Verse. 337 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ذٰلِكَ مِنْ اَنْۢبَاۗءِ الْغَيْبِ نُوْحِيْہِ اِلَيْكَ۝۰ۭ وَمَا كُنْتَ لَدَيْہِمْ اِذْ يُلْقُوْنَ اَقْلَامَھُمْ اَيُّھُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ۝۰۠ وَمَا كُنْتَ لَدَيْہِمْ اِذْ يَخْتَصِمُوْنَ۝۴۴
Thalika min anbai alghaybi nooheehi ilayka wama kunta ladayhim ith yulqoona aqlamahum ayyuhum yakfulu maryama wama kunta ladayhim ith yakhtasimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» المذكور من أمر زكريا ومريم «من أنباء الغيب» أخبار ما غاب عنك «نوحيه إليك» يا محمد «وما كنت لديهم إذ يُلْقُون أقلامهم» في الماء يقترعون ليطهر لهم «أيهم يكْفُلُ» يربي «مريم وما كنت لديهم إذ يختصون» في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم، والمعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة وزكريا ويحيـى وعيسى بن مريم، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي. فإن قيل: لم نفيت هذه المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفي استماع هذه الأشياء من حفاظها وهو موهوم؟. قلنا: كان معلوماً عندهم علماً يقينياً أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة، ونظيره {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } تفسير : [القصص: 44]، {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ } تفسير : [القصص: 46] {أية : وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم} تفسير : [يوسف: 102] {أية : وَمَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا } تفسير : [هود: 49]. المسألة الثانية: الأنباء: الإخبار عما غاب عنك، وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به على معان مختلفة، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] وقال في الشياطين {أية : لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 121] وقال: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } تفسير : [مريم: 11] فلما كان الله سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً. أما قوله تعالى: {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تلك الأقلام وجوهاً الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين والثاني: أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم، هذا قول الربيع والثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى: {أية : فَسَـٰهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } تفسير : [الصافات: 141] وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور، وإنما سميت هذه السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً. قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به، فوجب حمل لفظ القلم عليه. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وإما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى أدتهم تلك الرغبة إلى المنازعة، فقال بعضهم: إن عمران أباها كان رئيساً لهم ومقدماً عليهم، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها، وقال بعضهم: إن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله تعالى، ولأجل ذلك حرصوا على التكفل بها، وقال آخرون: بل لأن في الكتب الإلٰهية كان بيان أمرها وأمر عيسى عليه السلام حاصلاً فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا؟ فمنهم من قال: كانوا هم خدمة البيت، ومنهم من قال: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي، ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في الطريق. أما قوله: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } ففيه حذف والتقدير: يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم وإنما حسن لكونه معلوماً. أما قوله {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فالمعنى وما كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل بها وإذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الإقراع، ويحتمل أن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الإقراع، وبالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها، والقيام بإصلاح مهماتها، وما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت {أية : فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [آل عمران: 35] وقالت {أية : إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } تفسير : [آل عمران: 36].

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب. {نُوحِيهِ إِلَيكَ} فيه دلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدّقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى: {نُوحِيهِ إِلَيكَ} فردّ الكناية إلى «ذلك» فلذلك ذُكِّر. والإيحاء هنا الإرسال إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والوحي يكون إلهاماً وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحياً؛ ومنه {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} تفسير : [المائدة: 111] وقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68] وقيل: معنى {أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} أمرتهم؛ يقال: وحى وأوحى، ورمى وأرمى بمعناه. قال العجاج:شعر : أوحـى لهـا القـرار فاستقـرّتِ تفسير : أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث: «الوحي الوحي» وهو السرعة؛ والفعل منه توحيت توحياً. قال ٱبن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان. والوميّ السريع. والوَحَي الصَّوْت؛ ويقال: ٱستوحيناهم أي ٱستصرخناهم. قال:شعر : أوحيـت ميمونـاً لهـا والأزراق تفسير : الثانية: قوله تعالى {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} أي وما كنت يا محمد لديهم، أي بحضرتهم وعندهم. {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} جمع قَلَم؛ من قَلَمه إذا قطعه. قيل: قداحهم وسهامهم. وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال {أية : ذٰلِكُمْ فِسْقٌ}تفسير : [المائدة: 3]. إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها. {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} أي يحضنها، فقال زكريا: أنا أحق بها، خالتها عندي. وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حَنّة بنت فاقود أمّ مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها، بنت عالمِنا. فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، وٱتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : فجرتِ الأقلام وعال قلم زكريا»تفسير : . وكانت آية له؛ لأنه نبيّ تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. و {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ٱبتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام؛ التقدير: ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ «أي» لأنها ٱستفهام. الثالثة: ٱستدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد ٱتباعاً للكتاب والسنَّة. وردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابه، وردّوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ٱبن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوّزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنّة. قال أبو عبيد: وقد عمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن المنذر. وٱستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردّها. وقد ترجم البخاريّ في آخر كتاب الشهادات (باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ الله عز وجل {إذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ}) وساق حديث النعمان بن بشير: «حديث : مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم ٱستهموا على سفينة»تفسير : الحديثَ. وسيأتي في «الأنفال» إن شاء الله تعالى، وفي سورة «الزخرف» أيضاً بحول الله سبحانه، وحديث أمِّ العلاء، وأن عثمان بن مَظْعُون طار لهم سَهمُه في السُّكْنى حين ٱقترعت الأنصار سُكْنَى المهاجرين، الحديث، وحديث عائشة قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بهاتفسير : ؛ وذكر الحديث. وقد ٱختلفت الرواية عن مالك في ذلك؛ فقال مرّةً: يقرع للحديث. وقال مَرّة: يسافر بأوفقهنّ له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو يعلم الناس ما في النِّداءِ والصّفّ الأوّل ثم لم يجدوا إلا أن يستهِموا عليه لاستهموا»تفسير : . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القُرْعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف. وٱحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ٱبن العربيّ: «وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاحّ؛ فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضِع التراضي، فإنها لا تكون أبداً مع التراضي» وإنما تكون فيما يتَشَاحّ الناس فيه ويُضَنُّ به. وصفة القرعة عند الشافعيّ ومن قال بها: أن تُقطع رِقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة ٱسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلاً ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل يده ويخرج، فإذا أخرج ٱسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه. الرابعة: ودلت الآية أيضاً على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدّة، وقد قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم في ٱبنة حمزة ـ وٱسمها أمة الله ـ لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال: «حديث : إنما الخالة بمنزلة الأم»تفسير : وقد تقدّمت في البقرة هذه المسألة. وخرّج أبو داود عن عليّ قال: حديث : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بٱبنة حمزة فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحق بها ٱبنة عمي وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال عليّ: أنا أحق بها ٱبنة عمي وعندي ٱبنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدِمت بها؛ فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً قال: «وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أمٌّ»تفسير : . وذكر ٱبن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصِيّ حمزة، فتكون الخالة على هذا أحقَّ من الوصِيّ ويكون ٱبن العمّ إذا كان زوجاً غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن مَحْرَماً لها.

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} أقداحهم للاقتراع. وقيل اقترعوا بأقلامهم التى كانوا يكتبون بها التوراة تبركاً، والمراد تقرير كونه وحياً على سبيل التهكم بمنكريه، فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الإتهام باحتمال العيان ولا يظن به عاقل. {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} متعلق بمحذوف دل عليه {يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} أي يلقونها ليعلموا، أو يقولوا {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تنافساً في كفالتها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } المذكور من أمر زكريا ومريم {مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ } أخبار ما غاب عنك {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يا محمد {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَٰمَهُمْ } في الماء يقترعون ليظهر لهم {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ } يُربي {مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي.

