Verse. 342 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَرَسُوْلًا اِلٰى بَنِىْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ۝۰ۥۙ اَنِّىْ قَدْ جِئْتُكُمْ بِاٰيَۃٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۙ اَنِّىْۗ اَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّيْنِ كَہَيْــــَٔــۃِ الطَّيْرِ فَاَنْفُخُ فِيْہِ فَيَكُوْنُ طَيْرًۢا بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۚ وَاُبْرِئُ الْاَكْمَہَ وَالْاَبْرَصَ وَاُحْىِ الْمَوْتٰى بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۚ وَ اُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَاْكُلُوْنَ وَمَا تَدَّخِرُوْنَ۝۰ۙ فِيْ بُيُوْتِكُمْ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَۃً لَّكُمْ اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۴۹ۚ
Warasoolan ila banee israeela annee qad jitukum biayatin min rabbikum annee akhluqu lakum mina altteeni kahayati alttayri faanfukhu feehi fayakoonu tayran biithni Allahi waobrio alakmaha waalabrasa waohyee almawta biithni Allahi waonabbiokum bima takuloona wama taddakhiroona fee buyootikum inna fee thalika laayatan lakum in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» يجعله «رسولا إلى بنى إسرائيل» في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم إني رسول الله إليكم «إني» أي بأني «قد جئتكم بآية» علامة على صدقي «من ربكم» هي «أنِّي» وفي قراءة بالكسر استئنافا «أخلق» أصوِّر «لكم من الطين كهيئة الطير» مثل صورته فالكاف اسم مفعول «فأنفخ فيه» الضمير للكاف «فيكون طيرا» وفي قراءة طائرا «بإذن الله» بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا «وأبرئ» أشفي «الأكمه» الذي وُلد أعمى «والأبرص» وخصا بالذكر لأنهما ذا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان «وأحيي الموتى بإذن الله» كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم، وسام بن نوح ومات في الحال «وأنبئكم بما تأكلون وما تدَّخرون» تخبئون «في بيوتكم» مما لم أعانيه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل وبما يأكل بعد «إن في ذلك» المذكور «لآية لكم إن كنتم مؤمنين».

49

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى {ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم} وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه الأول: تقدير الآية: ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني: قال الزجاج: الاختيار عندي أن تقديره: ويكلم الناس رسولاً، وإنما أضمرنا ذلك لقوله {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } والمعنى: ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم، الثالث: قال الأخفش: إن شئت جعلت الواو زائدة، والتقدير: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة، والإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً: أني قد جئتكم بآية. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم. المسألة الثالثة: المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعاً من الآيات، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } الجنس لا الفرد. ثم قال: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ }. اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام: النوع الأول ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {أني } بفتح الهمزة، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح {أني } فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال: وجئتكم بأنى أخلق لكم من الطين، ومن كسر فله وجهان أحدهما: الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني: أنه فسّر الآية بقوله {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ } ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [الفتح: 29] ثم فسّر الموعود بقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وقال: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } تفسير : [آل عمران: 59] ثم فسّر المثل بقوله. {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح {أني} على جعله بدلاً من آية. المسألة الثانية: {أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ } أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ } تفسير : [البقرة: 21] إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد، أما القرآن فآيات أحدها: قوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] أي المقدرين، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية وثانيها: أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلاْوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 137] وفي العنكبوت {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } تفسير : [العنكبوت: 17] وفي سورة ص {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } تفسير : [صۤ: 7] والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ } أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [المائدة: 110] وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها: قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] وقوله {خلق} إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله {خلق} على الإيجاد والإبداع، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي، وذلك باطل بالاتفاق، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض، وأما الشعر فقوله:شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ــض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وقوله:شعر : ولا يعطي بأيدي الخالق ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم تفسير : وأما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي له هذا المقدار من الاستحقاق، والصخرة الخلقاء الملساء، لأن الملاسة استواء، وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ {ٱلْخَـٰلِقُ } قال أبو عبد الله البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال، وقال أصحابنا: الخالق، ليس إلا الله، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء }تفسير : [الرعد: 16] ومنهم من احتج بقوله {أية : هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ } تفسير : [فاطر: 3] وهذا ضعيف، لأنه تعالى قال: {أية : هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [فاطر: 3] فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه، ليس إلا الله، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله. وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالاً في حق الله تعالى فالعلم ثابت. إذا عرفت هذا فنقول: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ } معناه: أصور وأقدر وقوله {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله {فَأَنفُخُ فِيهِ } أي في ذلك الطين المصور وقوله {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع {فَيَكُونُ طائراً} بالألف على الواحد، والباقون {طَيْراً } على الجمع، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع. يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوره، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش، وكانت قراءة نافع عليه. وقال آخرون: إنه خلق أنواعاً من الطير وكانت قراءة الباقين عليه. المسألة الثانية: قال بعض المتكلمين: الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح، ولذلك وصفها بالفتح، ثم ههنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك {أية : رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ }تفسير : [البقرة: 258] فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال. المسألة الثالثة: القرآن دلّ على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح. المسألة الرابعة: قوله {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } تفسير : [آل عمران: 145] أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، وتنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل. واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله: {وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله}. ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيراً، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل، ويقال: إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير»، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده، قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر، وكان صديقاً له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حياً، ومرّ على ابن ميت لعجوز فدعا الله، فنزل عن سريره حياً، ورجع إلى أهله وولد له، وقوله {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلٰهية. وأما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُون وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب، روى السدي: أنه كان يلعب مع الصبيان، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وجمعوهم في بيت، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم، فقالوا له، ليسوا في البيت، فقال: فمن في هذا البيت، قالوا: خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير. والقول الثاني: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار، فكانوا يخزنون ويدخرون، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك. المسألة الثانية: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى. ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }. والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي، وهم البراهمة، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام ألبتة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} نجعله {رَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } في الصبا أو بعد البلوغ، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من أمرها ما ذكر في سورة (مريم)[19: 16-34] فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم: إني رسول الله إليكم {أَنّي} أي بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } علامة على صدقي {مِّن رَّبِّكُمْ } هي {أَنّي} وفي قراءة بالكسر استئنافاً {أَخْلُقُ } أُصوِّر {لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } مثل صورته فالكاف اسم مفعول {فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف {فَيَكُونُ طَيْرًا } وفي قراءة (طائراً) {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } بإرادته فخلق لهم (الخفّاش) لأنه أكمل الطير خلقاً فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً {وَأُبْرِىء } أشفي {ٱلأَكْمَهَ } الذي وُلد أعمى {وَٱلاْبْرَصَ } وخُصا بالذكر لأنهما داءا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفاً بالدعاء بشرط الإيمان {وَأُحّي ٰلْمَوْتَى ِٰ بِإِذْنِ ٱللهِ} كرّره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقاً له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا ووُلِدَ لهم، وسام بن نوح ومات في الحال {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ } تخبئون {فِى بُيُوتِكُمْ } مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

