٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} قال ٱبن جُريج: الكتاب الكتابة والخط. وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علّمه الله عيسىٰ عليه السَّلام. {وَرَسُولاً} أي ونجعله رسولاً. أو يكلمهم رسُولاً. وقيل: هو معطوف على قوله «وجيهاً». وقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله «ورسولاً» مُقْحَمة والرسول حالاً للهاء، تقديره ويعلمه الكتاب رسولاً. وفي حديث أبي ذَرّ الطويل. «وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسىٰ وآخرهم عيسى عليه السَّلام». {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ} أي أصوّر وأقدّر لكم {مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} قرأ الأعرج وأبو جعفر «كهيّة» بالتشديد. الباقون بالهمز. والطير يذكر ويؤنث. {فَأَنفُخُ فِيهِ} أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائراً. وطائر وطَيْر مثل تاجر وتَجْر. قال وَهْب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غيرَ الخُفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً ليكون أبلغ في القدرة، لأن لها ثَدْياً وأسناناً وأُذناً، وهي تحيض وتطهر وتلد. ويقال: إنما طلبوا خَلْق خُفّاش لأنه أعجب من سائر الخلق؛ ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، فيكون له الضرّع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة. ويقال: إن سؤالهم كان له على وجه التعنّت فقالوا: أخلق لنا خُفّاشاً وٱجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك؛ فأخذ طيناً وجعل منه خفاشاً ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض؛ وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله. وقوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الأكمه: الذي يولد أعمى؛ عن ٱبن عباس. وكذا قال أبو عبيدة قال: هو الذي يولد أعمى؛ وأنشد لرؤبة:شعر : فـارتـدَّ ٱرْتِـداد الأكمـه تفسير : وقال ٱبن فارس: الكَمَه العمَى يولد به الإنسان وقد يعرِض. قال سُويد:شعر : كَمَهـت عينـاه حتـى ٱبيضّتَـا تفسير : مجاهد: هو الذي يُبصر بالنهار ولا يُبصر بالليل. عكرمة: هو الأعمش، ولكنه في اللغة العمى؛ يقال كَمِه يَكْمه كَمَها وكَمَّهْتها أنا إذا أعميتها. والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد، والأبرص القمر، وسامُّ أَبْرَصَ معروف، ويجمع على الأبارص. وخُصّ هذان بالذكر لأنهما عياءان. وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطبَّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك {وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قيل: أحيا أربعة أنفس: العاذر وكان صديقاً له، وٱبن العجوز وٱبنة العاشر وسام بن نوح؛ فالله أعلم، فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له، وأما ٱبن العجوز فإنه مرّ به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبِس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله، وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها؛ فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريباً فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتةٌ فأحي لنا سام بن نوح. فقال لهم: دلّوني على قبره فخرج وخرج القوم معه حتى ٱنتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه. فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيْبٌ؟ فقال: يا روح الله، إنك دعوتني فسمعت صوتاً يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي؛ وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدّقوه فإنه نبيّ؛ فآمن به بعضهم وكذّبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. وروي من حديث إسمعيل ٱبن عياش قال: حدّثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ٱبن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}. وفي الثانية «تنزيل السجدة» فإذا فرغ حمِد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديمُ يا خَفيّ يا دائمُ يا فَرْدُ يا وتْرُ يا أحد يا صمد؛ ذكره البيهقي وقال: ليس إسناده بالقويّ. قوله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي بالذي تأكلونه وما تدخرون. وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أُخرى وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندّخر للغد: فأخبرهم فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا وٱدخرت كذا وكذا؛ فذلك قوله «وأنبئكم» الآية. وقرأ مجاهد والزهرِيّ والسختِيانِيّ «وما تذخرون» بالذال المعجمة مخففاً. وقال سعيد بن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان في الكُتّاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه. قتادة: أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ٱدّخروه منها خِفية.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام: إن الله يعلمه {ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ}، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة، و{ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ}، فالتوراة هو الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى بن مريم عليهما السلام. وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا، وقوله: {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أي: يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً لهم: {أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِىۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ} وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عياناً، بإذن الله عز وجل، الذي جعل هذا معجزة له تدل على أن الله أرسله {وَأُبْرِىءُ ٱلاَْكْمَهَ} قيل: هو الذي يبصر نهاراً ولا يبصر ليلاً، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى، وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة، وأقوى في التحدي {وٱلاَْبْرَصَ} معروف، {وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار، انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى عليه السلام، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيداً من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبداً، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وما ذاك إلا لأن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبداً، وقوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ} أي: في ذلك كله {لأَيَةً لَّكُمْ} أي: على صدقي فيما جئتكم به { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي: مقرراً لها ومثبتاً {وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئاً، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} تفسير : [الزخرف: 63] والله أعلم. ثم قال {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له، والخضوع والاستكانة إليه {هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ } بالنون والياء {ٱلْكِتَٰب } الخط {وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: { فَلَمَّا أَحَسَّ عَيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ: مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني من أنصاري مع الله. والثاني: معناه من أنصاري في السبيل إلى الله، وهذا قول الحسن. والثالث: معناه من ينصرني إلى نصر الله. وواحد الأنصار نصير. {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ } اخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح. والثالث: أنهم خاصة الأنبياء، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة، والضحاك. وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين. واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته، وهذا قول الحسن، ومجاهد. والثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. والثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. قوله تعالى: {... فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} فيه قولان: أحدهما: يعني صِلْ ما بيننا وبينهم بالإخلاص على التقوى. والثاني: أثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم لننال ما نالوا من الكرامة. قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنهم مكروا بالمسيح عليه السلام بالحيلة عليه في قتله، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره، وهو قول السدي. والثاني: مكروا بإضمار الكفر، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة، وإنما جاز قوله:{وَمَكَرَ اللَّهُ } على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه، نحو قوله: {أية : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] وليس الثاني اعتداءً، وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار، والمكر: التوصل إلى إيقاع المكروه به.
ابن عطية
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ} قرأ نافع وعاصم "ويعلمه" بالياء، وذلك عطف على {أية : يبشرك بكلمة} تفسير : [آل عمران: 45] كذا قال أبو علي: ويحتمل أن يكون في موضع الحال عطفاً على {أية : ويكلم} تفسير : [آل عمران: 46]، وقرأ الباقون، و "نعلمه" بالنون، وهي مثل قراءة الياء في المعنى لكن جاءت بنون العظمة، قال الطبري: قراءة الياء عطف على قوله: {أية : يخلق ما يشاء} تفسير : [آل عمران: 47]، وقراءة النون عطف على قوله: {أية : نوحيه إليك} تفسير : [آل عمران: 43]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى و {الكتاب} هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب. هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم: هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها، وأما {الحكمة}، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء، في الشرعيات، والمواعظ، ونحو ذلك، مما لم يوح إليهم في كتاب ولا بملك، لكنهم يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه، وقد عبر بعض العلماء عن {الحكمة} بأنها الإصابة في القول والعمل، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليه السلام الحكمة، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثوراً عمن تقدم عيسى من نبي وعالم، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيىء غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك، و {التوراة} هي المنزلة على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة، موسى ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم السلام، وذكر {الإنجيل} لمريم وهو ينزل - بعد - لأنه كان كتاباً مذكوراً عند الأنبياء والعلماء وأنه سيزل. وقوله: {ورسولاً} حال معطوفة على {ويعلمه} إذ التقدير، ومعلماً الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله {أية : وجيهاً} تفسير : [آل عمران: 45]، ويحتمل أن يكون التقدير، ويجعله رسولاً، وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، مبيناً حكم التوراة ونادباً إلى العمل بها ومحللاً أشياء مما حرم فيها، كالثروب ولحوم الإبل وأشياء من الحيتان والطير، ومن أول القول لمريم إلى قوله {إسرائيل} خطاب لمريم، ومن قوله، {إني قد جئتكم} إلى قوله {مستقيم} يحتمل أن يكون خطاباً لمريم على معنى يكون من قوله لبني إٍسرائيل، كيت وكيت، ويكون في آخر الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره، فجاء عيسى بني إسرائيل رسولاً فقال لهم ما تقدم