ابن عطية

تفسير : هذه المخاطبة لمحمد عليه السلام، والإشارة بـــ {ذلك} إلى ما تقدم ذكره من القصص، والأنباء الأخبار، و {الغيب} ما غاب عن مدارك الإنسان، و {نوحيه} معناه نلقيه في نفسك في خفاء، وحد الوحي إلقاء المعنى في النفس في خفاء، ثم تختلف أنواعه، فمنه بالملك، ومنه بالإلهام، ومنه بالإشارة، ومنه بالكتاب، كما قال كعب بن زهير: [الطويل] شعر : أتَى الْعَجم والآفاق مِنْهُ قصائدٌ بَقينَ بقاءَ الوحْيَ في الْحَجَرِ الأصمْ تفسير : تقول العرب: أوحى، وتقول وحى، وفي هذه الآية بيان لنبوة محمد عليه السلام، إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو لم يكن لديهم، أو من قرأها في كتب أهل الكتاب، ومحمد عليه السلام أمي من قوم أميين، أو من أعلمه الله بها وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، ولديهم معناه عندهم ومعهم، وقد تقدم القول في الأقلام والكفل، وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، وقال ابن إسحاق: إنما كان استهامهم حين نالتهم المجاعة دفعاً منها لتحمل مؤونتها، و {يختصمون} معناه يتراجعون القول الجهير في أمرها، وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أقرع بين نسائه، وقال عليه السلام: لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه، وجمهور الأمة على تجويز القرعة إلا من شذ فظنها قماراً، وهذا كله فيما يصلح التراضي بكونه دون قرعة فكأن القرعة محسنة لذلك الاختصاص، وأما حيث لا يجوز التراضي كعتق العبيد في ثلث ميت فجوزها الجمهور ومنعها أبو حنيفة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين ستة أعبد، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة، وقوله: {أيهم يكفل مريم} ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل الذي تقديره، ينظرون، {أيهم يكفل مريم} والعامل في قوله {إذ قالت الملائكة} فعل مضمر تقديره اذكر {إذ قالت الملائكة} وهكذا يطرد وصف الآية وتتوالى الإعلامات بهذه الغيوب، وقال الزجّاج، العامل فيها {يختصمون}، ويجوز أن يتعلق بقوله: {وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة} وهذا كله يرده المعنى، لأن الاختصام لم يكن عند قول الملائكة، وقرأ ابن مسعود وعبد الله بن عمر: "إذ قال الملائكة" واختلف المتأولون هل الملائكة هنا عبارة عن جبريل وحده أو عن جماعة من الملائكة؟ وقد تقدم معنى ذلك كله في قوله آنفاً، {أية : فنادته الملائكة} تفسير : [آل عمران: 39] فتأمله، وتقدم ذكر القراءات في قوله {يبشرك}. واختلف المفسرون لم عبر عن عيسى عليه السلام {بكلمة}؟ فقال قتادة: جعله "كلمة" إذ هو موجود بكلمة وهي قوله تعالى: لمرادته - كن - وهذا كما تقول في شيء حادث هذا قدر الله أي هو عند قدر الله وكذلك تقول هذا أمر الله، وترجم الطبري فقال: وقال آخرون: بل الكلمة اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء، فمقتضى هذه الترجمة أن الكلمة اسم مرتجل لعيسى ثم أدخل الطبري تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال: "الكلمة" هي عيسى، وقول ابن عباس يحتمل أن يفسر بما قال قتادة وبغير ذلك مما سنذكره الآن وليس فيه شيء مما ادعي الطبري رحمه الله، وقال قوم من أهل العلم: سماه الله "كلمة" من حيث كان تقدم ذكره في توراة موسى وغيرها من كتب الله وأنه سيكون، فهذه كلمة سبقت فيه من الله، فمعنى الآية، أنت يا مريم مبشرة بأنك المخصوصة بولادة الإنسان الذي قد تكلم الله بأمره وأخبر به في ماضي كتبه المنزلة على أنبيائه، و {اسمه} في هذا الموضع، معناه تسميته، وجاء الضمير مذكراً من أجل المعنى، إذ "الكلمة" عبارة عن ولد. واختلف الناس في اشتقاق لفظة {المسيح} فقال قوم، هو من ساح يسيح في الأرض، إذا ذهب ومشى أقطارها فوزنه مفعل، وقال جمهور الناس: هو من - مسح- فوزنه - فعيل، واختلفوا - بعد - في صورة اشتقاقه من - مسح - فقال قوم من العلماء، سمي بذلك من مساحة الأرض لأنه مشاها فكأنه مسحها، وقال آخرون: سمي بذلك لأنه ما مسح بيده على ذي علة إلا برىء، فهو على هذين القولين - فعيل- بمعنى - فاعل - وقال ابن جبير: سمي بذلك لأنه مسح بالبركة، وقال آخرون: سمي بذلك لأنه مسح بدهن القدس فهو على هذين القولين - فعيل- بمعنى مفعول، وكذلك هو في قول من قال: مسحه الله، فطهره من الذنوب، قال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق، وقال ابن جبير عن ابن عباس: {المسيح} الملك، وسمي بذلك لأنه ملك إحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات، وهذا قول ضعيف لا يصح عن ابن عباس. وقوله: {عيسى} يحتمل من الإعراب ثلاثة أوجه، البدل من {المسيح}، وعطف البيان، وأن يكون خبراً بعد خبر، ومنع بعض النحاة أن يكون خبراً بعد خبر وقال: كان يلزم أن تكون أسماؤه على المعنى أو أسماؤها على اللفظ للكلمة، ويتجه أن يكون {عيسى} خبر ابتداء مضمر، تقديره، هو عيسى ابن مريم، ويدعو إلى هذا كون قوله، {ابن مريم} صفة لــ {عيسى} إذ قد أجمع الناس على كتبه دون ألف، وأما على البدل أو عطف البيان فلا يجوز أن يكون {ابن مريم} صفة لـــ {عيسى} لأن الاسم هنا لم يرد به الشخص، هذه النزعة لأبي علي، وفي صدر الكلام نظر، و {جيهاً}، نصب على الحال وهو من الوجه، أي له وجه ومنزلة عند الله والمعنى في الوجيه أنه حيثما أقبل بوجهه، عظم وروعي أمره، وتقول العرب: فلان له وجه في الناس وله وجاه، وهذا على قلب في اللفظة، يقولون جاهني يجوهني بكذا أي واجهني به، وجاه عيسى عليه السلام في الدنيا نبوته وذكره، ورفعه في الآخرة مكانته ونعيمه وشفاعته، {ومن المقربين}، معناه من الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنبَآءِ الْغَيْبِ} البشارة بالمسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ أصل الوحي: إلقاء المعنى إلى صاحبه، فيلقى إلى الرسل بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} تفسير : [مريم:11]. شعر : ........................ أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : {يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ} قالوا نحن أحق بكفالتها، لأنها ابنة إمامنا وعالمنا وقال زكريا: "أنا أحق لأن خالتها عندي"، فاقترعوا على ذلك بأقلامهم وهي القداح ـ فأُصعد قلم زكريا في جرية الماء، وانحدرت أقلامهم مع الجرية، فقرعهم فكفلها، أو كفلها زكريا بغير قرعة، ثم أصابتهم أزمة ضعف بها عن مؤنتها فقال: ليأخذها أحدكم فتدافعوها فاقترعوا فقرعهم زكريا عليه الصلاة والسلام.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ...} الآية: هذه المخاطبةُ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنَىٰ في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ. وفي هذه الآية بيانٌ لنبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إِذ جاءهم بغُيُوب لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلى الله عليه وسلم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ: من أعلمه اللَّه بها، وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، و{لَدَيْهِمْ}: معناه: عندهم ومَعَهُمْ. وقوله: {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ...} الآية: جمهورُ العلماء علَىٰ أنه ٱستهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام» قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا»تفسير : اهـ، وإِذا ثبت الحديثُ، فلا نظر لأحدٍ معه. و {يَخْتَصِمُونَ}: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها. وفي هذه الآية ٱستعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «حديث : وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَافَرَ، أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ»تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ».تفسير : واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟ و {وَجِيهاً}: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ. {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}: معناه: مِنَ اللَّه تعالَىٰ، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة علَىٰ براءة أُمِّه، وأَخبر تعالَىٰ عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ: الحليمُ؛ قال * ع *: وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، وٱختلَفَ النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ٱبْنُ أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن ٱثْنَيْنِ وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فٱثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة. وقولُ مَرْيَمَ: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ}: ٱستفهامٌ عن جهة حَمْلها، وٱستغرابٌ للحَمْلِ علَىٰ بَكَارتها، و «يَمْسَسْ»: معناه: يَطَأ ويُجَامِع. * ص *: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع. اهـ. والكلامُ في قولِهِ: {كَذَٰلِكَ} كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا: «يَفْعَلُ»، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ»؛ من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه. وقوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْراً}: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول؛ على جهة المخاطبة. وقوله: {كُنْ}: خطابٌ للمَقْضِيِّ. وقوله: {فَيَكُونُ}؛ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر. وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ؛ قاله جمهور المفسِّرين.

البقاعي

تفسير : ولما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالماً قط - صادقاً لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال: {ذلك} أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام {من أنباء الغيب نوحيه} أي نجدد إيحاءه في أمثاله {إليك} في كل حين, فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوماً على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة, ويجوز أن تكون الجملة حالاً تقديرها: {و} الحال أنك {ما كنت} ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله: {هو من عند الله} وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيهاً على أنه مما يستغرب جداً حتى عند أهل الاصطفاء فقال: {لديهم} قال الحرالي: لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى. {إذ يلقون} لأجل القرعة - {أقلامهم} قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى {أيهم} أي يستهمون أيهم {يكفل مريم} أي يحضنها ويربيها تنافساً في أمرها لما شرفها الله تعالى به {وما كنت لديهم إذ} أي حين {يختصمون *} أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت، لشهرتك بالنشأة أمياً مباعداً للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيهاً على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب، واستمر في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلاً من إذ الأولى إيذاناً بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض: {إذ قالت الملائكة يا مريم} ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، فلا راد لأمره {يبشرك} وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام، وقوله: {بكلمة} أي مبتدئة {منه} من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها، بل ما يكون عنها ويكون فعالاًَ بها فقال مذكراً للضمير: {اسمه} أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء: {المسيح} أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم: من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهراً متأهلاً للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركاً، فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يُمسَح؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة والسلام وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال {عيسى} وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك: {ابن مريم} وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولاً ثم تفسيره، وقوله: {اسمه} تعظيم لقدره وبيان لفضله على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالاً دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقاً لظهور أثر الكلمة عليه فقال: {وجيهاً} قال الحرالي: صيغة مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى. {في الدنيا} ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال: {والآخرة} ولما كانت الوجاهة ثمَّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفاً بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال: {ومن المقربين *} أي عند الله. ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال: {ويكلم الناس} أي من كلمه من جميع هذا النوع، بأي لسان كان كلمه، حال كونه {في المهد} قال الحرالي: هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - انتهى. وبشرها بطول حياتها بقوله: {وكهلاً} أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت. قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صباً، وإحدى وعشرون شباباً، وإحدى وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى. وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة: ثم ما ادم بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين؛ ويقال: شاب الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر - انتهى. والكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ من: اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج، وكلام الفقهاء لا يخالفه، فإن مبناه العرف، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة. ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيراً إلى علو مقدارها: {ومن الصالحين *} ومعلماً بأنها محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت مقارنة لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن {قالت رب} أيها المحسن إلى {أنّى} أي من أين وكيف {يكون لي} ولما كان استبعادها لمطلق الحبل، لا بقيد كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت {ولد} وقالت: {ولم يمسسني بشر} لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط. قال الحرالي: والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن {قال كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلاً عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال: {الله} أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه {يخلق} أي يقدر ويصنع ويخترع {ما يشاء} فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال: {اذا قضى أمراً} أي جل أو قل {فإنما يقول له كن فيكون *} بياناً للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفاً علي {ويكلم الناس} بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظراً إلى العظمة إظهاراً لعظمة العلم: {ويعلمه} أو يكون مستأنفاً فيعطف على ما تقديره: فنخلقه كذلك ونعلمه {الكتاب} أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره {والحكمة} أي العلوم الإلهية لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه. ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلاً لأسرار الكتب الإلهية قال: {والتوراة} أي التي تعرفينها {والإنجيل *} بإنزاله عليه تالياً لهما، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها. ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما مضى مقدمات لها: {ورسولاً} عطفاً على " تالياً " المقدر، أو ينصب بتقدير: يجعله {إلى بني إسراءيل} أي بالإنجيل. ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال: {أني} أي ذاكراً أني {قد جئتكم بآية من ربكم} أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من "آية" {إني أخلق لكم} أي لأجل تربيتكم بصنائع الله {من الطين} قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقع الصورة فيه {كهيئة} وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها {الطير} ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير: {فأنفخ} قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى. {فيه} أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة {فيكون طيراً} أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله: {بإذن الله} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك. ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال: {وأبرىء} قال الحرالي: من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى. {الأكمه والأبرص} بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى. ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال: {وأحي الموتى} أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، وقد أعطاني قوة ذلك، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال: "حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك! فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما، وجدت الله خيراً لي منهما" تفسير : وقد تقدم في البقرة عند {أية : أرني كيف تحيي الموتى} تفسير : [البقرة: 260] ما ينفع هنا، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه وسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده، فصارت أحسن من أختها شهيرة، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه لأمه كذلك. ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتيه ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال مكرراً لما قدمه في مثله معبراً بما يدل على عظمه: {بإذن الله} أي بعلمه وتمكينه، ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: {وأنبئكم} أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب {بما تأكلون} أي مما لم أشاهده، بل تقطعون بأني كنت غائباً عنه {وما تدخرون} ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: {في بيوتكم} قال الحرالي: من الادخار: افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار - انتهى. ولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآية لكم} أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء، وأفرد كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم، وكذا جمع ثانياً قطعاً لتعنت من قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم - لو جمع الأول، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال: {إن كنتم مؤمنين *} أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به. ولما كان ترجمة {إني قد جئتكم} آتياً إليكم بآية كذا، مصدقاً بها لما أتيت به، عطف على الحال المقدر منه تأكيداً لأنه عبد الله قوله: {ومصدقاً لما بين يدي} أي كان قبل إتياني إليكم {من التوراة} أي المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق؛ أو يعطف على {بآية} إذا جعلنا الباء للحال، لا للتعدية، أي وجئتكم مصحوباً بآية ومصدقاً. ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة والسلام, بل هو مع تصديقها ينسخ بعضها فقال: {ولأحل} أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل {لكم بعض الذي حرم عليكم} أي فيها تخفيفاً عليكم {وجئتكم} اية ليس مكرراً لتأكيد: {أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين} على ما توهم، بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى، وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال، وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية، كان من الجائز أن يكون ذلك سبباً لشبهة تعرض لبعض الناس، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال: وجئتكم {بآية} أي عظيمة خارقة للعادة {من} عند {ربكم} أي المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي. ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفاً لطباعهم الكثيفة، فينقطع منها ما كانت ألفته في الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته أيضاً فقال مبادراً للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه {فاتقوا الله} أي الذي له الأمر كله {وأطيعون *} أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول.

