَمَ" قال: "لأنها أخبارٌ، والعاملُ فيها الابتداءُ، أو المبتدأ، أو هما، وليس شيءٌ من ذلك يعملُ في الحالِ". ومنع أيضاً - كونَهَا حالاً من الهاء في "اسْمُهُ" قال: "للفصل الواقعِ بينهما، ولعدمِ العاملِ في الحال". قال شهابُ الدينِ: "ومذهبهُ - أيضاً - أنَّ الحالَ لا يجيءُ مِنَ المُضَافِ إليهِ، وهو مرادُهُ بقولِهِ: ولعدم العامل. وجاءت الحالُ من النكرةِ؛ لتخصُّصِها بالصفة بعدها. وظاهرُ كلام الواحديِّ - فيما نقَلهُ عن الفرَّاء - أنَّها يجوز أن تكون أحوالاً من "عِيسَى" فإنَّه قال: والقرَّاء تسمِّي هذا قَطْعاً، كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيه، قطعَ منه التعريف. فظاهرُ هذا يُؤذِنُ بأنَّ {وَجِيهًا} من صفةِ "عِيسَى" في الأصلِ، فقطع عنه، والحالُ وصفٌ في المعنى". والوجيه: ذو الجاه، وهو القوةُ، والمنعةُ، والشرفُ. وجمع "وَجيه" وُجَهاءُ، ووِجَاهٌ، يقال: وَجُهَ الرَّجُلُ يوجه وجاهة، فهو وجيه - إذا صارت له منزلةٌ رفيعةٌ عند الناسِ. وقال بعضهم: الوجيهُ: الكريمُ. و "كَهْلاً" من قولهم: اكتهلت الدوحة، إذا عَمَّها النُّوْرُ - والمرأة كهلة. وقال الراغب: "والكهل: مَنْ وَخَطَه الشَّيْبُ، واكتهل النباتُ: إذا شارف اليُبُوسَةَ مشارفةَ الكهل الشَّيْبَ". وأنشد قولَ الأعشى - في وَصْف رَوْضَةٍ بأكمل أحوالها -: [البسيط] شعر : 1468- يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ تفسير : وقد تقدم الكلام في تنقُّل أحوالِ الولدِ من لدُنْ كونهِ في البطن إلى شيخوخته، عند ذِكْر "غلام". وقال بعضهم: "ما دامَ في بطن أمِّه، فهو جنين، فإذا وُلِدَ فوليد، فإذا لم يستتمّ الأسبوع فصديغٌ؛ وما دام يرضع فهو رضيع، ثم هو فَطِيمٌ - عند الفِطَام - وإذا لم يرضع؛ فجَحْوَش، فإذا دبَّ ونما: فدراج، فإذا سقطت رواضِعهُ فثَغور ومثغور، [فإذا نبتت أسنانهُ بعد السقوط فمُتَّغِر - بالتاء والثاء]، فإذا جاوز العشر: فمترعرع، وناشئ. فإذا رَاهَق الحُلم: فيافع، ومُراهق. فإذا احتلم فحَزَوَّر. والغلام يُطْلَق عليه في جميع أحواله بعد الولادة، فإذا اخضر شارُبه، وسال عذاره: فباقِل، فإذا صار ذا لِحْيَةٍ: ففتًى وشارخ، فإذا اكتملت لحيته؛ فمُجْتَمِع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شابّ، ومن الأربعين إلى ستين كهل"، ولأهل اللغة عبارات مختلفة في ذلك، وهذا أشهرها. فإن قيل: المستغرب إنما هو كلام الطفل في المَهْد، وأما كلام الكهول فغير مُسْتَغْرَب. فالجوابُ من وجوهٍ: أحدها: قالوا: لم يتكلم صبيٌّ في المهد، وعاش، أو لم يتكلمْ أصلاً، بل يبقى أخرس أبداً، فبشَّر اللهُ مريم بأن هذا يتكلم طفلاً، ويعيش حتى يكلم الناس في كهولته، ففيه تَطْمِينٌ لخاطرِها. وثانيها: قال الزَّمخْشَريُّ وأبو مسلم: "يكلم الناس طفلاً وكهلاً ومعناه يتكلم في هاتين الحالتين كلامَ الأنبياءِ، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة". وثالثها: يكلم الناسَ مرةً واحدةً في المهدِ؛ لإظهار بَرَاءةِ أمِّه، ثم عند الكُهُولةِ يتكلم بالوحي والنبوة. ورابعها: قال الأصَمُّ: المراد منه: بيان أنه يبلغ من [الصِّبَا، إلى] الكهولة. وخامسها: أنّ المرادَ منه الرد على وَفْد نجرانَ في قولهم: إن عيسى كان إلهاً، فإنه منقلب في الأحوال من الصِّبَا إلى الكهولة، والتغيُّر على الإلهِ محال. فإن قيل: قد نقل أن عُمْر عيسى - لما رُفِع - كان ثلاثاً وثلاثين سنةً وأشْهُراً، وعلى هذا التقدير، فلم يبلغْ سِنَّ الكهولةِ. فالجوابُ: قد بيَّنَّا أن الكهلَ - في اللُّغةِ - عبارة عن الكامل التام، وأكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين إلى الأربعين - فصَحَّ وصْفُه بكونه كَهْلاً. وقال الحُسَيْن بنُ الفَضْل البَجَلِيُّ: "ويكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويكلم الناسَ، ويقتل الدَّجَّالَ، قال: وفي الآية نص على أنه - عليه السلامُ - سينزل إلى الأرض". و "وَجِيهاً" اشتقاقه من الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. والجاه مقلوب منه، فوزنه "عَفل". قوله: {فِي ٱلدُّنْيَا} متعلق بـ "وَجِيهاً"؛ لما فيه من معنى الْفِعْلِ، ومعنى كونه {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا} بسبب النبوة، و "في الآخرة" بسبب عُلُوِّ المنزلة. وقوله: {فِي ٱلدُّنْيَا} بأنه مُسْتَجَاب الدعاء، ويُحْيي الموتى، ويُبْرِئ الأكمه والأبْرَصَ بدعائه، وفي الآخرة بأنه يشفع في المُحِقِّين من أمته. وقيل: في الدنيا؛ لأنه مبرأٌ من العيوب التي وَصَفَتْه اليهودُ بها، وفي الآخرة بكثرة ثوابه وعُلُوِّ درجته. فإن قيل: كيف كان وجيهاً في الدنيا، واليهود عاملوه بما عاملوه؟ والجوابُ: أنه - تعالى - سمَّى موسى - عليه السلامُ - بالوجيه، مع أن اليهودَ طعنوا فيه، وآذَوْهُ إلى أن برأه اللهُ مما قالوا، ولم يقدح ذلك في وجاهته، فكذا هنا. قوله: {وَمِنَ المُقَرَّبِينَ} قيل" كان هذا مَدْحاً عظيماً للملائكة؛ لأنه ألْحَقَه بمثل مَنْزِلَتِهِمْ، وهو دليل لمن جعل الملائكة أفضل. وقيل: معناه: سيُرْفَع إلى السماء بمصاحبة الْمَلاَئِكَةِ. وقيل: ليس كل وجيه في الآخرة يكون مُقَرَّباً؛ لأن أهل الجنة تتفاوت درجاتُهم. وقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ} الواو للعطف على قوله: "وَجِيهًا"، والتقدير: وجيهاً ومُكَلَّماً. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيفٌ؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الاسمية غير جائز إلا لضرورة [أو لفائدة]، والأوْلَى أن يُقال: تقدير الآيةِ: إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، الوجيه في الدنيا والآخرة، المعدود من المقرَّبِينَ، وهذا المجموع جملة واحدة، ثم قال: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ}. فقوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ} عطف على قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ}. وأجيب بأن هذا خطأ؛ لأنه إن أراد العطف على جملة {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ} فهي جملة اسمية فقد عطف الفعلية على الاسمية، فوقع فيما فَرَّ منه. وإن أراد العطفَ على "يُبَشِّرُكِ" فهو خطأ؛ لأن المعطوف على الخبر خبر - و "يُبَشِّرُكِ" خبر - فيصير التقدير: إن الله يكلم الناسَ في المهدِ، والصواب ما قالوه من كونه حالاً، وأن الجملة الحالية إذا كانت فعلاً فهي مقدرة بالاسم، فجاز العطف. قوله: {فِي ٱلْمَهْدِ} يجوز فيه وَجْهَان: أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من الضمير في {وَيُكَلِّمُ} أي: يكلمهم صَغِيراً، و "كَهْلاً" على هذا نسق على هذه الحال المؤوَّلة فعلى هذا تكون خمسة أحوال. والثاني: أنه ظرف لـ "يُكَلِّمُ" كسائر المنفصلات، و "كَهلاً" على هذا نَسَق على "وَجِيهاً" فعلى هذا يكون خَمْسَةَ أحْوَالٍ. والكهل: هو مَنْ بلغ سِنَّ الكُهُولة، وأولها ثلاثون. وقيل: اثنان وثلاثون. وقيل: ثلاث وثلاثون. وقيل: أربعون. وآخرها: خمسون. وقيل: ستون. ثم يدخل في سن الشَّيْخُوخَةِ. واشتقاقه من: اكتهل النبات - إذا علا وارتفع - ومنه الكاهل. وقال صاحبُ المُجْمَلِ: "أكهل الرجل: وَخَطَهُ الشَّيْبُ". فصل كلامه - عليه السلام - في المَهْد هو قوله: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 30-33]. وحكي عن مجاهدٍ قال: قالت مريم: كنت إذا خلوتُ أنا وعيسى حدَّثني وحدّثته، فإذا شغلني عنه إنسان كان يُسَبِّحُ في بطني وأنا أسمعُ. فصل ذكر القرطبيُّ في تفسيره عن ابن أبي شيبةَ بسنده، قال: "لم يتكلمْ في الْمَهْدِ إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب يوسف، وصاحب جُرَيْج". [وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم، وصاحب جريج وصاحب الجبار"تفسير : ]. وقال الضَّحَّاكُ: "تكلم في المهد ستة شاهد يوسف، وصبيّ ماشطة امرأة فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج" ولم يذكر صاحب الأخدود، فأسقط صاحب الأخدود، وبه يكون المتكلمون سبعةً. قال القرطبيُّ: "ولا معارضة بين هذا وبين قوله - عليه السلام -: "حديث : لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلاَّ ثَلاَثَةٌ" تفسير : بالحصر - فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحِي إليه في تلك الحالِ، ثم بعد هذا أعلمه الله - تعالى - بما شاء من ذلك، فأخْبَرَ به. والمهدُ: ما يُهُيَّأُ للصَّبِيِّ أن يربى فيه، من مَهَّدت له المكان - أي: وطَّأته وليَّنته له - وفيه احتمالانِ: أحدهما يُحتمل أن يكون أصله المصدر، فسُمِّي به المكانُ، ويحتمل أن يكون بنفسه اسم مَكان غير مصدر. وقد قرئ: مَهْداً ومِهَاداً في طه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب [قوله: وكهلاً يدل على أنه يكلم الناس بعد الكهولة، وذلك بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان. قال الحسين بن الفضل: في الآية نص على نزوله إلى الأرض وقد] أنكرت النصارَى كلامَ المسيح - عليه السلام - في المَهْد، واحتجوا - على صحة قولهم بأن كلامه من أعْجب الأمور وأغربها، ولا شك أن هذه الواقعةَ لو وقعت لوجب أن يكون وقوعُها في حضور الجَمْع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم؛ لأن تخصيصَ مثل هذا المُعْجِز بالواحد والاثنين لا يجوز، ولو حدثت هذه الواقعة لتوفَّرَت الدواعي على نقلها، فيصير ذلك بالغاً حَد التواتُرِ، يمتنع إخفاؤه. وأيضاً فإن النصارَى بالَغُوا في المسيح، حتى ادَّعَوْا ألوهيته، ومن هذا شأنه في التعصُّب يمتنع أن تخفى مناقِبُه، فلما أنكروه - وهم أحق النّاسِ بإظهاره - علمنا أنه ما كان موجوداً. وأجاب المتكلمون بأن كلامه - حينئذٍ - إظهار لبراءة أمِّه، والحاضرون قليلون يجوز تواطؤهم على الإخفاء، فنسبهم الناس إلى الكذب، أو خافوا من ذلك الأمر إلى أن أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم وذلك يدل على معجزته، وصدقه. قوله: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} "يكون" يحتمل التمام والنقصان، وتقدم إعراب هذه الجمل في قصة زكريا إلا أنه قال هناك: {يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} وقال هنا {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} قيل: لأن قِصَّتَها أغربُ من قصته؛ ذلك أنه لم يُعْهَد ولد من عذراءَ لم يَمْسَسْها بشرٌ ألبتة، بخلاف الولد بين الشيخ والعجوز، فإنه يستبعد، وقد يُعْهَد بمثله - وإن كان قليلاً - فلذلك أتى بـ "يَخْلُقُ" المقتضي للإيجاد والاختراع من غير إحالة على سببٍ ظاهرٍ، وإن كانت الأشياء كلها بخَلقه وإيجاده - وإن كان لها أسبابٌ ظاهرة. قوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} هذه الجملة حَالٌ، والبشر - في الأصل - مصدر كالخَلق، ولذلك يُسَوَّى فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، والمفرد، والمثنى، والجمع، تقول: هذه بَشَرٌ، وهذا بَشَرٌ، وهؤلاء بَشَرَ. كقولك: هؤلاء خَلْق. قيل: واشتقاقه من البشرة، وهي ظاهر الجلدِ؛ لأنه الذي شأنه أن يظهر الفرح والغم في بشرته، وتقدم اختلاف القرَّاء في {فَيَكُونُ} وما ذُكِر في توجيهه. فصل قال المفسّرون: إنما قالت ذلك؛ لأن البشريةَ تقتضي التعجُّبَ مما وقع على خلاف العادة؛ إذْ لم تَجْرِ عادة بأن يُولَدَ وَلَدٌ بلا أبٍ. فصل قال القرطبيُّ: "معنى قوله: {قَالَتْ رَبِّ} أي: يا سيدي، تخاطب جبريل - عليه السلامُ - لأنه لما تمثَّل لها، قال لها: {أية : إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأًهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً}تفسير : [مريم: 19] فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد، فقالت: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}؟ أي: بنكاح، وذلك: لأن العادة التي أجراها الله في خَلْقه أن الولد لا يكون إلا من نكاح، [أو سفاح]. وقيل: إنها لم تستبعد من قدرة الله شيئاً، ولكن أرادت: كيف يكون هذا الولد؟ من قِبَلِ زَوْجٍ في المستقبل؟ أم يخْلُقُه الله ابتداءً. قوله: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. تقدم الكلام فيه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: نفخ جبريلُ في جيب درعها وكُمِّها، فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل: وقع نفخ جبريل - عليه السلام - في رَحِمِهَا، فعلقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخَلْق من نفخ جبريل؛ لأن الولدَ يكون بعضُه من الملائكة وبعضه من الإنس؛ ولكن سبب ذلك، أن اللهَ تعالى لما خلق آدمَ وأخذ الميثاقَ من ذريته، فجعل بعضَ الماءِ في أصلاب الآباء، وبعضه في أرحام الأمَّهَاتِ، فإذا اجتمع الماءان صارَ ولداً، وإن اللهَ - تعالى - جعل الماءين جميعاً في مريمَ، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ جبريلُ، ليهيجَ شهوتَها، فإن المرأة ما لم تهج شهوتها لم تحبل فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء - الذي كان في صُلْبها - في رَحِمِهَا، فاختلط الماءان، فعلقت بذلك، فذلك قوله تعالى: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. قوله: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} قرأ نافع وعاصم ويعقوب {وَيُعَلِّمُهُ} - بياء الغيبة - والباقون بنون المتكلم المعظم نفسه، وعلى كلتا القراءتين ففي محل هذه الجملة أوجهٌ: أحدها: أنها معطوفة على "يُبَشِّرُكِ" أي: أن الله يبشركِ بكلمةٍ ويعلم ذلك المولود المُعَبَّر عنه بالكلمة. الثاني: أنها معطوفة على "يَخْلُقُ" أي: كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه. وإلى هذين الوجهين، ذهب جماعة منهم الزمخشريُّ وأبو علي الفارسيّ، وهذان الوجهان ظاهران على قراءة الياء، وأما قراءة النون، فلا يظهر هذان الوجهان عليها إلا بتأويل الالتفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم، إيذاناً بالفخامة والتعظيم. فأما عطفه على "يُبَشِّرُكِ" فقد استبعده أبو حيَّانَ جِدًّا، قال: "لطول الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه"، وأما عطفه على "يَخْلُقُ" فقال: "هو معطوف عليه سواء كانت - يعني "يَخْلُقُ" خبراً عن الله أم تفسيراً لما قبلها، إذا أعربت لفظ "اللهُ" مبتدأ، وما قبله خبر". يعني أنه تقدم في إعراب {كَذَلِكَ ٱللَّهُ} في قصة زكريا أوجهٍ: أحدها ما ذكره - فـ "يُعَلِّمُهُ" معطوف على "يخلُقُ" بالاعتبارين [المذكورين]؛ إذْ لا مَانِعَ من ذلك، وعلى هذا الذي ذكره أبو حيّان وغيره، تكون الجملة الشرطية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والجملة من "نُعَلِّمُهُ" - في الوجهين المتقدمين - مرفوعة المحل، لرفع محل ما عُطِفَتْ عليه. الثالث: أن يعطف على "يُكَلِّمُ" فيكون منصوباً على الحال، والتقدير: يُبَشِّرُكَ بكلمة مُكَلِّماً ومُعلِّماً الكتاب، وهذا الوجه جوزه ابنُ عَطِيَّةَ وغيره. الرابع: أن يكون معطوفاً على "وَجِيهاً"؛ لأنه في تأويل اسم منصوبٍ على الحال، وهذا الوجه جوَّزه الزمخشريُّ. واستبعد أبو حيّان هذين الوجهين الأخيرين - أعني الثالث والرابع - قال: "الطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يقع مثلُه في لسان العرب". الخامس: أن يكون معطوفاً على الجملة المحكية بالقول: - وهي {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}. قال أبو حيّان: "وعلى كلتا القراءتين هي معطوفة على الجملة المقولة؛ وذلك أن الضمير في (قال كذلك) لله - تعالى - والجملة بعده هي المقولة، وسواء كان لفظ (الله) مبتدأ خبره ما قبله، أم مبتدأ، وخبره "يَخْلُقُ" - على ما مر إعرابه في {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} - فيكون هذا من القول لمريم على سبيل الاغتباط، والتبشير بهذا الولد، الذي أوجده اللهُ منها". السادس: أن يكون مستأنفاً، لا محلَّ له من الإعراب. قال الزَّمَخْشريُّ - بعد أن ذكر فيه أنه يجوز أن يكون معطوفاً على "يُبَشِّرُكِ" أو يخلق أو "وَجِيهاً" -: "أو هو كلام مبتدأ" يعني مستأنفاً. قال أبو حيّان: "فإن عنى أنه استئناف إخبار عن الله، أو من الله - على اختلاف القراءتين - فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في وتعلمه، فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكون ابتداءَ كلامٍ، وإن عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عُطِف عليه ابتداء كلام، حتى يكون المعطوف كذلك". قال شهاب الدين: "وهذا الاعتراض غير لازم؛ لأنه لا يلزم من جعله كلاماً مستأنفاً أن يُدَّعَى زيادة الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه؛ لأن النحويين، وأهل البيان نَصُّوا على أن الواوَ تكون للاستئناف، بدليل أن الشعراء يأتُون بها في أوائل أشعارهم، من غير تقدُّم شيءٍ يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعار مشحونة بذلك، ويُسمونها واوَ الاستئناف، ومَن منع ذلك قدَّر أنّ الشاعرَ عطف كلامه على شيء منويٍّ في نفسه، ولكن الأول أشهر القولين". وقال الطبريُّ: قراءة الياء عطف على قوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، وقراءة النون، عطف على قوله: {نُوحِيهِ إلَيْكَ}. قال ابن عطيةَ: "وهذا الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى". ولم يبين أبو محمد وجه إفساد المعنى. قال أبو حيّان: "أما قراءةُ النون، فظاهر فساد عطفه على "نُوحِيهِ" من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فمثله لا يقع في لسان الْعَرَبِ؛ لبُعْدِ الفَصْل المُفْرِط، وتعقيد التركيب وتنافي الكلامِ، وأما من حيث المعنى فإنَّ المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه في المعنى، فيصير المعنى بقوله: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ}، أي: إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمرانَ وولادتها لمريم، وَكَفَالَةِ زكريا، وقصته في ولادة يحيى، وتبشير الملائكة لمريمَ بالاصطفاء والتطهير كل ذلك من أخبار الغيب - نعلمه، أي: نعلم عيسى الكتاب، فهذا كلام لا ينتظم [معناه] مع معنى ما قبله. أما قراءة الياء وعطف "وَيُعَلِّمُهُ" على "يَخْلُقُ" فليست مُفْسِدَةً للمعنى، بل هو أوْلَى وأصَحّ ما يحمل عطف "وَيُعَلِّمُهُ" لقُرب لفظه وصحة معناه - وقد ذكرنا جوازَه قبل - ويكون الله أخبر مريم بأنه - تعالى - يخلق الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادة بِمثلِهَا، مثلما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه - تعالى - يُعَلِّمُ هذا الولَد الذي يخلقه لك ما لم يُعَلِّمْه مَنْ قَبْلَه من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشيرٍ لها بهذا الولد، وإظهار بركته، وأنه ليس مشبهاً أولاد الناس - من بني إسرائيل - بل هو مخالف لهم في أصل النشأة، وفيما يعلمه - تعالى - من العلم، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عليه عطف وَيُعَلِّمُهُ" اهـ. قال أبو البقاء: "يُقْرَأ - نعلمه - بالنون، حملاً على قوله: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} ويقرأ بالياء؛ حملاً على "يُبَشِّرُكِ" وموضعه حال معطوفة على "وَجِيهاً". قال أبو حيّان: وقال بعضهم: "وَنُعَلِّمُهُ" - بالنون - حملاً على "نُوحِيهِ" - إن عني بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير، وإن عني بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح". قال شهاب الدين: "يتعين أن يعني بقوله: حَمْلاً؛ الالتفات ليس إلا، ولا يجوز أن يعني به العطف لقوله: وموضعه حال معطوفة على "وَجِيهاً" وكيف يستقيم أن يُرِيدَ عطفه على "يُبَشِّرُكِ" أو على توجيهه مع حكمه عليه بأنه معطوف على "وَجِيهاً"؟ هذا ما لا يستقيم أبداً". فصل في المراد بـ "الكتاب" المرادُ من "الكِتَاب": تعليم الخط والكتابة، ومن "الْحِكْمَة" تعليم العلوم، وتهذيب الأخلاق: {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} كتابان إلهيان، وذلك هو الغاية العُلْيا في العلم؛ لأنه يحيط بالأسرار العقلية والشرعية، ويطَّلع على الحِكَم العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ. قوله: {وَرَسُولاً} فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة - بمعنى مُرْسَل - على "فَعُول" كالصَّبور والشَّكُور. والثاني: أنه - في الأصل - مصدر، ومن مَجِيء "رسول" مصدراً قوله: [الطويل] شعر : 1469- لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحتُ عِنْدَهُمْ يِسِرٍّ وَلاَ أرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 1470- ألاَ أبْلِغْ أبَا عَمْرٍو رَسُولاً بِأنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ تفسير : أي أبلغه رسالة. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 16] - على أحد التأويلين - أي: إنا ذوا رسالةِ ربِّ العالمينَ. وعلى الوجهين يترتب الكلامُ في إعراب "رَسُولاً"، فعلى الأول يكون في نصبه ستة أوجهٍ: أحدها: أن يكون معطوفاً على "يُعَلِّمُهُ" - إذا أعربناه حالاً معطوفاً على "وَجِيهاً" - إذ التقدير وجيهاً ومُعَلَّماً ومُرْسَلاً. قاله الزمخشريُّ وابنُ عطيةَ. وقال أبو حيّان: "وقد بيَّنا ضَعْفَ إعرابِ مَنْ يقول: إن "وَيُعَلِّمُهُ" معطوف على "وَجِيهاً"؛ للفصل المُفْرِط بين المتعاطفَيْن [وهو مبني على إعراب "ويعلمه"]". الثاني: أن يكون نَسَقاً على "كَهْلاً" الذي هو حال من الضمير المستتر في "وَيُكَلِّمُ"، أي: يكلم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيلَ، وقد جَوَّز ذلك ابنُ عطيةَ، واستبعده أبو حيّان؛ لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. قال شهاب الدين: "ويظهر أن ذلك لا يجوز - من حيث المعنى - إذْ يصير التقدير: يكلم الناس في حال كونه رسولاً إليهم وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ". فإن قيل: هي حَالٌ مُقَدَّرة، كقولهم: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً، وقوله: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}تفسير : [الزمر: 73]. وقيل: الأصل في الحال أن تكون مقارنة، ولا تكون مقدّرة إلا حيث لا لَبْسَ. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مُضْمَرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديره: ويجعله رسولاً، لما رأوه لا يصح عطفه على مفاعيل التعليم أضمروا له عاملاً يناسب. وهذا كما قالوا في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] وقوله: [مجزوء الكامل] شعر : 1471- يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّداً سيْفاً وَرُمْحَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1472- فَعَلَفتُهَا تبْناً وَمَاءً بَارِداً ........................ تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 1473-........................ وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا تفسير : أي: واعتقدوا الإيمانَ، وحاملاً رُمْحاً، وسقيتها ماءً بارداً، وكحَّلْنَ العيون. وهذا على أحد التأويلين في هذه الأمثلة. الرابع: أن يكون منصوباً بإضمار فعل من لفظ "رسول" ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول مُضْمَرٍ - أيضاً - هو من قول عيسى. الخامس: أن الرسول - فيه - بمعنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، ويوضِّحُ هذين الوجهين الأخيرين، ما قاله الزمخشريُّ: "فإن قلت: عَلاَم تَحْمِل "وَرَسُولاً" و "مُصَدِّقاً" من المنصوبات المتقدمة، وقوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} و {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يأبى حَمله عليها؟ قلت: هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما: أن يُضمر له "وأرسَلْت" - على إرادة القول - تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة، ويقول: أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم، ومصدقاً لما بين يديَّ. الثاني: أن الرسول والمصدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، ومصدقاً لما بين يدي". اهـ. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كُلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أن ما قبله من المنصوبات، لا يصح عطفه عليه في الظاهر؛ لأن الضمائر المتقدمة غُيَّب، والضميرانِ المصاحبانِ لهذين المنصوبين في حُكْم المتكلم؛ فاحتاج إلى ذلك التقدير؛ ليناسب الضمائر. وقال أبو حيان: "وهذا الوجه ضعيف؛ إذْ فيه إضمارُ الْقَوْلِ ومعموله - الذي هو أرسلت - والاستغناء عنهما باسمِ منصوبٍ على الحال المؤكِّدة، إذْ يُفْهَم من قوله: وأرسلت، أنه رسول، فهي - على هذا - حال مؤكِّدة". واختار أبو حيّان الوجه الثالث، قال: "إذْ ليس فيه إلا إضمار فعل يدل عليه المعنى - ويكون قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} معمولاً لـ "رَسُولاً" أي: ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور". الثالث: أن يكون حالاً من مفعول "وَيُعَلِّمُهُ" وذلك على زيادة الواو - كأنه قيل: ويعلمه الكتاب، حال كونه رسولاً. قاله الأخفشُ، وهذا على أصل مذهبه من تجويزه زيادة الواو، وهو مذهب مَرْجُوحٌ. وعلى الثاني وهو كون "الرسول" مصدراً كالرسالة في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به - عطفاً على المفعول الثاني لِـ "يُعَلِّمُهُ" - أي: ويعلمه الكتاب والرسالة معاً، أي: يعلمه الرسالة أيضاً. الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، وفيه التأويلات المشهورة في: رَجُلٌ عَدْل. وقرأ اليزيديُّ "وَرَسُولٍ" بالجر - وخرجها الزمخشريُّ على أنها منسوقة على قوله: "بِكَلِمَةٍ" أي: يبشرك بكلمة وبرسول. وفيه بُعْدٌ لكثرة الفصل بين المتعاطفين، ولكن لا يظهر لهذه القراءة الشاذة غير هذا التخريج. قوله: {إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} فيه وَجْهَانِ: أحدهما: أن يتعلق بنفس "رسول" إذْ فعله يتعدى بـ "إِلَى". والثاني: أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفة لـ "رَسُولاً" فيكون منصوبَ المحلِّ في قراءة الجمهور، مجرورة في قراءة اليزيديِّ. فصل هذه الآية تدل على أنه - عليه السلامُ - كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل، وقال بعض اليهودِ: إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين. قيل: إنما كان رسولاً بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى - عليهما السلام - وقال القرطبيُّ: وفي حديث أبي ذر الطويل: "... وَأولُ أنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ مُوْسَى، وآخرهُم عِيسَى". قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} قرأ العامَّةُ "أنِّي" بفتح الهمزة، وفيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن موضعها جر - بعد إسقاط الخافض -، إذ الأصل: بأني، فيكون "بأنَّي" متعلِّقاً بـ "رَسُولاً" وهذا مذهب الخليلِ والكسائي. والثاني: أن موضعها نصب، وفيه ثلاثة أوجهٍ: الأول: أنه نصب بعد إسقاط الخافض - وهو الباء - وهذا مذهبُ التلميذين: سيبويه والفرّاء. الثاني: أنه منصوب بفعل مقدَّر، أي: يذكر، فيذكر صفة لـ "رَسُولاً" حُذِفَت الصفة، وبقي معمولُها. الثالث: أنه منصوب على البدل من "رَسُولاً"، أي: إذا جعلته مصدراً مفعولاً به، تقديره: ويسلمه الكتاب ويعلمه أني قد جئتكم. وقرأ بعضهم بكسر الهمزة، وفيها تأويلان: أحدهما: أنها على إضمار القول، أي قائلاً: إني قد جئتكم، فحُذِفَ القولُ - الذي هو حالٌ في المعنى، وأبقي معموله. والثاني: أن "رَسُولاً" بمعنى ناطق، فهو مُضَمَّن معنى القول، وما كان مُضَمَّناً معنى القول أعْطِيَ حكم القول. وهذا مذهب الكوفيين. قوله: {بِآيَةٍ} يحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ، على أنه حال من فاعل "جِئْتُكمُ"، أي: جئتكم [ملتبساً بآية]. والثاني: أن يكون متعلقاً بنفس المجيء، أي: جاءتكم الآية.. والآية: العلامة. فإن قيل: لم قال "بِآيَةٍ" وقد أتى بآياتٍ؟ فالجوابُ: أن المراد بالآية: الجنس. وقيل: لأن الكل دل على شيء واحدٍ، وهو صدقه في الرسالة. قوله: {مِّن رَّبِّكُمْ} صفة لـ "آيَةٍ" فيتعلق بمحذوف، أي: بآية من عند ربكم، فـ "مِنْ" للابتداء مجازاً، ويجوز أن يتعلق {مِّن رَّبِّكُمْ} بنفس المجيء - أيضاً. وقدر أبو البقاء الحال - في قوله: "بِآيَةٍ" - بقوله: "محتجاً بآيةٍ، إن عنى من جهة المعنى صح، وإن عنى من جهة الصناعة لم يَصِحّ؛ إذْ لم يُضْمَرْ في هذه الأماكن، إلا الأكوان المُطْلَقَة". وقرأ الجمهور "بِآيةٍ" - بالإفراد - في الموضعين، وابن مسعود -: بآياتٍ - جمعاً - في الموضعين. قوله: {أَنِيۤ أَخْلُقُ} قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، فالكسر من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: على إضمار القول، أي: فقلت: إني أخلق. الثاني: أنه على الاستئناف. والثالث: على التفسير، فسر بهذه الجملة قوله: "بِآيَةْ"، كأن قائلاً قال: وما الآية؟ فقال هذا الكلام. ونظيره قوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ}تفسير : [آل عمران: 59] ثم قال: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] فـ "خَلَقَهُ" مفسرة للمثل؛ ونظيره - أيضاً قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [المائدة: 9] ثم فسر الوعد {أية : لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [المائدة: 9]. وهذا الوجه هو الصائر إلى الاستئناف؛ فإن المستأنَفَ يؤتى به تفسيراً به لمجرد الإخبار بما تضمنه، وفي الوجه الثالث نقول: إنه متعلِّق بما تقدمه، مفسِّر له. وأما قراءة الجماعة ففيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنها بدل من {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} فيجيء، فيها ما تقدم في تلك؛ لأن حكمها حكمها. الثاني: أنها بدل من "بِآيَةٍ" فيكون محلُّها الجَرّ، أي: وجئتكم بأني أخلق لكم، وهذا نفسه آية من الآيات. وهذا البدلُ يحتمل أن يكون كُلاًّ من كُلٍّ - إن أريد بالآية شيء خاصٌّ - وأن يكون بدل بعض من كل إن أريد بالآية الجنس. الثالث: أنها خبر مبتدأ مُضْمَر، تقديره: هي أني أخلق، أي: الآية التي جئت بها أني أخلق وهذه الجملة - في الحقيقة - جوابٌ لسؤال مقدر، كأن قائلاً قال: وما الآية؟ فقال ذلك. الرابع: أن تكون منصوبةً بإضمار فعل، وهو - أيضاً - جواب لذلك السؤال، كأنه قال: أعني أني أخلُقُ. وهذان الوجهان يلاقيان - في المعنى - قراءة نافع - على بعض الوجوه - فإنهما استئناف. قوله: {أَخْلُقُ لَكُم} أقدِّر لكم وأصَوِّر, وقد تقدم في قوله {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] أن الخلق هو التقدير، ويدل عليه وُجُوهٌ: أحدها: قوله: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] أي: المقدِّرين، وقد ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع، فوجب أن يكون بالتقدير والتسوية. وثانيها: أن لفظ الخلق: يطلق على الكذب، قال تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 137] وقال: {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} تفسير : [العنكبوت: 17] وقال: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} تفسير : [ص: 7]. والكاذب إنما سُمِّي خالقاً، لأنه يقدِّر الكذب في خاطره ويُصَوره. وثالثها: هذه الآية. ورابعها: قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 29] إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله: "خلق" على الإيجاد والإبداع لكان المعنى: أن كل ما في الأرض الآن فهو - تعالى - كان قد أوجده في الزمان الماضي، وذلك بَاطِلٌ، فوجب حَمْل الخلق على التقدير - حتى يَصِحّ الكلام - وهو أنه - تعالى - قدَّر في الماضي كلَّ ما وُجِدَ الآن في الأرض. وخامسها: قول الشاعر: [الكامل] شعر : 1474- وَلأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِي تفسير : وقال الآخر: [البسيط] شعر : 1475- وَلاَ يَئِطُّ بِأيْدِي الْخَالِقِينَ وَلاَ أيْدِي الْخَوَالِقِ إلاَّ جَيِّدُ الأدَمِ تفسير : وسادسها: أنه يقال: خلق الفعل إذا قدرها وسواها بالمقياس، والخَلاَق: المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي: له هذا المقدار من الاستحقاق، و الصخرة الخَلْقاء: الملساء؛ لأن الملاسة استواء وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارةٌ عن التقدير والتسوية. وقال أبو عبد الله البصريُّ: لا يجوز إطلاق "الخالق" على الله - تعالى - في الحقيقة؛ لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والتخيُّل، وذلك على الله تعالى مُحَالٌ. وأجيب بقوله تعالى: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [فاطر: 3] والتقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن، لكن الظن كان محالاً في حق الله تعالى فالْعِلْمُ ثابتٌ. إذا عرفت هذا فقوله: {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُم} معناه: أقَدِّر وأصَوِّر. قوله: {لَكُمْ} متعلق بـ "أخلُقُ" واللام للعلة، أي: لأجلكم - بمعنى لتحصيل إيمانكم، ودَفْع تكذيبكم إياي - وإلا فالذوات لا تكون عِلَلاً، بل أحداثها. و {مِّنَ ٱلطِّينِ} متعلق به - أيضاً - و "مِنْ" لابتداء الغاية، وقول من قال: إنها للبيان تساهل؛ إذ لم يَسْبِق مُبْهَم تبينه. قوله: {كَهَيْئَةِ} في موضع هذه الكاف ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها نَعْت لمفعولٍ محذوفٍ، تقديره: أني أخلق لكم هيئة مثلَ هيئة الطير. والهيئة إما أن تكونَ في الأصل مصدراً، ثم أطلِقَت على المفعول - أي: المُهَيَّأ - كالخلق بمعنى: المخلوق، وإما أن تكون اسماً لحال الشيء وليست مصدراً، والمصدر: التَّهْيِيء - والتَّهَيُّؤ - والتَّهْيِئَة. ويقال: هاء الشيء يَهِيءُ هَيْئاً وهَيْئَةً - إذا ترتب واستقر على حال مخصوص - ويتعدى بالتضعيف، قال تعالى: {أية : وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} تفسير : [الكهف: 16]، والطين معروف، يقال: طَانَهُ الله على كذا وطَلَمَهُ - بإبدال النون ميماً - أي: جبله عليه، والنفخ مَعْرُوفٌ. الثاني: أن الكاف مفعول به؛ لأنها اسم كسائر الأسماء - وهذا رأي الأخْفَشِ، حيث يجعل الكاف اسماً حيث وقعت وغيره من النحاة لا يقول بذلك إلا إذا اضطر إليه - كوقوعها مجرورة بحرف جر، أو إضافة، أو وقوعها فاعلةً أو مبتدأ. وقد تقدم ذلك. الثالث: أنها نعت لمصدر محذوف، قاله الواحديُّ نقلاً عن أبي عليٍّ بعد كلامٍ طويلٍ: "ويكون الكاف موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد، تقديره: أنِّي أخلق لكم من الطّينِ خلقاً مثل هيئة الطَّيْرِ". وفيما قاله نظرٌ من حيث المعنى؛ لأن التحدِّي إنما يقع في أثر الخلق - وهو ما ينشأ عنه من المخلوقات - لا في نفس الخلق، اللهم إلا أن نقول: المراد بهذا المصدر المفعول به فيئول إلى ما تقدم. قال الزمخشري: أي أقدِّر لكم شيئاً مثل هيئة الطّيرِ. وهذا تصريح منه بأنها صفة لمفعول محذوف وقوله: "أقدر" تفسير للخلق؛ لأن الخلق هنا - التقدير - كما تقدم - وليس المراد الاختراع، فإنه مختص بالباري - تعالى -. وقرأ الزهريُّ: "كَهَيْئَةِ" - بنقل حركة الهمزة إلى الياء. وقرأ أبو جعفر: "كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ". قوله: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} في هذا الضمير ستة أوجُهٍ: أحدها: أنه عائد على الكاف؛ لأنها اسم - عند مَنْ يرى ذلك - أي: فأنفخ في مثل هيئة الطير. الثاني: أنه عائد على "هَيْئَةِ"، لأنها في معنى الشيء المُهَيَّأ، فلذلك عاد الضميرُ عليها مذكَّراً وإن كانت مؤنثةً - اعتباراً بمعناها دون لفظها، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ} تفسير : [النساء: 8] ثم قال {أية : فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] فأعاد الضمير في {مِنْهَا} على {القِسْمَةَ} لما كانت بمعنى المقسوم. الثالث: أنه عائد على ذلك المفعول المحذوف، أي: فأنفخ في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير. الرابع: أنه عائد على ما وقعت عليه الدلالة في اللفظ. وهو أني أخلق. ويكون الخلق بمنزلة المخلوق. الخامس: أنه عائد على ما دَلَّت عليه الكاف من معنى المثل؛ لأن المعنى: أخلق من الطِّينِ مثلَ هيئة الطَّير وتكون الكاف في موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد تقديره: أني أخلق لكم خلقاً مثل هيئة الطير. قاله الفارسي؛ وقد تقدم الكلام معه في ذلك. السادس: أنه عائد على الطين، قاله أبو البقاء، وأفسده الواحديُّ، قال: "ولا يجوز أن تعود الكناية على "الطِّينِ" لأن النفخ إنما يكون في طين مخصوص وهو ما كان مهيَّئاً منه - والطين المتقدم ذكرُه عام فلا تعود إليه الكناية، ألا ترى أنه لا ينفخ في جميع الطين". وفي هذا الرَّد نَظَر؛ إذ لقائلٍ أن يقول: لا نُسَلِّم عمومَ الطين المتقدم، بل المراد بعضه. ولذلك أدخل عليه "مِنْ" التي تقتضي التبعيض، فإذا صار المعنى: أني أخلق بعض الطين، عاد الضَّمِيرُ عليه من غير إشكال، ولكنَّ الواحدي جعل "مِنْ" في الطين لابتداء الغاية، وهو الظَّاهِرُ. قال أبو حيّان: "وقرأ بعض القُرَّاء "فأنْفَخَهَا". أعَاد الضمير على الهيئة المحذوفة؛ إذ يكون التقدير: هيئة كهيئة الطير، أو على الكاف - على المعنى - إذ هي بمعنى مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في آية المائدة: {أية : فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً} تفسير : [المائدة: 110] ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجر، كما حذف في قوله: [البسيط] شعر : 1476- مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلاَ قَامَتْكَ نَائِحَةٌ وَلاَ بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أسْلاَبِ تفسير : وقول النابغة: [البسيط] شعر : 1477-................. كَالْهِبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْما تفسير : يريد ولا قامت عليك، وينفخ في الفَحْمِ. وهي قراءة شاذة، نقلها الفرَّاء". قال شهابُ الدين: "وعجبت منه، كيف لم يَعْزُها، وقد عزاها صاحبُ الكشَّاف إلى عبد الله، قال: وقرأ: "أعبدُ الله" فأنفخها". قوله: {فَيَكُونُ} في "يكون" وجهان: أحدهما: أنها تامة، أي: فيوجد، ويكون "طيراً" - على هذا - حالاً. والثاني: أنها ناقصة، و "طيراً" خبرها. وهذا هو الذي ينبغي أن يكون؛ لأن في وقوع اسم الجنس حالاً لا حاجة إلى تأويل، وإنما يظهر ذلك على قراءة نَافعٍ "طَائِراً"؛ لأنه - حيئذٍ - اسم مشتق. وإذا قيل بنقصانها، فيجوز أن تكون على بابها، ويجوز أن تكون بمعنى "صار" الناقصة، كقوله: [الطويل] شعر : 1478- بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَأََنَّهَا قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : أي صارت. وقال أبو البقاء: "فيكون - أي فيصير - فيجوز أن يكون "كان" هنا - التامة؛ لأن معناها "صار" بمعنى: انتقل، ويجوز أن تكون الناقصة، و "طَائِراً" - على الأول - حالٌ، وعلى الثاني - خَبَرٌ". قال شِهَابُ الدِّينِ: "ولا حاجة إلى جعله إياها - في حال تمامها - بمعنى "صار" التامة التي معناها معنى "انتقل" بل النحويون إنما يقدرون التامة بمعنى حدث، ووجد، وحصل، وشبهها وإذا جعلوها بمعنى "صار" فإنما يعنون "صار" الناقصة". وقرأ نافع ويَعْقُوبُ فيكون طائِراً - هنا وفي المائدة - والباقون "طَيْراً" في الموضعين. فأما قراءة نافع فوجَّهَهَا بعضُهم بأنَّ المعنى على التوحيد، والتقدير: فيكون ما أنفخ فيه طائراً ولا يعترض عليه بأن الرسمَ الكريمَ إنما هو "طَيْراً" - دون ألف - لأن الرسم يُجوِّز حذف مثل هذه الألف تخفيفاً ويدل على ذلك أنه رسم قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] ولا طير - دون ألف - ولم يقرأه أحد "طائر" - بالألف - فالرسم محتمل، لا مُنَافٍ. قال بعضهم كالشارح لما تقدم -: ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير الخفّاشِ، وزعم آخرون أن معنى قراءته: يكون كل واحد مما أنفخ فيه طائراً، قال: كقوله تعالى: {أية : فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] أي اجلدوا كل واحد منهم وهو كثير من كلامهم. وأما قراءة الباقين فمعناها يحتمل أن يُرَاد به اسم الجنس - أي: جنس الطير - ويُحْتَمل أن يُرَاد به الواحد فما فوقه، ويحتمل أن يراد به الجمع، ولا سيما عند من يرى أن طيراً صيغة جمع نحو رَكْب وصَحْب وتَجْر؛ جمع راكب وصاحب وتاجر - وهو الأخفشُ - وأما عند سيبويه فهي عنده أسماء جموع، لا جموع صريحة وتقدم الكلام على ذلك في البقرة. وحسن قراءة الجماعة لموافقتها لما قبلها - في قوله: {مِّنَ ٱلطَّيْرِ} - ولموافقة الرسم لفظاً ومعنى. قوله: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} يجوز أن يتعلق بـ "طَيْراً" - على قراءة نَافِعٍ، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به؛ لأن "طَيْراً" اسم جِنْسٍ، فيتعلق بمحذوف على أن صفة لِـ "طَيْراً" أي: طيراً ملتبساً بإذن الله - بتمكينه وإقداره. قال أبو البقاء: متعلق بـ "يكون". وهذا إنما يظهر إذا جعل "كان" تامة، وأما إذا جعلها ناقصة ففي تعلُّق الظرف بها الخلاف المشهور. فصل روي أن عيسى - عليه السلام - لما ادَّعَى النبوةَ، وأظهر المعجزات، طالبوه بخَلْق خفاش فأخذ طيناً، فصوَّره، فنفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض. قال وَهْبٌ: كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميِّتاً، ليتميز فعلُ الخلْق من فعل الخالق. قيل: خلق الخُفَّاش، لأنه أكمل الطير خَلْقاً، وأبلغ في القدرة؛ لأن لها ثَدْياً وأسْنَاناً وأذناً، وهي تحيض وتطهر وتَلِد. وقيل: إنما طالبوه بخلق خُفَّاش؛ لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش ويلد كما يَلِد الحيوان، ولا يبيض كما يبيض سائر الطُّيور، ويكون له الضرع يخرج منه اللبن، ولا يُبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس سَاعةً، وبعد طلوع الفجر سَاعةً - قبل أن يُسْفِر جِدًّا - ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة. قال قوم إنه لم يخلق غير الخفاش. وقال آخرون: إنه خلق أنواعاً من الطّيْرِ. فصل قال بعض المتكلمين: دلت الآيةُ على أن الروح جسم رقيقٌ، كأنه الريح؛ لأنه وصفها بالنفخ، ثم هاهنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه - تعالى - أودع في نفس عيسى - عليه السلام - خاصية، بحيث إذا نفخ في شيء كانت نفخته فيه موجبة لصيرورة ذلك الشيء حَيًّا؟ ويقال: إن الله - تعالى - كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بصورته، عند نفخ عيسى على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق؛ لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ}تفسير : [الملك: 2] وقال إبراهيمُ عليه السلام لمناظريه: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] فلو حصل لغيره هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. وقوله: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} معناه: بتكوين الله وتخليقه؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} تفسير : [آل عمران: 145] أي بأن يُوجِدَ اللهُ الموتَ. فصل القرآن دل على أنه - عليه السلام - إنما تولد من نفخ جبريل - عليه السلام - في مريم وجبريل روح محض وروحاني محض، فكانت نفخة عيسى عليه السلام سبباً للحياة والروح. قوله: "وأبرئ الأكمه" وأبرئ عطف على "أخْلُقُ" فهو داخل في خبر "أنِّي". يقال: أبرأت زيد عن العاهة ومن الدِّيْن، وبَرَّأتك من الدين - بالتضعيف. وبَرَأت من المرض أبْرأ وبَرِئْتُ - أيضاً - وأما برئت من الدَّيْنِ ومن الذَّنْب، فبَرِئْتُ لا غَيْرُ. وقال الأصمعيُّ: برئتُ من المرض لغةُ تَمِيم، وبَرَأتُ لغَةُ الحجازِ. قال الراغبُ: "بَرَأتُ من المرض وَبَرئْتُ، وَبَرَأت من فلان"، فالظاهرُ من هذا أنه لا يقال الوجهان - أعني فتح الراء وكسرها - إلا في البراءة من المرض ونحوه. وأما الدَّيْنُ والذَّنْبُ ونحوهما، فالفتح ليس إلا. والبراءة: التخلص من الشيء المكروه مجاورته؛ وكذلك التَّبَري والبراء. فصل من وُلِدَ أعْمَى، يقال: كَمِه يَكْمَهُ فهو أكْمَه. قال رؤبة: [الرجز] شعر : 1479- فَارْتَدَّ عَنْهَا كَارْتِدَادِ الأكْمَهِ تفسير : يقال: كمهتها، أي: أعميتها. قال الزمخشريُّ والراغبُ وغيرُهما: "الأكمهُ: من وُلِدَ مطموس العينين"، وهو قول ابنِ عباس وقتادة. قال الزمخشري: "ولم يوجد في هذه الأمة أكمه غير قتادة صاحب التفسير". قال الراغب: "وقد يُقال لمن ذَهَبَتْ عينُه: أكمه". قال سُوَيد: [الرمل] شعر : 1480- كَمِهَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى ابْيَضّتَا ...................... تفسير : قال الحسنُ والسُّدِّيُّ: هو الأعمى. وقال عكرمةُ: هو الأعمش. وقال مجاهد: هو الذي يبصر بالنهار ولا يُبْصر بالليل. والبرص: داء معروف، وهو بياضٌ يَعْتَري الإنسانَ، ولم تكن العربُ تنْفر من شيء نُفْرَتَها منه، ويُقال: برص يبرص بَرَصاً، أي: أصابه ذلك، ويقال له: الوَضَح، وفي الحديث: "وَكَانَ بِهَا وَضَحٌ". والوضَّاح من ملوك العرب هابوا أن يقولوا له: الأبرص. ويقال للقمر: أبْرَص؛ لشدة بياضِه. وقال الراغب "وللنكتة التي عليه" وليس بِظَاهِرٍ، فَإنَّ النُّكْتَةَ التي عليه سوداء، والوزغ سامٌّ أبرص، سُمِّيَ بذلك؛ تشبيهاً بالبرص، والبريص: الذي يَلْمَع لمعان البرص ويقارب البصيص. فصل إنما خَصَّ هذين المرضَيْن لأنهما أعْيا الأطباء، وكان الغالب في زمن عيسى - عليه السلام - الطبَّ، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك. قال وَهَبٌ: رُبَّما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى - في اليوم الواحد - خَمْسُونَ ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه بَلَغه، ومن لم يُطِقُ مَشَى إليه عيسى، وكان يداويهم بالدُّعاء - على شرط الإيمان - ويُحْيي الموتَى. قال الكلبيُّ: كان عيسى يُحْيي الموتَى بـ "يا حَيُّ يَا قَيُّومُ، أخي عَازَرَ" وكان صديقاً له، ودعا سام من نوح من قبره فخرج حَيًّا، ومرَّ على ابن عجوز ميت، فدعا الله عيسى، فنزل عن سريره حَيًّا، ورجع إلى أهله وبقي ووُلِدَ لَهُ، وبنت العاشر أحياها، وولدت بعد ذلك. وأما العازر فإنه كان تُوُفِّي قبل ذلك بأيام فدعا الله، فقام - بإذن الله - وَودَكُه يَقْطُر، وعاش، ووُلِدَ له. وأما ابنُ العجوزِ، فإنه مر به محمولاً على سريره، فدعا الله، فقام، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه إلى أهله، وأما ابنة العاشر فكان أتى عليها ليلة، فدعا الله، فعاشت بعد ذلك، وولد لها. فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تُحْيي من كان موتُه قريباً، ولعله لم يمت، بل أصابتهم سكتة فأَحْيِ لنا سام بن نوح، فقال: دلوني على قبره، فخرجوا وخرج معهم، حتى انتهى إلى قبره، فدعا الله، فخرج من قبره، قد شاب رأسُهُ، فقال له عيسى: كيف شاب رأسُك ولم يكن في زمانكم شَيْبٌ؟ فقال: يا رُوحَ اللهِ، إنك دعوتني، فسمعت صوتاً يقول: أجِبْ رُوحَ اللهِ، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هَوْل ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع، فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تَذْهَب من حنجرتي - وكان قد مر على وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنةٍ - ثم قال للقوم: صَدِّقُوه؛ فإنه نبيٌّ، فآمن به بعضُهم، وكذَّبه بعضُهم، وقالوا: هذا سحر. فصل قَيَّد قوله: {أَنِيۤ أَخْلُقُ} بإذن الله؛ لأنه خارق عظيم، فأتَى به؛ دفعاً لتوهُّم الإلهية، ولم يأت فيه فيما عُطِف عليه في قوله: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ} ثم قيَّد الخارقَ الثالث - أيضاً - بإذن الله؛ لأنه خارق عظيم أيضاً - وعطف عليه قوله: {وَأُنَبِّئُكُم} من غير تقييد له ونبهه على عِظم ما قبلَه، ودَفْعاً لوهم من يتوهم فيه الإلهيّة، أو يكون قد حذف القيد من المعطوفين؛ اكتفاء به في الأول والأول أحسن. قوله: {بِمَا تَأْكُلُونَ} يجوز في "ما" أن تكون موصولةً - اسميَّة أو حرفيَّة - أو نكرة موصوفة. فعلى الأول والثالث تحتاج إلى عامل بخلاف الثاني - عند الجمهور - وكذلك "ما" في قوله: {وَمَا تَدَّخِرُونَ} محتملة لما ذكر. وأتى بهذه الخوارق الأربع بلفظ المضارع؛ دلالةً على تجدُّد ذلك كلَّ وقتٍ طُلِبَ منه. قوله: {تَدَّخِرُونَ} قراءة العامة بدال مشدَّدةٍ مهملةٍ، وأصله: تَذتَخِرُونَ - تفتعلون - من الذخر، وهو التخبية، يقال: ذَخَر الشيء يَذْخَرُه ذَخْراً، فهو ذاخرٌ ومذخورٌ - أي: خبَّأه. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 1481- لَهَا أشَارِيرُ مِنْ لَحْمٍ تُتَمِّرُهُ مِنَ الثَّعَالِبِي وَذُخْرٌ مِنْ أرَانِيها تفسير : الذخر: فُعْل بمعنى المذخور، نحو الأكل بمعنى المأكول، وبعض النحويين يصَحِّفُ هذا البيتَ فيقول: وَوخْزٌ - بالواو والزاي - وقوله: من الثَّعَالِي، وأرانيها، يريد: الثعالب، وأرانبها، فأبدل الباء الموحدة باثنتين من تحتها. ولما كان أصله: تَذْتَخِرون، اجتمعت الذال المعجمة مع تاء الافتعال، فأبدِلَتْ تاء الافتعال دالاً مهملةً، فالتقى بذلك متقاربان - الدال والذال - فأبدل الذال - المعجمة - دالاً، وأدغمها في الذال المعجمة - فصار اللفظ: تَدَّخرون. وقد قرأ السوسيُّ - في رواية عن أبي عمرو - تَذْدَخِرُون بقلب تاء الافتعال دالاً مهملة من غير إدغام، وهذا وإن كان جائزاً إلا أن الإدْغامَ هو الفصيح. وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السّمّال وأيوب السختياني "تَذْخَرُونَ" - بسكون الذَّال المعجمة، وفَتح الخاء جاءوا به مجرداً على فَعَل، يقال: ذَخَرته - أي: خبَّأته. ومن العرب من يقلب تاء الافتعال - في هذا النحو - ذالاً معجمة، فيقول: اذَّخَر يذخِر - بذال معجمة مشددة، ومثله اذَّكَر فهو مذّكر. وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال أبو البقاء: والأصل في "تَدَّخِرُونَ" تَذتَخِرون، إلاَّ أنَّ الذالَ مجهورة، والتاء مهموسة، فلم يجتمعا، فأبدلت التاء دالاً؛ لأنها من مَخْرَجِها؛ لتقرب من الذال، ثم أبدِلت الذال دالاً، وأدغمت. و "في بيوتكم" متعلق بـ "تَدَّخِرُونَ". فصل في الآية قولان: أحدهما: قال السُّديُّ: كان عيسى عليه السلام في الكتّاب يُحَدِّثُ الغِلْمَانَ بما يصنع آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلُك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، فينطلق الصبيُّ إلى أهله، ويبكي لهم، حتى يعطوه ذلك الشيءَ، فيقولون مَنْ أخبرَك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانَهُمْ عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيتٍ فجاء عيسى، وطلبهم، فقالوا: ليسوا هاهنا. فقال: ما في هذا البيت قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير، ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت عليه أمُّه، حملته على حمارٍ لها، وخرجت هاربةً به إلى مصر. قال قتادةُ: إنما كان هذا في المائدةِ، وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمَنِّ والسَّلْوَى وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد، فخانوا وخبّأوا، فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما ادَّخروا، فمسخهم اللهُ خنازيرَ. وقال القرطبيُّ: إنه لمَّا أحيا لهم الموتى طلبوا منه آيةً أخرى، وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وبما ندخر للغد، فأخبرهم، فقال: يا فلان، أكلتَ كذا وكذا، وادَّخرت كذا وكذا، وأنت يا فلان، أكلت كذا وكذا وادَّخرت كذا وكذا. فصل اعلم أن الإخبار عن الغيب على هذا الوجه معجزة؛ وذلك لأن المنجِّمين الذين يدعون استخراج الجنيِّ لا يُمكنهم ذلك إلا عن تقدم سؤال يستعينون عند ذلك بآلة، ويتوصَّلون بها إلى معرفة أحوال الكواكبِ، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ولا تقدم مسألة فلا يكون إلا بوحي من الله تعالى. قوله: {إنَّ فِى ذَلِكَ} إشارة إلى جميع ما تقدم من الخوارق، وأشِير إليها بلفظ الإفْرادِ - وإن كانت جمعاً في المعنى - بتأويل ما ذُكِر. وقد تقدم أن مصحفَ عبدِ الله وقراءته "لآياتٍ" - بالجمع؛ مراعاةً لما ذكرنا من معنى الجمع، وهذه الجملة يُحْتَمَل أن تكون من كلام عيسى، وأن تكون من كلام الله تعالى. قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جوابه محذوف، أي: إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآية، وتدبَّرتموها. وقدر بعضهم صفةً محذوفةً لـ "آية" أي: لآية نافعة. قال أبو حيّان: "حتى يتَّجه التعلُّق بهذا الشرط" وفيه نظر؛ إذْ يَصِحّ التعلُّق بالشرط دون تقدير هذه الصفة. قوله: {مُصَدِّقًا} نَسَقٌ على محل بآيةٍ، لأن محل "بآيَةٍ" في محل نصبٍ على الحالِ؛ إذ التقدير وجئتكم متلبساً بآيةٍ ومصدقاً. وقال الفراء والزَّجَّاجُ: نصب "مُصَدِّقاً" على الحال، المعنى: وجئتكم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، وجاز إضمار "جئتكم"، لدلالة أول الكلام عليه - وهو قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} - ومثله في الكلام: جئته بما يُحِبُّ ومُكْرِماً له. قال الفراء: "ولا يجوز أن يكون "مُصَدِّقاً" معطوفاً على "وَجِيهاً"؛ لأنه لو كان كذلك لقال: أو مصدقاً لما بين يديه، يعني: أنه لو كان معطوفاً عليه؛ لأتى معه بضمير الغيبة، لا بضمير التكلُّم". وذكر غير الفرّاء، ومنع - أيضاً - أن يكون منسوقاً على "رَسُولاً" قال: لأنه لو كان مردوداً عليه لقال: ومصدقاً لما بين يديك؛ لأنه خاطب بذلك مريم، أو قال: بين يديه. يعني أنه لو كان معطوفاً على "رَسُولاً" لكان ينبغي أن يُؤتَى بضمير الخطاب؛ مراعاةً لمريم، أو بضمير الخطاب مراعاةً للاسم الظاهر. قال أبو حيّان: وقد ذكرنا أنه يجوز في "رَسُولاً" أن يكون منصوباً بإضمار فعل - أي: وأرسلت رسولاً - فعلى هذا التقدير يكون "مُصَدِّقاً" معطوفاً على "رَسُولاً". قوله: {مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من "ما" الموصولة، أي: الذي بين يدي حال كونه من التوراةِ، فالعامل فيه مصدقاً لأنه عامل في صاحب الحالِ. الثاني: أنه حال من الضمير المُسْتَتِر في الظرف الواقع صِلَةً. والعامل فيه الاستقرارُ المُضْمَرُ في الظرف أو نفس الظرف؛ لقيامه مقامَ الفعل. فصل اعلم أنه يجب على كل نبيٍّ أن يكون مُصَدِّقاً لجميع الأنبياء؛ لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل مَنْ حصلت له المعجزةُ، وجب الاعترافُ بنبوته. قوله: {وَلأُحِلَّ} فيه أوجُهٌ: أحدها: أنه معطوف على معنى "مُصَدِّقاً" إذ المعنى: جئتكم لأصَدِّقَ ما بين يديَّ ولأحِلَّ لكم، ومثله من الكلام: جئته مُعْتَذِراً إليه ولأجْتَلِبَ رِضاهُ - أي: جئت لأعتذر ولأجتلب - كذا قال الواحديُّ، وفيه نظرٌ؛ لأن المعطوف عليه حال، وهذا تعليلٌ. قال أبو حيّان: - بعد أن ذكر هذا الوَجْهَ -: "وهذا هو العطف على التوهُّم وليس هذا منه؛ لأن معقولية الحال مخالفة لمعقوليَّة التعليلِ، والعطف على التوهُّم لا بُدَّ أن يكون المعنى مُتَّحِداً في المعطوف والمعطوف عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} تفسير : [المنافقون: 10] كيف اتحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التحضيض. وكذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1482- تَقِيٌّ نَقِيٌّ، لَمْ يُكَثِّرْ غَنِيمَةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبَى وَلاَ بِحَقَلَّدِ تفسير : كيف اتخذ معنى النفي في قوله: لم يُكَثِّرْ، وفي قوله: ولا بِحَقلَّدٍ، أي: ليس بمكثر ولا بحقلدٍ. وكذلك ما جاء منه". قال شهابُ الدّينِ: "ويمكن أن يريد هذا القائلُ أنه معطوف على معنى "مُصَدِّقاً" أي: بسبب دلالته على علةٍ محذوفةٍ، هي موافقة له في اللفظ، فنسب العطف على معناه، باعتبار دلالته على العلة المحذوفة لأنها تشاركه في أصل معناه - أعني مدلول المادة - وإن كانت دلالة الحال غير دلالة العقل". الثاني: أنه معطوف على عِلَّةٍ مقدرة، أي: جئتكم بآية، ولأوسِّعَ عليكم ولأحِلَّ، أو لأخفِّفَ عنكم ولأحِلَّ، ونحو ذلك. الثالث: أنه معمول لفعلٍ مُضْمَرٍ؛ لدلالة ما تقدم عليه، أي: وجئتكم لأحِلَّ، فحذف العامل بعد الواو. والرابع: أنه متعلق بقوله: {وَأَطِيعُونِ} والمعنى اتبعوني لأحِلَّ لكم. وهذا بَعِيدٌ جداً أو مُمتنع. الخامس: أن يكون {ولأُحِلَّ لَكُمْ} رداً على قوله: "بِآيةٍ". قال الزمخشريُّ: {وَلأُحِلَّ} رَدٌّ على قوله {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: جئتكم بآية من ربكم ولأحلَّ. قال أبو حيان: "ولا يستقيم أن يكون {وَلأُحِلَّ لَكُم} رداً على "بآيَةٍ"، لأن "بِآيَةٍ" في موضع حال و "لأحل" تعليل، ولا يَصِحُّ عطف التعليل على الحال؛ لأن العطف بالحرف المشرك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوفِ عليه، فإن عطفت على مصدر، أو مفعولٍ به، أو ظرفٍ، أو حالٍ، أو تعليل وغير ذلك شارَكه في ذلك المعطوف". قال شهاب الدين: ويحتمل أن يكون جوابه ما تقدم من أنه أراد رداً على "بآية" من حيث دلالتها على عمل مقدر. قوله: {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} المراد بـ "بَعْض" مدلوله في الأصل. قال أبو عبيدة: إنها - هنا - بمعنى "كل". مستدلاًّ بقول لَبِيد: [الكامل] شعر : 1483- تَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أرْضَهَا أوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا تفسير : يعني كلّ النفوس. وقد يرد الناسُ عليه بأنه كان يَلْزَمُ أن يُحِلَّ لهم الزنا، والسرقةَ، والقَتْلَ؛ لأنها كانت محرَّمةً عليهم، فلو كان المعنى: ولأحِلَّ لكم كُلَّ الذي حُرِّم عليكم لأحلَّ لهم ذلك كلَّه. واستدل بعضهم على أن "بَعْضاً" بمعنى "كُلّ" بقول الآخر: [الطويل] شعر : 1484- أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ تفسير : أي: أهون من كل شر. واستدل آخرون بقول الشَّاعِر: [البسيط] شعر : 1485- إنَّ الأمُورَ إذَا الأحْدَاثُ دَبَّرَهَا دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ تفسير : أي: في كلها خللاً، ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن مدلوله مع إمكان صحة معناه؛ إذ مراد لبيد بـ "بَعْضَ النُّفُوسِ" نفسه هو والتبعيض في البيت الآخر واضح؛ فإن الشر بعضه أهون من بعضٍ آخر لا من كُلِّه، وكذلك ليس كل أمر دبره الأحداث كان خَلَلاً، بل قد يأتي تدبيره خيراً من تدبير الشيخ. وقرأ العامة: "حُرِّمَ" بالبناء للمفعول، والفاعل هو الله. وقرأ عكرمة "حَرَّمَ" مبنيًّا للفاعل وهو الله تعالى، أو الموصول في قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}؛ لأنه كتاب مُنزَّل، أو موسى؛ لأنه هو صاحب التوراة، فأضمر بالدلالة عليه بذكر كتابه. وقرأ إبراهيم النّخْعِيُّ: "حَرُمَ" - بوزن شَرُفَ وظَرُفَ - ونُسِب الفعل إليه مجازاً للعلم بأن المُحَرِّم هو الله. فإن قيل: هذه الآية مناقضةٌ للآية التي قبلَها؛ لأنها صريحة في أنه جاء ليُحِلَّ لهم بعض الذي كان محرماً عليهم في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون حكمُه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض قوله: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ}. فالجوابُ: أنه لا مناقضة بين الكلام؛ لأن التصديق بالتوراة، لا معنى له إلاَّ اعتقاد أن كلَّ ما فيه فهو حق وصواب، فإذا لم يكن التأبيد مذكوراً في التوراة لم يكن حكمُ عيسَى بتحليل ما كان محرَّماً فيه مناقضاً لكونه مُصَدِّقاً بالتوراة، كما يَرِدُ النسخُ في الشريعةِ الواحدةِ. فصل قال وَهَبٌ: كان عيسى على شريعة موسى، يقرِّر السبتَ، ويستقبل بيتَ المَقدِس، ثم فَسَّرَ قوله: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} بأمرين: أحدهما: أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائعَ باطلةً، ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى ورفعها، وأبْطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى - عليهما السلام -. الثاني: أن الله - تعالى - كان قد حَرَّم عليهم بعضَ الأشياء؛ عقوبةً لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات، كما قال: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 160] ثم بَقِي ذلك التحريمُ مستمراً على اليهود، فجاء عيسى، ورفع عنهم تلك التشديداتِ. وقال آخرون: إن عيسى رَفَعَ كثيراً من أحكام التوراةِ، ولم يقدَحْ ذلك في كونه مُصَدِّقاً بالتوراة؛ لِمَأ بينا أن الناسخَ والمنسوخَ كلاهما حَقٌّ وصِدْقٌ، فرفع السَّبْتَ، وأقام الأحدَ مُقَامَه. قوله: {وَجِئْتُكُمْ} هذه الجملة يحتمل أن تكون تأكيداً للأولَى؛ لتقدُّم معناها ولفظها قبل ذلك. قال أبو البقاء: "هذا تكرير للتوكيد؛ لأنه قد سبق هذا المعنى في الآية التي قبلها". ويحتمل أن تكون للتأسيس؛ لاختلاف متعلَّقها ومتعلَّق ما قبلها. قال أبو حَيَّانَ: قوله: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} للتأسيس، لا للتوكيد لاختلاف متعلقها لقوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} وتكون هذه الآية هي {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ}، لأن هذا القولَ شاهدٌ على صحة رسالتِه؛ إذ جميعُ الرُّسُلِ كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجعل هذا القولَ آيةَ وعلامةً؛ لأنه رسول كسائر الرُّسُلِ؛ حيث هداه للنظر في أدلَّةِ العقل والاستدلال قاله الزمخشريُّ، [وهو صحيح]. وقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} لأن طاعة الرسولِ من لوازم تَقْوَى اللهِ. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} قراءة العامة بكسر همزة "إنّ" على الإخبار المستأنف؛ وهذا ظاهر على قولنا: إن {جِئْتُكُمْ} تأكيد. أما إذا جعلناه تأسيساً، وجُعِلَت الآية هي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} - بالمعنى المذكور أولاً - فلا يصحُ الاستئناف، بل يكون الكسر على إضمار القول، وذلك القول بدلٌ من الآية، كأن التقدير: وجئتكم بآية من ربكم قَوْلي: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ}، فـ "قَوْلِي" بدلٌ من آية، و "إنّ" وما في حَيِّزها معمول "قولي"، ويكون قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} اعتراضاً بين البدل والمُبْدَل منه. وقرئ بفتح الهمزة، وفيه أوجُهٌ: أحدها: أنه بدل من "آية"، كأن التقدير: وجئتكم بأن الله ربي وربكم، أي: جئتكم بالتوحيد. وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} اعتراضٌ أيضاً. الثاني: أن ذلك على إضمار لام العلة، ولام العلةِ متعلقة بما بعدها من قوله {فَٱعْبُدُوهُ}، والتقدير: فاعبدوه لأن الله ربي وربكم كقوله: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] إلى أن قال: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ} تفسير : [قريش: 3] إذ التقدير فليعبدوا، لإيلاف قريش، وهذا عند سيبويه وأتباعه - ممنوع؛ لأنه متى كان المعمول أنّ وصلتها يمتنع تقديمها على عاملها لا يجيزون: أنَّ زيداً منطلق عرفت - تريد عرفت أن زيداً منطلقٌ - للفتح اللفظي، إذْ تَصَدُّرُها - لفظاً يقتضي كسرها. الثالث: أن يكون على إسقاط الْخَافِضِ - وهو على - و "على" يتعلق بآية بنفسها، والتقدير: وجئتكم بآية على أن الله، كأنه قيل: بعلامة ودلالة على توحيد الله - تعالى - قاله ابنُ عَطِيَّةَ، وعلى هذا فالجملتان الأمْرِيَّتان اعتراض - أيضاً - وفيه بُعْدٌ. قوله: {هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} "هذا" إشارة إلى التوحيد المدلول عليه بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} أو إلى نفس {إِنَّ ٱللَّهَ} باعتبار هذا اللفظ هو الصراط المستقيم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله {إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} قال " كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش. أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده تفسير : . قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط" أخرجه الشيخان بدون الآية. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي سمعت رسول الله يقول: " حديث : خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية إمرأةَ فرعون"تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن. مرسلاً. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء: "إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير "حديث : عن فاطمة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عمار بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : أربع نسوة سيدات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن عالماً فاطمة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش. أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إن الله اصطفاك وطهرك} قال: جعلك طيبة ايماناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {وطهرك} قال: من الحيض {واصطفاك على نساء العالمين} قال: على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً، وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} فإذا سمع ذلك زكريا قال: إن لابنة عمران لشأنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {يا مريم اقنتي لربك} قال: اطيلي الركود يعني القيام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: لما قيل لها {اقنتي لربك} قامت حتى ورمت قدماها. وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي قال: كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها. وأخرج ابن عساكر عن ابن سعيد قال: كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير {اقنتي لربك} قال: اخلصي. وأخرج عن قتادة قال {اقنتي لربك} قال: أطيعي ربك. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه كان يقرأ "واركعي واسجدي في الساجدين". وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وما كنت لديهم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} قال: إن مريم عليها السلام لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها فقال الله لمحمد: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} قال: ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: ألقوا أقلامهم يقال: عصيهم تلقاء جرية الماء، فاستقبلت عصا زكريا عليه السلام جرية الماء فقرعهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال {أقلامهم} قال: التي يكتبون بها التوراة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء {أقلامهم} يعني قداحهم. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال "لما وهب الله لزكريا يحيى، وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى. فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة - وهو جبريل وحده - {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك} من الفاحشة {واصطفاك} يعني اختارك {على نساء العالمين} عالم امتها {يا مريم اقنتي لربك} يعني صلي لربك يقول: اركدي لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها {واسجدي واركعي مع الراكعين} يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} يعني بالخبر {الغيب} في قصة زكريا ويحيى ومريم {وما كنت لديهم} يعني عندهم {إذ يلقون أقلامهم} في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا} يعني مكيناً عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة {ويكلم الناس في المهد} يعني في الخرق {وكهلاً} ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء {ومن الصالحين} يعني من المرسلين". وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال: لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل. وثقت بكرامة الله واطمأنت، فطابت نفساً واشتد ازرها، وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك واحزنه، وخاف منه البلية التي لا قبل له بها، ولم يشعر من اين اتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلاً متعبداً حكيماً، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه، ونشأ معها. وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك} فكان يعجب يوسف ما يسمع. فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك} فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال: إن زكريا قد أحرزها في المحراب فلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا؟ فلما رأى من تغير لونها، وظهور بطنها، عظم ذلك عليه، فعرض لها فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟! قالت: إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أنْ يخلقه ولا ينبته. قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك. قد صدقت وقلت بالنور والحكمة، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينتبه من غير بذر، يقدر على أن يجعل زرعاً من غير بذر، فاخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً! فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر. قال: أعوذ بالله أن أقول ذلك! قد صدقت. فاخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال: بلى. فاخبريني خبرك؟ قالت: بشرني الله {بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم} إلى قوله {ومن الصالحين} فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها. فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت أن أخرجي من المحراب فخرجت. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك} قال: شافهتها الملائكة بذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يبشرك بكلمة منه} قال: عيسى هو الكلمة من الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: المسيح الصديق. وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي. أن عيسى كان سائحاً ولذلك سمي المسيح. كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى، وانه لم يتزّوج حتى رفع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ومن المقربين} يقول: ومن المقربين عند الله يوم القيامة.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ} شروعٌ في شرح بقيةِ أحكامِ اصطفاء آلِ عمران إثرَ الإشارةِ إلى نُبَذٍ من فضائل بعضِ أقاربهم أعني زكريا ويحيـى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقامِ إياهما حسبما أشير إليه، وقرىء بتذكير الفعل، والمرادُ بالملائكة جبريلُ عليه الصلاة والسلام وقد مر ما فيه من الكلام، وإذ منصوبٌ بمُضمر معطوفٍ على المُضمر السابق عطفَ القِصة على القصة، وقيل: معطوفٌ على الظرف السابق أعني قولَه: {أية : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } تفسير : [آل عمران، الآية 35] منصوبٌ بناصبة فتدبرْ. أي واذكر أيضاً من شواهد اصطفائِهم وقتَ قولِ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام {يا مَرْيَمُ} وتكريرُ التذكير للإشعار بمزيد الاعتناء بما يُحكىٰ من أحكام الاصطفاءِ والتنبـيهِ على استقلالها وانفرادِها عن الأحكام السابقة فإنها من أحكام التربـية الجُسمانية اللائقة بحال صِغَر مريمَ وهذه من باب التربـية الروحانية بالتكاليف الشرعيةِ المتعلقة بحال كِبَرها، قيل: كلّموها شِفاهاً كرامةً لها أو إرهاصاً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام لمكان الإجماعِ على أنه تعالى لم يَستنبِىء امرأةً وقيل: ألهموها {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ} أولاً حيث تقبّلك من أمك بقبولٍ حسن ولم يتقبل غيرَك أنثى وربّاك في حِجْرِ زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنةِ وخصّك بالكرامات السنية {وَطَهَّرَكِ} أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ {وَٱصْطَفَـٰكِ} آخِراً {عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ} بأن وهبَ لك عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وجعلكما آيةً للعالمين، فعلى هذا ينبغي أن يكون تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى عليه الصلاة والسلام لما مر مراراً من التنبـيه على أن كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير، ولو رُوعي الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل: المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبـيـينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً، وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها.

القشيري

تفسير : يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قِبَلِهم رفعاً بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادكِ من أشكالك وأندادك، وطَهَّرَكِ من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلْق، واصطفاك على نساء العالمين في وقتك. وفائدة تكرار ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاكِ بأَنْ حَمَلْتِ بعيسى عليه السلام من غير أب، ولم تشبهك امرأة - ولن تشبَهك - إلى يوم القيامة، ولذلك قال {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

البقلي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} بالقاء كلمته فيك وايضا اصطفك برؤية الملائكة والخطاب معهم وايضا اصطفك الكرامات والايت حتى ايتى الملائكة يرزقك من الجنة {وَطَهَّرَكِ} اى من لمس البشر وايضا من دنس الخليقة وايضا اى طهر سرك عن الالتفات من الله الى كفالة زكريا {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} اصفطاء الاول رفع المنزلة واصطفاء الثانى حقيقة العصمة باشارته على نساء العالمين قال الاستاد فائدة تكررا الاصطفاء الاول اصطفك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثانى اصطفك لان حملت بعيسى من غير اب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قالت الملائكة} اى اذكر وقت قول الملائكة وهو جبريل بدلالة قوله تعالى فى سورة مريم {أية : فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} تفسير : [مريم: 17]. اى سوى الخلق لتستأنس به وانما جمع تعظيما له لانه كان رئيس الملائكة {يا مريم} وكلام جبريل معها لم يكن وحيا اليها فان الله يقول {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم}تفسير : [النحل: 43]. ولا نبوة فى النساء بالجماع. فكلمهما شفاها كرامة لها وكرامات الاولياء حق او ارهاصاً لنبوة عيسى عليه السلام وهو من الرهص بالكسر وهو الصف الاسفل من الجدار وفى الاصطلاح ان يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر والمدر والرمى بالشهب وقصة الفيل وغير ذلك {ان الله اصطفاك} اولا حيث تقبلك من امك بقبول حسن ولم يتقبل غيرك انثى ورباك فى حجر زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنة وخصك بالكرامات السنية {وطهرك} من الكفر والمعصية ومن الافعال الذميمة والعادات القبيحة ومن مسيس الرجال ومن الحيض والنفاس قالوا كانت مريم لا تحيض ومن تهمة اليهود وكذبهم بانطاق الطفل {واصطفاك} آخر {على نساء العالمين} بان وهب لك عيسى عليه السلام من غير اب ولم يكن ذلك لاحد من النساء وجعلكما آية للعالمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إذ قالت الملائكة} أي: جبريل، أو جماعة، كلمتها شفاهاً؛ كرامةً لها. وفيه إثبات كرامة الأولياء، وليست نبية؛ للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة؛ لقوله:{أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ}تفسير : [الأنبيَاء: 7] فقالوا لها: {يا مريم إن الله اصطفاك} لخدمة بيته، ولم يقبل قبلك أنثى قط، وفرغك لعبادته، وأغناك برزقه عن رزق غيره، {وطهرك} من الأخلاق الذميمة، ومما يستقذر من النساء، {وصطفاك} ثانياً بهدايته لك، وتخصيصك بتكليم الملائكة، وبالبشارة بالولد من غير أب، فقد اصطفاك {على نساء العالمين}. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَرْيَمَ ابنةَ عِمْرَانَ، وآسِيَةَ بنت مزاحِم وخديجة بنت خويلد"تفسير : ... الحديث. قال ابن عزيز: أي: عالمي دهرها، كما فُضِّلَتْ خديجة وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل قال أبو عمر: فاطمة فُضلت على جميع النساء، وهو واضح، لحديث: سيدة نساء أهل الجنة، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم. فالله أعلم. وفي الاستيعاب: "حديث : عن عمران بن حصين: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال: كيف تجدك يا بُنَيَّةُ؟ فقالت له: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله، فقال: يا بُنَيِّةُ، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين، فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدةُ نُساءِ عالمها، وأنت سيدة عالمك، والله لقد زوجتك سيّداً في الدنيا والآخرة"تفسير : . هـ. من المحشي. {يا مريم اقنتي لربك} أي: أطيلي الصلاة شكراً لما اختصك به، {واسجدي واركعي مع الراكعين} أي: صلِّي مع المصلين، وقدَّم السجود على الركوع، أما لكونه كذلك في شرعهم، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب، أو ليقترن {اركعي} بالراكعين، للإيذان بأنَّ من ليس في صلاتهم ركوعٌ ليسوا بمصلين. وقيل: المراد بالقنوت: إدامة الطاعة، كقوله:{أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً}تفسير : [الزمر: 9]، وبالسجود، الصلاة، لقوله: {وإدبار السجود}، وبالركوع: الخشوع والإخبات. قاله البيضاوي. وقال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها وسالت دماً وقَيْحاً. الإشارة: لا يصطفي الله العبدَ لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل، وتحليته بأنواع الفضائل، وقطعه عن قلبه الشواغل، والقيام بوظائف العبودية، وبالآداب مع عظمة الربوبية، والخضوم تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، فأنفاس المريد ثلاثة: عبادة، ثم عبودية، ثم عبودة، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب.

الطوسي

تفسير : العامل في (إذ) يحتمل أن يكون أحد شيئين: أحدهما - سميع عليم إذ قالت امرأة عمران. وإذ قالت الملائكة يكون عطفاً على (إذ) الاولى. الثاني - اذكر إذ قالت، لأن المخاطب في حال تذكير وتعريف. وقوله: {اصطفاك على نساء العالمين} يحتمل وجهين: قال الحسن وابن جريج على عالمي زمانها. وهو قول أبي جعفر (ع)، لأن فاطمة سيدة نساء العالمين. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال::حديث : فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين تفسير : . وقال أيضاً (ع) حديث : حسبك من نساء العالمين بأربع مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وسلم) . تفسير : الثاني - ما قاله الزجاج، واختاره الجبائي: إن معناه اختارك على نساء العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح عيسى (ع). وقوله: {وطهرك} في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، ومجاهد: طهرك من الكفر. والثاني - ذكره الزجاج أن معناه طهرك من سائر الادناس: الحيض، والنفاس، وغيرهما. وإنما كرر لفظ اصطفاك، لأن معنى الأول اصطفاك بالتفريغ لعبادته بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته وصرت متوفرة على اتباع مرضاته ومعنى الثاني اصطفاك بالاختيار لولادة نبيه عيسى (ع) على قول الجبائي. وقال أبو جعفر (ع) اصطفاها أولا من ذرية الانبياء وطهرها من السفاح. والثاني - اصطفاها لولادة عيسى (ع) من غير فحل. وفي ظهور الملائكة لمريم قالوا قولين: أحدهما - أن ذلك معجزة لزكريا (ع)، لأن مريم لم تكن نبية، لقول الله تعالى {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم}.تفسير : والثاني - أن يكون ذلك برهاناً لنبوة عيسى (ع) كما كان ظهور الشهب والغمامة وغير ذلك معجزة للنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل بعثتة، فالاول قول الجبائي، والثاني قول ابن الاخشاد. ويجوز عندنا أن يكون ذلك معجزة لها وكرامة، وإن لم تكن نبية لأن اظهار المعجزات - عندنا - تجوز على يد الأولياء، والصالحين، لأنها إنما تدل على صدق من ظهرت على يده سواء كان نبياً أو إماماً أو صالحاً، على أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قال ذلك لمريم على لسان زكريا (ع). وقد يقال: قال الله لها، وإن كان بواسطة كما تقول: قال الله للخلق كذا وكذا وإن كان على لسان النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولا يحتاج مع ذلك إلى ما قالوه.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} عطف على قوله {اذ قالت امرأة عمران} او مستأنف بتقدير اذكر او ذكّر اذ قالت الملائكة لمريم شفاهاً سواء كانت رأتهم ام لم تر اشخاصهم لانّها كانت محدّثة والمحدّث قد يرى وقد لا يرى كما سبق الاشارة اليه عند قوله {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}تفسير : [البقرة: 219] {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} من ذرّيّة الانبياء {وَطَهَّرَكِ} من السّفاح {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} اى عالمى زمانك لولادة عيسى (ع) وهذا مضمون ما فى الخبر وقيل فيه اشياء أخر، ولعلّ المراد بالاصطفاء الاوّل اصطفاؤها بالنّظر الى نفسها واستعدادها واستحقاقها وبالاصطفاء الثّانى اصطفاؤها بالنّسبة الى نساء عالمها ولذا جاء بالتّطهير بينهما يعنى يا مريم انّ الله نظر اليك ووجدك اهلاً لخدمته وقربه فاصطفاك لخدمته وطهّرك من نقائص الكثرات وقرّبك اليه وافناك ممّا ينبغى ان يفنى عنه ثمّ ابقاك ببقائه وأحياك بحيوته واحياك بما يحيى الباقون بعد الفناء حتّى تفضّلت على نساء العالمين فاصطفاك عليهن.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ}: عطف على إذا، ويستأنف باذكر محذوف. {قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ}: جبريل، وفيه ما مر كله فى قوله {أية : فنادته الملائكة} تفسير : ويقوى أن المتكلم لها جبريل، قوله تعالى: {أية : فأرسلنا إليها روحنا..} تفسير : الآية. {يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ}: كلمها الملائكة بألسنتهم بلا واسطة، وذلك كرامة لها من الله جل جلاله، لأن الصحيح ثبوت كرامة الأولياءن وليست بنبيه، لأنه ليس كل من تكلم له ملك نبياً، وكم ولى وكافر تكلم له نبى، ولا نبية فى النساء، قال الله عز وجل: {أية : وما أرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلاَّ رِجَالاً نوحى إليهم} تفسير : والنبوة كالرسالة، وذلك بإجماع الأمة إلا خلافاً شاذاً، فى نبوة النساء. وقيل: قول الملائكة لها إلهام، كقوله تعالى: {أية : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}تفسير : وأنكرت المعتزلة كرامة الأولياء، فقال الكعبي: منهم ذلك إرهاص لرسالة عيسى عليه السلام، وهو تقدم ما يشبه المعجزة على دعوى النبوة، كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكلم الحجارة له، وقال الجمهور منهم: إن ذلك معجزة لزكريا عليه السلام، قيل: معنى الاصطفاء الأول اصطفاؤها بتقبلها صغيرة، وبقبولها منذورة محررة، ولم يحرر قبلها أنثى فى ذلم الباب، ويبعث رزقها من الله من جنته، وكفالة نبى الله زكريا عليه السلام، وتفريغها للعبادة، ومعنى الاصطفاء الثانى أن الله وهب لها عيسى عليه السلام من غير اب، وأسمها كلام الملائكة وجعل ابنها آية للعالمين، وتبرئتها مما قذفتها اليهود بإنطاق الطفل، وهدايتها. والذى عندى: أن ذلك كله هو الاصطفاء الأول، وحاصلة ما ليس نفي عبادة إلا الهداية. والثاني: هو توفيقها للعبادة الكثيرة، وتصفية قلبها أخبرها أنه يوفقها لذلك، وصفاء القلب. ومعنى {طهرك} أنه طهرها من مسيس الرجال، والحيض فإنها لا تحيض وما يستقذر من الأفعال، وقيل: طهرك من الذنوب، وقيل: ما رمتها به اليهود، وعن الحسن: طهرك من الكفر، وقال مجاهد: جعلك طيبة أيما وعنه طهرك مما يصم النساء فى خلق أو خلق أو دين، وقال الزجاج: قد جاء التفسير أن معناه طهرك من الحيض والنفاس. والمراد بـ {الْعَالَمِينَ}: عالو زمانها أو على غير فاطمة وخديجة، رضى الله عنهما، وآسية. وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سيدة نساء العالمين: مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية"تفسير : وهذا يدل على ترتيبهن فى الفضل، هكذا وإن مريم فضل نساء بنى آدم. وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلدن وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية امرأة فرعون"تفسير : . وهذا فيه نص على أن الأربع أفضل نساء الدنيا، ولم يذكر فيه التفضيل بينهنن وكذلك روى على بن ابى طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير نسائهما مريم بنت عمران وخير نسائهما خديجة بنت خويلد"تفسير : قال: وكيف ضمير الاثنين للسماء والأرض، أى: خير نساء بين السماء والأرض، والظاهر تفضيلهما على نساء مطلق، وسكت عن التفضيل بينهما، فمسكوت عنه، وعن أبى موسى الأشعرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كمل من الرجال كثير، ولم يكمل ن النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"تفسير : ، فهذا الحديث دل على تفضيل مريم وآسية على فاطمة وخديجة كغيرها، وعلى تفضيل عائشة رضى الله عنها على مريم وغيرها من نساء الدنيا، وهذا ظاهر فيه متبادر، ولو احتمل تفضيل عائشة رضى الله عنها على نساء زمانها.

اطفيش

تفسير : {وَإذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ} عطف إذ على إذ، أويقدر اذكر إذ، والملائكة جبريل على حد ما مر، أو جماعته النازلة معه، وقد قيل، إنه لا ينزل إلا ومعه جماعة {يَامرْيَمُ} نوديت باسمها تأنيساً لها، وتوطئة لتبشيرها بكلمة الله تنزيها لها عن قذف اليهود، لعنهم الله {إنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ} بقبوله من أمك إياك وقبول تحريرك، ولم يسبق ذلك لامرأة فى خدمة البيت، وبتربيتك فى حجر زكرياء النبى ويرزقه إياك من الجنة، وبسماع كلام الملائكة مشافهة، وقيل، المعنى كلموها بإلهام وهو دعوى بلا دليل {وَطَهَّرَكِ} من مس الرجال حلالا وحراما بالوطء، ومن الحيض، ودم النفاس ومن الذنوب والأخلاق الردية، وقيل حاضت قبل حمل عيسى مرتين {وَاصْطَفَاكِ} بأن وهب لك عيسى من غير أب، وجعلك أية للعالمين، وجعل ابنك آية، وإنطاقه فى المهد ببراءتك، وبآيات، كإبراء الأكمه، وهذا الاصطفاء غير الأول، وقيل، تأكيد للأول، ذكر فيه من فضلت هى عيه {عَلَى نِسَآءِ العَالَمِينَ} أى علامى زمانك، وإلا ففاطمة أفضل منها، وكذا خديجة، واختار بعض أن مريم أفضل النساء على الإطلاق، وقال ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : سيدة نساء أهل الجنة مريم ثم آسية" تفسير : ، رواه ابن عساكر قالت فاطمة، قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول" تفسير : رواه ابن جرير، قال ابن عباس، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربعة نسوة سادات نساء عالمهن مريم وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن عالماً فاطمة"تفسير : ، رواه ابن عساكر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مريم خير نساء عالمها" تفسير : ، رواه الحارث ابن أسامة مرسلا، قال عمار بن سعد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : فضلت خديجة على نساء أمتى كما فضلت مريم على نساء العالمين"تفسير : ، رواه ابن جرير، حديث : ولما تزوجت عائشة برسول الله صلى الله عليه وسلم ودكر خديجة قالت: قد رزقك الله خيراً منها، فقال، لا والله ما رزقنى لله خيرا منها، آمنت بى حين كذبنى الناس، وأعطتنى مالها حين حرمنى الناستفسير : ، وهكذا، كما روى أن خديجة أقرأها جبريل السلام من ربها، وعائشة أقرأها النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تتمة لشرح أحكام اصطفاء آل عمران، ووقعت قصة زكريا، ويحيـى عليهما السلام في البين لما فيها مما يؤكد ذلك الاصطفاء، و {إِذْ } في المشهور منصوب بالذكر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة عطف القصة على القصة وبينهما كمال المناسبة لأن تلك مسوقة أولاً وبالذات لشرح حال الأم وهذه لشرح حال البنت، والمراد من الملائكة رئيسهم جبريل عليه السلام، والكلام هنا كالكلام فيما تقدم، وجوز أبو البقاء كون الظرف معطوفاً على الظرف السابق وناصبه ناصبه والأول أولى، والمراد: اذكر أيضاً من شواهد اصطفاء أولئك الكرام وقت قول الملائكة عليهم السلام {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } أي اختارك من أول الأمر ولطف بك وميزك على كل محرر وخصك بالكرامات السنية، والتأكيد اعتناءاً بشأن الخبر وقول الملائكة لها ذلك كان شفاها على ما دلت عليه الأخبار ونطقت به الظواهر، وفي بعض الآثار ما يقتضي تكرر هذا القول من الملائكة لها، فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق أنه قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها فيها غلام اسمه يوسف وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المغارة التي فيها الماء فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم بالبشارة {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} الآية فإذا سمع ذلك زكريا عليه السلام قال: إن لابنة عمران لشأناً، وقيل: إن الملائكة عليهم السلام ألهموها ذلك، ولا يخفى أن تفسير القول بالإلهام وإسناده للملائكة خلاف الظاهر وإن كان لا منع من أن يكون بواسطتهم أيضاً على أنه قول لا يعضده خبر أصلاً، وعلى القول الأول يكون التكليم من باب الكرامة التي يمنّ بها الله سبحانه على خواص عباده، ومن أنكرها زعم أن ذلك إرهاص وتأسيس لنبوة عيسى عليه السلام أو معجزة لزكريا عليه السلام، وأورد على الأول أن الإرهاص في المشهور أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر معه، وهذا بظاهره يقتضي وقوع الخارق على يد النبـي لكن قبل أن ينبأ لا على يد غيره كما فيما نحن فيه، ويمكن أن يدفع بالعناية؛ وأورد على الثاني بأنه بعيد جداً إذ لم يقع الكلام مع زكريا عليه السلام ولم يقترن ذلك بالتحدي أيضاً فكيف يكون معجزة له. واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم لأن تكليم الملائكة يقتضيها، ومنعه اللقاني بأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبـي إجماعاً فقد روي أنهم كلموا رجلاً خرج لزيارة أخ له في الله تعالى وأخبروه أن الله سبحانه يحبه كحبه لأخبه فيه ولم يقل أحد بنبوته، وادعى أن من توهم أن النبوة مجرد الوحي ومكالمة الملك فقد حاد عن الصواب. ومن الناس من استدل على عدم استنباء النساء بالإجماع وبقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً } تفسير : [الأنبياء: 7] ولا يخفى ما فيه، أما أولاً: فلأن حكاية الإجماع في غاية الغرابة فإن الخلاف في نبوة نسوة ـ كحواء، وآسية، وأم موسى، وسارة، وهاجر، ومريم ـ موجود خصوصاً مريم فإن القول بنبوتها شهير، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في «الحلبيات»، وابن السيد إلى ترجيحه، وذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك. وأما ثانياً: فلأن الاستدلال بالآية لا يصح لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فافهم. {وَطَهَّرَكِ } أي من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء/ مثل الحيض والنفاس حتى صرت صالحة لخدمة المسجد ـ قاله الزجاج ـ وروي عن الحسن وابن جبير أن المراد طهرك بالإيمان عن الكفر وبالطاعة عن المعصية، وقيل: نزهك عن الأخلاق الذميمة والطباع الرديئة، والأولى الحمل على العموم أي طهرك من الأقذار الحسية والمعنوية والقلبية والقالبية. {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } يحتمل أن يراد بهذا الاصطفاء غير الاصطفاء الأول وهو ما كان آخراً من هبة عيسى عليه السلام لها من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء، وجعلها وإياه آية للعالمين، ويحتمل أن يراد به الأول وكرر للتأكيد وتبيين من اصطفاها عليهن، وعلى الأول يكون تقديم حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتها بعيسى عليه السلام للتنبيه على أن كلا منهما مستحق للاستقلال بالتذكر وله نظائر قد مر بعضها، وعلى الثاني لا إشكال في الترتيب وتكون حكمة تقدم هذه المقاولة ـ على البشارة ـ الإشارة إلى كونها عليها السلام قبل ذلك مستعدة لفيضان الروح عليها بما هي عليه من التبتل والانقياد حسب الأمر، ولعل الأول أولى ـ كما قال الإمام ـ لما أن التأسيس خير من التأكيد. والمراد من نساء العالمين قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستدل به على أفضليتها على فاطمة، وخديجة، وعائشة رضي الله تعالى عنهن، وأيد ذلك بما أخرجه ابن عساكر في أحد الطرق عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون» تفسير : وبما أخرجه ابن أبـي شيبة عن مكحول، وقريب منه ما أخرجه الشيخان عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً» تفسير : وبما أخرجه ابن جرير عن فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم أنها قالت: «حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول»تفسير : . وقيل: المراد نساء عالمها فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أربع نسوة سادات عالمهن، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهن عالماً فاطمة»تفسير : وما رواه الحرث بن أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنه مرسل «مريم خير نساء عالمها» وإلى هذا ذهب أبو جعفر رضي الله تعالى عنه وهو المشهور عن أئمة أهل البيت. ـ والذي أميل إليه ـ أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ومن حيثيات أخر أيضاً، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها عليها من بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات ـ وبه يجمع بين الآثار ـ وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضاً إذ البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تقابل بشيءشعر : وأين الثريا من يد المتناول تفسير : ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة رضي الله تعالى عنها الذاهب إلى خلافها الكثير محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء»تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» تفسير : وبأن عائشة يوم القيامة في الجنة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة يومئذ فيها مع زوجها علي كرم الله تعالى وجهه، وفرق عظيم بين مقام النبـي صلى الله عليه وسلم ومقام علي كرم الله تعالى وجهه. وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال وأنه ليس بنص على أفضلية الحميراء على الزهراء، أما أولاً: فلأن/ قصارى ما في الحديث الأول على تقدير ثبوته إثبات أنها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين، وهذا لا يدل على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام، ولعلمه صلى الله عليه وسلم أنها لا تبقى بعده زمناً معتداً به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك، ولو علم لربما قال: خذوا كل دينكم عن الزهراء، وعدم هذا القول في حق من دل العقل والنقل على علمه لا يدل على مفضوليته وإلا لكانت عائشة أفضل من أبيها رضي الله تعالى عنه لأنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل لقلة لبثه وكثرة غائلته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي لا يفترقان حتى يردا على الحوض» تفسير : يقوم مقام ذلك الخبر وزيارة ـ كما لا يخفى ـ كيف لا وفاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة تلك العترة؟!. وأما ثانياً: فلأن الحديث الثاني معارض بما يدل على أفضلية غيرها رضي الله تعالى عنها عليها، فقد أخرج ابن جرير عن عمار بن سعد أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» تفسير : بل هذا الحديث أظهر في الأفضلية وأكمل في المدح عند من انجاب عن عين بصيرته عين التعصب والتعسف لأن ذلك الخبر وإن كان ظاهراً في الأفضلية لكنه قيل ولو على بعد: إن ـ أل ـ في النساء فيه للعهد؛ والمراد بها الأزواج الطاهرات الموجودات حين الإخبار ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث. وأما ثالثاً: فلأن الدليل الثالث يستدعي أن يكون سائر زوجات النبـي صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام لأن مقامهم بلا ريب ليس كمقام صاحب المقام المحمود صلى الله عليه وسلم فلو كانت الشركة في المنزل مستدعية للأفضلية لزم ذلك قطعاً ولا قائل به. وبعد هذا كله الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة، ثم أمها، ثم عائشة بل لو قال قائل إن سائر بنات النبـي صلى الله عليه وسلم أفضل من عائشة لا أرى عليه بأساً؛ وعندي بين مريم وفاطمة توقف نظراً للأفضلية المطلقة، وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه، وقد سئل الإمام السبكي عن هذه المسألة فقال: الذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم أفضل، ثم أمها، ثم عائشة ـ ووافقه في ذلك البلقيني ـ وقد صحح ابن العماد أن خديجة أيضاً أفضل من عائشة لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال حديث : لعائشة حين قالت: قد رزقك الله تعالى خيراً منها، فقال لها: لا والله ما رزقني الله تعالى خيراً منها آمنت بـي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس؛ تفسير : وأيد هذا بأن عائشة أقرأها السلام النبـي صلى الله عليه وسلم من جبريل، وخديجة أقرأها السلام جبريل من ربها، وبعضهم لما رأى تعارض الأدلة في هذه المسألة توقف فيها ـ وإلى التوقف مال القاضي أبو جعفر الاستروشني منا ـ وذهب ابن جماعة إلى أنه المذهب الأسلم. وأشكل ما في هذا الباب حديث الثريد ولعل كثرة الأخبار الناطقة بخلافه تهون تأويله، وتأويل واحد لكثير أهون من تأويل كثير لواحد، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {إذْ قالت امرأةُ فرعون}. انتقال من ذِكر أمّ مريم إلى ذكر مريم. ومريم عَلَم عبراني، وهو في العبرانية بكسر الميم، وهو اسم قديم سميت به أخت موسى عليه السلام، وليس في كتب النصارى ذكر لاسم أبي مريم أمِّ عيسى ولا لمولدها ولكنها تبتدىء فجأة بأنّ عذراء في بلد الناصرة مخطوبة ليوسف النجار، قد حملت من غير زوج. والعرب يطلقون اسم مريم على المرأة المترجّلة التي تكثر مجالسة الرجال كما قال رؤبة: قلت لزِير لَمْ تصله مريمهْ. (والزير بكسر الزاي الذي يكثر زيارة النساء) وقال في «الكشاف»: مريم في لغتهم - أي لغة العبرانيين - بمعنى العابدة. وتكرّر فعل {اصطفاك} لأنّ الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزّهة زكية، والثاني بمعنى التفضيل على الغير. فلذلك لم يُعَدّ الأول إلى متعلّق. وعدُيّ الثاني. ونساء العالمين نساء زمانها، أو نساء سائر الأزمنة. وتكليم الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة. وإعادةُ النداء في قول الملائكة: {يا مريم اقنتي} لقصد الإعجاب بحالها، لأنّ النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة، فكان النداء الثاني مستعملاً في مجرّد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمِه وهو التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها، ونظيره قول امرىء القيس: شعر : تقول وقد مال الغَبيط بنامعَا عقرتَ بعيري يا امرأ القيس فانْزِل تفسير : (فهو مستعمل في التنبيه المنتقل منه إلى التوبيخ). والقنوت ملازمة العبادة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وقوموا للَّه قانتين}تفسير : في سورة [البقرة: 238]. وقدم السجود، لأنّ أدخل في الشكر والمقَام هنا مقام شكر. وقوله: مع الراكعين} إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير. وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو {أية : يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه}تفسير : [آل عمران: 45] لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله يَجلب لها حَزناً وسوء قالة بين الناس، مهّد له بما يجلب إليها مَسرّة، ويوقنها بأنّها بمحل عناية الله، فلا جرم أن تعلم بأنّ الله جاعل لها مخرجاً وأنّه لا يخزيها. وقوله: {وما كنت لديهم} إيماء إلى خلوّ كتبهم عن بعض ذلك، وإلاّ لقال: وما كنت تتلو كُتبهم مثل: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب» أي إنّك تخبرهم عن أحوالهم كأنّك كنت لديهم. وقوله: {إذ يلقون أقلامهم} وهي الأقلام التي يكتبون بها التوراة كانوا يقترعون بها في المشكلات: بأن يكتبوا عليها أسماء المقترعين أو أسماء الأشياء المقترع عليها، والناس يصيرون إلى القرعة عند انعدام ما يرجّح الحق، فكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام وجعل اليهود الاقتراع بالأقلام التي يكتبون بها التوراة في المِدراس رجاء أن تكون بركتها مرشدة إلى ما هو الخيْر. وليس هذا من شعار الإسلام وليس لإعمال القرعة في الإسلام إلاّ مواضع تمييز الحقوق المتساوية من كل الجهات وتفصيله في الفقه. وأشارت الآية إلى أنّهم تنازعوا في كفالة مريم حين ولدتها أمها حنّة، إذ كانت يتيمة كما تقدم فحصل من هذا الامتنان إعلام بأنّ كفالة زكرياء مريم كانت بعد الاستقسام وفيه تنبيه على تنافسهم في كفالتها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذ قالت الملائكة: أذكر لوفد نصارى نجران ما قالت الملائكة فإن ذلك دليل على صحة نبوّتك، وصدقك في أمر التوحيد، وعدم ألوهية عيسى. اصطفاك: اختارك لعبادته وحسن طاعته. وطهّرك: من الذنوب وسائر النقائص المخلة بالولاية لله تعالى. واصطفاك على نساء العالمين: أي فضلك على نساء العالمين بما أهّلك له من كرامة ولادة عيسى من غير أب. اقنتي: أطيعي ربك واقنتي له واخشعي. واركعي مع الراكعين: اشهدي صلاة الجماعة في بيت المقدس. ذلك من أنباء الغيب: أي ما ذكرت من قصة مريم وزكريا من أخبار الغيب. لديهم: عندهم وبينهم. إذ يُلْقُون أقلامهم: جمع قلم وهو ما يكتب به وإلقاؤها لأجل الإقتراع بها على كفالة مريم. يختصمون: في شأن كفالة مريم عليها وعليهم السلام. معنى الآيات: يقول تعالى لنبيه اذكر لوفد نجران الذين يحاجونك في ألوهية المسيح إذ قالت الملائكة مخاطبة مريم أم المسيح بما أهلَّها الله تعالى له وأكرمها به من اصطفاء الله تعالى لها لتكون من صالحي عباده، وتطهيره إياها من سائر الذنوب والنقائص والعيوب مفضلا لها على نساء عالمها حيث برأها وأكرمها وأظهر آية قدرته فيها فولدت عيسى بكلمة الله وليس على سنته تعالى في تناسل البشر من ذكر وأنثى، وأمرها بمواصلة الطاعة والإخبات والخشوع لله تعالى فقال: {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ * يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}، وخص الصلاة بالذكر لأهميتها وذكرها بأعظم أركانها وهو السجود والركوع وفي بيت المقدس مع الراكعين. هذا معنى الآيتين الأولى [42] والثانية [43] أما الآية الثالثة [44] فقد خاطب الرب تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم مُشِيراً إلى ما سبق في هذا القصص المتعلق بآل عمران حنة ومريم وزكريا ويحيى ومريم أخيراً بأنه كله من أنباء الغيب وأخباره يوحيه تعالى إليه فهو بذلك نبيّه ورسوله، وما جاء به من الدين هو الحق، وما عداه فهو باطل، وبذلك تقرر مبدأ التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، وبطل باطل أهل الكتاب فلا عزير ابن الله، ولا المسيح بن الله، ولا هو إله مع الله، وإنما هو عبد الله ورسول الله. ثم تقريراً لمبدأ الوحي وتأكيداً له قال تعالى لرسوله أيضاً، وما كنت لديهم أي عند علماء بني إسرائيل وصلحائهم وفي حضرتهم، وهم يقترعون على النذيرة "مريم" من يكفلها فرموا بأقلامهم في النهر فمن وقف قلمه في الماء كان كافلها بإذن الله فألقوا أقلامهم تلك الأقلام التي كانت تكتب الحق والهدى لا الباطل والضلال كما هي أغلب أقلام أرباب الصحف والمجلات اليوم فوقف قلم زكريا ففاز بكفالتها بإذن الله تعالى وقد تقدم قول الله تعالى فكفلها زكريا، بهذا قامت الحجة على أهل الكتاب وغيرهم بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدين الحق هو الإسلام. وما عداه فباطل وضلال!. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فلض مريم عليها السلام وأنها وليّة صديقة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها من كمّل النساء ففي الصحيحح "حديث : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية إمرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". تفسير : 2- أهل القرب من الله هم أهل طاعته القانتون له. 3- الصلاة سلم العروج إلى الملكوت الأعلى. 4- ثبوت الوحي المحمدي وتقريره. 5- مشروعية الاقتراع عند الاختلاف وهذه وإن كانت في شرع من قبلنا إلا أنها مقررة في شرعنا والحمد الله.

القطان

تفسير : اصطفاك وطهرك واصطفاك: اصطفاك الأولى من قِبل أمك حين نذرتْ ما في بطنها. واصطفاك الثانية هداك وخصّك بكرامات عظمى منها ولادة نبي من غيرِ أن يمسكِ رجل. اقنتي: الزمي الطاعة مع الخضوع. واذكر أيها النبي، اذ قالت الملائكة: يا مريم ان الله اختارك واختصك لتكوني أماً لنبي كريم، وطهّرك من كل دنس، وخصك بأمومة عيسى وفضّلك على نساء العالمين. لذلك أطيعي ربك واخضعي له وصلّي دائما مع الذين يعبدونه ويصلّون له. ان هذا الذي قصّه القرآن عليك يا محمد لهو من أنباء الغيب أوحى الله به اليك، مع انك لم تقرأ الأخبار السابقة، ولم تك حاضراً في بني اسرائيل حين اجتمع كبراؤهم وكل واحد منهم يريد ان يكفُل مريم، حتى اقترعوا على ذلك، ولم تنازعهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف العظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاَئِكَةُ} {يٰمَرْيَمُ} {ٱصْطَفَاكِ} {ٱلْعَالَمِينَ} (42) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ حِينَ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اخْتَارَكِ لِتكُوني أمّاً لِنَبِيّهِ عِيسَى، لِكَثْرَةِ عِبَادَتِكِ وَزُهْدِكِ وَطَهَارَتِكِ، وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} [آل عمران: 42] المراد بها جبريل عليه السلام، والسبب في أن الحق يورد ذلك بـ "قالت الملائكة" لأن كلام المتكلم - أي الإنسان - له - كما قلنا - زاوية انطلاق يأتي من جهتها الصوت. وتستطيع أن تتأكد من ذلك عندما يجيء لك صوت، فأنت تجد ميل أذنك لجهة مصدر الصوت، فإن جاء الصوت من ناحية أذنك اليمنى فأنت تلتفت وتميل إلى يمينك، وإذا جاءك الصوت من شمالك تلتفت إلى الشمال. لكن المتكلم هنا هو جبريل عليه السلام، ويأتي صوته من كل جهة حتى يصير الأمر عجيباً، لهذا جاء الكلام منسوباً إلى الملائكة. فماذا قال جبريل؟ قال جبريل مبلغاً عن رب العزة: {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] وما الاصطفاء؟ إن الاصطفاء اختيار واجتباء، وهو مأخوذ من الصفو أو الصافي، أي الشيء الخالص من الكدر. وعادة تؤخذ المعاني من المحسات، وعندما تقول الماء الصافي أي الماء غير المكدر، أو كما يقول الحق: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..}تفسير : [محمد: 15]. وعندما يقول الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] نحن هنا أمام اصطفاءين، الاصطفاء الأول ورد دون أن تسبقه كلمة "على" والاصطفاء الثاني تسبقه كلمة "على" والمقصود بالاصطفاء الأول هو إبلاغ مريم أن الله ميزها بالإيمان، والصلاح والخلق الطيب، ولكن هذا الاصطفاء الأول جاء مجرداً عن "على" أي أن هذا الاصطفاء الأول لا يمنع أن يوجد معها في مجال هذا الاصطفاء آخرون، بدليل قول الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 33]. ثم أورد الحق سبحانه أنه طهرها، وجاء من بعد ذلك بالاصطفاء الثاني المسبوق بـ "على" فقال {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] إذن فهذا خروج للرجال عن دائرة هذا الاصطفاء، ولن يكون مجال الاصطفاء موضوعاً يتعلق بالرجولة؛ فهي مصطفاة على نساء العالمين، فكأنه لا توجد أنثى في العالمين تشاركها هذا الاصطفاء. لماذا؟ لأنها الوحيدة التي ستلد دون ذكر، وهذه مسألة لن يشاركها فيها أحد. وقوله الحق: {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] هذا القول يجب أن ينبه في نفسها سؤالاً هو: ما الذي تمتاز هي به عن نساء العالمين؟ إن الذهن ينشغل بهذا الأمر، وينشغل على أمر من وظيفة الأنثى، ولنضم هذه إلى قول الحق على لسانها: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] ونجد أن هذه كلها إيناسات للحدث الذي سيأتي من بعد ذلك، وهو حدث يتعلق بعرضها وعفافها، فلا بد أن يمهد الله له تمهيداً مناسباً حتى تتأكد من أن هذه المسألة ليس فيها شيء يخدش العرض أو يخدش الكرامة. {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] ولنا أن نسأل: ما نتيجة الاصطفاء؟ لقد عرفنا أن الاصطفاء هو الاجتباء والاختيار، ويقتضي "مصطفى" بفتح الفاء. ويقتضي "مصطفى" بكسر الفاء. والمصطفى هو الله، لكن ما علة الاصطفاء؟ إن الذي يصطفيه الله إنما يصطفيه لمهمة، وتكون مهمة صعبة. إذن هو يصطفيه حتى يشيع اصطفاؤه في الناس. كأن الله قد خصه بالاصطفاء من أجل الناس ومصلحتهم، سواء أكان هذا الاصطفاء لمكان أم لإنسان أم لزمان ليشيع صفاؤه في كل ما اصطفى عليه. لقد اصطفى الله الكعبة من أجل ماذا؟ حتى يتجه كل إنسان إلى الكعبة. إذن فقد اصطفاها من أجل البشر وليشيع اصطفاؤها في كل مكان آخر، ولذلك قال الحق عن الكعبة: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [آل عمران: 96]. وإذا اصطفى الحق سبحانه زماناً، كاصطفائه لرمضان، فلماذا اصطفاه؟ ليشيع صفاؤه، وصفاء ما أنزل فيه في كل زمان. إذن فاصطفاء الحق للشخص أو للمكان أو للزمان هو لمصلحة بقية الناس أو الأمكنة أو الأزمنة، لماذا؟ لأن أحداً من الخلق ليس ابناً لله، وليس هناك مكان أولى بمكان عند الله. ولكن الله يصطفي زماناً على زمان، ومكاناً على مكان، وإنساناً على إنسان ليشيع اصطفاء المُصطفَى في كل ما اصطُفِيَ عليه. إذن فهل يجب على الناس أن يفرحوا بالمصطفى، أو لا يفرحوا به؟ إن عليهم أن يفرحوا به؛ لأنه جاء لمصلحتهم، والحق سبحانه يقول: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَطَهَّرَكِ} [الآية: 42] يعني: جعلك طيبة إِيماناً. أنبا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} [الآية: 44]. يعني زكريا وأَصحابه، استهموا بأَقلامهم على مريم حين دخلت عليهم. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ} [الآية: 49] يعني ما خبأْتم منه. عيسى يقوله. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلأَكْمَهَ} [الآية: 49]. الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى قصة ولادة "يحيى بن زكريا" من عجوز عاقرٍ وشيخٍ قد بلغ من الكبر عتياً، وذلك بمقتضى السنن الكونية شيء خارق للعادة، أعقبها بما هو أبلغ وأروع في خرق العادات، فذكر قصة ولادة السيد المسيح عيسى من غير أب وهي شيء أعجب من الأول، والغرضُ من ذكر هذه القصة الردّ على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر ولادته من مريم البتول ليدل على بشريته، وأعقبه بذكر ما أيده به من المعجزات ليشير إِلى رسالته، وأنه أحد الرسل الكرام الذين أظهر الله على أيديهم خوارق العادات، وليس له شيء من أوصاف الربوبية. اللغَة: {أَنَبَآءِ} جمع نبأ وهو الخبر الهام {نُوحِيهِ} الوحي: إِلقاء المعنى في النفس في خفاء {أَقْلاَمَهُمْ} القلم معروف وهو الذي يكتب به وقد يطلق على السهم الذي يقترع به وهو المراد هنا {ٱلْمَسِيحُ} لقبٌ من الألقاب المشرّفة كالصدّيق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك {وَجِيهاً} شريفاً ذا جاهٍ وقدر، والوجاهةُ الشرف والقدر {ٱلْمَهْدِ} فراش الطفل {كَهْلاً} الكهل: ما بين الشاب والشيخ والمرأة كهلة {ٱلأَكْمَهَ} الذي يولد أعمى {ٱلأَبْرَصَ} المصاب بالبرص وهو بياض يعتري الجلد وداءٌ عُضال. التفسِير: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} أي اذكر وقت قول الملائكة أي جبريل يا مريم إِن الله اختارك من بين سائر النساء فخصَّكِ بالكرامات {وَطَهَّرَكِ} من الأدناس والأقذار ومما اتهمكِ به اليهود من الفاحشة {وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ} أي اختارك على سائر نساء العالمين لتكوني مظهر قدرة الله في إِنجاب ولد بدون أب {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} أي إِلزمي عبادته وطاعته شكراً على اصطفائه {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي صلي لله مع المصلين {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ} أي هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا يحيى إِنما هو من الانباء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إِليك يا محمد ما كنت تعلمها من قبل {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} أي ما كنت عندهم إِذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا سهامهم للقرعة كلٌ يريدها في كنفه ورعايته {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي يتنازعون فيمن يكفلها منهم، والغرض أن هذه الأخبار كانت وحياً من عند الله العليم الخبير.. روي أن حنّة حين ولدتها لفَّتها في خرقة وحملتها إِلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إِمامهم ثم اقترعوا فخرجت في كفالة زكريا فكفلها قال ابن كثير: وإِنما قدّر الله كون زكريا كافلاً لها لسعادتها لتقتبس منه علماً جماً وعملاً صالحاً {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} أي بمولودٍ يحصل بكلمة من الله بلا واسطة أب {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي اسمه عيسى ولقبه المسيح، ونسبَه إِلى أمه تنبيهاً على أنها تلده بلا أب {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي سيداً ومعظّماً فيهما {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} عند الله {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي طفلاً قبل وقت الكلام ويكلمهم كهلاً قال الزمخشري "ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوتٍ بين حال الطفولة وحال الكهولة" ولا شك أن ذلك غاية في الاعجاز {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي وهو من الكاملين في التقى والصلاح {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أي كيف يأتيني الولد وأنا لست بذات زوج؟ {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء يخلق بسببٍ من الوالدين وبغير سبب {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي إِذا أراد شيئاً حصل من غير تأخرٍ ولا حاجةٍ إِلى سبب، يقول له كن فيكون {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} أي الكتابة {وَٱلْحِكْمَةَ} أي السداد في القول والعمل أو سنن الأنبياء {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} أي ويجعله يحفظ التوراة والإِنجيل قال ابن كثير: وقد كان عيسى يحفظ هذا وهذا {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي ويرسله رسولاً إِلى بني إِسرائيل قائلاً لهم {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بأني قد جئتكم بعلامةٍ تدل على صدقي وهي ما أيدني الله به من المعجزات، وآيةُ صدقي {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} أي أصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي أنفخ في تلك الصورة فتصبح طيراً بإِذن الله. قال ابن كثير: وكذلك كان يفعل، يصوّر من الطين شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عياناً بإِذن الله عز وجل الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله، وهذه المعجزة الأولى {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ} أي أشفي الذي ولد أعمى كما أشفي المصاب بالبرص، وهذه المعجزة الثانية {وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي أحيي بعض الموتى لا بقدرتي ولكن بمشيئة الله وقدرته، وقد أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقاً له، وابن العجوز، وبنت العاشر، وسام بن نوح هكذا ذكر القرطبي وغيره، وكرر لفظ "بإِذن الله" دفعاً لتوهم الألوهية، وهذه المعجزة الثالثة {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} أي وأخبركم بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكُّون فيها فكان يخبر الشخص بما أكل وما ادخر في بيته وهذه هي المعجزة الرابعة {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي فيما أتيتكم به من المعجزات علامة واضحة تدل على صدقي إِن كنتم مصدّقين بآيات الله، ثم أخبرهم أنه جاء مؤيداً لرسالة موسى فقال {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} أي وجئتكم مصدقاً لرسالة موسى، مؤيداً لما جاء به في التوراة {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} أي ولأحلّ لكم بعض ما كان محرماً عليكم في شريعة موسى قال ابن كثير: وفيه دليل على أن عيسى نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي جئتكم بعلامة شاهدة على صحة رسالتي وهي ما أيدني الله به من المعجزات وكرِّر تأكيداً {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي خافوا الله وأطيعوا أمري {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي أنا وأنتم سواء في العبودية له جلَّ وعلا {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي فإِن تقوى الله وعبادته، والإِقرار بوحدانيته هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. البَلاَغَة: 1- {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أُطلق الملائكة وأريد به جبريل فهو من باب تسمية الخاص باسم العام تعظيماً له ويسمى المجاز المرسل. 2- {ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ} تكرر لفظ اصطفاك كما تكرر لفظ "مريم" وهذا من باب الإِطناب. 3- {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} كنّى عن الجماع بالمسّ كما كنّى عنه بالحرث واللباس والمباشرة. 4- {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ} بين لفظ {أُحِلَّ} و {حُرِّمَ} من المحسنات البديعية الطباقُ، كما ورد الحذف في عدة مواضع والإِطناب في عدة مواضع، وهناك نواحٍ بلاغية أخرى ضربنا عنها صفحاً خشية الإِطالة. فَائِدَة: جاء التعبير هنا بقوله {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} وفي قصة يحيى {أية : كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 40] والسرُّ في ذلك هو أن خلق عيسى من غير أب إِيجاد واختراع من غير سببٍ عادي فناسبه ذكر الخلق، وهناك الزوجة والزوج موجودان ولكن وجود الشيخوخة والعقم مانعٌ في العادة من وجود الولد فناسبه ذكر الفعل والله أعلم. تنبيه: قال بعض العلماء: الحكمة في أنَّ الله لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إِلا "مريم" هي الإِشارة من طرفٍ خفي إِلى ردّ ما قاله النصارى من أنها زوجته فإِن العظيم يأنف من ذكر اسم زوجته بين الناس ولينسب إِليها عيسى باعتبار عدم وجود أبٍ له ولهذا قال في الآية {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ} لما فرغ من قصة زكريا وكان قد استطرد من قصة مريم إليها رجع إلى قصة مريم والمقصود تبرئة مريم عليها السلام مما رمتها به اليهود وفي نداء الملائكة لها باسمها تأنيس لها وتوطئة لما تلقيه إليها. قال الزمخشري: روي أنهم كلموها شفاهاً معجزة كزكريا عليه السلام لنبوة عيسى. "انتهى". يعني بالإِرهاص التقدم والدلالة على نبوته وهذا مذهب المعتزلة أن الخارق للعادة عندهم لا يكون على يد على غير نبي إلا إن كان في وقت نبي أو انتظار بعث نبي فيكون ذلك الخارق مقدمة بين يدي بعثه ذلك النبي. {وَطَهَّرَكِ} قال ابن عباس: وطهرك من دم الحيض. وقال الزمخشري: اصطفاك أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية وطهرك مما يستقذر من الأفعال ومما قذفك به اليهود. {وَٱصْطَفَـٰكِ} آخراً. {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. "انتهى". وهو كلام حسن. {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي} أمرت بالصلاة فذكر أركانها من القنوت وهو القيام والسجود وهو وضع الجبين على الأرض والركوع وهو انحناء الظهر، وقدم السجود على الركوع لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. والعطف بالواو لا يدل على الترتيب الزماني. وقد يكون الركوع في ملتهم متأخراً عن السجود. قال ابن عطية: هذه الآية أشد اشكالاً من قولنا: قام زيد وعمرو، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة. وقد علم ان السجود بعد الركوع فكيف جاءت الواو بعكس ذلك. "انتهى". وهذا كلام من لم يمعن النظر في كلام سيبويه. فإن سيبويه ذكر أن الواو تكون معها في العطف المعية وتقديم السابق وتقديم اللاحق يحتمل ذلك احتمالات سواء ولا يترجح أحد الإِحتمالات على الآخر. ومع في قوله: مع الراكعين، تقتضي الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع والظاهر التجوز في لفظة مع فتكون للموافقة في الفعل فقط لأنها كانت في عبادتها تنفرد من أهلها كما قال تعالى: {أية : فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً}تفسير : [مريم: 17]، وجاء الراكعين جمع سلامة ويعم المذكرين والمؤنثات بالتغليب. {ذٰلِكَ} الإِشارة إلى اخبار الله تعالى باصطفائه آدم وما بعد ذلك من القصص ذلك مبتدأ. "ومن أنباء" الخبر. "ونوحيه إليك" الضمير المنصوب عائد على الغيب أي من شأننا أن نوحي إليك بالمغيبات ولو كان الضمير عائداً على ذلك لكان بصيغة الماضي فكان التركيب أوحيناه إليك لأن الإِيحاء به قد وقع. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} روي أن منّة لما ولدت مريم لفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت أمامهم وصاحب قرباتهم وكان بغوا مائتان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها. فقالوا: لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر قيل: هو نهر الأرْدُنّ وهو قول الجمهور وقيل إلى عين ماء كانت هناك فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا ورسبت أقلامهم فكفلها. والخطاب في قوله: وما كنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تقرير وتثبيت ان ما علمه من ذلك إنما هو بوحي من الله تعالى والمعلم به قصتان قصة مريم وقصة زكريا فنبه على قصة مريم إذ هي المقصودة بالاخبار أولاً وإنما جاءت قصة زكريا على سبيل الاستطراد والاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من يكفل فما خلت من تنبيه على قصته. ويعني وما كنت لديهم، أي وما كنت معهم بحضرتهم إذ يلقون أقلامهم ونفي المشاهدة وإن كانت منتفية بالعلم ولم ينف القراءة والتلقي من حفاظ الأنبياء على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي وقد علموا أنه ليس ممن يقرأ ولا ممن ينقل عن الحفاظ للأخبار فتعين أن يكون علمه بذلك عن وحي من الله إليه، ونظيره في قصة موسى وما كنت بجانب الغربي وما كنت بجانب الطور وفي قصة يوسف وما كنت لديهم إذا جمعوا أمرهم. والضمّير في لديهم عائد على غير مذكور بل على ما دل عليه المعنى أي وما كنت لدى المتنازعين كقوله: فأثرت به نقعا، أي بالمكان والعامل في إذ العامل في لديهم. وقال أبو علي الفارسي: العامل في إذ كنت. "انتهى". ولا بناس ذلك مذهبه في مكان الناقصة لأنه يزعم أنها سلبت الدلالة على الحدث وتجردت للزمان وما سبيله هذا فكيف يعمل في الظرف لأن الظرف دعاء للحدث ولا حدث فلا تعمل فيه والمضارع بعد إذ في معنى الماضي أي إذ ألقوا أقلامهم للإِستهام على مريم والظاهر أنها الأقلام التي للكتابة قيل كانوا يكتبون بها التوراة فاختاروها للقرعة تبركاً بها. ومعنى الإِلقاء: الرمي والطرح. ولم يذكر في الآية ما الذي ألقوها فيه ولا كيفية حال الإِلقاء وكيف خرج قلم زكريا. و{أَيُّهُمْ} مبتدأ وما بعده خبره والجملة في موضع نصب اما على الحكاية بقول محذوف أي يقولون أيهم يكفل مريم وأما بعلة محذوفة أي ليعلموا أيهم يكفل مريم وأما بحال محذوفة أي ينظرون أيهم يكفل مريم ودل على المحذوف يلقون أقلامهم.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائح آل عمران واصطفاء الله إياهم {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} بأمر الله ووحيه لمريم - رضي الله عنها - ملهمين لها، مشافهين معها، منادين على سرها: أبشري {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ} اختارك لخدمة بيته مع أنه لم يعهد منه اختيار النساء للخدمة {وَطَهَّرَكِ} بفضله عن جميع الخبائث والأدناس العارضة للنسوان {وَٱصْطَفَـٰكِ} خيرك وفظلك بهاتين الخصلتين الحميدتين {عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [آل عمران: 42] وإنما خصصها بما خصصها؛ لتكون آية لما يترتب عليها ويظ هر بسببها من بدائع أودعه الله سبحانه في إيجادها من حبلها بلا مباشرة أحد، بل بمجرد كلمة ملقاة من عنده ومعجزاته وخوارق ظهرت من ابنها لم يظهر مثلها من أحد. ثم لما أخبرت الملائكة بإصفائه سبحنه إياها، نادتها الملائكة ثانياً بأمر الله أيضاً؛ تعليماً لها التوجه والرجوع إلى الله على وجه الخضوع والتذلل والإخبات والخشوع {يٰمَرْيَمُ} المختارة المقبولة عند الله {ٱقْنُتِي} توجهي وتضرعي {لِرَبِّكِ} الذي رباك بلطفه وقبلك نذيرة من أمك، واصطفاك على نساء العالمين بأنواع الفضائل شكراً لما تفضل عليك {وَٱسْجُدِي} واخضعي وتذللي نحوه ملقية جباهك على الأرض؛ لأداء شيء من حقه {وَٱرْكَعِي} دائماً؛ لخدمة بيته وتطهيراً من الأوساخ والأدناس {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] المحريين المنحنين قامتهم دائماً على خدمة الله وخدمة بيته. {ذٰلِكَ} المذكور من اصطفاه الله آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران، وخصوصاً قصة مريم وأمها وزكريا وزوجه وابنه {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي: من الأخبار المغيبة المجهولة عندك {نُوحِيهِ إِلَيكَ} يا أكمل الرسل مع خلاء خاطرك وضميرك عنها، ولا معلم لك سوى وحينا وإلهامنا مع كونك أمياً عن مطالعة القصص والتواريخ {وَ} الحال أنه {مَا كُنتَ} لهويتك الشخصية {لَدَيْهِمْ} وقت {إِذْ يُلْقُون} أي: الأحبار {أَقْلاَمَهُمْ} للاقتراع في أنهم {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ} يحفظ {مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} أيضاً {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمر ان: 44] في أمرها وحفظها. وإنما نوحيه إليك؛ ليكون آية لك على صدقك في دعواك النبوة والرسالة، والإكار على أمثال هذه الأخبارات والإنباءات الصادرة عن الأنبياء والأولياء، المستندة إلى محض الوحي والإلهام النازلة من عند الله، إما نشأ من العقل القاصر المموه المضل عن طريق الكشف واليقين، وإلا فمن صفات عقله المفاض له من حضرة العلم المحيط الإلهي عن كدورات الوهم والخيال، وانكشفت سريرة سره بسرائر الأقوال والأفعال والأحوال، ظهر عنده بلا سترة وحجاب أن من النفوس البشرية من ترقب في هذه النشأة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، واتصلت بالمبادئ العلية التي هي الصفات الإلهية، واضمحلت ناسوتها وغلبت اللأهوتية عليها. وحينئذ ظهرت منها على اتفاق من الحضرة العلية الإلهية، وإرادة غيبية ومكاشفات عينية متعلقة بعضها بالغيب وبعضها بالشهادة، كالإخبار عن الوقائع الماضية والمستقبلية، كما نسمع ونشاهد أمثال ذلك من بعض بدلاء الزمان، أدام الله بركته على مفارق أهل اليقين والعرفان، في حالتي قبضه وبسطه حكايات وكلمات متعلقة بوقائع وقعت في البلاد البعيدة. ونحن نجزن بوقوع بعضها كما نسمع منه، ونجزم أيضاً بأنه ما هو حاضر عند وقوعها، وأيضاً نجزم بأنه لم يسمع من أحد لانسلاخه عن الاستخبار الاستفسار على الوجه المعتاد بين الناس، وسمع منه مدخله أيضاً عن الأحوال التي جرت بيننا وبينه بمدة متطاولة نستحضره في خلواته، ويتلفظ بها بلا فوت دقيقة، ونحن إذا راجعنا وجداننا لم نستحضر الأمور التي جرت علينا في يومنا هذا بلا فوت شيء. وأمثال ذلك من جنابه - أدام الله بركته - كثيرة، ومن له أدنى بصيرة وإيمان صادق بطريق المكاشفة والوحي والإلهام الإلهي لم يشك في أمثال هذه الخوارق من الأنبياء والأولياء أصلاً، بل يعلم يقيناً أن الحكمة والمصلحة في إظهار نوع الإنسان وإرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هي لهذا التفطن والتدبر، {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من مدائحها وقت {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} منادين على سرها مبشرين لها: {يٰمَرْيَمُ} المخترة المصطفاه {إِنَّ ٱللَّهَ} المتفضل عليك بأنواع اللطف والكرم {يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ} صاردة {مِّنْهُ} مكونة لك منك ابناً بلا أب؛ إظهاراً لقدرته ليكون معجزة لابنك، وإرهاصاً لك {ٱسْمُهُ} من عنده {ٱلْمَسِيحُ} لفظ سرياني معناه: المبارك؛ لأنه سبحانه بارك عليه، وعلمه الشخصي بين الأنام {عِيسَى} وهو من الأعلام العجمية، وكنيته {ٱبْنُ مَرْيَمَ} إذ لا أب له حتى يكنى به، وهو مع كونه بلا أب {وَجِيهاً} مشهوراً معروفاً مرجعاً للأنام {فِي ٱلدُّنْيَا} بالنبوة والرسالة، يتوجه إليه الناس في أمور معاشهم ومعادهم {وَ} في {ٱلآخِرَةِ} أيضاً لرجوعهم إليه للشفاعة {وَ} كيف لا يشفع للعصاة وهو {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] عند الله. {وَ} علاقمة تقربه أنه {يُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ} بما يتعلق بأمور الدنيا والدين حال كونه طفلاً {فِي ٱلْمَهْدِ وَ} حال كونه {كَهْلاً} على طريق واحد بلا تفاوت زيادة ونقصان {وَ} هو لنجابة عرقه في حالتي الطفولة والكهولة {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] للرسالة والنبوة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينوه تعالى بفضيلة مريم وعلو قدرها، وأن الملائكة خاطبتها بذلك فقالت { يا مريم إن الله اصطفاك } أي: اختارك { وطهّرك } من الآفات المنقصة { واصطفاك على نساء العالمين } الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، أو مطلقا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم يناف الاصطفاء المذكور، فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها وتطهيرها، كان في هذا من النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها القيام بشكرها، فلهذا قالت لها الملائكة: { يا مريم اقنتي لربك } { اقنتي لربك } القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع، { واسجدي واركعي مع الراكعين } خص السجود والركوع لفضلهما ودلالتهما على غاية الخضوع لله، ففعلت مريم، ما أمرت به شكرا لله تعالى وطاعة، ولما أخبر الله نبيه بما أخبر به عن مريم، وكيف تنقلت بها الأحوال التي قيضها الله لها، وكان هذا من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالوحي. قال { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم } أي: عندهم { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } لما ذهبت بها أمها إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحوا وتخاصموا أيهم يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجر قلمه مع الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا نبيهم وأفضلهم، فلما أَخْبَرتَهُم يا محمد بهذه الأخبار التي لا علم لك ولا لقومك بها دل على أنك صادق وأنك رسول الله حقا، فوجب عليهم الانقياد لك وامتثال أوامرك، كما قال تعالى: {أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } تفسير : الآيات.

همام الصنعاني

تفسير : 400- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب في قوله تعالى: {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}: [الآية: 42]، قال: كان أبو هريرة يُحَدَّثُ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خَيْرُ نِساءٍ ركبن الإِبل ص الح نساء قريش، أحناهُ على ولد في صغره، وأرعاه لزوج في ذات يده، قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيراً قط . 401تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير نساءٍ ركبن الإبل خياء نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه لزوجٍ في ذات يده .