ذكره فلما أحس ويحتمل أن يكون المتروك مقدراً في صدر الكلام بعد قوله، {إلا بني إسرائيل} فيكون تقديره، فجاء عيسى كما بشر الله رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم، ويكون قوله: {إني قد جئتكم} ليس بخطاب لمريم، والأول أظهر، وقرأ جمهور الناس "أني قد جئتكم" بفتح الألف، تقديره بأني وقرىء في الشاذ، "إني قد جئتكم"، وجمهور الناس قرؤوا بآية على الإفراد وفي مصحف ابن مسعود "بآيات" وكذلك في قوله بعد هذا {وجئتكم بآيات من ربكم} واختلف القراء في فتح الألف وكسرها من قوله: {أني أخلق}، فقرأ نافع وجماعة من العلماء، "إني" بكسر الألف، وقرأ باقي السبعة وجماعة من العلماء، "أني" بفتح الألف، فوجه قراءة نافع، إما القطع والاستئناف وإما أنه فسر الآية بقوله، "إني" كما فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله، خلقه من تراب إلى غير ذلك من الأمثلة ووجه قراءة الباقين البدل من آية، كأنه قال: "وجئتكم بأني أخلق"، وقيل: هي بدل من {أني} الأولى، وهذا كله يتقارب في المعنى و {أخلق} معناه، أقدر وأُهيىء بيدي، ومن ذلك قول الشاعر [زهير بن أبي سلمى]: [الكامل] شعر : وَلأَنْتَ تَفْري مَا خَلَقْتَ وَبَعْــــ ــضُ الْقَوْمِ يَخْلقُ ثمّ لا يُفْري تفسير : وقوله {لكم} تقييد لقوله، {أخلق} لأنه يدل دلالة ما، على أنه لم يرد الإيجاد من العدم، ويصرح بذلك قوله {بإذن الله} وحقيقة الخلق في الأجرام، ويستعمل في المعاني، ومنه قوله تعالى: {أية : وتخلقون إفكاً} تفسير : [العنكبوت: 17] ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل مرفّل] شعر : من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليله تفسير : وجمهور الناس قرأ "كهيئة" على وزن فعلة بفتح الفاء وهو مصدر من قولك، هاء الشيء يهاء هيئاً وهيئة، إذا ترتب واستقر على حال ما، وهو الذي تعديه فتقول: هيأت، وقرأ الزهري "كهِيَّئة الطير"، بكسر الهاء وياء مفتوحة مشددة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، "كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائراً" على الإفراد في الموضعين، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد، أي يكون طائراً من الطيور، وقرأ نافع وحده، "كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً" بالإفراد في الأخير، وهكذا قرأ في المائدة الباقون" كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً" بالجمع فيهما، وكذلك في سورة المائدة، ومعاني هذه القراءات بينة، و {الطير} اسم جمع وليس من أبنية الجموع، وإنما البناء في جمع طائر أطيار، وجمع الجمع طيور، وحكاه أبو علي بن أبي الحسن، وقوله {فأنفخ فيه} ذكر الضمير هنا لأنه يحتمل أن يعود على الطين المهيأ. ويحتمل أن يريد فانفخ في المذكور، وأنث المضير في سورة المائدة في قوله، {أية : فتنفخ فيها} تفسير : [المائدة: 110] لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة أو على تأنيث لفظ الجماعة في قوله {الطير} وكون عيسى عليه السلام خالقاً بيده ونافخاً بفيه إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة، وأنها جاءت من قبله، وأما الإيجاد من العدم وخلق الحياة في ذلك الطين فمن الله تعالى وحده لا شريك له. وقوله {بإذن الله}، معناه بعلم منه تعالى أني أفعل ذلك وتمكين منه لي، وحقيقة الإذن في الشيء هي العلم بأنه يفعل والتمكين من ذلك، فإن اقترن بذلك قول فذلك أمكن في الإذن وأبلغ، ويخرج من حد الإذن إلى حد الأمر ولكن تجده أبداً في قسم الإباحة، وتأمل قوله تعالى: {أية : فهزموهم بإذن الله} تفسير : [البقرة: 251]، وقول النبي عليه السلام، وإذنها صماتها، وروي في قصص هذه الآية، أن عيسى عليه السلام كان يقول لبني إسرائيل: أي الطير أشد خلقة وأصعب أن يحكى؟ فيقولون: الخفاش، لأنه طائر لا ريش له، فكان يصنع من الطين خفافيش ثم ينفخ فيها فتطير، وكل ذلك بحضرة الناس ومعاينتهم، فكانوا يقولون: هذا ساحر. قوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {أبرىء}، معناه أزيل المرض يقال برأ المريض وأبرأه غيره، ويقال: برىء المريض أيضاً كما يقال في الذنب والدين، واختلف المفسرون في {الأكمه} فقال مجاهد: {الأكمه} هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وقال ابن عباس والحسن والسدي: {الأكمه} الأعمى على الإطلاق، وقال عكرمة: {الأكمه} الأعمش، وحكى النقاش قولاً: أن {الأكمه} هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم، الميت الفؤاد، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: {الأكمه} الذي يولد أعمى مضموم العين. قال القاضي: وقد كان عيسى عليه السلام يبرىء بدعائه ومسح يده كل علة، ولكن الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوة لا يقوم إلا بالإبراء من العلل التي لا يبرىء منها طبيب بوجه، فليس يتخلص من هذه الأقوال في {الأكمه} إلا القول الأخير، إذ {الأكمه} في اللغة هو الأعمى، وكمهت العين عميت، ولولا ضبط اللغة لكان القول الذي حكى النقاش حسناً في معنى قيام الحجة به، {والأبرص} معروف، وهو داء لا يبرأ منه إذا تمكن، وروي في إحيائه الموتى، أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة، فيحيي الإنسان ويكلمه، وروي في أنه أحيى سام بن نوح عليه السلام، وروي أن الذي كان يحييه كانت تدوم حياته، وروي أنه كان يعود لموته سريعاً، وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها، وإحياء الموتى هي آيته المعجزة المعرضة للتحدي، وهي بالمعنى متحدى بها وإن كان لم ينص علىالتحدي بها، وآيات عيسى عليه السلام إنما تجري فيما يعارض الطب لأن علم الطب كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم وحينئذ أثيرت فيه العجائب، فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة وأصول الطب، وذلك إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه القوة من عند الله، وهذا كأمر السحرة مع موسى، والفصحاء مع محمد عليه السلام. ووقع في التواريخ المترجمة عن الأطباء أن جالينوس، كان في زمن عيسى عليه السلام وأنه رحل إليه من رومية إلى الشام ليلقاه فمات في طريقه ذلك. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وأنبئكم} الآية، فقال السدي وسعيد بن جبير وابن إسحاق ومجاهد وعطاء: كان عيسى من لدن طفولته وهو في الكتّاب يخبر الصبيان بما يفعل آباؤهم في منازلهم وبما يؤكل من الطعام ويدخر حتى قال بنو إسرائيل لأبنائهم لا تخالطوا هذا الساحر، وكذلك إلى أن نبىء، فكان يقول لكل من سأله عن هذا المعنى، أكلت البارحة كذا، وادخرت كذا، قال ابن إسحاق، وكان معلمه يريد أن يعلمه الشيء فيسبقه إليه عيسى فيتعجب معلمه من ذلك ويذكره للناس، وقال قتادة معنى الآية إنما هو في نزول المائدة عليهم. وذلك أنها لما أنزلت أخذ عليهم عهداً أن يأكلوا ولا يخبىء أحد شيئاً ولا يدخره ويحمله إلى بيته فخانوا وجعلوا يخبئون من ثمار الجنة وطعامها الذي كان ينزل على المائدة. فكان عيسى عليه السلام يخبر كل أحد عما أكل وعما ادخر في بيته من ذلك وعوقبوا على ذلك، وما في قوله {بما تأكلون} يحتمل أن تكون بمعنى الذي وتحتمل المصدرية وكذلك {وما تدخرون}، وقرأ الجمهور، "تدّخِرون" بدال مشددة وخاء مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت أصله، "تذخرون" استثقل النطق بالذال والتاء، لتقاربهما في المخرج فأبدلت التاء دالاً وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في مدكر، ومطلع، بمعنى مضطلع وغير ذلك نحو قول الشاعر: [زهير] [البسيط] شعر : إن الكَريمَ الذي يُعطيكَ نَائِلَهُ عَفْواً وَيظْلِمُ أحْياناً فَيَطَّلِمُ تفسير : بالطاء غير منقوطة، وقرأ الزهري ومجاهد وأيوب السختياني وأبو السمال "تدْخَرون" - بدال - ساكنة وخاء مفتوحة، وقوله: {إن في ذلك} إشارة إلى ما ذكر من الإحياء والإبراء والإنباء، وفي مصحف ابن مسعود "لآيات" على الجمع، وقوله {إن كنتم مؤمنين}، توقيف والمعنى، لآيات نافعة هادية إن آمنتم وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية، فأما كونها آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا، هذا كله على أن المخاطبة لمن لم يؤمن - بعد - وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل، وإن كان خطابه لمؤمنين، أو كما كانوا مؤمنين بموسى، فمعنى الآية التثبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه إلى شيء: ما أنت يا فلان يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ويعلمه الكتاب} قال: الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {ويعلمه الكتاب} قال: بيده. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: عندما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب فدفعته إليه فقال: قل بسم. قال عيسى: الله. فقال المعلم: قل الرحمن. قال عيسى: الرحيم فقال المعلم: قل أبو جاد. قال: هو في كتاب. فقال عيسى: أتدري ما ألف؟ قال: لا. قال الآء الله. أتدري ما باء؟ قال: لا. قال: بهاء الله. أتدري ما جيم؟ قال: لا. قال جلال الله. أتدري ما اللام؟ قال: لا. قال: آلاء الله. فجعل يفسر على هذا النحو. فقال المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟! قالت: فدعه يقعد مع الصبيان. فكان يخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم. وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وابن مسعود مرفوعاً "حديث : قال: إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم: اكتب بسم الله قال له عيسى: وما بسم؟ قال له المعلم: ما أدري؟! قال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم رحيم الآخرة. أبو جاد: الألف. الآء الله، والباء بهاء الله، جيم جلال الله، دال الله الدائم. هوَّزَ: الهاء الهاوية، واو ويلٌ لأهل النار واد في جهنم، زاي زين أهل الدنيا، حطي، حاء الله الحكيم، طاء الله الطالب لكل حق حتى يرده، أي أهل النهار وهو الوجع. كلمن: الكاف الله الكافي، لام: الله القائم، ميم، الله المالك، نون الله البحر، سعفص: سين، السلام، صاد الله الصادق، عين الله العالم، فاء الله ذكر كلمة صاد الله الصمد. قرشت قاف الجبل المحيط بالدنيا الذي اخضرت منه السماء، راء رياء الناس بها، سين ستر الله، تاء تمت أبداً "تفسير : . قال ابن عدي: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير اسمعيل بن يحيى. وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من قول الزور، فكان عيسى يشرب اللبن من أمه، فلما فطم أكل الطعام، وشرب الشراب، حتى بلغ سبع سنين أسلمته أمه لرجل يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يعلمه شيئاً إلا بدره عيسى إلى عمله قبل أن يعلمه إياه. فعلمه أبا جاد فقال عيسى: ما أبو جاد؟ قال المعلم: لا أدري! فقال عيسى: فكيف تعلمني ما لا تدري؟! فقال المعلم: إذن فعلمني. قال له عيسى: فقم من مجلسك فقام، فجلس عيسى مجلسه فقال عيسى: سلني... فقال المعلم: فما أبو أبجد؟ فقال عيسى: الألف الآء الله، باء بهاء الله، جيم بهجة وجماله. فعجب المعلم من ذلك، فكان أول من فسر أبجد عيسى ابن مريم عليه السلام. قال "حديث : وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما تفسير أبي جاد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا تفسير أبي جاد فإن فيه الأعاجيب كلها، ويل لعالم جهل تفسيره. فقيل يا رسول الله وما تفسير أبي جاد؟ قال: الألف آلاء الله، والباء بهجة الله وجلاله، والجيم مجد الله، والدال دين الله. هوَّز الهاء الهاوية ويل لمن هوى فيها، والواو ويل لأهل النار، والزاي الزاوية يعني زوايا جهنم. حطي: الحاء حط خطايا المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبريل مع الملائكة إلى مطلع الفجر، والطاء طوبى لهم وحسن مآب وهي شجرة غرسها الله بيده، والياء يد الله فوق خلقه. كلمن: الكاف كلام الله لا تبديل لكلماته، واللام إلمام أهل الجنة بينهم بالزيارة والتحية والسلام وتلاوم أهل النار بينهم، والميم ملك الله الذي لا يزول ودوام الله الذي لا يفنى، ونون {نون والقلم وما يسطرون} [القلم: 1-2] صعفص: الصاد صاع بصاع، وقسط بقسط، وقص بقص، يعني الجزاء بالجزاء، وكما تدين تدان، والله لا يريد ظلماً للعباد. قرشت: يعني قرشهم فجمعهم يقضي بينهم يوم القيامة وهم لا يظلمون "تفسير : . ذكر نبذ من حكم عيسى عليه السلام. أخرج ابن المبارك في الزهد أخبرنا ابن عيينة عن خلف بن حوشب قال: قال عيسى عليه السلام للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن يونس بن عبيد قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام يقول: لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد عن ثابت البناني قال: قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت حماراً تركبه لحاجتك؟ فقال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني به. وأخرج ابن عساكر عن مالك بن دينار قال: قال عيسى: معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة، ويباعدان من زهرة الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن عتبة بن يزيد قال: قال عيسى ابن مريم: يا ابن آدم الضعيف اتّق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتاً، وكن في الدنيا ضعيفاً، وعوّد نفسك البكاء، وقلبك التفكر، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزقك غداً فإنها خطيئة تكتب عليك. وأخرج ابن أبي الدنيا والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن مطرف. أن عيسى قال: فذكره. وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهيب المكي قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال: أصل كل خطيئة حب الدنيا. ورب شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً. وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن سعيد قال: كان عيسى يقول: اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن سفيان بن سعيد قال: كان عيسى عليه السلام يقول: حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير. قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء. قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله اصلاحه عن ذكر الله. وأخرج ابن المبارك عن عمران الكوفي قال: قال عيسى ابن مريم للحواريين: لا تأخذوا ممن تعلمون الأجر الأمثل الذي أعطيتموني، ويا ملح الأرض لا تفسدوا فإن كل شيء إذا فسد فإنما يداوى بالملح، وإن الملح إذا فسد فليس له دواء، واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب، والصبيحة من غير سهر. وأخرج الحكيم الترمذي عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى عليه السلام: بالقلوب الصالحة يعمر الله الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن دينار قال: كان عيسى ابن مريم عليه السلام إذا مر بدار وقد مات أهلها وقف عليها فقال: ويح لأربابك الذين يتوارثونك كيف لم يعتبروا فعلك باخوانهم الماضين؟! وأخرج البيهقي عن مالك بن دينار قال: قالوا لعيسى عليه السلام يا روح الله ألا نبني لك بيتا؟ قال: بلى. ابنوه على ساحل البحر قالوا: إذن يجيء الماء فيذهب به قال: أين تريدون؟ تبنون لي على القنطرة؟ وأخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد الله قال: فقد الحواريون عيسى عليه السلام فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء فقال بعضهم: يا نبي الله أنمشي إليك؟ قال: نعم. فوضع رجله ثم ذهب يضع الأخرى فانغمس فقال: هات يدك يا قصير الإيمان. لو أن لابن آدم مثقال حبة أو ذرة من اليقين إذن لمشى على الماء. وأخرج أحمد عن عبد الله بن نمير قال: سمعت أن عيسى عليه السلام قال: كانت ولم أكن، وتكون ولا أكون فيها. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: لما بعث عيسى عليه السلام اكب الدنيا على وجهها، فلما رفع رفعها الناس بعده. وأخرج عبد الله ابنه في زوائده عن الحسن قال: قال عيسى عليه السلام: إني اكببت الدنيا لوجهها، وقعدت على ظهرها، فليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب. قالوا له: أفلا نتخذ لك بيتاً قال: ابنوا لي على سبيل الطريق بيتاً قالوا: لا يثبت! قالوا: أفلا نتخذ لك زوجة؟ قال: ما أصنع بزوجة تموت؟ وأخرج أحمد عن خيثمة قال: مرت امرأة على عيسى عليه السلام فقالت: طوبى لثدي أرضعك، وحجر حملك. فقال عيسى عليه السلام: طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل بما فيه. وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: إني وهبت لك حب المساكين ورحمتهم، تحبهم ويحبونك، ويرضون بك إماماً وقائداً، وترضى بهم صحابة وتبعاً، وهما خلقان. اعلم أن من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبها إليّ. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن ميمون بن سياه قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين اتخذوا المساجد مساكن، واجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف. فما لكم في العالم من منزل، إن أنتم الا عابري سبيل. وأخرج أحمد عن وهب بن منبه أن عيسى عليه السلام قال: بحق أن أقول لكم أن أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة. وأخرج عبد الله في زوائده عن جعفر بن حرفاس أن عيسى ابن مريم قال: رأس الخطيئة حب الدنيا، والخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان. وأخرج أحمد عن سفيان قال: قال عيسى عليه السلام: إن للحكمة أهلاً. فإن وضعتها في غير أهلها أضعتها، وإن منعتها من أهلها ضيعتها. كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي. وأخرج أحمد عن محمد بن واسع أن عيسى ابن مريم قال يا بني إسرائيل إني أعيذكم بالله أن تكونوا عاراً على أهل الكتاب. يا بني إسرائيل قولكم شفاء يذهب الداء، وأعمالكم داء لا تقبل الدواء. وأخرج أحمد عن وهب قال: قال عيسى لاحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحدأ الخاطف. وأخرج أحمد عن مكحول قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر داراً؟ قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك! قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قراراً. وأخرج أحمد عن زياد أبي عمرو قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال: إنه ليس بنافعك أن تعلم ما لم تعلم، ولما تعلم بما قد علمت. إن كثرة العلم لا تزيد إلا كبراً إذا لم تعمل به. وأخرج أحمد عن إبراهيم بن الوليد العبدي قال: بلغني أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: الزهد يدور في ثلاثة أيام: أمس خلا وعظت به، واليوم زادك فيه، وغدا لا تدري مالك فيه. قال والأمر يدور على ثلاثة: أمر بأن لك رشده فاتَّبِعْهُ، وأمر بان لك غِيَّهُ فاجْتَنِبْهُ، وأمر أشكل عليك فَكِلْهُ إلى الله عز وجل. وأخرج أحمد عن قتادة قال: قال عيسى عليه الصلاة والسلام: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي. وأخرج أحمد عن بشير الدمشقي قال: مر عيسى عليه الصلاة والسلام بقوم فقال: اللهم اغفر لنا ثلاثاً فقالوا: يا روح الله انا نريد أن نسمع منك اليوم موعظة، ونسمع منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى؟ فأوحى الله إلى عيسى أن قل لهم "إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن خيثمة قال: كان عيسى عليه السلام إذا دعا القراء قام عليهم ثم قال: هكذا اصنعوا بالقراء. وأخرج أحمد عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى عليه السلام: إن أحببتم أن تكونوا أصفياء الله، ونور بني آدم من خلقه فاعفوا عمن ظلمكم، وعودوا من لا يعودكم، واحسنوا إلى من لا يحسن إليكم، وأقرضوا من لا يجزيكم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير، أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يلبس الشعر، ويأكل من ورق الشجر، ويبيت حيث أمسى، ولا يرفع غداء ولا عشاء لغد، ويقول: يأتي كل يوم برزقه. وأخرج أحمد عن وهب قال: قال عيسى ابن مريم: يا دار تخربين ويفنى سكانك، ويا نفس اعملي ترزقي، ويا جسد انصب تسترح. وأخرج أحمد عن وهب ابن منبه قال: قال عيسى ابن مريم للحواريين: بحق أقول لكم - وكان عيسى عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يقول بحق - أقول لكم: إن أشدكم حباً للدنيا أشدكم جزعاً على المصيبة. وأخرج أحمد عن عطاء الأزرق قال: بلغنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: يا معشر الحواريين كلوا خبز الشعير، ونبات الأرض، والماء القراح، وإياكم وخبز البر، فإنكم لا تقومون بشكره، واعلموا أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، واشد مرارة الدنيا حلاوة الآخرة. وأخرج ابنه في زوائده عن عبد الله بن شوذب قال: قال عيسى ابن مريم: جودة الثياب من خيلاء القلب. وأخرج أحمد عن سفيان قال: قال عيسى عليه الصلاة والسلام: إني ليس أحدثكم لتعجبوا إنما أحدثكم لتعلموا. وأخرج ابنه عن أبي حسان قال: قال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: كن كالطبيب العالم يضع دواءه حيث ينفع. وأخرج ابنه عن عمران بن سليمان قال: بلغني أن عيسى ابن مريم قال: يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تَهُن عليكم، وأهينوا الدنيا تكرم الآخرة عليكم، ولا تكرموا الدنيا فتهون الآخرة عليكم، فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة، وكل يوم تدعو للفتنة والخسارة. وأخرج ابن المبارك وأحمد عن أبي غالب قال في وصية عيسى عليه الصلاة والسلام: يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالمقت لهم، والتمسوا رضاه بسخطهم. قالوا: يا نبي الله فمن نجالس؟ قال: جالسوا من يزيد في علمكم منطقه، ومن يذكركم الله رؤيته، ويزهدكم في الدنيا عمله. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى عيسى "عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني". وأخرج أحمد عن وهب قال: قال عيسى للحواريين: بقدر ما تنصبون ههنا تستريحون ههنا، وبقدر ما تستريحون ههنا تنصبون ههنا. وأخرج ابن المبارك وأحمد عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى عليه الصلاة والسلام: طوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى من ذكر خطيئته. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد عن هلال بن يساف قال: كان عيسى يقول: إذا تصدق أحدكم بيمينه فليخفها عن شماله، وإذا صام فلْيَدَّهِنْ وليمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فلا يرى أنه صائم، وإذا صلى فليدن عليه ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق. وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا عن خالد الربعي قال: ثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: أرأيتم لو أن أحدكم أتى على أخيه المسلم وهو نائم وقد كشفت الريح بعض ثوبه؟ فقالوا: إذا كنا نرده عليه قال: لا. بل تكشفون ما بقي، مثل ضربه للقوم يسمعون الرجل بالسيئة فيذكرون أكثر من ذلك. وأخرج أحمد عن أبي الجلد قال: قال عيسى ابن مريم: فكرت في الخلق فإذا من لم يخلق كان أغبط عندي ممن خلق. وقال: لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكن انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد. والناس رجلان: مبتلى، ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي الهذيل قال: لقي عيسى يحيى فقال: أوصني قال: لا تغضب قال: لا أستطيع قال: لا تفتن مالا قال: أما هذا لعله. وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: مر عيسى عليه السلام والحواريون رضي الله تعالى عنهم على جيفة كلب فقالوا: ما أنتن هذا! فقال: ما أشد بياض أسنانه. يعظهم وينهاهم عن الغيبة. وأخرج أحمد عن الأوزاعي قال: كان عيسى يحب العبد يتعلم المهنة يستغني بها عن الناس، ويكره العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى عليه السلام: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم. انظروا إلى هذا الطير يغدو ويروح لا يحرث، ولا يحصد، الله تعالى يرزقها. فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر، تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد، الله تعالى يرزقها. اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز. وأخرج أحمد عن وهب قال: إن إبليس قال لعيسى: زعمت أنك تحيي الموتى فإن كنت كذلك فادع الله أن يرد هذا الجبل خبزاً فقال له عيسى: أوكل الناس يعيشون بالخبز؟ قال: فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان فإن الملائكة ستلقاك قال: إن ربي أمرني أنْ لا أجرب نفسي، فلا أدري هل يسلمني أم لا. وأخرج أحمد عن سالم بن أبي الجعد أن عيسى ابن مريم كان يقول: للسائل حق وإن أتاك على فرس مطوق بالفضة. وأخرج عن بعضهم قال أوحى الله إلى عيسى: إن لم تطب نفسك أن تصفك الناس بالزاهد فيَّ لم أكتبك عندي راهباً، فما يضرك إذا بغضك الناس وأنا عنك راض، وما ينفعك حب الناس وأنا عليك ساخط؟ وأخرج أحمد عن الحضرمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن فضيل بن عياض قالا: قيل لعيسى ابن مريم بأي شيء تمشي على الماء؟ قال: بالإيمان واليقين قالوا: فانا آمنا كما آمنت، وأيقنا كما أيقنت. قال: فامشوا اذن. فمشوا معه فجاء الموج فغرقوا، فقال لهم عيسى: ما لكم؟ قالوا: خفنا الموج قال: الا خفتم رب الموج فاخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطها، فإذا في احدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: الذهب قال: فانهما عندي سواء. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد وابن عساكر عن الشعبي قال: كان عيسى ابن مريم إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم إنْ تذكر عنده الساعة فيسكت. وأخرج أحمد وابن عساكر عن مجاهد قال: كان عيسى عليه السلام يلبس الشعر، ويأكل الشجر، ولا يخبئ اليوم لغد، ويبيت حيث آواه الليل. ولم يكن له ولد فيموت، ولا بيتّ فيخرب. وأخرج ابن عساكر عن الحسن: أن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة، وأن الفرارين بدينهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى ابن مريم، وأن عيسى مر به إبليس يوماً وهو متوسد حجراً وقد وجد لذة النوم فقال له إبليس: يا عيسى أليس تزعم أنك لا تريد شيئاً من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا؟ فقام عيسى فأخذ الحجر فرمى به وقال: هذا لك مع الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن كعب، أنّ عيسى كان يأكل الشعير، ويمشي على رجليه ولا يركب الدواب، ولا يسكن البيوت، ولا يستصبح بالسراج، ولا يلبس القطن، ولا يمس النساء، ولم يمس الطيب، ولم يمزج شرابه بشيء قط، ولم يبرده، ولم يدهن رأسه قط، ولم يقرب رأسه ولحيته غسول قط، ولم يجعل بين الأرض وبين جلده شيئاً قط إلا لباسه، ولم يهتم لغداء قط، ولا لعشاء قط، ولا يشتهي شيئاً من شهوات الدنيا. وكان يجالس الضعفاء والزمنى والمساكين، وكان إذا قرب إليه الطعام على شيء وضعه على الأرض، ولم يأكل مع الطعام اداماً قط، وكان يجتزئ من الدنيا بالقوت القليل ويقول: هذا لمن يموت ويحاسب عليه كثير. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: بلغني أنه قيل لعيسى ابن مريم: تزوج قال: وما أصنع بالتزويج؟ قالوا: تلد لك الأولاد. قال: الأولاد إن عاشوا أَفْتَنُوا، وإن ماتوا أَحْزَنُوا. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن شعيب بن إسحق قال: قيل لعيسى: لو اتخذت بيتاً قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ميسرة قال: قيل لعيسى: ألا تبني لك بيتاً؟ قال: لا أترك بعدي شيئاً من الدنيا أذكر به. وأخرج ابن عساكر عن أبي سليمان قال: بينا عيسى يمشي في يوم صائف وقد مسه الحر والعطش، فجلس في ظل خيمة، فخرج إليه صاحب الخيمة فقال: يا عبد الله قم من ظلنا. فقام عيسى عليه السلام، فجلس في الشمس وقال: ليس أنت الذي أقمتني إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئاً. وأخرج أحمد عن سفيان بن عيينة قال: كان عيسى ويحيى عليهما السلام يأتيان القرية فيسأل عيسى عليه السلام عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عليه السلام عن خيار أهلها فقال له: لم تنزل على شرار الناس؟ قال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى. وأخرج أحمد عن هشام الدستوائي قال: بلغني أن في حكمة عيسى ابن مريم عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويحكم...! علماء السوء. الأجر تأخذون والعمل تضيعون، توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه، والله عز وجل ينهاكم عن المعاصي كما أمركم بالصوم والصلاة. كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في الدنيا أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أشهى إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من سخط واحتقر منزلته وهو يعلم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله تعالى في قضائه فليس يرضى بشيء أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من طلب الكلام ليتحدث ولم يطلبه ليعمل به؟ وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز عن أشياخه، أن عيسى عليه السلام مرَّ بعقبة أفيق ومعه رجل من حواريه، فاعترضهم رجل فمنعهم الطريق وقال: لا أترككما تجوزان حتى ألطم كل واحد منكما لطمة، فحاولاه فأبى إلا ذاك فقال عيسى عليه السلام: أما خدي فالطمه. فلطمه فخلى سبيله وقال للحواري: لا أدعك تجوز حتى ألطمك فتمنع عليه، فلما رأى عيسى ذاك أعطاه خده الآخر فلطمه، فخلى سبيلهما فقال عيسى عليه السلام: اللهم إن كان هذا لك رضا فبلغني رضاك، وإن كان هذا سخطاً فإنك أولى بالعفو. وأخرج عبد الله ابنه عن علي بن أبي طالب قال: بينما عيسى عليه السلام جالس مع أصحابه مرت به امرأة؛ فنظر إليها بعضهم فقال له بعض أصحابه: زنيت فقال له عيسى: أرأيت لو كنت صائماً فمررت بشواء فشممته أكنت مفطراً؟ قال: لا. وأخرج أحمد عن عطاء قال: قال عيسى: ما أدخل قرية يشاء أهلها أن يخرجوني منها إلا أخرجوني. يعني ليس لي فيها شيء قال: وكان عيسى عليه السلام يتخذ نعلين من لحى الشجر، ويجعل شراكهما من ليف. وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال المسيح: ليس كما أريد ولكن كما تريد، وليس كما أشاء ولكن كما تشاء. وأخرج أحمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى عليه السلام أحب إليه من أن يقال هذا المسكين. وأخرج ابنه عن ابن حليس قال: قال عيسى: إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال، وتزيينه عند الهوى واستكماله عند الشهوات. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جعفر بن برقان قال: كان عيسى يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما ارجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، فلا تُشْمِت بي عدوّي، ولا تسيء بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تُسَلِّطْ عليَّ من لا يرحمني. وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: في كتب الحواريين إذا سلك بك سبيل البلاء فاعلم أنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سُلِكَ بك سبيل أهل الرخاء فاعلم أنه سُلِكَ بك غير سبيلهم، وخُولفَ بك عن طريقهم. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: قال عيسى: إنما أبعثكم كالكبَاش تلتقطون خرفان بني إسرائيل، فلا تكونوا كالذئاب الضواري التي تختطف الناس وعليكم بالخرفان ما لكم تأتون عليكم ثياب الشعر، وقلوبكم قلوب الخنازير، البسوا ثياب الملوك، ولينوا قلوبكم بالخشية. وقال عيسى: يا ابن آدم اعمل باعمال البّر حتى يبلغ عملك عنان السماء، فإن لم يكن حباً في الله ما اغنى ذلك عنك شيئاً. وقال عيسى للحواريين: إن إبليس يريد أن يبخلكم فلا تقعوا في بخله. وأخرج أحمد عن الحسن بن علي الصنعاني قال: بلغنا أن عيسى عليه السلام قال: يا معشر الحواريين ادع الله أن يخفف عني هذه السكرة - يعني الموت - ثم قال عيسى: لقد خفت الموت خوفاً مخافتي من الموت على الموت. وأخرج أحمد عن وهب بن منبه، أن عيسى عليه السلام كان واقفاً على قبر ومعه الحواريون وصاحب القبر يدلى فيه، فذكروا من ظلمة القبر ووحشته وضيقه فقال عيسى: قد كنتم فيما هو أضيق منه في أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسع وسّع. وأخرج أحمد عن وهب قال: قال المسيح عليه السلام: أكثروا ذكر الله، وحمده، وتقديسه، وأطيعوه، فإنما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله تبارك وتعالى راضياً عليه أن يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي، واصلح لي معيشتي، وعافني من المكاره يا إلهي. وأخرج أحمد عن أبي الجلد، أن عيسى عليه السلام قال للحواريين: بحق أقول لكم: ما الدنيا تريدون ولا الآخرة قالوا: يا رسول الله فسر لنا هذا فقد كنا نرى أنا نريد إحداهما! قال: لو أردتم الدنيا لأطعتم رب الدنيا الذي مفاتيح خزائنها بيده فاعطاكم، ولو أردتم الآخرة أطعتم رب الآخرة الذي يملكها فأعطاكم، ولكن لا هذه تريدون ولا تلك. وأخرج أحمد عن أبي عبيدة، أن الحواريين قالوا لعيسى: ماذا نأكل؟ قال: تأكلون خبز الشعير، وبقل البرية. قالوا: فماذا نشرب؟ قال: تشربون ماء القراح. قالوا: فماذا نتوسد؟ قال: توسدوا الأرض قالوا: ما نراك تأمرنا من العيش إلا بكل شديد! قال: بهذا تنجون ولا تَحُلّون ملكوت السموات حتى يفعله أحدكم وهو منه على شهوة قالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: ألم تروا أن الرجل إذا جاع فما أحب إليه الكسرة وان كانت شعيراً، وإن عطش فما أحب إليه الماء وإن كان قراحاً، وإذا أطال القيام فما أحب إليه أن يتوسد الأرض. وأخرج أحمد عن عطاء، أنه بلغه أن عيسى عليه السلام قال: تَرَجَّ ببلاغة، وتيقظ في ساعات الغفلة، واحكم بلطف الفطنة، لا تكن حَلْساً مطروحاً وأنت حي تتنفس. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي هريرة قال: كان عيسى عليه السلام يقول: يا معشر الحواريين اتخذوا بيوتكم منازل، واتخذوا المساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واخرجوا من الدنيا بسلام. وأخرج أحمد عن إبراهيم التيمي إن عيسى عليه السلام قال: اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب المرء عند كنزه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن سعيد الجعفي قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: بيتي المسجد، وطيبي الماء، وادامي الجوع، وشعاري الخوف، ودابتي رجلاي، ومصطلاي في الشتاء مشارق الشمس، وسراجي بالليل القمر، وجلسائي الزمنى والمساكين، وامسي وليس لي شيء، وأُصبحُ وليس لي شيء، وأنا بخير فمن أغنى مني. وأخرج ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: قال عيسى: بطحت لكم الدنيا، وجلستم على ظهرها، فلا ينازعكم فيها إلا الملوك والنساء. فاما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لم يعرضوا لكم دنياهم. وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة. وأخرج ابن عساكر عن سفيان الثوري قال: قال المسيح عليه السلام: إنما تطلب الدنيا لِتُبرَّ فتركها ابرُّ. وأخرج ابن عساكر عن شعيب بن صالح قال عيسى ابن مريم: والله ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبه منها بثلاث: شغل لا ينفك عناه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة ومطلوبة. فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه. وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى ابن مريم: كما توضعون كذلك ترفعون، وكما ترحمون كذلك ترحمون، وكما تقضون من حوائج الناس كذلك يقضي الله من حوائجكم. وأخرج أحمد وابن عساكر عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك تلك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. وأخرج ابن عساكر عن ابن المبارك قال: بلغني أن عيسى ابن مريم مر بقوم فشتموه فقال خيراً. ومر بآخرين فشتموه وزادوا فزادهم خيراً. فقال رجل من الحواريين: كلما زادوك شراً زدتهم خيراً كأنهم تغريهم بنفسك! فقال عيسى عليه السلام: كل إنسان يعطي ما عنده. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال: مر بعيسى ابن مريم خنزير فقال: مر بسلام. فقيل له: يا روح الله لهذا الخنزيرتقول! قال: أكره أن أعود لساني الشر. وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان قال: قالوا لعيسى ابن مريم، دلنا على عمل ندخل به الجنة قال: لا تنطقوا أبداً قالوا: لا نستطيع ذلك! قال: فلا تنطقوا إلا بخير. وأخرج الخرائطي عن إبراهيم النخعي قال: قال عيسى ابن مريم: خذوا الحق من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا مُنْتَقِدِي الكلام كي لا يجوز عليكم الزيوف. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الزهد عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا. وأخرج ابن عساكر عن مالك بن دينار قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: أكل الشعير مع الرماد، والنوم على المزابل مع الكلاب. لقليل في طلب الفردوس. وأخرج ابن عساكر عن أنس بن مالك قال: كان عيسى ابن مريم يقول: لا يطيق عبد أن يكون له ربان. أن أرضى أحدهما أسخط الآخر، وإن أسخط أحدهما أرضى الآخر. وكذلك لا يطيق عبد أن يكون خادماً للدنيا يعمل عمل الآخرة. لا تهتموا بما تأكلون ولا ما تشربون، فإن الله لم يخلق نفساً أعظم من رزقها، ولا جسداً أعظم من كسوته فاعتبروا. وأخرج ابن عساكر عن المقبري، أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: يا ابن آدم إذا عملت الحسنة فاله عنها فإنها عند من لا يضيعها، وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينك. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن أبي هلال أن عيسى ابن مريم كان يقول: من كان يظن أن حرصاً يزيد في رزقه فليزد في طوله، أو في عرضه، أو في عدد بنائه، أو تغير لونه. ألا فإن الله خلق الخلق فهيأ الخلق لما خلق، ثم قسم الرزق فمضى الرزق فمضى الرزق لما قسم، فليست الدنيا بِمُعطِيَةٍ أحداً شيئاً ليس له، ولا بِمَانِعَةٍ أحداً شيئاً هو لكم، فعليكم بعبادة ربكم فانكم خُلِقْتُمْ لها. وأخرج ابن عساكر عن عمران بن سليمان قال: بلغني أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لأصحابه: إن كنتم إخواني وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس. وأخرج أحمد والبيهقي عن عبد العزيز بن ظبيان قال: قال المسيح: من تَعَلَّم وعمل وعَلَّمَ فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماء. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن عيسى ابن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تُحَدِّثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، والأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين لكم غِيَّهُ فاجتنبوه، وأمر اخْتُلِفَ عليكم فيه فَرُدُّوا علمه إلى الله تعالى ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن قيس الملائي قال: قال عيسى ابن مريم: إن منعت الحكمة أهلها جهلت، وإن منحتها غير أهلها جهلت. كن كالطبيب المداوي إن رأى موضعاً للدواء وإلا أمسك. وأخرج عبد الله بن أحمد في الزهد وابن عساكر عن عكرمة قال: قال عيسى ابن مريم للحواريين: يا معشر الحواريين لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤة شيئاً، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة. فلا أنتم تدخلونها، ولا تدعون المساكين يدخلونها. أن شرّ الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: إن مثل حديث النفس بالخطيئة كمثل الدخان في البيت لا يحرقه، فإنه ينتن ريحه ويغير لونه. قوله تعالى: {والتوراة والإنجيل}. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل.
ابو السعود
تفسير : {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي الكتابةَ أو جنسَ الكتُبِ الإلٰهيةِ {وَٱلْحِكْــمَةَ} أي العلومَ وتهذيبَ الأخلاق {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} إفرادُهما بالذكر على تقدير كونِ المرادِ بالكتاب جنسَ الكتب المنزلِ لزيادة فضلِهما وإنافتِهما على غيرهما، والجملةُ عطف على {أية : يُبَشّرُكِ} تفسير : [آل عمران، الآية 39] أو على {أية : وَجِيهاً} تفسير : [آل عمران، الآية: 45] أو على {أية : يَخْلُقُ} تفسير : [آل عمران، الآية: 47] أو كلام مبتدأ سيق تطيـيباً لقلبها وإزاحةً لما أهمّها من خوف اللائمةِ لمّا علِمَت أنها تلِدُ من غير زوجٍ، وقرىء ونعلِّمه بالنون {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ} منصوبٌ بمُضْمر يعود إليه المعنى معطوفٌ على يُعلّمه أي ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيلَ أي كلِّهم، وقال بعضُ اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين ثم قيل: كان رسولاً حال الصِّبا وقيل: بعد البلوغ، وكان أولَ أنبـياءِ بني إسرائيلَ يوسفُ عليه الصلاة والسلام وآخِرُهم عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل: أولُهم موسى وآخِرُهم عيسى عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ} معمولٌ لرسولاً لما فيه من معنى النُطقِ أي رسولاً ناطقاً بأني الخ وقيل: منصوبٌ بمضمر معمولٍ لقول مضمرٍ معطوفٍ على يعلِّمه أي ويقول: أُرسِلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم الخ وقيل: معطوفٌ على الأحوال السابقةِ، ولا يقدَحُ فيه كونُها في حكم الغَيبة مع كونِ هذا في حكم التكلّم لِما عرَفتَ من أن فيه معنى النُطقِ، كأنه قيل: حالَ كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بأني الخ وقرىء ورسولٍ بالجر عطفاً على {أية : كَلِمَةٍ} تفسير : [آل عمران، الآيات: 39، 45، 64] والباء في قوله تعالى: {بِآيَةٍ} متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل الفعلِ على أنها للملابسة، والتنوينُ للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها وكثرتها وقرىء بآيات. أو بجئتُكم على أنها للتعدية ومِنْ في قوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} لابتداء الغاية مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لآيةٍ أي قد جئتُكم ملتبساً بآية عظيمةٍ كائنةٍ من ربكم أو أتيتكم بآية عظيمة كائنة منه تعالى والتعرضُ لوصف الربوبـية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبـين لتأكيد إيجاب الامتثالِ بما سيأتي من الأوامر وقولُه تعالى: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} بدلٌ من قوله تعالى: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ} [آل عمران، الآية: 49] ومحلُه النصبُ على نزع الجارِّ عند سيبويهِ والفراء، والجرُّ على رأي الخليلِ والكسائيّ، أو بدلٌ من آية وقيل: منصوبٌ بفعل مقدرٍ أي أعني أني الخ وقيل: مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدإ محذوفٍ أي هي {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ} [آل عمران، الآية: 49] وقرىء بكسر الهمزةِ على الاستئناف أي أقدّرُ لكم أي لأجل تحصيلِ إيمانِكم ودفعِ تكذيبِكم إيايَ من الطين شيئاً مثلَ صورةِ الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ} الضمير للكاف أي في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطيرِ، وقرىء فأنفخُ فيها عل أن الضميرَ للهيئة المقدّرةِ أي أخلُق لكم من الطين هيئةً كهيئة الطيرِ فأنفخُ فيها {فَيَكُونُ طَيْرًا} حياً طياراً كسائر الطيور {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} بأمرِه تعالى أشارَ عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن إحياءَه من الله تعالى لا منه، قيل: لم يَخْلُقْ غيرَ الخفاش، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما ادعى النبوةَ وأظهر المعجزاتِ طالبوه بخلق الخفاشِ فأخذ طيناً وصوَّره ونفخَ فيه فإذا هو يطيرُ بـين السماء والأرض، قال وهْبٌ: «كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز من خلق الله تعالى»، قيل: إنما طالبوه خلق الخفاشِ لأنه أكملُ الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ثُدِيّاً وأسناناً وهي تحيض وتطُهر وتلِد كسائر الحيوان وتضحك كا يضحك الإنسانُ وتطير بغير ريش ولا تُبصِرُ في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ترى في ساعتين: ساعةٍ بعد الغروب وساعةٍ بعد طلوع الفجر وقيل: خَلَق أنواعاً من الطير {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} أي الذي وُلد أعمى أو الممسوحُ العين {وَٱلأَبْرَصَ} المبتلىٰ بالبَرَص، لم تكن العربُ تنفِرُ من شيءٍ نَفْرتَها منه ويقال له: الوَضَح أيضاً، وتخصيصُ هذين الداءين لأنهما مما أعيا الأطباءَ وكانوا في غاية الحَذاقةِ في زمنه عليه الصلاة والسلام فأراهم الله تعالى المعجزةَ من ذلك الجنس. روي أنه عليه الصلاة والسلام ربما كان يجتمعُ عليه ألوفٌ من المرضى مَنْ أطاق منهم أتاه ومن لم يُطِقْ أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداويه إلا بالدعاء {وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} كرَّره مبالغةً في دفع وَهْمِ مَنْ توهّم فيه اللاهوتية. قال الكلبـيُّ: كان عليه الصلاة والسلام يُحيـي الموتىٰ بـيا حيُّ يا قيُّومُ، أحيا عازَرَ وكان صديقاً له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك فقالوا: إنك تحيـي من كان قريبَ العهدِ من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتةٌ فأحْيـيِ لنا سامَ بنَ نوحٍ فقال: «دُلوني على قبره» ففعلوا فقام على قبره فدعا الله عز وجل فقام من قبره وقد شاب رأسُه فقال عليه الصلاة والسلام: «كيف شِبْتَ ولم يكن في زمانكم شيبٌ؟» قال: يا روحَ الله لما دعَوْتَني سمعتُ صوتاً يقول: أجبْ روحَ الله فظننتُ أن الساعةَ قد قامت فمِنْ هِولِ ذلك شِبْتُ فسأله عن النزْع قال: يا روحَ الله إن مرارتَه لم تذهَبْ من حَنْجَرَتي وكان بـينه وبـين موته أكثرُ من أربعةَ آلافِ سنةٍ وقال للقوم: صدِّقوه فإنه نبـيُّ الله فآمن به بعضُهم وكذبه آخرون، فقالوا: هذا سحرٌ فأرِنا آيةً فقال: «يا فلان أكلتَ كذا ويا فلان خُبِىءَ لك كذا» وذلك قولُه تعالى: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} أي بالمغيَّبات من أحوالكم التي لا تشكّون فيها، وقرىء تَذْخَرون بالذال والتخفيف {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من الأمور العِظام {لآيَةً} عظيمةً وقرىء لآياتٍ {لَكُمْ} دالةً على صِحة رسالتي دَلالةً واضحة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} جوابُ الشرطِ محذوفٌ لانصباب المعنى إليه أو دِلالةِ المذكورِ عليه أي انتفعتم بها، أو إن كنتم ممن يتأتَّى منهم الإيمانُ دلَّتْكم الآية على صحة رسالتي والإيمانِ بها.
