٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } أي طفلاً قبل وقت الكلام {وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ }.
ابن عطية
تفسير : قوله: {ويكلم} نائب عن حال تقديرها ومكلماً وذلك معطوف على قوله: {أية : وجيهاً}تفسير : [آل عمران:45]، وجاء عطف الفعل المستقبل على اسم الفاعل لما بينهما من المضارعة كما جاز عطف اسم الفاعل على الفعل المستقبل في قوله الشاعر: [الرجز]. شعر : بتُّ أُعشّيها بِعَضْبٍ باترِ يَفْصِدُ في أسْوقِها وَجَائِرِ تفسير : وقوله: {في المهد} حال من الضمير في {يكلم}، و{كهلاً} حال معطوفة على قوله: {في المهد}، وقوله: {من الصالحين}، حال معطوفة على قوله، {ويكلم}، وهذه الآية إخبار من الله تعالى لمريم بأن ابنها يتكلم في مهده مع الناس آية دالة على براءة أمه مما عسى أن يقذفها به متعسف ظان، و {المهد} موضع اضطجاع الصبي وقت تربيته، وأخبر تعالى عنه أنه أيضاً يكلم الناس {كهلاً}، وفائدة ذلك إذ كلام الكهل عرف أنه إخبار لها بحياته إلى سن الكهولة، هذا قول الربيع وجماعة من المفسرين، وقال ابن زيد: فائدة قوله {كهلاً} الإخبار بنزوله عند قتله الدجال كهلاً، وقال جمهور الناس: الكهل الذي بلغ سن الكهولة، وقال مجاهد: الكهل الحليم، وهذا تفسير الكهولة بعرض مصاحب لها في الأغلب، واختلف الناس في حد الكهوله: فقيل: الكهل ابن أربعين سنة، وقيل: ابن خمس وثلاثين، وقيل، ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثين، وهذا حد أولها. وأما آخرها فاثنتان وخمسون، ثم يدخل سن الشيخوخة. وقول مريم: {ربِّ أنّى يكون لي ولد} استفهام عن جهة حملها واستغراب للحمل على حال بكارتها، و {يمسسني}، معناه يطأ ويجامع، والمسيس الجماع، ومريم لم تنف مسيس الأيدي، والإشارة بقوله: {كذلك}، يحتمل أن تكون إلى هذه القدرة التي تتضمنها البشارة بالكلمة، ويحتمل أن تكون إلى حال مريم وبكارتها، وقد تقدم شرح هذين التأويلين في أمر زكرياء عليه السلام، وجاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا، {يخلق} من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه، وروي أن عيسى عليه السلام، ولد لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من يولد من غيره لمثل ذلك، وقوله تعالى: {إذا قضى} معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور وهو مصدر سمي به، والضمير في {له} عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، قال مكي: وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، وقرأ جمهور السبعة "فيكونُ" بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده "فيكونَ" بالنصب، فوجه الرفع العطف على {يقول}، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير متجهة لأن الأمر المتقدم خطاب للمقضي وقوله: {فيكون}، خطاب للمخبر، فليس كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى: {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} تفسير : [ابراهيم: 31] أنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة جواب الأمر وإن لم يكن جواباً، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال: امتلأ الحوض وقال قطني وغير ذلك، قال: لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية غفر الله له.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَهْدِ} من التمهيد، تكلم فيه تبرئة لأمه، أو لظهور معجزته، وكان في المهد نبياً، لظهور المعجزة، أو لم يكن حينئذ نبياً وكان كلامه تأسيساً لنبوته. {وَكَهْلاً} حليماً، أو كهلاً في السن، والكهولة أربع وثلاثون سنة، أو فوق حال الغلام ودون حال الشيخ، أخذ من القوة، اكتهل النبت إذا طال وقوي، يريد يكلمهم كهلاً بالوحي، أو يتكلم صغيراً بكلام الكهل في السن.
الخازن
تفسير : {يكلم الناس في المهد} يعني ويكلم الناس صغيراً وهو في المهد وذلك قبل أوان الكلام ووقته والكلام الذي تكلم به هو ما ذكره الله عنه في سورة مريم وهو قوله: {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب}تفسير : [مريم: 30] الآية. وتكلم ببراءة أمه مما رماها به أهل الفرية من القذف. ويحكى أن مريم قالت كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح وهو في بطني وأنا أسمع ولما تكلم ببراءة أمه سكت بعد ذلك فلم يتكلم إلاّ في الوقت الذي يتكلم فيه الصغير قال ابن عباس: تكلم عيسى ساعة ثم سكت ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق {وكهلاً} يعني ويكلم الناس في حال الكهولة والكهل في اللغة هو الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه والكهل عند العرب الذي جاوز الثلاثين وقيل: هو الذي وخطه الشيب، وهو السن الذي يستحكم فيه العقل وتتنبأ فيه الأنبياء. قال ابن قتيبة: لما كان لعيسى ثلاثون سنة أرسله الله تعالى فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله تعالى وقال وهب بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله فمعنى الآية أنه يكلم الناس وهو في المهد ببراءة أمه وهي معجزة عظيمة، ويكلم الناس في حال الكهولة بالدعوة والرسالة وقيل: فيه بشارة لمريم أخبرها بأنه يبقى حتى يكتهل وقيل: فيه إخبار بأنه يتغير من حال إلى حال ولو كان إلهاً كما زعمت النصارى لم يدخل عليه التغيير ففيه رد على النصارى الذين يدعون فيه الألوهية. وقال الحسن بن الفضل: وكهلاً يعني ويكلم الناس كهلاً بعد نزوله من السماء وفي هذه نص على أنه سينزل من السماء إلى الأرض ويقتل الدجال. وقال مجاهد: الكهل الحكيم والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن واستحكام العقل وجوده الرأي والتجربة {ومن الصالحين} يعني أنه من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء وإنما ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من الصالحين بعد ما وصفه بالأوصاف العظيمة. لأن الصلاح من أعظم المراتب واشرف المقامات لأنه لا يسمى المرء صالحاً حتى يكون مواظباً على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله. فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين وأنه يكلم الناس في المهد وكهلاً أردفه بقوله ومن الصالحين ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات. قوله عز وجل: {قالت} يعني مريم {رب} يعني يا سيدي تقوله لجبريل لما بشرها بالولد وقيل تقوله لله عز وجل: {أنى يكون لي ولد} أي من أين يكون لي ولد {ولم يمسسني بشر} أو لم يصبني رجل وإنما قالت ذلك تعجباً لا شكاً في قدرة الله تعالى إذ لم تكن العادة جرت أن يولد ولد من غير أب {قال كذلك الله يخلق ما يشاء} يعني هكذا يخلق الله منك ولداً من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما يريد وهو قوله {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} يعني كما يريد {ويعلمه الكتاب} يعني الكتابة والخط باليد {والحكمة} يعني العلم والسنة وأحكام الشرائع {والتوراة} يعني التي أنزلت على موسى {والإنجيل} يعني الذي أنزل عليه وهذا إخبار من الله تعالى لمريم ما هو فاعل بالولد الذي بشرها به من الكرامة وعلو المنزلة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج قال: بلغني عن ابن عباس قال: {المهد} مضجع الصبي في رضاعه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى عليه السلام، وكان من بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات. وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فامكنته من نفسها، فولدت غلاماً فقالت: من جريج.... فأتوه فكسروا صومعته، وانزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي.... فقالوا له: نبني صومعتك من ذهب قال: لا. إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني اسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله. فترك ثديها واقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مرا بأمة تجزر ويلعب بها فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه. فترك ثديها فقال: اجعلني مثلها فقالت: لم ذاك....؟! فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون لها زنَيْت وتقول حسبي الله، ويقولون سرَقْتِ وتقول حسبي الله "تفسير : . وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة فرعون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {ويكلم الناس في المهد وكهلاً} قال: يكلمهم صغيراً وكبيراً. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس {وكهلاً} قال: في سن كهل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: "الكهل" الحليم. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب قال: "الكهل" منتهى الحلم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: قد كلمهم عيسى عليه السلام في المهد، وسيكلمهم إذا أقبل الدجال، وهو يومئذ كهل. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال {كذلك الله يخلق ما يشاء} أي يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} مما يشاء، وكيف يشاء فيكون كما أراد.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي يكلمهم حال كونِه طفلاً وكهلاً كلام الأنبـياء من غير تفاوت، والمهدُ مصدرٌ سُمِّي به ما يُمْهَد للصبـيِّ أي يُسوَّى من مضجعه وقيل: إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله وفي ذكر أحوالِه المختلفة المتنافيةِ إشارةٌ إلى أنه بمعزلٍ من الألوهية {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} حالٌ أخرىٰ من كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضمير في يكلم. {قَالَتْ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل: فماذا قالت مريمُ حين قالت لها الملائكةُ ما قالت؟ فقيل: قالت متضرعةً إلى ربها: {رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ} أي كيف يكونُ أو من أين يكون {لِى وَلَدٌ} على وجه الاستبعاد العادي والتعجب واستعظامِ قدرةِ الله عز وجل وقيل: على وجه الاستفهامِ والاستفسارِ بأنه بالتزوج أو بغيره يكون الولدُ، ويكون إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها، وتأخيرُ الفاعل عن الجار والمجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر، ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقع حالاً من ولد إذ لو تأخرَ لكان صفة له، وإما ناقصةٌ واسمُها ولد وخبرها إما أنى واللامُ متعلقةٌ بمضمر وقع حالاً كما مر، أو خبر وأنىٰ نصبَ على الظرفية وقوله تعالى: {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} جملةٌ حالية محقّقةٌ للاستبعاد أي والحال أني على حالة منافيةٍ للولادة {قَالَ} استئنافٌ كما سلف والقائلُ هو الله تعالى أو جبريلُ عليه الصلاة والسلام {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء} الكلامُ في إعرابه كما مر في قصة زكريا بعينه خلا أن إيراد {يَخْلُقُ} هٰهنا مكانَ يفعلُ هناك لما أن ولادةَ العذراءِ من غير أن يمسَّها بشرٌ أبدعُ وأغربُ من ولادة عجوزٍ عاقرٍ من شيخ فانٍ، فكان الخلقُ المُنبىءُ عن الاختراع أنسبَ بهذا المقام من مطلق الفعل، ولذلك عقّب ببـيان كيفيته فقيل: {إِذَا قَضَى أَمْرًا} من الأمور أي أراد شيئاً كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} تفسير : [يس، الآية 82] وأصلُ القضاءِ الأحكامُ أُطلق على الإرادة الإلٰهيةِ القطعيةِ المتعلقةِ بوجود الشيءِ لإيجابها إياه البتةَ، وقيل: الأمرُ ومنه قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ} لا غيرُ {فَيَكُونُ} من غير تريثٍ وهو كما ترى تمثيلٌ لكمال قدرته تعالى وسهولةِ حصولِ المقدوراتِ حسبما تقتضيه مشيئتُه وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو علم فيها من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمرِ القويّ المطاعِ، وبـيانٌ لأنه تعالى كما يقدِر على خلق الأشياءِ مُدرَجاً بأسباب وموادَّ معتادةٍ يقدِر على خلقها دفعةً من غير حاجة إلى شيء من الأسباب والمواد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} [الآية: 46]. قال: يُكلمُ الناسَ وكهلاً قال: تكليمُ الناس فى المهدِ معجزةٌ له وكهلاً داعيًا إلى ربه والمهدُ معجزةٌ له. وقيل: ويُكلّم الناسَ فى المهدِ ويكون كهلاً من الصالحين. وقيل ويكلم الناس فى المهدِ صبيًا وعند نزوله من السماء كهلاً، ليكون على طرفى كلامه معجزةً.
البقلي
تفسير : {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} تكلم الناس فى المهد ليكون شاهدا على نبوته ورسالته وطهارة امه وكهلا عن انبساطه وحالة اتحاده فالاولى من النبوة والاخر من الانانية وفعله شاهد قوله باحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص فى بدايته كان ملتبسا بلسان العبودية فى العبودية فى نهايته كان ملتبسا بصفات الربوبية وقيل يكلم الناس فى المهد معجزة له وكهلا داعيا الى ربه وقيل يكلم الناس فى المهد صبيا وعند نزوله من السماء كهلا ليكون على طرفى كلامه معجزة اقال الواسطى يكلم الناس فى المهد رد القول المخالفين انه نطق فى حال يعجز من كان مثله عن ذلك اذا كان كهلا ليس فيه بطش الشباب ولا ضعف الشيوخ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويكلم الناس فى المهد وكهلا} اى يكلمهم حال كونه طفل وكهلا كلام الانبياء عليهم السلام من غير تفاوت يعنى ان تكلمه فى حالة الطفولية والكهولة على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت بان يكون كلامه فى حال الطفولية مثل كلام الانبياء والحكماء لا شك انه من اعظم المعجزات * قال مجاهد قالت مريم اذا خلوت انا وعيسى حدثنى وحدثته فاذ شغلنى عنه انسان يسبح فى بطنى وانا اسمع وتكلمه معهم دليل على حدوثه لحدوث الاصوات والحروف - روى - انه لما بلغ عمره ثلاثين سنة ارسله الله الى بنى اسرائيل فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفع الى السماء او جاءه الوحى على راس ثلاثين سنة فمكث فى نبوته ثلاث سنين واشهرا ثم رفع. والكهل من تجاوز الثلاثين الى الاربعين وقارب الشيب من اكتهل النبت قارب اليبس فعلى هذا صح ان يقال انه بلغ سن الكهولة وكلم الناس فيه ثم رفع واما على قول ما يقول ان اول سن الكهولة اربعون سنة فلا بد ان يقال انه رفع شابا ولا يكلم الناس كهلا الا بعد ان ينزل من السماء فى آخر الزمان فانه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال {ومن الصالحين} هذه الاربعة احوال مقدرة من كلمة والمعنى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات وذكر قوله ومن الصالحين بعدد ذكر الاوصاف المتقدمة دليل على انه لا رتبة اعظم من كون المرء صالحا لانه لا يكون المرء كذلك الا بان يكون فى جميع الافعال والتروك مواظبا على النهج الاصلح والطريق الاكمل ومعلوم ان ذلك يتناول جميع المقامات فى الدين والدنيا فى افعال القلوب وفى افعال الجوارح.
الطوسي
تفسير : الاعراب: موضع {ويكلم الناس في المهد} نصب على الحال عطفاً على {وجيهاً} ومكلما وكذلك عطف عليه {وكهلاً} بالنصب. ويجوز عطف الفاعل على الفعل لتقارب معنيهما قال الشاعر: شعر : بات يغشاها بعضب باتر يقصد في أسوقها وجائر تفسير : أي ويجور وقال آخر: شعر : يا ليتني علقت غير خارج قبل الصباح ذات خلق بارج أم صبى قد حبا أمّ دارج تفسير : أي أو درج ويجوز في قوله: {وكهلاً} أن يكون معطوفاً على الظرف من قوله: {في المهد}. اللغة: والمهد مضجع الصبي في رضاعه في قول ابن عباس، مأخوذ من التمهيد. والكهل: من كان فوق حال الغلومة، ودون الشيخوخة. ومنه اكتهل النبت: إذا طال، وقوي. ومنه الكاهل فوق الظهر إلى ما يلي العنق والمرأة كهلة. قال الراجز: شعر : ولا أعود بعدها كريا امارس الكهلة والصبيا تفسير : وقيل الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة. وقال مجاهد: الكهل: الحليم وأصل الباب العلو، فالكهل لعلو سنه، أو لعلو منزلته. المعنى: ووجه كلامه في المهد تبرئة لأمه مما قذفت به، وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه. فان قيل: فما معنى {وكهلاً} وليس بمنكر الكلام من الكهل؟ قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها - يكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من قبل الله. الثاني - انه يبلغ حال الكهل في السن، وفي ذلك أيضاً إعجاز لكون المخبر على ما أخبر به. الثالث - أن المراد به الرد على النصارى بما كان منه من التقلب في الأحوال، لأنه مناف لصفة الآله. فان قيل كيف جحدت النصارى كلام المسيح في المهد وهو معجزة عظيمة؟ قلنا: لأن في ذلك ابطال مذهبهم، لأنه قال: {أية : إني عبد الله}تفسير : فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك. وفي ظهور المعجزة في تلك الحال قيل فيه قولان: أحدهما - إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح، لأنه كمل عقله في تلك الحال حتى عرف الله بالاستدلال، ثم أوحى إليه بما تلكم به، هذا قول أبي على الجبائي. وقال ابن الاخشاذ: إن كل ذلك كان على جهة التأسيس لنبوته، والتمكين لها بما يكون دالا عليها، وبشارة متقدمة لها. ويجوز - عندنا - الوجهان. ويجوز أيضاً أن يكون ذلك معجزة لمريم تدل على براءة ساحتها مما قذفت على ما بينا جوازه فيما مضى.
الجنابذي
تفسير : {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} هو ما يمهد لمضجع الصبىّ {وَكَهْلاً} يعنى يكلّم النّاس فى طفوليّة كما تكلّم حين الشّهادة لنفسه ولأمّه بالطّهارة عن السّفاح بقوله {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [مريم: 30] او يكلّم النّاس فى طفوليّته بالرّسالة والمحاجّة عليها فانّه بعث فى ابن خمس او ابن سبع وفى زمان بلوغه مبلغ الكمال لا الكهولة العرفيّة على ما قيل انّه رفع فى شبابه وقيل: انّ المراد بتكلّمه كهلاً تكلّمه حين نزوله من السّماء {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ قَالَتْ} مثل زكريّا (ع) مستغربة بحسب الاسباب الطبيعيّة {رَبِّ أَنَّىٰ} كيف {يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ويجوز ان يكون استفهاماً وسؤالاً لتعلم انّ الولد يكون بلا زوج او يكون بعد تزوّجها {قَالَ كَذَلِكَ} الولد من غير مسيس البشر {ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} استئناف جواب سؤالٍ مقدّرٍ عن كيفيّة خلقه ما يشاء {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} من غير اسبابٍ كما جرى سنّته بان يخلق الاشياء الطبيعيّة تدريجاً بالاسباب.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ} أي في حجر أمه {وَكَهْلاً}. والكهل ما زاد على ثلاثين سنة في تفسير الكلبي. وقال بعضهم: الكهل منتهى الحلم. وقال الحسن وغيره. يكلّمهم صغيراً وكبيراً. {وَمِنَ الصَّالِحِينَ}. فعلمت بذلك أن الله رزقها إياه، فأرادت أن تعلم كيف ذلك فـ {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} أي كيف يكون لي ولد {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}. قال: {وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ} يعني الخط {وَالحِكْمَةَ}. قال بعضهم: الحكمة السنة، وقال بعضهم: الفهم والعلم. {وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ} [أي أصور] {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} أي كشبه الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ} ذكروا عن الحسن أنه قال: الأكمه هو الأعمى. وقال بعضهم: هو الأعمى الذي ولدته أمه مطموس العينين. {وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال الكلبي: كان يقول لبني إسرائيل: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفح فيه فيكون طائراً بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، فقالوا: ما نرى الذي تصنع إلا سحراً، فأرنا آية نعلم أنك صادق. قال: أرأيتم إن أخبرتكم بما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا، وما ادّخرتم من الليل، أتعلمون أني صادق؟ قالوا: نعم. فأخذ يقول للرجل: أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، ورفعت كذا وكذا؛ فمنهم من يقبل ويؤمن، ومنهم من ينكر. وقال مجاهد: وأنبئكم بما أكلتم البارحة، وبما خبأتم في بيوتكم. وقال: بعضهم: كان القوم لما سألوا المائدة وكانت خواناً ينزل عليهم أينما كانوا ثمراً من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا منه ولا يخبئوا ولا يدخروا لغد؛ فكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم عيسى بما صنعوا.
اطفيش
تفسير : {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً}: فى المهد متعلق بمحذوف حالا من ضمير يكلم، و{كهلا}: معطوفاً على هذه الحال، أى ثابتاً فى المهد وكهلا، أى يكلم الناس وقت كونه طفلا فى المهد، ووقت كونه كهلا، بكلام الأنبياء، والمراد أن كلامه فى حال الطفولية والكهولة على حد سواء، بكلام النبوة، وجملة {يكلم} قيل معطوفة على {أية : وجيها}تفسير : و{المهد}: ما يفرش للصبى، ويطوى فيه، وأصله مصدر رسمى به، والكهل: من اجتمعت قوته وتم شبابهُ، وأول سن الكهولة ثلاثون سنة، وقيل: اثنان وثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون وآخرها خمسون، وقيل اثنان وخمسون، وقيل: ستون ويدخل فى سن الشيخوخة. وكلام عيسى فى المهد، قوله فى تبرئة أمه {أية : إنى عَبْد اللهِ آتَانى الكِتَابَ} تفسير : إلى قوله {أية : ويَوم أُبْعَثُ حيّاً}تفسير : وعن مجاهد: قالت مريم كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثتهُ، فاذا شغلنى عنهُ شأن يسبح فى بطنى وأنا أسمع. وعن ابن قتيبة: لما بلغ عيسى بن مريم ثلاثين سنة، أرسلهُ الله إلى بنى إسرائيل فمكث فى رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله تعالى. وقال ابن منبه: جاءه الوحى على رأس ثلاثين سنة، فمكث فى نبوته ثلاث سنين وأشهراً ثم رفعهُ الله. ومن قال: أول سن الكهولة أربعون سنة، فلا بد أن يقول: رفع شاباً، ويكلم الناس كهلا على هذا إذا نزل آخر الزمان، ويقتل الدجال.. قال الحسن بن الفضل: يكلم الناس كهلا بعد نزوله من السماء، قيل لبعضهم: هل تجد نزول عيسى فى القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى {وكَهْلاً} بعد نزوله من السماء، والأولى أنه يكلم كهلا قبل أن يرفعه الله، وفى ذلك بشارة لمريم عليه السلام، بأنهُ يعيش حتى يكتهل، وخص الكهولة؛ لأنهُ يكلم فى المهد ببراءتها، وفى الكهولة بالوحى، قيل: تكلم ببرائتها تم أمسك عن الكلام إلى وقت تكلم الصبيان. وقيل: تكلم فى المهد بالوعظ والذكر، ولم يمسك عنهُ، وقيل: خص الكهولة لأنها وقت استحكام العقل والرأى ولذلك يقال للحكيم: كهل. كما قال مجاهد وبه فسره، وفى ذكر اختلاف أحواله من الصبى إلى الكهل رد على وفد نجران وغيرهم، فى قولهم إنه إله، لأن التغير محال فى حق الإله. {وَمِنَ الصَّالِحِينَ}: متعلق بمحذوف حال معطوفة على حال الضمير فى {يكلم} أو حال {كلمة}، أى وثابتاً من الصالحين، أى من عباد الله الصالحين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وختم صفاته بالصلاح، لأنه أشرف المراتب، إذ لا يسمى صالحاً حتى يواظب على الطاعات قولا وفعلا، فى الطريق الأكمل.
اطفيش
تفسير : {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ} فى زمان المهد قبل وقت الكلام، وهو ما يوطأ للطفل، وظاهر الآية أنه لم يرتفع عند الكلام، لأن الفعل هنا للتكرير، لا كما قيل، إنه بعد ما تكلم ارتفع الكلام إلى وقته، وعن ابن عباس تكلم ساعة فى المهد بقوله،{أية : إنى عبد الله آتانى الكتاب...} تفسير : [مريم: 30] الخ، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق، وقالت مريم عليها السلام، كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثته، وإذا شغلنى عنه إنسان سبَّح فى بطنى وأنا أسمع {وَكهْلاً} عطف على الحال قبله، أى ثابتا فى المهد وكهلا، وذلك بشارة بأنه يحيا ويكون كهلا، وإعلان بأن كلامه لم يتغير، بل هو حق، وكلام أنبياء قبله فى حال مهده وحال كهولته، ولو كان إلها كما تزعم النصارى لم يتغير من الصبا إلى الكهولة، وأول الكهولة ثلاثون سنة، أو اثنتان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون، بعث على رأس ثلاثين، ومكث فى نبوته ثلاثين شهرا أو ثلاثين سنة {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} وثابتا من الصالحين كإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى، ولا شك أن الصلاح سبب لجميع مقامات الدين ومتقدم فى الوجود على النبوة، ولذلك ذكره مع تقدم تلك الصفات، أو المراد الكاملون فى الصلاح، وأيضاً يقال، لا مرتبة أعلى من كون المرء صالحاً، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان فى جميع الأفعال والتروك مواظبا عَلَى المنهج الأصلح، فتناول جميع مقامات الدين اعتقادا، قولا وعملا، فلا يعترض بأن مقام النبوة أعظم فتغنى، ولذلك قال سليمان بعد النبوة، {أية : وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين} تفسير : [النمل: 19]، وبأن الصلاح أول درجات المؤمنين.
الالوسي
تفسير : {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } عطف على الحال الأولى أيضاً وعطف الفعل على الاسم لتأويله به سائغ شائع ـ وهو في القرآن كثير ـ والظرف حال من الضمير المستكن في الفعل ولم يجعل ظرفاً لغواً متعلقاً به مع صحته لعطف {وَكَهْلاً } عليه، والمراد يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً، والمقصود التسوية بين الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة، وإلا فالكلام في الثاني ليس مما يختص به عليه السلام وليس فيه غرابة، وعلى هذا فالمجموع حال لا كل على الاستقلال، وقيل: إن كلاً منهما حال، والثاني: تبشير ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره، والمهد مقر الصبـي في رضاعه وأصله مصدر سمي به وكان كلامه في المهد ساعة واحدة بما قص الله تعالى لنا، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام قاله ابن عباس، وقيل: كان يتكلم دائماً وكان كلامه فيه تأسيساً لنبوته وإرهاصاً لها على ما ذهب إليه ابن الأخشيد وعليه يكون قوله: {أية : وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } تفسير : [مريم: 30] إخباراً عما يؤول إليه، وقال الجبائي: إنه سبحانه أكمل عقله عليه السلام إذ ذاك وأوحى إليه بما تكلم به مقروناً بالنبوة، وجوز أيضاً أن يكون ذلك كرامة لمريم دالة على طهارتها وبراءة ساحتها مما نسبه أهل الإفك إليها، والقول: بأنه معجزة لها بعيد ـ وإن قلنا بنبوتها ـ. وزعمت النصارى أنه عليه السلام لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه صغيراً بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار ـ وهذا من أكبر فضائحهم الصادحة برد ما هم عليه من دعوى الألوهية له عليه السلام ـ وكذا تنقله في الأطوار المختلفة المتنافية لأن من هذا شأنه بمعزل عن الألوهية، واعترضوا بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور فلو كان لنقل ولو نقل لكان النصارى أولى الناس بمعرفته، وأجيب بأن الحاضرين إذ ذاك لم يبلغوا مبلغ التواتر، ولما نقلوا كذبوا فسكتوا، وبقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن به، وهذا قريب على قول ابن عباس: إنه لم يتكلم إلا ساعة من نهار ـ وعلى القول الآخر ـ وهو أنه بقي يتكلم يقال: إن الناس اشتغلوا بعد بنقل ما هو أعجب من ذلك من أحواله كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار عن الغيوب والخلق من الطين كهيئة الطير حتى لم يذكر التكلم منهم إلا النزر ولا زال الأمر بقلة حتى لم يبق مخبر عن ذلك وبقي مكتوماً إلى أن أظهره القرآن. وبعد هذا كله لك أن تقول لا نسلم إجماع النصارى على عدم تكلمه في المهد، وظاهر الأخبار، وقد تقدم بعضها يشير إلى أن بعضهم قائل بذلك، وبفرض إجماعهم نهاية ما يلزم الاستبعاد وهو بعد إخبار الصادق لا يسمن ولا يغني من جوع عند من رسخ إيمانه. وقوي إيقانه، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطق القرآن الحق بخلافها والحق أحق بالاتباع، ولعل مرامهم من ذلك أن يطفئوا نور الله بأفواههم {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [التوبة: 32]. والكهل ما بين الشاب والشيخ، ومنه اكتهل النبت إذا طال وقوي، وقد ذكر غير واحد أن ابن آدم ما دام في الرحم فهو جنين، فإذا ولد فهو وليد؛ ثم ما دام يرضع فهو رضيع، ثم إذا قطع اللبن فهو فطيم، ثم إذا دب ونما فهو دارج، فإذا بلغ خمسة أشبار فهو خماسي، فإذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتت أسنانه فهو ـ مثغر بالتاء والثاء ـ كما قال أبو عمرو ـ فإذا قارب عشر سنين أو جاوزها فهو مترعرع وناشىء؛ فإذا كان يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع ومراهق، فإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور، واسمه في جميع هذه الأحوال غلام فإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره يسيل قيل: قد بقل وجهه، فإذا صار ذا فتاء فهو فتى وشارخ، فإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية شبابه فهو مجتمع، ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين. ويقال لمن لاحت فيه أمارات الكبر وخطه الشيب، ثم يقال شاب، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر، ثم هرم، / ثم دلف، ثم خرف، ثم اهتر، ومحاظله ـ إذا مات ـ وهذا الترتيب إنما هو في الذكور ـ وأما في الإناث فيقال للأنثى ما دامت صغيرة: طفلة، ثم وليدة إذا تحركت، ثم كاعب إذا كعب ثديها ثم ناهد، ثم معصر إذا أدركت، ثم عانس إذا ارتفعت عن حد الإعصار، ثم خود إذا توسطت الشباب، ثم مسلف إذا جاوزت الأربعين، ثم نصف إذا كانت بين الشباب والتعجيز، ثم شهلة كهلة إذا وجدت من الكبر ـ وفيها بقية وجلد ـ ثم شهربة إذا عجزت ـ وفيها تماسك ـ ثم حيزبون إذا صارت عالية السن ناقصة العقل، ثم قلعم ولطلط إذا انحنى قدّها وسقطت أسنانها. وعلى ما ذكر في سن الكهولة يراد بتكليمه عليه السلام كهلاً تكليمه لهم كذلك بعد نزوله من السماء وبلوغه ذلك السن بناءاً على ما ذهب إليه سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما «أنه عليه السلام رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وأنه سينزل إلى الأرض ويبقى حياً فيها أربعاً وعشرين سنة» كما رواه ابن جرير بسند صحيح عن كعب الأحبار، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذٍ كهل. {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي ومعدوداً في عدادهم وهو معطوف على الأحوال السابقة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ}. لم يبين هنا ما كلمهم به في المهد. ولكنه بينه في سورة مريم بقوله: {أية : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 29-33].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّالِحِينَ} (46) - فَيَتَكَلَّمُ وَهُوَ فِي المَهْدِ، وَيَدْعُو إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ حِينَمَا يُصْبحُ كَهْلاً، وَيَكُونُ لَهُ عِلْمٌ صَحِيحٌ، وَعَمَلٌ صَالِحٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ حِينَمَا جَاءَتْ بِهِ قَوْمَهَا وَهِيَ تَحْمِلُهُ، فَبَرَّأهَا مِمَّا رَمَاهَا بِهِ اليَهُودُ مِنَ الإِفْكِ، وَنَزَّهَهَا عَنِ افْتِرائِهِمْ. الكَهْلُ - مَنْ لَهُ مِنَ العُمْرِ بَيْنَ الثَّلاَثِينَ وَالأرْبَعِينَ عَاماً. فِي المَهْدِ - فِي السَّرِيرِ زَمَنَ الرَّضَاعَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكلام: معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع، وقول الحق: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} [آل عمران: 46]، معناه أن المواجه لعيسى عليه السلام في المهد هم الناس و"المهد" هو ما أعد كفراش للوليد. ولقد أورد الحق "المهد وكهلاً" رمزية لشيء، وهي أن عيسى ابن مريم من الأغيار، يطرأ عليه مرة أن يكون في المهد، ويطرأ عليه مرة أخرى أن يكون كهلاً، وما دام في عالم الأغيار فلا يصح أن يفتتن به أحد ليقول إنه "إله" أو "ابن إله". ونفهم أيضاً من {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} [آل عمران: 46] سر وجود آية المعجزة التي وهبها له الله وهو طفل في المهد. لأن المسألة تعلقت بعِرض أمه وكرامتها وعفتها، فكان من الواجب أن تأتي آية لتمحو عجباً من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا الوليد أو زواج لها. وهذه المسألة لم نجد لها وجوداً. مع أنها مسألة كان يجب أن تقال لأنهم يمجدون نبيهم، وكان من الواجب ألا يغفلوا عن هذه العجيبة، إن كلام طفل في المهد لما كان أمراً عجيبا كان لا بد أنّه سيكون محل حفظ وتداول بين الناس، ولن يكتفي الناس برواية واقعة كلامه في المهد فقط، بل سيحفظون ما قاله، ويرددون قوله. والكلمة التي قالها عيسى عليه السلام في المهد لا تسعف من يصف عيسى عليه السلام بوصف يناقض بشريته؛ لأن الكلمة التي نطق بها أول ما نطق: إني عبد الله، فأخفوا هم هذه المسألة كلها لأن هذه الكلمة تنقض القضية التي يريدون أن يضعوا فيها عيسى عليه السلام، إن الحق يقول: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} [آل عمران: 46]. ونعرف أن الكلام في المهد أي وهو طفل و"كهلاً" أي بعد الثلاثين من العمر, أي في العقد الرابع. والبعض قد قال: إن الكهولة .. بعد الأربعين من العمر. وهو قد حدثت له في رواياتهم حكاية الصلب قبل أن يكون كهلاً، فإذا كان قد تكلم في المهد فيبقى أن يتكلم وهو كهل، وقالوا إن حادثة الصلب أو عدم الصلب، أو الاختفاء عن حس البشر قد حدثت قبل أن يكون كهلاً، إذن فلا بد أن يأتي وقت يتكلم فيه عيسى بن مريم عندما يصير كهلاً، وأيضاً قوله الحق: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} [آل عمران: 46] أي أنه تكلم في المهد طفلاً ويتكلم كهلاً، أي ناضج التكوين، وبذلك نعرف أن عيسى بن مريم فيه أغيار وفيه أحوال، فإذا كنتم تقولون إنه إله فهل الألوهية في المهد هي الألوهية في الكهولة؟ إن كانت الألوهية في المهد فقط فهي ناقصة لأنه لم يستمر في المهد، وحدثت له أغيار، وما دام قد حدثت له أغيار فهو محدث، وما دام محدثاً فلا يكون إلهاً، وبعد ذلك يقول الحق عن عيسى ابن مريم: {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] ما حكايتها؟ إن العجيبة التي قال عنها الله: إنه يكلم الناس في المهد لم تكن باختياره، وكلامه وهو كهل سيكون بالوحي، أي ليس له اختيار فيه أيضاً، {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] مقصود بها عمله، أي الحركة السلوكية. لماذا؟ لأنه لا يكفي أن يكون مبلغاً، ولا يكفي أن يكون حامل آية، بل لا بد أن يؤدي السلوك الإيماني. ويقول الحق على لسان مريم البتول: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):