٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه عليه السلام لما بيّن بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولاً من عند الله تعالى، بيّن بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما: قوله {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ }. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قد ذكرنا في قوله {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } تفسير : [آل عمران: 49] أن تقديره وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } فقوله {وَمُصَدّقًا } معطوف عليه والتقدير: وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ }، وإني بعثت {مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها. المسألةالثانية: إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة، ولعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين. وأما المقصود الثاني: من بعثة عيسى عليه السلام قوله {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ }. وفيه سؤال: وهو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرماً عليه في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض قوله {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ }. والجواب: إنه لا تناقض بين الكلام، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة، وأيضاً إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضاً للتوراة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه عليه السلام ما غير شيئاً من أحكام التوراة، قال وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس، ثم إنه فسّر قوله {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } بأمرين أحدهما: إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى: {أية : فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } تفسير : [النساء: 160] ثم بقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم، وقال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة، ولم يكن ذلك قادحاً في كونه مصدقاً بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائماً مقامه وكان محقاً في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق. ثم قال: {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعاً في قلوبهم ومؤثراً في طباعهم، ثم خوفهم فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبيّن أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي، ثم إنه ختم كلامه بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون: إنه إلٰه وابن إلٰه لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه، ثم قال: {فَٱعْبُدُوهُ } والمعنى: أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم أكد ذلك بقوله {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ }.
القرطبي
تفسير : {وَمُصَدِّقاً} عطف على قوله: «ورَسُولاً». وقيل: المعنى وجئتكم مصدقاً. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ} لما قِبلي. {وَلأُحِلَّ لَكُم} فيه حذف، أي ولأحل لكم جئتكم. {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} يعني من الأطعمة. قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حُرّم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرّمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرّمة عليهم. قال أبو عبيدة: يجوز أن يكون «بعض» بمعنى كل؛ وأنشد لِبيد:شعر : تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها أو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها تفسير : وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع، لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرّمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة. والدليل على هذا أنه روى عن قتادة أنه قال: جاءهم عيسى بألْيَن مما جاء به موسى صلَّى الله عليهما وعلى نبينا؛ لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياءَ من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها. وقرأ النَّخَعيّ {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} مثل كرم، أي صار حراماً. وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا ٱنضمت إليه قرينة تدل عليه؛ كما قال الشاعر:شعر : أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاستبقِ بعضَنا حَنَانَيْك بعضُ الشر أهْوَنُ من بعِض تفسير : يريد بعض الشر أهون من كله. {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} إنما وَحَّدَ وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} جئتكم { مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ } قبلي {مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ لأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } فيها فأحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له. وقيل أحل الجميع فـ (بعض) بمعنى (كل) {وَجِئْتُكُمْ بئَايَةٍ مّن رَّبِّكُمْ } كرّره تأكيداً وليبني عليه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته.
ابن عطية
تفسير : قوله: {مصدقاً} حال معطوفة على قوله: {أية : إني قد جئتكم بآية} تفسير : [آل عمران: 49]، لأن قوله {بآية} في موضع الحال، وكان عيسى عليه السلام مصدقاً للتوراة متبعاً عاملاً بما فيها، قال وهب بن منبه: كان يسبت ويستقبل بيت المقدس، وقال قتادة في تفسير قوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}، كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، وقال ابن جريج، أحل لكم لحوم الإبل والشحوم، قال الربيع: وأشياء من السمك، وما لا صيصية له من الطير، وكان في التوراة محرمات تركها شرع عيسى على حالها، فلفظة "البعض" على هذا متمكنة، وقال أبو عبيدة: "البعض" في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة وأنشد أبو عبيدة شاهداً على قوله بيت لبيد: [الكامل] شعر : ترَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذا لمْ يَرْضَها أو يخترمْ بعضَ النفوسِ حِمامُها تفسير : وليست في البيت له حجة لأن لبيداً أراد نفسه فهو تبعيض صحيح، وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: {حرم عليكم} إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة "إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى، وقال عكرمة: "حرم عليكم" بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور {وجئتكم بآية} وفي مصحف عبد الله بن مسعود، "وجئتكم بآيات" من ربكم، وقوله تعالى: {فاتقوا الله وأطيعون} تحذير ودعاء إلى الله تعالى. وقرأ جمهور الناس {إن الله ربي وربكم} بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه قوم "أن الله ربي وربكم" بفتح الألف قال الطبري: "إن" بدل من "آية"، في قوله {جئتكم بآية}، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وقوله {هذا صراط مستقيم} إشارة إلى قوله: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه}، وهو لأن ألفاظه جمع الإيمان والطاعات، والصراط، الطريق، والمستقيم، الذي لا اعوجاج فيه.