القشيري

تفسير : أي هذه القصص نحن عرفناكها و (خا)طبناك بمعانيها، وإنْ قَصَصْنَا نحن عليك هذا - فعزيزٌ خطابُنا، وأعزُّ وأتم مِنْ أَنْ لو كنتَ مشاهداً لها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى ما ذكرنا فى القصص من حديث حنة ومريم وعيسى وزكريا ويحيى {من أنباء الغيب} اى من اخبار الغيب التى لا يوقف عليها الا بمشاهدة او قراءة كتاب او تعلم من عالم او بوحى من عند الله تعالى وانعدمت الثلاثة الاول فتعينت الرابعة وهو الوحى {نوحيه اليك} اى ننزله عليك دلالة على صحة نبوتك والزاما على من يحاجونك من الكفار. والوحى فى القرآن لمعان للارسال الى الانبياء قال تعالى {أية : نوحى اليهم}تفسير : [النحل: 43]. وللالهام قال تعالى {أية : وأوحينا إلى أم موسى} تفسير : [القصص: 7]. ولالقاء المعنى المراد قال تعالى {أية : بان ربك اوحى لها}تفسير : [الزلزلة: 5]. وللاشارة قال تعالى {أية : فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشيا}تفسير : [مريم 11]. واصل ذلك كله الاعلام فى خفاء {وما كنت لديهم} اى عند الذين اختلفوا وتنازعوا فى تربية مريم وهو تقرير لكونه وحيا على طريقة التهكم بمنكريه اى انهم عالمون لا يشكون انك لم تقرأ كتابا ولم تصحب من علم تلك الانباء حتى تسمع منهم فلم يبق الا المشاهدة وهى منتفية بالضرورة فكأنهم ادعوا هذا المحال لكونه يلزم من إنكارهم الوحى اى ان لم يكن بالوحى كما زعموا فلا بد من دعوى المشاهدة ولم تمكن. قال ابن الشيخ فى حواشيه كأنه قيل ايها المنكرون لان اوحى اليه والمتهمون فى دعوى نبوته ليس لكم فى سبب الاتهام سوى احتمال المشاهدة والعيان وانه غاية السفاهة ونهاية الخذلان ومن اضل ممن عدل عن الاحتمال الثالث بالمعجزات الساطعة والبراهين القاطعة الى احتمال لا يذهب اليه وهم أحد وأي حالة ادعى الى الضحك والاستهزاء والسخرية من حال هؤلاء انتهى {اذ يلقون اقلامهم} التى كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركا بها {ايهم يكفل مريم} متعلق بمحذوف دل عليه يلقون اقلامهم اى يلقونها ينظرون او ليعلموا ايهم يكفلها {وما كنت لديهم اذ يختصمون} اى فى شأنها تنافسا فى كفالتها وقد ذكر فيما سبق. فى الآية دلالة على فضيلة مريم حيث اصطفاها الله على نساء العالمين فان جميع ما ذكر من التربية الجسمانية الائقة بحال صغرها والتربية الروحانية المتعلقة بحال كبرها لم يتفق لغيرها من الاناث. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ".تفسير : حديث حسن يوافق الآية في الدلالة على ان مريم افضل من جميع نساء العالمين وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون ".تفسير : وهو يدل على ان هؤلاء الاربع افضل من سائر النساء. واعلم ان اهل الكمال من الرجال كثير ولم يكمل نم النساء غير هذه الاربع ومعنى الكمال التناهى فى الفضائل والبر والتقوى وحسن الخصائل والكمال فى شىء ما يكون حصوله للكامل اولى من غيره والنبوة ليست اولى للنساء لان مبناها على الظهور والدعوة وحالهن الاستتار ولا تكون النبوة فى حقهن كمالا بل الكمال فى حقهن الصديقية وهى قريب من النبوة والصديق من صدق فى جميع اقواله وافعاله واحواله فمن النساء كاملات عارفات واصلات الى مقام الرجال فهن رجال فى المعنى. وسئل بعضهم عن الابدال فقال اربعون نفسا فقيل له لم لا تقول اربعون رجلا فقال لان فيهم نساء: قال بعضهم شعر : ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فلا التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال تفسير : ويناسب هذا ما حكى ان ام محمد والدة الشيخ ابى عبد الله بن الخفيف رحمهما الله تعالى كانت من العابدات القانتات وكان ابنها ابو عبد الله يحيى العشر الاخيرة من رمضان ليدرك ليلة القدر ومن دأبه الملازمة الى الصلاة فوق البيت وكانت والدته متوجهة الى الله فى البيت فليلة ان اخذت تظهر انوار ليلة القدر نادت ابنها ان يا محمد ان الذى تطلبه هو عندنا فتعال نزل الشيخ فرأى الانوار فخر الى قدم امه وكان يقول علمت قدر والدتى منذ شاهدت فهذه هى حال والدته فانظر كيف ارشدت ابنها وكيف تفوقت عليه فى الفضل والشرف مع كثرة رياضته واجتهاده ايضا فظهر ان من النساء من هى افضل من الرجال وذلك بالوصول الى جناب القدس وليس ذلك الا بحسن الاستعداد والهداية الخاصة من الله تعالى اسعدنا الله واياكم ونعوذ بالله من نساء زماننا حيث لا يرى فيهن من هى من اهل التقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صنفان من اهل النار لم ارهما (يعنى فى عصره عليه السلام لطهارة ذلك العصر بل حدثا بعده) قوم معهم سياط ".تفسير : يعنى احدهم قوم فى ايديهم سياط جمع سوط "حديث : كأذناب البقر يضربون بها الناس ".تفسير : وهم الذين يضربون بها السارقين عراة او الطوافون على ابواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضروب والسباب "حديث : ونساء " .تفسير : يعنى ثانيهما نساء "حديث : كاسيات ".تفسير : فى الحقيقة "حديث : عاريات ".تفسير : فى المعنى من لباس التقوى "حديث : مميلات ".تفسير : اى قلوب الرجال الى الفساد "حديث : مائلات ".تفسير : اى الى الرجال "حديث : رؤسهن كأسنمة البخت ".تفسير : يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت "حديث : المائلة ".تفسير : من الميل لان اعلى السنام يميل لكثرة شحمه "حديث : لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ".تفسير : اى يوجد من مسيرة اربعين عاما.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {ذلك} القصص الذي أطلعتك عليه، هو {من} أخبار {الغيب} الذي لم يكن لك به شعور، وما عرفته إلا بوحينا وإعلامنا، فلا يشك في نبوتك إلا مطموس أعمى، {و} أيضاً: {ما كنت لديهم} أي: عندهم، حين كانوا {يلقون أقلامهم} لما اقترعوا، {أيهم يكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون} في كفالتها، فتخبرهم عما شهدت، بل لم يكن شيء من ذلك، فتعين أن يكون وحياً حقيقيّاً، لأنه عليه الصلاة والسلام - كان أمياً لم يطالع شيئاً من كتب الأخبار، ولا جلس إلى من طالعهم من الأحبار، بإجماع الخاص والعام. والله تعالى أعلم. الإشارة: اعلم أن الوحي على أربعة أقسام: وحي منام، ووحي إلهام، ووحي أحكام، ووحي إعلام، وشاركت الأولياءُ الأنبياءَ في ثلاثة: الإلهام والمنام والإعلام، إن كان بغير الملَك، ومعنى وحي إعلام: هو إطلاع الله النبيّ على أمور مغيبة، فإن كان بواسطة الملك، فهو مختص بالأنبياء، كما اختصت بوحي الأحكام، وأما إن كان بالإلهام أو بالمنام أو بالفهم عن الله، فيكون أيضاً للأولياء، إذ الروح إذا اتصفت وتطهرت من دنس الحس أطلعها الله على غيبه في الجملة، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا علاّم الغيوب، والله أعلم.