الخازن

تفسير : {ورسولاً إلى بني إسرائيل} أي ونجعله رسولاً إلى بني إسرائيل وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى ابن مريم عليه السلام فلما بعث إليهم قال {أني قد جئتكم بآية من ربكم} يعني بعلامة من ربكم على صدق قولي وإنما قال بآية وقد جاء بآيات كثيرة لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة، فلما قال ذلك عيسى لبني إسرائيل قالوا: ما هذه الآية؟ قال {أني أخلق} أي أصور وأقدر {لكم من الطين كهيئة الطير} والهيئة الصورة المهيأة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته {فأنفخ فيه} أي في الطين المهيأ المصور {فيكون طيراً} قرئ بلفظ الجمع لأن الطير اسم جنس يقع على الواحد والاثنين والجمع. وقرئ فيكون طائراً على التوحيد على معنى يكون ما أنفخ فيه طائراً أو ما أخلقه يكون طائراً وقيل إنه لم يخلق غير الخفاش وهو الذي يطير في الليل، وإنما خص الخفاش لأنه من أكمل الطير خلقاً وذلك لأنه يطير بلا ريش وله أسنان ويقال: إن الأنثى منه لها ثدي وتحيض ذكروا أن عيسى عليه السلام لما ادّعى النبوة وأظهر لهم المعجزات أخذوا يتعنتون عليه فطلبوا منه أن يخلق لهم خفاشاً فأخذ طيناً وصوره كهيئة الخفاش، ثم نفخ فيه فإذا هو طير يطير بين السماء والأرض قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عنهم سقط ميتاً ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى، وليعلم أن الكمال لله تعالى: {بإذن الله} معناه بتكوين الله وتخليقه والمعنى إني أعمل هذا التصوير أنا، فأما خلق الحياة فيه فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزة على يد عيسى عليه السلام {وأبرئ الأكمه والأبرص} أي وأشفي الأكمه والأبرص وأصحهما، واختلفوا في الأكمه فقال ابن عباس: هو الذي ولد أعمى وقيل: هو الأعمى وإن كان أبصر وقيل: هو الأعشى وهو الذي يبصر بالليل، والأبرص هو الذي به وضح وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام الطب فأراهم المعجزة من جنس ذلك إلاّ أنه ليس في علم الطب إبراء الأكمه والأبرص فكان ذلك معجزة له ودليلاً على صدقه. وقال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد نحو خمسين ألفاً فمن أطاق أن يمشي إليه مشى، ومن لم يطق مشى عيسى عليه السلام إليه وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان برسالته {وأحيي الموتى بإذن الله} قال ابن عباس: قد أحيا أربعة أنفس عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح وكلهم بقي وولد له إلاّ سام بن نوح فأما عازر فكان صديقاً لعيسى عليه السلام فأرسلت إليه أخت عازر إن أخاك عازر يموت وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام فأتاه عيسى وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت بهم إلى قبره فدعا الله عيسى فقام عازر حياً بإذن الله تعالى فخرج من قبره وعاش وولد له. وأما ابن العجوز فإنه مر به وهو ميت على عيسى عليه السلام يحمل على السرير فدعا الله عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وأتى أهله وولد له، وأما ابنة العاشر فكان أبوها يأخذ العشور من الناس وماتت بالأمس فدعا الله عيسى فأحياها بدعوته فعاشت وولد لها، وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ودعا الله باسمه الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت الساعة فقال عيسى عليه السلام: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ثم قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت مرة أخرى فدعا الله عيسى ففعل {وأنبئكم} يعني وأخبركم {بما تأكلون} أي مما لم أعاينه {وما تدخرون في بيوتكم} أي وما ترفعونه فتخبؤونه في بيوتكم لتأكلوه فيما بعد ذلك، قيل: كان عيسى عليه السلام يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما يأكله اليوم وبما يدخره للعشاء. وقيل كان في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا وقد رفعوا لك كذا فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون من أخبرك بهذا؟ فيقول عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تقعدوا مع ذلك الساحر وجمعوهم في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا هنا فقال: وما في البيت؟ قالوا خنازير فقال كذلك يكونون. ففتحوا عليهم الباب فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل وظهر فهموا به فخافت عليه أمه فحملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر. وقال قتادة: إنما كان هذا في نزول المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا فيه من طعام الجنة وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا الغد فخانوا وادخروا، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما أدخروا منها فمسخهم الله خنازير وفي هذا دليل قاطع على صحة نبوة عيسى عليه السلام ومعجزة عظيمة له، وهي إخباره عن المغيبات مع ما تقدم له من الآيات الباهرات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى وإخباره عن الغيوب بإعلام الله إياه ذلك وهذا مما لا سبيل لأحد من البشر عليه إلاّ الأنبياء عليهم السلام، فإن قلت قد يخبر المنجم والكاهن عن مثل ذلك فما الفرق؟. قلت: إن المنجم والكاهن لا بد لكل واحد منهما من مقدمات يرجع إليها ويعتمد في أخباره عليها، أما المنجم فإنه يستعين على ذلك بواسطة معرفة الكواكب وامتزاجاتها أو بواسطة حساب الرمل أو نحو ذلك وقد يخطئ في كثير مما يخبر به، وأما الكاهن فإنه يستعين برائد من الجن وقد يخطئ أيضاً في كثير مما يخبر به وأما أخبار الأنبياء عليهم السلام عن المغيبات فليس إلاّ بالوحي السماوي وهو من الله تعالى وليس في ذلك باستعانة بواسطة حساب ولا غيره فحصل الفرق {إن في ذلك} يعني الذي تقدم ذكره من خلق الطير من الطين بإذن الله وإبراء والأكمه والأبرص والإخبار عن المغيبات {لآية لكم} أي لعبرة ودلالة على صدق أني رسول من الله إليكم {إن كنتم مؤمنين} يعني مصدقين بذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرٰءِيلَ}، أي: ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عِيسَىٰ ـ عليه السلام ـ إِلَىٰ بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها؛ كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: «إِسرائيل»: خطابٌ لمريم، ومن قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} إِلى قوله: {مُّسْتَقِيمٌ}: يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم؛ علَىٰ معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسَىٰ بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: {إِلَىٰ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ}، فيكون تقديره: فجاء عِيسَىٰ؛ كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إِلَىٰ بني إِسرائيل؛ بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر. وقوله: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ...} الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله: «إِنِّي»، كما فسر المَثَلَ في قوله: {أية : كَمَثَلِ ءادَمَ } تفسير : [آل عمران:59] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ من «آية»؛ كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، و {أَخْلُقُ}: معناه: أقدِّر وأهيىء بيَدِي. * ص *: {كَهَيْئَةِ}: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيـىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب وٱستَقَرَّ علَىٰ حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالَىٰ: {أية : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا } تفسير : [الكهف:16] اهـ. وقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِراً»؛ بالإِفراد؛ أي: يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ: «فَيَكُونُ طَيْراً»؛ بالجمع؛ وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ. وقوله: {فَأَنفُخُ فِيهِ}، ذكَّر الضميرَ؛ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيِّـىء، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة»؛ لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ علَىٰ تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسَىٰ يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالَىٰ وحده، لا شريك له. ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عِيسَىٰ ـ عليه السلام ـ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يُحْكَىٰ؟ فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ؛ لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: «هَذَا سَاحِرٌ» {أُبْرِىءُ} معناه: أزيلُ المَرَض، و {ٱلأَكْمَهَ}: هو الَّذِي يُولَدُ أعْمَىٰ مضمومَ العَيْنَيْنِ؛ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة، قال * ع *: والأَكْمَهُ؛ في اللغة: هو الأعمَىٰ، وقد كان عيسَىٰ ـ عليه السلام ـ يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ علَىٰ كل عاهة، ولكنَّ الاِحتجاجَ علَىٰ بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتَىٰ؛ أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ؛ فَيَحْيَـى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ علَىٰ صحَّتها، وآياتُ عيسَىٰ ـ عليه السلام ـ إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ؛ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك الزَّمَان، وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عِيسَىٰ ـ عليه السلام ـ بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ؛ وذلك إِحياءُ الموتَىٰ، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء؛ أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسَىٰ، والفُصَحَاءِ مع نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء؛ أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسَىٰ ـ عليه السلام ـ، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك. وقوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} الآية: قال مجاهدٌ وغيره: كان عيسَىٰ ـ عليه السلام ـ مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إِلَىٰ أنْ نُبِّئى، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنَىٰ: أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وٱدَّخَرْتَ كذا، وقال قتادةُ: معنَى الآية: إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبَأَ أَحدٌ شيئاً، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إِلَىٰ بيته، فَخَانُوا، وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسَىٰ ـ عليه السلام ـ يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ٱدَّخَرَ في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك. وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}: تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ. وقوله: {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: إشارةٌ إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ}، لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ: الطريقُ، والمُسْتَقِيم: الذي لا ٱعوجَاجَ فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن إسحق أن عيسى جلس يوماً مع غلمان من الكتاب، فأخذ طيناً ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائراً؟ قالوا: أو تستطيع ذلك؟ قال: نعم. بإذن ربي. ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه ثم قال: كن طائراً باذن الله فخرج يطير من بين كفيه، وخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه فأفشوه في الناس. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج، أن عيسى قال: أي الطير أشد خلقاً؟ قال: الخفاش إنما هو لحم ففعل. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إنما خلق عيسى طيراً واحداً. وهو الخفاش. قوله تعالى: {وأبرئ الأكمه والأبرص} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس {الأكمه} الذي يولد وهو أعمى. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس قال {الأكمه} الأعمى الممسوح العين. وأخرج أبو عبيد والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال {الأكمه} الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن عكرمة قال: {الأكمه} الأعمش. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى، والزمنى، والعميان، والمجانين، وغيرهم. اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك، أنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في السماء كقدرتك في الأرض، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم، إنك على كل شيء قدير. قال وهب: هذا للفزع والمجنون يقرأ عليه، ويكتب له، ويسقى ماؤه إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن وهب قال: لما صار عيسى ابن اثنتي عشر سنة اوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر - وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر - أن اطلعي به إلى الشام ففعلت، فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه. وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً. من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه فمشى إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى. قوله تعالى: {وأحيي الموتى بإذن الله}. أخرج البيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن طلحة عن رجل، أن عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الركعة الأولى {أية : تبارك الذي بيده الملك} تفسير : [الملك: 1] وفي الثانية {أية : تنزيل الكتاب}تفسير : [ السجدة: 2] فإذا فرغ مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء. يا قديم، يا حي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد. قال البهقي: ليس هذا بالقوي. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن أبي بشر عن أبي الهذيل بلفظه، وزاد في آخره وكانت إذا أصابته شدة دعا بسبعة أسماء أخرى. يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن معاوية بن قرة قال: سألت بنو إسرائيل عيسى فقالوا: إن سام بن نوح دفن ههنا قريباً فادع الله أن يبعثه لنا. فهتف فخرج أشمط. قالوا: إنه قد مات وهو شاب فما هذا البياض؟ قال: ظننت أنها الصيحة ففزعت. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى ويستهزئون به ويقولون له: يا عيسى ما أكل فلان البارحة، وما ادخر في بيته لغد. فيخبرهم فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم، وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض، فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها...؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها. فصلى عيسى ركعتين ثم نادى: يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر، ثم نادى الثانية فانصدع القبر، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة، وأن يهوّن علي كرب الموت. فدعا ربه، فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض. فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً، وكان ملك منهم في ناحية في مدينة يقال لها نصيبين جباراً عاتياً، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك المدينة إلى المراجعة، فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحواريون فقال لأصحابه: ألا رجل منكم ينطلق إلى المدينة فينادي فيها فيقول: إن عيسى عبد الله ورسوله. فقام رجل من الحواريين يقال له يعقوب فقال: أنا يا روح الله. قال: فاذهب فأنت أول من يتبرأ مني، فقام آخر يقول له توصار وقال له: أنا معه قال: وأنت معه ومشيا، فقام شمعون فقال: يا روح الله أكون ثالثهم فائذن لي أن أنال منك أن اضطررت إلى ذلك؟ قال: نعم. فانطلقوا حتى إذا كانوا قريباً من المدينة قال لهما شمعون: ادخلا المدينة فبَلَّغا ما أُمِرْتُمَا، وأنا مقيم مكاني، فإن ابتليتما أقبلت لكما. فانطلقا حتى دخلا المدينة وقد تحدث الناس بأمر عيسى، وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمه. فنادى أحدهما وهو الأول: ألا أن عيسى عبدالله ورسوله، فوثبوا إليهما من القائل أنْ عيسى عبدالله ورسوله؟ فتبرأ الذي نادى فقال: ما قلت شيئاً فقال الآخر: قد قلت وأنا أقول: إن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيراً لكم، فانطلقوا به إلى ملكهم وكان جباراً طاغياً فقال له: ويلك ما تقول؟‍‍! قال: أقول: إن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. قال: كذبت. فقذفوا عيسى وأمه بالبهتان ثم قال له: تبرأ ويلك من عيسى وقل فيه مقالتنا. قال: لا أفعل. قال: إن لم تفعل قطعت يديك ورجليك، وسمرت عينيك. فقال: افعل بنا ما أنت فاعل. ففعل به ذلك فألقاه على مزبلة في وسط مدينتهم. ثم أن الملك هم أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع الناس فقال لهم: ما بال هذا المسكين؟ قالوا: يزعم أن عيسى عبدالله ورسوله فقال شمعون: أيها الملك أتأذن لي فادنو منه فاسأله؟ قال: نعم. قال له شمعون: أيها المبتلى ما تقول؟ قال: أقول ان عيسى عبدالله ورسوله. قال: فما آية تعرفه؟ قال {يبرئ الأكمه والأبرص} والسقيم. قال: هذا يفعله الأطباء فهل غيره؟ قال: نعم {يخبركم بما تأكلون وما تدخرون} قال: هذا تفعله الكهنة فهل غير هذا؟ قال: نعم {يخلق من الطين كهيئة الطير} قال: هذا قد تفعله السحرة يكون أخذه منهم. فجعل الملك يتعجب منه وسؤاله. قال: هل غير هذا؟ قال: نعم. {يحيي الموتى}. قال: أيها الملك إنه ذكر أمراً عظيماً وما أظن خلقاً يقدر على ذلك إلا بإذن الله، ولا يقضي الله ذلك على يد ساحر كذاب، فإن لم يكن عيسى رسولاً فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك لأحد إلا لإبراهيم حين سأل ربه {أية : أرني كيف تحيي الموتى}تفسير : [البقرة: 260] ومن مثل إبراهيم خليل الرحمن. وأخرج ابن جرير عن السدي وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما بعث الله عيسى عليه السلام وأمره بالدعوة لقيه بنو إسرائيل فأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحون في الأرض، فنزلوا في قرية على رجل، فأضافهم وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة ملك جبار، فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها: ما شأن زوجك أراه حزيناً؟ قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبته اليوم وليس عندنا سعة قالت: قولي له فلا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك. قالت مريم لعيسى في ذلك. فقال عيسى: يا أماه إني إنْ فعلت كان في ذلك شر قالت: لا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا. قال عيسى: قولي له املأ قدورك وخوابيك ماء. فملأهن فدعا الله تعالى، فتحوّل ما في القدور لحماً، ومرقاً، وخبزاً، وما في الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط. فلما جاءه الملك أكل منه، فلما شرب الخمر قال: من أين لك هذا الخمر؟‍! قال: هو من أرض كذا وكذا...قال الملك: فإن خمري أوتى به من تلك الأرض فليس هو مثل هذا‍! قال: هو من أرض أخرى. فلما خلط على الملك اشتد عليه فقال: إني أخبرك... عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، وإنه دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً فقال له الملك: وكان له ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه فقال: إن رجلا دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً ليستجابن له يحيي ابني. فدعا عيسى فكلمه وسأله ان يدعو الله أن يحيي ابنه فقال عيسى: لا تفعل فإنه ان عاش كان شراً قال الملك: لست أبالي أراه فلا أبالي ما كان قال عيسى عليه السلام: فإني إن أحييتهُ تتركوني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟ فقال الملك: نعم. فدعا الله فعاش الغلام. فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه. فاقتتلوا وذهب عيسى وأمه وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف. فقال له عيسى: تشاركني؟ فقال اليهودي: نعم. فلما رأى أنه ليس مع عيسى عليه السلام إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف. فيأكل لقمة فيقول له عيسى: ما تصنع؟ فيقول له: لا شيء... حتى فرغ من الرغيف. فلما أصبحا قال له عيسى: هلم بطعامك، فجاء برغيف فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. فسكت عنه وانطلقوا، فمروا براعي غنم فنادى عيسى: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك. قال: نعم. فأعطاه شاة فذبحها وشواها، ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلا فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة تثغو فقال: يا صاحب الغنم خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟! قال: أنا عيسى ابن مريم قال: أنت الساحر؟ وفر منه. قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها كم كان معك من الأرغفة أو - كم رغيف كان معك - فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمر بصاحب بقر فقال: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلاً. فأعطاه فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر فقال له عيسى: كل ولا تكسر عظماً. فلما فرغوا قذف العظام في الجلد، ثم ضربه بعصاه وقال: قم بإذن الله تعالى، فقام له خوار فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك. قال: من أنت؟ قال: أنا عيسى قال: أنت عيسى الساحر؟ ثم فر منه. قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه كم رغيفاً كان معك؟ فحلف بذلك ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى نزلا قرية، فنزل اليهودي في أعلاها، وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى وقال: أنا اليوم أحيي الموتى. وكان ملك تلك القرية مريضاً شديد المرض. فانطلق اليهودي ينادي: من يبغي طبيباً؟ فأُخْبِرَ بالملك وبوجعه فقال: ادخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه فقيل له: إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك! قال: ادخلوني عليه، فأُدْخِلَ عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه وهو ميت ويقول: قم بإذن الله تعالى. فأخذوه ليصلبوه، فبلغ عيسى فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة فقال: أرأيتم أن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟ فقالوا: نعم. فأحيا عيسى الملك فقام. وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة والله لا أفارقك أبداً. قال عيسى أنشدك بالذي أحيا الشاة والعجل بعدما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد رفعك عليه لتصلب. كم رغيفاً كان معك؟ فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا فمرا بثلاث لبنات، فدعا الله عيسى فصيرهن من ذهب قال: يا يهودي لبنة لي، ولبنة لك، ولبنة لمن أكل الرغيف. قال: أنا أكلت الرغيف. وأخرج ابن عساكر عن ليث قال: صحب رجل عيسى ابن مريم، فانطلقا فانتهيا إلى شاطئ نهر، فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف. فقام عيسى إلى النهر يشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف. فقال للرجل: من أكل الرغيف؟ قال: لا أدري! فانطلق معه فرأى ظبية معها خشفان، فدعا أحدهما، فأتاه فذبحه وشواه وأكلا ثم قال للخشف: ثم بإذن الله فقام فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف؟ قال: لا أدري! ثم انتهيا إلى البحر، فأخذ عيسى بيد الرجل، فمشى على الماء ثم قال: أنشدك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ فقال: لا أدري. ثم انتهيا إلى مفازة وأخذ عيسى تراباً وطيناً فقال: كن ذهباً بإذن الله. فصار ذهباً، فقسمه ثلاثة أثلاث فقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لمن أخذ الرغيف. قال: أنا أخذنه. قال: فكله لك وفارقه عيسى، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه قال: هو بيننا أثلاثاً، فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعاماً. فبعثوا أحدهم فقال الذي بُعِثَ: لأي شيء أقاسم هؤلاء المال، ولكن أضع في الطعام سماً فاقتلهما. وقال ذانك: لأي شيء نعطي هذا ثلث المال، ولَكِن إذا رجع قتلناه. فلما رجع إليهم قتلوه وأكلا الطعام فماتا. فبقي ذلك المال في المفازة، وأولئك الثلاثة قتلى عنده. وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الحذاء قال: كان عيسى ابن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم: قولوا كذا قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة ودمعة فادعوا عند ذلك. وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت قال: انطلق عيسى عليه الصلاة والسلام يزور أخاً له، فاستقبله إنسان فقال: إن أخاك قد مات. فرجع فسمع بنات أخيه برجوعه عنهن، فاتينه فقلن يا رسول الله رجوعك عنا أشد علينا من موت أبينا قال: فانطلقن فأرينني قبره، فانطلقن حتى أرينه قبره قال: فصوت به فخرج وهو أشيب فقال: ألست فلاناً...؟ قال: بلى. قال: فما الذي أرى بك؟ قال: سمعت صوتك فحسبته الصيحة. أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون} قال: بما أكلتم الراحة من طعام، وما خبأتم منه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان عيسى يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا... فذلك قوله {وما تدخرون}. وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان، فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك بما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم. فيقول خبأت لك كذا وكذا... فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها: اطعميني ما خبأت لي قالت: وأي شيء خبأت لك؟ فيقول: كذا وكذا... فتقول: من أخبرك؟! فيقول: عيسى ابن مريم فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم. فجمعوهم في بيت واغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاءهم في بيت، فسأل عنهم فقال: يا هؤلاء كأن هؤلاء الصبيان! قالوا :لا. إنما هؤلاء قردة وخنازير قال: اللهم اجعلهم قردة وخنازير. فكانوا كذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر قال {أنبئكم بما تأكلون} من المائدة {وما تدخرون} منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، وخافوا فجعلوا قردة وخنازير. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود {وما تدخرون} مثقلة بالإدغام.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الآية: 49]. قيلَ: مَن اشتملت عليه صفاتُ الربوبية وغابَ عن أوصافِ لا يجدن حَيىَ بنفسه وأُحيىَ به كل شىء وأبطِلَ بهذِه الآية دَعَاوى من ادَّعى إظهَارَ معجزةٍ عليهِ به دونَ إذن ربه، فالله قادر على الإعجاز فى جميع الأوقات، يظهرها على من يشاء فالإعجاز لله والسببُ المظهر عليهم، ذلك هو الهياكل والصورُ.