الخازن
تفسير : {ومصدقاً} قيل: إنه عطف على قوله ورسولاً وقيل إنه عطف على أني قد {جئتكم بآية من ربكم} والمعنى وجئتكم مصدقاً {لما بين يدي من التوراة} وذلك لأن الأنبياء عليهم السلام يصدق بعضهم بعضاً فكل واحد منهم يصدق الذي قبله ويصدق بما أنزل الله من الكتب والشرائع والأحكام فلهذا قال عيسى عليه السلام مصدقاً لما بين يدي من التوراة {ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم} قال وهب بن منبه: أن عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس وقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلاّ لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وأضع عنكم الآصار وذلك أن الله تعالى كان قد حرم على اليهود بعض الأشياء عقوبة لهم على بعض ما صدر منهم من الخيانات كما قال تعالى: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} تفسير : [النساء: 160] فبقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود إلى أن جاء عيسى عليه السلام فرفع عنهم تلك التشديدات التي كانت عليهم وقال قتادة: كان الذي جاء به عيسى الين من الذي جاء به موسى وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب والشحوم وأشياء من الطير والحيتان زاد بعضهم فجاءهم عيسى بالتخفيف وأحلها لهم وقال آخرون إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة ورفع السبت ووضع الأحد وكان ذلك كله بأمر الله فكان ذلك ناسخاً لتلك الأحكام والشرائع والناسخ والمنسوخ حق وصدق {وجئتكم بآية من ربكم} أي بحجة واضحة شاهدة على صحة رسالتي ثم خوفهم بقوله {فاتقوا الله} يعني يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه {وأطيعون} يعني فيما أدعوكم إليه لأن طاعة الرسول من توابع تقوى الله وما أدعوكم إليه هو قولي {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} لأن جميع الرسل كانوا على دين واحد وهو التوحيد ولم يختلفوا في الله تعالى وفي هذه الآية حجة بالغة على نصارى وفد نجران ومن قال بقولهم من سائر النصارى بإخبار الله عن عيسى عليه السلام أنه كان بريئاً مما نسبه إليه النصارى وأنه كان عبدالله وخصه بنبوته ورسالته ثم ختم ذلك بقوله: {هذا صراط مستقيم} يعني التوحيد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن وهب. أن عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام، وكان يسبت، ويستقبل بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل: أني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة الا {ولأُحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم} وأضع عنكم من الآصار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم} قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم الشحوم، فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير ما لا صيصية له، وفي أشياء أخر رحمها عليهم وشدد عليهم فيها. فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وجئتكم بآية من ربكم} قال: ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها وما أعطاه ربه.
ابو السعود
تفسير : {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ} عطفٌ على المضمر الذي تعلَّق به قولُه تعالى: {بآيَةٍ} أي قد جئتُكم ملتبساً بآية الخ ومصدِّقاً لما بـين يديَّ الخ أو على {رَسُولاً} على الأوجه الثلاثةِ فإن مصدِّقاً فيه معنى النُطقِ كما في رسولاً، أي ويجعله مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو ويقول: «أُرسلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم» الخ و«مصدقاً» الخ أو حالَ كونه «مصدقاً بأني أُصدّق» الخ أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه «قد جئتُكم مصدقاً» الخ وقولُه: {مِنَ ٱلتَوْرَاةِ} إما حالٌ من الموصول والعاملُ {مُصَدّقاً} وإما من ضميره المستترِ في الظرف الواقعِ صلةً والعاملُ الاستقرارُ المُضْمرُ في الظرف أو نفسُ الظرف لقيامه مَقامَ الفعل {وَلاِحِلَّ لَكُم} معمولٌ لِمُضمرٍ دل عليه ما قبله أي «وجئتكم لأُحِل» الخ وقيل: عطفٌ على معنى مصدقاً كقولهم: جئتُه معتذراً ولأجتلِبَ رضاه كأنه قيل: «قد جئتُكم لأصدِّق ولأحِل» الخ وقيل: عطفٌ على {بِآيَةٍ} أي «قد جئتُكم بآية من ربكم ولأُحِلَّ لكم» {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ} أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام من الشحومِ والثُروبِ والسمكِ ولحومِ الإبلِ والعملِ في السبت، قيل: أحَلَّ لهم من السمك والطير ما لا صئصئة له، واختلف في إحلال السبت، وقرىء حَرَّم على تسمية الفاعل وهو ما بـين يديّ أو الله عز وجل، وقرىء حَرُم بوزن كَرُم وهذا يدل على أن شرعَه كان ناسخاً لبعض أحكام التوراةِ ولا يُخِل ذلك بكونه مصدِّقاً لها لما أن النسخَ في الحقيقة بـيانٌ وتخصيصٌ في الأزمان، وتأخيرُ المفعول عن الجارِّ والمجرور لما مر مراراً من المبادرة إلى ذكر ما يسُرُّ المخاطَبـين وللتشويق إلى ما أُخِّر {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} شاهدةٍ على صحة رسالتي وقرىء بآيات {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في عدم قَبولها ومخالفةِ مدلولها {وَأَطِيعُونِ} فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك الآية هي قولي:
اسماعيل حقي