الطوسي

المعنى، واللغة: تفسير : ذلك إشارة إلى الاخبار عما تقدم من القصص. وفيه احتجاج على المشركين، من حيث أنه جاء بما لا يعلم إلا من أربعة أوجه: إما مشاهدة الحال، او قراءة الكتب، أو تعليم بعض العباد، أو بوحي من الله. وقد بطلت الأوجه الثلاثة للعلم بأنها لم تكن حاصلة للنبي (صلى الله عليه وسلم), فصح أنه على الوجه الرابع: بوحي من الله (تعالى). والايحاء: هو القاء المعنى إلى صاحبه فقوله: {نوحيه إليك} أي نلقي معناه اليك. والايحاء: الارسال إلى الانبياء تقول: أوحى الله إليه أي أرسل إليه ملكا. والايحاء الالهام ومنه قوله تعالى {أية : وأوحى ربك إلى النحل}تفسير : أي ألهمها وقوله: {أية : بأن ربك أوحى لها}تفسير : معناه ألقى إليها معنى ما أراد فيها. قال العجاج: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : والايحاء الايماء قال الشاعر: شعر : فأوحت إلينا والانامل رسلها تفسير : ومنه قوله: {أية : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً}تفسير : أي أشار إليهم، والوحي: الكتاب. يقال: وحى يحي وحياً أي كتب، لأن به يلقي المعنى إلى صاحبه قال رؤبة: شعر : لقدر كان وحاه الواحي تفسير : وقال: شعر : في سور من ربنا موحية تفسير : وقال آخر: شعر : من رسم آثار كوحي الواحي تفسير : وأصل الباب القاء المعنى إلى صاحبه. وقوله: {أية : أوحيت إلى الحواريين} تفسير : أي ألقى إليهم وألهمهم إلهاماً. ومنه قوله:{أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم}تفسير : أي يلقون إليهم وقوله: {أية : وأوحي إلي هذا القرآن}تفسير : أي ألقي إلي. والغيب: خفاء الشيء عن الادراك. تقول غاب عني كذا يغيب غيباً وغياباً. والغائب: نقيض الحاضر. وقوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} قيل فيه قولان: أحدهما - التعجب من حرصهم على كفالتها، لفضلها. ذكره قتادة، لأنه قال: فشاح القوم عليها، فقال زكريا: أنا أولى، لأن خالتها عندي. وقال القوم: نحن أولى لأنها بنت إمامنا، لأن عمران كان إمام الجماعة. الثاني - التعجب من تدافعهم لكفالتها، لشدة الأزمة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء بها زكريا (ع). وفي الآية حذف وتقديرها {إذ يلقون أقلامهم} لينظروا {أيهم يكفل مريم} أي أيهم أحق بكفالتها. والأقلام معناها ها هنا القداح وذلك أنهم ألقوها تلقاء الجرية، فاستقبلت عصا زكريا جرية الماء مصعدة. وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا في قول الربيع، وكان ذلك معجزة له (ع). والقلم: الذي يكتب به. والقلم: الذي يجال بين القوم، كل إنسان وقلمه، وهو القدح. والقلم: قص الظفر قلمته تقليماً. ومقالم الرمح كعوبه. والقلامة هي المقلومة عن طرف الظفر وأصل الباب قطع طرف الشيء. وقوله: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة، وفي وقت التشاح قولان: أحدهما - حين ولادتها وحمل أمها إياها إلى الكنيسة تشاحوا في الذي يخصها ويحضنها ويكفل بتربيتها، وهو الأكثر. وقال بعضهم إنه كان ذلك بعد كبرها وعجز زكريا عن تربيتها. و {إذ} الأولى متعلقة بقوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} والثانية بقوله: {يختصمون} على قول الزجاج.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} الاخبار باخبار امّ مريم (ع) وزكريّا (ع) ومريم (ع) {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} اى من الانباء الّتى كانت فى غيب منك او من انباء الغائبين والغائبات منك {نُوحِيهِ إِلَيكَ} خبر بعد خبر او حال او خبر ابتداء او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} قد مضى حكاية القرعة فى كفالة مريم {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فى كفالة مريم حين لفّتها امّها فى خرقةٍ واتت بها الى الاحبار او حين كبرها وعجز زكريّا عن تربيتها كما قيل، ويجوز ان يراد اذ يختصمون عند ولادة عيسى (ع).

