٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام، في أول أمرها وفي آخر أمرها وشرح كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام، فقال: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في العامل في {إِذْ } قيل: العامل فيه. وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة، وقيل: يختصمون إذ قالت الملائكة، وقيل: إنه معطوف على {إِذْ } الأولى في قوله {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ } وقيل التقدير: إن ما وصفته من أمور زكريا، وهبة الله له يحيـى كان إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك، وأما أبو عبيدة: فإنه يجري في هذا الباب على مذهب له معروف، وهو أن {إِذْ } صلة في الكلام وزيادة، واعلم أن القولين الأولين فيهما بعض الضعف وذلك لأن مريم حال ما كانوا يلقون الأقلام وحال ما كانوا يختصمون ما بلغت الجد الذي تبشر فيه بعيسى عليه السلام، إلا قول الحسن: فإنه يقول إنها كانت عاقلة في حال الصغر، فإن ذلك كان من كراماتها، فإن صح ذلك جاز في تلك الحال أن يرد عليها البشرى من الملائكة، وإلا فلا بد من تأخر هذه البشرى إلى حين العقل، ومنهم من تكلف الجواب، فقال: يحتمل أن يقال الاختصام والبشرى وقعا في زمان واسع، كما تقول لقيته في سنة كذا، وهذا الجواب بعيد والأصوب هو الوجه الثالث، والرابع، أما قول أبي عبيدة: فقد عرفت ضعفه، والله أعلم. المسألة الثانية: ظاهر قوله {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } يفيد الجمع إلا أن المشهور أن ذلك المنادي كان جبريل عليه السلام، وقد قررناه فيما تقدم، وأما البشارة فقد ذكرنا تفسيرها في سورة البقرة في قوله {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [البقرة: 25]. وأما قوله تعالى: {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه وأليقها بهذا الموضع وجهان الأول: أن كل علوق وإن كان مخلوقاً بواسطة الكلمة وهي قوله {كُنَّ } إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام وهو الأب، فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكل وأتم فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود، ومحض الكرم، وصريح الإقبال، فكذا ههنا. والوجه الثاني: أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل الله في أرضه، وبأنه نور الله لما أنه سبب لظهور ظل العدل، ونور الإحسان، فكذلك كان عيسى عليه السلام سبباً لظهور كلام الله عزّ وجلّ بسبب كثرة بياناته وإزالة الشبهات والتحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى بكلمة الله تعالى على هذا التأويل. فإن قيل: ولم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا: أما على أصول المسلمين فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان الأول: أن تركيب الأجسام وتأليفها على وجه يحصل فيها الحياة والفهم، والنطق أمر ممكن، وثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها، وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيجاد الشخص، لا من نطفة الأب، وإذا ثبت الإمكان، ثم إن المعجز قام على صدق النبي، فوجب أن يكون صادقاً، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن، والصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك، فثبت صحة ما ذكرناه الثاني: ما ذكره الله تعالى في قوله {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 59] فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير آب كان أولى وهذه حجة ظاهرة، وأما على أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ظاهر ويدل عليه وجوه الأول: أن الفلاسفة اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التوالد من غير تولد قالوا: لأن بدن الإنسان إنما استعد لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ذلك البدن، وذلك المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في مدة معينة، فحصول أجزاء العناصر على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ممتنع وامتزاجها غير ممتنع، فامتزاجها يكون عند حدوث الكيفية المزاجية واجباً، وعند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن واجباً، فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن، وإذا كان الأمر كذلك فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز والإمكان. الوجه الثاني: وهو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد، كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر، والعقارب عن الباذروج، وإذا كان كذلك فتولد الولد لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعاً. الوجه الثالث: وهو أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة ليس أن تصور المنافي يوجب حصول كيفية الغضب، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما مشى عليه يسقط وما ذاك إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، وقد ذكروا في «كتب الفلسفة» أمثلة كثيرة لهذا الباب، وجعلوها كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات، فما المانع من أن يقال إنه لما تخيلت صورته عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها. وإذا كان كل هذه الوجوه ممكناً محتملاً كان القول بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولاً غير ممتنع، ولو أنك طالبت جميع الأولين والآخرين من أرباب الطبائع والطب والفلسفة على إقامة حجة إقناعية في امتناع حدوث الولد من غير الأب لم يجدوا إليه سبيلاً إلا الرجوع إلا استقراء العرف والعادة، وقد اتفق علماء الفلاسفة على أن مثل هذا الاستقراء لا يفيد الظن القوي فضلاً عن العلم، فعلمنا أن ذلك أمر ممكن فلما أخبر العباد عن وقوعه وجب الجزم به والقطع بصحته. أما قوله تعالى: {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } فلفظة {مِنْ } ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع والافتراق وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه، بل المراد من كلمة {مِنْ } ههنا ابتداء الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة {ٱللَّهِ } مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى والحلولية. وأما قوله تعالى: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: المسيح: هل هو اسم مشتق، أو موضوع؟. والجواب: فيه قولان الأول: قال أبو عبيدة والليث: أصله بالعبرانية مشيحا، فعربته العرب وغيروا لفظه، وعيسى: أصله يشوع كما قالوا في موسى: أصله موشى، أو ميشا بالعبرانية، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق. والقول الثاني: أنه مشتق وعليه الأكثرون، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس: إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة، إلا برىء من مرضه الثاني: قال أحمد بن يحيـى: سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها، ومنه مساحة أقسام الأرض، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال: لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب الثالث: أنه كان مسيحاً، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى، فعلى هذه الأقوال: هو فعيل بمعنى: فاعل، كرحيم بمعنى: راحم الرابع: أنه مسح من الأوزار والآثام والخامس: سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص، فكان ممسوح القدمين والسادس: سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء، ولا يمسح به غيرهم، ثم قالوا: وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياً السابع: سمي مسيحاً لأنه مسحه جبريل صلى الله عليه وسلم بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان الثامن: سمي مسيحاً لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح، بمعنى: الممسوح، فعيل بمعنى: مفعول. قال أبو عمرو بن العلاء المسيح: الملك. وقال النخعي: المسيح الصديق والله أعلم. ولعلّهما قالا ذلك من جهة كونه مدحاً لا لدلالة اللغة عليه، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحاً لأحد وجهين أحدهما: لأنه ممسوح أحد العينين والثاني: أنه يمسح الأرض أي: يقطعها في المدة القليلة، قالوا: ولهذا قيل له: دجال لضربه في الأرض، وقطعه أكثر نواحيها، يقال: قد دجل الدجال إذا فعل ذلك، وقيل: سمي دجالاً من قوله: دجل الرجل إذا موه ولبس. السؤال الثاني: المسيح كان كاللقب له، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على الاسم؟. الجواب: أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة، مثل الصديق والفاروق فذكره الله تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته، ثم ذكره باسمه الخاص. السؤال الثالث: لم قال عيسى بن مريم والخطاب مع مريم؟. الجواب: لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلما نسبه الله تعالى إلى الأم دون الأب، كان ذلك إعلاماً لها بأنه محدث بغير الأب، فكان ذلك سبباً لزيادة فضله وعلو درجته. السؤال الرابع: الضمير في قوله: اسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟. الجواب: لأن المسمى بها مذكر. السؤال الخامس: لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم؟ والاسم ليس إلا عيسى، وأما المسيح فهو لقب، وأما ابن مريم فهو صفة. الجواب: الاسم علامة المسمى ومعرف له، فكأنه قيل: الذي يعرف به هو مجموع هذه الثلاثة. أما قوله تعالى: {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل، يوجه وجاهة هو وجيه، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان، وقال بعض أهل اللغة: الوجيه: هو الكريم، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال. واعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيهاً قال الله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } تفسير : [الأحزاب: 69] ثم للمفسرين أقوال: الأول: قال الحسن: كان وجيهاً في الدنيا بسبب النبوة، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى والثاني: أنه وجيه عند الله تعالى، وأما عيسى عليه السلام، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص بسبب دعائه، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام والثالث: أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله تعالى. فإن قيل: كيف كان وجيهاً في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه، قلنا: قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام، فكذا ههنا. المسألة الثانية: قال الزجاج {وَجِيهاً } منصوب على الحال، المعنى: أن الله يبشرك بهذا الولد وجيهاً في الدنيا والآخرة، والفراء يسمي هذا قطعاً كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيه فقطع منه التعريف. أما قوله {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها: أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وثالثها: أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل ودرجات، ولذلك قال تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } تفسير : [الواقعة: 7] إلى قوله {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ * أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ }تفسير : [الواقعة:10-11]. أما قوله تعالى: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الواو للعطف على قوله {وَجِيهاً } والتقدير كأنه قال: وجيهاً ومكلماً للناس وهذا عندي ضعيف، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين، وهذا المجموع جملة واحدة، ثم قال: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ } فقوله {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ } عطف على قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ }. المسألة الثانية: في المهد قولان أحدهما: أنه حجر أمه والثاني: هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع، وكيف كان المراد منه: فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد. المسألة الثالثة: قوله {وَكَهْلاً } عطف على الظرف من قوله {فِى ٱلْمَهْدِ } كأنه قيل: يكلم الناس صغيراً وكهلاً وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الكهل؟. الجواب: الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى:شعر : يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بحميم النبت مكتهل تفسير : أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال. السؤال الثاني: أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟. والجواب: من وجوه الأول: أن المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإلٰه تعالى محال، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم: إن عيسى كان إلٰهاً والثاني: المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث: قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد، وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع: قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة. السؤال الثالث: نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً وثلاثين سنة وستة أشهر، وعلى هذا التقدير: فهو ما بلغ الكهولة. والجواب: من وجهين الأول: بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين، فصح وصفه بكونه كهلاً في هذا الوقت والثاني: هو قول الحسين بن الفضل البجلي: أن المراد بقوله {وَكَهْلاً } أن يكون كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان، ويكلم الناس، ويقتل الدجال، قال الحسين بن الفضل: وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض. المسألة الرابعة: أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جداً عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر، وإخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع، وأيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعاً لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلٰهاً، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً ألبتة. أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة، وقالوا: إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة، وكان الحاضرون جمعاً قليلين، فالسامعون لذلك الكلام، كان جمعاً قليلاً، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء، وبتقدير: أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت، فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب: لما قرأ على النجاشي سورة مريم، قال النجاشي: لا تفاوت بين واقعة عيسى، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة. ثم قال تعالى: {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }. فإن قيل: كون عيسى كلمة من الله تعالى، وكونه {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } وكونه من المقربين عند الله تعالى، وكونه مكلماً للناس في المهد، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }؟. قلنا: إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح، والطريق الأكمل، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات.