البقلي

تفسير : {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} انسلخ من وصاف الحدوثية واتصف بصفات الربوبية فاظهر منه الحق جل عن الاهل والولد والحلول والمكان والجهة والاختلاط مع الخليقة حقائق الدبرة ليس لى فى هذه الأية كلام اجل من ذلك مع ان اهل المعرفة قد سبقونى فى هذا المعنى ولا بد لى من ان اتكلم فيه بشئ من عبادتى ما دام شرعت فى تفسير القرأن وقيل من اشهد عليه الصفات الربوبية وغاب عن اوصاف الحدث حتى بنفسه واحيى به كل شئ وابطل بهذه الأية وعاوى من ادعى اظهار معجزة عليه به جون ربه والله قادر على الاعجاز في جميع الاوقات يظهرا على من يشاء فالاعجاز لله والسبب المظهر عليهم ذلك فى الهياكل والصور.

اسماعيل حقي

تفسير : {و} يجعله {رسولا الى بنى اسرائيل} اى يكلمهم وقال بعض اليهود انه كان مبعوثا الى قوم مخصوصين وكان اول انبياء بنى اسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام {انى قد جئتكم} معمول لرسول لما فيه من معنى النطق اى رسولا ناطقا بأنى قد جئتكم ملتبسا {بآية} عظيمة كائنة {من ربكم} وهو ما ذكر بعده من خلق الطير وغيره {انى اخلق} بدل من انى قد جئتكم اى اقدر واشكل لانه قد ثبت ان العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والابداع فوجب ان يكون بمعنى التقدير والتسوية {لكم} اى لاجلكم بمعنى التحصيل لايمانكم ورفع تكذيبكم اياى {من الطين} شيأ {كهيئة الطير} اى مثل صورة الطير {فانفخ فيه} الضمير للكاف اى فى ذلك الشىء المماثل لهيئة الطير {فيكون طيرا} حيا طيارا كسائر الطيور {باذن الله} بامره تعالى اشار بذلك الى ان احياءه من الله تعالى لا منه لان الله هو الذى خلق الموت والحياة فهو يخلق الحياة فى ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى عليه السلام فيه على سبيل اظهار المعجزات - روى - ان عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة واظهر المعجرات طالبوه بخلق خفاش فاخذ طينا وصورة ثم نفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والارض. قال وهب كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه فاذا غاب عن اعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الخلق من فعل الله قيل انما طلبوا خلق الخفاش لانه اعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الحيوان من الطيور ويكون له الضرع ويخرج منه اللبن ولا يبصر فى ضوء النهار ولا فى ظلمة الليل وانما يرى فى ساعتين ساعة بعد غروب الشمس وساعة بعد طلوع الفجر قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الانسان وله اسنان ويحيض كما تحيض المرأة ولما دل القرآن على ان عيسى عليه السلام انما تولد من نفخ جبريل فى مريم وجبريل روح محض وروحانى محض فلا جرم كانت نفخة عيسى سببا للحياة والروح {وابرئ} اى اشفى واصحح {الاكمة} اى الذى ولد اعمى. قال الزمخشرى لم يوجد فى هذه الامة اكمه غير قتادة بن دعامة السدوسى صاحب التفسير {والابرص} وهو الذى به برص اى بياض فى الجلد يتطير به واذا استحكم فلا برء له ولا يزول بالعلاج ولم تكن العرب تنفر من شىء نفرتها منه. وانما خصها بالذكر للشفاء لانهما مما اعيى الاطباء فى تداويهما وكانوا فى غاية الحذاقة فى زمن عيسى عليه السلام وسألوا الاطباء عنهما فقال جالينوس واصحابه اذا ولد اعمى لا يبرأ بالعلاج وكذا الابرص اذا كان بحال لو غرزت الابرة فيه لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج فرجعوا الى عيسى وجاؤا بالاكمه والابرص فمسح يده بعد الدعاء عليهما فابصر الاعمى وبرىء الابرص فآمن له البعض وجحد البعض وقال هذا سحر - روى - انه ابرأ فى يوم واحد خمسين الفا من المرضى من اطاق منهم اتاه ومن لم يطق اتاه عيسى عليه السلام {واحى الموتى باذن الله} فسألوا جالينوس عنه فقال الميت لا يحيى بالعلاج فان كان هو يحيى الموتى فهو نبى وليس بطبيب فطلبوا ان يحيى الموتى فاحيى اربعة انفس احيى العازر وكان صديقا له فارسل اخته الى عيسى ان اخاك العازر يموت فأته فكان وبينه وبينه مسيرة ثلاثة ايام فأتاه هو واصحابه فوجوده قد مات منذ ثلاثة ايام فقال لاخته انطلقى بنا الى قبره فانطلقت معهم الى قبره وهو فى صخرة مطبقة فقال عيسى عليه السلام اللهم رب السموات السبع والارضين السبع انك ارسلتنى الى بنى اسرائيل ادعوهم الى دينك واخبرهم انى احيى الموتى فاحيى العازر فقام العازر ووكده يقطر فخرج من قبره وبقى وولده واحيى ابن عجوز مربه ميتا على عيسى على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره ونزل عن اعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع الى اهلة فبقى وولد له واحيى ابنة العاشر الذى يأخذ العشور قيل له احيها وقد ماتت امس فدعا الله تعالى فعاشت وبقيت وولدلها فقالوا يحيى من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا بل اصابتهم سكتة فاحى لنا سام بن نوح فقال عيسى دلونى على قبره فخرج والقوم معه حتى انتهى الى قبره فدعا الله تعالى بالاسم الاعظم فخرج من قبره وقد شاب راسه فقال عيسى كيف شاب رأسك ولم يكن فى زمانك شيب قال يا روح الله لما دعوتنى سمعت صوتا يقول اجب روح الله فظننت ان القيامة قد قامت فمن هول ذلك شاب رأسى فسأله عن النزع فقال يا روح الله ان مرارته لم تذهب عن حنجرتى وقد كان من وقت موته اكثر من اربعة آلاف سنة فقال للقوم صدقوه فانه نبى فآمن به بعضهم وكذبه آخرون ثم قال له مت قال بشرط ان يعيذنى الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل ثم طلبوا آية اخرى دالة على صدقه فقال {وانبئكم بما تأكلون} من انواع المآكل {وما تدخرون} اى وما تخبأون للغد {فى بيوتكم} فكان يخبر الرجل بما اكل قبل م بما يأكل بعد ويخبر الصبيان وهو فى المكتب بما يصنع اهلهم وبما يأكلون ويخبأون لهم وكان الصبى ينطلق الى اهله ويبكى عليهم حتى يعطوه ما خبأوا له ثم قالوا لصبيانهم لا تلعبوا مع هذا الساحر وجمعوهم فى بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا ليسوا فى هذا البيت فقال فمن فى هذا البيت قالوا خنازير فقال عليه السلام كذلك يكونون فاذاهم خنازير {ان فى ذلك} اى ما ذكر من الخوارق والامور العظام {لآية} عظيمة {لكم} دالة على صحة رسالتى دلالة واضحة {ان كنتم مؤمنين} انتفعتم بها.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل المدينة ويعقوب {طائراً بأذن الله} الباقون. {طيراً} وهو الاجود، لأنه إسم جنس وطائر صفة. وقرأ نافع وحده {إني أخلق} بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. الاعراب، والحجة: يحتمل نصب قوله: {ورسولاً} وجهين: أحدهما - بتقدير ويجعله رسولا فحذف لدلالة الاشارة عليه. والثاني - أن يكون نصباً على الحال عطفاً على وجيهاً، لا أنه في ذلك الوقت يكون رسولا بمعنى أنه يرسل رسولا. وقال الزجاج وجهاً ثالثاً بمعنى يكلمهم رسولا في المهد بـ {أني قد جئتكم بآية من ربكم} ولو قرئت {إني} بالكسر {قد جئتكم} كان صواباً. والمعنى يقول {إني قد جئتكم بآية من ربكم} أي بعلامة تدل على ثبوت رسالتي. وموضع {إني أخلق} يحتمل أن يكون خفضاً ورفعاً، فمن قرأ بالخفص فعلى البدل من آية بمعنى جئتكم بأني أخلق لكم من الطين. والرفع أريد به الآية إني أخلق من الطين. وجائز أن يكون {إني أخلق لكم} مخبرهم بهذه الآية ما هي أي أقول لكم {إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير}. المعنى: والمراد بالخلق التقدير دون الاحداث، يقال في التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش، ونفخ فيه فصار طائراً. وجاز أن يقول فيه للفظ الطين. وقال في موضع آخر.{أية : فينفخ فيها فتكون طيراً بإذني}تفسير : للفظ الهيئة. اللغة: والطين معروف. ومنه طنت الكتاب طيناً أي جعلت عليه طيناً، لأختمه. وطينت البيت تطييناً. والطيانة: حرفة الطيان والطينة: قطعة من طين يختم بها الصك ونحوه. والهيأة: الحال الظاهرة هاء فلان يهاء هيئة. ومن قرأ {هيئت} معناه تهيأت لك فأما "هيت لك" فهلم لك والهيىء: الحسن الهيئة من كل شيء. والمهاياة: أمر يتهايا عليه القوم فيتراضون به. وقوله: {فانفخ فيه} النفخ معروف تقول نفخ ينفخ نفخاً، وانتفخ انتفاخاً، ونفخه نفخاً. والنفاخة للماء، والنفخة نحو الورم في البطن. والنفخة: نفخة الصور يوم القيامة. والمنفاخ كير الحداد. وأصل الباب نفخ الريح التي تخرج من الفم. المعنى: ومعنى "أنفخ فيه" يعني أنفخ فيه الروح وهو جسم رقيق كالريح، وهو غير الحياة، لأن الجسم انما يحيا بما يفعله الله تعالى فيه من الحياة، لأن الأجسام كلها متماثلة يحيي الله منها ما يشاء. وإنما قيد قوله: {فيكون طيراً بأذن الله} ولم يقيد قوله: {أخلق من الطين كهيئة الطير} بذكر إذن الله لينبه بذكر الاذن أنه من فعل الله دون عيسى. وأما التصوير والنفخ، ففعله، لأنه مما يدخل تحت مقدور القدر، وليس كذلك انقلاب الجماد حيواناً فانه لا يقدر على ذلك أحد سواه تعالى. وقوله: {وأحيي الموتى بإذن الله} على وجه المجاز إضافة إلى نفسه وحقيقته ادعوا الله باحياء الموتى فيحييهم الله فيحيون باذنه. اللغة والمعنى: وقوله: {وأبرىء الأكمه} فالبرء والشفاء والعافية نظائر في اللغة. والأكمه الذي يولد أعمى في قول قتادة، وأبي علي وقال الحسن، والسدي: هو الاعمى. والكمه عند العرب العمى كمه يكمه كمهاً قال سويد بن أبي كاهل: شعر : كمهت عيناه حتى ابيضتا فهو يلحي نفسه لما نزع تفسير : والابرص معروف. وقوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} أي أخبركم وأعلمكم بالذي تأكلونه، فتكون (ما) بمعنى الذي ويحتمل أن تكون (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر، ويكون تقديره أخبركم بأكلكم. والأول أجود لقوله: {وما تدخرون} ويحتمل أن يكون المراد أيضاً وادخاركم. والاذخار الافتعال من الذخر ذخرت أذخر ذخراً وأذخرت اذخاراً. وأصل الباب الذخر، وهو خبء الشيء لتأتيه. وإنما أبدلت الدال من الذال في {تدخرون} لتعديل الحروف أو أبدلت الدال من الذال بوجهين الجهر واختلاف المخرج، فبدل ذلك بالدال، لأنها موافقة للتاء بالمخرج والدال بالجهر، فلذلك كان الاختيار، وكان يجوز تذخرون بالذال على الأصل ونظير ذلك في التعديل بين الحروف وازدجر، فمن اضطر، واصطبر، لموافقة الطاء للضاد والضاد بالاستعلاء والاطباق، ولم يجز إدغام الزاي في الدال، لأنها من حروف الصفير. ولكن يجوز مزجر. ولم يدغم الضاد في الطاء لأن فيها استطالة. والمجهور من الحروف: كل حرف اشبع الاعتماد عليه في موضعه ومنع النفس أن يجري معه. والمهموس: كل حرف أضعف الاعتماد عليه في موضعه وجرى معه النفس. وقوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} وإن كانت آية للجميع، لأن معناه "إن كنتم مؤمنين" بالله إذ كان لا يصح العلم بمدلول المعجزة إلا لمن آمن بالله، لأن العلم بالمرسل قبل العلم بالرسول. وإنما يقال هي آية للجميع بأن يقدموا قبل ذلك الاستدلال على التوحيد. وأيضاً بأن من استحق وصفه بأنه مؤمن علم أن ذلك من آيات الله عز وجل.

اطفيش

تفسير : {وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الواو عاطفة لقول محذوف على قوله بعلم و{رسولا}: مفعولا لأرسلت محذوفاً، مفعول للقول، أى: ويقول أرسلت رسولا إلى بنى إسرائيل بأنى قد جئتكم هو عيسى، أو {رسولا}: معطوف بالواو على الحال، مضمن معنى ناطق، أى وناطقاً بـ {أنّى قدْ...} إلخ. أو مفعول لمعطوف على يعلم، أى: ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل، وقرأ اليزيدى: ورسول بالرفع عطفاً على كله {أنى..} إلخ مقدر بباء متعلقة برسول، على الوجهين، أو بأرسلت المقدر على الأول منهما، أو تعلق بمحذوف نعت لـ {رسولا} أى: ورسولا إلى بنى إسرائيل ناطقاً بأنى قد جئتكم، وخص بنى إسرائيل لخصوص بعثته إليهم، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى قوم غيرهم لا إليهم، وزعم بعض اليهود أنه مبعوث إلى قوم مخصوصين من بنى إسرائيل، والحق أنه مبعوث إلى بنى إسرائيل كلهم لا إلى غيرهم، وكان أول أنبياء بنى إسرائيل يوسف بن يعقوب، وآخرهم عيسى على نبينا وعليهم السلام، والآية العلامة على إرساله إلى بنى إسرائيل وقد جاء بآيات، ولكن أفردَ لفظة آية، لأن مدلولهن واحد، وهو كونهُ رسولا فكأنهُ شىء واحد. {أَنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ}: جواب سؤال محقق أو مقدر، كأنهم قالوا: ما هذه الآية؟ فقال: أنى أخلق لكم الآية، أو يقدر: أقول أنى أخلق لكم، أو يقدر قال: أنى أخلق لكم، أو هو مستأنف وقرأ غير نافع، بفتح همزة {أنى} على الإبدال من أنى قد جئتكم، أو من آية بدل كل من أراد بالآية ما ذكر هنا، أو بدل بعض أن أراد الجنس أو خبر لمحذوف أى هى أنى أخلق لكم، والخلق تقدير الشىء وتصويره، والله سبحانه يوجد الشىء من العدم إلى الوجود كيف شاء، وعيسى عليه السلام، يعمل من الطين مثل هيئة الطير، كما نعمل من الطين لبنة، والطين مخلوق لله، ومحييهِ الله وحده، وجعل ذلك على يد عيسى، وليس لعيسى فيه سوى علاجه على صورة الطير، وسوى النفخ فيه، وهذان الفعلان أيضاً فعلان له، ومخلوقان لله تعالى، قال اللهُ تبارك الله أحْسَنُ الخالقين، أى أحسن المقدرين، واللام للتعليل، أى خلق لأجلكم أى لتحصيل إيمانكم ودفع كفركم، و {من} للابتداء، والكاف اسم، وهو مفعول به لأخلق، وهيئة: مضاف إليه، ولك أن تقول: حرف جر والمفعول محذوف، أى: شيئاً ثابتاً كهيئة الطير، والهيئة اسم الحال الشىء، أو مصدر بمعنى مفعول، أى: مهيأ، والفعل هاء يهىء، أى استقر على حال ما. {فَأَنْفُخُ فِيهِ}: أى أنفخُ بفمى فى مثل الهيئة، فالهاء عائدة إلى الكاف أو للشىء الذى قدرت آنفا. {فَيَكُونُ}: ذلك المثل أو الشىء، ويجوز عود الضمير للمذكور من الهيئة أو للمخلوق على هيئة الطير. {طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ}: أى فيصير حيواناً يطير بأمر الله وقدرته، وإحيائه، فالإحياء منه تعالى، لا منى، وكذا قرأ نافع: فى المائدة: طائر بألف وهمزة. وقرأ غيره هنا وفى المائدة: طيراً بإسقاط الألف وبالياء ساكنة سكوناً حيا بعد فتح الطاء، لما دعى عيسى عليهِ السلام الرسالة، وأظهر المعجزة، طالبوه بخلق خفاش، تعنتاً، فأخذ طيناً فصوره ثم نفخ فيه، فإذا هو خفاش يطير بين السماء والأرض، قال وهب: كان يطير مادا، والناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً لحماً ودماً، لتمييز فعل الخلق من فعل الله، قيل: طلبوا منه خلق الخفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير من غير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، ويكون لهُ الضرع، ويخرج منه اللبن، ولا يبصر فى ضوء النهار، ولا فى ظلمة النهار وإنما يبصر ساعة بعد الغروب وساعة بعد الفجر قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض، ثم قيل عليه السلام ما خالق إلا الخفاش ويناسبه ظاهر قراءة نافع بإفراد طائر، وقيل: خلق أنواعاً من الطير، وليست قراءة نافع تبطله، لأن كل فرد من أنواع الطير فأحياه الله، يصدق عليه أنه كان طائراً بإذن الله، بل لفظ الطير يدل على القول الأخير، لأن الأفصح فيه أن لا يطلق على الفرد، وبعض يطلقه على الواحد فصاعداً، وروى أنه عليه السلام يقول لبنى إسرائيل: أى الطير أشد خلقة؟ فيقولون: الخفاش، طائراً لا ريش لهُ، فكان يصنع بحضرة الناس خفافيش من الطين، فينفخ فيها فتطير بإذن الله، كما نفخ جبريل فى درع أمه مريم، فكان عليه السلام فى بطنها، فقالوا إن عيسى ساحر. {وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ}: هو من ولد أعمى، وله عينان، وقيل: من ولد ولا عين فى وجهه، وقيل: الأكمه من له عينان ولا يبصر، أو ولد يبصر ثم كان لا يبصر، أو ولد لا يبصر. وأبرأه: أن يجعله يبصر وأبرأ الذى لا عين له، أن يجعل له العينان ويبصر بهما. وعن ابن عباس والحسن: الأكمه الذى ولد أعمى. وقيل: الأكمه الذى لا يبصر بالنهار ويبصر بالليل، وقيل: الأعمش، قال فى الكشاف: الأكمه الذى ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين، ويقال: لم يكن فى هذه الأمة أكمه غير قتادة ابن دعامة السدوسى صاحب التفسير، يعنى ممسوح العين وعن ابن عباس وقتادة: هذا الأكمة من ولد مغموم العينين. {والأَبْرَصَ}: بياض شديد فى الجسم لزوال الدم، وكان الغالب فى زمان عيسى عليه السلام الطب، فأراهم المعجزة من جنس الطب، قال وهب بن منبه: ربما اجتمع عيسى عليه السلام من المرضى فى اليوم الواحد نحو خمسين ألفاً، من أطاق مشى، ومن لم يطق مشى إليه عيسى، وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان برسالته، وخص الكمه والبرص، لأنهما أعييا الأطباء وكان جالينوس فى زمانه، ولما قال عيسى: أبرئ الأكمه والأبرص. قالوا: إن لنا أطباء يفعلون ذلك. فذهبوا إلى جالينوس وأخبروه بذلك، فقال: إذا ولد أعمى لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان إن غرزت الأبرة لا يخرج منه الدم ولا يبرأ بالعلاج، فإن أبرأهما فهو نبى. فجاءوا إلى عيسى بأكمه وأبْرص فأبرأهما فى الحال، فآمن بعض، وجحد بعض وقالوا: سحر. فقال: أحيى الموتى بإذن الله، كما قال الله عز وجل عنه. {وَأُحْيىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ}: فأخبروا بذلك جالينوس، فقال: الميت لا يعيش ولا يحيا بالعلاج، فإن كان يحيى الموتى فهو نبى لا طبيب. فطلبوا منه أن يحيى الموتى، فأحيا عازر، وكان صديقاً لهُ أرسلت أخته إلى عيسى أنه مات، فذهب إلى بلده، فوجده مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأمه: انطلقى بنا إلى قبره. فانطلقت معهم إلى قبره، وهو فى صخرة مطبقة، فقال عيسى عليه السلام: اللهم رب السماوات السبع والأرضين السبع إنك أرسلتنى إلى بنى إسرائيل، أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنى أحيى الموتى، فأحيى عازر فقال عازر وودكه نفطر، وعاش وولد له، ومروا بميت على سرير فدعا عيسى عليه السلام الله تعالى، فأحياه الله وجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله وعاش، وولد لهُ، وماتت ابنة الذى يأخذ العشور، فقيل له: أتحييها وقد ماتت أمس. فدعا الله تعالى، فأحياها، وعاشت وولدت. وقالوا: أنت تحيى من كان قريب الموت، فلعلهم بهم سكتة، فأحى لنا سام بن نوح. فقال لهم: دلونى على قبره؟ فدعا الله فخرج من قبره، وقد شاب رأسه. فقال عيسى: كيف شبت ولا شيب فى زمانك؟ فقال له: يا روح الله إنك لما دعوتنى سمعت من يقول أجب روح الله فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسى، فقال عيسى: لم تقم الساعة، ولكن دعوتك باسم الله الأعظم، فسأله عن النزع؟ فقال: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب من وقت موتى أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال له: مت. فقال: بشرط أن يُعيذنى الله من سكرات الموت مرة أخرى، فدعا الله فى ذلك فمات بلا وجع، ولا ألم. فقال للقوم: صدقونى فإنى نبى، فآمن به بعض، وكذب به بعض، وقالوا: سحر، فأرنا آية أخرى، أخبرنا بما نأكل، وما ندخر. فقال: نعم يا فلان أكلت كذا، وادخرت كذا يا فلان، أكلت كذا وادخرت كذا، كما قال الله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ، وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ}: من الطعام والشراب وغير ذلك، وكان يخبر الرجل، بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما يدخر لعشائه، وقيل: كان فى المكتب يحدث الصبيان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا، وقد رفعوا لك كذا، فينطلق الغلام إلى أهله يبكى، حتى يعطوه ذلك الشىء، فيقولون من أخبرك بهذا فيقول عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تقعدوا مع هذا الساحر، فجمعوهم فى بيت فجاء عيسى بطلبهم، فقالوا: ليسوا هنا قال: وما فى البيت؟ قالوا: خنازير، قال: كذلك يكونون! ففتحوا عليهم الباب فإذا هم خنازير، ففشى ذلك فى بنى إسرائيل وهموا به، فخافت عليهِ أمه، فحملته على حمار لها، وخرجت هاربة إلى مصر، وكذلك قال مجاهد: كذلك كان من طفولته إلى نبوته. وقال قتادة معنى الآية إنما هو فى نزول المائدة عليهم، وذلك أنها لما نزلت أخذ عليهم عهداً أن يأكلوا ولا يخبئوا ولا يدخروا، فأخبأوا فأخبر كلا بما أكل وبما ادخروا، وعوقبوا على ذلك، وروى أن جالينوس لما سمع به رحل إليه من أرمينية وهو بالشام، فمات قبل الشام، وكرر بإذن الله دفعاً لتوهم الألوهية. و{تدخرون}: تفتعلون، أبدلت التاء قبل الخاء دالا وأدغمت فيها الدال وقرئ بإسكان الدال. {إِنَّ فِى ذلِكَ}: المذكور من الخوارق، وهذا من كلام عيسى، أو من كلام الله تعالى، والواضح أنه من كلام عيسى، ووجه كونه من الله أن يقال: إنه كلام ألقاه الله لليهود فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنوا بعيسى. {لآيَةً لَّكُمْ}: على رسالتى، {إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ}: موفقين للإيمان، أو مصدقين للحق، غير معاندين. وجواب إن دل عليه ما قبله، أى إن كنتم مؤمنين عند الله فى قضائه، كان ذلك آية، تستدلون بها أو إن كنتم مؤمنين انتفعتم بها، والمنجم قد يخبر بما غاب من غيره بظن لا بيقين، ويخطئ فى كثير، ويعتمد على حساب، ونظر فى نجوم. وكذا الكاهن يخبره الجنى، فيخطىء ويخطئوه كثيراً، وما بالوحى كأمر الأنبياء يقين بوحى، لا حساب ولا نظر ولا جن فيهِ ولا خطأ.

اطفيش

تفسير : {وَرَسُولاً} ويجعله رسولا، والجملة معطوفة عَلَى يعلمه، أو وجيها ورسولا، فهو معطوف على وجيها، أو يقول الله فى شأنه أرسلت رسولا {إلَى بَنِى إِسْرَآءِيلَ} وهو أخر أنبياء بنى إسرائيل، وأول نبى من ذرية نبيه موسى، وأما يوسف فنبى من صلبه لا من ذريته، يروى أنه أوتي النبوة وهو ابن ثلاث سنين، وقيل ابن ثلاثين سنة، ورفع إلى السماء ابن ثلاث وثلاثين. وهو المشهور، وقيل: ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، والأقوال فى يحيى أيضاً، إلا أنه لم يرفع، والمعتمد عند الجمهور أنهما نبئا على رأس أربعين، وأن عيسى عاش فى الأرض قبل رفعه مائة وعشرين سنة، وبه ورد الحديث، وقد رجع إليه السيوطى فى مرقاة الصعود بعد أن أثبت فى تكملة المحلى وشرح النقاية أنه رفع ابن ثلاث وثلاثين سنة، وإنما هذا قول النصارى، وعيسى رسول الله إلى الناس كلهم، وخص بنى إسرائيل لأنه منهم، والرد على من قال، مبعوث إلى غيرهم لا إليهم، وقيل، مبعوث إليهم خاصة، وقوله تعالى: {ويعلمه الكتاب} إلى هنا تهوين للهم على مريم، لأنهم تهتم ونخاف أن نقذف مع ما تقدم من قوله، إن الله يبشرك إلى هنا خمسة عشر أمرا مبشرا به قبل وجود عيسى عليه السلام {أنِّى قَدْ جِئْتُكُم} متعلق برسولا، أى أرسلنى بأنى قد جئتكم، وفى رسولا معنى ناطق، فكأنه أيضا قيل، ناطقا بأنى، أو يقدر ناطقا نعتا لرسولا يتعلق به بأبى جئتكم، وهذا أولى من أن يقال التقدير، فجاءهم عيسى بأبى قد جئتكم، وزعم بعض أن هذا أولى {بِآيَةٍ مِّن رَّبِكُمْ أَنِّى أَخْلُقُ} بكسر إن مستأنف بيان للآية، وعلى الفتح يكون مصدر أخلق بدلا من آية، أو هى أَبى أخلق،وجعل آيات آية لأنهن كلهن حجة على رسالته، فكأنهن آية واحدة، فالبدل بدل مطابق،إلا أنه باعتبار النفخ، لا بدل اشتمال، لأن إبراء الأكمه والأبرص والإحياء والتنبئة نفس الآية، لا لوازمها، ومعنى أحلق أصور، والمصدر مقدر {لَكُُم} أى لصلاحكم بأن تؤمنوا بى {مِّنَ الطِّينِ} كما صور آدم منه، وأحيا {الطَّيْرِ} على الإطلاق، وقيل الخفاش، لأنه أعجب من سائر الطيور، لأن له نابا وأسنانا، وضحكا وطيرانا بلا ريش، وآذانا وأبصارا فى ساعة بعد طلوع الفجر، وساعة بعد الغروب، لا فى ظلمة الليل وضوء النهار، ولأنثاه حيضا وطهرا، وثديا وضرعا، وولادة بلا بيض، ولبنا كالمنى، ويروى أنهم طلبوا منه الخفاش {فَأَنفُخُ} بفمى {فيهِ} فى هيئة الطير، أو فى شىء كهيئة الطير {فَيَكُونُ طَيْراً بِإذْنِ اللهِ} بإرادته أن يخلق فيه لى الروح، يطير وهم ينظرون، وإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا، ويرونه على حاله قبل الموت لا طينا، وإنما يسقط ميتا ليتميز عما خلق الله، لا على يد عيسى وهكذا قيل، ولا حجة له، ظاهر القرآن يأباه، ولو ثبت لقدحوا فيه {وَأُبْرىءُ الأَكْمَه} الأعمى من البطن، وقد يقال لحادث العمى، لمن لا عين له، ولا موضعهما بل موضعهما كجبهته، كقتادة مفسر القرآن، وكلهم يردهم إلى العينين الباصرتين {وَالأَبْرَصَ} بإذن الله، ولم يذكره لظهور ولذكره قبل، وقد ذكر فى المائدة بلفظ بإذنى، ولأنه لا غرابة فيهما، لأنه بعث فى زمان تمهر الناس فى الطب، فقد يعالجون ذلك إلا من لاعين له، أو من مسقط له داخلها فلا يتعاطون علاجه، فكان يبرىء الناس منهما بدعاء لا بدواء، فذلك معجزة، كما بعث صلى الله عليه وسلم فى زمان تنافس العرب فى البلاغة، فغلبهم بكلامه وبالقرآن، وكما بعث موسى بالعصا ونحوها لما كانوا فى زمانه مولعين بالسحر، وكانوا فى زمانه فى غاية الجذام وأنواع المرض وكثرة ذلك، حتى إنه أبرأ فى يوم واحد خمسين ألفاً بالدعاء، بشرط أن يؤمنوا إذا أبرثوا، وكانوا يأتونه، ومن لم يقدر أن يأتى أتاه عيسى عليه السلام ودعاؤه فى ذلك: اللهم أنت إله من فى السماء وإله من فى الأرض، لا إله فيهما غيرك، وجبار من فى السماء، وجبار من فى الأرض، لا جبار فيهما غيرك، قدرتك فى الأرض كقدرتك فى السماء، وسلطانك فى الأرض كسلطانك فى السماء، أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم، إنك على كل شىء قدير، وإذا قرىء هذا على المجنون وكتب وسقى له برىء بإذن الله عز وجل، وخص الكمه والبرص لأنهما يعيبان الأطباء، وكان يجتمع عليه ألوف من المرضى {وَأُحْيى الْمَوْتَى} كعازَر، بفتح الزاى، صاحبه، أرسلت إليه أخت عازر أنه فى الاحتضار، وبينهما ثلاثة أيام، فمضى عيسى مع أصحابه، فوجدوه ميتاً، مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقى بنا إلى قبره، فدعا الله، فقام حيا بإذن الله، وولد له، وكولد العجوز، مرت به فى النعش على عيسى، فدعا الله له فحيى، فنزل، ولبس ثيابه وحمل السرير لداره، وولد له وكابنة العاشر، أى آخذ العشور من الناس، ماتت أمس وأحياها، وولدت وكسام، قالوا: تحيى قريبى العهد بالحياة، قلعل فيهم بقيتها، فأحيا ساما، مات منذ أربعة آلاف سنة وأكثر، فأحياه بعد أن دلوه على قبره، وسمع قائلاً: أجب روح الله، فقام خائفاً قيام الساعة وشائب نصف رأسه من خوفها، وآمن بعيسى وأمرهم بالإيمان به، فقال عيسى: ارجع ميتا، وسأل عيسى أن يدعو له ألا يجد مرارة الموت، ففعل، وأول من شاب إبراهيم، ولما حيى سام قال: أقامت الساعة؟ قال: لا، فهؤلاء أربعة، وأحيا خشفاً وشاة وبقرة، ولفظ الموتى بعم ويقول فى دعائه لإحياء الموتى: يا حى يا قيوم، ولا يصح ما قيل، أنه يصلى ركعتين، والأولى بتبارك الملك، والثانية بتنزيل السجدة، ويدعو بعدهما، يا قديم يا خفى، يا دائم يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، ويقال: يضرب الميت أو البقر بعصاه فيحييه الله تعالى ويموت سريعا، وقد يطول، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف {بِإذْنِ اللهِ} ذكره لدفع توهم الألوهية لعيسى، بخلاف إبراء الأكمه والأبرص فلا تتوهم بها، أو يرجع قوله بإذن الله إلى الثلاثة، جمعهن بذلك لأنهم عمل فى موجود كان قبل على حال رجع إليها بخلاف صورة طينه فإن الحياة لم تسبق إليها، فقال فيها على حدة بإذن الله، ويدل لهذا أن ذكره لهم فى المائدة، وأيضاً قال هنا بإذن الله مرتين، وفى المائدة أربعاً لأن ما هنا إخبار، فناسب الإيجاز وما فيها تذكير نعمة فناسب التطويل والتكرير {وَأُنْبِئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ} اى بما تأكلون فى عادتكم، أو ما تأكلون اليوم أو غداً، أو ما أكلتم ويناسب هذا قوله {وَمآ تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} لقريب أو بعيد من الزمان، كأن يخبر الرجل بما أكل فى غدائه ولم يعاينه، يقول للغلام فى المكتب: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا، فينطلق، فيبكى عليهم حتى يعطوه، فيقولون من أخبرك؟ فيقول عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تجالسوا هذا الساحر، وجمعوهم فى بيت وجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليسوا هنا، قال: فما فى البيت؟ فقالوا: خنازير، قال: يكونون، ففتحوا فإذا هم كذلك، فهمَّ به بنوا إسرائيل، فهربت به أمه على حمار إلى مصر، ومسخهم ليس عقاباً لهم، لأنهم أطفال غير مكلفين، ويبعثهم الله على صورهم الآدمية، وبل عقاب لآبائهم، وقال قتادة: لما نزلت المائدة، كانوا يدخرون منها، وقد نهوا عن الادخار وأمروا بالأكل، فكان يخبرهم بما أكلوا وما ادخروا فمسخوا خنازير، وكل ذلك واقع، فدل ذلك على رسالته، لأنه يفعل ذلك بدعاء الله عز وجل، باسمه الأعظم، يا حى يا قيوم، لا بواسطة جنى بخيره، أو بكواكب، أو بحساب رمل {إنّ فِى ذَلِكَ} ما ذكر من المعجزات {لأَيَةً} على رسالتى، والجملة من كلام عيسى، أو على رسالته، والجملة من كلام الله عز وجل {لّكُمْ إن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} مصدقين بها، انتفعتم بها وكل واحدة معجزة، لكن لما كان مدلولها واحداً، وهو رسالته، سماها آية، والمراد إن كنتم موفقين للإيمان عند الله، أو مستعدين بإعمال عقولكم فى النظر.

الالوسي

تفسير : {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } منصوب بمضمر يجر إليه المعنى معطوفاً على {أية : يُعَلِّمُهُ } تفسير : [آل عمران: 48] أي ونجعله رسولاً ـ وهو الذي اختاره أبو حيان ـ وقيل: إنه منصوب بمضمر معمول لقول مضمر معطوف على ـ يعلمه ـ أي ويقول عيسى أرسلت رسولاً، ولا يخفى أن عطف هذا القول على {يُعَلِّمُهُ } إذا كان مستأنفاً مما ليس فيه كثير بأس، وأما على تقدير عطفه على {أية : يُبَشّرُكِ } تفسير : [آل عمران: 45] أو {أية : يَخْلُقُ}تفسير : [آل عمران: 47] فقد طعن فيه العلامة التفتازاني بأنه يكون التقدير ـ إن الله يبشرك ـ أو إن الله يخلق ما يشاء ـ ويقول عيسى كذا، وفيه العطف على الخبر ولا رابط بينهما إلا بتكلف عظيم، وفي «البحر»: إن هذا الوجه مطلقاً ضعيف إذ فيه إضمار شيئين القول ومعموله، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة؛ واختار بعضهم عطفه على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى/ النطق فلا يضر كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في حكم التكلم إذ يكون المعنى حال كونه ـ وجيهاً ـ ورسولاً ناطقاً بكذا، والرسول على سائر التقادير صفة كشكور وصبور، وفعول هنا بمعنى مفعل، واحتمال ـ أن يكون مصدراً كما قال أبو البقاء مثله في قول الشاعر:شعر : أبلغ أبا سلمى (رسولاً) تروعه تفسير : ويجعل معطوفاً على {أية : ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [آل عمران: 48] أي ويعلمه رسالة ـ بعيد لفظاً ومعنى، أما الأول: فلأن المتبادر الوصفية لا المصدرية، وأما ثانياً: فلأن تعليم الرسالة مما لا يكاد يوجد في كلامهم، والظرف إما متعلق ـ برسولاً ـ أو بمحذوف وقع صفة له أي ـ رسولاً كائناً إلى بني إسرائيل أي كلهم، قيل: وتخصيصهم بالذكر للإيذان بخصوص بعثته، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى غيرهم. ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردد ـ وليس ذلك في الكتب المشهورة ـ والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قص فرقتان: فرقة ترميه ـ وحاشاه بأفظع ما رمت به أمة نبيها ـ وهم أكثر اليهود، وفرقة يقال لهم (العنانية أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت يصدقونه في مواعظه وإشاراته ويقولون: إنه لم يخالف التوراة البتة بل قررها ودعا الناس إليها، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام، ومن بني إسرائيل المتعبدين وليس برسول ولا نبـي، ويقولون: إن سائر اليهود ظلموه حيث كذبوه أولاً ولم يعرفوا مدعاه وقتلوه آخراً ولم يعرفوا مرامه ومغزاه) نعم من اليهود فرقة يقال لهم العيسوية ـ أصحاب أبـي عيسى إسحق بن يعقوب الأصفهاني الذي يسميه بعضهم (بعرقيد الوهيم) ـ يزعمون: أن لله تعالى رسولاً بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح إلا أنه لم يأت بعد ويدعون أن له خمسة من الرسل يأتون قبله واحداً بعد واحد وأن صاحبهم هذا أحد رسله ـ وكل من هذه الأقوال بعيد ـ عما ادعاه صاحب القيل بمراحل ـ ولعله وجد ما يوافق دعواه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. هذا واختلف في زمن رسالته عليه السلام فقيل: في الصبا وهو ابن ثلاث سنين. وفي «البحر»: أن الوحي أتاه بعد البلوغ وهو ابن ثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين قيل: وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء وهو القول المشهور، وفيه أن أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وقيل: موسى وآخرهم عيسى ـ على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام ـ وقرأ اليزيدي ـ ورسول ـ بالجر على أنه معطوف على (كلمة) ـ أي يبشرك بكلمة وبرسول ـ. {أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ } معمول ـ لرسولاً ـ لما فيه من معنى النطق. وجوز أبو البقاء كونه معمولاً لمحذوف وقع صفة ـ لرسولاً ـ أي رسولاً ناطقاً أو مخبراً بأني وكونه بدلاً من {رَسُولاً } إذا جعلته مصدراً أي ونعلمه أني قد جئتكم، أو خبراً لمبتدأ محذوف على تقدير المصدرية أيضاً أي هو أني، فالمنسبك إما في محل جر أو نصب أو رفع، وقوله تعالى: {بِـئَايَةٍ } في موضع الحال أي محتجاً أو متلبساً بآية أو متعلق ـ بجئتكم ـ والباء للملابسة أو للتعدية، والتنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور ما ينافيها، وقرىء بآيات. {مّن رَّبّكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة ـ لآية ـ وجوز تعلقه بجئت، و {مِنْ } في التقديرين لابتداء الغاية مجازاً، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب الامتثال لما سيأتي من الأوامر، أو لأن وصف الربوبية يناسب حال الإرسال إليهم. وقوله تعالى: {أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } بدل من قوله سبحانه: {أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ } أو من {ءايَةٍ } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أي أعني، أو مرفوع على/ أنه خبر لمقدر أي: هي أَنَّي الخ؛ وقرأ نافع {إِنّى } بكسر الهمزة على الاستئناف، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الإيجاد من العدم كما يشير إليه ذكر المادة، والهيئة مصدر بمعنى المهيأ كالخلق بمعنى المخلوق، وقيل: إنها اسم لحال الشيء وليست مصدراً وإنما المصدر الهىء والتهيؤ فهي على الأول: جوهر وعلى الثاني: عرض، وفسروها بالكيفية الحاصلة ـ من إحاطة الحد الواحد أو الحدود ـ بالجسم، والمعنى أني أقدر ـ لأجل تحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي ـ من الطين شيئاً مثل الطير المهيأ أو هيئة كائنة كهيئته والكاف إما اسم ـ كما ذهب إليه أبو الحسن ـ في موضع نصب على المفعولية ـ لأخلق ـ أو نعت لمفعول محذوف له، وإما حرف ـ كما ذهب إليه الجمهور ـ فتتعلق بمحذوف وقع نعتاً أيضاً لما وقع هو نعتاً له على تقدير الاسمية. وقرأ يزيد وحمزة ـ كهية ـ بتشديد الياء. وكان ابن المقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها. وقرأ أهل المدينة ويعقوب ـ الطائر ـ ومثله في المائدة. {فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للهيئة المقدرة في نظم الكلام لكن بمعنى الشيء المهيأ لا بمعنى العرض القائم به إذ لا يصح أن يكون ذلك محلاً للنفخ. وذكر الضمير هنا مراعاة للمعنى كما أنث في المائدة مراعاة للفظ قيل: وصح هذا لعدم الإلباس، ووقع في كلام غير واحد كون الضمير للكاف بناءاً على أنها اسم ويعود ذلك في الحقيقة إلى عود الضمير إلى الموصوف بها. واعترضه ابن هشام بأنه لو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت ـ بكالأسد ـ وبعضهم بأن عود الضمير إليها غير معهود. وقرىء ـ فيها ـ. {فَيَكُونُ طَيْراً } حياً طياراً كسائر الطيور. وقرأ المفضل ـ فتكون ـ بتاء التأنيث، ويعقوب وأبو جعفر ونافع ـ طائراً ـ {بِإِذْنِ ٱللَّهِ } متعلق ـ بيكون ـ أو ـ بطيراً ـ والمراد بأمر الله، وأشار بذلك إلى أن إحياءه من الله تعالى ولكن بسبب النفخ، وليس ذلك لخصوصية في عيسى عليه السلام وهي تكونه من نفخ جبريل عليه السلام، وهو روح محض ـ كما قيل ـ بل لو شاء الله تعالى الإحياء بنفخ أي شخص كان لكان من غير تخلف ولا استعصاء، قيل: وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب، واختلف هل كان ذلك بطلب واقتراح أم لا؟ فذهب المعظم إلى الأول قالوا: إن بني إسرائيل طلبوا منه على سبيل التعنت جرياً على عادتهم مع أنبيائهم أن يخلق لهم خفاشاً فلما فعل قالوا: ساحر وإنما طلبوا هذا النوع دون غيره لأنه أكمل الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ناباً وأسناناً ويحيض ويلد ويطير بغير ريش، وله آذان وثدي وضرع ويخرج منه اللبن، ويرى ضاحكاً كما يضحك الإنسان، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، والمشهور أنه لم يخلق غير الخفاش، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز عن خلق الله تعالى بلا واسطة، وقيل: خلق أنواعاً من الطير. وذهب بعضهم إلى الثاني فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحق أن عيسى عليه السلام جلس يوماً مع غلمان من الكتاب فأخذ طيناً، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائراً؟ قالوا: أو تستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربـي، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: كن طائراً بإذن الله تعالى فخرج يطير من بين كفيه، وخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم وأفشوه في الناس. {وَأُبْرِىء ٱلأَْكمَهَ } عطف على {أَخْلُقُ } فهو/ داخل في حيز {إِنّى } والأكمه هو الذي ولد أعمى أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس. وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق عطاء عنه أنه الممسوح العين الذي لم يشق بصره ولم يخلق له حدقة، قيل ولم يكن في صدر هذه الأمة أكمه بهذا المعنى غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير»، وعن مجاهد أنه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وعن عكرمة أنه الأعمش أي: أخلص الأكمه من الكمه {وَٱلأَبْرَصَ } وهو الذي به الوضح المعروف وتخصيص هذين الأمرين لأنهما أمران معضلان أعجزا الأطباء وكانوا في غاية الحذاقة مع كثرتهم في زمنه، ولهذا أراهم الله تعالى المعجزة من جنس الطب كما أرى قوم موسى عليه السلام المعجزة بالعصا واليد البيضاء حيث كان الغالب عليهم السحر، والعرب المعجزة بالقرآن حيث كان الغالب عليهم عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغة، والاقتصار على هذين الأمرين لا يدل على نفي ما عداهما فقد روي أنه عليه السلام أبرأ أيضاً غيرهما، وروي عن وهب أنه ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه السلام فمشى إليه، وكان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى بشرط الإيمان وكان دعاؤه الذي يدعو به للمرضى والزمنى والعميان والمجانين وغيرهم «اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك وأنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيء قدير» ومن خواص هذا الدعاء ـ كما قال وهب ـ أنه إذا قرىء على الفزع والمجنون وكتب له وسقي منه نفع إن شاء الله تعالى. {وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } عطف على خبر {إِنّى } وقيد الإحياء بالاذن كما فعل في الأول لأنه خارق عظيم يكاد يتوهم منه ألوهية فاعله لأنه ليس من جنس أفعال البشر وكان إحياؤه بالدعاء وكان دعاؤه ـ يا حي يا قيوم ـ وخبر «إنه كان إذا أراد أن يحيـى الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى: تبارك الذين بيده الملك، وفي الثانية: تنزيل السجدة فإذا فرغ مدح الله تعالى وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد» قال البيهقي: ليس بالقوي، وقيل: إنه كان إذا أراد أن يحيـى ميتاً ضرب بعصاه الميت، أو القبر، أو الجمجمة فيحيا بإذن الله تعالى ويكلمه ويموت سريعاً. وأخرج محي السنة عن ابن عباس أنه قال: قد أحيا عليه السلام أربعة أنفس، عازر، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، فأما عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك عازر مات وكان بينه وبين عازر مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت معهم إلى قبره فدعا الله تعالى عيسى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره، وبقي زماناً وولد له. وأما ابن العجوز فمر به ميتاً على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله تعالى عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي زماناً وولد له، وأما ابنة العاشر فكان أبوها رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت الأمس فدعا الله تعالى وأحياها وبقيت زماناً وولد لها. وأما سام بن نوح فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعى باسم الله تعالى الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: أقد قامت الساعة؟ / قال: لا ولكن دعوتك باسم الله تعالى الأعظم ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني الله تعالى من سكرات الموت فدعا الله تعالى له ففعل، وفي بعض الآثار أن إحياءه ساماً كان بعد قولهم له عليه السلام إنك تحيـى من كان قريب العهد من الموت ولعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتة فأحي لنا سام بن نوح فأحياه وكان بينه وبين موته أكثر من أربعة آلاف سنة فقال للقوم: صدقوه فإنه نبـي فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا: هذا سحر فأرنا آية فنبأهم بما يأكلون وما يدخرون، وقد ورد أيضاً أنه عليه السلام أحيا ابن ملك ليستخلفه في قصة طويلة، وأحيا خشفاً وشاة وبقرة؛ ولفظ {ٱلْمَوْتَىٰ } يعم كل ذلك. {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } (ما) في الموضعين موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف ـ أي تأكلونه وتدخرونه ـ والظرف متعلق بما عنده وليس من باب التنازع، والادخار ـ الخبء ـ وأصل تدخرون تذتخرون بذال معجمة فتاء فأبدلت التاء ذالاً ثم أبدلت الذال دالاً وأدغمت، ومن العرب من يقلب التاء دالاً ويدغم، وقد كان هذا الإخبار بعد النبوة وإحيائه الموتى عليه السلام على ما في بعض الإخبار، وقيل: قبل، فقد أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: كان عيسى عليه السلام وهو غلام يلعب مع الصبيان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم فيقول: خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها: أطعميني ما خبأت لي فتقول: وأي شيء خبأت لك؟ فيقول: كذا وكذا فتقول: من أخبرك؟! فيقول: عيسى ابن مريم فقالوا: والله لأن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوه عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاهم في بيت فسأل عنهم فقال: ما هؤلاء أكان هؤلاء الصبيان؟ قالوا: لا إنما هي قردة وخنازير قال: اللهم اجعلهم قردة وخنازير فكانوا كذلك، وذهب بعضهم أن ذلك كان بعد نزول المائدة وأيد بما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في الآية أنه قال: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } من المائدة {وَمَا تَدَّخِرُونَ } منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا فادخروا وخانوا فجعلوا قردة وخنازير، ويمكن أن يقال: إن كل ذلك قد وقع ـ وعلى سائر التقادير ـ فالمراد الاخبار بخصوصية هذين الأمرين كما يشعر به الظاهر، وقيل: المراد الإخبار بالمغيبات إلا أنه قد اقتصر على ذكر أمرين منها ولعل وجه تخصيص الإخبار بأحوالهم لتيقنهم بها فلا يبقى لهم شبهة، والسر في ذكر هذين الأمرين بخصوصهما أن غالب سعي الإنسان وصرف ذهنه لتحصيل الأكل الذي به قوامه والادخار الذي يطمئن به أكثر القلوب ويسكن منه غالب النفوس فليفهم. وقرىء ـ تذخرون ـ بالذال المعجمة والتخفيف. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي المذكور من الخوارق الأربعة العظيمة، وهذا من كلام عيسى عليه السلام حكاه الله تعالى عنه، وقيل: هو من كلام الله تعالى سيق للتوبيخ {لأَيَةً } أي جنسها، وقرىء لآيات {لَكُمْ } دالة على صحة الرسالة دلالة واضحة حيث لم يكن ذلك بتخلل آلات وتوسط أسباب عادية كما يفعله الأطباء والمنجمون. ومن هنا يعلم أن علم الجفر وعلم الفلك ونحوهما لما كانت مقرونة بأصول وضوابط لا يقال عنها: إنها علم غيب أبداً إذ علم الغيب شرطه أن يكون مجرداً عن المواد والوسائط الكونية وهذه العلوم ليست كذلك/ لأنها مرتبة على قواعد معلومة عند أهلها لولاها ما علمت تلك العلوم، وليس ذلك كالعلم بالوحي لأنه غير مكتسب بل الله تعالى يختص به من يشاء وكذا العلم بالإلهام فإنه لا مادة له إلا الموهبة الإلهية والمنحة الأزلية، على أن بعضهم ذهب إلى أن تلك العلوم لا يحصل بها العلم المقابل للظن بل نهاية ما يحصل الظن الغالب وبينه وبين علم الغيب بون بعيد، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فيه مجاز المشارفة أي إن كنتم موفقين للإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى إن كنتم مصدقين، وجواب الشرط على التقديرين محذوف أي انتفعتم بذلك.

الواحدي

تفسير : وقوله: {ورسولاً إلى بني إسرائيل} أَيْ: ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل {أني} أَيْ: بأنِّي {قد جئتكم بآية من ربكم} وهي {أني أخلق} أَيْ: أُقدِّر وأُصوّر {كهيئة الطير} كصورته {وأبرىء الأكمه} وهو الذي وُلد أعمى {والأبرص} أَيْ: الذي به وَضَحٌ [أي: بياضٌ] {وأُنبئكم بما تأكلون} في غدوكم {وما} كم {تدخرون} لباقي يومكم. {ومصدِّقاً} أَيْ: وجئتكم مُصدِّقاً {لما بين يدي} أَي: الكتاب الذي أنزل من قبلي {ولأُحلَّ لكم بعض الذي حرّم عليكم} أحلَّ لهم على لسان المسيح لحوم الإِبل، والثُّروب، وأشياء من الطَّير، والحيتان ممَّا كان محرَّماً في شريعة موسى عليه السَّلام {وجئتكم بآية من ربكم} أَيْ: ما كان معه من المعجزات الدَّالَّة على رسالته، ووحَّدَ لأنَّها كلَّها جنسٌ واحدٌ في الدَّلالة. {فلما أَحسَّ عيسى} علم ورأى {منهم الكفر} وذلك أنَّهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله تعالى، فاستنصر عليهم، و {قال مَنْ أنصاري إلى الله} أَيْ: مع الله، وفي ذات الله {قال الحواريون} وكانوا قصَّارين يحوّرون الثِّياب، أَيْ: يُبيِّضونها، آمَنوا بعيسى واتَّبعوه: {نحن أنصار الله} أنصار دينه {آمنا بالله واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} وقوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} مع الذين شهدوا للأنبياء بالصِّدق، والمعنى: أَثْبِتْ أسماءنا مع أسمائهم؛ لنفوز بمثل ما فازوا. {ومكروا} سعوا في قتله بالمكر {ومكر اللَّهُ} جازاهم على مكرهم بإلقاء شبه عيسى على مَنْ دلَّ عليه حتى أُخذ وصُلب {والله خير الماكرين} أفضل المجازين بالسَّيئةِ العقوبةَ، لأنَّه لا أحد أقدر على ذلك منه. {إذ قال الله يا عيسى} والمعنى: ومكر الله إذ قال الله يا عيسى: {إني متوفيك} أَيْ: قابضك من غير موتٍ وافياً تاماً، أَيْ: لم ينالوا منك شيئاً {ورافعك إليَّ} أَيْ: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعاً إليه للتَّفخيم والتَّعظيم، كقوله: {أية : إني ذاهبٌ إلى ربي} تفسير : وإنَّما ذهب إلى الشَّام، والمعنى: إلى أمر ربِّي {ومطهِّرك من الذين كفروا} أَيْ: مُخرجك من بينهم {وجاعل الذين اتبعوك} وهم أهل الإِسلام من هذه الأمَّة. اتَّبعوا دين المسيح وصدَّقوه بأنَّه رسول الله، فواللَّهِ ما اتَّبعه مَنْ دعاه ربّاً {فوق الذين كفروا} بالبرهان والحُجَّة والعزِّ والغلبة. {ذلك} أَيْ: ما تقدَّم من النَّبأ عن عيسى ومريم عليهما السَّلام {نتلوه عليك} نخبرك به {من الآيات} أَي: العلامات الدَّالَّة على رسالتك؛ لأنَّها أخبارٌ عن أمورٍ لم يشاهدها ولم يقرأها من كتاب {والذكر الحكيم} أَي: القرآن المحكم من الباطل. وقيل: الحكيم: الحاكم، بمعنى المانع من الكفر والفساد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 49- ويبعثه رسولا إلى بنى إسرائيل، مستدلا على صدق رسالته بمعجزات من الله، هى أن يصور لكم من الطين صورة مثل صورة الطير، ينفخ فيها فتحل فيها الحياة وتتحرك طائراً بإرادة الله، ويشفى بتقدير الله من وُلِدَ أعمى فيبصر، ومن به برص فيزول برصه، ويعيد الحياة إلى من فقدها. كل ذلك بإذن الله وإرادته، ويخبرهم بما يدَّخرون فى بيوتهم من مأكول وغيره، ويقول لهم: إن هذه الآيات التى أظهرها الله على يدىَّ حجة على أن رسالتى حق إن كنتم ممن يذعنون له ويصدقون به. 50- وأُرسلت إليكم مصدقاً لشريعة التوراة التى نزلت على موسى، ولأبيح لكم بأمر الله بعض ما حُرِّم عليكم من قبل، وقد جئتكم بآية من الله على صدق رسالتى. فاتقوا الله وأطيعون. 51- إن الله الذى أدعوكم إليه هو - وحده - ربى وربكم فاعبدوه وأخلصوا العبادة له، فإن هذا هو الطريق الذى لا عوج فيه. 52- ولما جاء عيسى - عليه السلام - دعا قومه إلى الصراط المستقيم، فأبى أكثرهم، فلما علمَ منهم ذلك اتجه إليهم منادياً: من يناصرنى فى هذا الحق الذى أدعو إليه؟ فأجابه خاصة المؤمنين بالله وبه: نحن نؤيدك وننصرك لأنك داع إلى الله، واشهد بأنا مخلصون لله منقادون لأمره. 53- ونحن نقول: يا ربنا، صدَّقنا بكتابك الذى أنزلته على نبيك، وامتثلنا أمر رسولك عيسى - عليه السلام - فاكتبنا من الشاهدين لرسولك بالتبليغ، وعلى بنى إسرائيل بالكفر والجحود. 54- أما الجاحدون فقد دَبَّروا تدبيراً خفياً يحاربون به دعوة عيسى، فأبطل الله كيدهم فلم ينجحوا فيما أرادوا، والله أحكم المدبرين وأقواهم.

القطان

تفسير : الأكمه: الذي وُلد أعمى. البرص: داء خبيث يُحدث بياضاً في الجلد ويجعله يتقشر، ويسبب للمصاب به حكَاً مؤلما. لقد خلق الله عيسى ابن مريم على حال خاصة وبعثه رسولاً الى بني اسرائيل مستدلاًّ على صدق رسالته اليهم بمعجزات من الله قائلا: لقد جئتكم بهذه المعجزات من عند الله، فأنا أصوِّر لكم من الطين مثل صورة الطير ثم أَنفخ فيها فتحيا طيوراً عادية بارادة الله، وأشفي الأعمى فيعود بصيرا، والأبرص فيبرأ من دائه، بل وأُحيي الموتى، وكل ذلك بإذن الله وارادته. وأُخبركم بما تدّخرون في بيوتكم من مأكول وغيره. ان كل هذه المعجزات إنما أظهرها الله على يديّ حجةً قاطعة على صحة نبوّتي وصدق رسالتي إليكم لعلّكم تؤمنون بي وتصدّقونني. لقد جئتكم مصدّقاً لشريعة توراة موسى لا ناسخاً لها ولا مخالفاً لشيء من أحكامها، لأخفّف عنكم بعض الأحكام المشددة فيها، فأُحِل لكم بعض الذي حُرم عليكم فيها. ومن واجبكم ان تخشوا الله وتطيعوني، فهو ربي وربكم، فاعبدوه وأخلصوا له الطاعة. فليس ما أمرتكم به الا الطريق السويّ الذي أجمع عليه الرسل كلهم قبلي، لأنه هو الموصلُ الى خير الدنيا والآخرة. من هذا يتبين ان عيسى عليه السلام نبيّ مرسَل، لم يدّع أنه إلَه او ابن الإلَه. قراءات: قرأ أهل المدينة ونافع "فيكون طائرا باذن الله"، وقرأ نافع "اني اخلق" بكسر همزة ان.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} {بِآيَةٍ} {أُحْيِ} (49) - وَإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ رَسُولاً إلى بَني إسْرَائِيلِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إنَّهُ رَسُولُ اللهِ إَلَيْهم، وَإنَّ اللهَ أَعْطَاهُ آياتٍ وَمُعْجِزاتٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ، مِنْهَا أنَّهُ كَانَ يُصَوِّرُ لَهُمْ مِنَ الطِّين كَهَيْئةِ الطَّيرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ، بِإِذْنِ اللهِ، فَتَدُبُّ فِيهِ الحَيَاةُ وَيَطِيرُ. وَأنّهُ كَانَ يُبِرئُ الأكَمَهَ الذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى، وَيُبْرِئُ الأَبْرَصَ - وَالبَرَصُ دَاءٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَوَاءٌ وَلاَ شِفَاءٌ - وَأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ، وَيُنْبِئُهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ أنْواعِ المَآكِلِ، وَبِمَا يَدَّخِرُونَهُ فِيهَا إلى الغَدِ. وَفي كُلِّ ذَلِكَ آيةٌ وَمُعْجِزَةٌ تَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِيما جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ، إنْ كَانُوا مُؤْمِنينَ مُصَدِّقِينَ بِحُجَجِ اللهِ وَآيَاتِهِ، مُقِرِّينَ بِوحدَانِيَّتِهِ. الأكَمَهَ - الأعْمَى الذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى. الأبْرَصَ - مَنْ بِهِ دَاءُ البَرَصِ. أَخْلُقُ لَكُمْ - أصَوِّرُ لَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن كلمة رسول تحتاج إلى علامة، فليس لأي أحد أن يقول: "أنا رسول من عند الله" بل لا بد أن يقدم بين يدي دعواه معجزة تثبت أنه رسول من الله. والآية كما نعرف هي الأمر العجيب الذي خرج عن القوانين والنواميس لتثبت صدق الرسول في البلاغ، وما دامت المعجزة خارجة عن نواميس البشر، فالمخالف نقول له: أنت حين تكذب أن حامل المعجزة رسول، فكيف تعلل أنه جاء بمعجزة خرجت عن الناموس؟ إذن، فالمعجزة تلزم المنكر الذي يتحدى وتفحمه، لأنه لا يستطيع أن يأتي بمثلها، ولذلك قلنا: إن من لزوم التحدي ألا يتحدى الله حين يعطي رسولاً معجزة إلا بشيء نبغ فيه القوم المبعوث إليهم ذلك الرسول؛ لأن الحق لو جاء لهم بشيء لم يدرسوه ولم يعرفوه، فالرد منهم يكون للرسول بقولهم: إن هذا أمر لم نروّض أنفسنا ولم ندربها عليه، ولو روّضنا أنفسنا عليه لا ستطعنا أن نفعل مثله، وأنت قد جئت لنا بشيء لم نعود أنفسنا عليه، لذلك يرسل الحق الرسول - أي رسول - بمعجزة من جنس ما ينبغ فيه القوم المرسل إليهم .. مثال ذلك، موسى عليه السلام، أرسله الله إلى قوم كانوا نابغين في السحر، فكانت معجزته تقرب من السحر. وإياك أن تقول إن معجزة موسى كانت سحراً؛ لأن موسى عليه السلام لم ينزل بسحر ولكن بمعجزة. كانوا هم يخيلون للناس أشياء ليست واقعاً لذلك تجد القرآن يعطيك الفارق بين ما يكون عليه ما يأتي به الله على يد رسول من الرسل من معجزة وسحر القوم، فيقول القرآن: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 17-20]. كأن الحق يقول لموسى عليه السلام: إن حدود علمك بما في يدك أنها عصا تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك، أما علمي أنا فهو علم آخر. لذلك يأمره أن يلقى العصا، فلما ألقاها وجدها حية تسعى، فأوجس في نفسه خيفة .. إن "أوجس في نفسه خيفة" هي التي فرقت بين سحر القوم ومعجزة موسى عليه السلام. لماذا؟ لأن الساحر يلقى العصا فيراها الناس حية وهو يراها عصا لأنّ الساحر لو رآها حية لخاف مثل الناس، لقد خاف موسى عليه السلام لأنها تغيرت وصارت حية فعلاً، ولذلك قال له الله: {أية : قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ}تفسير : [طه: 21]. فلو كانت من جنس السحر لما أوجس في نفسه خيفة لأنه سوف يراها عصا وإن رآها غيره حية، وهذا هو الفارق. وقوم عيسى أيضاً كانوا مشهورين بالحكمة والطب، إذن فستجيء الآيات من جنس الحكمة والطب، ثم تتسامى المعجزة، لأن الذي يطبب جسماً ويداويه لا يستطيع أن يعيد الميت إلى الحياة، لأن الإنسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن دائرة علاج الطبيب. ولذلك رقّى الله آية عيسى، إنه يشفي المرضى، ويحيى الموتى أيضاً، وهذا تَرَقٍ في الإعجاز. قال عيسى: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 49]. إن كلمة "أخلق" تحتاج إلى وقفة وكذلك "الطين" و"الهيئة" و"الطير". "أخلق" مأخوذة من الخلق، والخلق هو إيجاد شيء على تقدير، فأنت تتخيله وتقدره في ذهنك أولاً ثم تأتي به على هذه الحالة. فإن كان قد أتى على غير تقديرك فليس خلقاً، إنما هو شيء جزافى جاء على غير علم وتقدير، وإنّ من يأخذ قطعة من الطين ويصنع منها أي شيء فهذا ليس خلقاً. إن الخلق هو المطلوب على تقدير. مثال ذلك الكوب أو الكأس البلور الذي نشرب فيه حينما صنعه الصانع. هل كانت هناك شجرة تخرج أكواباً، أم أن الصانع أخذ الرمال وصهرها ووضع عليها مواد كيماوية تخليها من الشوائب، ثم قام بتشكيلها على هيئة الكوب؟ إذن فالكوب لم تكن موجودة، ووجدت على تقدير أن تكون شكل الكوب، فهي خلق أُوجد على تقدير. فماذا عن خلق الله؟ إنه يخلق على تقدير، وفرق بين صنعة البشر حين يخلق، وبين صنعة الله حين يخلق. إن صنعة البشر حين تخلق، إنما تخلق من موجود، وحين يخلق الله فهو يخلق من معدوم، وهذا هو أول فرق، إنه سبحانه يخلق من عدم، أما الإنسان فيضع الأشياء بنظام يحدث فيها تفاعلات أرادها الله فتوجد، فلا يوجد من يستطيع - على سبيل المثال - من يصنع كوباً من غير المادة التي خلقها الله. إن هذا أول فرق بين خلق الله، وخلق الإنسان، فخلق الله يكون من عدم، وخلق الإنسان من موجود، وإن كان الإثنان على تقدير. وأيضاً يعطي الله لخلقه سراً لا يستطيع البشر إعطاءه لصنعته، فالله يعطيه سر الحياة, والحياة فيها نمو، وفيها تكاثر، لكن البشر يصنعون الكوب مثلاً، فتظل كوباً، ولا يوجد تكاثر بين كوب ذكر وكوب أنثى. إن الإنسان يوجد صنعته فتظل على حالتها، ولا يستطيع أن يصنعها صغيرة ثم تكبر، لكن صنعة الله هي صنعة القادر الذي يهب الحياة، فتكبر مخلوقاته وتتطور وتمر بمراحل، وتعطي مثلها. إذن، فالخلق إيجاد على تقدير، هذا الإيجاد يوجد معدوماً، والمعدوم موجودة مادته، هذا في خلق الإنسان، أما في خلق الله، فالله يخلق من معدوم لا توجد له مادة. والله يخلق من الشيء ذكراً وأنثى ويعطيهما القدرة على التناسل، فها هو ذا قول الحق سبحانه: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 12-14]. ولم يمنع الحق خَلْقَه أن يخلقوا أشياء، ولكن خلق الله أحسن، لماذا؟ لأنه يخلق من عدم، والبشر يخلقون من موجود. وهو الحق يخلق ويوجد في مخلوقاته حياة وتكاثر، والبشر يخلقون بلا نمو ولا حياة، إنه الحق أحسن الخالقين، إذن قول عيسى عليه السلام: {أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ "ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 49]. يعني أن كل إنسان يستطيع أن يصنع تمثالاً كهيئة الطير. لكن الله أوجد معجزة عيسى وجعله يخلق من الطين كهيئة الطير، وينفخ فيه، وقد تسأل، في ماذا ينفخ؟ أينفخ في الطير، أم في الطين، أم في الهيئة؟ إن قلنا: أن النفخ في الطين بعد ما صار طيراً. يكون النفخ في الطين، كالنفخ في الطير، وجاءت في آية أخرى أنها نفخ في الهيئة. {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ..}تفسير : [المائدة: 110]. إن "النفخ فيه"، تكون للطين أو الطير. و"النفخ فيها" تكون للهيئة، وهناك آية بالنسبة للسيدة مريم البتول: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12]. إن النفخ هنا في الفرج، وآية أخرى بالنسبة للسيدة مريم البتول: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 91]. مرة يقول: "نفخنا فيه" أي في الفرج، ومرة يقول: "نفخنا فيها" أي فيها هي، والقولان متساويان، وهنا في هذه الآية، نجد أن الإعجاز ليس في أن عيسى صنع من الطين كهيئة الطير، لأن أي إنسان يستطيع أن يفعل ذلك، فكأنه حينما قال: {أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 49]. كأنه صار طيراً من النفخة، أما عن أمر صناعة طير من الطين فأي إنسان يمكن أن يفعلها، لكن عيسى عليه السلام يفعل ذلك بإذن الله، ولا بد أن يجيء الأمر مختلفاً، و"بإذن الله" هنا تضم صناعة الطير، والنفخ فيه. إن عيسى لم يكن ليجترئ ويصنع ذلك كله إلا بإذن الله، وجاءت كلمة "بإذن الله" من عيسى وعلى لسانه كاعتراف منه بأن ذلك ليس من صناعته، وكأنه يقول لقومه: إن كنتم فتنتم بهذه. فكان يجب أن تفتنوا بإبراهيم من باب أولى، حينما قطَّع الطير وجعل على كل جبل جزءا منهن ثم دعاهن.{أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 260]. إذن كان من الأولى الفتنة بما أعطاه الله إبراهيم عليه السلام من معجزة، فإن كانت الفتنة من ناحية الإحياء لكان ما صنعه إبراهيم عليه السلام أولى بها، وإن كانت الفتنة من ناحية أنه جاء إلى الدنيا بدون أب لكانت الفتنة أكثر في خلق آدم، لأن الله خلقه بلا أب أو أم. إذن فالفتنة لا أصل لها, ولا منطق يبررها .. ويتابع الحق سبحانه على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 49]. لماذا تعرض عيسى ابن مريم لهذين المرضين؟ لأنها كانت الأمراض المستعصية في ذلك العصر، والأكمه هو الذي ولد أعمى, أي لم يحدث له العمى من بعد ميلاده. والبرص، هو ابيضاض بقعة في الجلد وإن كان صاحبها آدم أو أسود. وبعد ذلك تنتشر بقع متناثرة في كافة الجسم بلون أبيض، مما يدل على أن لون الجلد له كيماويات في الجسم تغذي هذا اللون، فإن مُنعت الكيماويات في الجسم صار أبرص. وتبين صدق هذا في أن العلم المعاصر قد عرف أن الملونات للجلد هي غدد خاصة توجد في الجسم، واسمها الغدد الملونة، فإن امتنعت الغدد الملونة من إعطاء الألوان، جاء البرص والعياذ بالله. وهو مرض صعب، لم يكن باستطاعتهم أن يداووه، فعندما جاء عيسى ابن مريم أعطاه الله الآية من جنس ما نبغوا فيه وهو الطب. وجاء لهم بآية هي إبراء ما كانوا عاجزين عنه. وبعض القوم الذين يحاولون أن يقربوا بين المعجزة وعقول الناس. يقولون: إن هذه المعجزات إنما هي سبق زمني، بمعنى أنه من الممكن أن يتوصل الإنسان إلى أن يكتشف علاجاً لهذه الأمراض، لكن لهؤلاء نقول: لا، إن المعجزة تظل معجزة إلى أن تقوم الساعة. كيف؟ لنأخذ مثالاً من طب العيون، عندما قالوا إن هناك علاجاً للعمى. "سنقوم بتركيب قرنية" أو أن نأخذ مثالاً من طب الجلد لو قالوا: "سنداوي البرص" واكتشفوا ألوانا مختلفة من العلاج تحاول أن تجعل الجلد على لون واحد، لكنه لا يستعيد لونه الأصلي. ولذلك قال البعض: "إن معجزة عيسى كانت مجرد سبق زمني". لهؤلاء نقول: لا، لنأخذ كل أمر بأداوته. إن عيسى بن مريم عليه السلام كان يبرئ بالكلمة والدعوة ومهما تقدم العلم فلن يستطيع العلم أن يبرئ المرض بالكلمة والدعوة، إنما سيأخذون أشياء ويقومون بتحليل تلك الأشياء، وخلط الكيماويات وإجراء الجراحات، لذلك تظل المعجزة التي جاء بها عيسى ابن مريم عليه السلام معجزة؛ لأنه كان يبرئ بالكلمة والدعوة. ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم: {وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ} [آل عمران: 49]. ومسألة إحياء الموتى لم يأخذها عيسى هكذا على إطلاقها فيحيي كل ميت، إنما قام بها وفي وحدات تثبت صدق الآية ولا تعمم مدلول المعجزة كسام بن نوح مثلاً، و"عازر" إنها أشياء لمجرد إثبات المعجزة، ولكنها ليست مطلقة، ذلك أنه نبي ورسول من الله فلا يمكن أن يصادم قدر الله في الآجال. ولذلك قالوا إنه عندما أحيا سام بن نوح، أحياه حتى نطق بكلمة، ثم عاد سام إلى الموت من بعد ذلك ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ..} [آل عمران: 49]. لماذا؟ لأن كل إنسان يعلم جزئية من أحداثه الحياتية الخاصة، يكون هذا العلم خاصاً به، وكل إنسان - مثلاً - يأكل طعامه بألوان مختلفة يعرفها هو، ولا يعرفها الآخرون. إن الأمر الأول كخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، هي أمور عامة للكل. أما الإنباء بألوان الطعام التي يأكلها كل إنسان فهي خاصية أحداث، لأن كل واحد يأكل أكلاً معيناً فيقول له عيسى ابن مريم ماذا أكل. وليس من المعقول أن يكون عيسى ابن مريم قد دخل كل بيت أو جاءت له أخبار عن كل بيت. وكذلك أمر الادخار. وذلك حتى تنتفي شبهة أنه كان يشم رائحة الإنسان فيعرف لون الطعام الذي يأكله، لذلك كان الإخبار بما يدخر كل واحد في بيته، فهذه مسألة توضح بالجلاء التام أنها آية من إخبار من يعلم مغيبات الأمور. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]. إن هذه آية عجيبة تثبت أن هناك قوة أعلى قاهرة هي قوة الله الحق هي التي تعطيه هذه الأشياء، فإن كنتم مؤمنين بوجود قوة أعلى فعليكم تصديق الرسالة التي جاء بها عيسى ابن مريم، لأن معنى (رسول) أنه مخلوق اصطفاه الله وأرسله سبحانه إلى الأدنى منه، فالذي يؤمن بالآية هو الذي يؤمن بوجود إله أعلى قادر ومن يريد أن يتثب - مع إيمانه بالله - من الآية التي بعثها الله مع عيسى ابن مريم، فالآية واضحة. أما غير المؤمن بالله فلن تفيده الآية في الإيمان. ويقول الحق متابعاً على لسان عيسى ابن مريم: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ} فالأَكمَهُ: الذي تَلِدُهُ أُمُّهُ أَعمى، والجمعُ الكُمْهُ.

همام الصنعاني

تفسير : 405- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ}: [الآية: 49]، قال: الأكمه، الأعمى. 406- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}: [الآية: 49]، قال: أُنَبِّئكم بما تأكلون من المائدة وما تَدَّخِرُونَ منها. قال: وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت: أن يأكلوا ولا يدّخروا، فادِّخَرُوا وخانوا، فجُعِلُوا خنازير حين ادخروا، فذلك قوله تعالى: {أية : فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : : [المائدة: 115]. قال معمر: ذكره قتادة عن خِلاس بن عمرو، عن عمّار بن ياسر.