تفسير : {ومصدقا} اى قد جئتكم ملتبسا بآية الخ ومصدقا {لما بين يدى} اى لما تقدمني {من التوراة} اى موافقا على ما كان قبلى {و} جئتكم {لا حل لكم} لان ارخص لكم {بعض الذى حرم عليكم} اى فى شريعة موسى عليه السلام من لحوم السمك ولحوم الابل والشحوم والثروب جمع ثرب وهو شحم رقيق يتصل بالامعاء ولحم كل ذى ظفر فاحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا اصطبة له وهى شوكة الحائك التى يسوى السد او اللحمة {وجئتكم} ملتبسا {بآية من ربكم} ببرهان بين شاهد على صحة رسالتى {فاتقوا الله} فى عدم قبولها ومخالفة مدلولها {واطيعون} فيما آمركم به وانهاكم عنه بامر الله تعالى وتلك الآية هى قوله {ان الله ربى وربكم فاعبدوه} ولا تعصوه بالشرك {هذا} اى الايمان بالله ورسوله والطاعة {صراط مستقيم} طريق سوى يؤدى صاحبه الى الجنة وهو الحق الصريح الذى اجمع عليه الرسل قاطبة فتكون آية بينة على انه عليه السلام من جملتهم فقوله {ان الله ربى وربكم} اشارة الى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذى غايته التوحيد وقال {فاعبدوه} اشارة الى استكمال القوة العلمية فانه يلازم الطاعة التى هى الاتيان بالاوامر والانتهاء عن المناهى ثم قرر ذلك بان بين ان الجمع بين الامرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : قل آمنت ثم استقم ".تفسير : فالعلم والعمل هو الطريق من مبادى الاستقامة فعليك بالتمسك بالحجة القوية. وسئل الجنيد: كيف السبيل الى الانقطاع الى الله فقال بتوبة تزيل الاصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وذكر الله تعالى على اختلاف الاوقات واهانة النفس بقربها من الاجل وبعدها من الامل قيل له فبماذا يصل العبد الى هذا فقال بقلب مفرد فيه توحيد مجرد. وقال الحسن البصرى رضى الله عنه ما طلب رجل هذا الخير يعنى الجنة الا اجتهد ونحل وذبل واستمروا ستقام حتى يلقى الله تعالى اما ترى الى قوله تعالى {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} تفسير : [فصلت: 30]. واعلم ان الاستقامة لا يطيقها الا الاكابر لانها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الله تعالى علىحقيقة الصدق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يكونن احدكم كالعبد السوء ان خاف عمل ولا كالاجير السوء ان لم يعط لم يعمل ".تفسير : قيل ولا يصح رفع الهمة عن الحظوظ جملة لان ذلك مكابرة مع الربوبية وانما المراد ان لا يطلب بالعمل فعلامة العبد الاديب ان يستمر على الطاعة فى باب مولاه ولا ينظر الى شىء سواه لا الى الجنة ولا الى النار فاذا جرد عمله وتوحيده عن الاغراض فقد استقام واتخذ الصراط المستقيم مذهبا والارشاد الى هذا الطريق اما يفيد لمن كان له استعداد ازلى وقابلية اصلية فبالتربية يصير العبد قابل انوار الصفات الالهية ويخرج من الظلمات البشرية فعليك بخدمة الكاملين والاستقامة فى طريق اليقين شعر : زخود بهترى جوى وفرصت شمار كه باجون خودى كم كنى روز كار تفسير : وفى الاتباع شرف عظيم قال تعالى مخاطبا لحبيبه عليه السلام {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90]. وطاعة الرسول واتباعه من لوازم تقوى الله تعالى ألا ترى الى قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {فاتقوا الله واطيعون} فاذا داوم العبد الاتباع يصل الى الاستقامة فانها ليست مما يحصل فى اول الامر قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره العزيز شعر : سالها بايد كه اندر آفتاب لعل يابد نك ورخشانى وتاب
الطوسي
تفسير : الاعراب: ومصدقاً نصب على الحال وتقديره قد جئتكم مصدقاً، لأن أول الكلام يدل عليه ونظيره جئته بما يجب ومعرفاً له، وليس عطفاً على وجيهاً ولا رسولا لقوله {لما بين يدي} ولم يقل لما بين يديه. المعنى: وقوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} فانما أحل لهم لحوم الابل والثروب وأشياء من الطير والحيتان، مما كان محرماً في شرع موسى (ع) ولم يحل لهم جميع ما كان محرماً عليهم من الظلم، والغصب، والكذب، والعبث وغير ذلك، فلذلك قال {بعض الذي حرم عليكم} وبمثل هذا قال قتادة والربيع، وابن جريج ووهب ابن منية، وأكثر المفسرين. وقال أبو عبيدة أراد كل الذي حرم عليكم واستشهد على ذلك بقول لبيد: شعر : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها تفسير : قال معناه أو يعتلق نفسي حمامها. وأنكر الزجاج تأويله. وقال: هو خطاء من وجهين: أحدهما - أن البعض لا يكون بمعنى الكل. والآخر - أنه لا يجوز تحليل المحرمات أجمع، لأنه يدخل في ذلك الكذب، والظلم، والكفر قال: ومعنى البيت أو يعتلق نفسي حمامها، كما يقول القائل: بعضنا يعرفك يريد أنا أعرفك، وهذا أيضاً إنما هو تبعيض صحيح. ووجه الآية ما ذكره أبو علي، وجماعة من المفسرين. أن قوماً من اليهود حرموا على نفوسهم أشياء ما حرمها الله عليهم، فجاء بتحليل ذلك. قال الرماني: تأويل الآية على ما قالوه، لكنه لا يمتنع أن يوضع البعض في موضع الكل اذا كانت هناك قرينة تدل عليه، كما يجوز وضع الكل في موضع البعض بقرينة. قوله: {ولأحل لكم} معطوف على معنى الكلام الأول، لأن معناه جئتكم لأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم، كما يقول القائل: جئته معتذراً ولأجتلب عطفه. والاحلال هو الاطلاق في الفعل بتحسينه، والتحريم هو حظر الفعل بتقبيحه. والفرق بين التصديق، والتقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما يبرهن عند صاحبه. والتقليد يكون فيما لم يتبرهن، ولهذا لم نكن مقلدين للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كنا مصدقين له.
الجنابذي
تفسير : {وَمُصَدِّقاً} عطف على رسولاً او على قد جئتكم بتقدير جئت او عطف على اخلق بتقدير كنت او جئت بان جعل تصديقه للتوراة آية صدقة والمعنى انّى قد جئتكم بآية من ربّكم انّى كنت مصدّقاً {لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم} عطف على مصدّقاً باعتبار المعنى فانّ المقصود منه التّعليل او عطف على جئت مصدّقاً بتقدير جئت او عطف على قد جئت بآية من ربّكم بتقدير جئت لاحلّ لكم {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ببغيكم مثل كلّ ذى ظفر وشحوم البقر والغنم وبعض الاعمال فى يوم السّبت وغير ذلك، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال كان بين داود (ع) وعيسى بن مريم (ع) اربعمائة وكانت شريعة عيسى (ع) انّه بعث بالتّوحيد والاخلاص وبما اوصى به نوح (ع) وابراهيم (ع) وموسى (ع) وأنزل عليه الانجيل وأخذ عليه الميثاق الّذى أخذ على النّبيّين وشرع له فى الكتاب اقام الصّلاة مع الدّين والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر وتحريم الحرام وتحليل الحلال وانزل عليه فى الانجيل مواعظ وامثال وحدود وليس فيها قصاص ولا احكام حدود ولا فرض مواريث وأنزل عليه تخفيف ما كان على موسى فى التّوراة وهو قول الله عزّ وجلّ فى الّذى قال عيسى بن مريم (ع) لبنى اسرائيل {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} وامر عيسى (ع) من معه ممّن اتّبعه من المؤمنين ان يؤمنوا بشريعة التّوراة والانجيل {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} لمّا كان احلال المحرّمات فى شريعة ثابتة مصدّقة محّلاً للانكار وموهماً لكذب المحلّل واراد ان يأمر بطاعته بعد ما اتى بما هو موهم لكذبه كرّر قوله {جئتكم بآيةٍ من ربّكم} ليكونوا على ذكر من معجزاته فلا ينكروه ولا ينكروا امره {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يعنى اذا كُنت جئتكم بآيةٍ من ربّكم دالّة على رسالتى منه فاتّقوا سخطه فى مخالفتى {وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكم اليه وفيما أمرتكم به ونهيتكم عنه. تحقيق كون الانسان فطرىّ التعلّق واقتضاء ذلك الإتمام بامرٍ اعلم انّ اللّطيفة السيّارة الانسانيّة خلقت مفطورة التعلّق بمعنى انّ التعلّق ذاتىٌّ لها لا انّه عرضىّ لها كسائر الاعراض بل نقول: ذاتها ليست الاّ التعلّق وكلّما كان سواها فهو ليس ذاتاً ولا ذاتيّاً لها بل هو عرضىٌّ مانع لها من ظهورها بذاتها وعائق لها عن قربها من اصلها وكمالها بطرح ما سوى التعلّق وظهور التعلّق بدون قيد من القيود ولذلك قال تعالى حين تماميّة كمال محمّد (ص) وكمال قربه من مبدئه {أية : دَنَا فَتَدَلَّىٰ}تفسير : [النجم: 8] يعنى انتهى فى دنّوه حتّى لم يبق له الاّ التدلّى الّذى هو ذاته والاّ فالتدلّى كان له من اوّل وجوده، وقولهم: القيد كفر ولو بالله؛ اشارة الى انّ ذات الانسان تعلّق محض من دون ضميمة قيدٍ اليها وكلّما ضمّ اليه قيد من القيود ولو كان تقيّداً بالله اقتضى ذلك القيد الاثنينيّة والاستقلال فى الوجود وحجبه عن ذاته وعن مشاهدة ربّه، وهذا بخلاف سائر الموجودات الامكانيّة فانّها كلّها متحدّدات بحدود مخصوصة يكون كمالها ببلوغها الى تلك الحدود ووقوفها فى تلك المواقف واستقلالها بحدودها فهى وان كان مقتضية للتعلّق لكنّ التعلّق فيها مختفية تحت التحدّد والاستبداد وكانت ارباب انواعها تحت ربّ نوع الانسان لتحدّدها واطلاقه ولمّا كانت تلك اللّطيفة بذاتها مقتضية للتعلّق وكان التّكليف مطابقاً للتّكوين امروا العباد بالاقتداء والتعلّم والإتمام والطّاعة وذكروا انّ طاعة الامام اصل كلّ الخيرات فانّه نسب الى ابى جعفر (ع) انّه قال: زروة الامر وسنامه ومفتاحه وباب الاشياء ورضى الرّحمن تبارك وتعالى الطّاعة للامام بعد معرفته ثمّ قال: انّ الله تبارك وتعالى يقول: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]؛ وفى هذا المعنى اخبار كثيرة. ونسب الى علىّ (ع) انّه قال: اعلموا انّ صحبة العالم واتّباعه دين يدان الله به، وطاعته مكسبة للحسنات، ممحاة للسيّئات، وذخيرة للمؤمنين، ورفعة فيهم فى حياتهم، وحبل بعد مماتهم، بل ورد فى اخبار كثيرة صراحة واشارة الى انْ لا خير ولا حسنة لغير المطيع، ولا ذنب للمطيع، وان اتى غير العارف المطيع للامام بجميع اعمال الخير والعارف المطيع بجميع اعمال الشرّ، والاخبار الدّالّة "حديث : على انّ من مات ولم يكن له امام مات ميتة الجاهليّته او ميتة كفر"تفسير : ؛ تدلّ على فضل الطّاعة للامام، ولذلك امر الانبياء اممهم اوّل دعوتهم بالتّقوى الّتى هى قبل الاسلام ثمّ بالطّاعة لهم وقال الكبار من المشايخ (ره): ان كنت تحت طاعة عبدٍ حبشىٍّ كان خيراً لك من ان تكون تحت طاعة نفسك، وقال الفقهاء رضوان الله عليهم: من عمل من المقلّدين بطاعة ربّه من غير تقليدٍ لعالم وقته وكان عمله مطابقاً لحكم الله كان باطلاً غير مقبول او كان مقصّراً فى ترك التقليد، والاخبار الدّالّة على وجوب طلب العلم مثل: "حديث : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة"تفسير : ، ومثل: "حديث : لو يعلم النّاس ما فى طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللّجج" تفسير : والاخبار الدّالّة على انّ اصناف النّاس ثلاثة: عالم ومتعلّم وغثاء، او همج، او سواقط، كلّها تدلّ على وجوب الطّاعة فانّ العلم على التّحقيق ليس بمحض انتقاش النّفوس بنقوش المحسوسات والمظنونات والمعلومات، بل هو من شؤن النّفوس وفعليّاتها فى طريق الانسان لانّ انتقاش النّفوس بنقوش المدركات وفعليّاتها وشؤنها اذا لم تكن فى طريق الانسان بل كانت فى طريق الشّيطان او الحيوان لم يكن علماً بل يسمّى جهلاً عند اهل الله، والحقّ انّه لا يحصل فعليّة فى طريق الانسان بعد بلوغ الانسان مبلغ الرّجال الاّ باتّباع صاحب الطّريق وطاعته، فانّ الانسان لا توجّه له اختياراً من اوّل طفوليّته الاّ الى البهيميّة والسّبعيّة، واذا بلغ اوان التّكليف يزداد عليهما الشّيطنة وان كان يحصل له حينئذٍ زاجرٌ الهىٌّ ايضاً لكنّ الزّاجر الالهىّ يكون فى غاية الضعف وهذه الثّلاثة فى غاية القوّة ولا يمكنه الخلاص من حكومة هذه والسّير على الطريق المستقيم الانسانىّ الاّ بالتمسّك بولاية صاحب الولاية الّتى هى العروة الوثقى الّتى لا انفصام لها، وقوله تعالى {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران:112] اشارة الى الزّاجر الالهىّ اعنى الولاية التكوينيّة والى الولاية التكليفيّة يعنى لا يكفى الحبل من الله الاّ بضميمة الحبل من النّاس الّذى هو الولاية والطّاعة لولىّ الامر، ولعدم حصول العلوم والفعليّات فى طريق الانسان الاّ باتّباع الامام او من اجازه للاقتداء قالوا بطريق الحصر: نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر النّاس غثاء، ولعلّ بعضهم لم يتعلّموا ساعة بطريق المعروف بل كان جمّالاً او راعياً او محترفاً، ولمّا كان حصول الفعليّات والعلوم فى طريق الانسان بسبب الاتّصال المعنوىّ الّذى عبّر عنه بالحبل وكان الاتّصال الصورىّ سبباً للاتّصال المعنوىّ وقنطرةً له كان الانبياء (ع) واوصياؤهم (ع) من لدن آدم (ع) الى الخاتم (ص) مهتمّين بأمر البيعة وعقد الايمان ومعانين فيها ولم يكونوا ليدعوا احداً من تابعيهم بدون اخذ البيعة والميثاق عنه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}. قال بعض المفسّرين: كان الذي جاء به عيسى أيسر مما جاءَ به موسى؛ أحلّت لهم في الإِنجيل أشياء كانت عليهم في التوراة حراماً. كان حرم عليهم لحوم الإِبل والثروب، فأحلّها لهم عيسى، ومن السمك ما لا حرشفة له، ومن الطير ما لا صيصة له، في أشياء حرّمها الله عليهم، فجاء عيسى بتخفيف منه في الإِنجيل. قال: {وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا طريق مستقيم إلى الجنة، وهو دين الإِسلام. قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ} قال الحسن: لما علم أنهم قد أجمعوا على قتله {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ} [أي: مع الله] {قَالَ الحَوَارِيُّونَ} وهم أنصاره. وقال بعضهم: الحورايون أصفياء الأنبياء. {نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ ءَامَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فقاتلوهم فأظهره الله عليهم فأصبحوا ظاهرين.
اطفيش
تفسير : {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ}: عطف على {أية : رسولا}تفسير : أو حال حذف عامله وصاحبه، أى وجئتكم مصدقاً، وجملة جئتكم: معطوفة على جئتكم، وكل رسول يصدق الكتب، والرسل قبله، فعيسى مصدقاً لموسى وتوراته. {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}: أى جئتكم لأحل لكم، أو عطف على معنى "بآية" لأن حاصل معنى قوله "بآية" لأجل أن أظهر لكم ما أيدنى الله تعالى به، ويجوز تعليق "بآية" بحال، فيعطف مصدقاً ولأحل عليه، أى ملتبساً "بآية" ومصدقاً وكائنا، لأحل وليس النبى يحل أو يحرم من نفسه، ولكن المعنى: لأبين لكم أن الله حلل لكم أشياء، حرمت فى التوراة، فالإنجيل نسخ بعض التوراة، وليس ذلك بداء - تعالى الله عنه - ولكن حرم فى التوراة أشياء هى فى قضائه أن تحريمها ينتهى وقت كذا، وهو وقت نزول ناسخها، وذلك كالشحوم والثروب، وبعض السمك، وهو ما له حرفشة، وبعض الطير وهو ما له منها صيصية، ولحم الإبل، والعمل فى السبت، فقد حل ذلك لليهود من عهد الإنجيل، وإن كان الإنجيل أحل غيرهن فقد أحلهن لهم القرآن، وأعنى بالثروب: الشحم الذى يغشى الكرش والأمعاء. وكان عيسى عليه السلام، على حكم التوراة، يستقبل بيت المقدس، ويعتبر السبت، ثم رفع السبت بأمر الله، ووضع الأحد مكانه وقال قتادة إن بعض الناس زادوا تحريم أشياء بعد موسى، فجاء عيسى بتحليلها، فليس بنسخ، وقيل: إنه أحل جميع ما حرم عليه، وذلك نسخ فبعض: بمعنى جميع، كذا قيل. يعنى قائله: جميع ما يمكن تحليله، وأما ما تحليله مستحيل فى حق الله، كالزنا وأكل أموال الناس ظلماً، فلا، ولكن لا يحسن التعبير، بأن بعض بمعنى: كل على الحقيقة، ولا المجاز مع إمكان إبقائه على معناه، لبقاء بعض آخر، وهو ما استحال تحليله، وفاعل التحريم هو الله تبارك وتعالى، وقرئ: حرم بالبناء للفاعل، وهو أيضاً الله، وأجيز أن يكون موسى، بدلالة التوراة عليه وكونه معلوماً عندهم، وقرئ: حرم بالتخفيف وفتح الحاء وضم الراء. {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ، فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}: يعنى بآية أخرى ألهمنى الله إياها تدل على رسالتى، هى قولى: {إن الله هو ربى وربكم .. } إلخ وليس المراد أن قوله ذلك معجزة، بل المراد أن قوله ذلك عمل بمقتضى الرسالة بعدما آتيتها بالمعجزة، فالجملة مقول لقول محذوف، هو خبر لمحذوف كما رأيت، وجملة {فَاتَّقوا اللهَ وَأطِيعُون} معترضة فإن قوله: هى قول: {أية : إن الله هو ربى وربكم..}تفسير : إلخ نعت لآية {ومن ربكم} نعت أول، أو متعلق {وجئتكم}. وقرىء بفتح همزة أن على الإبدال من آية، أو تقدير جار، أى على أن الله، أى بآية دالة على أن الله ربى وربكم، أو لأن الله وعلى تقدير اللام يعلق باتقوا، أو باعبدوه بعده، على زيادة الفاء بعده، وإن علمت أن المراد بالآية هنا آية غير ما تقدم، علمت أن قوله {جِئتُكُمْ بآيَةٍ مِّن رَّبِّكُم} تأسيس لا تأكيد، أو للأول، فيكون الأول لتمهيد الحجة، والثانى لتقريبها إلى الحكم، ولذلك رتب على الثانى قوله {فَاتَّقُواْ اللَّه} بالفاء، أى: اتقوا الله فى مخالفتى، لمجيئى إليكم بمعجزات تقطع عذركم، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه وهو التوحيد. كما قال: إن الله هو ربى وربكم، والعمل كما قال {فاعبدوه}، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من التوحيد والعبادة أو عائد إلى المذكور من العبادة المقيدة بقيد كونها مسببة، عن كونه ربا لهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قل آمنت بالله، ثم استقم"تفسير : وفى الآية الرد على نصارى نجران وغيرهم فى دعواهم أن عيسى إله بالحصر فى قوله: إن الله هو ربى وربكم، وتعريض بأنهم على غير صراط مستقيم.