القشيري
تفسير : وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عما عملوه مُسِرِّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه مصدِّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعةٍ تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض - على ما نطق به تفصيل القرآن.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويعلمه} كلام مستأنف اى ويعلم الله عيسى {الكتاب} اى الكتابة والخط بالقلم بالإلهام والوحى وكان احسن الناس خطا فى زمانه {والحكمة} اى العلوم العقلية والشرعية وتهذيب الاخلاق لان كمال الانسان فى ان يعرف الحق لذاته والخير لاجل العمل به مجموعها هو المسمى بالحكمة {والتواة والانجيل} فيحفظهما عن ظهر القلب وهذا الكلام اعنى يعلمه الخ سيق تطيبا لقلب مريم وازاحة لما اهما من خوف اللائمة لما عملت انها تلد من غير زوج.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ أهل المدينة، وعاصم، ويعقوب {ويعلمه} بالياء الباقون بالنون. فمن قرأ بالياء حمله على {يخلق ما يشاء} ويعلمه. ومن قرأ بالنون حمله على قوله: {نوحيه إليك}. والنون أفخم في الاخبار، لأن الياء حكاية عن الملك. المعنى، والاعراب: ومعنى قوله: {ويعلمه الكتاب} قال ابن جريج: الكتابة بيده. وقال أبو علي: كتاب آخر غير التوراة، والانجيل نحو الزبور أو غيره. فان قيل: لم أفرد التوراة والانجيل بالذكر مع دخولهما في الحكمة؟ قيل: إنما أفردهما بالذكر تنبيهاً على فضلهما مع جلالة موقعهما كما قال: {أية : وملائكته ورسله وجبريل وميكال} تفسير : وموضع يعلمه من الاعراب يحتمل أن يكون نصباً بالعطف على وجيهاً. ويحتمل أن يكون لا موضع له من الاعراب، لأنه عطف على جملة لا موضع لها، وهي قوله: {كذلك الله يخلق ما يشاء}. وقال بعضهم: هو عطف على "نوحيه إليك" قال الرماني: هذا لا يجوز، لأنه يخرجه من معنى البشارة به لمريم. وإنما هو محمول على مشاكلته لا على جهة العطف عليه. وعد أهل الكوفة التوراة والانجيل، ولم يعدوا رسولا إلى بني اسرائيل لتنكب الاستئناف بأن المفتوحة. والاستئناف بذكر المنصوب كثير في الكلام. وأما أهل المدينة فانما طلبوا تمام صفة المسيح، لأن تقديره ومعلماً كذا ورسولا إلى كذا.
الجنابذي
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ} قرئ بالنون وبياء الغيبة وهو عطف على يخلق او على الله يخلق او على كذلك الله يخلق ما يشاء، ويجوز ان يكون عطفاً على ما قبل قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ} ويكون هذا القول معترضاً حتّى يكون تعليمه الكتاب ممّا بشّرت به والمعنى {انّ الله يبشّرك بكلمة} يعلّمه {ٱلْكِتَابَ} قد مضى تحقيق الكتاب فى اوّل الكتاب ويجوز ان يراد به الكتابة هنا فانّه قيل انّ الله أعطى عيسى (ع) تسعة اجزاء من الخطّ وسائر النّاس جزءاً واحداً {وَٱلْحِكْمَةَ} آثار الولاية {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} خصّ الكتابين لشرفهما بالنّسبة الى سائر الكتب السّالفة {وَرَسُولاً} عطف على يعلّمه الكتاب على ان يكون هو عطفاً على ما قبل {قالت ربّ انّى يكون لى ولد} او عطف عليه بتقدير يرسله او يكلّم رسولاً {إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} خصّ بنى اسرائيل لانّه كان رسولاً اليهم، او لانّهم كانوا اشرف المرسل اليهم، او لانّ المراد ببنى اسرائيل من لم ينقطع نسبته الفطريّة الى الانبياء فانّهم المنتفعون بهم والمرسل اليهم حقيقة {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} بانّى قد جئتكم على تقدير التكلّم والنّطق قبل رسولاً او تضمين رسولاً معنى النّطق {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} حجّة لا تشكّون انّها ليست من قوّة البشر على صحّة نبوّتى {أَنِيۤ أَخْلُقُ} بدل من آية من ربّكم او بدل من انّى قد جئتكم او خبر مبتدأ محذوف اى هى انّى اخلق {لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ} اى فى هذا الطّين او فى المخلوق من الطّين او مماثل هيئة الطّير على ان يكون الكاف اسماً {فَيَكُونُ طَيْراً} اى حيّاً ذا لحم وعظم وجناح وطيران ولمّا كان صيرورة الطّين لحماً وعظماً وجناحاً وذا حياة ممّا يخرج من قدرة البشر قيّده بقوله تعالى {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} لئلاّ يتوهّم متوهّم ما توهّمه النّصارى فى حقّه والمعروف انّه الخفّاش المعروف {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} الاعمى او الّذى ولد اعمى او الممسوح العين {وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تكرار باذن الله للاهتمام بدفع ذلك التوهّم، ولمّا كان الغالب فى زمان عيسى (ع) آية من نسخ ما كان معتبراً عندهم خارجة عن قدرة البشر حتّى يعترفوا بعد ما عرفوا بحذاقتهم انّها خارجة عن قدرتهم بأنّها من الله {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} يعنى اخبركم بأحوالكم الّتى هى معلومة لكم وغائبة عنّى حتّى تعلموا انّى اعلم المغيبات {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور من خلق الطّير من الطّين الى قوله {وما تدّخرون} او فى ذلك الانباء {لآيَةً} عظيمة {لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} اى ان كان سجيّتكم الاذعان والتّصديق بما يذعن به او {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بالانبياء السّلف، نسب الى الباقر (ع) انّه قال: انّ عيسى (ع) كان يقول لبنى اسرائيل: انّى رسول الله اليكم و{أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ}، والاكمه هو الاعمى قالوا: ما نرى الّذى تصنع الاّ سحراً فأرنا آيةً نعلم انّك صادق قال: أرأيتكم ان اخبرتكم بما تأكلون وما تدّخرون فى بيوتكم يقول ما أكلتم فى بيوتكم قبل ان تخرجوا وما ادّخرتم باللّيل تعلمون انّى صادق؟ - قالوا: نعم وكان يقول: انت اكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، ورفعت كذا وكذا، فمنهم من يقبل منه فيؤمن، ومنهم من يكفر، وكان لهم فى ذلك آية ان كانوا مؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ}: عطف على يبشرك، أى يبشرك بكلمة، ويعلم ذلك الكلمة الكتاب واستبعد أبو حيان هذا العطف لطول الفصل، وأجاز عطفه على {أية : وجيهاً}تفسير : وقيل: هى للاستئناف، ومشهور عندنا فى النحو، كون الواو تجىء للاستئناف وليست عاطفة البتة إذا كانت للاستئناف ولكن الأظهر لى ألا تكون للاستئناف المجرد، بل إذا ضعف العطف بفصل أو بتخالف فعلية أو اسمية أو إخبار أو إنشاء أو غير ذلك، كان الفصل أولى وكون الواو هو ترك العطف، وإن وصل بالعطف سموها واو استئناف، بمعنى أنها للعطف، وأن الأصل تركه، ولكن كان لحكمة فى كلام الله، أو نبيه صلى الله عليه وسلم، أو لحكمة أو قصور فى كلام غيرهما، هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، فتمسك به، ولعلك لا تجده فى كلام غيرى، ولذلك لا يوجد أول كلام بلا سبق شىء، وإن وجد قدر شىء قبله، وقرأ غير نافع وعاصم: {نُعلِّمه}: بالنون، وعليه فإن عطف على يبشر أشكل بحسب الظاهر لأن يبشرك خبر لقوله "إن الله" والمعطوف على الخبر خبر فكأنه قيل: إن الله يبشرك، وهذا لا يصح بحسب الظاهر، ويجاب بأنه يفتقر فى الثوانى، ما لا يفتقر فى الأوائل، فى كثير من الكلام، فلعل هذا منها مع ما ينضم إلى ذلك من طريق الالتفات، بقصد التعظيم من الغيبة إلى التكلم، ولو ضعفه التفتزانى فى حاشية الكشاف، بأن التكلم فى الحكاية، لا يكون إلا من الحاكى، ولك أن تقول: الأصل أن تقول الملائكة {إنَّا نُبَشِّرُكَ} وعدلوا إلى أن الله يبشرك، فروعى هذا الأصل فى العطف. و{الكتاب}: مصدر بمعنى الكتابة، أو جنس كتب الله، فعطف التوراة والإنجيل فى قوله: {وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ}: عطف خاص على عام، لفضلهما على ما تقدمها من الكتاب والحكمة، العلم والسنة وأحكام الشريعة. والجمهور على أن الكتاب مصدر بمعنى الكتابة.
اطفيش
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} مصدر بمعنى الخط، فهو أحسن الناس خطا، وقراءة المكتوب فهو يقرأ التوراة والزبور وغيرهما نظرا، أو الكتاب جنس كتب الله حفظا، وذلك بعلم ضرورى، أو بإلقائه ذلك فى قلبه، أو باكتساب للخط والحفظ، قيل، كان يحفظ التوراة والإنجيل والزبور، ويقال، أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط وأعطى الناس كلهم جزءا عاشرا، وقال أبو على الجبائى: المراد غير التوراة والإنجيل لذكرهما بعد على قاعدته فى تعميم معقب بتخصيص {وَالْحِكْمَةَ} العلم والعمل وتهذيب الأخلاق، وقيل الحكمة للعلوم العقلية {وَالَّتوْرَاةَ وَالإنجِيلَ} وكذا غيرهما كالزبور، إلا أنهما خصا بالذكر ولفضلهما بالأحكام.
الالوسي
تفسير : {وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ } عطف على {أية : يُبَشّرُكِ } تفسير : [آل عمران: 45] أي: إن الله يبشرك بكلمة ويعلَّم ذلك المولود المعبر عنه بالكلمة الكتاب ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله، أو على ـ {أية : يَخْلُقُ} تفسير : [آل عمران: 47] ـ أي كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه أو على ـ {أية : يُكَلِّمُ} تفسير : [آل عمران: 46] ـ فتكون في محل نصب على الحال والتقدير ـ يبشرك بكلمة مكلماً الناس ومعلماً الكتاب ـ أو على {أية : وَجِيهاً } تفسير : [آل عمران: 45] وجوز أن تكون جملة مستأنفة ليست داخلة في حيز قول الملائكة عليهم السلام، و ـ الواو ـ تكون للاستئناف وتقع في ابتداء الكلام كما صرح به النحاة فلا حاجة ـ كما قال الشهاب ـ إلى التأويل بأنها معطوفة على جملة مستأنفة سابقة وهي {أية : وإِذْ قَالَتِ } تفسير : [آل عمران: 42] الخ ولا إلى مقدرة، ولا إشكال في العطف كما قال النحرير، وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قال أبو حيان، فهذه أوجه من الإعراب مختلفة بالأولوية، وأغرب ما رأيته ما نقله الطبرسي عن بعضهم أن العطف على جملة {أية : نُوحِيهِ إِلَيْكَ } تفسير : [آل عمران: 44] بل لا يكاد يستطيبه من سلم له ذوقه. و {ٱلْكِتَـٰبَ } مصدر بمعنى الكتابة أي يعلمه الخط باليد ـ قاله ابن عباس وإليه ذهب ابن جريج، وروي عنه أنه قال: أعطى الله تعالى عيسى عليه السلام تسعة أجزاء من الخط وأعطى سائر الناس جزءاً واحداً، وذهب أبو علي الجبائي إلى أن المراد بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام سوى التوراة والإنجيل مثل الزبور وغيره، وذهب كثيرون إلى أن ـ أل ـ فيه للجنس والمراد جنس الكتب الإلۤهية إلا أن المأثور هو الأول، والقول ـ بأن المراد بالكتاب الجنس لكن في ضمن فردين هما التوراة والإنجيل، وتجعل الواو فيما بعد زائدة مقحمة وما بعدها بدلاً أو عطف بيان ـ من الهذيان بمكان. وقرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل ـ ويعلمه ـ بالياء، والباقون بالنون قيل: وعلى ذلك لا يحسن بعض تلك الوجوه إلا بتقدير القول أي إن الله ـ يبشرك بعيسى ـ ويقول: نعلمه أو وجيهاً ومقولاً فيه نعلمه الكتاب. {وَٱلْحِكْــمَةَ } أي الفقه وعلم الحلال والحرام ـ قاله ابن عباس ـ وقيل: جميع ما علمه من أمور الدين، وقيل: سنن الأنبياء عليهم السلام، وقيل: الصواب في القول والعمل، وقيل: إتقان العلوم العقلية، وقد تقدم الكلام على ذلك. {وَٱلتَّوْرَاةَ وٱلإِنجِيْلَ} أفردا بالذكر على تقدير أن يراد بالكتاب ما يشملهما لوفور فضلهما وسمو شأوهما على غيرهما، وتعليمه ذلك قيل: بالإلهام، وقيل: بالوحي، وقيل: بالتوفيق والهداية للتعلم، وقد صح أنه عليه السلام لما ترعرع ـ وفي رواية الضحاك عن ابن عباس ـ لما بلغ سبع سنين أسلمته أمه إلى المعلم لكن الروايات متضافرة أنه جعل يسأل المعلم كلما ذكر له شيئاً عما هو بمعزل عن أن ينبض فيه ببنت شفة، وذلك يؤيد أن علمه محض موهبة إلۤهية وعطية ربانية، وذكر ـ الإنجيل ـ لكونه كان معلوماً عند الأنبياء والعلماء متحققاً لديهم أنه سينزل.
ابن عاشور
تفسير : جملة {ويعلّمه} معطوفة على جملة {أية : ويكلّم الناس في المهد}تفسير : [آل عمران: 46] بعد انتهاء الاعتراض. وقرأ نافع، وعاصم: ويُعلّمه - بالتحتِية - أي يعلّمه اللَّهُ. وقرأه الباقون بنُون العظمة، على الالتفات. والكتاب مراد به الكتاب المعهود. وعطفُ التوراة تمهيد لعطف الإنجيل - ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة - وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول السورة. {ورسولاً} عطف على جملة (يُعلّمه) لأنّ جملة الحال، لكونها ذات محل من الإعراب، هي في قوة المفرد فنصب رسولاً على الحال، وصاحب الحال هو قوله بكلمة، فهو من بقية كلام الملائكة. وفتح همزة أنّ في قوله: {أنى قد جئتكم} لتقدير باء الجر بعد رسولاً، أي رسولاً بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولاً من كونه مبْعوثاً بكلام، فهذا مبدأ كلام بعد انتهاء كلام الملائكة. ومعنى {جئتكم} أُرسلت إليكم من جانب الله ونظيرة قوله تعالى: {أية : ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة}تفسير : [الزخرف: 63]. وقوله: {بآية} حال من ضمير {جئتكم} لأنّ المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية. شبه أمر الله إياه بأن يبلّغ رسالة بمجيء المرسَل من قوم إلى آخرين ولذلك سميّ النبي رسولاً. والباء في قوله {بآية} للملابسة أى مقارناً للآيات الدالة على صدقي في هذه الرسالة المعبّر عنها بفعل المجيء. والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف لغو، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من {جئتكم} لأن معنى جئتكم: أرسلت إليكم، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به. وقوله: {إني أخلق} بكسر الهمزة استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع، وأبي جعفر. وقرأه الباقون بفتح همزة أنّي} على أنه بدل من {أني قد جئتكم}. والخلق: حقيقته تقدير شيء بقدْر، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد من قِطعَه قبل قطع القطعة منه قال زهير: ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْض القَوْم يَخْلُق ثُم لا يَفْرِي يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري، ويُستعمل مجازاً مشهوراً أو مشتركاً في الإنشاء، والإبداع على غير مثال ولا احتذاءٍ، وفي الإنشاء على مثال يُبْدَع ويقدّر، قال تعالى: {أية : ولقد خلقناكم ثم صَوّرناكم}تفسير : [الأعراف: 11] فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقته أيْ: أقدّر لكم من الطين كهيئة الطير، وليس المراد به خلق الحيوان، بدليل قوله فأنفُخ فيه. وتقدم الكلام على لفظ الطّيْر في قوله تعالى: {أية : فخذ أربعة من الطير}تفسير : في سورة [البقرة: 360]. والكاف في قوله: {كهيئة الطير} بمعنى مثل، وهي صفة لِموصوف محذوف دل عليه أخلُق، أي شيئاً مقدّراً مثلَ هيئة الطير. وقرأ الجمهور «الطَّير» وهو اسم يقع على الجمع غالباً وقد يقع على الواحد. وقرأه أبو جعفر «الطائر». والضمير المجرور بفي من قوله: {فأنفخ فيه} عائد إلى ذلك الموصوف المحذوف الذي دلت عليه الكاف. وقرأ نافع - وحده - فيكون طائراً بالإفراد وقرأ الباقون فيكون طَيْراً بصيغة اسم الجمع فقراءة نافع على مراعاة انفراد الضمير، وقراءة الباقين على اعتبار المعنى. جعل لنفسه التقدير، وأسند لله تكوين الحياة فيه. والهيئة: الصورة والكيفية أي أصَوِّر من الطين صورةً كصورة الطير. وقرأ الجميع كهيئة بتحتية ساكنة بعدها همزة مفتوحة. وزاد قوله: {بإذن الله} لإظهار العبودية، ونفي توهم المشاركة في خلق الكائنات. والأكمه: الأعمى، أو الذي ولد أعمى. والأبرص: المصاب بداء البرص وهو داء جلدي له مظاهر متنوّعة منها الخفيف ومنها القوي وأعراضه بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد فإن كانت غائرة في الجلد فهو البرص وإن كانت مساوية لسطح الجلد فهو البَهق ثم تنتشر على الجلد فربما عمّت الجلد كله حتى يصير أبيض، وربما بقيت متميزة عن لون الجلد. وأسبابه مجهولة، ويأتي بالوراثة، وهو غير مُعْد، وشوهد أنّ الإصابة به تكثر في الذين يقللون من النظافة أو يسكنون الأماكن القذرة. والعرب والعبرانيون واليونان يطلقون البرص على مرض آخر هو من مبادىء الجذام فكانوا يتشاءمون بالبرص إذا بَدَتْ أعراضه على واحد منهم. فأما العرب فكان ملوكهم لا يكلمون الأبرص إلاّ من وراءِ حجاب، كما وقع في قصّة الحارث بن حلزة الشاعر مع الملك عمرو بن هند. وأما العبرانيون فهم أشدّ في ذلك. وقد اهتمت التوراة بأحكام الأبرص، وأطالت في بيانها، وكرّرته مراراً، ويظهر منها أنه مرض ينزل في الهواء ويلتصق بجدران المنازل، وقد وصفه الوحي لِموسى ليعَلِّمه الكهنة من بني إسرائيل ويعلمهم طريقة علاجه، ومن أحكامهم أنّ المصاب يُعزل عن القوم ويجعل في محل خاص وأحكامه مفصّلة في سفر اللاويين. ولهذا كان إعجاز المسيح بإبراء الأبرص أهمّ المعجزات فائدة عندهم ديناً ودنيا. وقد ذكر فقهاء الإسلام البرص في عيوب الزوجين الموجبة للخيار وفصّلوا بين أنواعه التي توجب الخيار والتي لا توجبه ولم يضبطوا أوصافه واقتصروا على تحديد أجل برئه. وإحياء الموتى معجزة للمسيح أيضاً، كنفخ الروح في الطير المصوّر من الطين، فكان إذا أحيا ميتاً كلّمةُ ثم رجع ميّتاً، وورد في الأناجيل أنّه أحيا بنتاً كانت ماتت فأحياها عقب موتها. ووقع في إنجيل متَّى في الإصحاح 17 أنّ عيسى صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان معهم، وكلّ ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك. ومعنى قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخون في بيوتكم} أنّه يخبرهم عن أحوالهم التي لا يطّلع عليها أحد فيخبرهم بما أكلوه في بيوتهم، وما عندهم مدّخر فيها، لتكون هاته المتعاطفات كلّها من قبيل المعجزات بقرينة قوله أنبّئكم لأنّ الإنباء يكون في الأمور الخفيةِ. وقوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} جعل هذه الأشياء كلّها آيات تدعو إلى الإيمان به، أي إن كنتم تريدون الإيمان، بخلاف ما إذا كان دأبكم المكابرة. والخطاب موجّه منه إلى بني إسرائيل فإنهم بادروا دعوته بالتكذيب والشتم. وتعرُّض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذين جعلوا منها دليلاً على ألوهية عيسى، بعلة أنّ هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر، فمن قدر عليها فهو الإله، وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله: {بآية من ربكم} وقوله: {بإذن الله} مرتين. وقد روى أهل السِّير أنّ نصارى نجران استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي صلى الله عليه وسلم
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: الخط والكتابة. الحكمة: العلم الصحيح والإِصابة في الأمور وفهم أسرار التشريع الإِلهي. ورسولاً: أي وابعثه رسولاً. آية: علامة دالة على رسالته وصدق نبوته. أخلق لكم: أي أصور لكم، لا الخلق الذي هو الإِنشاء والاختراع إذ ذاك لله تعالى. كهيئة الطير: كصورة الطير. الأكمه: الذي ولد أعمى. الأبرص: ذو البرص وهو مرض عَياء عجز عنه الطب القديم والحديث، والبرص بياض يصيب الجلد البشري. تدّخرون: تحبسونه وتخفونه عن أطفالكم من الطعام وغيره. لما بين يدي: من قبلي. إن الله ربي وربكم: إلهي وإلهكم فاعبدوه. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان حقيقة عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله وليس بابن الله ولا بإله مع الله فأخبر تعالى أنه يخلقه بكلمة كن ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل وقد فعل، وأنه يبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل وقد فعل فأخبرهم عيسى أنه قد جاءهم بآية من ربهم تدل على صدق رسالته وهذه الآية هي أنه يخلق لهم من الطين على صورة الطير وينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله وفعلاً كان يمسح على ذي العاهة المستعصاة كالبرص فيبرأ صاحبها فوراً، وطلبوا منه أن يحي لهم سام بن نوح فأحياه بإذن الله، وأنه يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم، وما يدخرون فما يخطىء أبداً، ثم قال لهم: إن في ذلك المذكور لآية لكم دالة على صدقي إن كنتم مؤمنين فآمنوا بي ولا تكذبوني وقد جئتكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وفي ذلكم خير لكم ورحمة فآمنوا بي، فكذبوه فقال لهم: اتقوا الله وأطيعوني تنجوا وتسعدوا وأعلمهم أخيراً أن الله تعالى هو ربّه وربهم وأن عليهم أن يعبدوه ليكملوا ويسعدوا وأن عبادة الله تعالى وحده وبما شرع هي الصراط المستقيم المفضي بالسالكين إلى الكمال والإِسعاد في الحياتين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- شرف الكتابة وفضلها. 2- فضل الحكمة وهي الفقه في أسرار الشرع والإِصابة في الأمور. 3- الغيب لله، ويعلم أنبياءه منه ما يشاء. 4- ثبوت معجزات عيسى عليه السلام. 5- لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله، وعيسى كلمة الله وروح منه ورسول إلى بني إسرائيل. 6- الأمر بالتقوى وطاعة الرسول لتوقف السعادة والكمال عليهما.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {وَٱلتَّوْرَاةَ} (48) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَن تَتِمَّةِ بِشَارَةِ المَلاَئِكَةِ لِمَرْيَمَ بِابْنِها إذْ قَالَتْ لَهَا: إنَّ اللهَ يُعَلِّمُهُ الكِتَابَةَ، وَالعِلْمَ الصَّحِيحَ البَاعِثَ لِلإِرَادَةِ إلى الأعْمَالِ النَّافِعَةِ، وَيُفَقِّهُهُ في التَّورَاةِ، وَيُعَلِّمُهُ أسْرارَهَا وَأَحْكَامَها، وَيُعَلِّمُهُ الإِنْجِيلَ الذِي يُوحِي بِهِ إليهِ. الحِكْمَةَ - الفِقْهَ وَالصَّوَابَ قَوْلاً وَعَمَلاً. الكِتَابَ - الخَطَّ بِالَيدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة نسمع {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 48] فنحن نفهم أن المقصود بها الكتاب المنزل، ولكن ما دام الحق قد أتبع ذلك بقوله: {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] فلا بد لنا أن نسأل. إذن ما المقصود بالكتاب؟ هل كان المقصود بذلك الكتاب الكتب المتقدمة، كالزبور، والصحف الأولى، كصحف إبراهيم عليه السلام؟ إن ذلك قد يكون صحيحاً، ومعنى {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَاب} [آل عمران: 48] أن الحق قد علمه ما نزل قبله من زبور داود، ومن صحف إبراهيم، وبعد ذلك توراة موسى الذي جاء عيسى مكملاً لها. وبعض العلماء قد قال: أُثِرَ عن عيسى عليه السلام أن تسعة أعشار جمال الخط كان في يده. وبذلك يمكن أن نفهم {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 48] أي القدرة على الكتابة. وما المقصود بقوله: إن عيسى عليه السلام تلقى عن الله بالإضافة إلى {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 48] أنه تعلم أيضاً {ٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] وكلمة الحكمة عادة تأتي بعد كتاب منزل، مثال ذلك قوله الحق: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 34]. كتاب الله المقصود هنا هو القرآن الكريم، والحكمة هي كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. فالرسول له كلام يتلقاه ويبلغه، ويعطيه الحق أيضاً أن يقول الحكمة، أما التوراة التي علمها الله لعيسى عليه السلام فقد علمها له الله، لأننا كما نعلم أن مهمة عيسى عليه السلام جاءت لتكمل التوراة، ويكمل ما أنقصه اليهود من التوراة، فالتوراة أصل من أصول التشريع لعصره والمجتمع المبعوث إليه فهو بالنص القرآني: {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ} الكتاب هنا مصدر كتب قال ابن عباس: أي الخط باليد. {وَٱلتَّوْرَاةَ} هي الملة على موسى. {وَٱلإِنْجِيلَ} هو المنزل على عيسى عليهما السلام. وقرىء ونعلمه بالنون والياء. {وَرَسُولاً} منصوب بإِضمار فعل أي ونجعله رسولاً. وأجاز الزمخشري وابن عطية أن يكون معطوفاً على وجيهاً يعلمه فيكون حالاً التقدير ومعلماً الكتاب فهذا كله عطف بالمعنى على قوله وجيهاً وهو ضعيف لطول الفصل بين المتعاطفين. وأجاز ابن عطية أن يكون منصوباً على الحال من الضمير المستكن في ويلكم فيكون معطوفاً على قوله: وكهلاً أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً ورسولاً إلى بني إسرائيل وهو بعيد جداً لطول الفصل بين المتعاطفين. وقوله وقول الزمخشري عجمة قبيحة لا تصدر بين متمكن في الفصاحة. وأجاز الزمخشري أن يكون منصوباً على إضمار فعل من لفظ رسول ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول عيسى التقدير ويقول: أرسلت رسولاً إلى بني إسرائيل واحتاج إلى هذا التقدير كله لقوله: اني قد جئتكم وقوله: ومصدقاً لما بين يدي أن لا يصح في الظاهر حمله على ما قبله من المنصوبات لاختلاف الضمائر لأن ما قبله ضمير غائب وهذان ضميراً متكلم فاحتاج إلى هذا الإِضمار لتصحيح المعنى. قال: وهو من المضايف يعني من المواضع التي فيها اشكال، وهذا الوجه ضعيف إذ فيه إضمار شيئين القول ومعموله الذي هو أرسلت والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة إذ يفهم من قوله: وأرسلت، أنه رسول نهي على هذا لتقدير حال مؤكدة. وقرأ اليزيدي ورسول بالجر وخرجها الزمخشري على أنها معطوفة على بكلمة منه وهي قراءة شاذة في القياس لطول البعد بين المعطوف عليه والمعطوف. وقرىء أنى بفتح الهمزة معمولاً لقوله: ورسوله، أي وناطقاً بأني قد جئتكم. وبكسر الهمزة أي قائلاً. {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}. وهي العلامة ثم أخذ في تفسيرها، فقال: {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ} أي أصوّر. {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} أي مثل صورته. وقرىء اني أخلق بفتح الهمزة وكسرها. وقوله: من الطين تقييد بأنه لا يوجد من العدم الصرف بل ذكر المادة التي يشكل منها صورة الطير. وقرىء كهيّة بكسر الهاء وياء مشددة وتواطىء النقل عن المفسرين ان الطائر الذي خلقه عيسى كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإِذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل المخلوق عن فعل الخالق والظاهر ان هذه الفوارق كلها تفسير للآية التي جاء بها دالة على صحة رسالته وإن ذلك ليس باقتراح منهم. والطير قيل: هو الخفاش وهو غريب الشكل والوصف، والأكمه: المولود أعمى، يقال: من كمه يكمه، البرص: داء معروف وهو بياض يعتري الجلد، يقال. منه: برص فهو أبرص. {وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ} لم يذكر تعيين من أحياه وذكر المفسرون ناساً والله أعلم بصحة ذلك. {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ} كان عليه الصلاة والسلام ينبئهم بتعيين ما أكلوا وتعيين ما ادّخروا. وأتى بهذه الخوارق الأربع مصدرة بالمضارع الدال على التجدد والحالة الدائمة، وبدأ بالخلق الذي هو أعظم في الإِعجاز، وثني بإِبراء الأكمه والأبرص، وأتى بالثالث بإِحياء الموتى وهو خارق شاركه فيه غيره بإِذن الله كررها دفعاً لمن توهم فيه الإِلهية وكان بإِذن الله عقب قوله: انني أخلق، وعطف عليه: وابرىء الأكمه والأبرص، ولم يذكر بإِذن الله اكتفاء به في الخارق الأعظم، وعقب قوله: وأحيي الموتى بقوله: بإذن الله، وعطف عليه وأنبئكم ولم يذكر فيه بإذن الله لأن أحياء الأموات أعظم من الاخبار بالمغيبات فاكتفى به في الخارق الأعظم أيضاً فكل واحد من الخارقين الأعظمين قيد بقوله: بإذن الله، ولم يحتج إلى ذلك فيما عطف عليهما اكتفاء بالأول إذ كل هذه الخوارق لا تكون إلا بإِذن الله. وقرىء وما تدخرون بفكّ الذال عن الدال. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} إشارة إلى ما تقدم من هذه الخوارق. {وَمُصَدِّقاً} انتصب على أنه معطوف على قوله: بآية على أن بآية في موضع الحال تقديره جئتكم مصحوباً بآية ومصدّقاً ولأحل: اللام لام كي وهو معطوف على علة محذوفة التقدير لأخفف عنكم ولاحل أو على فعل متأخر التقدير ولا حل لكم جئت قال الزمخشري ولأهل ردّ على قوله: بآية من ربكم أي جئتكم بآية من ربكم ولا حل لكم. "انتهى". ولا يستقيم أن يكون ولا حل رداً على بآية لأن بآية في موضع حال ولا حل تعليل ولا يصح عطف التعليل على الحال لأن العطف بالحرف المشرّك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوف عليه والذي أحل لحوم الإِبل والشحوم وأشياء من السمك وما لا صيصية له من الطير. وقرىء حرّم مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله وحرم مبنياً للفاعل. {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الظاهر أنها للتوكيد في قوله قد جئتكم بآية من ربكم. ولما طال ما بينهما أكد وان كانت للتأنيث فيختلف مدلول الآيتين وتكون الثانية مخصوصة بالكتاب الذي جاء به وهو الإِنجيل فاتفق ظهور تلك الفوارق وظهور هذا الكتاب الإِلهي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):