٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
القرطبي
تفسير : أي أطيلي القيام في الصلاة؛ عن مجاهد. قتادة: أدِيمي الطاعة. وقد تقدّم القول في القنوت. قال الأوزاعِيّ: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى وَرِمت قدماها وسالت دماً وقيحاً عليها السلام. {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي} قدّم السجود هاهنا على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب؛ وقد تقدّم الخلاف في هذا في البقرة عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 158]. فإذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى وٱركعي وٱسجدي. وقيل: كان شرعهم السجود قبل الركوع. {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } قيل: معناه ٱفعلي كفعلهم وإن لم تصلي معهم. وقيل: المراد به صلاة الجماعة. وقد تقدّم في البقرة.
البيضاوي
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ} أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب، أو ليقترن اركعي بالراكعين للإِيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين. وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً }تفسير : [الزمر: 9] وبالسجود الصلاة كقوله تعالى:{أية : وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [ق: 40] وبالركوع الخشوع والإِخبات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } أطيعيه {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ } أي صلي مع المصلين.
ابن عبد السلام
تفسير : {اقْنُتِى} أَخلصي لربك، أو أديمي طاعته، أو أطيلي القيام في الصلاة. {وَاسْجُدِى} كان السجود في شرعهم مقدماً على الركوع، أو "الواو" لا ترتيب فيها، فكلمتها الملائكة معجزة لزكريا عليه الصلاة والسلام، أو توكيداً لنبوة المسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أصل السجود: الانخفاض الشديد، والركوع: دونه. {مَعَ الرَّاكعِينَ} افعلي كفعلهم، أو صلي في جماعة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا مريم اقنتي لربك} أي قالت الملائكة لها شفاهاً أطيعي ربك وقيل: معناه أطيلي القيام في الصلاة لربك. قال الأوزاعي: لما قالت الملائكة لها ذلك قامت حتى تورمت قدماها وسالت دماً وقيحاً وحكي عن مجاهد نحوه {واسجدي واركعي مع الراكعين} إنما قدم السجود على الركوع لأن الواو لا تقتضي الترتيب إنما هي للجمع كأنه قيل لها: افعلي الركوع والسجود وقيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم. قال ابن الأنباري: أمرها أمراً عاماً وحضها على فعل الخير فكأنه قال: استعملي السجود في حال والركوع في حال ولم يرد تقديم السجود على الركوع بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين. وإنما قال: اركعي مع الراكعين ولم يقل: مع الراكعات لأن لفظ الراكعين أعم فيدخل فيه الرجال والنساء، والصلاة مع الرجال أفضل وأتم. وقيل: معناه افعلي كفعل الراكعين وقيل: المراد به الصلاة في جماعة أي صلى مع المصلين في جماعة. قوله عز وجل: {ذلك من أنباء الغيب} يقول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم بذلك الذي ذكرت لك من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام من أخبار الغيب {نوحيه إليك} أي نلقيه إليك يا محمد لأنه لا يمكنك أن تعلم أخبار الأمم الماضين إلاّ بوحي منا إليك وإنما قال نوحيه لأنه رد الضمير إليك إلى ذلك فلذلك يذكر اللفظ {وما كنت} يعني يا محمد {لديهم} هنالك عندهم {إذ يلقون أقلامهم} يعني التي كانوا يكتبون بها في الماء لأجل الاقتراع {أيهم يكفل مريم} يعني يربيها ويقوم بمصالحها قيل سبب منازعتهم في كفالة مريم حتى اقترعوا على ذلك أنها كانت بنت عمران وكان رئيسهم وكبيرهم فلأجل ذلك رغبوا في كفالتها وقيل: لأن مريم حررت لعبادة الله وخدمة المسجد وكان أبوها قد مات فلأجل ذلك رغبوا في كفالتها {وما كنت لديهم إذ يختصمون} يعني في كفالتها وتربتيها قوله عز وجل: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه} معناه وما كنت لديهم يا محمد إذ يختصمون وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة يعني جبريل عليه السلام: يا مريم إن الله يبشرك والبشارة إخبار المرء بما يسره من خير بكلمة منه يعني برسالة من الله وخير من عنده فهو كقول القائل ألقى إليّ فلان كلمة سرني بها وأخبرني خيراً فرحت به. ومعنى الآية إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده وهي ولد يولد لك من غير بعل ولا فحل وذلك الولد {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} وقال قتادة في قوله تعالى {بكلمة منه} هو قوله تعالى: كن فسماه الله كلمة لأنه كان عن الكلمة التي هي كن كما يقال لما قدر الله من شيء هذا قدر الله وقضاء الله يعني أن هذا الأمر عن قدره وقضائه حدث. وقال ابن عباس: الكلمة هي عيسى عليه السلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد عن الكلمة التي هي كن. فإن قلت إن كل مخلوق إنما يوجد بواسطة الكلمة التي هي كن فلم خص عيسى عليه السلام بهذا الاسم وسماه كلمة دون غيره؟ قلت: إن كل مخلوق وإن وجد حدوثه بواسطة الكلمة إلاّ أن هذا السبب ما هو المتعارف، ولما كان حدوث عيسى عليه السلام بمجرد الكلمة من غير واسطة أخرى فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أتم وأكمل وبهذا التأويل حسن أن يسمى عيسى عليه السلام نفس الكلمة لأنه حدث عنها، فإن قلت الضمير في قوله اسم عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟ قلت: لأن المسمى بها مذكر فلهذا ذكر الضمير. فإن قلت لم قال اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة الاسم منها واحد وهو عيسى، وأما المسيح فلقب وابن مريم صفة. قلت: الضمير في قوله اسمه يرجع إلى عيسى وللمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه قال الذي يعرف به ويتميز عن سواه هو مجموع هذه الثلاثة واختلفوا لم سمي عيسى عليه السلام مسيحاً وهل هو اسم مشتق أو موضوع؟ فقيل إنه موضوع واسمه بالعبرانية مشيحا فغيرته العرب وأصل عيسى أيشوع كما قالوا موسى وأصله موشى أو ميشى وقال الأكثرون: إنه اسم مشتق ثم ذكروا فيه وجوهاً قال ابن عباس: سمي عيسى مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلاّ برأ منها وقيل لأنه مسح بالبركة وقيل: لأنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب، وقيل: إنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وقيل: لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناحه حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل. وقيل: لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم بمكان فكأنه يمسح الأرض أي يقطعها مساحة فعلى هذا القول تكون الميم زائدة وقيل سمي مسيحاً لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له وسمي الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين وقيل: المسيح هو الصديق وبه سمي عيسى عليه السلام وقد يكون المسيح بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال فعلى هذا تكون هذه الكلمة من الأضداد. قوله تعالى: {وجيهاً} أي شريفاً رفيعاً ذا جاه وقدر {في الدنيا والآخرة} أما وجاهته في الدنيا فبسبب النبوة وأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وأما وجاهته في الآخرة فبسبب علو مرتبته عند الله وهو قوله تعالى: {ومن المقربين} يعني عند الله يوم القيامة لأن لأهل الجنة منازل ودرجات ومنازل الأنبياء ودرجاتهم أعلى من سواهم وقيل: فيه تنبيه على علو منزلته وأنه رفعه إلى السماء.
ابو السعود
تفسير : {ياَ مَرْيَمُ} تكريرُ النداءِ للإيذان بأن المقصودَ بالخطاب ما يرِدُ بعده وأن ما قبله من تذكير النِعم كان تمهيداً لذِكره وترغيباً في العمل بموجبه {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ} أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له تعالى، والتعرضُ لعنوان ربوبـيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوبِ الامتثالِ بالأمر {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلركِعِينَ} أُمِرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب رعايتها وإيذاناً بفضيلة كلَ منها وأصالتِه، وتقديمُ السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجودِ أفضلَ أركانِ الصلاة وأقصى مراتبِ الخضوع، ولا يقتضي ذلك كونَ الترتيب الخارجيِّ كذلك بل اللائقُ به الترقي من الأدنىٰ إلى الأعلى وإما لِيَقْترِن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوعَ في صلاتهم ليسوا مصلّين. وأما ما قيل من أن الواوَ لا توجب الترتيبَ فغايتُه التصحيحُ لا الترجيح، وتجريدُ الأمر بالرُكنين الأخيرين عما قُيِّد به الأولُ لما أن المراد تقيـيدُ الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها، وقيل: المرادُ بالقنوت إدامةُ الطاعات كما في قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً}تفسير : [الزمر، الآية 9] وبالسجود الصلاةُ لما مر من أنه أفضلُ أركانها وبالركوع الخشوعُ والإخباتُ، قيل: لمّا أُمِرَت بذلك قامت في الصلاة حتى ورِمَتْ قدَماها وسالت دماً وقيحاً {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما سلف من الأمور البديعة، وما فيه من معنى البعد للتنبـيه على علوِّ شأنِ المشارِ إليه وبُعد منزلتِه في الفضل، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} أي من الأنباء المتعلقةِ بالغيب، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب وقوله تعالى: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} جملةٌ مستقلة مبـينةٌ للأولى وقيل: الخبرُ هو الجملة الثانية و{مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} إما متعلق بنوحيه أو حال من ضميره أي نوحي من أنباء الغيب أو نوحيه حال كونه من جملة أنباء الغيب وصيغةُ الاستقبال للإيذان بأن الوحيَ لم ينقطعْ بعد {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربـية مريمَ وهو تقريرٌ وتحقيق لكونه وحياً على طريقة التهكم بمُنكِريه كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ }تفسير : [القصص، الآية: 44] الآية {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } تفسير : [القصص، الآية: 45] الآية، فإن طريقَ معرفةِ أمثالِ هاتيك الحوادثِ والواقعات إما المشاهدةُ وإما السماعُ، وعدمُه محققٌ عندهم فبقيَ احتمالُ المعاينة المستحيلةِ ضرورةً فنُفِيَت تهكماً بهم {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} ظرفٌ للاستقرار العامل في لديهم و{أَقْلَـٰمَهُمْ} أقداحُهم التي اقترعوا بها وقيل: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتُبون بها التوراة تبركاً {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} متعلقٌ بمحذوف دلَّ عليه {يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} أي يُلْقونها ينْظرون أو ليعلموا أيُّهم يكفلها {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي في شأنها تنافُساً في كفالتها حسبما ذكر فيما سبق. وتكريرُ ما كنت لديهم مع تحقق المقصودِ بعطف {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} على إذ يُلقون كما في قوله عز وجل: {أية : نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء، الآية 47] للدِلالة على أن كلَّ واحدٍ من عدم حضورِه عليه السلام عند إلقاءِ الأقلام وعدمِ حضوره عند الاختصام مستقلٌ بالشهادة على نبوَّته عليه السلام لا سيما إذا أريد باختصامهم تنازعُهم قبل الاقتراعِ فإن تغيـيرَ الترتيبِ في الذكر مؤكدٌ له.
التستري
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ}[43] أي لله فصلي، وإياه بالإخلاص فاعبدي، وإليه بالدعاء فاقنتي وتضرعي.
القشيري
تفسير : لازمي بساط العبادة، وداومي على الطاعة، ولا تُقَصِّرِى في استدامة الخدمة، فكما أفردكِ الحقُّ بمقامك، كوني في عبادته أوحد زمانك.
البقلي
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} اى استقيمى فى طاعة مولاك {وَٱسْجُدِي} اى كونى فى السجود خالصة عن غيرى {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} اى تقربى الى بتواضعك مع المتواضعين من اوليائى وانيائى وخواص اهل محبتى لتنال بركات الجمع لان صحبة الاولياء واستحاكم فى العبودية وتخليص عن رق البشرية.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا مريم اقنتى لربك} اى قومى فى الصلاة وأطيلى القيام فيها له تعالى {واسجدى واركعى مع الراكعين} امرت بالصلاة بالجماعة بذكر اركانها القنوت وهو طول القيام والسجود والركوع مبالغة فى ايجاب رعايتها وايذانا بفضيلة كل منها واصالته. وتقديم السجود على الركوع اما لكون الترتيب فى شريعتهم كذلك واما لكون السجود افضل اركان الصلاة واقصى مراتب الخضوع ولا يقتضى ذلك كون الترتيب الخارجى كذلك بل اللائق به الترقى من الادنى الى الاعلى واما ليقترن اركعى بالراكعين للاشعار بان من لا ركوع فى صلاتهم ليسوا مصلين قيل لما امرت بذلك قامت فى الصلاة حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله: {اقنتي} ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير أن معناه اخلصي لربك العبادة. الثاني - قال قتادة معناه اديمي الطاعة. الثالث - قال مجاهد اطلبي القيام في الصلاة. وأصل القنوت الدوام على الشيء وقوله: {واسجدي} وأصل السجود الانخفاض الشديد للخضوع قال الشاعر: شعر : فكلتاهما خرت واسجد راسها كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : وكذلك القول في الركوع إلا أن السجود أشد انخفاضاً. وقد بينا فيما مضى حقيقته. وإنما قدم ذكر السجود في الآية على الركوع، لأن النية به التأخير والتقدير اركعي واسجدي، لأن الواو لا توجب الترتيب، لأنها نظيرة التثنية إذا اتفقت الاسماء والصفات. تقول جاءني زيد وعمرو، ولو جمعت بينهما في الخبر لقلت جاءني الزيدان. وقوله: {مع الراكعين} فيه قولان: أحدهما - أن معناه افعلى مثل فعلهم. الثاني - قال الجبائي: أي في صلاة الجماعة.
الجنابذي
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي} اطيعى او اديمى القيام فى العبادة او ادعى او اسكتى {لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي} اخضعى او انحنى {وَٱرْكَعِي} صلّى او كبّى على وجهك وامّا معنى القنوت والسّجود والرّكوع الشرعيّة فغير مراد قطعاً اذ الحقائق الشرعيّة على فرض ثبوتها انّما هى فى شريعتنا لا فى الشّرائع السّابقة على انّ قنوت صلاة شريعتنا وسجودها وركوعها غير ثابتة فى شريعتها وعلى هذا فلا حاجة الى بعض التّوجيهات ولا الى القول بانّ الآية مّا قدّم وأخّر بعض اجزائها {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} اى المصلّين الاتيان باسم الفاعل الدالّ على دوام الفعل وثباته دون الّذين ركعوا للاشارة الى انّ الامر امر بدوام الرّكوع فانّ المصاحب بفعله لدائم الفعل لا بدّ ان يكون دائم الفعل، والاتيان بجمع المذكّر للاشارة الى تشريفها بجعلها فى عداد الرّجال.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ}. قال مجاهد: أطيلي الركوع في الصلاة، أي القيام في الصلاة. {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}. قال الحسن: هي الصلوات: فيها القنوت، وهو طول القيام، كما قال مجاهد، وفيها الركوع والسجود. قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ} أي من أخبار الغيب، أي الوحي {نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي عندهم {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ} أي يستهمون بها {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي أيّهم يضمّها إليه. قال بعض المفسّرين: كانت مريم بنت إمامهم وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل فاقترعوا فيها بسهامهم أيّهم يضمّها إليه، فقرعهم زكرياء وكان زوج أختها. قوله: {إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} قال الحسن: مُسِحَ بالبركة. {وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ} أي عند الله يوم القيامة. بلغنا عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة ووضع الجسر على جهنم، جاء النبيّون على مراكزهم، فيكون أولهم مركز نوح، وآخرهم مركز محمد عليه السلام. فيجيء المنادي [فينادي]، أين محمد وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر، فينجو النبي والصالحون، ويسقط من يسقط. فإذا جازوا تلقتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك ويسارك. ثم ينطلق بمحمد فيستأذن في دار الله، أي الجنة، فيؤذن له، فيوضع له كرسي عن يمينه. ثم يجيء المنادي فينادي: أين عيسى وأمته؟ فيقدمون حتى يأخذوا الجسر، فينجو النبي والصالحون، ويسقط من يسقط. فإذا جازوا تلقَّتهم الملائكة ينزلونهم منازلهم على يمينك وعلى يسارك. ثم يأتي عيسى فيستأذن فيؤذن له، ويوضع له كرسي عن يساره، ثم النبيّون كذلك حتى يكون آخرَهم نوح صلى الله عليهم أجمعين.
اطفيش
تفسير : {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ}: أى أديمى لربك العبادة. قاله الحسن، وعنه: أطيعى ربك، وقيل: معناه أطيلى القيام لربك فى الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو قول مجاهد وهو مناسب لقوله تعالى: {وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ}: مع المصلين، أمرها الله بالصلاة فى الجماعة، بذكر أركانها: القيام والسجود والركوع، مبالغة فى المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع من حيث أن لو أو لا تفيد الترتيب، لأنه أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، أو ليقترن اركعى بالراكعين ليؤذن بأن من لا ركوع فى صلاته، كهؤلاء الكفرة من النصارى واليهود، لا صلاة له قبحهم الله، ولا سجود لهم أيضاً، أو قدم السجود لكونه مقدماً فى شرع مريم رضى الله عنها، ومن كان مثلها على دين الله عز وجل، كما أن صلاتنا بصفوف ليست لغيرنا، تكريماً من الله الرحمن الرحيم لنا، ثم رأيت أن قوماً من العلماء قالوا: إن الركوع مقدم فى صلاتهم، ولعل فى زمانها من لا يركع، ومن يركع فأمرها لله أن تكون مع من يركع تخطئة لمن لا يركع، فالراكعون على هذا الاحتمال - على ظاهره - لا بمعنى المصلين بخلافه على ما مر فإنه بمعنى المصلين، وأما {اركعى} فمقابل لاسجدى، لا بمعنى صلى، وتسمية الصلاة ركوعاً تسمية باسم الجزء. وعلى تفسير الجمهور: القنوت باطالة القيام فى الصلاة، تكون قد أمرها الله بشيئين الأول: أن تصلى وحدها وتطيله، والثانى: أن تصلى مع الجماعة إذا صلوا، وهذا الثانى هو قوله {وَاسْجُدِى واركعى مع الراكعين} لأن من يصلى فى الجماعة ليس الأمر إليه فى الإطالة، وعن مجاهد: لما خوطبت بهذا قامت حتى ورمت قدماها، يعنى: لما خوطبت بقوله تعالى: {اقْنُتِي لِرَبِّكِ} أى أطيلى القيام لربك فى الصلاة. وعن الأوزاعى: كانت تطيل حتى سال الدم والقيح من قدمها، وروى أن الطير تنزل على رأسها تظنهُ جماداً.
اطفيش
تفسير : {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِى} استعملى العبادة {لِرَبِّكِ} أى دومى عليها وزيدى، والنداء الأول تذكير للنعمة، وتمهيد لهذا النداء المسوق للتكليف {وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ} هنا تم كلام الملائكة لها، والمعنى صلى، فذكر الصلاة بذكر السجود والركوع، إذ هما جزءان منها، إذ بهما تتبين، وأما القيام فيقوم المصلى وغيره، وكذا القعود، أو ذكر القيام بذكر القنوت على أنه بمعنى القيام الطويل فى الصلاة، وهو أولى فى تفسير القنوت عند بعض، وذلك أمر بأفضل الأعمال، وهو الصلاة، وبالمحافظة عليها، وبأن تكون فى الجماعة مخالفة لليهود وموافقة لهذه الأمة، ولفضل صلاة الجماعة، يصلى بها محارمها، ومن يؤمِّن عليها، أو تصلى من محرابها مع إمام خارجة، إلا أنه يحتمل أن يكون معنى المعية مشاركتها للمسلمين فى الصلاة بالركوع ولو وحدها، أو معهم بلا جماعة، وهذا أولى، لأن اليهود لا ركوع لهم فى صلاتهم ولا جماعة. ودعوى النسخ في زمانها تحتاج لدليل على يد نبى أو كتاب، كالإنجيل، فما هو؟ فنقول، إنه منسوخ، وأن الآية دليل على أن فى صلاتهم ركوعا غير منسوخ، والآن بعض اليهود يركعون، ولعل بعض اليهود فى زمانها يركعون، فأمرت بالركوع معهم، وقيل، القنوت إخلاص العبادة. وقيل مطلق القيام فى الصلاة، والمشهور إطالة القيام، أخرج ابن عساكر عن أبى سعيد، أن مريم كانت تصلى حتى ترم قدماها. وابن جرير عن الأوزاعى، كانت تقوم حتى يسيل القبح من قدميها، وصلاة الجماعة تفضل بخمس وعشرين وبسبع وعشرين، وقدم السجود لأنه فى صلاتهم قبل الركوع، أو لأنه أعظم فى الخشوع، فذكر الأفضل فالأفضل، القنوت وهو القيام، فالسجود فالركوع، أو أشار إليها بالقيام والسجود، وقد تمت بهما عندهم، فأخر ما زاد وهو الركوع، ولا يكفى أن يقال، الواو لا ترتب، لأنه يقال، ما الحكمة فى التأخير ولو كانت لا ترتب، أو تمت بالقيام والسجود عندهم، وزاد الركوع بمعنى الخشوع أو السجود الصلاة كلها، والركوع الخشوع، اتفقوا أن الرسول لا يكون امرأة، وأما النبوة فقد اختلفوا فى نبوة حواء، وآسية، وأم موسى، وسارة، وهاجر، ومريم، والصحيح المنع، ورجح ابن السيد والسبكي نبوة مريم.
الالوسي
تفسير : {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } الظاهر أنه من مقول الملائكة أيضاً وَصَّوهَا بالمحافظة على الصلاة بعد أن أخبروها بعلو درجتها وكمال قربها إلى الله تعالى لئلا تفتر ولا تغفل عن العبادة، وتكرير النداء للإشارة إلى الاعتناء بما يرد بعد كأنه هو المقصود بالذات وما قبله تمهيد له. والقنوت إطالة القيام في الصلاة ـ قاله مجاهد ـ أو إدامة الطاعة ـ قاله قتادة ـ وإليه ذهب الراغب، أو الإخلاص في العبادة ـ قاله سعيد بن جبير ـ أو أصل القيام في الصلاة ـ قاله بعضهم ـ والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلة/ وجوب امتثال الأوامر. {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ } يحتمل أن يكون المراد من ذلك كله الأمر بالصلاة إلا أنه أمر سبحانه بها بذكر أركانها مبالغة في إيجاب المحافظة عليها لما أن في ذكر الشيء تفصيلاً تقريراً ليس في الإجمال، ولعل تقديم السجود على الركوع لأنه كذلك في صلاتهم، وقيل: لأنه أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع، وفي الخبر «حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» تفسير : أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب أو ليقترن {اركعي} ـ بالراكعين ـ للإيذان بأنّ مَن ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين، وكل من هذه الأوجه لا يخلو عن دغدغة، أما أولاً: فلأنه إنما يتم على القول بأن القيام ليس أفضل من السجود كما نقل عن الإمام الشافعي، وأما الثاني: فلأن خطاب القرآن مع من يعلم لغة العرب لا مع من يتعلم منه اللغة، وأما الثالث: فلأن تماميته تتوقف على بيان وجه أنه لم يعبر بالساجدين تنبيهاً على أن من لا سجدة في صلاته ليس من المصلين؟ وكأَّن وجه ذلك ما يستفاد من كلام الزمخشري حيث قال: ((ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع، وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع))، فالنكتة في التعبير ما جعلت نكتة في ذكر {وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ } واعترضه أيضاً بعضهم بأنه إذا قدم الركوع، وقيل: (واركعي مع الراكعين واسجدي) يحصل ذلك المقصود، ولا مدخل للتقديم والتأخير في إفادة ذلك، وقيل: المراد بالسجود وحده الصلاة كما في قوله تعالى: {أية : وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [ق: 40] والتعبير عن الصلاة بذلك من التعبير بالجزء عن الكل ويراد بالركوع الخشوع والتواضع وكأن أمرها بذلك حفظاً لها من الوقوع في مهاوي التكبر والاستعلاء بما لها من علو الدرجة، والاحتمال الأول هو الظاهر، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن الأوزاعي قال: «كانت تقوم حتى يسيل القيح من قدميها» وما أخرجه ابن عساكر في الآية عن أبـي سعيد قال: «كانت مريم تصلي حتى تورم قدماها». والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } الإرشاد إلى صلاة الجماعة، وإليه ذهب الجبائي، وذكر بعض المحققين على أن نكتة التعبير بذلك في المقام دون ـ واسجدي مع الساجدين ـ الإشارة إلى أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك ركعة من الصلاة، وعورض بأنه لو قيل: ـ واسجدي مع الساجدين ـ لربما كان فيه إشارة إلى أن من أدرك السجود مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ولعل هذه الإشارة أولى من الأولى في هذا المقام، واستلزام ذلك أن من أدرك ما بعد السجود معه لا يدرك الجماعة في حيز المنع، ولا يخفى أن المعارض والمعارض ليسا بشيء عند المنصفين، وأحسن منهما ما أشار إليه صاحب «الكشاف»، وزعم بعضهم أن {مَّعَ } مجاز عن الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع ـ أي افعلي كفعل الراكعين وإن لم توقعي الصلاة معهم ـ قال: لأنها كانت تصلي في محرابها، وأيضاً إنها كانت شابة وصلاة الشواب في الجماعة مكروهة، واعترض بأنه ارتكاب للتجوز الذي هو خلاف الأصل من غير داع، وكونها كانت تصلي في محرابها أحياناً مسلم لكن لا يدل على المدعى، ودائماً مما لا دليل عليه وبفرضه لا يدل على المدعي أيضاً لجواز اقتدائها وهي في المحراب، وكراهة صلاة الشابة في الجماعة لم يتحقق عندنا ثبوتها في شرع من قبلنا، على أن الماتريدي نفى كراهة صلاة مريم في الجماعة وإن كانت شابة، وقلنا بكراهة صلاة الشواب في شرعهم أيضاً، وعلله بكون القوم الذين كانت تصلي معهم كانوا ذوي قرابة منها ورحم، ولذلك اختصموا في ضمها وإمساكها، وربما يعلل بعدم خشية الفتنة وإن كانوا أجانب، ويستأنس لهذا بذهابها مع يوسف لملء القلة في المغارة، ولعل أولئك الذين تركع معهم من هذا القبيل، وإن قلنا: إنها تقتدي وهي في محرابها إما وحدها أو مع نسوة زال الإشكال. وجاء {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } دون الراكعات/ لأن هذا الجمع أعم إذ يشمل الرجال والنساء على سبيل التغليب، ولمناسبة رؤوس الآي، ولأن الاقتداء بالرجال أفضل إن قلنا: إنها مأمورة بصلاة الجماعة. وادعى بعضهم أن في التعبير بذلك مدحاً ضمنياً لمريم عليها السلام ولم يقيد الأمرين الأخيرين بما قيد به الأمر الأول اكتفاءاً بالتقييد من أول وهلة، وقال شيخ الإسلام: ((إن تجريد الأمر بالركنين الأخيرين عما قيد به الأول لما أن المراد تقييد الأمر بالصلاة بذلك، وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها))، ولعل ما ذكرناه أولى لأنه مطرد على سائر الأقوال في القنوت، وأهرج ابن أبـي داود في «المصاحف» عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ (واركعي واسجدي في الساجدين).
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمَرْيَمُ} {ٱلرَّاكِعِينَ} (43) - وَأمَرَتْها المَلاَئِكَةُ (وَقِيلَ المُرادُ بِالمَلاَئِكَةِ هُنَا جِبْرِيلُ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيةٌ أخْرى) بِأنْ تَقْنُتَ لِرَبِّها وَتَعْبُدَهُ، وَتتَذَلَّلَ لَهُ، وَبِأنْ تَكُونَ مِنَ السَّاجِدِينَ وَالرَّاكِعِينَ. (وَقِيلَ إنَّ كَلاَمَ جِبْرِيلَ مَعَهَا لَمْ يَكُنْ وَحْياً إليْهَا، وَإنَّمَا كَانَ إلْهَاماً لَهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ رَبّهَا مِنَ المَكَانَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ}. تفسير : اقْنُتِي - أخْلِصِي العِبَادَةَ وَأدِيمِي الطَّاعَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكأن ما تقدم من حيثيات الاصطفاء الأول، والاصطفاء الثاني، يستحق منها القنوت، أي العبادة الخالصة الخاضعة الخاشعة. وقد يقول قائل: ولماذا يصطفى الله واحداً، ليشيع اصطفاؤه في الناس؟ لأن الاصطفاء من الحق لا بد أن يبرئه من كل ما يمكن أن يقع فيه نظيره من الاختيارات غير المرضية، والحق - سبحانه - يريده نموذجاً لا يقع منه إلا الخير، والمثال الكامل على ذلك اصطفاء الحق سبحانه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أول الأمر وجعله لا يفعل إلا السلوك الطيب من أول الأمر، وذلك حتى يعطينا الرسول القدوة الإيمانية في ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة المحمدية. والحق يقول لمريم على لسان الملائكة: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} [آل عمران: 43] إنه أمر بالعبادة الخاشعة المستديمة لربها، وكلمة "لربك" تعني التربية، فكأن الاصطفاءات هي من نعم الله عليك يا مريم، وتستحق منك القنوت {وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] و"اسجدي" أي بَالِغِي في الخشوع، والخضوع، بوضع الجبهة التي هي أشرف شيء في الإنسان على الأرض، لأن السجود هو أعلى مرتبة من الخضوع. لكن أيعفيها هذا اللون من الخضوع مما يكون من الركوع لله مع الناس؟ لا، إنه الأمر الحق يصدر لمريم {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] ولا يعفيك من الركوع أنك فعلت الأمر الأعلى منه في الخضوع وهو السجود، بل عليك أن تركعي مع الراكعين، فلا يحق لك يا مريم أن تقولي: "لقد أمرني الله بأمر أعلى ولم أنفذ الأمر الأدنى". إن الحق يأمرها أن تكون أيضاً في ركب الراكعين مثلما نقرأ قوله الحق عن الكفار: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ}تفسير : [المدثر: 42-43]. إنهم كفار، فكيف يصلون؟ إنه اعتراف منهم بأنهم كفار، ولم يكونوا مسلوكين في سلك من يصلي، واعتراف بانهم لم يكونوا مسلمين أو مؤمنين بالله. وهنا يسأل سائل كريم: لماذا قال سبحانه وتعالى في خطابه لمريم: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] ولم يقل الحق: "مع الراكعات"؟ هذا هو السؤال. وإجابة على هذا السؤال نحب أن نمهد تمهيداً بسيطاً إلى فلسفة الأسماء في وضعها على مسمياتها. إن الأسماء ألفاظ من اللغة تعين مسماها. والمسميات مختلفة، فمنها الجماد، ومنها النبات, ومنها الحيوان، ومنها الأسماء التي تدل على عالم الغيب كالجن، والملائكة، وكل ما غيب الله. هذه الأسماء تدل على معانيها. وهدى الله سبحانه البشر إليها بما علم آدم من الأسماء، فكيف كان باستطاعة آدم التعبير عن معطيات الأسماء بمسمياتها؟ إذن لا بد أن يوجد لكل شيء اسم حتى نستطيع حين نتفاهم على الشيء أو الكائن بأن نذكر لفظاً واحداً موجزاً يشير إليه. ولو لم يكن يذكر هذا فكيف كان باستطاعة إنسان أن يتكلم مع إنسان آخر عن الجبل مثلاً؟. أكان على المتكلم أن يأخذ السامع إلى الجبل ويشير إليه؟ أم يكفي أن يقول له لفظ "جبل" حتى يستحضر السامع في ذهنه صورة لهذا المسمى؟ إذن .. ففلسفة تعليم الحق للأسماء لنا أزاحت عنا عبئاً كبيراً من صعوبة التفاهم. ولولا ذلك لما استطعنا أن نتفاهم على شيء إلا إذا واجهنا الشيء وأشرنا إليه. فكلمة "جبل" وكلمة "صخر" وغيرها من الكلمات هي أسماء لمسميات .. وعندما أتكلم على سبيل المثال عن أمريكا فإنني لن آخذ السامع إليها وأشير إليه قائلاً "إن هذه هي أمريكا"، لكن كلمة واحدة هي "أمريكا" تعطي السامع معنى للمسمى، فتلحق الأحكام على مسمياتها. وما دامت المسألة هكذا فلا بد من وجود أسماء لمسميات، هذه الأسماء علمها الله للإنسان حتى يتفاهم بها والإنسان أصله من آدم. وكلمة "آدم" حينما تتكلم بها تجدها في النحو مذكرة، والمذكر يقابله المؤنث. وقد خلق الحق الأعلى: الذكورة والأنوثة؛ لأن من تزاوجهما سيخرج النسل. إذن فكان لا بد من التمييز بين النوعين للجنس الواحد. فالذكر والأنثى، هما بنو آدم، ومنها ينشأ التكاثر، لكن العجيب أن الله حين سمى آدم ونطقناه اسماً مذكراً وسمى "حواء" ونطقناه اسماً مؤنثاً، وجعل سبحانه الاسم الأصيل الذي وُجِدَ منه الخلق هو "نفس". لقد قال الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}تفسير : [النساء: 1]. لقد سمى الحق آدم بكلمة نفس، وهي مؤنثة، إذن فليس معنى التأنيث أنه أقل من معنى التذكير، ولكن "التذكير" هو فقط علامة لتضع الأشياء في مسمياتها الحقيقية وكذلك التأنيث. إن الحق سبحانه يطلق على كل إنسان منا "نفس" وهي كلمة مؤنثة، وحينما تكلم الحق سبحانه كلاماً آخر عن الخلق قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}تفسير : [الحجرات: 13]. وكلمة "ناس" تعني مجموع الإنسان. وهكذا نعرف أن كلمة :"إنسان" تُطلق مرة على المذكر، ومرة أخرى على المؤنث. إذن فالحق قد أورد مرة لفظاً مذكراً، ومرة أخرى أطلق لفظاً مؤنثاً، وذلك حتى لا نقول: إن المذكر أفضل وأحسن من المؤنث، ولكن ذلك وسيلة للتفاهم فقط، ولذلك يؤكد لنا الحق سبحانه أنه قد وضع الأسماء لمسمياتها لنتعارف بها. {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ ..}تفسير : [الحجرات: 13]. ومعنى "لنتعارف" أي أن يكون لكل منا اسمٌ يعرف به عند الآخرين. وفي حياتنا العادية - ولله المثل الأعلى - نجد رجلاً عنده أولاد كثيرون، لذلك يُطلق على كل ابن اسماً ليعرفه المجتمع به، والعجيب في هذه الآية الكريمة: {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ} تفسير : [الحجرات: 13]. أننا نجد كلمة "شعوباً" مذكرة وكلمة "قبائل" مؤنثة. إذن فلا تمايز بالأحسن، ولكن الكلمات هنا مسميات للتعارف. والحق الأعلى يقول: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. إذن فما وضع النساء اللائي آمنّ؟ إنهن يدخلن ضمن "الذين آمنوا". ولماذا أدخل الله المؤنث في الذكر؟ لأن المذكر هو الأصل، والمؤنث جاء منه فرعاً. إذن فالمؤنث هو الذي يدخل مع المذكر في الأمور المشتركة في الجنس. {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة: 21]. وهذا يعني أن "المؤنث" عليه أن يدخل في تكليف العبودية لله. والمعنى العام يحدد أن المطلوب منه العبادة هو الإنسان كجنس. وبنوعية الذكر والأنثى. وفي الأمر الخاص بالمرأة، يحدد الله المرأة بذاتيتها. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً}تفسير : [الأحزاب: 36]. لماذا؟ إن المسألة هنا تشمل النوعين من الجنس الواحد: الرجل والمرأة، زوج وزوجة، فمثلاً نجد زوجاً يريد تطليق زوجته، فيأتي الحق بتفصيل يوضح ذلك. وإذا كان هناك أمر خاص بالمرأة فالحق سبحانه وتعالى يحدد الأمر فها هوذا قوله الحكيم: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}تفسير : [الأحزاب: 32-33]. إن كل ما جاء في الآية السابقة يحدد المهام بالنسبة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فالخطاب الموجه يحدد الأمر بدقة "لستن" و"اتقيتن"، "لا تخضعن"، و"قرن"، و"لا تبرجن". الحديث في هذه الآية الكريمة يتعلق بالمرأة لذلك يأتي لها بضميرها مؤنثاً. ولكن إذا جاء أمر يتعلق بالإنسان بوجه عام فإن الحق يأتي بالأمر شاملاً للرجل والمرأة ويكون مذكراً، ولذلك فعندما قالت النساء لماذا يكون الرجل أحسن من المرأة، جاء قول الحق: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}تفسير : [الأحزاب: 35]. هكذا حسم الحق الأمر. قال سبحانه تأكيداً لذلك: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}تفسير : [النساء: 124]. إن الذكر والأنثى هنا يدخلان في وصف واحد هو "وهو مؤمن" إذن فعندما يأتي الأمر في المعنى العام الذي يُطلب من الرجل والمرأة فهو يُضمر المرأة في الرجل لأنها مبنية على الستر والحجاب، مطمورة فيه. داخلة معه .. فإذا قال الحق سبحانه لمريم: {وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] فالركوع ليس خاصاً بالمرأة حتى يقول "مع الراكعات" ولكنه أمر عام يشمل الرجل والمرأة، لذلك جاء الأمر لمريم بأن تركع مع الراكعين، وبعد ذلك يقول الحق: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 146 : 10 : 6 - سفين عن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد في قوله {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي} قال، طول الركوع في الصلاة. [الآية 43]. 147 : 11 : 9 - سفين عن بن ابي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد في قوله {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال، كانت تصلي حتى ترم قدماها. [الآية 43]. 148 : 12 : 7 - سفين عن ليث عن مجاهد قال، كانت تصلي حتى ترم قدماها. [الآية 43].
همام الصنعاني
394تفسير : - عبد الرزاق قال: حدثنا الثوري عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مجاهد في قوله تعالى: {ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ}: [الآية: 43]، قال: أطيلي الركود. 395- قال الثوري: قال الليث عن مجاهد قال: كانت تُصلّي حتى ترمّ قدماها. 396- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر قال: جاء غلمانٌ إلى يحيى بن زكريا فقالوا: اذهب بنا نلعب، قال: فقال: ما للعبت خلقت! قال: وذلك قوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}تفسير : : [مريم: 12]. تفسير : 402- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: {ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ}: [الآية: 43]، قال: أطيعي ربك. 403- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن قتادة عن أنس بن مالك: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد، وفاطمة انبة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):