اطفيش
تفسير : {وَمُصَدِّقاً} أى جئتكم مصاحباً بآية من ربكم مصدقا، أو ويقول، أرسلت مصدقا، وأو ناطقا بأنى قد جئتكم ومصدقا، أو جئتكم مصدقا، أو يقدر جئتكم محتجا بالآية ومصدقا، وهو حال فى جميع التقادير، ولو عطف على وجيها لقال: ومصدقا لما بين يديه، أو على رسولا لقال: ومصدقا لما بين يديك، خطابا لمريم، أو لما بين يديه، مراعاة للاسم الظاهر {لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوَرَاةِ} وبينه وبين موسى فى قول ألف سنة وتسعمائة وخمس وسبعون {وَلأُِحِلَّ} وجئتكم لأحل، أو جئتكم بآية من ربكم ولأحل، كقوله: جئت على فرس وبعير، إذ لا يجب أتفاق معنى الحروف المعطوف ما هى فيه، أو على المعنى، أى يدى ولأحل {لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} فى التوراة كالشحوم، أو شحوم الإبل ونحوها. وما لا صيصة له من الطيور والسمك، أو الاصطياد يوم السبت، ولحم الإبل، وبعض العمل فى البيت، والعمل يوم السبت، وكل حيوان لا ظفر له، كالإبل والنعام والأوز والبط، فأحل لهم جميع ذلك، وهو بعض ما حرم، وبقى على التحريم السرقة والزنا والربا، وقيل: حرم من الطير والسمك مالا شوكة له يؤذ بها، وكان عليه السلام يسبت ويصلى للقدس، ويوجب الختان، وغيرته النصارى، لعنهم الله، إلى قطع القلب من الدنيا، ويجرم الخنزير وينهى عنه، وأغرق قطيعا من الخنازير فى البحر، وزعموا أن بطرس رأى فى النوم صحيفة فيها صور الحيوان، فقيل له: كل منها ما أحبت، وهى رؤيا من الشيطان، أو الرؤيا مكذوبة غير واقعة {وَجِئْتُكُمُ بِآيَةٍ مِن رَّبِّكُمْ} هى آية أخرى، فسرها بقوله: {إن الله ربى وربكم فاعبدوه} الخ، وليس تأكيداً لما مر، لأن التوكيد باللفظ الأول لا يكون بالعطف، لا تقول: قام زيد وزيد بالواو، بل بدونها، وقوله {فَاتَّقُوا الله} فى المخالفة {وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به من التوحيد وما دونه، وأنهاكم عن الشرك، وما دونه معترض، اللهم إن ساغ العطف مع أنه تأكيد، جعله مع ما بنى عليه من قوله فاتقوا الله وأطيعون كشىء واحد، ووجه كون قوله: {إنَّ اللهَ رَبى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا} أى الذى آتيتكم به {صِرَاطُ مُسْتَقِيمٌ} آية أنه طبق ما قالت الرسل قبله، وقد هداه الله للنظر فى العقلية حتى انتج إن الله ربى وربكم الخ.. والساحر لا يقول بذلك، وليست بمعنى معجزة، وأما إذا قلنا جئتكم بآية بعد أخرى فمن العطف، روى الترمذى ومسلم وغيرهما هم سفيان الثقفى، حديث : أن رجلا قال: يا رسول الله، مربى بأمر فى الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم .
الالوسي
تفسير : {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } عطف إما على المضمر الذي تعلق به قوله تعالى: {أية : بِآيَةٍ } تفسير : [آل عمران: 49] أي قد جئتكم محتجاً، أو متلبساً بآية الخ ومصدقاً لما الخ، وإما على {أية : رَسُولاً }تفسير : [آل عمران: 49] وفيه معنى النطق مثله، وجوز أن يكون منصوباً بفعل دل عليه {أية : قَدْ جِئْتُكُم} تفسير : [آل عمران: 49] أي وجئتكم مصدقاً الخ. وقوله سبحانه: {مِنَ ٱلتَوْرَاةِ } في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في الظرف والعامل فيه الاستقرار، أو الظرف نفسه لقيامه مقام الفعل، ويجوز أن يكون حالاً من (ما) فيكون العامل فيه {مُصَدّقاً } ومعنى تصديقه عليه السلام للتوراة الإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب، وقيل: إن تصديقه لها مجيئه رسولاً طبق ما بشرت به {وَلأُحِلَّ لَكُم } معمول لمقدر بعد الواو أي ـ وجئتكم لأحل ـ فهو من عطف الجملة على الجملة، أو معطوف على {بِآيَةٍ } من قوله سبحانه: {أية : جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } تفسير : [آل عمران: 49] لأنه في معنى ـ لأظهر لكم آية ولأحل ـ فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به، أو معطوف على {مُصَدّقاً } ويلتزم التأويل بما يجعلهما من باب واحد، وإن كان الأول: حالاً، والثاني: مفعولاً له فكأنه قيل: جئتكم لأصدق ولأحل، وقيل: لا بد من تقدير ـ جئتكم ـ فيها كلها إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر. {بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } أي في شريعة موسى عليه السلام. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الربيع أنه قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى عليهما السلام وكان قد حرم عليهما فيما جاء به موسى عليه السلام لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى وحرمت عليهم شحوم الإبل فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صيصية له، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها فجاء عيسى بالتخفيف منه في «الإنجيل». وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله، وهذا يدل على أن «الإنجيل» مشتمل على أحكام تغاير ما في «التوراة» وأن شريعة عيسى نسخت بعض شريعة موسى، ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة فإن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم الأول لا رفع وإبطال كما تقرر، وهذا مثل نسخ القرآن بعضه ببعض، وذهب بعضهم إلى أن «الإنجيل» لم يخص أحكاماً ولا حوى حلالاً وحراماً ولكنه رموز وأمثال ومواعظ وزواجر، وما سوى ذلك من الشرائع والأحكام فمحالة على «التوراة»، وإلى أن عيسى عليه السلام لم ينسخ شيئاً مما في «التوراة»، وكان يسبت ويصلي نحو البيت المقدس، ويحرم لحم الخنزير، ويقول بالختان إلا أن النصارى غيروا ذلك بعد رفعه فاتخذوا يوم الأحد بدل يوم السبت لما أنه أول يوم الأسبوع ومبدأ الفيض، وصلوا نحو المشرق لما تقدم، وحملوا الختان على ختان القلب وقطعه عن العلائق الدنيوية والعوائق عن الحضرة الإلهية وأحلوا لحم الخنزير مع أن مرقس حكى في «إنجيله» أن المسيح أتلف الخنزير وغرق منه في البحر قطيعاً كبيراً وقال لتلامذته: لا تعطوا القدس الكلاب ولا تلقوا جواهركم قدام الخنازير فقرنها بالكلاب، وسبب ذلك زعمهم أن بطرس رأى في/ النوم صحيفة نزلت من السماء، وفيها صور الحيوانات وصورة الخنزير وقيل له: يا بطرس كل منها ما أحببت ونسب هذا القول إلى وهب بن منبه، والذاهبون إليه أولوا الآية بأن المراد ما حرمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد، واستدلوا على ذلك بأن المسيح عليه السلام قال في «الإنجيل»: ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها، ولا يخفى أن تأويل الآية بما أولوه به بعيد في نفسه، ويزيده بعداً أنه قرىء ـ حرم ـ بالبناء للفاعل وهو ضمير ما {بَيْنَ يَدَىِ } أو الله تعالى، وقرىء أيضاً ـ حرم ـ بوزن كرم، وأن ما ذكروه من كلام المسيح عليه السلام لا ينافي النسخ لما علمت أنه ليس بإبطال وإنما هو بيان لانتهاء الحكم الأول، ومعنى التكميل ضم السياسة الباطنة التي جاء بها إلى السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام ـ على ما قيل ـ أو نسخ بعض أحكام التوراة بأحكام هي أوفق بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسب بالزمان، وعلى هذا يكون قول المسيح حجة للأولين لا عليهم، ولعل ما ذهبوا إليه هو المعول عليه كما لا يخفى على ذوي العرفان. {وَجِئْتُكُمْ بِـئَايَةٍ مّن رَبُّكُـمْ } الكلام فيه كالكلام في نظيره، وقرىء ـ بآيات ـ {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في عدم قبول ما جئتكم به {وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به وأنهاكم [عنه] بأمر الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {بآية} بناء على أنّ قوله: بآية ظرف مستقرّ في موضع الحال كما تقدم أو عطف على جملة {جئتكم} فيقدّر فعل جئتكم بعد واو العطف، {ومصدّقاً} حال من ضمير المقدّر معه، وليس عطفاً على قوله: {أية : ورسولا}تفسير : [آل عمران: 49] لأنّ رسولاً من كلام الملائكة، {ومصدقاً} من كلام عيسى بدليل قوله: {لما بين يدي}. والمصدّق: المخبر بصِدق غيره، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ. وجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}. ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل. ويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر، كما تقدم في قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم} في سورة البقرة. وعَطْف قوله {ولأحِلّ} على {رسولاً} وما بعده من الأحوال: لأنّ الحال تشبه العلة؛ إذ هي قيد لعاملها، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله، وشابَه الجرور بلام التعليل، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل. ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {بآية من ربكم} فيتعلّق بفعلِ جئتكم. وعقب به قوله: {مصدّقاً لما بين يديّ} تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم. وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة، وبهذا كان رسولاً. قيل أحلّ لهم الشحوم، ولحوم الإبل، وبعض السمك، وبعض الطير: الذي كان محرّماً من قبل، وأحلّ لهم السبت، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل. وظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم، فما قيل: إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوُّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبَيّن لهم سوء عواقبه، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة: من تذكير، ومواعظ، وترغيبات. {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}{ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. وقوله: {وجئتكم بآية من ربكم} تأكيد لقوله الأولِ: {أية : أنى قد جئتكم بآية من ربكم}تفسير : [آل عمران: 49]. وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين، وليبنى عليه التفريع بقوله: {فاتقوا الله وأطيعون}. وقرأ الجمهور قوله: {وأطيعون} بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف، وقرأه يعقوب: بإثبات الياء فيهما. وقوله: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} إنّ مكسورة الهمزة لا محالة، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لِمجرّد الاهتمام كقول بشار شعر : بَكِّرا صَاحِبَيّ قَبْلَ الهَجير إنّ ذَاكَ النجَاحَ في التبْكِيرِ تفسير : ولذلك قال: {ربي وربكم} فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعةَ رسوله. وقوله: فاعبدوه تفريع على الرُّبوبية، فقد جعل قولَه إنّ الله ربي تعليلاً ثم أصلا للتفريع. وقوله: {هذا صراط مستقيم} الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلتَّوْرَاةِ} {بِآيَةٍ} (50) - وَسَيَكُونُ عِيسَى مُصَدِّقاً لِلتَّورَاةِ وَشَرِيعَتِها، وَمُقَرّراً لَهَا وَمُثْبِتاً، وَقَدْ نَسَخَتْ شَرِيعَةُ عِيسَى بَعْضَ مَا جَاءَ فِي شَريعَةِ التَّوَرَاةِ عَلَى أَصَحِّ الأقْوالِ لأَنَّهُ تَعَالَى أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.. وَقَالَ لَهُمْ إنَّهُ جَاءَهُمْ بِمُعْجِزاتٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَقُولُهُ لَهُمْ: (مِثْلِ خَلْقِ الطَّيرِ مِنَ الطِّينِ، وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَإبراءِ الأكَمَهِ وَالأبْرَصِ وَإحْيَاءِ المَيِّتِ، وَالإِنْبَاءِ بِالخَفِيَّاتِ ...) ثُمَّ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إليهِ. مَا تَدَّخِرُونَ - مَا تُخَبِّئُونَ فِي بُيُوتِكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد قلنا: إن "مصدقاً" تعني أن ما جاء به عيسى بن مريم مطابق لما جاء في التوراة. وقلنا: إن "ما بين يدي" الإنسان هو الذي سبقه، أي الذي جاء من قبله وصار أمامه. وما دام عيسى ابن مريم جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة في زمانه، وكانت التوراة موجودة، فلماذا جاءت رسالته إذن؟ لكن القول الحق يتضمن هذا المعنى: إن عيسى سيأتي بأحكام جديدة، ويتضح ذلك في قوله الحق سبحانه على لسان عبده عيسى ابن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] إذن فليس المهم هو التصديق فقط، ذلك أن عيسى جاء ليحل بعضاً من الذي حرمته التوراة. وقد يقول قائل: إذا كانت الكتب السماوية تأتي مصدقة بعضها بعضاً فما فائدة توالي نزول الكتب السماوية؟ والإجابة هي: أن فائدة الكتب السماوية اللاحقة أنها تذكر من سها عن الكتب السابقة، هذا في المرتبة الأولى، وثانياً: تأتي الكتب السماوية بأشياء، وأحكام تناسب التوقيتات الزمنية التي تنزل فيها هذه الكتب. هذه هي فوائد الكتب السماوية التي توالت نزولاً من الحق على رسله، إنها تذكر من عقل وتُعَدلّ في بعض الأحكام. ومن الطبيعي أننا جميعاً نفهم أن العقائد لا تبديل فيها، وكذلك الأخبار والقصص، لكن التبديل يشمل بعضاً من الأحكام. ولهذا جاء القول الحق على لسان عبده عيسى ابن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] ونحن نعرف أن القوم الذي أرسل الله عيسى ابن مريم لهم هم بنو إسرائيل، والتحريم والتحليل يكون بحكمة من الله. إن لله حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم، إنما إياك أن تفهم أن كل شيء يحرمه الله يكون ضاراً؛ قد يحرم الله أشياء لتأديب الخلق، فيأمر بالتحريم، ولا يصح أن تسأل عن الضرر فيها، وقد يعيش المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم الله. فإن تساءل أحد: لماذا حرم الله ذلك؟ نقول له: من الذي قال لك إن الله حين يحرم فهو يحرم الشيء الضار فقط؟ إنه الحق سبحانه يحرم الضار, ويحرم بعضاً مما هو غير ضار، ولذلك قال الحق: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}تفسير : [النساء: 160]. وتفصيل ذلك في آية أخرى:{أية : وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}تفسير : [الأنعام: 146]. إذن التحريم ليس ضرورياً أن يكون لما فيه الضرر، ولهذا جاء قول الحق على لسان عبده ورسوله إلى بني إسرائيل عيسى بن مريم: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] لقد جاء عيسى ابن مريم ليُحل لهم بأمر من الله ما كان قد حرمه الله عليهم من قبل. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عبده ورسوله عيسى ابن مريم: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50] ومجموعة هذه الأوامر التي تقدمت هي آية أي شيء عجيب، بلغت القوم الذين أرسل الله عيسى إليهم، إنه كرسول وكبشر لا يستطيع أن يجيء بالآية المعجزة بمفرده بل لا بد أن يكون مبعوثاً من الله. فيجب أن يلتفتوا إلى أن الله الذي أرسله، وله طلاقة القدرة في خرق النواميس هو سبحانه الذي أجرى على يدي عيسى هذه الأمور، ويأمرهم عيسى ابن مريم بتقوى الله نتيجة لذلك، ويدعو القوم لطاعته في تطبيق منهج الله. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عيسى ابن مريم: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 50]. قال: يعني ما بين لهم عيسى من الأَشياء. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَرطأَة قال: {ٱلْحَوَارِيُّونَ} [الآية: 52] الغَسَّالُون يحورون الثياب أَي يغسلونها. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} [الآية: 72] قال: هم اليهود. صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَول النهار صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار، مكراً منهم ليروا الناس أَنه قد بدت لهم منه الضلالة، بعد أَن كانوا ابتعوه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} والبَعضُ فِي معنى الكُلِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):