Verse. 344 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ اللہَ رَبِّيْ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوْہُ۝۰ۭ ھٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيْمٌ۝۵۱
Inna Allaha rabbee warabbukum faoAAbudoohu hatha siratun mustaqeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا» الذي آمركم به «صراط» طريق «مستقيم» فكذبوه ولم يؤمنوا به.

51

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا } الذي آمركم به {صِرٰطٌ } طريق {مُسْتَقِيمٌ } فكذبوه ولم يؤمنوا به.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: ما تلك الآية التي سميتها "آية" بعد ما جئت به من الأشياء الباهرة قال: {إن الله} الجامع لصفات الكمال {ربي وربكم} أي خالقنا ومربينا، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد، وقراءة من فتح {إن} أظهر في المراد {فاعبدوه هذا} أي الذي دعوتكم إليه {صراط مستقيم *} أنا وأنتم فيه سواء، لا أدعوكم إلى شيء إلا كنت أول فاعل له، ولا أدعي أني إله ولا أدعو إلى عبادة غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة الذين تظهر الخوارق على أيديهم امتحاناً من الله سبحانه وتعالى لعباده فيجعلونها سبباً للعلو في الأرض والترفع على الناس، وجاء بالتحذير منهم وتزييف أحوالهم الأنبياء، وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب الكاذب الدعوة، فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه، من كذبه هلك، ومن دعا إلى غيره وجب تكذيبه، ومن صدقه هلك؛ قال في السفر الخامس منها: وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب، ولا يوجد فيكم من يقبر ابنه أو ابنته في النار نذراً للأصنام، ولا من يطلب تعليم العرافين، ولا من يأخذ بالعين، ولا يوجد فيكم من يتطير طيرة، ولا ساحر، ولا من يرقى رقية، ولا من ينطلق إلى العرافين والقافة فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى، لأن كل من يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم، ومن أجل هذه النجاسة يهلك الله هذه الشعوب من بين أيديكم؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أما الله ربكم، لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين، فأما أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم، بل يقيم لكم نبياً من إخوتكم مثلي، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم: لا نسمع صوت الله ربنا ولا نعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت، فقال الرب: ما أحسن ما تكلموا! سأقيم لهم نبياً من إخوتهم مثلك وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به، والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه، فأما النبي الذي يتكلم ويتجرأ باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة الأخرى ليقتل ذلك النبي، وإن قلتم في قلوبكم: كيف لنا أن نعرف القول الذي لم يقله الرب، إذا تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله: ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه، فلا تخافوه ولا تفزعوا منه؛ وقال قبل ذلك بقليل: وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم، احفظوا، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يهلكهم الله من بين أيديكم، ولا تسألوا عن آلهتهم ولا تقولوا: كيف كانت هذه الشعوب تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل فعلها؟ ولا تفعلوا مثل فعالها أمام الله ربكم، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم لآلهتهم، ولكن القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا! لا تزيدوا ولا تنقصوا منه شيئاً فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاماً وعمل آية أو عجيبة ويقول: اقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام، لأنه إنما يريد، أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم، احفظوا وصاياه واتقوا واسمعوا قوله واعبدوه والحقوا به، فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلّم الأحلام فليقتل، لأنه نطق بإثم أمام الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر وخلصكم من العبودية, فأراد أن يضلكم عن الطريق الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه، واستأصلوا الشر من بينكم، وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك: هلم بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا تلتمّ عليه ولا تتعطف عليه، ولكن اقتله قتلاً، وابدأ به أنت قتلاً، ثم يبدأ به جميع الشعوب، وارجموه بالحجارة وليمت، لأنه أراد أن يضلك عن عبادة الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العبودية، ويسمع بذلك جميع بني إسرائيل، ويفزعون فلا يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء بينكم، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله قوماً قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم: ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها، ابحثوا نعماً وسلوا حسناً، إن كان القول الذي بلغكم يقيناً وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم بالسيف، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أما الله ربكم، وتصير القرية تلاً خراباً إلى الأبد ولا تبنى أيضاً، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم؛ هذا إن أنتم سمعتم قول الله ربكم، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم، وعملتم الحسنات أمام الله ربكم، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم، لا تأثموا ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت، لأنكم شعب طاهر لله ربكم، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعباً حبيباً أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى. فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق اختصاصه الله تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته، وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} تفسير : [آل عمران: 64] إلى قوله: {أية : ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} تفسير : [آل عمران: 64]. ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة، وكان قوله: في أول السورة {يصوركم في الأرحام كيف يشاء} وقوله هنا {يخلق ما يشاء} مغنياً عن ذكر حملها، طواه وأرشد السياق حتماً إلى أن التقدير: فصدق الله فيما قال لها، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيهاً وكلم الناس في المهد وبعده، وعلمه الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر، فتابعه قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات، ونصبوا له الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسلياً لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: {فلما أحس} قال الحرالي: من الإحساس وهو منال الأمر بادراً إلى العلم والشعور الوجداني - انتهى {عيسى منهم الكفر} أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم يتكاثر بعد أن علم كفرهم علماً لا مرية فيه، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون الحرب قد دار، فعزم على إلحاقهم دار البوار {قال من أنصاري}. ولما كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على تضمين هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال: {إلى} أي سائرين أو واصلين معي بنصرهم إلى {الله} أي الملك الأعظم {قال الحواريون} قال الحرالي: جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى. وهو مصروف لأن ياءه عارضة {نحن أنصار الله} أي الذي أرسلك وأقدرك على ما تأتي به من الآيات، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلماً، ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم: {آمنا بالله} أي على ما له من صفات الكمال، ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق إذ ذاك: {واشهد بأنا مسلمون *} أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون شهادتك علينا أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة. ثم لما خاطبوا الرسول أدباً ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاماً للأمر وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين لأداة النداء استحضاراً لعظمته بالقرب لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب: {ربنا آمنا بما أنزلت} أي على ألسنة رسلك كلهم {واتبعنا الرسول} الآتي إلينا بذلك معتقدين رسالته منك وعبوديته لك {فاكتبنا} لتقبّلك شهادتنا واعتدادك بها {مع الشاهدين *} أي الذين قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة، ولعله عقب ذلك بقوله: {ومكروا} المعطوف على قوله: {قال من أنصاري إلى الله} بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع، أما مكر اليهود فمشهور، وأما الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء، وترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا الحيلة في قتله. والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء ظاهر كالدنيا، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك، فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - انتهى. ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله: {ومكر الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً. ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصاً من جهة ما فقال: {والله} أي والحال أنه الذي له هذا الاسم الشريف فلم يشاركه فيه أحد بوجه {خير الماكرين *} بإرادته تأخير حربه لهم إلى وقت قضاه في الأزل فأمضاه, وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين سألهم ربه هذه الأمة تشريفاً لهم، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه إليه وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوا أحدهم، ويقال: إنه الذي دلهم، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم، وذلك أخفى الكيد فقال تعالى مخبراً عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف أنفه: {إذ} أي مكر حين {قال الله} أي ما له من التفرد بصفات الكمال {يا عيسى إني متوفيك} وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف، وأما قول الزمخشري: أي مستوفى أجلك ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة من القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها؛ ويجوز أن يكون معنى متوفيك: آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش مكرهم. قال في القاموس: أوفى فلاناً حقه: أعطاه وافياً، كوفّاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه. ثم زاد سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: {ورافعك} وزاد إعظام ذلك بقوله: {إليّ ومطهرك من الذين كفروا}. ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم من الأحوال، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال: {وجاعل الذين اتبعوك} أي ولو بالاسم {فوق الذين كفروا} أي ستروا ما يعرفون من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك {إلى يوم القيامة} وكذا كان، لم يزل من اتسم بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. ولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلاً لما بشر به من النصرة: {ثم إليّ مرجعكم} أي المؤمن والكافر في الآخرة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون *} ثم فصل له الحكم فقال مرهباً لمخالفيه مرغباً لموافقيه، وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم: {فإما الذين كفروا} أي من الطائفتين {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بالذل والهوان والقتل والأسر {والآخرة} بالخزي الدائم {وما لهم من ناصرين *} وإن كثر عددهم ولم يقل: وأما الذين اتبعوك - لئلا يلتبس الحال وإن كان من اتبع النبي الأمي فقد اتبعه في بشارته به والأمر باتباعه, بل قال: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لأن هذه ترجمة الذين اتبعوه حق الاتباع. ولما كان تمام الاعتناء بالأولياء متضمناً لغاية القهر للأعداء أبدى في مظهر العظمة قوله تعظيماً لهم وتحقيراً لأعدائهم: {فيوفيهم أجورهم} أي نحبهم من غير أن نبخسهم منها شيئاً, أو نظلم أحداً من الفريقين في شيء, فإن الله سبحانه وتعالى متعال عن ذلك {والله} الذي له الكمال كله {لا يحب الظالمين *} من كانوا، أي لا يفعل معهم فعل المحب، فهو يحبط أعمالهم لبنائها على غير أساس الإيمان، فالآية من الاحتباك، ونظمها على الأصل: فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين، والذين ظلموا نحبط أعمالهم لأنا لا نحبهم والله لا يحب الظالمين؛ فتوفية الأجر أولاً ينفيها ثانياً، وإثبات الكراهة ثانياً يثبت ضدها أولاً، وحقيقة الحال أنه أثبت للمؤمنين لازم المحبة المراد منها في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسّر، ولازم المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ. ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه وما كان بعده من أمر أتباعه مشيراً بذلك إلى ما فيه من بدائع الحكم وخزائن العلوم واللطائف المتنزلة على مقادير الهمم على أتقن وجه وأحكمه وأتمه وأخلصه وأسلمه، وختمه بالتنفير من الظلم، وكان الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن الترتيب ورصانة النظم بوضع كل شيء منه لفظاً ومعنى في محله الأليق به المحل الأعلى، لا سيما هذه الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، فلم تدع فيه شكاً ولا أبقت شبهة ولا لبساً، أتبع ما تقدم من تفصيل الآيات البينات قوله منبهاً على عظمة هذه الآيات الشاهدات الآتي بها صلى الله عليه وسلم بأوضح الصدق بإعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر كما تقدم نحو ذلك في {أية : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك}تفسير : {هود: 49] {ذلك} أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم شيئاً منه ولا علمه من شبان قومك {نتلوه} أي نتابع قصه بما لنا من العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق حال كونه {من الآيات} أي التي لا إشكال فيها، ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة، {والذكر الحكيم *} إشارة إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه وأتقنها، وأشار بأداة البعد تنبيهاً على علو منزلته ورفيع قدره.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} فإنه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بـيِّنة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرىء {إِنَّ ٱللَّهَ} بالفتح بدلاً من آية أي «قد جئتكم بآية على أن الله ربـي وربُّكم» وقولُه: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} اعتراض، والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق، أي «قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات وغيرِه من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد وغير ذلك»، والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاء قولُه: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي «لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه» ومعنى قراءةِ من فتح: «ولأن الله ربـي وربكم فاعبدوه» كقوله تعالى: {أية : لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } تفسير : [قريش، الآية: 1] الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ} إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال: {فَٱعْبُدُوهُ} إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بـيّن أن الجمعَ بـين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة، ونظيرُه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ» تفسير : {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} شروعٌ في بـيان مآلِ أحوالِه عليه السلام إثرَ ما أشير إلى طرَفٍ منها بطريق النقلِ عن الملائكة، والفاءُ فصيحة تُفصِحُ عن تحقُّق جميعِ ما قالته الملائكةُ، وخروجُه من القوة إلى الفعل حسبما شرحتُه كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } تفسير : [سورة النمل، الآية 40] بعد قوله تعالى: {أية : أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} تفسير : [سورة النمل، الآية 40] كأنه قيل: فحمَلته فولدتْه فكان كيتَ وكيت وقال: ذيتَ وذيت وإنما لم يذكُرْه اكتفاءً بحكاية الملائكةِ وإيذاناً بعدم الخُلْفِ وثقةً بما فُصّل في المواضع الأُخَرِ. وأما عدمُ نظمِ بقية أحوالِه عليه الصلاة والسلام في سلك النقلِ فإما للاعتناء بأمرِها أو لعدم مناسبتها للمقام فيها من ذكر مُقاساتِه عليه الصلاة والسلام للشدائد ومعاناتِه للمكايد، والمرادُ بالإحساس الإدراكُ القويُّ الجاري مَجرَى المشاهدةِ، وبالكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم ومكابرتُهم فيه مع العزيمة على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه الإحساسُ فإنه إنما يُستعمل في أمثال هذه المواقعِ عند كونِ مُتعلّقِه أمراً محذوراً مكروهاً كما في قوله عز وجل: {أية : فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ } تفسير : [الأنبياء، الآية 12] وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بأحسّ والضميرُ المجرورُ لبني إسرائيلَ أي ابتدأ الإحساسَ من جهتهم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، وقيل: متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الكفر {قَالَ} أي لِخُلّصِ أصحابِه لا لجميعِ بني إسرائيلَ لقوله تعالى: {أية : كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ} تفسير : [سورة الصف، الآية 14] الآية. وقوله تعالى: {أية : فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} تفسير : [سورة الصف، الآية 14] ليس بنص في توجيه الخطابِ إلى الكل بل يكفي فيه بلوغُ الدعوة إليهم {مَنْ أَنصَارِى} الأنصارُ جمع نصير كأشراف جمع شريف. {إِلَى ٱللَّهِ} متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الياء أي مَنْ أنصاري متوجهاً إلى الله ملتجئاً إليه أو بأنصاري متضمناً معنى الإضافةِ كأنه قيل: «مَنِ الذين يُضيفون أنفسَهم إلى الله عز وجل ينصُرونني كما ينصُرني» وقيل: {إِلَىٰ} بمعنى في، أي في سبـيل الله وقيل: بمعنى اللام وقيل: بمعنى مع {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الذهنُ كأنه قيل: فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام؟ فقيل قال: {ٱلْحَوَارِيُّونَ} جمعُ حَواريّ يقال: فلان حَواري فلان أي صفوتُه وخالصتُه من الحَوَر وهو البـياضُ الخالص ومنه الحوارياتُ للحَضَريات لخُلوص ألوانِهن ونقائِهن، سُمّي به أصحابُ عيسى عليه الصلاة والسلام لخُلوص نياتِهم ونقاءِ سرائرِهم، وقيل: لِمَا عليهم من آثار العبادةِ وأنوارِها، وقيل: كانوا ملوكاً يلبَسون البـياضَ وذلك أن واحداً من الملوك صنعَ طعاماً وجمع الناسَ عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على قصعةٍ لا يزال يأكلُ منها ولا تنقُص، فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فقال له: من أنت؟ قال: «عيسى بن مريم»، فترك مُلكَه وتبِعه مع أقاربه فأولئك هم الحَواريون، وقيل: كانوا صيادين يصطادون السمكَ يلبَسون الثيابَ البـيض فيهم شمعونُ ويعقوبُ ويوحنا فمرّ بهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم: «أنتم تصيدون السمكَ فإن اتبعتموني صَرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة الأبدية» قالوا: من أنت؟ قال: «عيسى بنُ مريم عبدُ اللَّه ورسولُه» فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعونُ قد رمىٰ شبكتَه تلك الليلةَ فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في الماء مرةً أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادَتْ تتمزقُ واستعانوا بأهل سفينةٍ أخرى وملأوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام وقيل: كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً آمنوا به عليه الصلاة والسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا: جُعْنا يا روحَ الله فيضرِب بـيده الأرضَ فيخرُجُ منها لكل واحد رغيفان، وإذا عطِشوا قالوا: عطِشنا فيضرب بـيده الأرضَ فيخرُج منها الماءُ فيشربون فقالوا: من أفضلُ منا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أفضلُ منكم من يعمل بـيدِه ويأكلُ من كَسْبه» فصاروا يغسِلون الثيابَ بالأُجرة فسُمّوا حَواريـين. وقيل: إن أمَّه سلّمتْه إلى صبّاغ فأراد الصباغُ يوماً أن يشتغل ببعض مَهمَّاتِه فقال له عليه الصلاة والسلام: هٰهنا ثيابٌ مختلفة قد جَعَلْتُ لكل واحدٍ منها علامةً معينةً فاصبِغْها بتلك الألوانِ، فغاب فجعلها عليه الصلاة والسلام كلَّها في جُبَ واحدٍ وقال: «كوني بإذن الله كما أُريد» فرجع الصبَّاغُ فسأله فأخبره بما صنع فقال: أفسدتَ عليّ الثيابَ قال: «قمْ فانظرْ» فجعل يُخرِجُ ثوباً أحمرَ وثوباً أخضرَ وثوباً أصفرَ إلى أن أخرج الجميعَ على أحسنِ ما يكون حسبما كان يريد فتعجَّبَ منه الحاضرون وآمنوا به عليه الصلاة والسلام وهم الحواريون، قال القفالُ: ويجوزُ أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريـين الاثنيْ عشرَ من الملوك وبعضُهم من صيادي السمك وبعضُهم من القصّارين وبعضُهم من الصبَّاغين والكلُّ سُمّوا بالحَواريـين لأنهم كانوا أنصارَ عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانَه والمخلِصين في طاعته ومحبتِه. {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار دينه ورسولِه {آمنَّا بِٱللَّهِ} استئنافٌ جارٍ مَجرى العلةِ لما قبله فإن الإيمانَ به تعالى موجبٌ لنُصرة دينِه والذبِّ عن أوليائه والمحاربةِ مع أعدائه {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} مخلِصون في الإيمانِ منقادون لما تريد منا من نُصرتك، طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادةَ بذلك يومَ القيامة يوم أُشهِدَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام لأُممهم وعليهم إيذاناً بأن مرمىٰ غرضِهم السعادةُ الأخروية.

الطوسي

تفسير : قوله: {إن الله ربي وربكم} استئناف كلام، لأنه رأس آية، وعليه جميع العلماء. وكان يجوز أن تفتح الهمزة على قوله: {وجئتكم} بـ {أن الله ربي وربكم}. والفرق بين قوله {إن الله ربي وربكم} وقوله {ربنا} أن الأول آكد في إقراره بالربوبية، لأنه ذكر على التفصيل، فهو أبعد من الغلط في التأويل، لأن لقائل أن يقول الذكر قد يجوز في الجملة على التغليب كما يغلب التذكير على التأنيث في الجملة دون التفصيل. والربوبية هي تنشئة الشيء حالا بعد حال حتى يبلغ حد الكمال في التربية, فلما كان الله تعالى مالكاً لانشاء العالم كان رباً، ولا تطلق هذه الصفة إلا عليه تعالى، لأن اطلاقها يقتضي الملك بجميع الخلق، فأما إجراؤها على غيره، فعلى وجه التقييد، كقولك رب الدار، ورب الضيعة. وقالوا في وصف قوم من العلماء: هم أرباب البيان يراد به شدة اقتدارهم عليه. وقوله: {هذا صراط مستقيم} فالاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة، ونظيرها الاستواء: خلاف الاعوجاج، فلذلك قيل للطريق المؤدي إلى المراد الموصل إلى الحق: طريق الاستقامة، لأنه يفضي بصاحبه إلى غرضه، وقد استوفينا معناه في سورة الحمد. وقد يوصف الدليل بأنه طريق مستقيم، لأنه يؤدي إلى الحق اليقين. وفي الآية حجة على النصارى بما قاله المسيح مما يقرون به أنه في الانجيل من نحو هذا الكلام، لأن فيه أذهب إلى إلهي، وإلهكم، كقوله ها هنا: {إن الله ربي وربكم}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ فى مقام التّعليل للامر بتقوى الله ولمّا اراد تعليل الامر بالتّقوى بالآلهة وبالمرسليّة وبربوبيّتهم اتى بهذه العبارة فكأنّه قال: جئتكم بآية من ربّكم دالّة على صدقى فى ادّعائى الرّسالة فاتّقوا الله فى مخالفتى لآلهته وربوبيّته لكم وارساله ايّاى لانّ صاحب الآلهة هو ربّكم وربّكم مرسلى اليكم {فَٱعْبُدُوهُ} اى اذا كان الله ربّكم فاعملوا له اعمال العبيد او صيروا عبيداً له خارجين من عبوديّة أنفسكم {هَـٰذَا} المذكور من العبادة واعتقاد الربوبيّة او من التّقوى والطّاعة للنّبىّ {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} فانّ العبادة والخروج من الانانيّة والدّخول تحت امر الآمر الالهىّ صراط مستقيم انسانىّ كما سبق وكذا التّقوى الّتى هى الخروج من الانانيّة والاستقلال بالرّأى والطّاعة اى الدّخول تحت امر الآمر الالهىّ صراط مستقيم انسانىّ.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } بيان للآية المأتي بها على معنى: هي قولي: إن الله ربـي وربكم. ولما كان هذا القول مما أجمع الرسل على حقيته ودعوا الناس إليه كان آية دالة على رسالته، وليس المراد بالآية على هذا المعجزة ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوام بل المراد أنه بعد ثبوت النبوة بالمعجزة كان هذا القول لكونه طريقة الأنبياء عليهم السلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس، وجوز أن يراد من الآية المعجزة على طرز ما مر، ويقال: إن حصول المعرفة والتوحيد والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ بين قوم غيروا دينهم وحرفوا كتب الله تعالى المنزلة وقتلوا أنبياءهم ولم يكن ممن تعلم من بقايا أخبارهم من أعظم المعجزات وخوارق العادات. أو يقال من الجائز أن يكون قد ذكر الله تعالى في التوراة إذا جاءكم شخص من نعته كذا وكذا يدعوكم إلى كيت وكيت فاتبعوه فإنه نبـي مبعوث إليكم فإذا قال: أنا الذي ذكرت بكذا وكذا من النعوت كان من أعظم الخوارق، وقرىء ـ أن الله ـ بفتح همزة ـ أن ـ على أن المنسبك بدل من (آية) أو أن المعنى: جئتكم بآية دالة على أن الله الخ، ومثل هذا محتمل على قراءة الكسر أيضاً لكن بتقدير القول، وعلى كلا التقديرين يكون قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ }تفسير : [آل عمران: 50] اعتراضاً. وقد ذكر غير واحد أن الظاهر أن هذه الجملة معطوفة عل جملة {أية : جِئْتُكُم }تفسير : [آل عمران: 49] الأولى وكررت ليتعلق بها معنى زائد وهو قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى } أو للاستيعاب كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص والإحياء والإنباء بالمخفيات، ومن ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد ونحو ذلك والكلام الأول: لتمهيد الحجة عليهم، والثاني: لتقريبها إلى الحكم وهو إيجاب حكم تقوى الله تعالى وطاعته ولذلك جيء بالفاء في {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [آل عمران: 50] كأنه قيل: لما جئتكم بالمعجزات الباهرات والآيات الظاهرات فاتقوا الله الخ، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ } الخ ابتداء كلام وشروعاً في الدعوة المشار إليها بقول مجمل، فإن الجملة الاسمية المؤكدة بأن للإشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد، وقوله تعالى: {فَٱعْبُدُوهُ } إشارة إلى استكمال القوة العملية فإنه ملازمة الطاعة التي هي الاتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، / وتعقيب هذين الأمرين بقوله سبحانه: {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } تقرير لما سبق ببيان أن الجمع بين الأمرين الاعتقاد الحق، والعمل الصالح هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ومعنى قراءة الفتح على ما ذكر ـ لأن الله ـ ربـي وربكم فاعبدوه ـ فهو كقوله تعالى: {أية : لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } تفسير : [قريش: 1] الخ، والإشارة إما إلى مجموع الأمرين، أو إلى الأمر الثاني المعلول للأمر الأول، والتنوين إما للتعظيم أو للتبعيض؛ وجملة {هَـٰذَا } الخ على ما قيل: استئناف لبيان المتقضي للدعوة. هذا والإشارة في هذه الآيات ظاهرة كالعبارة: سوى أن تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس يحتاج إلى بيان فنقول: قال الله سبحانه: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي ملائكة القوى الروحانية لمريم النفس الطاهرة الزكية {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ } لكمال استعدادك ووفور قابليتك {وَطَهَّرَكِ } عن الرذائل والأخلاق الردية {أية : وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء } تفسير : [آل عمران: 42] النفوس الشهوانية المتدرعة بجلباب الأفعال الذميمة {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } أي داومي على الطاعة له بالائتمار بما أمر والانزجار عما نهى {وَٱسْجُدِى } في مساجد الذل {أية : وَٱرْكَعِى }تفسير : [آل عمران: 43] في محاريب الخدوع مع الخاضعين فإن في ذلك إقامة مراسم العبودية وأداء حقوق الربوبية، ولله تعالى در من قال:شعر : ويحسن إظهار التجلد للعدا ويقبح إلا العجز عند الحبائب تفسير : {ذٰلِكَ مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ } أي من أخبار غيب وجودك {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يا نبـي الروح {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي لدى القوى الروحانية والنفسانية، والمراد ما كنت ملتفتاً إليهم بل كنت في شغل شاغل عنهم {إِذْ يُلْقُون } أقلام استعداداتهم التي يكتبون بها صحف أحوالهم وتوراة أطوارهم ويطرحونها في بحر التدبير {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ } ويدبر {مَرْيَمَ } النفس بحسب رأيه ومقتضى طبعه {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } تفسير : [آل عمران: 44] في مقام الصدر الذي هو محل اختصام القوى في طلب الرياسة قبل الرياضة وفي حالها {إِذْ قَالَتِ } ملائكة القوى الروحانية حين غلبت {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكِ } بمقتضى التوجيه إليه {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } جامعة لحروف الأكوان وهو القلب المحيط بالعوالم {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ } لأنه يمسحك بالنور، أو لأنه مسح به {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا } لتدبيره أمر المعاش فيطيعه أنس القوى الظاهرة وجن القوى الباطنة، ووجيهاً في الآخرة لقيامه بتدبير المعاد فيطيعه ملكوت سماء الأرواح، أو شريفاً مرفوعاً في الدنيا وهي عبارة عن تجلي الأفعال، وفي الآخرة وهي عبارة عن تجلي الأسماء {أية : وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } تفسير : [آل عمران: 45] أي المعدودين من جملة مقربـي الحضرة القابلين لتجلي الذات، وفي الخبر «حديث : ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»تفسير : {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ } بما يرشدهم في مهد البدن وقت تغذيه بلبان السلوك إلى ملك الملوك {أية : وَكَهْلاً }تفسير : [آل عمران: 46] بالغاً طور شيخ الروح وواصلاً وسط الطريق {قَالَتْ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ } مثل هذا {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } وهو تعجب من ولادتها ذلك من غير تربية معلم بشري لما أن العادة جرت بأن الوصول إلى المقامات العلية إنما هو بواسطة شيخ مرشد يعرف الطريق ويدفع الآفات، وقد شاع أن الإنسان متى سلك بنفسه ضل أو لم يفز بكثير، ومن كلامهم الشجرة التي تنبت بنفسها لا تثمر {أية : قَالَ كَذٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء }تفسير : [آل عمران: 47] فله أن يصطفي من شاء من غير تربية مرب ولا إرشاد مرشد بل بمجرد الجذبة الإلهية، وهذا شَأن المرادين وبعض المريدين:شعر : رب شخص تقوده الأقدار للمعالي وما لذاك اختيار غافل والسعادة احتضنته وهو عنها مستوحش نفار {أية : وَيُعَلّمُهُ } تفسير : [آل عمران: 48] بالتعليم الإلهي الغني عما يعهد من الوسائط كتاب العلوم المعقولة وحكم الشرائع ومعارف الكتب الإلهية من توراة الظاهر وإنجيل الباطن؛ {و} يجعله {رَسُولاً إِلَىٰ} الروحانيين من {بَنِى إِسْرٰءيلَ } الروح قائلاً: / {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } من عالم الغيب {بِـئَايَةٍ } عظيمة وهي {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ } بالتربية من طين النفوس البشرية {كَهَيْئَةِ } الطائر إلى جناب القدس بجناحي الرجاء والخوف {فَأَنفُخُ فِيهِ } بنفث العلم الإلهي ونفس الحياة الحقيقية {فَيَكُونُ طَيْرًا } أي نفساً حية طائرة في فضاء الجمال والجلال إلى رياض جناب الحق سبحانه {بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىء ٱلأَْكْمَهَ } أي الأعمى المحجوب برؤية الأغيار عن رؤية نور الأنوار {وَٱلأَْبْرَصَ } المبتلى بأمراض الرذائل والعقائد الفاسدة التي أوجبت مخالفة لون بشرته الفطرية {وَأُحْىِ } موتى الجهل بحياة العلم الحقيقية {بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } أي تتناولون من الشهوات واللذات {وَمَا تَدَّخِرُونَ } في بيوت نياتكم من الآمال التي هي كسراب بقيعة {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لأَيَةً لَّكُمْ } نافعة {أية : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }تفسير : [آل عمران: 49]، {وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ } توراة الظاهر فإنه أحد المظاهر {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } بسبب عنادكم وقصركم الحق على بعض مظاهره، وأشير بذلك إلى علم الباطن، والمراد من البعض إما الكل على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ }تفسير : [غافر: 28] وإما ظاهر معناه فيكون إشارة إلى أن من الباطن ما يحرم كشفه، فقد قال مولانا زين العابدين:شعر : ورب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولا استحل أناس مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا تفسير : {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ } بعد أخرى {مّن رَّبّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفتي {أية : وَأَطِيعُونِ } تفسير : [آل عمران: 50] فيما فيه كمال نشأتكم {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } فهو الذي يوصلكم إلى ما فيه كمالكم {فَٱعْبُدُوهُ } بالذل والانكسار والوقوف على بابه بالعجز والافتقار وامتثلوا أمره ونهيه {أية : هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } تفسير : [آل عمران: 51] يوصلكم إليه ويفدُ بِكم عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطٌ} (51) - ثُمَّ أمَرَهُمْ عِيسَى بالتَّوْحِيدِ، وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِمُلاَزَمَةِ الطَّاعَةِ بِأَدَاءِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَرَكَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ السَّوِيُّ الوَاضِحُ، الذِي أَجْمَعَ عَلَيهِ الرُّسُلُ جَمِيعاً، وَهُوَ المُوصِلُ إلى خَيْرَي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ - طَرِيقٌ سَوِيٌّ لاَ عِوَجَ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن اجتمع الرسول والمرسل إليهم في أنهم جميعاً مربوبون إلى إله واحد، هو الذي يتولَّى تربيتهم والتربية تقتضي إيجاداً من عدم، وتقتضي إمداداً من عدم، وتقتضي رعاية قيومية، وعيسى ابن مريم يقر بعبوديته لله وكأنه يقول: وأنا لم أصنع ذلك لأكون سيداً عليكم، ولكن أنا وأنتم مشتركون في العبودية لله. {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} [آل عمران: 51]. ومعنى "هذا صراط مستقيم" أي أنه صراط غير مُلْتَوٍ لأن الطريق إذا التوى؛ انحرف عن الهدف، وحتى تعرف أن الكل يسير على طريق مستقيم واحد، فلتعلم أنك إذا نظرت على سبيل المثال إلى الدائرة، فستجد أن لها محيطاً، ولها مركزاً، ومركز الدائرة هو الذي نضع فيه "سن الفرجار" حتى نرسم الدائرة، وبعد ذلك تصل من المركز إلى المحيط بأنصاف أقطار، وكلما بعدنا عن المركز زاد الفرق، وكلما تقرب من المركز تتلاشى الفروق. فإذا ما كان الخلق جميعاً يلتقون عند المركز الواحد فهذا يعني الاتفاق، لكن الاختلاف يحدث بين البشر كلما بعدوا عن المركز ولذلك لا تجد للناس أهواء ولا نجد الناس شيعاً إلا إذا ابتعدوا عن المركز الجامع لهم. والمركز الجامع لهم هو العبودية للإله الواحد، وما دامت عبوديته لإله واحد ففي هذا جمع للناس بلا هوى أو تفرق. إنه حتى في الأمر الحسي وهو الدائرة المرسومة، نجد أن الأقطار المأخوذة من المحيط وتمر بمركز الدائرة، سنجد أنه في مسافة ما قبل المركز تتداخل الأقطار إلى أن تصير عند نقطة المركز شيئاً واحداً لا انفصال بينها أبداً. وهكذا الناس إذا التقوا جميعاً عند مركز عبوديتهم للإله الواحد، فإذا ما اختلفوا، بعدوا عن العبودية للإله الواحد بمقدار ذلك الاختلاف. ولذلك دعا المسيح عيسى ابن مريم الناس لعبادة الله {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم} [آل عمران: 51] ذلك هو منطق عيسى. كان منطقه الأول حينما كان في المهد {أية : قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}تفسير : [مريم: 30]. إن قضية عبوديته لله قد حُسمت من البداية، وهي قضية القمة، إنه عبد الله والقضية الثانية هي قضية الرسالة ونقل مراد الله وتكليفه إلى خلق الله حتى يبنوا حركة حياتهم على مقتضى ما أنزل الله عليهم، ومن الطبيعي أن أي رسول عندما يأتي بمنهج من عند الله، فالهدف أن يحمل الناس جميعاً على سلوك هذا المنهج، ويحدد حركة حياتهم بـ "افعل كذا" و"لا تفعل كذا" وعندما يسمع الواحد من الناس الأمر بـ"افعل" فقد يجد في التكليف مشقة، لماذا؟ لأنها تلزمه بعمل قد يثقل عليه، و"لا تفعل كذا" فيها مشقة؛ لأنها تبعده عن عمل كان يحبه. والمرء في الأحداث بين اثنين: عمل يشق عليه فيحب أن يجتنبه، وعمل يستهويه فيحب أن يقترب منه، والمنهج جاء من السماء ليقول للإنسان "افعل" ولا "تفعل" إذن فهناك مشقة في أن يحمل الإنسان نفسه على أن يقوم بعمل ما من أعمال التكليف، ومشقة أخرى في أن يبتعد عن عمل نهى عنه التكليف. ومعظم الناس لا تلتفت إلى الغاية الأصيلة؛ ولا يفهمونها حق الفهم، فيأتي أنصار الشر؛ ولا يعجبهم حمل نفوسهم على مرادات خالقهم. إن أفكار الشر تلح على صاحبها فيتمرد على التكليف الإيماني، وأفكار الشر تحاول الاقتراب بصاحبها من فعل الأمور التي حرمها التكليف. ولذلك ينقسم الناس لأنهم لم يحددوا هدفهم في الوجود. إن كل حركة في الوجود يمكننا أن نعرف أنها حركة إيمانية في صالح انسجام الإنسان مع الكون، أو هي حركة غير إيمانية تفسد انسجام الإنسان مع فطرته ومع الكون، فإذا كانت الحركة تصل بالإنسان إلى هدفه الإيماني. فستكون حركة طيبة وحسنة بالنسبة للمؤمن، وإذا كانت تبعده عن هدفه تكون حركة سيئة وباطلة، وهكذا نرى أن الهدف هو الذي يحدد الحركة. إن التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة له هدف بأن يتخرج في مهنة ما، وما دام ذلك هو هدفه فنحن نقيس حركة سلوكه، هل هي حركة تقربه إلى الهدف أن تبعد به عنه؟ فإن كان مجتهداً. فاجتهاده حركة تقرب له الهدف، وإن كان كسولاً، خاملاً فإنه يبتعد بنفسه عن الهدف. إذن يجب أن نحدد الهدف حتى نعرف هل يكون هذا العمل صالحاً. أو غير صالح. وآفة الناس أنهم عندما يحددون أهدافهم يقعون في اعتبار ما ليس بالهدف هدفاً وغاية. وما دام هناك من يعتبر غير الهدف هدفاً فلابد من حدوث اضطراب وضلال، فالذي يعتبر أن الحياة هي الهدف، فهو يريد أن يحقق لنفسه أكبر قدر من اللذة فيها. أما الذي يعرف أن الهدف ليس هو الحياة، إنما الحياة مرحلة، نسأله .. ما الهدف إذن، فيقول: إنه لقاء الله والآخرة. هذا المؤمن سيكون عمله من أجل هذا الهدف. لكن الضال الذي يرى الدنيا وحدها هدفه ولا يؤمن بالجنة أو النار، هو غارق في ضلاله ويقبل على ما تشتهيه نفسه، ويبتعد عما يتعبه وإن كانت فيه سعادته. ولكن المؤمن يعرف أن الهدف ليس هو الدنيا، وأن الهدف في مجال آخر، لذلك يسعى في تطبيق التكاليف الإيمانية ليصل إلى الهدف، وهو الجنة. إذن ما يفسد سلوك الناس هو جهلهم بالهدف، وحين يوجد الهدف، فالإنسان يحاول أن يعرف العمل الذي يقربه من الهدف, فيفعله، فهذا هو الخير. أما الذي يبعده عن الهدف ويفعل عكس الموصل إليه فهذا هو الشر. وإذا كان الأمر كذلك والمسألة هي في تحديد الهدف يجب أن تعلم أن الناس يستقبلون الكثير من الأحداث بما يناقض معرفة الهدف، وما دام الهدف هو أن تذهب إلى الآخرة لتلقى الله فلماذا يغرق في الحزن إنسان لأن له حبيباً قد انتقل إلى رحمة الله؟ هذا الإنسان يمكننا أن نسأله، لماذا تحزن وقد قصر الله عليه خطواته إلى الهدف؟ لا بد أنك حزين على نفسك لأنك مستوحش له، ولأنك كنت تأنس به، أما حزنك من أجله هو، فلا حزن، لأنه اقترب من الهدف ووصل إليه. وفي حياتنا اليومية عندما يكون هدف جماعة أن تصل إلى الإسكندرية من القاهرة، نجد إنساناً ما يذهب إلى الإسكندرية ماشياً، لأنه لا يجد نقوداً أو وسيلة توصله، وتجد آخر يذهب إليها راكباً حماراً، وثالثاً يذهب إليها راكباً حصاناً، ورابعاً يصل إليها راكباً "أتوبيساً"، وخامساً يصل إليها بركوب الطائرة، وسادساً يصل إليها بصاروخ، وكل ما حدث هو أن كل واحد في هذه الجماعة قد اقترب من الهدف بالوسيلة التي توافرت له، وهكذا نجد إنساناً يذهب إلى الله ماشياً في سبعين عاماً، وآخر يستدعيه الله فوراً، فلماذا تحزن عليه؟ إن لنا أن نحزن على الإنسان الذي لم يكن موفقاً في خدمة الهدف، أما الموفق في خدمة الهدف فلنا أن نفرح له، ونقول: إن الله قد قصر عليه المسافة، وأغلبنا إن كان عنده ولد حبيب إلى قلبه وصغير ويفقده فهو يغرق في الحزن قائلاً "إنه لم ير الدنيا" لهذا الإنسان نقول: يا رجل إن الله جعل ابنك يقفز الخطايا ويتجاوزها وأخذه إلى الغاية، فما الذي يحزنك؟ إن علينا أن نحسن استقبال ما يقضي به الله في خلقه، ونعرف أنه حكيم وأنه رحيم وأن كل شيء منه يجب ألا نفهمه خارجاً عن الحكمة. وبعد تلك الآيات الكريمة التي تحدث فيها الحق عن مريم وعيسى عليه السلام .. قال الحق سبحانه: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح المدبر لحالي وحالكم {رَبِّي وَرَبُّكُمْ} أحسن تربيتي بفضله ولطفه وتربيتكم بأن أرسلني إليكم، وإذا سمعتم ما جئت به وأطعتم بمضمونه {فَٱعْبُدُوهُ} حتى تعرفوه واعلموا أن {هَـٰذَا} أي: العبادة والإيمان {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 51] إلى اليقين والعرفان، فعلكيم أن تسلكوه على الوجه الذي أمرت به، والله المستعان، يوصلكم إلى غاية متمناكم، ونهاية مقصدكم ومرامكم. {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ} أي: شعر وأدرك بنور النبوة {مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} وعدم تأثرهم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة {قَالَ} مستفسراً مستبشراً، إظهاراً للمحبة معهم اختباراً لهم على مقتضى وفق النبوة {مَنْ أَنصَارِيۤ} في إهداء المضلين {إِلَى} سبيل {ٱللَّهِ} ينصرني ويعينني عليه؟ {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} أي: الجماعة من أصحابه المنسوبة إلى الحور الذي هو البياض؛ لصفاء قلوبهم وعقائدهم عن كدورة النفاق والشقاق، وخلوص طويتهم بالوفاق: {نَحْنُ أَنْصَارُ} رسول {ٱللَّهِ} ننصرك بقدر وسعنا وطاقتنا في إجراء أحكام الله وتنفيذ أوامره؛ لأنا {آمَنَّا بِٱللَّهِ} المرسل للرسل، المنزل الكتب بتبليغك إيانا {وَٱشْهَدْ} أيها الداعي للخلق إلى الحق لنا يوم العرض الأكبر عند الملك المقتدر {بِأَنَّا} مع إيماننا وإخلاصنا فيه {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] منقادون مطيعون لما جئت به من عند ربنا لإصلاح حالنا. ثم لما اعترفوا بالإيمان بالله وبنصرة رسوله المبلغ لأحكامه، وأشهدوا على إيمانه وإسلامهم، ناجوا مع الله مخبتين مخلصين في سريهم حيث قالوا: {رَبَّنَآ} يا من ربانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب {آمَنَّا} بتوفيقك وبإرشادك رسلك {بِمَآ أَنزَلَتَ} من الكتاب المبين لأحكامك المنبهة المتعلقة لتوحيدك {وَ} مع الإيمان به {ٱتَّبَعْنَا} في امتثال ما أمرت له فيه {ٱلرَّسُولَ} المنزل عليه، المتمثل بجميع أوامره الموسلة إلى الكشف والشهود {فَٱكْتُبْنَا} بفضلك {مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ} [آل عمران: 53] الذين لا يشهدون في الوجود سوى شمس ذاتك وتجلياتها. {وَمَكَرُواْ} احتالوا؛ أي: الكافرون المحسوسون بالكفر في قتل عيسى عليه السلام بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة {وَمَكَرَ ٱللَّهُ} معهم في إنجائه ورفعه إلى السماء، وإلقاء شبهة على من اغتال عليه حتى قتل مجاناً على مظنة أنه هو، مع أنه رفع إلى السماء {وَٱللَّهُ} المنتقم عن من ظلم لأجل من ظلم {خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] أي: أقوى المحتالين لمن اغتال عليه لقتله.