القرطبي
تفسير : دليل على نبوّتها كما تقدّم. و «إذ» متعلقة بـ «يختصِمون» ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: «وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ». {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} وقرأ أبو السّمان «بِكلْمَة منه»، وقد تقدّم. {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ} ولم يقل ٱسمها لأن معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصدّيق؛ قاله إبراهيم النخعيّ. وهو فيما يقال معرّب وأصله الشين وهو مشترك. وقال ٱبن فارس: والمسِيح العرق، والمَسِيح الصّدّيق، والمَسِيح الدرهم الأطلس لا نقش فيه. والْمَسْح الجماع؛ يقال مسحها. والأَمْسح: المكان الأملس. والمسحاء المرأة الرّسْحاء التي لا ٱسْتَ لها. وبفلان مَسْحة من جمال. والمسائح قِسِيٌّ جِياد، واحدتها مَسِيحة. قال: شعر : لها مَسائحُ زُورٌ في مراكِضها لِينٌ وليس بها وَهْن ولا رَقَق تفسير : وٱختلِف في المسيح ٱبن مريم مما ذا أخذ؛ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها فلم يستكِنّ بِكِنّ. وروِي عن ٱبن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برِيء؛ فكأنه سمي مسيحاً لذلك، فهو على هذا فعيلٌ بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، كانت الأنبياء تُمسح به، طيّبِ الرائحة؛ فإذا مُسح به عُلم أنه نبيّ. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصيْن. وقيل: لأن الجمال مسحة، أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب. وقال أبو الهيثم: المسيح ضِد المسيخ؛ يقال: مسحه الله أي خلقه خلقاً حسناً مباركاً، ومسخه أي خلقه خلقاً ملعوناً قبيحاً. وقال ٱبن الأعرابي: المسيح الصِّدِّيق، والمسيخ الأعور، وبه سمي الدّجال. وقال أبو عبيد: المسيح أصله بالعبرانية مشِيحاً بالشين فعرّب كما عرب موشى بموسى. وأما الدّجال فسمي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مِسِّيح بكسر الميم وشد السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف؛ والأوّل أشهر وعليه الأكثر. سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس؛ فهو فعِيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض مِحْنَةً، وٱبن مريم يمسحها مِنْحَةً. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر:شعر : إنّ المسِيـح يقتـل المِسيخـا تفسير : وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس من بلد إلا سيطؤه الدّجال إلا مكّةَ والمدينةَ»تفسير : الحديث. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو. «حديث : إلا الكعبة وبيت المقدس»تفسير : ذكره أبو جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاويّ. «ومسجد الطور»؛ رواه من حديث جُنَادَة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جُنْدُّب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس»تفسير : . وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم: «حديث : فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ٱبن مريم فينزل عند المنارة البيضاءِ شَرْقَّي دِمَشق بين مَهْرُودتين واضِعاً كفّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قَطَر وإذا رفعه تحدّر منه جُمَان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه فيطلبه حتى يدركَه بباب لُدٍّ فيقتله»تفسير : الحديث بطوله. وقد قيل: إن المسيح ٱسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. فعلى هذا يكون عيسى بدلاً من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى ٱسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيّاً لم ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقّاً من عاسه يُعوسه إذا ساسه وقام عليه. {وَجِيهاً} أي شريفاً ذا جاهٍ وقَدر، وٱنتصب على الحال؛ قاله الأخفش. {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} عِند الله تعالى وهو معطوف على «وجيهاً» أي ومُقَرّباً؛ قاله الأخفش. وجمع وجيه وُجهاء ووِجهاء. {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ} عطف على «وجيهاً»؛ قاله الأخفش أيضاً. و {ٱلْمَهْدِ} مضجع الصبيّ في رضاعه. ومهدت الأمر هيأته ووطّأته. وفي التنزيل {أية : فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} تفسير : [الروم: 44]. وٱمتهد الشيء ٱرتفع كما يمتهد سنام البعير. {وَكَهْلاً} الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وٱمرأة كهلة. وٱكتهلت الروضة إذا عمها النَّوْر. يقول: يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلاً بالوحي والرسالة. وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برّأ أمَّه فقال: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 30] الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء أنزله على صورة ٱبن ثلاثٍ وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: {إني عبد الله} كما قال في المهد. فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوِي: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلاً، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. قال الزجاج: «وكهلاً» بمعنى ويكلم الناس كهلاً. وقال الفَرّاء والأخفش: هو معطوف على «وجِيهاً». وقيل: المعنى ويكلم الناس صغيراً وكهلاً. وروى ٱبن جُريج عن مجاهد قال: الكهل الحليم. قال النحاس: هذا لا يُعرف في اللغة، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حَدَث إلى ستّ عشرة سنة. ثم شابّ إلى ٱثنتين وثلاثين. ثم يَكْتهل في ثلاثٍ وثلاثين؛ قاله الأخفش. {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} عطف على «وجِيهاً» أي وهو من العِباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد الله بن إدريس عن حُصين عن هلال بن يسَاف. قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، كذا قال: «وصاحب يوسف». وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة عيسىٰ ٱبن مريم وصاحب جُريج وصاحب الجَبَّار وبيْنا صبيّ يرضع من أمّه»تفسير : وذكر الحديث بطوله. وقد جاء من حديث صُهيب في قصة الأخدود. «أن ٱمرأة جِيء لها لتُلقىٰ في النار على إيمانها ومعها صبيّ». في غير كتاب مسلم «يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمَّه ٱصبري فإنك على الحق». وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف وصبيّ ماشِطة ٱمرأة فرعون وعيسىٰ ويحيى وصاحب جُريج وصاحب الجَبّار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب الأُخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السَّلام. «حديث : لم يتكلم في المهد إلاَّ ثلاثة»تفسير : بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالىٰ بما شاء من ذلك فأخبر به. قلت: أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جُريج وصاحب الجَبّار وصاحب الأُخدودِ ففي «صحيح مسلم». وستأتي قصة الأخدود في سورة «البروج» إن شاء الله تعالى. وأما صبيّ ماشطةِ (ٱمرأةِ) فرعون، فذكر البيهقيّ عن ٱبن عباس قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما أسِري بي سِرْت في رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ٱبنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت: بسم الله فقالت ٱبنة فرعون: أبي؟ قالت: ربّي وربُّكِ وربُّ أبيك قالت أوَ لكِ ربّ غير أبي؟ قالت: نعم ربّي وربّكِ وربّ أبيك اللَّهُ ـ قال ـ فدعاها فرعون فقال: ألكِ ربّ غيري؟ قالت: نعم ربّي وربّكَ الله ـ قال ـ فأمر بنُقرة من نُحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك حاجةً قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظامَ ولدي في موضع واحد قال: ذاك لكِ لما لكِ علينا من الحق. فأمر بهم فألقوا واحداً بعد واحد حتى بلغ رضيعاً فيهم فقال قَعِي يا أمّه ولا تقاعسِي فإنا على الحق تفسير : ـ قال ـ وتكلم أربعة وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جُريج وعيسى ٱبن مريم.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ} بدل من {إِذْ قَالَتِ} الأولى وما بينهما اعتراض، أو من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك لقيته سنة كذا. {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه: المبارك، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنهما مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبريل، ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة، تكلف لا طائل تحته، وابن مريم لما كان صفة تميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها، ولا ينافي تعدد الخبر وإفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد به أن الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة، فإن الإِسم علامة المسمى والمميز له ممن سواه ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب. {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى، والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} من الله، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة. {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً، كلام الأنبياء من غير تفاوت. والمهد مصدر سمي به ما يمهد للصبي في مضجعه. وقيل إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله، وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} حال ثالث من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم. {قَالَتْ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} تعجب، أو استبعاد عادي، أو استفهام عن أنه يكون بتزوج أو غيره. {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} القائل جبريل، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى. {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجاً بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك. {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} كلام مبتدأ ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم لما علمت أنها تلد من غير زوج، أو عطف على يبشرك، أو وجيهاً و {ٱلْكِتَـٰبَ} الكتبة أو جنس الكتب المنزلة. وخص الكتابان لفضلهما. وقرأ نافع وعاصم {وَيُعَلّمُهُ} بالياء. {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} منصوب بمضمر على إرادة القول تقديره: ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى النطق فكأنه قال: وناطقاً بأني قد جئتكم، وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم. {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} نصب بدل من أني قد جئتكم، أو جر بدل من آية، أو رفع على هي أني أخلق لكم والمعنى: أقدر لكم وأصور شيئاً مثل صورة الطير، وقرأ نافع {إِنّى} بالكسر {فَأَنفُخُ فِيهِ} الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل. {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فيصير حياً طياراً بأمر الله، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه. وقرأ نافع هنا وفي المائدة «طائراً» بالألف والهمزة. {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ} الأكمه الذي ولد أعمى أو الممسوح العين. روي: أنه ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداوي إلا بالدعاء. {وَأُحيِي المَوْتَى بِإِذْنِ الله} كرر بإذن الله دفعاً لتوهم الألوهية، فإن الإِحياء ليس من جنس الأفعال البشرية. {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} موفقين للإِيمان فإن غيرهم لا ينتفع بالمعجزات، أو مصدقين للحق غير معاندين. {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} عطف على {رَسُولاً} على الوجهين، أو منصوب بإضمار فعل دل عليه {قَدْ جِئْتُكُم} أي وجئتكم مصدقاً. {وَلأُحِلَّ لَكُم} مقدر بإضماره، أو مردود على قوله: {أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ}، أو معطوف على معنى {مُصَدّقاً} كقولهم جئتك معتذراً ولأطيب قلبك. {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُم} أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام كالشحوم والثروب والسمك ولحوم الإِبل والعمل في السبت، وهو يدل على أن شرعه كان ناسخاً لشرع موسى عليه الصلاة والسلام ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة، كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتناقض وتكاذب، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربكم وهو قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ} فإنه دعوة الحق المجمع عليها فيما بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر، أو جئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} اعتراض والظاهر أنه تكرير لقوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي لما جئتكم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعون فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ} إشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقال: {فَٱعْبُدُوهُ} إشارة إلى استكمال القوة العلمية فإنه بملازمة الطاعة التي هي الإِتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن بين أن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : قل آمنت بالله ثم استقم».تفسير : {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس. {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ} ملتجئاً إلى الله تعالى أو ذاهباً أو ضاماً إليه، ويجوز أن يتعلق الجار بـ {أَنصَارِي} مضمناً معنى الإِضافة، أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله تعالى في نصري. وقيل إلـى هـا هنا بمعنى (مع) أو (في) أو (اللام). {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} حواري الرجل خاصته من الحور وهو البياض الخالص، ومه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن. سمي به أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. وقيل كانوا ملوكاً يلبسون البيض استنصر بهم عيسى عليه الصلاة والسلام من اليهود. وقيل قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها. {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار دين الله. {آمنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم. {رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي مع الشاهدين بوحدانيتك، أو مع الأنبياء الذين يشهودن لأتباعهم، أو مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم شهداء على الناس. {وَمَكَرُواْ} أي الذين أحس منهم الكفر من اليهود بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة. {وَمَكَرَ ٱللَّهُ} حين رفع عيسى عليه الصلاة والسلام وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل. والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والإِزدواج. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} أقواههم مكراً وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب.
ابن كثير
تفسير : هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: يقول له: كن، فيكون، وهذا تفسير قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي: يكون مشهوراً بهذا في الدينا، ويعرفه المؤمنون بذلك، وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برىء بإذن الله تعالى. وقوله: {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} نسبة إلى أمه حيث لا أب له. {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلاَْخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا؛ بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه الله به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي: في قوله وعمله، له علم صحيح، وعمل صالح. قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى، وصاحب جريج»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين، يعني: المروزي، حدثنا جرير، يعني: ابن حازم، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر»تفسير : فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عز وجل، قالت في مناجاتها: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} تقول: كيف يوجد هذا الولد مني، وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغياً حاشا لله؟ فقال لها الملك عن الله عز وجل في جواب ذلك السؤال: {كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي: هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} ولم يقل: يفعل، كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: {إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي: فلا يتأخر شيئاً بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : (القمر: 50) أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَئِكَةُ } أي جبريل {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } أي ولد {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } خاطبها بنسبته إليها تنبيهاً على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم {وَجِيهاً } ذا جاهٍ {فِى ٱلدُّنْيَا } بالنبوّة {وَٱلأَخِرَةِ } بالشفاعة والدرجات العلا {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } عند الله.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِذْ قَالَتِ } بدل من قوله: «وإذ قالت» المذكور قبله، وما بينهما اعتراض، وقيل: بدل من «إذ يختصمون» وقيل: منصوب بفعل مقدر. وقيل: بقوله: {يَخْتَصِمُونَ } وقيل: بقوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ }. والمسيح اختلف فيه مماذا أخذ؟ فقيل: من المسح؛ لأنه مسح الأرض، أي: ذهب فيها، فلم يستكن بكن، وقيل: إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، فسمي مسيحاً، فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل، وقيل: لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت الأنبياء تمسح به، وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل: لأن الجمال مسحه، وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، وهو على هذه الأربعة الأقوال: فعيل بمعنى مفعول. وقال أبو الهيتم: المسيح ضد المسيخ بالخاء المعجمة. وقال ابن الأعرابي: المسيح الصديق. وقال أبو عبيد: أصله بالعبرانية مشيخاً بالمعجمتين فعرّب، كما عرّب موشى بموسى. وأما الدجال، فسمي مسيحاً؛ لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل: لأنه يمسح الأرض أي: يطوف بلدانها إلا مكة، والمدينة وبيت المقدس. وقوله: {عِيسَى } عطف بيان، أو بدل، وهو اسم أعجمي، وقيل: هو عربي مشتق من عاسه يعوسه إذا ساسه. قال في الكشاف: هو معرّب من أيشوع. انتهى. والذي رأيناه في الإنجيل في مواضع أن اسمه يشوع بدون همزة، وإنما قيل: ابن مريم مع كون الخطاب معها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب، فنسب إلى أمه. والوجيه ذو الوجاهة: وهي: القوّة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوّة، وفي الآخرة الشفاعة، وعلوّ الدرجة، وهو: منتصب على الحال من كلمة، وإن كانت نكرة، فهي موصوفة، وكذلك قوله: {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } في محل نصب على الحال. قال الأخفش: هو: معطوف على {وجيها}. والمهد: مضجع الصبيّ في رضاعه، ومهدت الأمر: هيأته، ووطأته. والكهل هو: من كان بين سن الشباب، والشيخوخة، أي: يكلم الناس حال كونه رضيعاً في المهد، وحال كونه كهلاً بالوحي، والرسالة، قاله الزجاج. وقال الأخفش، والفراء: إن كهلاً معطوف على وجيهاً. قال الأخفش: {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } عطف على وجيهاً، أي: هو من العباد الصالحين. قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ } أي: كيف يكون على طريقة الاستبعاد العادي {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } جملة حالية، أي: والحال أنه على حالة منافية للحالة المعتادة من كون له أب {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } هو: من كلام الله سبحانه. وأصل القضاء الأحكام، وقد تقدّم، وهو هنا الإرادة، أي: إذا أراد أمراً من الأمور {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } من غير عمل ولا مزاولة، وهو تمثيل لكمال قدرته. قوله: {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ } قيل هو معطوف على {يُبَشّرُكِ }: أي: إن الله يبشرك وإنّ الله يعلمه، وقيل: على {يَخْلُقُ }: أي: وكذلك يعلمه الله، أو كلام مبتدأ سيق تطييباً لقلبها. والكتاب الكتابة. والحكمة العلم، وقيل: تهذيب الأخلاق، وانتصاب رسولاً على تقدير، ويجعله رسولاً، أو ويكلمهم رسولاً، أو وأرسلت رسولاً، وقيل: هو معطوف على قوله: {وَجِيهاً } فيكون حالاً؛ لأن فيه معنى النطق، أي: وناطقاً، قال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله: {ورسولاً} مقحمة، والرسول حالاً. وقوله {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } معمول لرسول؛ لأن فيه معنى النطق كما مر، وقيل: أصله بأني قد جئتكم، فحذف الجار، وقيل: منصوب بمضمر أي: تقول أني قد جئتكم، وقيل: معطوف على الأحوال السابقة. وقوله: {بِـئَايَةٍ } في محل نصب على الحال، أي: متلبساً بعلامة كائنة {مّن رَّبّكُمْ }. وقوله: {أَنِى أَخْلُقُ } أي: أصوّر، وأقدّر {لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } وهذه الجملة بدل من الجملة الأولى، وهي: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } أو بدل من آية، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي: أني، وقريء بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، "كهيئة الطير" بالتشديد، والكاف في قوله: {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } نعت مصدر محذوف، أي: أخلق لكم خلقاً، أو شيئاً مثل هيئة الطير. وقوله: {فَأَنفُخُ فِيهِ } أي: في ذلك الخلق، أو ذلك الشيء، فالضمير راجع إلى الكاف في قوله: كهيئة الطير، وقيل: الضمير راجع إلى الطير، أي: الواحد منه، وقيل: إلى الطين، وقريء: "فيكون طائراً، وطيراً،" مثل تاجر وتجر، وقيل: إنه لم يخلق غير الخفاش لما فيه من عجائب الصنعة، فإن له ثدياً، وأسناناً، وأذناً، ويحيض، ويطهر، وقيل: إنهم طلبوا خلق الخفاش لما فيه من العجائب المذكورة، ولكونه يطير بغير ريش، ويلد، كما يلد سائر الحيوانات مع كونه من الطير، ولا يبيض، كما يبيض سائر الطيور، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، وهو: يضحك، كما يضحك الإنسان؛ وقيل: إن سؤالهم له كان على وجه التعنت، قيل: كان يطير ما دام الناس ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الله من فعل غيره، وقوله: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } فيه دليل على أنه لولا الإذن من الله عزّ وجلّ لم يقدر على ذلك، وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى عليه السلام. قيل: كانت تسوية الطين، والنفخ من عيسى، والخلق من الله عزّ وجلّ. قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ } الأكمه: الذي يولد أعمى، كذا قال أبو عبيدة. وقال ابن فارس: الكمه العمي يولد به الإنسان، وقد يعرض، يقال كمه يكمه كمها: إذا عمي، وكمهت عينه: إذا أعميتها؛ وقيل: الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، وقيل: هو الممسوح العين. والبرص معروف، وهو بياض يظهر في الجلد. وقد كان عيسى عليه السلام يبريء من أمراض عدّة، كما اشتمل عليه الإنجيل، وإنما خص الله سبحانه هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة، وكذلك إحياء الموتى قد اشتمل الإنجيل على قصص من ذلك. قوله: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } أي: أخبركم بالذي تأكلونه، وبالذي تدّخرونه. قوله: {وَمُصَدّقًا } عطف على قوله: {وَرَسُولاً } وقيل: المعنى: وجئتكم مصدّقاً. قوله: {وَلأِحِلَّ } أي: ولأجل أن أحلّ، أي: جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم لأحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم من الأطعمة في التوراة، كالشحوم، وكل ذي ظفر، وقيل: إنما أحلّ لهم ما حرّمته عليهم الأحبار، ولم تحرّمه التوراة. وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون {بعض} بمعنى كلّ، وأنشد:شعر : تَرّاكُ أمكنَةٍ إذَا لم أرْضها أو يرْتِبَطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها تفسير : قال القرطبي: وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة؛ لأن البعض، والجزء لا يكونان بمعنى الكل، ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرّمته عليهم التوراة، فإنه لم يحلل القتل، ولا السرقة، ولا الفاحشة، وغير ذلك من المحرّمات الثابتة في الإنجيل مع كونها ثابتة في التوراة، وهي: كثيرة يعرف ذلك من يعرف الكتابين، ولكنه قد يقع البعض موقع الكل مع القرينة، كقول الشاعر:شعر : أبَا مُنْذِرٍ أفْنَيتَ فاستبق بَعْضنَا حَنَانْيك بعضُ الشَّرِ أهوَنُ مِن بَعْضِ تفسير : أي: بعض الشرّ أهون من كله. قوله: {بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } هي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } وإنما كان ذلك آية، لأن من قبله من الرسل كانوا يقولون ذلك، فمجيئه بما جاءت به الرسل يكون علامة على نبوّته. ويحتمل أن تكون هذه الآية هي: الآية المتقدّمة، فتكون تكريراً لقوله: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ } الآية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {بِكَلِمَةٍ } قال: عيسى هو: الكلمة من الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: المهد: مضجع الصبيّ في رضاعه. وقد ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل: رجل يقال له جريج كان يصلي، فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها، أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعة، فتعرضت له امرأة، وكلمته، فأبى، فأتت راعياً، فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه، وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا إلا من طين. وكانت امرأة من بني إسرائيل ترضع ابناً لها، فمرّ بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مرّ بأمة تجرجر، ويلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهمّ اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون لها زَنيتِ، وتقول حسبي الله، ونعم الوكيل، ويقولون سرقت، وتقول حسبي الله. وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة فرعون»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } قال: يكلمهم صغيراً، وكبيراً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الكهل هو من في سن الكهولة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: الكهل: الحليم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ} قال: الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريح، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس قال: إنما خلق عيسى طائراً واحداً، وهو الخفاش. وأخرج ابن جريج، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: الأكمه الذي يولد أعمى. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: الأكمه الأعمى الممسوح العينين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل. وأخرجوا عن عكرمة قالوا: الأكمه: الأعمش. وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد الحذاء قال: كان عيسى ابن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم: قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة، ودمعة، فادعوا عند ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } قال: بما أكلتم البارحة من طعام، وما خبأتم منه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار بن ياسر قال: {أُنَبّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ } من المائدة {وَمَا تَدَّخِرُونَ } منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا، ولا يدّخروا، فأكلوا، وادّخروا، وخانوا، فجعلوا قردة، وخنازير. وأخرج ابن جرير، عن وهب أن عيسى كان على شريعة موسى، وكان يسبت، ويستقبل بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم، وأضع عنكم من الآصار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع في الآية: قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرّم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرّم عليهم الشحوم، فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير، وفي أشياء أخر حرّمها عليهم، وشدّد عليهم فيها، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } قال: ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} وفي تسميته بالمسيح قولان: أحدهما: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن وسعيد. والثاني: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} وفي سبب كلامه في المهد قولان: أحدهما: لتنزيه أمه مما قُذِفَتْ به. والثاني: لظهور معجزته. واختلفوا هل كان في وقت كلامه في المهد نبياً على قولين: أحدهما:كان في ذلك الوقت نبياً لظهور المعجزة منه. والثاني: أنه لم يكن في ذلك الوقت نبياً وإنما جعل الله ذلك تأسيساً لنبوتّه. والمهد: مضجع الصبي، مأخوذ من التمهيد. ثم قال تعالى: {وَكَهْلاً} وفيه قولان: أحدهما: أن المراد بالكهل الحليم، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه أراد الكهل في السنّ. واختلفوا: بلوغ أربع وثلاثين سنة. والثاني: أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ، مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي. فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر؟ ففيه قولان: أحدها: أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى. والثاني: انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَسِيحُ}، لأنه مسح بالبركة، أو مسح بالتطهير من الذنوب.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ} شروعٌ في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو بدلٌ من {أية : وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ} تفسير : [آل عمران، الآية 42] منصوبٌ بناصبه وما بـينهما اعتراضٌ جيءَ به تقريراً لما سبق وتنبـيهاً على استقلاله وكونِه حقيقاً بأن يُعدَّ كنظائره من شواهدِ النبوةِ، وتركُ العطف بـينهما بناءً على اتحاد المخاطِب والمخاطَب وإيذاناً بتقارُن الخطابـين أو تقاربُهما في الزمان، وقيل: منصوبٌ بمُضمرٍ معطوفٍ على ناصبه وقيل: بدل من {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} كأنه قيل: وما كنت حاضراً في ذلك الزمان المديد الذي وقع في طرفٍ منه الاختصامُ وفي طرفٍ آخرَ هذا الخطابُ إشعاراً بإحاطته عليه الصلاة والسلام بتفاصيلِ أحوالِ مريمَ من أولها إلى آخرها والقائلُ جبريلُ عليه الصلاة والسلام، وإيرادُ صيغة الجمعِ لما مر {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ} مِنْ لابتداءِ الغاية مَجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لكلمة أي بكلمة كائنةٍ منه عز وجل {ٱسْمُهُ} ذُكر الضميرُ الراجعُ إلى الكلمة لكونها عبارةً عن مذكّر وهو مبتدأ خبرُه {ٱلْمَسِيحُ} وقوله تعالى: {عِيسَى} بدل منه أي عطفُ بـيانٍ، وقيل: خبرٌ آخرُ وقيل: خبرُ مبتدإ محذوفٍ وقيل: منصوبٌ بإضمار أعني مدحاً، وقوله تعالى: {ٱبْنَ مَرْيَمَ} صفة لعيسى وقيل: المرادُ بالاسم ما به يتميز المسمَّى عمن سواه فالخبرُ حينئذ مجموعُ الثلاثةِ إذ هو المميّز له عليه الصلاة والسلام تميـيزاً عن جميع مَنْ عداه والمسيحُ لَقَبُه عليه الصلاة والسلام وهو من الألقاب المشرّفة كالصّدّيق، وأصلُه بالعبرية مشيحاً ومعناه المبارَك وعيسى معرّبٌ من إيشوع والتصدّي من المسْح والعَيْس وتعليلُه بأنه عليه الصلاة والسلام مُسِحَ بالبركة أو بما يطهِّره من الذنوب أو مسَحَه جبريلُ عليهما الصلاة والسلام أو مسَح الأرضَ ولم يُقِمْ في موضع، أو كان عليه الصلاة والسلام يمسَح ذا العاهةِ فيبرَأُ وبأنه كان في لونه عيس أي بـياض يعلوه حُمرةٌ من قبـيل الرَّقْم على الماء وإنما قيل: ابنُ مريم مع كون الخطابِ لها تنبـيهاً على أنه يُولدُ من غير أبٍ فلا يُنسب إلا إلى أمه وبذلك فُضّلت على نساء العالمين، {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} الوجيهُ ذو الجاه وهو القوةُ والمنَعةُ والشرَفُ وهو حال مقدرة من {كَلِمَةَ} فإنها وإن كانت نكرةً لكنها صالحة لأن ينتصِبَ بها الحال وتذكيرُها باعتبار المعنى والوجاهةُ في الدنيا النبوةُ والتقدمُ على الناس وفي الآخرة الشفاعةُ وعلوُّ الدرجة في الجنة {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي من الله عز وجل وقيل: هو إشارةٌ إلى رفعه إلى السماء وصُحبةِ الملائكة، وهو عطفٌ على الحال الأولى وقد عُطف عليه.
القشيري
تفسير : لم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بَشَّرها بما أثبت في ذلك من عظيم الآية، وكونه نبياً لله مؤيَّداً بالمعجزة. ويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن - في التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير. وقيل إنه (....) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولَدَ يعيش حتى يُكَلِّمَ الناس صبيَّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه. وقيل كهلاً بعد نزوله من السماء. ويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ اللهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.
البقلي
تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ} بشرها حتى رسخت فى تحمل اداء اللائمين وعرفت منزلها تى لا يسقط عن درجة اليقين بحديث العالمين {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فى الدنيا ملتبسا بانوار الربوبية وفى الاخرة ملتبسا بجمال المشاهدة البسة الله خلعة الهيبة ليكون عظيما فى اعين الناظرين من الفريقين المؤمنين والكافرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ قالت الملائكة} بدل من واذ قالت الملائكة منصوب بناصبه والمراد بالملائكة جبريل وجمع نعظيما له وقد مر {يا مريم ان الله يبشرك} اى يفرحك {بكلمة} كائنة {منه} عز وجل واطلق على عيسى لفظ الكلمة بطريق اطلاق السبب على المسبب لان ظهوره وحدوثه هو الكلمة الصادرة منه تعالى وهى كن وحدوث كل مخلوق وان كان بسبب هذه الكلمة لكن السبب المتعارف للحدوث لما كان مفقودا فى حق عيسى عليه السلام كان اسناد حدوثه الى الكلمة اتم واكمل فجعل عليه السلام بهذا الاعتبار كأنه نفس الكلمة {اسمه} اى اسم المسمى بالكلمة عبارة عن مذكر {المسيح} لقب من الالقاب المشرفة كالصديق والفاروق واصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك {عيسى} بدل من المسيح معرب من ايشوع {ابن مريم} صفة لعيسى وتوجه الخطاب الى مريم يقتضى ان يقال عيسى ابنك الا انه قيل عيسى ابن مريم تنبيها على ان الابناء ينسبون الى الآباء لا الى الامهات فاعلمت بنسبته اليها انه يولد من غير اب فلا ينسب الا الى امه وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة اشياء الاسم منها عيسى واما المسيح والابن فلقب وصفة. قلت الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره فكانه قيل الذى يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة. وفى التيسر اللقب اذا عرف صار كالاسم {وجيها} حال من الكلمة وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة والوجيه ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف {فى الدنيا} بالنبوة والتقدم على الناس {والآخرة} بالشفاعة وعلو الدرجة فى الجنة {ومن المقربين} اى عند ربه بارتفاعه الى السماء وصحبة الملائكة فيها.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذ قالت}: بدل من {وإذ قالت} الأولى، ويبعد إبدالها من {إذ يختصمون}، و {المسيح} وما بعده: إخبار عن اسمه، أو {عيسى}: خبر عن مضمر، و {ابن مريم}: صفته، و {المسيح}: فعيل بمعنى مفعول، لأنه مُسِحَ من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل؛ لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان؛ فتكون الميم زائدة. وأما المسيح الدجّال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل: أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و {وجيهاً}: حال من كلمة؛ لتخصيصه بالصفة، و {في المهد وكهلاً}: حالان، أي: طفلاً وكهلاً، والمهد: ما يمهد للصبي. و {رسولاً}: مفعولٌ لمحذوف، أي: ونجعله رسولاً، و {مصدقاً}: عطف على {رسولاً}، و {لأُحِلَّ}: متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأُحل، أو معطوف على معنى مصدقاً، كقولهم: جئتك معتذراً، أو لأطيب قلبك. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر أيضاً {إذ قالت الملائكة} في بشارتهم لمريم: {يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه}، أي: بولد يتكوَّن بكلمة من الله؛ كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة؛ لكونه مظهراً لكلمة التكوين، متحققاً ومتصرفاً بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، {اسمه المسيح}، واسمه {عيسى ابن مريم}، وإنما قال: {ابن مريم} والخطاب لها، تنبيهاً على أنه يولد من غير أب؛ إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: {وجيهاً في الدنيا والآخرة} أي: شريفاً في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون {من المقربين} إلى الله تعالى في الدارين. {ويكلم الناس} طفلاً {في المهد} على وجه خَرْق العادة في تبرئة أمه، {وكهلاً} إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزةً، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قاربَ يُعطي حكمه، وحال كونه {من الصالحين} لحضرة رب العالمين. ولما سمعت البشارة دهشت و {قالت}: يا {رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجباً، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ {قال} لها الملك: {كذلك الله يخلق ما يشاء}. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن {الله يخلق ما يشاء}؛ لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}، {ويعلمه الكتاب} أي: الكتابة والخط، {والحكمة} أي: النبوة، أو الإصابة في الرأي: {والتوراة والإنجيل}. {و} يجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى - عليهما السلام -، وقال: عليه الصلاة والسلام:"حديث : بُعثْتُ على إِثْرِ ثمانية آلاف نبيّ، أربعة آلاف من بني إسرائيل"تفسير : . فإذا بعث إليهم قال: {أني قد جئتكم بآية من ربكم} أي: بأني قد جئتكم آية من ربكم، قالوا: وما هي؟ قال: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير}؛ كصورته، {فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله}، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطير؛لأن لها ثدياً وأسناناً وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتاً؛ ليتميز فعل الحق من فعل الخلق، ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى؛ أني {أبرئ الأكمه} الذي ولد أعمى، فأحرى غيره {والأبرص} الذي فيه وضح. وخصهما؛ لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. رُوِي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاف منهم البلوغ أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام. {وأحيي الموتى بإذن الله} لا بقدرتي دفعاً لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. رُوِيَ أنه أحيا أربعة أنفس: (العازر)، وكان صديقاً له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه، فعاش وولده له. و (ابن العجوز)، مُر بجنازته على عيسى عليه السلام فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى وُلد له. و(ابنة العاشر)، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. و(سام بن نوح)، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، ما لي أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى بـ {يا حي يا قيوم}. {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم}، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا، هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يُخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه، ورُوِيَ أنه لما كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا ههنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذا هم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر. قاله السُّدي. ثم قال لهم: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين}، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة} أي: وجئتكم مصدقاً للتوراة، وشاهداً على صحتها، {ولأُحلَّ لكم بعض الذي حُرم عليكم} في شريعة موسى عليه السلام كالشحوم والثروب ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقاً له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: {و} قد {جئتكم بآية} واضحة {من ربكم}، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، {فاتقوا الله وأطيعون}. ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} ولا تعبدوا معه سواه، {هذا صراط مستقيم} لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، {فاتقوا الله} في المخالفة، {وأطيعون} فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: {إن الله ربي وربكم}؛ أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايتُه التوحيد، وقال: {فاعبدوه}؛ إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : قُلْ آمَنْتُ بِاللّهِ ثم اسْتَقِمْ ". تفسير : الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه، وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكراً بالجد والتشمير، ثم بشّرها ثانياً بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من انقطع إلى اللّهِ كَفَاه الله كلَّ مُؤْنة، ورَزقه من حيثُ لا يحتسِبُ، ومن انقطعَ إلى الدنيا وكَلَه الله تعالى إليها ". تفسير : وقال بعضهم: صِدْقُ المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكُلِّيته إلى الله أبرأ القلوبَ السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : العامل في {إذ} يحتمل أمرين أحدهما - وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة. الثاني - يختصمون {إذ قالت الملائكة}: {إن الله يبشرك} فالتبشير إخبار المرء بما يسر من الأمر سمي بذلك لظهور السرور في بشرة وجهه عند إخباره بما يسره، لأن أصله البشرة وهي ظاهر الجلد. وقوله: {بكلمة منه} هو المسيح سماه الله كلمة على قول ابن عباس وقتادة وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: سمي بذلك، لأنه كان بكلمة الله من غير والد وهو قوله: {أية : كن فيكون}. تفسير : الثاني - لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة، كما تقول: الذي يخبرنا بأمر يكون [إذا خرج موافقاً لأمره] قد جاء في قول لي وكلامي. فمن البشارة به في التوراة آتانا الله من سببنا، فأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران. وساعير هو الموضع الذي بعث منه المسيح (ع). الثالث - لأن الله يهدي به كما يهدي بكلمته. والقول الثاني مما قيل في الكلمة: أنها بمعنى البشارة كأنه قيل ببشارة منه: ولد اسمه المسيح والتأويل الأول أقوى، لقوله: {أية : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه}،تفسير : ولأنه معلوم من دين المسلمين أن كلمة الله المسيح (ع). وإنما ذكر الضمير في اسمه وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فاذا ذكر ذهب إلى المعنى، واذا أنث ذهب إلى اللفظ. وقيل في تسمية المسيح مسيحاً: قولان: أحدهما - قال الحسن، وسعيد: لأنه مُسح بالبركة. وقال آخرون: لأنه مُسح بالتطهر من الذنوب. وقال الجبائي سمي بذلك، لأنه مُسح بدهن زيت بورك فيه. وكانت الانبياء تتمسح به. فان قيل: يجب على ذلك أن يكون الانبياء كلهم يسمون مسيحاً؟ قلنا: لا يمتنع أن يختص بذلك بعضهم، وإن كان المعنى في الجميع حاصلا، كما قالوا في ابراهيم خليل الله. وأصله ممسوح عدل عن مفعول إلى فعيل. وقوله: {وجيهاً} نصب على الحال. ومعنى الوجيه الكريم على من يسأله لأنه لا يرده لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد، يقال منه وجه الرجل يوجه وجاهة، وله جاه عند الناس وجاهة أي منزلة رفيعة. قوله: {ومن المقربين} معناه إلى ثواب الله وكرامته، وكذلك التقرب إلى الله إنما هو التقرب إلى ثوابه وكرامته. وفي الآية دلالة على تكذيب اليهود في الفرية على أم المسيح وتكذيب النصارى في ادعاء إلهيته على ما ذكره محمد بن جعفر بن الزبير وغيره.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ قَالَتِ} بدل من قوله {اذ يختصمون} او من قوله {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ} وقوله {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} اذ قالت {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تعليل لكون الاخبار فى غيب منه {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} قد مضى وجه تسمية عيسى (ع) لكلمة الله {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ} وهو بالعربيّة بمعنى المبارك وله معان اخر تناسب التّسمية بها وقيل هو معرّب مشيحا بالسّريانية بمعنى المبارك {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} خبر بعد خبر او خبر مبتدأ محذوف {وَجِيهاً} حال مقدّرة من كلمة والجاه والوجاهة رفعة المنزلة {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} من الله.
اطفيش
تفسير : {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ}: إذ بدل من إذ فى قوله: {أية : وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}تفسير : بدلا مطابقاً، وما بينهما معترض، وفى هذا الوجه كثرة الفصل، أو بدل من "إذ" فى قوله {أية : إذ يختصمون}تفسير : بدلا مطابقاً بأن بعد زمان الاختصام، وزمان قول الملائكة، وما بينهما زماناً واحداً وقع الاختصام فى أوله حال صغرها، ووقع قول الملائكة فى آخره ولو طال ما طال بينهما، كما تقول: لقيته يوم الجمعة، وفارقنى فيه، تريد أنك لقيته ضحاها، وفارقك عشيتها، والقائل من الملائكة: جبريل، أو هو وغيره على حد ما مر. {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ}: نعت كلمة، ومن للابتداء، لأن عيسى حادث بمجرد تعلق إرادة الله وجوده، أعنى أنه بلا أب، وهذا المذكور من الإرادة موجود فى كل مخلوق، لكن ما ذكر معها من الخلق، من أم بلا أب مختص بعيسى عليه السلام، فكان إسناد حدوثه إلى الكلمة أكمل، فجعل عيسى بهذا الاعتبار، كأنه نفس الكلمة. كما تقول فى المبالغة: زيد صوم وجود وعلم. وتسميته بالكلمة تسمية بالمسبب باسم السبب. {اسْمُهُ}: أى اسم الكلمة وورد الضمير مذكرا لأن كلمة مراد به إنسان أى أن الله يبشرك بإنسان اسمه عيسى، وذلك الإنسان الملقب بكلمة هو عيسى عليه السلام. {الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ}: كل من المسيح وعيسى لفظ أعجمى معرب، فالمسيح أصله بالعبرانية مشيحاً - بفتح الميم بعدها شين منقوطة مكسورة وبعد الشين ياء ساكنة مثناة تحتية وبعدها حاء مفتوحة مهملة وبعد الحاء ألف، عرب باسقاط الألف وإسقاط إعجام الشين وإلى فيه على طريق لمح الأصل، إذ معناه بالعبرانية: تبارك، وهو فى الأصل وصف. و{عيسى} معرب يشوع بفتح الهمزة وإسكان الياء وضم الشين المعجمة وإسكان الواو، عرب بتقديم العين مكسورة وتأخير الياء عنها ساكنة، وتأخير الهمزة ألفا عن الياء وإسقاط إعجام الشين، وإسقاط الواو. وأنكر الزمخشرى والقاضى ما ورد فى ذلك من الأقوال الراجعة إلى أن اللفظين عربيان مع أنها أقوال للجمهور، فقيل: إنهُ سمى مسيحاً لأنه مسح بالبركة، فهو فى الأصل فعيل بمعنى مفعول، والميم أصل والياء زائدة، وكذا فى قول من قال: لأنه مسح من الأقدار والذنوب، وقول من قال: لأنهُ خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقول من قال: لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناح حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، وقول من قال: إنه ممسوح القدمين لا أخمص لهما، وقول من قال: لأنه مسح بدهن حين ولد وهو دهن يمسح به الأنبياء دون غيرهم، ومن مسح به كان نبياً، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لأنه ما مسح ذا عاهة إلا شفاه الله تعالى، وعلى هذا فهو فعيل بمعنى فاعل، وقيل: لأنهُ كان يسيح فى الأرض ولا يقر بمكان، وعلى هذا فالميم زائدة والياء أصل، وزعم بعض: لأنه صادق، ولا يعلم فى اللغة مسح أو ساح بمعنى صدق. والمسيح لقب، واللقب يؤخر عن العلم، وعيسى علم فإنما قدم اللقب هنا لشهرته فوجوب تأخيره مقيد بألا يكون أعظم فى الشهرة من العلم، وأن لا يكون أدل على المسمى، كما لوح إليه الصبان عن الشيخ بآيس. و{اسمه}: مبتدأ، و{المسيح}: خبر، و{عيسى}: خبر ثان، و{ابن مريم}: خبر ثالث، أو نعت عيسى، و{ابن} يكتب بالألف فى مصاحفنا، أعنى مصاحف المغرب، ولو كان بين علمين تابعاً بدلا أو نعتاً أو بياناً، وهو من شذوذ خط المصحف. قال عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأموى الأندلسى الشريشى المعروف بالخرازمى فى باب ما زيد ومع لكنا الشاذ، وهما فى الكهف وابن وأنا، قل: حيثما فلا دليل فى مصاحفنا بثبوت الألف على تعين كون {ابن} خبراً ثالثاً، بل فى مصاحف المشارقة إذ يكتبونها إذا كان خبراً أو غيره مما ليس تابعاً بين علمين، والاسم ما يعرف به الشىء علما، كعيسى، أو لقباً كالمسيح، أو كنية كأبى الخير، وغير ذلك كابن مريم. فصح أن يجعل {ابن مريم}: خبراً ثالثاً، لقوله {اسمه} فأما أن يراد أن اسمه المعرف له هو مجموع الثلاثة، وإما أن يراد أن أسماءه هذه الثلاثة. ووجه هذا أن تكون إضافة الإسم للجنس، ويجوز أن يكون عيسى خبراً لمحذوف، و{ابن} نعتاً له، أو بياناً، أو بدلا، أى: هو عيسى بن مريم وأضاف {ابن} للاسم الظاهر وهو {مريم}، ولم يضفه لضمير الخطاب، مع أن الكلام فى خطاب مريم، تنبيهاً على أنه تلده بلا أب ينسب إليه، فهو ينسب إليها، فيقال: عيسى بن مريم، وإنما يقال فى الإخبار عنه: ابن مريم، وكذا فى ندائه، لا ابنك إلا فى حال الخطاب. قيل: حملت مريم بعيسى، ولها ثلاث عشرة سنة، وولدته ببيت لحم من أرض أورى لمضى ستة وخمسين سنة من غلبة الإسكندر على بابل، وأوحى الله إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. {وَجِيهاً فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}: أى مرتفع القدر فيهما، أما فى الدنيا فبالنبوة وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وأما فى الآخرة فبالشفاعة. ونصبه على الحال من {كلمة}، ولو كان كلمة نكرة لأنه موصوف بقوله {منه}، قوله: {اسِمُهُ الْمَسِيحُ..} إلى آخره، وهو حال مقدرة، ويجوز أن يكون قوله: {اسمُهُ المَسِيحُ..} إلخ حال أيضاً، ولم يقل وجيهة لأن المراد بقوله "كلمة" مذكر كإنسان كما مر. {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}: عند الله يوم القيامة بعلو الدرجة فى الجنة، تحت درجة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفوق درجات المسلمين. وقيل: من المقربين إلى الله بالاصطفاء للعبادة، وقيل: برفعه إلى السماء وصحبة الملائكة، وذلك أن تدخل علو درجته فى الجنة، فى وجاهته فى الآخرة، وتفسير التقريب يغير ذلك، ويتعلق بمحذوف وجوباً، حال معطوف، أى وثابتاً من المقربين، أو جوازاً أى ومعدوداً من المقربين.
اطفيش
تفسير : {إذْ قَالِتٍ المَلاَئِكَةُ} جبريل، أو هو وجماعته {يَامَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ} زمان التبشير وزمان الاختصام، واسع التبشير فى بعض، والاختصام فى بعض منه سابق بمدة طويلة كما مر، وذلك كما يقال، كان كذا وكذا يوم كذا، أو شهر كذا أو عام كذا، أو قرن كذا، واحد فى وقت، والآخر فى وقت من ذلك {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} ولد، يكون بكلمة كن كما مر بيانه بلا أب، كقوله تعالى فى آدم، ثم قال له كن، وقيل، سمى لأن الله يهدى به كما يهدي بكلمته سبحانه. قال نصرانى حاذق طبيب لعلى بن الحسين الواقدى بحضرة الرشيد إن فى كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله، وتلا قوله تعالى، {أية : وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} تفسير : [النساء: 171]، فقرأ الواقدى: {أية : وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه} تفسير : [الجاثية: 13]، فيلزم أن الأشياء جزء منه تعالى، فانقطع النصرانى وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى الواقدى صلة فاخرة {اسْمُهُ} اسم الكلمة، وذكرهاه لأنها عيسى، ولأن الخبر مدكر، وهو قوله {الْمَسِيحُ} لقب يدل على المدح، معناه المبارك فى العبرية، وأصله فيها مشيحا، وقيل، لفظ عربى مشتق من المسح، إذ مسح بالبركة أو بالتطهير من الذنوب، أو مسحه جبريل يحتاجه صوتا من الشيطان وقت الولادة، أو بيده تبركا به، أو كان ممسوح القدمين، لا أخمص لهما، أو ممسوح بدهن من الله، تمسح به الأنبياء فقط حال الولادة، تعرفهم الملائكة أنبياء به، أو خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن، أو مسح جهه بالملاحة، فعيل بمعنى مفعول، والميم أصل لا زائد، أى لأنه يمسح الأرض، أو يقطعها، لا يقيم فى موطن، او لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ، أو لأنه يمسح رأس اليتيم لله عز وجل، والزائد الياء، أو لأنه يسيح فى الأرض، فالزائد الميم، فعيل بمعنى فاعل {عَيسَى} عطف بيان أو بدل، أو هو عيسى، فليس اسمه مجموع قوله المسيح عيسى {ابْنُ مَرْيَمَ} كما قيل، فالمسيح، لقبه، وعيسى اسمه، وابن مريم كنيته، والمشهور أن الاشتقاق لا يدخل الأسماء العجمية، وقيل، التحقيق دخوله إياها، كما تشاهد فيها المعانى المصدرية والأفعال الماضية والمستقبلة والأمر، وأقول لا محيد عن ذلك إلا أنه ليس يجوز أن يدعى لفظ عجمى مشتق من لفظ عربى باعتبار المعنى، مثل أن يقال عيسى عبرانى مشتق من العيس، وهو البياض، وكان أبيض إلى حمرة، وخاطبوا مريم بنسبته إليها إيذانا بأنه يكون بلا أب، وإيذانا بكنيته، والمعتاد نسبة الناس إلى الآباء، ولذلك نسب إليها ولم يقولوا ابنك {وَجِيهاً} ذا جاه، أى قوة ومنعة وشرف، وقيل وجاهته أنه لا يرد سائلا، وقيل إنه نبى، وأنه تقبل شفاعته فى الآخرة، وقبول دعائه، وإبراء الأكمه والأبرص وقيل براءته مما رمته اليهود به، وهو من الوجه، لأنه أشرف الأعضاء، والجاه مقلوب منه، وكذا قال فى موسى، كان وجيها، وهو حال من كلمة، أو من ضميرها فى الاستقرار، لأن منه نعت كلمة، وهى حال مقدرة لأن وجاهته تأتى بعد {فِى الدُّنْيَا} بالنبوة وشفاء الآفات، وبراءته مما قالت اليهود، كما برىء موسى مما قالت اليهود {وَالأَخِرَةِ} بالشفاعة فى أمته المحقين، وكثرة ثوابه وعلو درجته {وَمِنَ الْمُقَرَبِينَ} وكائنا من المقربين عند الله، ودنيا وآخرة، ومن هذا رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة وقبول كلامه.
الالوسي
تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } شروع في قصة عيسى عليه السلام، والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على المشهور، والقول شفاهي كما رواه ابن أبـي حاتم عن قتادة، و {إِذْ } المضافة إلى ما بعدها بدل من نظيرتها السابقة بدل كل من كل، وقيل: بدل اشتمال ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جيء به تقريراً/ لما سبق وتنبيهاً على استقلاله وكونه حقيقياً بأن يعد على حياله من شواهد النبوة قالوا: وترك العطف بناءاً على اتحاد المخاطب والمخاطب وإيذاناً بتقارن الخطابين أو تقاربهما في الزمان، وجوز أبو البقاء كون الظرف منصوباً باذكر مقدراً، وأن يكون ظرفاً ـ ليختصمون ـ وقيل: إنه بدل من {إِذْ } المضافة إليه، واعترض بأن زمن الاختصام قبل زمن البشارة بمدة ـ فلا تصح هذه البدلية والتزام أنه بدل غلط ـ غلط إذ لا يقع في فصيح الكلام، وأجيب بأنه يعتبر زمان ممتد يقع الاختصام في بعضه والبشارة في بعض آخر وبهذا الاعتبار يصح أن يقال: إنهما في زمان واحد كما يقال وقع القتال والصلح في سنة واحدة مع أن القتال واقع في أولها مثلاً والصلح في آخرها، قيل: ولا يحتاج إلى هذا على الاحتمال الثاني مما ذكره أبو البقاء بناءاً على ما روي عن الحسن أنها عليها السلام كانت عاقلة في حال الصغر فيحتمل أنها وردت عليها البشرى إذ ذاك، وفيه بعد بل الآثار ناطقة بخلافه. {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } كلمة ـ من ـ لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة ـ لكلمة ـ وإطلاق الكلمة على من أطلقت عليه باعتبار أنه خلق من غير واسطة أب بل بواسطة كن فقط على خلاف أفراد بني آدم فكان تأثير الكلمة في حقه أظهر وأكمل فهو كقولك لمن غلب عليه الجود مثلاً: محض الجود ـ وعلى ذلك أكثر المفسرين ـ وأيدوا ذلك بقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }تفسير : [آل عمران: 59]، وقيل: أطلق عليه ذلك لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة، ففي «التوراة» ـ في الفصل العشرين من السفر الخامس ـ أقبل الله تعالى من سينا وتجلى من ساعير وظهر من جبال فاران ـ وسينا ـ جبل التجلي لموسى ـ وساعير ـ جبل بيت المقدس وكان عيسى يتعبد فيه ـ وفاران ـ جبل مكة، وكان متحنث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا كقول من يخبر بالأمر إذا خرج موافقاً لما أخبر به: قد جاء كلامي، وقيل: لأن الله تعالى يهدي به كما يهدي بكلمته. ومن الناس من زعم أن ـ الكلمة ـ بمعنى البشارة كأنه قيل ببشارة منه ويبعده ظاهر قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } تفسير : [النساء: 171] ولعله يرجح أول الأقوال كما يرجحه عدم اطراد الأقوال الأخر وإن لم يكن لازماً في مثل ذلك، وفي {يُبَشّرُكِ } هنا من القراآت مثل ما فيها فيما تقدم. {ٱسْمُهُ } الضمير راجع إلى ـ الكلمة ـ وذكره رعاية للمعنى لكونها عبارة عن مذكر و{اسم} مبتدأ خبره {ٱلْمَسِيحُ } وقوله تعالى: {عِيسَى } يحتمل أن يكون بدلاً، أو عطف بيان، أو توكيداً بالمرادف كما أشار إليه الدنوشري، أو خبراً آخر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً بإضمار أعني مدحاً، وحذف المبتدأ والفعل قيل: على سبيل الجواز ومقتضى ما ذكروه في النعت المقطوع أن يكون على سبيل الوجوب، وقوله تعالى: {ٱبْنَ مَرْيَمَ } صفة لعيسى وعلى تقدير كونه منصوباً يلتزم القول بالقطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ومن جعل هذه الثلاثة أخباراً عن المبتدأ أورد عليه بأن الاسم في الحقيقة عيسى و المسيح لقب؛ و {ٱبْنُ } صفة فكيف جعلت الثلاثة خبراً عنه؟! وأجيب بأن المراد بالاسم معناه المصطلح وهو العلم مطلقاً وليس هو بمعنى مقابل اللقب بل ما يعمه وغيره وأن إضافته تفيد العموم لأن إضافة اسم الجنس قد يقصد بها الاستغراق، وأن إطلاقه على ابن مريم على طريق التغليب، وقيل: المراد بالاسم معناه اللغوي ـ وهو السمة والعلامة المميزة ـ لا العلم. / ولا مانع حينئذٍ من جعل مجموع الثلاثة خبراً إذ التمييز بذلك أشد من التمييز بكل واحد فيؤول المعنى إلى قولك الذي يعرف به ويميز به عما سواه مجموع الثلاثة وبهذا ـ كما في «الانتصاف» ـ ((خلاص من إشكال يوردونه فيقولون: {ٱلْمَسِيحُ } في الآية إن أريد به التسمية ـ وهو الظاهر ـ فما موقع {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } والتسمية لا توصف بالنبوة؟! وإن أريد به المسمى بهذه التسمية لم يلتئم مع قوله سبحانه: {ٱسْمُهُ } ووجه الخلاص ظاهر، ولعدم ظهور هذا التوجيه لبعضهم التزم الخلاص من ذلك بأن المسيح خبر عن قوله تعالى: {ٱسْمُهُ } والمراد التسمية، وأما {عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } فخبر مبتدأ محذوف تقديره هو، ويكون الضمير عائداً إلى المسمى بالتسمية المذكورة منقطعاً عن {ٱلْمَسِيحُ })). والمشهور أن المسيح لقبه عليه السلام وهو له من الألقاب المشرفة كالفاروق، وأصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك، وعن إبراهيم النخعي الصديق، وعن أبـي عمرو بن العلاء الملك، وعيسى معرب أيشوع، ومعناه السيد، وعن كثير من السلف أن المسيح مشتق من المسح، واختلفوا في وجه إطلاقه على عيسى عليه السلام فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، وروي ذلك عن الحسن وابن جبير، وقيل: لأنه كان يمسح عين الأكمه فيبصر، وروي ذلك عن الكلبـي، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برىء، ورواه عطاء والضحاك عن ابن عباس، وقال الجبائي: لأنه كان يمسح بدهن زيت بورك فيه وكانت الأنبياء تتمسح به، وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت الولادة ليكون عوذة من الشيطان الرجيم، وقيل: لأنه حين مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام فاستخرج منه ذرات ذريته لم يرده إلى مقامه كما فعل بباقي الذرات بل حفظه عنده حتى ألقاه إلى مريم فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح وقيل: وقيل. وهذه الأقوال تشعر بأن اللفظ عربـي لا عبري، وكثير من المحققين على الثاني، واختاره أبو عبيدة، وعليه لا اشتقاق لأنه لا يجري على الحقيقة في الأسماء الأعجمية، وفي «الكشف» أن الظاهر فيه الاشتقاق لأنه عربـي دخل عليه خواص كلامهم جعل لقب تشريف له عليه السلام ـ كالخليل ـ لإبراهيم، وجعله معرباً ثم إجراؤه مجرى الصفات في إدخال اللام لأنه في كلامهم بمعنى الوصف خلاف الظاهر. ومن الناس من ادعى أن دخول اللام لا ينافي العجمة فإن ـ التوراة والإنجيل والإسكندر ـ لم تسمع إلا مقرونة بها مع أنها أعجمية، ولعل ذلك لا ينافي أظهرية كون محل النزاع عربياً، نعم قيل في عيسى: إنه مشتق من العيس وأنه إنما سمي به عليه السلام لأنه كان في لونه عيس أي بياض تعلوه حمرة كما يشير إليه خبر «كأنما خرج من ديماس» إلا أن المعول عليه فيه أنه لا اشتقاق له، وأن القائل به كالراقم على الماء. وهذا الخلاف إنما هو في هذا المسيح وأما المسيح الدجال فعربـي إجماعاً وسمي به لأنه مسحت إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة، وفرق النخعي بين لقب روح الله وعدوّه بأن الأول: بفتح الميم والتخفيف، والثاني: بكسر الميم وتشديد السين ـ كشرير ـ وأنكره غيره ـ وهو المعروف. ـ ثم القائلون باللقبية في الآية وكون عيسى بدلاً مثلاً خص الكثير منهم منع تقديم اللقب على الاسم بما إذا لم يكن أشهر منه حقيقة أو ادعاءاً أما إذا كان أشهر كما هنا فإنه يجوز التقديم كما نص عليه ابن الأنباري ولا يختص بغير الفصيح كما فيما إذا لم يكن كذلك. والمشهور فيما إذا كان الاسم واللقب مفردين إضافة الأول للثاني، وفي «المفصل» تعينها، وصنيع سيبويه يشير إلى ذلك، ومن جوز التبعية استدل بقولهم: هذا يحيـى ـ عينان ـ إذ لو أضيف لقيل عينين، وحمله على لغة من يلزم المثنى الألف يرده أن الرواية بضم النون ولو كانت الرواية بالكسر لأمكن ذلك الحمل فلا يتم الاستدلال، وكذا/ لو كانت بالفتح لأنه يمكن حينئذٍ أن يكون اللقب مجروراً بالإضافة إلا أن الفتحة فيه نائبة عن الكسرة بناءاً على القول بأن المسمى به يجوز أن يعرب كما لا ينصرف لكن أنت تعلم أن قصارى ما يثبته هذا الاستدلال الورود في هذا الجزئي. وأما أنه يثبت الاطراد فلا، ولعل المانع إنما يمنع ذلك، ويدعي أن المطرد هو الإضافة لكن بشرط أن لا يمنع منها مانع فلا تجوز فيما إذا قارنت ـ أل ـ الوضع لمنعها عن ذلك فلا يقال: الحرث ـ كرز ـ بالإضافة، وكذا إذا كان اللقب وصفاً في الأصل نحو إبراهيم الخليل ـ على ما نص عليه ابن الحاجب في «شرح المفصل» ـ لأن الموصوف لا يضاف إلى صفته في المشهور. ومن الناس من جعل ما نحن فيه من هذا القبيل، وهو مبني على مذهب من يقول: إن المسيح صفة في العربية ومع هذا في المسألة خلاف ابن هشام فإنه يجوز الإضافة في هذا القسم أيضاً وتمام البحث في «كتبنا النحوية» فليفهم. وإنما قيل: {ٱبْنُ مَرْيَمَ } مع كون الخطاب لها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب ولو كان له أب لنسب إليه، وفي ذلك رمز إلى تفضيل الأم أيضاً، وقيل: إن في ذلك رداً للنصارى، وأبعد من ادعى أن هذه الإضافة لمدح عيسى عليه السلام لأن الكلام حينئذٍ في قوة ابن عابدة، هذا واعلم أن لفظ {ٱبْنُ } في الآية يكتب بغير همزة بناءاً على وقوعه صفة بين علمين إذ القاعدة أنه متى وقع كذلك لم تكتب همزته بل تحذف في الخط تبعاً لحذفها في اللفظ لكثرة استعماله كذلك ومتى تقدمه علم لكن أضيف إلى غير علم ـ كزيد ابن السلطان ـ أو تقدمه غير علم، وأضيف إلى علم ـ كالسلطان ابن زيد ـ أو وقع بين ما ليسا علمين ـ كزيد العاقل ابن الأمير عمرو ـ كتبت الألف ولم تحذف في الخط في جميع تلك الصور، والكتاب كثيراً ما يخطئون في ذلك فيحذفون الهمزة منه في الكتابة أينما وقع، وقد نص على خطئهم في ذلك ابن قتيبة وغيره. ومن هنا قيل: إن الرسم يرجح التبعية، نعم في كون ذلك مطرداً فيما إذا كان المضاف إليه علم الأم خلاف، والذي أختاره الحذف أيضاً إذا كان ذلك مشهوراً. {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ } الوجيه ذو الجاه والشرف والقدر، وقيل: الكريم على من يسأله فلا يرد لكرم وجهه عنده خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد، ووجاهته في الدنيا بالنبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة بقبول شفاعته وعلو درجته، وقيل: وجاهته في الدنيا بقبول دعائه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل: بسبب أنه كان مبرءاً من العيوب التي افتراها اليهود عليه، وفي الآخرة ما تقدم وليست الوجاهة بمعنى الهيئة والبزة ليقال: كيف كان ـ وجيهاً ـ في الدنيا مع أن اليهود قاتلهم الله عاملوه بما عاملوه على أنه لو كان المعنى على ذلك لا تقدح تلك المعاملة فيه كما لا تقدح على التقادير الأول كما لا يخفى على المتأمل. ونصب {وَجِيهاً } على أنه حال مقدرة من {كَلِمَةٍ } وسوغ مجىء الحال منها مع أنها نكرة وصفها بما بعدها والتذكير باعتبار المعنى ـ كما أشير إليه ـ وجعلت الحال مقدرة لأن الوجاهة كانت بعد البشارة. ومن الناس من جعل الحال من {عِيسَى } وقال أبو البقاء: لا يجوز ذلك وكذا لا يجوز جعله حالاً من {ٱلْمَسِيحُ } أو من {ٱبْنَ مَرْيَمَ } لأنها أخبار، والعامل فيها الابتداء، أو المبتدأ أو هما وليس شيء من ذلك يعمل في الحال، وكذا لا يجوز أيضاً أن يكون حالاً من الهاء في اسمه للفصل الواقع بينهما ولعدم العامل في الحال، والظرف متعلق بما عنده لما فيه من معنى الفعل. {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } أي عند الله يوم القيامة قاله قتادة، وقيل: هو إشارة إلى رفعه إلى السماء وصحبته الملائكة، وقيل: من المقربين من الناس بالقبول والإجابة وهو معطوف/ على {وَجِيهاً } أي ومقرباً من جملة المقربين.
ابن عاشور
تفسير : بدل اشتمال من جملة {أية : وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}تفسير : [آل عمران: 42] قصد منه التكرير لتكميل المقُول بعد الجمل المعترضة. ولكونه بدلاً لم يعطف على إذْ قالت الأولِ. وتقدّم الكلام على يُبشرك. والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق القدرة التنجيزي كما في حديث خلق الإنسان من قوله: «ويؤمر بأرْبَع كَلِمَات بكتب رزقه وأجله» إلخ. ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة. وقوله: {منه} مِن للابتداء المجازي أي بدون واسطة أسباب النسل المعتادة وقد دلّ على ذلك قوله: {أية : إذا قضى أمراً}تفسير : [البقرة: 117]. وقوله: {اسمه المسيح عيسى ابن مريم} عبر عن العَلَم واللقَب والوصفِ بالاسم. لأنّ لثلاثتها أثراً في تمييز المسمّى. فأما اللقب والعلم فظاهر. وأما الوصف المفيد للنسب فلأنّ السامعين تعارفوا ذكر اسم الأب في ذكر الأعلام للتمييز وهو المتعارف، وتذكر الأمّ في النسب إما للجهل بالأب كقول بعضهم: زياد بن سُمَيةَ قبل أن يُلْحق بأبي سفيان في زمنِ معاويةَ بن أبي سفيان، وإما لأنّ لأمّه مفخراً عظيماً كقولهم: عَمْرو ابن هند، وهو عمرو بن المنذر ملكُ العرب. والمسيح كلمة عبرانية بمعنى الوصف. ونقلت إلى العربية علماً بالغلبة على عيسى وقد سمى متنصرة العرب بعضَ أبنائهم «عبد المسيح» وأصلها مَسِّيِّح - بميم مفتوحة ثم سين مهملة مكسورة مشدّدة ثم ياء مثنّاة مكسورة مشدّدة ثم حاء مهملة ساكنة - ونطق به بعض العرب بوزن سِكِّين. ومعنى مسيح ممسوح بدهن المَسْحة وهو الزيت المعطّر الذي أمر الله موسى أن يتّخذه ليسكبه على رأس أخيه هارون حينما جعله كاهناً لبني إسرائيل، وصارت كهنة بني إسرائيل يمسحون بمثله من يملِّكونهم عليهم من عهد شاول الملِك، فصار المسيح عندهم بمعنى المَلِك: ففي أول سفر صمويل الثاني من كتب العهد القديم قال داود للذي أتاه بتاج شاول الملك المعروف عند العرب بطالوت «كيف لم تخف أن تمدّ يدك لتهلك مسيح الرب». فيحتمل أنّ عيسى سمّي بهذا الوصف كما يُسَمّون بمَلِك ويحتمل أنه لقبٌ لقبه به اليهود تهكماً عليه إذ اتهموه بأنه يحاول أن يصير ملكاً على إسرائيل ثم غَلب عليه إطلاق هذا الوصف بينهم واشتهر بعد ذلك، فلذلك سمي به في القرآن. والوجيه ذو الوجاهة وهي: التقدّم على الأمثال، والكرامةُ بين القوم، وهي وصف مشتق من الوَجْه للإنسان وهو أفضل أعضائه الظاهرة منه، وأجمعها لوسائل الإدراك وتصريف الأعمال، فأطلق الوجه على أول الشيء على طريقة الاستعارة الشائعة فيقال: وجهُ النهار لأول النهار قال تعالى: {أية : وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وَجْهَ النهار واكفُروا آخرَه}تفسير : [آل عمران: 72] وقال الربيع بن زياد العبسي: شعر : مَن كان مسروراً بمقتل مالك فليأتِ نسوتنا بوجه نهار تفسير : وقال الأعشى: شعر : ولاَح لهم وَجْهَ العَشِيَّاتِ سَمْلَقُ تفسير : ويقولون: هو وَجْه القوم أي سيّدهم والمقدّم بينهم. واشتق من هذا الاسم فعل وَجُه بضم الجيم ككَرُم فجاء منه وَجيه صفةً مشبّهة، فوجيه الناس المكرّم بينهم، ومقبول الكلمة فيهم، قال تعالى في وصف موسى عليه السلام: {وكان عند اللَّه وجيهاً}. والمهد شِبْه الصندوق من خشب لا غطاء له يُمهد فيه مَضجع للصبي مدة رضاعه يُوضع فيه لحفظه من السقوط. وخُص تكليمُه بحالين: حالِ كونه في المَهد، وحالِ كونه كهلاً، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذَينك الحالين مزيدَ اختصاص بتشريف اللَّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته. وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دَعوتُه الناس إلى الشريعة. فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين. وعطف عليه {ومن الصالحين} فالمجرور ظرف مستقرّ في موضع الحال. والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس قال إبراهيم: {أية : ربِّ هبْ لي من الصالحين}تفسير : [الصافات: 100]. والكهل من دخل في عشرة الأربعين وهو الذي فارق عصر الشباب، والمرأة شهلة بالشين، ولا يقال كهلة كما لا يقال شهل للرجل إلاّ أن العرب قديماً سمّوا شهلاً مثل شهل بن شيبان الملقب الفِنْد الزِّماني فدلنا ذلك على أنّ الوصف أميت. وقد كان عيسى عليه السلام حيث بعث ابن نيف وثلاثين. وقوله: {وجيهاً} حال من {كلمة} باعتبار ما صِدْقها. {ومن المقرّبين} عطف على الحال، {ويكلم} جملة معطوفة على الحال المفردة: لأنّ الجملة التي لها محل من الإعراب لها حكم المفرد. وقوله: {في المهد} حال من ضمير (يكلّم). وكهلاً عطف على محلّ الجار والمجرور، لأنهما في موضع الحال، فعطف عليهما بالنصب، {ومن الصالحين} معطوف على {ومن المقرّبين}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى. لأنها هي السبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين في موضع آخر. أنها لفظة كن وذلك في قوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن} تفسير : [آل عمران: 59] وقيل: الكلمة بشارة الملائكة لها بأنها ستلده واختاره ابن جرير، والأول قول الجمهور.
الواحدي
تفسير : {إذ قالت الملائكة} يعني: جبريل عليه السَّلام: {يا مريم إنَّ الله يبشرك بكلمة منه} يعني: عيسى عليه السَّلام؛ لأنَّه في ابتداء أمره كان كلمة من الله، وكُوِّن بكلمة منه، أَيْ: من الله {اسمه المسيح} وهو معرَّب من مشيحا بالسِّريانية، لقبٌ لعيسى ثمَّ فَسَّر وبيَّن من هو فقال: {عيسى ابن مريم وجيهاً} أَيْ: ذا جاهٍ وشرفٍ وقدرٍ {في الدنيا والآخرة ومن المقربين} إلى ثواب الله وكرامته. {ويكلم الناس في المهد} صغيراً {وكهلاً} أَيْ: يتكلَّم بالنُّبوَّة كهلاً. وقيل: بعد نزوله من السَّماء {ومن الصالحين} يريد: مثل موسى ويعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السِّلام. {قالت} مريم مُتعجِّبةً: {أنى يكون لي ولد} من غير مسيس بشرٍ؟ {قال كذلك الله يخلق ما يشاء} مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس بشرٍ، أَي: الأمر كما تقولين، ولكنَّ الله {إذا قضى أمراً} ذُكر في سورة البقرة [إلى آخرها]. {ويعلمه الكتاب} أراد: الكتابة والخطَّ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يبشرك: يخبرك بخبر سار مفرح لك. بكلمة منه: هو المسيح عليه السلام وسمي كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى {كُنْ}. المسيح: لقب عيسى عليه السلام ومن معانيه الصديق. الوجيه: ذو الجاه والقدر والشرف بين الناس. في المهد: المهد مضجع الصبي وهو رضيع. وكهلاً: الكهولة سنّ ما بين الشباب والشيخوخة. ولم يمسسني بشر: تريد لم يقربها ذكر لا للوقاع ولا لغيره، وذلك لعقمها وبعدها عن الرجال الأجانب. قضى أمراً: أراده وحكم بوجوده. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في حِجَاج وفد نصارى نجران إذ قال الله تعالى لرسوله واذكر لهم إذ قالت الملائكة يا مريم {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} الآية، حيث أخبرتها الملائكة أي جبريل عليه السلام بأن الله تعالى يبشرها بولد يكون بكلمة الله تعالى اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وأنه ذو جاه وشرف في الدنيا وفي الآخرة ومن المقربين، وأنه يكلم الناس وهو في مهده وقت رضاعه، كما يكلمهم في شبابه وكهولته، وأنه من الصالحين الذين يؤدون حقوق الله تعالى وحقوق عباده وافية غير منقوصة فردت مريم قائلة: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} أي كيف يكون لي ولد ولم يَغْشَني بشر بجماع وسنة الله في خلق الولد الغشيان فأجابها جبريل قائلا: الأمرهكذا سيخلق الله تعالى منك ولداً من غير أب، وهو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء وإذا حكم بوجود شيء من غير ذوات الأسباب فإنما يقول له كن فهو يكون كما قضى الله تعالى وأراد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها إذ كلمها جبريل وبشرها بعد أن تمثل لها بشراً. 2- بيان شرف عيسى عليه السلام ووجاهته في الدنيا والآخرة وأنه من المقربين والصالحين. 3- تكلم عيسى في المهد آية من آيات الله تعالى حيث لم تجر العادة أن الرضيع يتكلم في زمان رضاعه. 4- جواز طلب الإِستفسار عما يكون مخالفاً للعادة لمعرفة سرّ ذلك أو علته أو حكمته.
القطان
تفسير : المسيح: لقبٌ لعيسى والكلمة معرَّبة, وعيسى ايضا كلمة عبرانية. وجيها: شريفا عاليا. المهد: فراش الصبي الصغير. الكهل: الرجل من الثلاثين الى الخمسين. الكتاب: الكتب المنزلة من عند الله، ويجوز ان يكون المراد به الكتابة. الحكمة: اصابة الحق بالعلم والعمل. التوراة: الكتاب الذي أنزل على موسى. الإنجيل: معناه "البشرى أو البشارة" وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى. واذكر يا محمد حينما بشّرت الملائكة مريم بولد صالح، اسمه المسيح عيسى بن مريم، خلقه الله بكلمة منه، على غير السنَّة الجارية بين البشر في التوالد، بقوله "كن فيكون". وقد جعله الله ذا مكانة عالية في هذه الدنيا حيث أعطاه النبوة، وفي الآخرة حيث اعطاه علو المنزلة مع الصفوة المقربين الى الله من النبيّين أُولي العزم. وقد ميزه الله بخصائص منها أن يكلّم الناس وهو طفل في مهده، كما يكلّمهم وهو رجل كامل الرجولة. فلما سمعت مريم هذا الكلام قالت متعجبة: من أين يكون لي ولد ولم يمسّني رجل! فأَوحى الله اليها انه يخلق بقدرته مثل هذا الخلق العجيب، وانه اذا اراد شيئاً أوجده بقوله كن فيكون. وان الله سوف يعلّم طفلها العلم الصحيح النافع، والتوراةَ التي انزلت على موسى والانجيل الذي سيوحيه اليه. قراءات: قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب "ويعلّمه" بالياء والباقون "ونعلمه" بالنون. الانجيل: كلمة يونانية وردت في القرآن الكريم، معناها "البشرى" وتطلق اليوم على كل من الأناجيل التي تترجِم للمسيح في مجموعة "العهد الجديد" وهي اربعة: متّى ومرقص ولوقا ويوحنا. والاناجيل المتوازية هي الأناجيل الثلاثة (متى ومرقص ولوقا)، سُميت كذلك لتقاربها من بعضها أكثر من تقاربها مع الانجيل الرابع، انجيل يوحنا، الذي يختلف عنها في غايته. وتسمى مشكلة صلات هذه الأناجيل الثلاثة بعضها ببعض "المشكلة المتوازية"، ومؤداها أن انجيلي متّى ولوقا يحويان عناصر غير موجودة في انجيل مرقص. وتتفق هذه الأناجيل الثلاثة في أنها تترجم للمسيح رغم وقوف كل منها في ترجمته عند حد معين، وتوضيح مزية خاصة من مزاياه، مع بعض الاختلاف في بعض الحوادث والتواريخ. أما انجيل يوحنا فهو تأمل لاهوتي في تعاليم المسيح مع الاحتفاظ بالإطار التاريخي الأساسي. وانجيل متّى هو أول كتب العهد الجديد، يعزى الى متّى تلميذ المسيح، وقد وصلنا في الثلث الثاني من القرن الأول للمسيح قبل سنة سبعين. وانجيل مرقص هو ثاني كتب العهد الجديد، وأصغر وأبسط الأناجيل الأربعة. وانجيل لوقا الكتاب الثالث من العهد الجديد، وقد دُوّن في أواخر القرن الاول. وهو الانجيل الوحيد الذي يتكلم عن ولادة المسيح كما يعرض لصَلبه وبعثه، وفيه نصوص لم ترد في الأناجيل الأخرى. وانجيل يوحنا هو الكتاب الرابع من العهد الجديد، وضعه الرسول يوحنا، وهو يختلف عن الأناجيل الثلاثة المذكورة في مادته وتعالميه. وقد أورد الدكتور محمد وصفي في كتابه: "المسيح والتثليث" أسماءً لسبعة وثلاثين انجيلا، منها انجيل برنابا، وهو مطبوع في مصر، وحديثاً في طبعة أنيقة في بيروت. وقد اقتنيته، وفيه نصوص كثيرة تخالف الأناجيل الأربعة مخالفة جوهرية. وفيه بشارة صريحة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولكن المسيحيين لا يعترفون به ويقولون إنه مزيف. وفي كتاب الدكتور محمد وصفي "المسيح والتثليث" نصوص صريحة في مخالفة الأناجيل الأربعة لبعضها البعض واضحة جدا، وكذلك هناك اختلاف بين طبعات الكاثوليك وطبعات البروتستانت. وقد قال (فاستس) في القرن الرابع وهو من علماء (ماني كيز): إن الانجيل المنسوب الى متّى ليس من تصنيفه. وقال (اشلاير ماخر) في كتابه "الأبحاث عن انجيل لوقا": ليس انجيل لوقا الا كتباً مختلفة كتبت في أزمنة غير معينة على أيدي قوم مجهولين. وبعض الفرق المسيحية كالفرقة الموسونية والفرقة الابيونية وفرقة يوني تيرن اسقطت البابين الأول والثاني من انجيل لوقا، مع وجود الاختلاف الكبير بين كتابيهما وكتاب لوقا الحالي كذلك. وقال العلامة الألماني رويس: ان انجيل يوحنا مجرد رأي لأحد المسيحين نَزَعَ فيه الى بيان رأيه الخاص فيما أتى به المسيح عليه السلام. ولقد أكد (استاولن) ان انجيل يوحنا ليس إلا كتاباً كتبه بعض الطلبة من مدرسة الاسكندرية. وقد استبعد مسيو (موريس فرن) في دائرة المعارف البريطانية، كون الأناجيل الثلاثة المعزوة الى متى ومرقص ولوقا من تصنيفهم، وحين وصل الى الكلام عن انجيل يوحنا قال: لا شك انه كتابٌ دخيل مزوَّر أراد ان يوجد تناقضاً بين أقوال القديسَين متى ويوحنا... ومن أراد الاستزادة فعلية ان يرجع الى كتاب الدكتور محمد وصفي "المسيح والتثليث" وكتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله الهندي. وكل هذه الأقوال والانتقادات من علماء المسيحية أنفسهم. ونحن نعتقد أن هذه الأناجيل كلها محرَّفة، مؤلفوها مجهولون، وان الانجيل الصحيح الكامل مفقود كما جاء في القرآن الكريم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {يٰمَرْيَمُ} (45) - وَبَشَّرَتِ المَلاَئِكَةُ مَرْيَمَ، عَلَيهَا السَّلامُ، وَقَالَتْ لَها: إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِأنْ يَكُونَ لَكِ وَلَدٌ عَظِيمُ الشَّأنِ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ وَخَلْقُهُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، فَيَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَسَيَكُونُ الاسْمُ الذِي يَعْرِفُهُ بِهِ المُؤْمِنُونَ (المَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ)، وَسَيَكُونُ وَجيهاً وَذَا مَكَانَةٍ عِنْدَ اللهِ فِي الدُّنيا بِمَا يُوحِيهِ إليهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَيَكُونُ وَجيهاً في الآخِرةِ بِأنْ يَجْعَلَهُ اللهُ شَفِيعاً لِمَنْ يَأذَنُ لَهُ بالشَّفَاعَةِ فِيهِمْ. (وَقَدْ أُطْلِقَ عَليهِ اسْمُ المَسِيحِ - وَهُوَ لَقَبُ المَلِكِ عِنْدَهُمْ - فَقَدْ كَانَ مِنْ تَقَالِيدِهِمْ أنْ يَمْسَحَ الكَاهِنُ بالدُّهْنِ المُقَدَّسِ مَنْ يَتَوَلَّى المُلْكَ، وَيُعَبَّرُ عَنْ تَوَلِّيهِ المُلْكَ بِالمَسْحِ). وَجِيهاً - ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ وَشَرَفٍ. بِكَلِمَةٍ مِنْهُ - بِقَوْلٍ مِنْهُ (كُنْ) مُبْتَدأ مِنَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد كانت المرحلة الأولى بالنسبة لإعداد مريم هي قوله الحق على لسانها: {أية : إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. وبذلك تعرفت على طلاقة قدرة الله، والمرحلة الثانية هي سماعها لحكاية زكريا ويحيى وتأكيد الحق لها أنه اصطفاها على نساء العالمين، وفي ذلك أمر يتعلق بالنساء، وكان ذلك إيناساً من الحق لها، وتدخل مريم إلى مرحلة جديدة. {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ..} [آل عمران: 45]. والبشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، وقد يتساءل البعض؟ ماذا يقصد الحق بقوله: "كلمة منه"؟ والإجابة هي: أن الحق سبحانه وتعالى يزاول سلطانه في ملكه بالكلمة، لا بالعلاج، فالحق سبحانه علمنا ذلك بقوله: {أية : ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 47]. وهذا القول هو مجرد إيضاح لنا وتقريب لأنه لا يوجد عندنا أقصر في الأمر من كلمة "كن" إن قدرته قادرة بطلاقتها أن تسبق نطقنا بالكاف وهي الحرف الأول من "كن"، ولكن الحق يوضح لنا بأقصر أمر على طريقة البشر، إن الحق سبحانه وتعالى إذا أراد أمراً فإنه يقول له كن فيكون، وذلك إيضاح أن مجرد الإرادة الإلهية لأمر ما تجعله ينشأ على الفور، و"كن" هي مجرد إظهار الأمر للخلق، هكذا نفهم معنى بشارة الحق لمريم بـ "كلمة منه" ويقول الحق: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]. إنها ثلاثة أسماء، "المسيح"، "عيسى"، "ابن مريم". ما معنى المسيح؟ قد يكون الممسوح من الذنوب، أو أن تكون من آياته أن يمسح على المريض فيبرأ، أو المسيح المبارك .. أما عيسى. فهذا هو الاسم، والمسيح هو اللقب، وابن مريم هي الكنية .. ونحن نعرف أن العََلمَ في اللغة العربية يأتي على ثلاثة أنواع: اسم أو لقب أو كنية. وابن مالك يقول: "واسما أتى وكنية ولقباً" إن العَلَم على الشخص له ثلاث حالات. إما اسم وهو ما يطلق على المسمى أولاً. والاسم الثاني الذي أطلقناه عليه. إن كان يشعر برفعة صاحبه أو بضعَتِه نسميه لقباً. أما ما كان فيه أب أو أم فيقال له: "كنية" وجاءت الثلاثة في عيسى {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]. "المسيح" هو اللقب، "عيسى" هو الاسم و"ابن مريم" وهو الكنية. ومجيء عيسى باللقب والاسم والكنية ستكون لها حكمة تظهر لنا من بعد ذلك. ويقول عنه الحق: {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 45]. ونحن في حياتنا نستعمل كلمة فلان وجيه من وجهاء القوم، والوجيه هو الذي لا يرده مسئول للكرامة في وجهه، ونحن نسمع في حياتنا اليومية. فلان لا يصح أن نسبب له الخجل برفض أي طلب له. وكما يقول العامة: (هو الوجه ده حد يكسفه) إذن فالوجيه هو الذي يأخذ سمة وتميزا بحيث يستحي الناس أن يردوه إذا كان طالباً، وهناك إنسان آخر قد يسألك أو يسأل الناس، فلا يبالي به أحد، إنه يريق ماء وجهه وتنتهي المسألة. إذن فقوله الحق في وصف عيسى بن مريم: {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 45] أي أن أحداً لا يرده إن سأله. لكرم وجهه، فالإنسان يخجل أن يرد صاحب مثل هذه الكرامة، لذلك نجد أن السائل قد يقول: أعطني لوجه الله. أي أنه يقول لك: لا تنظر إلى وجهي، ولكن انظر إلى وجه الله؛ لأن الله هو الذي جاء بي إلى الدنيا وخلقني، وما دام قد جاء بي الخالق إلى الدنيا فهو المتكفل برزقي، فأنت حينما تعين على رزق من استدعاه الله إلى الوجود تكون قد أعطيت لوجه الله، إنه الخالق الذي يرزق كل مخلوق له حتى الكافر. إذن فعطاء الإنسان للسائل ليس عطاء لوجه السائل، ولكنه عطاء لوجه الله. والحق يقول عن عيسى بن مريم: {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 45] وعرفنا كيف يكون الإنسان وجيهاً في الدنيا، فلماذا نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة؟ وخصوصاً أن كل وجوه المؤمنين ستكون ناضرة، لقد نص الحق على وجاهة عيسى في الآخرة لأنه سوف يُسأل سؤالاً يتعلق بالقمة الإيمانية: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}تفسير : [المائدة: 116]. إياك أن تظن أن هذا السؤال هو تقريع من الله لعيسى بن مريم. لا. إن الحق يريد أن يقرّع من قالوا هذا الكلام. ولذلك يقول عنه الحق: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 33]. لأن ميلاده كان له ضجة، وبعض بني إسرائيل اتهموا والعياذ بالله أمه مريم البتول، و"يوم الممات"، كلنا نعرف حكاية الصلب وكان لها ضجة. إنه لم يصلب ولكن صلب من خانه ووشي به فألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه. ويوم البعث حياً يوم يسأله الله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}تفسير : [المائدة: 116]. إنه عيسى ابن مريم الذي أنعم الله عليه بالسلام في هذه المواقف الثلاثة. ويتابع الحق فيصف عيسى ابن مريم بقوله: {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] إن كلمة "من المقربين" تدل على تعالى الحق في عظمته، فحين يفتن بعض البشر في واحد منهم قد يغضب بعضهم من الشخص الذي فتن الآخرون فيه مع أنه ليس له ذنب في ذلك. والحق سبحانه يعلمنا أن للمغالي جزاءه ولكن المغالَى فيه تنجيه رحمة الغفار. إن الحق يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السلام لا تؤثر في مكانة عيسى عليه السلام عند الحق، إنه مقرب من الله، ولا تؤثر فتنة الآخرين في مكانته عند الله، ويقول الحق: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} فالمَسِيحُ: الصَدِّيقُ. والمَسِيحُ: المَمْسُوحُ العَينِ. وهو الدَّجَالُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} معناهُ شَريفٌ.
الأندلسي
تفسير : {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} العامل في إذا ذكر ويبعد أن يكون بدلاً من إذْ أو يكون العامل فيه يختصمون. {بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} هو عيسى وتقدم المراد بكلمة في قصة زكريا. {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ} والضمير في اسمه عائد على الكلمة على معنى يبشرك بمكوّن منه أو بموجود من الله وسمي المسيح لأنه مسح بالبركة. وألْ في المسيح للغلبة كهي في الدبران. واسمه المسيح مبتدأ وخبر وذكر الضمير في اسمه على معنى الكلمة ولم يؤنث على اللفظ. وعيسى: اسم أعجمي بدل من المسيح، وابن مريم صفة لعيسى. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن اسمه المجموع من قوله المسيح عيسى ابن مريم وفيه بعد. والمسيح لقب بدأ به لأنه أشهر من عيسى إذ لا ينطلق على غيره وعيسى قد يقع على غيره وامتنع عيسى من الصرف للعجمة والعلمية وليست ألفه للتأنيث خلافاً لمن قال ذلك. وأصله في لسانهم أيسوع. {وَجِيهاً} فعيل من وجه أي أعظم قدرة وجاهة. {فِي ٱلدُّنْيَا} بنبوّته {وَٱلآخِرَةِ} بعلو درجته. {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} قال الماوردي: معناه المبالغ في تقريبهم لأن فعّل من صيغ المبالغة يقال: قرّبه يقرّبه إذا بالغ في تقريبه. "انتهى". وليس فعّل هنا من صيغ المبالغة لأن التضعيف هنا للتعدية إنما يكون للمبالغة في نحو: جرّحت زيداً وموّت الناس ومن المقربين معطوف على قوله: وجيهاً، تقديره ومقرباً من جملة المقربين والتقريب بالمكانة والشرف لا بالمكان. {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} وعطف، ويكلم حال أيضاً على وجيهاً ونظيره صافات ويقبضن أي وقابضات وجاء بالمضارع الذي يقتضي التجدد ووجيهاً بالإِسم الذي يقتضي الثبوت، وكهلاً معطوف على في المهد أي كائناً في المهد وكهلاً يشير إلى أن تكليمه في المهد يكون كتكليمه كهلاً وفيه إشارة إلى أنه يعيش الى حد الكهولة. {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} استفهام معناه التعجب لأن وجود ولد من غير ذكر لم يعهد وهو أغرب من قصة زكريا. {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} جملة في موضع الحال. وقد فهمت من نسبته إليها في قوله: ابن مريم انه لا والد له فاستغربت ذلك وتعجبت منه. {قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} تقدم إعرابه في قصة زكريا وهناك يفعل لأنه ممكن إذ هو بين ذكر وأنثى مسنين. وهنا يخلق لأنه لم يعهد مولود من غير ذكر فجاء بلفظ يخلق الدال على الإِختراع الصرف من غير مادة ذكر. {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تقدم الكلام عليه في البقرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها تلك النفخة الذكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمى روح الله { وجيها في الدنيا والآخرة } أي: له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو عليه السلام من سادات المقربين. { ويكلم الناس في المهد وكهلا } وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم وفلاحهم، وهو تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين، أنه رسول رب العالمين، وأنه عبد الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به { ومن الصالحين } أي: يمن عليه بالصلاح، من منَّ عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام. { قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } والولد في العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك في قدرة الله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين أبوين أحدهما كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى عليه السلام من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن. ثم أخبر تعالى عن منته العظيمة على عبده ورسوله عيسى عليه السلام، فقال { ويعلمه الكتاب } يحتمل أن يكون المراد جنس الكتاب، فيكون ذكر التوراة والإنجيل تخصيصا لهما، لشرفهما وفضلهما واحتوائهما على الأحكام والشرائع التي يحكم بها أنبياء بني إسرائيل والتعليم، لذلك يدخل فيه تعليم ألفاظه ومعانيه، ويحتمل أن يكون المراد بقوله { ويعلمه الكتاب } أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم } . تفسير : والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك امتنانا على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه. ثم ذكر له كمالا آخر وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل، فقال { ورسولا إلى بني إسرائيل } فأرسله الله إلى هذا الشعب الفاضل الذين هم أفضل العالمين في زمانهم يدعوهم إلى الله، وأقام له من الآيات ما دلهم أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا ولهذا قال { أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين } طيرا، أي: أصوره على شكل الطير { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } أي: طيرا له روح تطير بإذن الله { وأبرئ الأكمه } وهو الذي يولد أعمى { والأبرص } بإذن الله { وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان. { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة، فالكاذب فيها لا بد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية والرحمة الربانية بعباده، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا، بخلاف بعض الأمور الجزئية، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي، وهي ما تقدم من الآيات، والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله. { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } استدل بتوحيد الربوبية الذي يقر به كل أحد على توحيد الإلهية الذي ينكره المشركون، فكما أن الله هو الذي خلقنا ورزقنا وأنعم علينا نعما ظاهرة وباطنة، فليكن هو معبودنا الذي نألهه بالحب والخوف والرجاء والدعاء والاستعانة وجميع أنواع العبادة، وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن الله، وهذا إقراره عليه السلام بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } تفسير : وقال تعالى: {أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته } تفسير : إلى قوله {أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } تفسير : وقوله { هذا } أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله { صراط مستقيم } موصل إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق موصلة إلى الجحيم. { فلما أحس عيسى منهم الكفر } أي: رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ذلك { قال من أنصاري إلى الله } من يعاونني ويقوم معي بنصرة دين الله { قال الحواريون } وهم الأنصار { نحن أنصار الله } أي: انتدبوا معه وقاموا بذلك. وقالوا: { آمنا بالله } { فاكتبنا مع الشاهدين } أي: الشهادة النافعة، وهي الشهادة بتوحيد الله وتصديق رسوله مع القيام بذلك، فلما قاموا مع عيسى بنصر دين الله وإقامة شرعه آمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فاقتتلت الطائفتان فأيد الله الذين آمنوا بنصره على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، فلهذا قال تعالى هنا { ومكروا } أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله وإطفاء نوره { ومكر الله } بهم جزاء لهم على مكرهم { والله خير الماكرين } رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين. { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا } فرفع الله عبده ورسوله عيسى إليه، وألقي شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال الله {أية : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } تفسير : وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم، وكان الله عزيزا قويا قاهرا، ومن عزته أن كف بني إسرائيل بعد عزمهم الجازم وعدم المانع لهم عن قتل عيسى عليه السلام، كما قال تعالى {أية : وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } تفسير : حكيم يضع الأشياء مواضعها، وله أعظم حكمة في إلقاء الشبه على بني إسرائيل، فوقعوا في الشبه كما قال تعالى {أية : وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا } تفسير : ثم قال تعالى: { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } وتقدم أن الله أيد المؤمنين منهم على الكافرين، ثم إن النصارى المنتسبين لعيسى عليه السلام لم يزالوا قاهرين لليهود لكون النصارى أقرب إلى اتباع عيسى من اليهود، حتى بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون هم المتبعين لعيسى حقيقة، فأيدهم الله ونصرهم على اليهود والنصارى وسائر الكفار، وإنما يحصل في بعض الأزمان إدالة الكفار من النصارى وغيرهم على المسلمين، حكمة من الله وعقوبة على تركهم لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم { ثم إلي مرجعكم } أي: مصير الخلائق كلها { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } كل يدعي أن الحق معه وأنه المصيب وغيره مخطئ، وهذا مجرد دعاوى تحتاج إلى برهان. ثم أخبر عن حكمه بينهم بالقسط والعدل، فقال { فأما الذين كفروا } أي: بالله وآياته ورسله { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } أما عذاب الدنيا، فهو ما أصابهم الله به من القوارع والعقوبات المشاهدة والقتل والذل، وغير ذلك مما هو نموذج من عذاب الآخرة، وأما عذاب الآخرة فهو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار وحرمانهم ثواب الأبرار { وما لهم من ناصرين } ينصرونهم من عذاب الله، لا من زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، ولا ما اتخذوهم أولياء من دونه، ولا أصدقائهم وأقربائهم، ولا أنفسهم ينصرون. { وأما الذين آمنوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وغير ذلك مما أمر الله بالإيمان به { وعملوا الصالحات } القلبية والقولية والبدنية التي جاءت بشرعها المرسلون، وقصدوا بها رضا رب العالمين { فيوفيهم أجورهم } دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه { والله لا يحب الظالمين } بل يبغضهم ويحل عليهم سخطه وعذابه. { ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } وهذا منة عظيمة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته، حيث أنزل عليهم هذا الذكر الحكيم، المحكم المتقن، المفصل للأحكام والحلال والحرام وإخبار الأنبياء الأقدمين، وما أجرى الله على أيديهم من الآيات البينات والمعجزات الباهرات، فهذا القرآن يقص علينا كل ما ينفعنا من الأخبار والأحكام، فيحصل فيها العلم والعبرة وتثبيت الفؤاد ما هو من أعظم رحمة رب العباد، ثم قال تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 149 : 13 : 18 - سفين عن منصور عن إبراهيم قال، المسيح هو الصديق [الآية 45].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):