الأعقم

تفسير : {وجيهاً في الدنيا والآخرة} في الدنيا بالنبّوة، وفي الآخرة بالشفاعة وعلوّ الدرجات في الجنة، قوله تعالى: {ومن المقربين} رفعه الله إلى السماء وصحبته الملائكة {ويكلم الناس في المهد} ما يُمهَّد للصبي في مضجعه {وكهلا} المعنى ويكلم الناس في هاتين الحالين كلام الأنبياء من غير تفاوت في حال الطفولية وحال الكهولية {ويعلمه الكتاب} قيل: الخط {والحكمة} سنن الأنبياء (عليهم السلام)، وقيل: قسم الله الخط عشرة أجزاء جعل للمخلوقين جزءاً ولعيسى (عليه السلام) تسعة أجزاء ولما رفع عيسى (عليه السلام) بكت عليه مريم بكاءاً عظيماً فهبط بعد سبعة أيام وأخبرها بحاله وعاشت أمه بعد رفعه ثلاث سنين، وقيل: ستاً وحملت به ولها ثلاث عشرة سنة ورفع (عليه السلام) وله ثلاث وثلاثون سنة {ورسولاً} أي جعله رسولاً إلى بني إسرائيل وكان أول أنبياء بني إسرائيل موسى (عليه السلام) وآخرهم عيسى (عليه السلام) {إني قد جئتكم} أي قال لهم لما بعث: إني قد جئتكم {بآية} أي بحجةٍ وعلامةٍ ودلالةٍ على نبُّوَّتي {كهيئة الطير} أي كصورة الطير {فانفخ فيه} قيل: في المهيَّا، وقيل: في الطين، قيل: أخذ طيناً فجعل منه خفاشاً ثم نفخ فيه فطار {فيكون} طائراً حيَّاً يطير، وروي أنه (عليه السلام) نفخ فيه فطار والناس ينظرون حتى غاب عن أعينهم ثم سقط ميتاً بإذن الله تعالى وإنما أحياه عند نفخ عيسى معجزة له {وأبرئ الأكمه} هو الذي يولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين، وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى (عليه السلام) وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده {وأحيى الموتى} روي أنه أحيى سام بن نوح وهم ينظرون فقالوا: هذا سحرٌ فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا {وما تدخرون} يعني ما معكم في بيوتكم {إن في ذلك لآية} لحجة عظيمة {إن كنتم مؤمنين} مصدقين بما جئت به {ولأُحِلَّ لكم بعض الذي حرم عليكم} في شريعة موسى الشحوم ولحم الابل وكل ذي ظفر {وجئتكم بآية من ربكم} شاهدة على رسالتي، وهي قوله: {إن الله ربي وربكم} لأن جميع الرسل (عليهم السلام) كانوا على هذا القول وآية أخرى من خلق الطين وإبراء الأكمة وإحياء الموتى.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ}: المذكور من الأخبار بحديث حنة وزكريا ومريم وعيسى، والخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ}: خبر مبتدأ وهو {ذلك}، و{أنباء}: جمع نبأ. {نُوحِيهِ إِلَيْكَ}: وهذه الجملة خبر ثان، أو هى الخبر، و {من أنباء}: متعلق بمحذوف حال من {نوحيه}، والمعنى أن ذلك غيب لا تعرفه يا محمد إلا بالوحى، وهو إلقاء المعنى فى النفس بخفاء بالملك أو بالإلهام أو الإشارة أو الكتابة. فالآية تقرر لنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ علم الغيب. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ}: عندهم أى عند زكريا ومن معه من الأحبار المتأهلين لأن يكفلوا مريم؛ لورعهم وعلمهم، ولخدمة بيت المقدس، فزكريا مذكور وغيره معلوم من المقام. {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ}: القلم كل ما يلقى فى الاقتراع لقسمة أو غيرها، وقيل: المراد هنا أقلام الكتابة التى يكتبون به التوراة التى ألقوها تبركاً، كما تلقى الأشياء الأخر التى يقترع بها، وذلك أنهم ألقوها فى الماء - كما مر - على أن من صعد قلمهُ كفلها، فصعد قلم زكريا عليه السلام. {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}: هذه الجملة مفعول لمحذوف متعلق بيلقون أقلامهم، ليعلموا أيهم يكفل مريم، أو محكية بقول محذوف حال، أى: قائلين، أو يقولون: أيهم يكفل مريم ففى هذا الوجه التفات على طريق السكاكى، والتحقيق - كما مر - مذهب ابن الحاجب أن النظر والرؤية بالعين يعلقان بالاستفهام كقوله تعالى: {أية : فلينظر أيها أزكى طعاماً} تفسير : لأنهما إدراكيان، كأفعال القلوب، فيجوز تضمين {يلقون} معنى فعل يعلقه الاستفهام، فينظرون بقلوبهم أو بعيونهم، فإن العين ترى القلم علا فوق الماء والقلم رسب لا يشك شاك فى أنه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ كتاباً، ولا يجالس أهل الكتاب، وأصحاب الأخبار، ولا يصاحبهم، فلا يتوهم أحد أنه علم تلك الأخبار من كتاب، أو سمعها، فلم يبق إلا أن يعلمها بالوحى أو بالوجود فى زمان زكريا ومعلوم أنه ليس صلى الله عليه وسلم فى زمان زكريا عليه السلام، فلم يبق إلا أنه علمها بالوحى من الله، ونفى كونه صلى الله عليه وسلم عند زكريا وأهل زمان زكريا تهكماً بأهل الكتاب، كأنه قال: ما بقى لكم بأهل الكتاب إلا أن تقولوا إنه موجود فى زمان زكريا و حاضر القصة، وهذا غاية السفه، ومثل ذلك أيضاً فى قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}: متنافسين فى كفالتها. روى أنه تنافس فيها زكريا عليه السلام، والأحبار والملوك والأكابر.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} ما ذكر فى شأن آل عمران ويحيى ومريم وعيسى {مِنَ أَنَبآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ} الهاء لذلك، أو للغيب فيكون أعم {إلَيْكَ} وإنما تعرف بالوحى، لا من أنباء الغيب التى تعرف بالدلائل، كالصانع وصفاته، وأحوال الآخرة {وَمَا كُنتَ} يا محمد {لَدَيْهِمْ} الخ، وما كان محمد صلى الله عليه وسلم حاضرا عند عمران ويحيى ومريم وعيسى، لأنه ليس فى زمانهم، فلا يعرف قصصهم بالمشاهدة، كما لم يعرفها بالسماع من الناس، ولو من اليهود،وقد عرفها عَلَى طبق ما عرفوا، وما ذلك إلا بالوحى، وقد نفاه اليهود عنه، وهذا تهكم بهم، ووجه آخر فى التهكم، أن معرفتها بالمشاهدة، أو بالسماع من الله، أو بالقراءة، وقد نفيتم السماع والقراءة فلم يبق إلا المشاهدة، فمن أين عرفها من غير الوحى مع إقراركم بأنه لم يشاهد ولم يسمع من لسان أو من كتاب يقرؤه، والقائلون إنما يعلمه بشرهم قريش، ومثل ذلك، وما كنت بجانب الطور، وما كنت بجانب الغربى، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم {إذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ} فى عين الأردن، أقلاما يكتبون بها التوراة، وهى ستة، وهم ستة، اقترعوا بها تبركا، كتبوا أسماءهم عليها فبذلك تعرف، فلا ضعف فى هذا التفسير أو المراد سهام القتال، يكتبن عليها أسماءهم، وكل ما يبرى ويقطع فهو قلم بمعنى مقلوم، أى مقطعوع منه، وإن كان من محاس فصنعها شبيه بالقطع أو تقطع {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ} يربى {مَرْيَمَ} ليظهر الذى يكفل مريم، فأى موصول فاعل لمحذوف، أو يلقون أفلامهم ينظرون أيهم الخ، وينظرون حال، أو يقدر ناظرين، أو ليعلموا أيهم يكفل مريم، أو ينظرون أيهم يكفل مريم، فهى استفهامية علق بها انظر، أو العلم المقدر، واللقرعة تأثير فى تمييز المغبون. قال جعفر الصادق: ما تقارع قوم فوضوا أمرهم إلى الله سبحانه إلا خرج سهم الحق، ولا أعدل من قضية فوض الأمر فيها إلى الله، وقد قال الله عز وجل: {أية : فساهم فكان من المدحضين} تفسير : [الصافات: 141]، فهو أهل لأن يلقى فى البحر، قال الباقر: أول ما سواهم عليه مريم، وقرأ، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم، قلت: لا دليل فى الآية على أنها أول، بل تدل على أن القرعة معتادة قبل {وَمَا كُنتَ لَدَيْهمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ} أى فى كفالتها مرة ثانية بعد الاقتراع، ومر أنهم اقترعوا ثلاثا، وقيل، هذا الثانى عند كبرها وعجز زكرياء عن تربيتها، وقيل، ما كان إلا اقتراع واحد بعد ما كبرت وعجز، ومن اختصاصهم أن يحيى قال: أنا أحق بها لأن خالتها عندى، وقالوا، لو كان الأمر بذلك لكانت أمها أحق، بل ننساهم، فخرج سهمه، وكلما مضت لتملأ قلتها قالت الملائكة، إن الله اصطفاك، ويحيى يسمع ويقول، لابنه عمران شان.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم ذكره من تلك الأخبار البديعة الشأن المرتقية من الغرابة إلى أعلى مكان، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ } أي من أخبار ما غاب عنك وعن قومك مما لا يعرف إلا بالوحي على ما يشير إليه المقام، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وقوله تعالى: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } جملة مستقلة مبينة للأولى، و ـ الإيحاء ـ إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفي، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء، وبمعنى الإلهام، والضمير في {نُوحِيهِ } عائد إلى ذلك في المشهور، واستحسن عوده إلى الغيب لأنه حينئذ يشمل ما تقدم من القصص وما لم يتقدم منها بخلاف ما إذا عاد إلى ذلك فإنه حينئذ يوهم الاختصاص بما مضى، وجوز أن تكون هذه الجملة خبراً عن المبتدأ قبلها، و {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ } إما متعلق ـ بنوحيه ـ أو حال من مفعوله أي: نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب وجعله حالاً من المبتدأ رأي البعض، وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير: الأمر ذلك فيكون {ذٰلِكَ } خبراً لمبتدأ محذوف والجار والمجرور حال منه، وهو وجه مرذول لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الملك الجليل. وصيغة الاستقبال عند قوم للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي عند المتنازعين فالضمير عائد إلى غير مذكور دل عليه المعنى، والمقصود من هذه الجملة تحقيق كون الأخبار بما ذكر عن وحي على سبيل التهكم بمنكريه كأنه قيل: إن رسولنا أخبركم بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه ولم يقرأه في كتاب، وتنكرون أنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاءاً لاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء، ونبه على ثبوت قصة مريم مع أن ما علم بالوحي قصة زكريا عليه السلام أيضاً لما أن تلك هي المقصودة بالأخبار أولاً، وإنما جاءت القصة الأخرى على سبيل الاستطراد ولاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من تكفل فما خلت الجملة عن تنبيه على قصته في الجملة، وروي عن قتادة أن المقصود من هذه الجملة تعجيب الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام من شدة حرص القوم على كفالة مريم والقيام بأمرها، وسيق ذلك تأكيداً لاصطفائها عليها السلام ويبعد هذا الفصل بين المؤكد والمؤكد، ومع هذا هو أولى مما قيل: إن المقصود منها التعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الحال ومزيد الحاجة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء زكريا عليه السلام، بل يكاد يكون هذا غير صحيح دراية ورواية، وعلى كل تقدير لا يشكل نفي المشاهدة مع ظهور انتفائها عند كل أحد. {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } أي يرمونها ويطرحونها للاقتراع، و ـ الأقلام ـ جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون/ بها التوراة واختاروها تبركاً بها، وقيل: هي السهام من النشاب وهي القداح، وحكى الكازروني أنها كانت من نحاس وهي مأخوذة من القلم بمعنى القطع، ومنه قلامة الظفر وقد تقدم بيان كيفية الرمي ـ وفي عدة الأقلام خلاف ـ وعن الباقر أنها كانت ستة، والظرف معمول للاستقرار العامل في {لَدَيْهِمْ } وجعله ظرفاً لكان ـ كما قال أبو البقاء ـ ليس بشيء {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } من تتمة الكلام الأول، وجعله ابتداء استفهام مفسد للمعنى، ولما لم يصلح {يُلْقُون } للتعلق بالاستفهام لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام فذكر الجلّ له ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقدر: ينظرون أيهم يكفل وحيث كان النظر مما يؤدي إلى الإدراك جاز أن يتعلق باسم الاستفهام كالأفعال القلبية ـ كما صرح به ابن الحاجب، وابن مالك في «التسهيل» ـ وثانيها: أن يقدر: ليعلموا أيهم يكفل وعلى الأول الجملة حال مما قبلها وعلى الثاني في موضع المفعول له، ولا يخفى أن الإلقاء سبب لنفس العلم لكنه سبب بعيد، والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام، وثالثها: أن يقدر يقولون، أو ليقولوا أيهم واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في تقدير يقولون ولا ينساق المعنى إليه بل هو مجرد إصلاح لفظي لموقع {أَيُّهُم } وأجيب بأنه مفيد، وينساق المعنى إليه بناءاً على أن المراد بالقول القول للبيان والتعيين، واعترض أيضاً تقدير القول مقروناً بلام التعليل بأن هذا التعليل هنا مما لا معنى له، وأجيب بتأويله كما أول في سابقه، وقيل: يؤل بالحكم أي: ليقولوا وليحكموا أيهم الخ، والسكاكي يقدر هٰهنا ينظرون ليعلموا، ولعل ذلك لمراعاة المعنى واللفظ وإلا فتقدير النظر، أو العلم يغني عن الآخر، وبعض المحققين لم يقدر شيئاً أصلاً وجعل {أَيُّهُم } بدلاً عن ضمير الجمع ـ أي يلقي كل من يقصد الكفالة ـ وتتأتى منه، ولا يخفى أنه من التكلف بمكان. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً على كفالتها وكان هذا الاختصام بعد الاقتراع في رأي، وقبله في آخر، وتكرير {مَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } مع تحقق المقصود بعطف {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على {إِذْ يُلْقُون } للإيذان بأن كل واحد من عدم الحضور عند الإلقاء، وعدم الحضور عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته صلى الله عليه وسلم لا سيما على الرأي الثاني في وقت الاختصام لأن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد لذلك ـ قاله شيخ الإسلام ـ. واختلف في وقت هذا الإقتراع والتشاح على قولين: أحدهما: وهو المشهور المعول عليه أنه كان حين ولادتها وحمل أمها لها إلى الكنيسة على ما أشرنا إليه من قبل، وثانيهما: أنه كان وقت كبرها وعجز زكريا عليه السلام عن تربيتها، وهو قول مرجوح، وأوهن منه قول من زعم أن الاقتراع وقع مرتين مرة في الصغر وأخرى في الكبر. وفي هذه الآية دلالة على أن القرعة لها دخل في تمييز الحقوق، وروي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق، وقال أي قضية أعدل من القضية إذا فوض الأمر إلى الله سبحانه، أليس الله تعالى يقول: {أية : فَسَـٰهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ }تفسير : ؟ [الصافات: 141] وقال الباقر رضي الله تعالى عنه: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران ثم تلا {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ }.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 44- ذلك الذى قصه القرآن عليك يا محمد من الأخبار العظيمة عَمَّن اصطفاهم الله، هو من الغيب الذى أوحى الله به إليك. وما كنت حاضراً معهم وهم يقترعون بالسهام ليعلم بالقرعة من يقوم بشئون مريم، وما كنت معهم وهم يختصمون فى نيل هذا الشرف العظيم. 45- اذكر - أيها النبى - إذ بشرت الملائكة مريم بمولود خلقه الله بكلمة منه على غير السُّنَّة العادية فى التوالد، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وقد خلقه الله ذا مكانة فى الدنيا بالنبوة والبراءة من العيوب، وفى الآخرة بعلو درجته مع الصفوة المقربين إلى الله من النبيين أولى العزم. 46- وميَّزه الله بخصائص، فكان يكلم الناس وهو طفل فى مهده كلاماً مفهوماً حكيماً، كما يكلمهم وهو رجل سوى، من غير تفاوت بين حالتى الطفولة والكهولة. وكان ممن منحهم الله الصلاح. 47- قالت مريم - متعجبة من وجود الولد على غير نظام التوالد-: من أين يكون لى ولد ولم يمسسنى رجل؟ فذكر الله تعالى لها أنه يخلق ما يشاء بقدرته غير مقيد بالأسباب العادية، فإنه إذا أراد شيئاً أوجده بتأثير قدرته فى مراده من غير افتقار إلى موجب آخر. 48- والله يُعلِّم هذا الوليد الكتابة، والعلم الصحيح النافع، والتوراة (كتاب موسى) والإنجيل الذى أوحاه الله إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَقْلاَمَهُمْ} (44) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم: أنَّ مَا يُوحِيهِ إلَيهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ أطْلَعَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ بَيْنَ القَوْمِ حِينَمَا اقْتَرَعُوا فِي شَأنِ مَرْيمَ لِيَرَوْا مَنْ يَكْفُلُهَا، وَذَلِكَ حَسْماً لِلنِّزَاعِ وَالخِصَامِ عَلَى كَفَالَتِهَا وَالقَوَامَةِ عَلَيهَا، إِذْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرْغَبُ فِي كَفَالَتِهَا لِيَفُوزَ بِالأَجْرِ مِنَ اللهِ. الأَقْلاَمَ - القِدَاحَ المَبْرِيَّةِ، وَهِيَ السِّهَامُ وَالأزْلاَمُ التِي يَضْرِبُونَ بِهَا القُرْعَةَ.

الثعلبي

تفسير : {ذٰلِكَ}: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث يحيى ومريم وعيسى، {مِنْ أَنَبَآءِ}: أخبار، {ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ}: ردّ الكناية إلى ذلك فلذلك ذكر. {وَمَا كُنتَ}: يا محمد، {لَدَيْهِمْ}: عندهم، { إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} سهامهم وقداحهم للاقتراع في الماء واحدها: قلم، وقيل: [أقلامهم التي كانوا يكتبون بها] التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء. {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}: [....]. {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}: في كفالتها. {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} وقرأ أبو السماك وهب بن يزيد العدوي: (بكلمة) مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كتف وفخذ. {ٱسْمُهُ}: رد كناية إلى عيسى وكذلك ذكر. وقيل: رده إلى الكلام؛ لأن الكلمة والكلام واحد. {ٱلْمَسِيحُ}: قال بعضهم: هو فعيل بمعنى المفعول يعني: أنهُ مُسِح من الأقذار وطهر. وقيل: مُسح بالبركة. وقيل: لأنه خرج من بطن أُمه ممسوحاً بالدهن. وقيل: لأنه مسح القدمين لا أخمص له. وقيل: مسحه جبرئيل بجناحهِ من الشيطان حتى لم يكن للشيطان فيه سبيل في وقت ولادته. وقال بعضهم: هو بمعنى الفاعل مثل عليم وعالم، وسمي ذلك لأنهُ كان يمسح المرضى فيبرأون بإذن الله. قال الكلبي: سمي بذلك لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصره. وقيل: سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض يخوضها ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول الميم فيه زائدة. وقال أبو عمرو بن العلاء: المسيح الملك. وقال أبو تميم النخعي: المسيح الصديق، فإما هو المِسّيح بكسر الميم وتشديد السين، وقال غيره: هذا قول لا وجه له؛ بل الدجال مسيح أيضاً فعيل بمعنى مفعول لأنه ممسوح إحدى العينين كأنها عين طافية، ويكون بمعنى [السائح] لأنه يسيح في الأرض فيطوف الأرض كلها إلاَّ مكة والمدينة وبيت المقدس. قال الشاعر: شعر : إنّ المسيح يقتل المسيخا تفسير : {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً}: نصب على الحال، أي شريفاً [ذا جاه وقدر]. {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} إلى ثواب اللّه {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} صغيراً قبل [أوان] الكلام. روى ابن أبي [نجيح] عن مجاهد قال: قالت مريم (عليها السلام): كنتُ إذا خلوت أنا وعيسى حدّثني وحدثته. فإذا شغلني عنه إنسان سبّح في بطني وأنا أسمع. {وَكَهْلاً}: قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسن بن الفضل: (كهلاً) بعد نزوله من السماء. وقال ابن كيسان: أخبرهما أنّهُ يبقى حتّى يكتهل. وقيل: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ}: صبيّاً وكهلاً نبيّاً [ولم يتكلّم في المهد من الأنبياء] إلاّ عيسى (عليه السلام)، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة. وقال مجاهد: {وَكَهْلاً} أي عظيماً والعرب تمدح بالكهولة لأنّها أعظم؟ على في احتناك السنّ، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة. {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي فهو من العباد الصالحين. {قَالَتْ رَبِّ} يا سيّدي بقولها لجبرئيل {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يعني رجل. {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ}: كما تقولين يا مريم ولكن اللّه {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً}: [...]. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: كما يريد. قال بعض أهل المعاني: ذكر القول ههنا بيان وزيادة إلى ذكره ليتعارف النّاس به سرعة كون الشيء فيما بينهم. وقال آخرون: هذا وقع على الموجود في علمه وإرادته وتحت قدرته وإن كان معدوماً في ذاته. ونصب بعض القرّاء النون في قوله {فَيَكُونُ} على جواب الأمر بالفاء، ورفع الباقون على إضمار {هو} أي فهو يكون. وقيل: على تكرير الكلام تقديره: فإنمّا يقول له كن فيكون. {وَيُعَلِّمُهُ}: قرأ أهل المدينة ومجاهد وحميد والحسن وعاصم: بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله تعالى {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}: قد جرى ذكره عز وجّل. وقال المبرد: ردّوه على قوله {إنّ الله يبشرك ويعلّمهُ} وقرأالباقون بالنون على التعظيم، واحتجّ أبو عمرو في ذلك لقوله {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ}. {ٱلْكِتَابَ}: أي الكتابة والخط والعلم. {وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} {وَرَسُولاً}: أي ونجعله رسولاً. {إِلَى بنى إسرائيل}: فترك ذكره لأن الكلام عليه، كقول الشاعر: شعر : ورأيت بعلك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا تفسير : أي وحاملاً رمحاً. تفسير : وأنشد الفرّاء لرجل من عبد القيس: شعر : علفتها تبناً وماءً باردا حتى شتت همالة عيناها تفسير : يعني سقيتها ماءً بارداً. قال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله (ورسولا) مضخمة والرسول حالاً للهاء، تقديره: ويعلّمه الكتاب رسولاً، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى (عليه السلام). روى محمد بن إسكندر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعثت على أثر ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل"تفسير : . فلمّا بعث قال لهم: [...]. قال الكسائي: وإنمّا فتح لأنّه أوقع الرسالة عليه وقيل: بأنّي أو لأنّي. {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ}: والآية {مِّن رَّبِّكُمْ}: يصدّق قولي ويحقق رسالتي. قال الخليل والفرّاء: أصلها بآيّة بتشديد الياء فثقل عليهم التشديد فأبدلوا لانفتاح ما قبل التشديد وتقديرها فعله. وقال الكسائي: هي في الأصل أييه مثل فاطمة فحذفت أحدى اليائين فلمّا قال ذلك عيسى لبني اسرائيل. قالوا: وما هي؟ قال: إنّي، قول نافع بكسر الألف على الإستئناف وإضمار القول. وقرأ الباقون بالفتح على معنى بأنّي. {ۤ أَخْلُقُ}: أي أصور وأقدّر. {لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ}: قرأالزهري وأبو جعفر: كهيّة بتشديد الياء. و الآخرون بالهمزة. والهيئة الصورة المهيّأة، وهي من قولهم هيأت الشيء إذا قصرته وأصلحته. وقرأ أبو جعفر (الطاير) بالألف، والباقون بغير ألف. {فَأَنفُخُ فِيهِ}: أي في الطين. {فَيَكُونُ طَيْرَا بِإِذْنِ اللَّهِ}: قرأه العامة على الجمع لأنّه خلق طيراً كثيراً. وقرأ أهل المدينة: (طائراً) على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطير، لأنه لم يخلق غير الخفّاش، وإنمّا خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً، ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثدياً وأسناناً وهي تحيض وتطير. وقال وهب: كان يطير ما دام النّاس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتّاً ليتميّز فعل الخلق من خلق اللّه، وليعلموا أنّ الكمال للّه تعالى. {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ}: أي أشفيهما وأصححهما فقال: أبرأ اللّه المريض من أبرأ وبرئ هو يبرأ وبريء مبرأ برأوا فيهما جميعاً. واختلفوا في الأكمه: فقال عكرمة والأعمش، ومجاهد والضحّاك: (هو الذي) يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. ابن عباس وقتادة: هو الذي ولِدَ أعمى ولم يبصر ضوءً قط، الحسن والسّدي: هو [الأعمى، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه هو الذي يولد أعمى وهو الذي يعمى وان كان بصيراً] هو المعروف من كلام العرب يقال: كمُهت عينه تكمه كمهاً وكمهتها أنا إذا أعميتها. قال سويد بن أبي كاهل: شعر : كمهت عيناه حتى ابيضّتا فهو يلحى نفسه لمّا نزع تفسير : قال رؤبة: شعر : وكيد مطال وخصم [مَبْده] تفسير : هدجنَ فإن تكلم [...] الأكمه هرّجت بالسّبع وقد صحت به، والأبرص الذي به وضح. وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان [الغالب] على زمن عيسى الطبّ فأراهم اللّه المعجزة من جنس ذلك داعياً لا دواء له. وقال وهب: ثم اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه. إنمّا كان يداويهم بالدّعاء على شرط الإيمان. {وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}: قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صدّيقاً فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السماوات السّبع و الأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأُخبرهم أنّي أُحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له. وابن العجوز مُرّ به ميّتاً على عيسى (عليه السلام) على سرير يحمل فدعا اللّه عيسى (عليه السلام) فجلس على سريره ونُزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. والبنت العاقر قيل له: أتُحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا اللّه فعاشت فبقيت وولد لها. وسام بن نوح دعا عيسى (عليه السلام) بإسم اللّه الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك بإسم اللّه الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب، ثم قال: مُت. فقال: بشرط أن يعيذني اللّه من سكرات الموت. فدعا اللّه عز وجّل ففعل. قال الكلبي: كان عيسى (عليه السلام) يحيي الأموات بـ: يا حىّ يا قيّوم. {وَأُنَبِّئُكُمْ}: أُخبركم، {بِمَا تَأْكُلُونَ}: ممّا أعاينه، {وَمَا تَدَّخِرُونَ}: وما ترزمونه، {فِي بُيُوتِكُمْ}: حتى تأكلوه، وهو يفعلون من دخرت وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: تذخرون، بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخراً. قال الكلبي: فلما أبرأ عيسى الأكمه و الأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندّخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه. وقال السدي: كان عيسى (عليه السلام) إذا كان في الكتّاب يحدّث الغلمان بما يصنع أبوهم، ويقول للغلام إنطلق، فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا. فينطلق الصبي إلى أهله، ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون له من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فحبسوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم. قالوا: ليسوا عندنا. فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير. قال عيسى: كذلك يكونون. ففتحوا عليهم، فإذا هم خنازير، ففجئنا لذلك في بأس [...] بنو إسرائيل، فلمّا خافت عليه أُمه حملته على حميّر لها، وخرجت به هاربة إلى مصر. وقال قتادة: إنمّا هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم إنمّا كانوا كالمنِّ والسلوى، وأمر القوم أن لا يخونوا لا يخبئوا لغد، وحذّرهم البلاء إن فعلوا ذلك [...] وخونوا. فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما ادخروا منه. فمسخهم اللّه خنازير. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكرت لكم. {لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {وَمُصَدِّقاً} عطفها على قوله: {ورسولاً}. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ}: لما قبلي. {مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}: من اللحوم والشحوم. وقالوا أيضاً: يعني كل الذي حرّمَ عليهم من الأطبّاء، و(بعض) يكون بمعنى «كل» ويكون كقول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها تفسير : أي كل النفوس. وقال آخر: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : يريد بعض الشر أهون من كله. وقرأ إبراهيم النخعي: {حرّم} مثل كرّم أي (صار حراماً). {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}: يعني ما ذكرنا من الآفات، وأما تعدّها لأنّها جنس واحد في [الدلالة]. على رسالته. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ}: [...]. وقال أبو عبيد: عَرَفَ. مقاتل: رأى نظر. قرأه ضحّاك: هل تحس منهم من أحد. وقوله: {فلمّا أحسوا بأسنا}. {مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ}: وأرادوا قتله استنصر عليهم وقال: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}: قال السدي: كان بسبب ذكر أنّ عيسى (عليه السلام) لمّا [بعثه الله] إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو اسرائيل وأخرجوه،فخرج هو وأمّه يسيحون في الأرض، فنزل في قرية [على رجل فضافهم] وأحسن إليهم، وكان كبير المدينة جبّار معتد. فجاء ذلك الرجل يوماً مُهتماً حزيناً، فدخل منزله، ومريم عند امرأته فقالت: ما شأن زوجك أراه كئيباً؟ قالت: لا تسأليني. قالت: أخبريني لعلّ اللّه يفرّج كربته. قالت: إنّ لنا ملكاً [يجعل على كل رجل يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر]. فإن لم يفعل عاقبهُ، واليوم نوبتنا وليس لذلك [عندنا سعة]. قالت: فقولي له لا تهتم، فإنّي آمر إبني فيدعو له، فيكفى ذلك. فقالت مريم لعيسى في ذلك. فقال عيسى: إنْ فعلت ذلك كان في ذلك شر، قالت: لا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى: فقولي له إذا اقترب ذلك فأملأ قدورك وخوابيك، ففعل ذلك. فدعا اللّه عيسى فحوّل القدر لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم يرَ النّاس مثله قط. فلمّا جاء الملك أكل فلمّا شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا. قال الملك: فإنّ خمري أوتى بها من هذه الأرض وليست مثل هذه. قال: هي من أرض أُخرى، فاختلط على الملك فشدد عليه. قال: أنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل اللّه شيئاً إلا أعطاهُ إيّاه. وإنّه دعا اللّه تعالى [فجعل الماء خمراً] وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيّام. وكان أحبّ الخلق إليه. فقال: إنّ رجلاً دعا اللّه حتى جعل الماء خمراً لُيستجابنّ له حتى يُحيي ابني، فدعا عيسى فكلّمهُ في ذلك. فقال عيسى: لا تفعل، فإنه إن عاش كان شراً، فقال الملك: لا أُبالي، أليس أراه، فلا أُبالي ما كان. فقال عيسى: فإن أحييته تتركوني وأُمّي نذهب حيث نشاء. قال: نعم. فدعا اللّه فعاش الغلام. فلمّا رآه أهل مملكته قد عاش بادروا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا إبنه. فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا. وذهب عيسى وأمّه فمرّا بالحواريين وهم يصطادون السمك. فقال عيسى: ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك. قال: أفلا [تمشون] حتى نصطاد النّاس؟ قالوا: كيف ذلك. قال: من أنصاري إلى اللّه؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم عبد اللّه ورسوله. فآمنوا به وانطلقوا معه. فهم الحواريون وذلك قوله {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}. قال السدي وابن جريج والكسائي: مع اللّه، تقول العرب: الذّود إلي الذّود إبل. وقال النابغة: شعر : فلا تتركوني بالوعيد كأنني إلى النّاس مطليَّ به القار أجرب تفسير : أي مع الناس. وقال آخر: شعر : ولوح ذراعين في بدن إلى جؤجؤ رهل المنكب تفسير : أي مع جؤجؤ. نظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]: أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو عبيدة [من أنصاري في السبيل إلى الله]، تعني في: أي من أعواني في اللّه؟: أي في ذات اللّه وسبيله. وقال طرفة: شعر : وإن ملتقى الحيّ الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الكريم المضمّد تفسير : أي في ذروة. وقال أبو ذؤيب: شعر : بأري التي تأري اليعاسيب أصبحت إلى شاهق دون السماء ذؤابها درجها تفسير : {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ}: اختلفوا فيهم: فقال السدّي: كانوا ملاّحين يصطادون السمك. وكذلك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا صيّادين سُمّوا حواريين لبياض ثيابهم. وقال أبو أرطأة: كانوا قصّارين سمّوا بذلك لأنّهم كانوا يحورّون الثياب أي يُبيّضونها. وقال عطاء: سلّمت مريم عيسى إلى أعمال سري، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قوماً قصارين وصبّاغين، فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه. فاجتمع عنده ثياب، وعرض له سفر. فقال لعيسى: إنّك قد تعلّمت هذه الحرفة، وأنا خارج في سفر إلى عشرة أيّام، وهذه ثياب مختلفة الألوان، وقد اعلمت على كل صنف منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغاً منها وقت قدومي. فخرج وطبخ عيسى (عليه السلام) جُبّاً واحداً على لون واحد أدخله جميع الثياب. وقال لها: كوني بإذن اللّه على ما أُريد منك. فقدم الحواري والثياب كلها في جُبّ واحد فقال: ما فعلت؟ قال: قد فرغت منها. قال: أين هي؟ قال: في الجب. قال: كلّها؟ قال: نعم. قال: كيف تكون كلها أحمر في جُبّ واحد؟ فقد أفسدت تلك الثياب. قال: قم فانظر. فأخرج عيسى ثوباً أحمر وثوباً أصفر وثوباً أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها. فجعل الحواري يتعجب ويعلم أنّ ذلك من اللّه، وقال للنّاس: تعالوا وانظروا إلى ما صنع. فآمن به وأصحابه فهم الحواريون. وروى يوسف الفريابي عن مصعب قال: الحواريون إثنا عشر رجلاً اتّبعوا عيسى بن مريم، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح اللّه جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيُخرج لكل إنسان منهم رغيفين فيأكلوهما، وإذا عطشوا قالوا: ياروح اللّه قد عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض فيخرجون منه ماء فيشربون. قالوا: يا روح اللّه من أفضل منّا إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا سقينا وآمنّا بك فاتّبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء. وقال الضحّاك: سُمّوا حواريين لصفاء قلوبهم. وقال عبد اللّه بن المبارك: سُمّوا حواريين لأنّهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحُسنها. قال اللّه تعالى: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [الفتح: 29]. وأصل الحور عند العرب شدة البياض. يقال: رجلٌ أحور وامرأة حوراء، شديد بياض نفلة العينين. ويقال للدقيق الأبيض: الحواري، وكل شيء بيضّته فقد حوّرته. ويقال للبيضاء من النساء حواريّة. قال ابن [حلّزة]: شعر : فقل للحواريات يُبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح تفسير : وقال الفرزدق: شعر : فقلت أنّ الحواريات تغطية إذا زيّن من تحت الجلابيب تفسير : وقال ابن عون: صنع ملك من الملوك طعاماً. فدعا النّاس إليه، وكان عيسى على قصعة، فكانت القصعة لا تنقص. فقال له الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: إنّي آتك ملكي هذا واتبعك، فانطلق واتبعه ومن معه فهم الحواريون. وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى وكانوا إثنا عشر رجلاً. الحسن: الحواريون الأنصار والحواري الناصر. النضر بن شميل: الحواريون: خاصة الرجل.عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الحواري: الوزير. وعن روح بن القاسم قال: سألت قتادة عن الحواريين فقال: هم الذين تصلح لهم الخلافة. والحواري في كلام العرب الضامن خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه. يدل عليه ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكلّ نبيّ حواري وحواريي الزبير بن العوّام ". تفسير : وروى أبو سفيان بن معمر قال: قال قتادة: إنّ الحوارييّن كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عروة وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوام. قال: الحواريون وأسماؤهم في سورة المائدة. {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ}: أعوان دين اللّه ورسوله. {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ}: من كتابك. {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} عيسى. {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} الذين شهدوا لأنبيائك بالصّدق. قال عطاء: مع النبّي لأنّ كل نبّي شاهد أُمّته [....] مع محمّد وأُمّته. {وَمَكَرُواْ}: يعني كبار بني إسرائيل الذين أحسّ عيسى منهم الكفر ودبّروا في قتل عيسى. والمكر ألطف التدبير. وذلك أنّ عيسى بعد إخراج قومه إيّاه وأُمّه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهمّوا بقتله وتواطأوا على القتل. فذلك مكرهم به. وقال أهل المعاني: المكر السعي في الفساد في ستر ومداجاة، وأصله من قول العرب: مكر الليل. {وَمَكَرَ ٱللَّهُ}: قال الفرّاء: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، وهو من اللّه استدراجه العباد. قال اللّه تعالى {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 182] قال ابن عباس: معناه كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة. قال الزجاج: مكر اللّه مجازاتهم على مكرهم فسمّى باسم الابتداء كقوله: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} تفسير : [البقرة: 15]، وقوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. وقال عمرو بن كلثوم: شعر : ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد اللّه محمد بن عبدالله البغدادي يقول: سأل رجل جُنيداً كيف رضي المكر لنفسه، وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما يقول ولكن لسيد بني [......] الطبرانية: شعر : فديتك قد جعلت على هواكا فنفسي لا تنازعني سواكا أحبُك لا ببعضي بل بكلي وإن لم يُبق حبك لي حراكا ويقبح [من] سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا تفسير : فقال الرجل: أسألك عن آية من كتاب اللّه وتجيبني بشعر الطبرانية فقال: ويحك قد أجبتك إن كنت تعقل. إن تخليته إيّاهم مع المكر به. مكر منه بهم، ومكر اللّه تعالى خاص بهم في هذه الآية إلقاء الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل وصلب ورفع عيسى إلى السماء. قال ابن عباس: إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أُدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى اللّه عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى. وقال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل فأسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه ؛ فلمّا أرادوا صلبه أظلمت الأرض وأرسل اللّه الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه رجلاً يقال له يهودا وهو الذي دلّهم عليه. وذلك أنّ عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم، ثم قال: ليكفرنّ أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه. فأتى أحد الحواريين إلى الجنود فقال لهم: ماتجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له مائتين درهماً فأخذها ودلّهم عليه فألقى اللّه عليه شبه عيسى لمّا دخل البيت. فرُفع عيسى، وأُخذ الذي دلّهم عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنّون أنّه عيسى. فلمّا صُلب شبه عيسى جاءت أُم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأ لها إبنة من الجنون تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إنّ اللّه قد رفعني ولم يصبني إلاّ خير وأنّ هذا الصبّي شُبّه لهم. فلما كان بعد سبعة أيّام. قال اللّه عز وجّل لعيسى: اهبط على مريم في المحراب موضع لأمّه في خبائها فإنّها لم يبك عليك أحد بكاها، ولم يحزن عليك أحد حزنها. ثم لتجمع لك الحواريين حيث هم في الأرض. دعاه اللّه تعالى فأهبط اللّه عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً فجمعت له الحواريين حيث هم في الأرض دعاه اللّه تعالى ثم رفعه إليه. وتلك الليلة هي الليلة التي يدخن فيها النّصارى، فلمّا أصبح الحواريون حدّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} أي أفضل المعاقبين. قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل. ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى اللّه عز وجّل لأُمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أُمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد قلنا من قبل: إن كلمة "نبأ"، لا تأتي إلاّ في الخبر العظيم. والغيب هو ما غاب عن الحس. وهناك "غياب عن الحس" من الممكن أن يدركه مثلك. وهناك غياب عن الحس لا يدركه مثلك. وقلنا من قبل: إن حجب الغيب ثلاثة: مرة يكون الحجاب في الزمن ماضياً، ومرة مستقبلاً، ومرة ثالثة يكون الحجاب في المكان. لماذا؟ لأن ظروف الأحداث زمان ومكان. فإذا أنبأني منبئ بخبر مضى زمنه فهذا اختراق لحجاب الزمن الماضي، فالحدث يكون قد وقع من سنوات وصار ماضياً, وإذا أخبرني به الآن فهذا يعني أنه اخترق حجاب الزمن الماضي، وإذا قال لي عن أمر سيحدث بعد سنتين من الآن فهذا اختراق حجاب الزمن المستقبل، وهب أنه أخبرك بنبأ معاصر لزمنك الآن نقول: هنا يوجد حجاب المكان، فعندما أكون معكم الآن لا أعرف ما الحادث في مدينة أخرى غير التي نحن بها، ورغم أن الزمن واحد. لذلك فعلينا أن نعرف، أنه مرة يكون الحجاب حجاب زمان.. أي قد يكون الزمن ماضياً، أو يكون الزمن مستقبلاً، وقد يكون حجاب مكان. فإذا كان الله ينبئ رسوله بهذا النبأ, فوسائل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث؛ لأن وسيلة العلم بالنبأ أحد ثلاثة أمور: مشاهدة؛ أو سماع؛ أو قراءة. والوسيلة الأولى وهي مشاهدة النبأ يشترط أن يوجد في زمن هذا النبأ، والنبأ الذي أخبر الله به رسوله حدث من قبل بعث الرسول بما لا يقل عن ستة قرون. إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا النبأ لا تصلح، لأن النبأ قد حدث في الماضي. قد يقول قائل: لعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأها، أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس بقارئ، فامتنعت هذه الوسيلة أيضاً، وبإقرار خصومة صلى الله عليه وسلم أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم. إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النبأ إلا بالوحي، لذلك قال الحق سبحانه: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]. وقلنا قديماً إن الوحي، هو إعلام بخفاء؛ لأن الإعلام العادي هو أن يقول إنسان لإنسان خبراً ما، أو يقرأ الإنسان الخبر، أما الإعلام بخفاء فاسمه "وحي". والوحي يقتضي "موحِي" وهو الله، "ومُوحَى إليه" وهو الرسول الله صلى الله عليه وسلم، و"موحى به" وهو القرآن الكريم. وإذا نظرنا إلى الإعلام بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة. إن الله يوحي. لكن الموحي إليه يختلف. الله سبحانه وتعالى يوحي للأرض: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1-5]. إنه إعلام بخفاء، لأن أحداً منا لم يسمع الله وهو يوحي للأرض، والحق سبحانه يوحي للنحل، ويوحي للملائكة، ويوحي للأنبياء، وهناك وحي من غير الله، كوحي الشياطين. {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الانعام: 121]. وهناك وحي من البشر للبشر: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}تفسير : [الأنعام: 112]. لكن الوحي إذا أُطلق، ينصرف إلى الوحي من الله إلى من اختاره لرسالة، وما عدا ذلك من أنواع الوحي يسمونه "وحياً لغوياً" إنما الوحي الاصطلاحي وحي من الله لرسول، إذن فوحي الله للأرض ليس وحياً اصطلاحياً، ووحي الله للنحل ليس وحياً اصطلاحياً، ووحي الله لأم موسى ليس وحياً اصطلاحياً، ووحي الله للحواريين ليس وحياً اصطلاحياً، إن الحق سبحانه يقول: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}تفسير : [المائدة: 111]. إن هذا لون من الوحي غير اصطلاحي، بل هو وحي لغوي، أي أعلمهم بخفاء. لكن الوحي الحقيقي أن يُعلم الله من اختاره لرسالة، وهذا هو الوحي الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم. يقول الحق: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]. هكذا يخبرنا الحق ان الرسول تلقى هذا النبأ بالوحي، فلم يقرأه، ولم يشاهده، ونحن نعرف أن خصوم رسول الله شهدوا انه لم يقرأ ولم يستمع من معلم. وهكذا يخبرنا الحق أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن موجوداً مع قوم مريم حين ألقوا أقلامهم. والقلم يُطلق على القلم الذي نكتب به، أو يطلق القلم على القداح التي كانوا يقترعون بها إذا اختلفوا على شيء. وكانوا عندما يختلفون يحضرون قداحاً، ليعرفوا من يظفر بالشيء المختلف عليه ونسميها نحن القرعة، والقرعة يقومون بإجرائها لإخراج الهوى من قسمة شائعة بين أفراد، وذلك حتى لا يميل الهوى إلى هذا أو إلى ذاك مفضلاً له على الآخرين، ولذلك فنحن أيضاً نجري القرعة فنضع لكل واحد ورقة. إذن فلا هوى لأحد في إجراء قسمة عن طريق القرعة، وبذلك نكون قد تركنا المسألة إلى قدر الله لأن الورقة لا هوى لها، ولما اختلف قوم مريم على كفالتها، واختصموا حول مَن الذي له الحق في أن يكفلها. هنا أرادوا أن يعزلوا الهوى عن هذه المسألة، وأرادوا أن تكون قدرية، ويكون القول فيها عن طريق قدح لا هوى له. وهذا القدح سيجري على وفق المقادير. أما "أقلامهم" فقد تكون هي القداح التي يقتسمون بها القرعة، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة تبركاً. وتساءل البعض، ما المقصود بقول الحق: "إذ يلقون أقلامهم" وأين تم إلقاء هذه الأقلام؟ قيل: إنها ألقيت في البحر وإذا ألقيت الأقلام في البحر فمن الذي يتميز في ذلك؟ قيل: إنه إذا ما أطل قلم بسنه إلى أعلى فصاحبه الفائز، أو إذا غرقت كل الأقلام وطفا قلم واحد يكون صاحبه هو الفائز. ولا بد أنهم اتفقوا على علامة أو سمة ما تميز القلم الذي كان لصاحبه فضل كفالة مريم. {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]. وكلمة "إذ يختصمون" تدل على حرارة المنافسة بين القوم شوقاً إلى كفالة مريم، لدرجة أن أمر كفالتها دخل في خصومة، وحتى تنتهي الخصومة لجأوا إلى الاقتراع بالأقلام. وننتقل الآن إلى مرحلة أخرى.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} معناهُ مِنْ أَخْبَارِهِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} معناهُ عِنْدَهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ} معناهُ قِدَاحُهُمْ.

همام الصنعاني

404تفسير : - عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ}: [الآية: 44]، قال: تساهموا على مريم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا.