Verse. 340 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قَالَتْ رَبِّ اَنّٰى يَكُوْنُ لِيْ وَلَدٌ وَّلَمْ يَمْسَسْنِىْ بَشَرٌ۝۰ۭ قَالَ كَذٰلِكِ اللہُ يَخْلُقُ مَا يَشَاۗءُ۝۰ۭ اِذَا قَضٰۗى اَمْرًا فَاِنَّمَا يَقُوْلُ لَہٗ كُنْ فَيَكُوْنُ۝۴۷
Qalat rabbi anna yakoonu lee waladun walam yamsasnee basharun qala kathaliki Allahu yakhluqu ma yashao itha qada amran fainnama yaqoolu lahu kun fayakoonu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالت ربِّ أنَّى» كيف «يكون لي ولد ولم يمسني بشر» بتزوج ولا غيره «قال» الأمر «كذلك» من خلق ولد منك بلا أب «الله يخلق ما يشاء إذا قضي أمرا» أراد خلقه «فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المفسرون: إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام، وقوله {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تقدم تفسيره في سورة البقرة. أما قوله تعالى: {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع، وعاصم {وَيُعَلّمُهُ } بالياء والباقون بالنون، أما الياء فعطف على قوله {يَخْلُقُ مَا يَشَاء } وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة، وكذا وكذا {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ } ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها: قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذا وإن كان إخباراً على وجه المغايبة، فقال {ونعلمه} لأن معنى قوله {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } معناه: كذلك نحن نخلق ما نشاء ونعلمه الكتاب والحكمة والله أعلم. المسألة الثانية: في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف، والأقرب عندي أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار عالماً بالخط والكتابة، ومحيطاً بالعلوم العقلية والشرعية، يعلمه التوراة، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة، لأن التوراة كتاب إلٰهي، وفيه أسرار عظيمة، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلٰهية، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتاباً آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى، والمرتبة العليا في العلم، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قَالَتْ رَبِّ} أي يا سَيّدي. تخاطب جبريل عليه السَّلام؛ لأنه لما تمثل لها قال لها: إنما أنا رسولُ رَبِّك ليَهب لكِ غلاماً زكياً. فلما سمعت ذلك من قوله ٱستفهمت عن طريق الولد فقالت: أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ أي بنكاح. (في سورتها) {أية : وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 20] ذكرت هذا تأكيداً؛ لأن قولها {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلاَّ عن نكاح أو سِفاح. وقيل: ما ٱستبعدت من قدرة الله تعالىٰ شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد: أمِن قِبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ٱبتداء؟ فرُوي أن جبريل عليه السَّلام حين قال لها: {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} {أية : قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} تفسير : [مريم: 21]. نفخ في جَيب درعها وكُمّها؛ قاله ٱبن جُريج. قال ٱبن عباس: أخذ جبريل رُدْن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسىٰ. وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالىٰ. وقال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها فعلِقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك أن الله تعالىٰ لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذُرِّيته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمّهات فإذا ٱجتمع الماءان صارا ولداً، وأن الله تعالىٰ جعل الماءين جميعاً في مريم بعضه في رِحمها وبعضه في صُلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها؛ لأن المرأة ما لم تَهِج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صُلبها في رَحِمها فاختلط الماءان فعلِقت بذلك؛ فذلك قوله تعالىٰ: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقد تقدّم في «البقرة» القول فيه مستوفى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَتْ رَبّ أنَّىٰ } كيف {يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } بتزوّجٍ ولا غيره؟ {قَالَ } الأمر {كَذٰلِكَ } من خَلْقِ ولدٍ منك بلا أب {ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا } أراد خلقه {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي فهو يكون.

التستري

تفسير : قوله: {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[47] قال: إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون، قال القائل شعر: [من الطويل] شعر : قضى قبلَ خلقِ الخَلقِ ما هو خالقٌ خلائقَ لا يَخفى عليه أمورُها هواها ونجواها ومضمر قلبها وقبل الهوى ماذا يكون ضميرُها

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}. كما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة في رزقنا فكذلك ننقض العادة في خلق ولدٍ من غير مسيس بشر. قوله جلّ ذكره: {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً}. أي أراد إمضاء حُكْم. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء. ولمَا بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يومٍ حتى قال: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالت} مريم متضرعة الى ربها {رب أنى يكون} اى كيف يكون اومن أين يكون {لى ولد} على وجه الاستبعاد العادى والتعجب من استعظام قدرة الله فان البشرية تقتضى التعجب مما وقع على خلاف العادة اذ لم تجر عادة بان يولد ولد بلا اب {ولم يمسسنى بشر} آدمى وسمى بشرا لظهوره وهو كناية عن الجماع اى والحال انى على حالة منافية لولد {قال} اى الله عز وجل او جبريل عليه السلام {كذلك} اشارة الى مصدر يخلق فى قوله عز وجل {الله يخلق ما يشاء} ان يخلقه اى الله يخلق ما يشاء ان يخلقه خلقا مثل ذلك الخلق العجيب والاحداث البديع الذى هو خلق الولد من غير اب فالكاف فى محل النصب على انها فى الاصل نعت لمصدر محذوف {اذا قضى امرا} اى اراد شيأ واصل القضاء الاحكام اطلق على الارادة الالهية القطعية المتعلقة بوجود الشىء لايجابه اياه البتة {فانما يقول له كن فيكون} من غير ريث وهو تمثيل لكمال قدرته تعالى وسهولة تأتى المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة حدوثها بما علم فيها من اطاعة المأمور المطيع للآمر القوى المطاع وبيان لانه تعالى كما يقدر على خلق الاشياء مدرجا باسباب ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة الى شىء من الاسباب والمواد. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان مريم رضى الله عنها كانت فى غرفة قد ضربت دونها سترا اذا هى برجل عليه ثياب بيض وهو جبريل تمثل لها بشرا سويا اى تام الخلق فلما رأته قالت اعوذ الرحمن منك ان كانت تقيا ثم نفخ فى جيب درعها حتى وصلت النفخة الى الرحم فاشتملت. قال وهب وكان معها ذو قرابة يقال له يوسف النجار وكان يوسف هذا يستعظم ذلك فاذا اراد ان يتهمها ذكر صلاحها واذا اراد ان يبرئها رأى ما ظهر عليها فكان اول ما كلمها ان قال لها قد دخل فى صدرى شىء اردت كتمانه فغلبنى ذلك فرأيت الكلام اشقى لصدرى قالت قل قال فحدثينى هل ينبت الزرع من غير بذر قالت نعم قال فهل ينبت الشجر من غير أصل قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم الم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يومئذ انما صار من الزرع الذى انتب الله من غير بذر ألم تعلم ان الله خلق آدم وحواء من غير انثى ولا ذكر فلما قالت له ذلك وقع فى نفسه ان الذى بها شىء اكرمها الله به - روى - ان عيسى عليه السلام حفظ التوراة وهو فى بطن امه وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس فى بطنها ثم لما شرف عالم الشهود اعطاه الله الزهادة فى الدنيا فانه كان يلبس الشعر ويتوسد الحجر ويستنير القمر وكان له قدح يشرب فيه الماء ويتوضأ فيه فرأى رجلا يشرب بيده فقال لنفسه يا عيسى هذا ازهد منك فرمى القدح وكسره واستظل يوما فى ظل خيمة عجوز فكان قد لحقه حر شديد فخرجت العجوز فطردته فقام وهو يضحك فقال يا امة الله ما انت اقمتنى وانما اقامنى الذى لم يجعل لى نعيما فى الدنيا ولما رفع الى السماء وجد عنده إبرة كان يرقع بها ثوبه فاقتضت الحكمة الآلهية نزوله فى السماء الرابعة. وفيه اشارة الى ان السالك لا بد وان ينقطع عن كل ما سوى الله ويتجرد عن العوائق حتى يسير مع الملأ الاعلى ويطير الى مقام قاب قوسين او ادنى - وروى - ان موسى عليه السلام ناجى ربه فقال اللهم ارنى وليا من اوليائك فاوحى الله تعالى اليه ان اصعد الى جبل كذا وادخل زاوية كذا فى كهف كذا حتى ترى ولى ففعل فرأى فيه رجلاً ميتا توسد بلبنة وفوق عورته خرقة وليس فيه شيء غيره فقال اللهم سألتك ان ترينى وليك فأريتنى هذا فقال هذا هو ولي فوعزتى وجلالى لا ادخلة الجنة حتى احاسبه باللبنة والخرقة من اين وجدهما فحال اولياء الله الافتخار بالفقر وترك الدنيا والصبر على ما قدره الله شعر : صبر باشد مشتهاى زيركان هست حلوا آرزوى كودكان هركه صبر آورد كردون بررود هركه حلوا خورداوبس تررود تفسير : فالقوة الروحانية التى بها يصير الانسان كالملائكة انما تحصل بالصبر عن المشتهيات فانظر الى حال عيسى عليه السلام يكفك فى هذا اعتبار ومن الله التوفيق الى الاعراض عن حطام الدنيا وقطع التعلق من الدارين قطعا.

الطوسي

تفسير : المعنى: إن قيل سألت مريم عن خلق الولد من غير مسيس مع أنها لا تنكر ذلك في مقدور الله تعالى؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما - أنها استفهمت أيكون ذلك، وهي على حالتها من غير بشر أم على مجرى العادة من بشر، كما يقول القائل: كيف تبعث بفلان في هذا السفر، وليس معه ما يركبه معناه، لأنه قوي أم هناك مركوب؟ الثاني - ان في البشرة: التعجب مما خرج عن المعتاد فتعجبت من عظم قدرة الله كما يقول القائل عند الآية يراها: ما أعظم الله، وكما يقول القائل لغيره كيف تهب ضيعتك، وهي أجل شيء لك. وليس يشك في هبته وإنما يتعجب من جوده. وقوله: {قال كذلك الله} حكاية ما قال لها الملك. وقوله: {كن فيكون} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه على جهة المثل لأن منزلة جميع ما يريد احداثه من جسم أو عرض كثر ذلك أو قل، فانما هو بمنزلة قول القائل: كن، في أنه يكون بغير علاج، ولا معاناة، ولا تكلف سبب، ولا أداة، ولا شغل ببعض عن بعض، ولا انتهاء فيه إلى حد لا يمكن ضعفه، ولا زيادة عليه. الثاني - ان معناه أن الله تعالى جعل {كن} علامة للملائكة فيما يريد إحداثه لما فيها من اللطف، والاعتبار. ويمكن الدلالة على الأمور المقدورة لله تعالى. وقول من قال ان قوله: "كن" سبب للحوادث التي يفعلها الله تعالى فاسد من وجوه: أحدها - ان القادر بقدرة يقدر على أن يفعل من غير سبب، فالقادر للنفس بذلك أولى. ومنها أن "كن" محدثه فلو احتاجت إلى "كن" أخرى لتسلسل، وذلك فاسد. ولو استند ذلك إلى كن قديمة، لوجب قدم المكون، لأنه كان يجب أن يكون عقيبه، لأن الفاء توجب التعقيب وذلك يؤدي إلى قدم المكونات. ومنها أنه لو ولدت لولدت من فعلنا كالاعتماد. وإنما استعمل القديم لفظة الأمر فيما ليس بأمر ها هنا ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة على الآمر، فكذلك هذا لا كلفة على الفاعل، وذلك على عادة العرب في جعلهم وقوع الشيء عقيب الارادة بمنزلة الجواب عن السؤال قال الشاعر: شعر : وقالت لنا العينان سمعاً وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب تفسير : فجعل انحدار الدمع قولا على الوجه الذي بيناه. وقوله: {كن فيكون} ها هنا لا يجوز فيه إلا الرفع، لأنه لا يصلح أن يكون جواباً للاّم في كن لأن الجواب يجب بوجود الاول نحو اتني فاكرمك وقم فاقوم معك. ولا يجوز قم فيقوم، لأنه بتقدير قم فانك إن تقم يقم. وهذا لا معنى له، ولكن يجوز الرفع على الاختيار انه سيقوم ويجوز في قوله: {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}تفسير : النصب، لأنه معطوف على {أن نقول} كأنه قيل أن نقول فيكون.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ رَبِّ}: يا سيدى تعنى جبريل، أو يا خالقى، تعنى الله. {أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ}: بتزوج ولا بزنى وذلك منها استبعاد للولد من حيث العادة، وقد صدقت به من حيث قدرة الله أو تعجب، أو استفهام حقيقى سألت الله أن يخبرها كيف يكون الولد منها؟ أبتزوج منها يكون فى المستقبل؟ أم بخلق الله ابتداءً من غير مسيس؟ والبشر يطلق على الواحد فصاعداً. {قَالَ}: الله، أو جبريل. {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} تقدم إعراب مثله، أى: يخلقه الله بلا أب، لأنه يخلق ما يشاء بأب، وما يشاء بلا أب، والإشارة إلى خلقه منها، والحال أنها هى بحالها غير ممسوسة لبشر. {إِذَا قَضَى أَمْراً}: أراد خلقه. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}: يتوجه إليه أمره بالوجود، فيحصل إما بأسباب ومادات أو دفعه كما يريد.

اطفيش

تفسير : {قَالَتْ رَبِّ} يا رب {أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} من الرجال بزنا أو نكاح شرعى، ومن حرر لبيت المقدس لا يتزوج ذكرا كان أو أنثى، والمس فى {كهيعص} بالنكاح الشرعى، لأن فيها، ولم أك بغيا، وذلك تعجب واستعظام لا إنكار أو استفهام، أيكون الولد كما ذكرت أو بعد تزوج، ولا يجوز أن تقول من أى شخص يكون، لأنها قالت، ولم يمسسنى بشر، وسمى الإنسان بشرا، لأن بشرته ظاهرة، أى جلدته، لم تكس بشعر، ولا تقل أو لأن الله باشر أباه وخلقه بيده، لإِن معناه أيضا لاقى بشرته، أى جلدته، مجازا فالكلام الأول يكفى {قَالَ} أى قال جبريل، أو الله، لأنه الآمر بالتبشير، وجبريل حاكٍ لها، وقيل بلا حكاية {كَذَلِكِ} الأمر كذلك، أو مثل ذلك الخلق بالنصب {اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من خلق حيوان بلا أب، كعيسى، أو بلا أب ولا أم كآدم وناقة صالح، ومن ذكر بلا نكاح كحواء، وولادة عجوز عاقر من شيخ، وأعظم من ذلك وأقل على سواء فى قدرة الله، وولادة عذراء بلا ذكر أغرب، فكان الخلق النبيء عن الاختراع أنسب بها، ودونها ولادة عجوز ثيب عاقر من شيخ، فذكرت بالفعل، فهناك يخلق وهناك يفعل، لاختلاف القصتين فى الغرابة {إذَا قَضَى أَمْراً} إذا ثبت قضاؤه أمرا، وقضاؤه أزلى، إلا إن أراد القضاء الحادث، وهو الكتب فى اللوح وأراد بالقضاء إرادة الخلق للأَمر فلا يقدر ثبت {فَإنّمَا يَقُولُ لَهُ كُن} تتوجه إرادته إليه {فَيَكُونُ} عطف على يقول، يكون تدريج أسباب، كحمل الأنثى من ذكر وبلا تدريج، كولادة مريم لعيسى، ويروى أنها حملته بتدريج، أو أريد فى الآية ونحوها عدم التدريج، وفى غيرها التدريج قيل حمتله ساعة، فولدته.

الالوسي

تفسير : {قَالَتْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا كان منها حين قالت لها الملائكة ذلك؟ فقيل: {قَالَتْ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ } يحتمل أن يكون الاستفهام مجازياً والمراد التعجب من ذلك والاستبعاد العادي، ويحتمل أن يكون حقيقياً على معنى أنه يكون بتزوج أو غيره، وقيل: يحتمل أن يكون استفهاماً عن أنه من أي شخص يكون، وإعراب هذه الجملة على نحو إعراب الجملة السابقة في قصة زكريا عليه السلام {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } جملة حالية محققة لما مر ومقوية له، والمسيس هنا كناية عن الوطء وهذا نفي عام للتزوج وغيره، والبشر يطلق على الواحد والجمع، والتنكير للعموم، والمراد عموم النفي لا نفي العموم، وسمي بشراً لظهور بشرته أو لأن الله تعالى باشر أباه وخلقه بيديه. {قَالَ } استئناف كسابقه، والفاعل ضمير الرب والملك حكى لها المقول وهو قوله سبحانه: {كَذٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} إما بلا تغيير فيكون فيه التفات، وإما بتغيير، وقيل: إن الله تعالى قال لها ذلك بلا واسطة ملك، والأول: مبني على أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام، وقيل: القائل جبريل عليه السلام وليس على سبيل الحكاية والقرينة عليه ذكر الملائكة عليهم السلام قبله، وحمل {قَالَتْ رَبّ } فيما تقدم على ذلك أبعد بعيد، وقد مر عليك الكلام في مثل هذه الجملة خلا أن التعبير هنا ـ بيخلق ـ وهناك ـ بيفعل ـ لاختلاف القصتين في الغرابة فإن الثانية: أغرب فالخلق المنبـىء عن الاختراع أنسب بها ولهذا عقبه ببيان كيفيته فقال سبحانه: {إِذَا قَضَى أَمْرًا } أي أراد شيئاً ـ فالأمر ـ واحد الأمور، والقضاء في الأصل الأحكام، وأطلق على الإرادة الإلۤهية القطعية المتعلقة بإيجاد المعدوم وإعدام الموجود وسميت بذلك لإيجابها ما تعلقت به البتة ويطلق على الأمر، ومنه {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ }تفسير : [الإسراء: 23]. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي فهو ـ يكون ـ أي يحدث وهذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع، وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، فالممثل الشيء المكون بسرعة من غير عمل وآلة، والممثل به أمر الآمر/ المطاع لمأمور به مطيع على الفور، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه. وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة بأن يراد تعلق الكلام النفسي بالشيء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه، وعلى كلا التقديرين المراد من هذا الجواب بيان أن الله تعالى لا يعجزه أن يخلق ولداً بلا أب لأنه أمر ممكن في نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة كيف لا وكثيراً ما نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كحدوث الفأر عن المدر والحيات عن الشعر المتعفن والعقارب عن البادورج والذباب عن الباقلاء إلى غير ذلك غايته الاستبعاد، وهو لا يوجب ظناً فضلاً عن علم، وبعد إخبار الصادق عن وجود ذلك الممكن يجب القطع بصحته، والقول: ـ بأن المادة فيما عد ونحوه موجودة وبعد وجودها لا ريب في الإمكان دون ما نحن فيه لأن مادة الآدمي منيان وليس هناك إلا مني واحد أو لا مني أصلاً فكيف يمكن الخلق ـ ليس بشيء، أما على مذهبنا فلأن الإيجاد لا يتوقف على سبق المادة وإلا لتسلسل الأمر، وأما على مذهب المنكرين فيجوز أن يكون مني الأنثى بنفسه أو بما ينضم إليه مما لا يعلمه إلا الله تعالى بحالة يصلح أن يكون مادة، وقصارى ما يلزم من ذلك الاستبعاد وهو لا يجدي نفعاً في أمثال هذه المقامات، ويجوز أيضاً أن يقيم الله تعالى غير المني مقام المني، وأي محال يلزم من ذلك ألا ترى كيف أقيم التراب مقام المني في أصل النوع ودعوى أن الإقامة مشروطة بكون ذلك الغير خارج الرحم، وأما الإقامة في الرحم فمما لا إمكان لها غير بينة ولا مبينة بل العقل لا يفرق بين الأمرين في الإمكان وإنما يفرق بينهما في موافقة العادة وعدمها وهو أمر وراء ما نحن فيه. ومن الناس من بين هذا المطلب بأن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث كتصور حضور المنافي للغضب وكتصور السقوط بحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلافه لو كان على قرار من الأرض وقد جعلت الفلاسفة هذا كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات ـ فما المانع أن يقال: إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها لأن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد انتهى. وليس بشيء لأنه يعود بالنقص لحضرة البتول وأنها لتنزه ساحتها عن مثل هذا التخيل كما لا يخفى، وفي جواب هذه الطاهرة ليوسف النجار ما يؤيد ما قلناه، فقد أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب أنه قال: لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل وثقت بكرامة الله تعالى واطمأنت وطابت نفساً، وأول من اطلع على حملها ابن خال لها يقال له يوسف، واهتم لذلك وأحزنه وخشي البلية منه لأنه كان يخدمها فلما رأى تغير لونها وكبر بطنها عظم عليه ذلك فقال معرضاً لها: هل يكون زرع من غير بذر؟! قالت: نعم قال: وكيف يكون ذلك قالت: إن الله تعالى خلق البذر الأول من غير نبات وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لم يقدر أن يخلق الزرع الأول إلا بالبذر؟ ولعلك تقول: لولا أن استعان الله تعالى عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته؟ قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك قد صدقت وقلت بالنور والحكم، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينبته من غير بذر يقدر أن يجعل زرعاً من غير بذر فأخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أن للبذر والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً فلعلك تقول: لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر؟ قال أعوذ بالله تعالى أن أقول ذلك قد صدقت فأخبريني خبرك قالت: بشرني الله تعالى بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم إلى قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 46] فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله تعالى لسبب خير أراده بمريم فسكت عنها فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق فنوديت أن اخرجي من/ المحراب فخرجت.

ابن عاشور

تفسير : قوله: {قالت رب} جملة معترضة، من كلامها، بين كلام الملائكة. والنداء للتحسر وليس للخطاب: لأنّ الذي كلمها هو الملك، وهي قد توجهت إلى الله. والاستفهام في قولها {أنى يكون لي ولد} للإنكار والتعجّب ولذلك أجيب جوابين أحدهما كذلك الله يخلق ما يشاء فهو لرفع إنكارها، والثاني إذا قضى أمراً إلخ لرفع تعجّبها. وجملة {قال كذلك الله يخلق} إلخ جواب استفهامها ولم تعطف لأنّها جاءت على طريقة المحاورات كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها ومابعدها}تفسير : في سورة البقرة (30) والقائل لها هو الله تعالى بطريق الوحي. واسم الإشارة في قوله: كذلك} راجع إلى معنى المذكور في قوله: {أية : إن الله يبشرك بكلمة منه إلى قوله وكهلا}تفسير : [آل عمران: 45، 46] أي مثل ذلك الخلق المذكور يخلق الله ما يشاء. وتقديم اسم الجلالة على الفعل في قوله: {الله يخلق} لإفادة تقوى الحكم وتحقيق الخبر. وعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخْلق: لأنّه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة لإيجاد مثله، فهو خلْق أنُفٌ غيرُ ناشىء عن أسباب إيجاد الناس، فكان لفعل يخلُق هنا موقعٌ متعين، فإنّ الصانع إذا صنع شيئاً من موادّ معتادة وصنعة معتادة، لا يقول خلَقْت وإنما يقول صَنَعت.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} الآية. أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً}تفسير : [مريم: 16-17]. إلى آخر القصة وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، معبراً في التحريم بالنفخ في فرجها، وفي الأنبياء بالنفخ فيها.

د. أسعد حومد

تفسير : (47) - فَلَمَّا جَاءَتْها البُشْرَى مِنَ المَلاَئِكَةِ أَخَذَتْ تُنَاجِي رَبَّها وَتَقُولُ: كَيْفَ يَا رَبِّ يَكُونُ لِي وَلَدٌ، وَأنَا لَسْتُ بِذَاتِ زَوْجٍ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟ فَأجَابْتها المَلاَئِكَةُ: إنَّ اللهَ إذا أرَادَ أمْراً فَلا يُعْجِزُهُ شيءٌ، وَيَخْلُقُ مَا يُرِيدُ بِأنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الشَّيءُ فَوْرَ أمْرِ اللهِ، مِنْ غَيْرِ رَيْثٍ وَلاَ إبْطَاءٍ. قَضَى أمْراً - أَرَادَ شَيْئاً أَوْ أَحْكَمَهُ وَحَتَّمَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونريد أن نقف وقفة ذهنية تدبرية عند قولها: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] فلو أنها سكتت عند قولها: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} [آل عمران: 47] لكان أمراً معقولاً في تساؤلها، ولكن إضافتها {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] تثير سؤالاً، من أين أتت بهذا القول {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47]؟ هل قال لها أحد: إنك ستلدين ولداً من غير أب؟ إن الملائكة لم تخبرها بذلك، لذلك انصرف ذهنها إلى مسألة المس. إنها فطرة وفطنة المهيأة والمعدة للتلقي عن الله، عندما قال لها: "المسيح عيسى ابن مريم". قالت لنفسها: إن نسبته بأمر الله هي لي، فلا أب له، لقد قال الحق: إنه "ابن مريم" ولذلك جاء قولها: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] ذلك أنه لا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب. هكذا نرى فطنة التلقي عن الله في مريم البتول. لقد مر بها خوف عندما عرفت أن عيسى منسوب إليها وقالت لنفسها، إن الحمل بعيسى لن يكون بوساطة أب، وكيف يكون الحمل دون أن يمسسني بشر. وقال الخالق الأكرم: "كذلك" أي لن يمسك بشر، ولم يقل لها: لقد نسبناه لك لأنك منذورة لخدمة البيت، ولكن الحق قال: "كذلك" تأكيداً لما فهمته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر. وتتجلى طلاقة القدرة في قوله سبحانه: {ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 47]. إنها طلاقة القدرة، وطلاقة القدرة في الإنسال أو الإنجاب أو في عدم التكثير بالنسبة للإنسان, وطلاقة القدرة لا تتوقف على إيجاد ذكورة وأنوثة، ولو كانت طلاقة القدرة متوقفة على إيجاد ذكورة وأنوثة فكيف خلق آدم أول الخلق؟ إن طلاقة القدرة في الخلق لا تتوقف على إيجاد ذكورة وأنوثة، إنه الحق الأعلى القادر على أن يخلق دون ذكورة أو أنوثة، كخلقه لآدم عليه السلام، ويخلق الحق سبحانه بواحد منهما، كخلقه سبحانه لحواء وخلق عيسى عليه السلام، ويخلق الخالق الأعلى بالذكورة والأنوثة، وهذه تتضح في خلق جمهرة الناس، ولا تظنوا أن باجتماع الذكورة والأنوثة يمكن أن يُحقق الخلق، فقد توجد الذكورة والأنوثة ولا يوجد إنجاب، ها هو ذا القول الحق: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]. هذه هي إرادة الحق، إذن فلا تقل: إن اكتمال عنصري الذكورة والأنوثة هو الذي يحدث الخلق، لأن الخلق يحدث بإرادة الحق, {كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47]. فأنتم أيها المحدثون تفعلون بالأسباب. لكن الذي خلقكم وخلق الأسباب لكم هو الذي بيده أن يوجد بلا أسباب، لأنه أنشأ العالم أول ما أنشأ بدون أسباب. ويقول الحق سبحانه عن عيسى عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ...}.

الجيلاني

تفسير : فلما سمعت مريم ما سمعت تضرعت إلى ربها واشتكت حيث {قَالَتْ رَبِّ} يا من رباني بالستر والصلاح والعبادة والفلاح {أَنَّىٰ} من أين {يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ} وأنت تعلم يا رب أني {لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ومن سنتك إيجاد الولد بعد مباشرة الزوج؟ {قَالَ} سبحانه إشفاقاً لها وإزالة لشكها: {كَذَلِكَ} أي: مثل حالتك التي تعجبين منها، وهي ولادتك بلا مساس أحد وجود جميع الأشياء الظاهرة من كتم العدم ظهوراً إبداعياً؛ إذ {ٱللَّهُ} بقدرته {يَخْلُقُ} يظهر جميع {مَا يَشَآءُ} بلا سباق مدة ومادة بل {إِذَا قَضَىٰ} أراد {أَمْراً} إيجاد أمر وإظهاره من الأمور المكانية الثابتة في حضرة العلم {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} تنفيذاً لقضائه مجرد كلمة: {كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] بلا تراخ ولا مهلة، بلا توقف على شرط وارتفاع مانع، وحالك التي تتعجبين منها وتستبعدين وقوعها من هذا القبيل. ولا تحزني ولا تخافي من التهمة والفضيحة والتعبير والتشنيع؛ إذ لابنك خصائص ومعجزات رفعت عنك جميع ما يعيبك ويشينك؛ إذ لا يشتبه على ذي عقل إن ولد الزنا لا يتصف بأمثال هذه الخصائل والخوارق {وَ} من جملتها أنه {يُعَلِّمُهُ} من لدنه لا تعليم أحد {ٱلْكِتَٰبَ} أي: العلوم المتعلقة بالأمور الظاهرة والتدابير الملكية الشهادية {وَٱلْحِكْمَةَ} أي: العلوم الباطننة المتعلقة بالحقائق الغيبية {وَ} يعلمه أيضاً {ٱلتَّوْرَاةَ} المنزل على موسى صلوات الله عليه {وَ} ينزل عليه خاصة {ٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] من عنده. {وَ} بعد إنزال الإنجيل يرسله {رَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يدعوهم إلى طريق الحق ويهديهم إلى صراط مستقيم، ويؤيده بالآيات الساطعة والمعجزات الباهرة الظاهرة من يده الدالة على تصديقه إلى حيث يقول: {أَنِّي} بأمر ربي {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} دالة على نبوتي ورسالة نازلة {مِّن رَّبِّكُمْ} وهي {أَنِيۤ أَخْلُقُ} أصور وأقدر {لَكُمْ} بين أيديكم بإقدار الله أياي {مِّنَ ٱلطِّينِ} الجماد صورة {كَهَيْئَةِ} كصورة {ٱلطَّيْرِ} ومثاله جماداً بلا حس وحركة {فَأَنفُخُ فِيهِ} أي: في ذلك المثال {فَيَكُونُ طَيْراً} حيواناً طياراً مثل سائر الطيور، ذلك التقدير والنفخ يصير صادراً مني {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بقدرته وإرادته {وَ} كذا {أُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} المكفوف العينين {وٱلأَبْرَصَ} الذي لا يرجى يرؤهما {وَ} أعظم من جميع ذلك أن {أُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} القديمة كل ذلك {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وقدرته وإرادته، فهو إجمالاً لا إطلاع لكم على لميته بعد وقوعها أيضاً {وَ} مما لكم إطلاع عليه بعد قوعه {أُنَبِّئُكُمْ} أخبركم {بِمَا تَأْكُلُونَ} من الطعام والفواكه {وَمَا تَدَّخِرُونَ} منها {فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور من المعجزات والخوارق التي ما جاء به أحد {لآيَةً} ظاهرة دالة على نبوتي ورسالتي {لَّكُمْ} لإهدائكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49] بالله وإرسال الرسل وإنزال الكتب. {وَ} مع هذه الآيات والمعجزات الظاهرة الباهرة جئتكم {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} المنمزل على موسى - صلوات الرحمن عليه - بل على جميع الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين - صلوات الله عليهم أجمعين - وأديانهم وشرائعهم؛ إذ من جملة أمارات النبوة تصديق الأنبياء الذين مضوا من قبله {وَ} جئتكم أيضاً {لأُحِلَّ لَكُم} في دينكم، وملتكم المنزلة من عند الله علي {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} في الأديان الماضية؛ إذ من سنته سبحانه نسخ بعض الأديان ببعض، وإن كان الكل نازل من عنده، ولمية أمر النسخ ما مر في سورة البقرة في قوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}تفسير : [البقرة: 106] {وَ} الحاصل أني {جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} قاطعة ساطعة {مِّن رَّبِّكُمْ} دالة على توحيده سبحانه، أفردها من عنده باعتبار أن كل واحد من المذكورات يكفي لثبوت نبوته، وبعدما ظهر منه الكل {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: فاحذروا الله من غضبه ألاَّ تؤمنوا بعد وضوح الدلائل {وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50] في جميع ما جئت به من عنده سبحانه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر بشرها ولم يمسها البشر بقوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} [آل عمران: 47]، الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهاراً للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} [آل عمران: 47]؛ يعني: في الأزل {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]، {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48]، {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]، من غير واسطة، كما {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31]. واعلم أن الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، كما قال تعالى: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 275]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلاً، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]، بأن الله هو مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50]، ومحلاً لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال لهم: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا أمري، {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي} [آل عمران: 51]، خلقني مستعداً؛ لإظهار هذه الآيات {وَرَبُّكُمْ} [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها {فَٱعْبُدُوهُ} [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه.