Verse. 345 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَلَمَّاۗ اَحَسَّ عِيْسٰى مِنْھُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ اَنْصَارِيْۗ اِلَى اؘ۝۰ۭ قَالَ الْحَوَارِيُوْنَ نَحْنُ اَنْصَارُ اؘ۝۰ۚ اٰمَنَّا بِاؘ۝۰ۚ وَاشْہَدْ بِاَنَّا مُسْلِمُوْنَ۝۵۲
Falamma ahassa AAeesa minhumu alkufra qala man ansaree ila Allahi qala alhawariyyoona nahnu ansaru Allahi amanna biAllahi waishhad bianna muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلمّا أحس» علم «عيسى منهم الكفر» وأرادوا قتله «قال مَنْ أنصاري» أعواني ذاهبا «إلى الله» لأنصر دينه «قال الحواريون نحن أنصار الله» أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها «آمنّا» صدقنا «بالله واشهد» يا عيسى «بأنّا مسلمون».

52

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان أحدهما: أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أنهم تكلموا بالكفر، فأحس ذلك بإذنه والثاني: أن نحمله على التأويل، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر، وعزمهم على قتله، ولما كان ذلك العلم علماً لا شبهة فيه، مثل العلم الحاصل من الحواس، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس. المسألة الثانية: اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول: قال السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفاً، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فسأله عيسى عن السبب فقال: ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه ويسقيه هو وجنوده، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك، قالت: يا بني ادع الله ليكفي ذلك، فقال: يا أماه إن فعلت ذلك كان شر، فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك، فقال عيسى: لا نفعل، فإنه إن عاش كان شراً، فقال: ما أبالي ما كان إذا رأيته، وإن أحييته تركتك على ما تفعل، فدعا الله عيسى، فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق، وقصد اليهود قتله، وأظهروا الطعن فيه والكفر به. والقول الثاني: إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه، طالبين قتله، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله. والقول الثالث: إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } فما أجابه إلا الحواريون، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله. أما قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية أقوال الأول: أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام: الآن تصيد السمك، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد، فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه، واستعانوا بأهل سفينة أخرى، وملؤا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام. والقول الثاني: أن قوله {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله، ثم ههنا احتمالات الأول: أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟. فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم: أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه، فقال له عيسى: حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها، فصارت كما كانت، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه. والاحتمال الثاني: أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى {أية : فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} تفسير : [الصف: 14]. المسألة الثانية: قوله {إِلَى ٱللَّهِ } فيه وجوه الأول: التقدير: من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني: التقدير: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي، ويظهر أمر الله تعالى الثالث: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } تفسير : [النساء: 2] أي معها، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الذود إلى الذود إبل» تفسير : أي مع الذود. قال الزجاج: كلمة {إِلَىٰ } ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول: ذهب زيد مع عمرو لأن {إِلَىٰ } تفيد الغاية و {مَّعَ } تفيد ضم الشيء إلى الشيء، بل المراد من قولنا أن {إِلَىٰ } ههنا بمعنى {مَّعَ } هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } تفسير : [النساء: 2] أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وكذلك قوله عليه السلام: «حديث : الذود إلى الذود إبل» تفسير : معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع: أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى «حديث : اللّهم منك وإليك» تفسير : أي تقرباً إليك، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته {إِلَىٰ } أي انضم إلى، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس: أن يكون {إِلَىٰ } بمعنى اللام كأنه قال: من أنصاري لله نظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقّ } تفسير : [يونس: 35] والسادس: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل الله. و (إلى) بمعنى (في) جائز، وهذا قول الحسن. أما قوله تعالى: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في لفظ {الحواري} وجوهاً الأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل، وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: «حديث : إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي» تفسير : والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم. القول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟ فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي. القول الثالث: قال الضحاك: مرّ عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري، وقال مقاتل بن سليمان: الحواريون: هم القصارون، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل وبطانته. المسألة الثانية: اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا؟. فالقول الأول: إنه عليه السلام مرّ بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم «تعالوا نصطاد الناس» قالوا: من أنت؟ قال: «أنا عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله» فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواريون. القول الثاني: قالوا: سلمته أمه إلى صباغ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته، فقال له: ههنا ثياب مختلفة، وقد علمت على كل واحد علامة معينة، فاصبغها بتلك الألوان، بحيث يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً، وجعل الجميع فيه وقال: «كوني بإذن الله كما أريد» فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت علي الثياب، قال: «قم فانظر» فكان يخرج ثوباً أحمر، وثوباً أخضر، وثوباً أصفر كما كان يريد، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه، وآمنوا به فهم الحواريون. القول الثالث: كانوا الحواريون إثنى عشر رجلاً اتبعوا عيسى عليه السلام، وكانوا إذا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله: عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج الماء فيشربون، فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك فقال: «أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه» فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، فسموا حواريين. القول الرابع: أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: تعرفونه، قالوا: نعم، فذهبوا بعيسى عليه السلام، قال: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، وأعوانه، والمخلصين في محبته، وطاعته، وخدمته. المسألة الثالثة: المراد من قوله {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال، فالمراد منه ما ذكرناه. أما قوله {آمنا بِٱللَّهِ } فهذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله، لأجل أنا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، والذب عن أوليائه، والمحاربة مع أعدائه. ثم قالوا: {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهاد لله تعالى أيضاً، ثم فيه قولان الأول: المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني: أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم. واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى، وقالوا: {رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا: في الآية المتقدمة {آمنا بِٱللَّهِ } ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا {بِمَا أَنزَلَتْ} وآمنوا برسول الله حيث، قالوا {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ } فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب، فقالوا {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين، ويفضل على درجته، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] الثاني: وهو منقول أيضاً عن ابن عباس {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6]. وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلاً، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام. والقول الثالث: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم، حيث قالوا {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر، وتقوية له، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة. القول الرابع: إن قوله {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السمٰوات مع الملائكة قال الله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلّيّينَ } تفسير : [المطففين: 18] فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين. القول الخامس: إنه تعالى قال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }تفسير : [آل عمران: 18] فجعل أولو العلم من الشاهدين، وقرن ذكرهم بذكر نفسه، وذلك درجة عظيمة، ومرتبة عالية، فقالوا {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك. والقول السادس: أن جبريل عليه السلام لما سأل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه» تفسير : وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود، لا في مقام الغيبة، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال، إلى مقام الشهود والمكاشفة، فقالوا {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ }. القول السابع: إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له، ذابين عنه، قالوا {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك. ثم قال تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية ومداجاة، قال الزجاج: يقال مكر الليل، وأمكر إذا أظلم، وقال الله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 30] وقال: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } تفسير : [يوسف: 102] وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى: {أية : فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } تفسير : [يونس: 71] فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور، لا جرم سمي مكراً. المسألة الثانية: أما مكرهم بعيسى عليه السلام، فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله تعالى بهم، ففيه وجوه الأول: مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، وذلك أن يهودا ملك اليهود، أراد قتل عيسى عليه السلام، وكان جبريل عليه السلام، لا يفارقه ساعة، وهو معنى قوله {أية : وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [البقرة: 87] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة، وكان قد ألقى شبهه على غيره، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق، فرقة قالت: كان الله فينا فذهب، وأخرى قالت: كان ابن الله، والأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الجملة، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه. الوجه الثاني: أن الحواريين كانوا إثنى عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، ودل اليهود عليه، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، فكان ذلك هو مكر الله بهم. الوجه الثالث: ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام، فشمسوهم وعذبوهم، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل، فقال: لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم، ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام، فأخبروه فتابعهم على دينهم، وأنزل المصلوب فغيبه، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم، وكان اسم هذا الملك طباريس، وهو صار نصرانياً، إلا أنه ما أظهر ذلك، ثم إنه جاء بعده ملك آخر، يقال له: مطليس، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله. القول الرابع: أن الله تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم، وهو قوله تعالى: {أية : بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } تفسير : [الإسراء: 5] فهذا هو مكر الله تعالى بهم. القول الخامس: يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود، والله أعلم. المسألة الثالثة: المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاً أحدها: أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر، كقوله {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء والثاني: أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث: أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي من بني إسرائيل. وأحَسّ معناه عِلم ووجد؛ قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى «أحس» عرف، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة. والإحساس: العِلم بالشيء؛ قال الله تعالى: {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} تفسير : [مريم: 98] والحس القتل؛ قال الله تعالى: {أية : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} تفسير : [آل عمران: 152]. ومنه الحديث في الجراد. «إذا حَسَّهُ الْبَرْدُ». {مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي الكفر بالله. وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفرّاء: أرادوا قتله. {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} ٱستنصِر عليهم. قال السدي والثورِي وغيرهما: المعنى مع الله، فإلى بمعنى مع، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2] أي مع. والله أعلم. وقال الحسن: المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله؛ لأنه دعاهم إلى الله عز وجل. وقيل: المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل. فإلى على هذين القولين على بابها، وهو الجَيِّد. وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة؛ عن الحسن ومجاهد. وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه. وقد قال لوط: {أية : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}تفسير : [هود: 80] أي عشيرة وأصحاب ينصرونني. {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار نبيه ودِينه. والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام، وكانوا ٱثنى عشر رجلاً؛ قاله الكلبي وأبو رَوْق. وٱختلف في تسميتهم بذلك؛ فقال ٱبن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. ٱبن أبي نَجِيح وٱبن أرْطَاة: كانوا قصّارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب. قال عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصبّاغين، فأراد معلِّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها. فطبخ عيسى حُبّا واحداً وأدخله جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أُريد منك. فقدِم الحواري والثياب كلها في الحُبِّ فلما رآها قال: قد أفسدتها؛ فأخرج عيسى ثوباً أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه؛ فعجب الحواريّ، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به؛ فهم الحواريون. قتادة والضحاك: سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء. يريدان لنقاء قلوبهم. وقيل: كانوا ملوكاً، وذلك أن الملك صنع طعاماً فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال عيسى ٱبن مريم. قال: إني أترك ملكي هذا وأتبعك. فانطلق بمن ٱتبعه معه، فهم الحواريون؛ قاله ٱبن عون. وأصل الحَوَر في اللغة البياض، وحوّرت الثياب بيضتها، والحُوَّارَي من الطعام ما حُوّر، أي بيض، وٱحْوَرّ ٱبيض، والجَفْنَة المحوّرة: المبيضة بالسنام، والحوارِيّ أيضاً الناصر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكل نبيّ حواريّ وحواريّي الزبير»تفسير : . والحَواريّاتُ: النساء لبياضهن؛ وقال:شعر : فقُلْ للحَواريات يَبْكيْن غيرنَا ولا تَبْكنا إلاّ الكلابُ النَّوابحُ

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ} أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، {قَالَ مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ} قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره: أي: من أنصاري مع الله، وقول مجاهد أقرب. والظاهر أنه أراد: من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: «حديث : من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي»تفسير : حتى وجد الأنصار، فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا عيسى بن مريم عليه السلام، انتدب له طائفة من بني إسرائيل، فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال الله تعالى مخبراً عنهم: { قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } الحواريون قيل: كانوا قصارين، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لكل نبي حوارياً، وحواريي الزبير»تفسير : ، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} قال: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد جيد. ثم قال تعالى مخبراً عن ملإ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك بعيسى عليه السلام، وإرادته بالسوء والصلب حين تمالؤوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافراً، فأنهوا إليه أن ها هنا رجلاً يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفنّد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعناداً للحق ملازماً لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّآ أَحَسَّ } علم {عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } وأرادوا قتله {قَالَ مَنْ أَنصَارِى } أعواني ذاهبا {إِلَى ٱللَّهِ } لأنصر دينه {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أوّل من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً، من (الحُوْر) وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها {ءَامَنَّا} صدقنا {بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ } يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ } أي: علم ووجد: قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى أحسّ: عرف. وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة، والإحساس: العلم بالشيء. قال الله تعالى: {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ } تفسير : [مريم: 98]. والمراد بالإحساس هنا: الإدراك القويّ الجاري مجرى المشاهدة. وبالكفر إصرارهم عليه، وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء: أرادوا قتله. وعلى هذا، فمعنى الآية: فلما أدرك منهم عيسى إرادة قتله التي هي كفر قال: من أنصاري إلى الله.الأنصار جمع نصير. وقوله: {إِلَى ٱللَّهِ } متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي: متوجهاً إلى الله، أو ملتجئاً إليه، أو ذاهباً إليه، وقيل: إلى بمعنى مع كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } تفسير : [النساء: 2] وقيل: المعنى: من أنصاري في السبيل إلى الله، وقيل: المعنى: من يضم نصرته إلى نصرة الله. والحواريون: جمع حواري، وحواريّ الرجل: صفوته، وخلاصته، وهو مأخوذ من الحور، وهو البياض عند أهل اللغة، حوّرت الثياب بيضتها، والحواري من الطعام: ما حوّر: أي بيض، والحواري أيضاً الناصر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكل نبيّ حواريّ، وحواريي الزبير»تفسير : وهو في البخاري، وغيره. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك، فقيل: لبياض ثيابهم. وقيل: لخلوص نياتهم. وقيل: لأنهم خاصة الأنبياء، وكانوا اثني عشر رجلاً، ومعنى أنصار الله: أنصار دينه ورسله. وقوله: {آمنا بالله} استئناف جار مجرى العلة لما قبله، فإن الإيمان يبعث على النصرة. قوله: {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي: اشهد لنا يوم القيامة بأنا مخلصون لإيماننا منقادون لما تريد منا. ومعنى: {بِمَا أَنزَلْتُ } ما أنزله الله سبحانه في كتبه. والرسول عيسى، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي: اتبعناه في كل ما يأتي به، فاكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية، ولرسولك بالرسالة. أو اكتبنا مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم. وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَمَكَرُواْ } أي: الذي أحسّ عيسى منهم الكفر، وهم: كفار بني إسرائيل. ومكر الله: استدراجه للعباد من حيث لا يعلمون. قاله الفراء، وغيره. وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء باسم الابتداء، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] وأصل المكر في اللغة: الاغتيال، والخدع: حكاه ابن فارس، وعلى هذا، فلا يسند إلى الله سبحانه إلا على طريق المشاكلة. وقيل: مكر الله هنا إلقاء شبه عيسى على غيره، ورفع عيسى إليه {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أي: أقواهم مكراً، وأنفذهم كيداً، وأقواهم على إيصال الضرر بمن يريد إيصاله به من حيث لا يحتسب. قوله: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى} العامل في إذ: مكروا، أو قوله: {خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أو فعل مضمر تقديره وقع ذلك. وقال الفراء: إن في الكلام تقديماً، وتأخيراً تقديره إني رافعك، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. وقال أبو زيد: متوفيك قابضك. وقال في الكشاف: مستوفي أجلك، ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخر أجلك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم. وإنما احتاج المفسرون إلى تأويل الوفاة بما ذكر، لأن الصحيح أن الله رفعه إلى السماء من غير وفاة، كما رجحه كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير الطبري، ووجه ذلك أنه قد صحّ في الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نزوله، وقتله الدجال، وقيل: إن الله سبحانه توفاه ثلاث ساعات من نهار، ثم رفعه إلى السماء، وفيه ضعف، وقيل: المراد بالوفاة هنا النوم ومثله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } تفسير : [الأنعام: 60] أي: ينيمكم، وبه قال كثيرون. قوله: {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: من حيث جوازهم برفعه إلى السماء وبعده عنهم. قوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي: الذين اتبعوا ما جئت به، وهم خلص أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلوّ فيه إلى ما بلغ من جعله إلهاً، ومنهم المسلمون، فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى عليه السلام ووصفوه بما يستحقه من دون غلوّ، فلم يفرّطوا في وصفه، كما فرطت اليهود، ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل: المراد: بالآية أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين على اليهود غالبين لهم قاهرين لمن وجد منهم، فيكون المراد بالذين كفروا هم اليهود خاصة؛ وقيل: هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين، وقيل: هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح، وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار، أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين بطوائف المسلمين، كما تفيده الآيات الكثيرة، بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على كل الملل، قاهرة لها مستعلية عليها. وقد أفردت هذه الآية بمؤلف سميته "وبل الغمامة في تفسير: {وَجَاعِ]ُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }" فمن رام استيفاء ما في المقام، فليرجع إلى ذلك. والفوقية هنا هي أعم من أن تكون بالسيف، أو بالحجة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بين العباد بالشريعة المحمدية، ويكون المسلمون أنصاره، وأتباعه إذ ذاك، فلا يبعد أن يكون في هذه الآية إشارة إلى هذه الحالة. قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } أي: رجوعكم، وتقديم الظرف للقصر {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يومئذ: {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمور الدين. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إلى قوله {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير للحكم. قوله {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلاْخِرَةِ } متعلق بقوله: فأعذبهم، أما تعذيبهم في الدنيا، فبالقتل والسبي، والجزية، والصغار، وأما في الآخرة، فبعذاب النار. قوله: {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي: يعطيهم إياها كاملة موفرة، قريء بالتحتية وبالنون. وقوله: {لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } كناية عن بغضهم، وهي جملة تذييلية مقررة لما قبلها. قوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى، وغيره وهو مبتدأ خبره ما بعده، و {مِنَ ٱلأيَـٰتِ } حال، أو خبر بعد خبر. والحكيم المشتمل على الحكم، أو المحكم الذي لا خلل فيه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } قال: كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إنما سمُّوا الحواريين لبياض ثيابهم كانوا صيادين. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك قال: الحواريون قصارون مرّ بهم عيسى فآمنوا به. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: هم أصفياء الأنبياء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: الحواري الوزير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة قال: الحواري الناصر. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } قال: مع محمد، وأمته أنهم شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عنه قال {مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي، فيقتل، وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِنّي مُتَوَفّيكَ } يقول: مميتك. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: متوفيك من الأرض. وأخرج الآخران عنه قال: وفاة المنام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال: هذا من المقدّم، والمؤخر أي: رافعك إليّ، ومتوفيك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مطر الوراق قال: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن وهب قال: توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه، وأخرج ابن عساكر، عنه قال: أماته ثلاثة أيام ثم بعثه، ورفعه. وأخرج الحاكم، عنه قال: توفى الله عيسى سبع ساعات. وأخرج ابن سعد، وأحمد في الزهد، والحاكم، عن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وأخرج ابن عساكر، عن وهب مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله تعالى: {وَمُطَهّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: طهره من اليهود، والنصارى، والمجوس، ومن كفار قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته، وملته، وسنته. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يبالون بمن خالفهم حتى يأتي أمر الله»تفسير : قال النعمان: من قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل، فإن تصديق ذلك في كتاب الله، قال الله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } الآية. وأخرج ابن عساكر، عن معاوية مرفوعاً نحوه، ثم قرأ معاوية الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، وليس بلد فيه أحد من النصارى، إلا وهم فوق اليهود في شرق، ولا غرب، هم البلدان كلها مستذلون.

ابن عطية

تفسير : قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات، تقديره، فجاء عيسى عليه السلام كما بشر الله به فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل، {فلما أحس} ومعنى أحس، علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراض يقال أحسست بالشيء وحسيت به، أصله، حسست فأبدلت إحدى السينين ياء، {والكفر} هو التكذيب به، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله، فحينئذ طلب النصر، والضمير في {منهم} لبني إسرائيل، وقوله تعالى: {قال من أنصاري إلى الله} عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه، كما كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم، وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها يقال {من أنصاري إلى الله}، ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله الناس، والأنصار جمع نصير، كشهيد وأشهاد وغير ذلك، وقيل جمع ناصر، كصاحب وأصحاب وقوله: {إلى الله} يحتمل معنيين، أحدهما: من ينصرني في السبيل إلى الله؟ فتكون {إلى} دالة على الغاية دلالة ظاهرة على بابها، والمعنى الثاني، أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى نصرة الله لي؟ فيكون بمنزلة قوله {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} تفسير : [النساء: 1] فإذا تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء، وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى مع ونعم، إن - مع - تسد في هذه المعاني مسد "إلى" لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن {إلى} فقال {إلى} بمعنى مع حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: {أية : وأيديكم إلى المرافق} تفسير : [المائدة:6] فقال {إلى} بمعنى مع وهذه عجمة بل {إلى} في هذه الآية، غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد إلى فيما قبلها من طريق آخر، و {الحواريون}، قوم مر بهم عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى نصرة، واتباع ملته، فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام، وصبروا في ذات الله، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك، واختلف الناس لم قيل لهم {الحواريون}؟ فقال سعيد بن جبير، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها، وقال أبو أرطأة، سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، وقال قتادة، الحواريون أصفياء الأنبياء، الذين تصلح لهم الخلافة، وقال الضحاك نحوه. قال الفقيه الإمام أبو أحمد: وهذا تقرير حال القوم، وليس بتفسير اللفظة، وعلى هذا الحد شبه النبي عليه السلام، ابن عمته بهم في قوله: وحواريَّ الزبير، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ، إذ هي من الحور، وهو البياض، حورت الثوب بيضته ومنه الحواري، وقد تسمي العرب النساء الساكنات في الأمصار، الحواريات، لغلبة البياض عليهن، ومنه قول أبي جلدة اليشكري: شعر : فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح تفسير : وحكى مكي: أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد، وقرأ جمهور الناس "الحواريّون" بتشديد الياء، واحدهم - حواريّ - وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي، وقرأ إبراهيم النخعي وأبو بكر الثقفي: "الحواريون" مخففة الياء في جميع القرآن، قال أبو الفتح: العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها، ومتى جاءت في نحو قولهم، العاديون والقاضيون والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه، فكان يجب على هذا أن يقال، الحوارون، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالاً لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد، إذ التشديد محتمل للضمة، وهذا كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة يا البتة وحملها الضمة تذكر الحال المرادة فيها. وقول الحواريين: {واشهد} يحتمل أن يكون خطاباً لعيسى عليه السلام، أي اشهد لنا عند الله، ويحتمل أن يكون خطاباً لله تعالى كما تقول: أنا أشهد الله على كذا، إذا عزمت وبالغت في الالتزام، ومنه قول النبي عليه السلام في حجة الوداع: اللهم اشهد، قال الطبري: وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران، أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى، لا ما تقولونه أنتم، يا من يدعي له الألوهية. وقوله: {ربنا آمنا بما أنزلت} يريدون الإنجيل وآيات عيسى، و {الرسول} عيسى عليه السلام، وقولهم: {فاكتبنا مع الشاهدين} عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب، عبروا عن فعل الله بهم ذلك وقال ابن عباس: قولهم {مع الشاهدين} معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ممن يشهد على الناس. ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال: {ومكروا} يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون حتى دخل هو والحواريون بيتاً فأخذوهم فيه، فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهواناً في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكراً في قوله {ومكر الله} وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية، وعلى أن عيسى قال للحواريين: من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحدهم - أنا - فكان ذلك، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهودياً جاسوساً علىعيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، فهذا معنى قوله: {ومكروا ومكر الله} وهذه أيضاً تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، وقوله {والله خير الماكرين} معناه في أنه فاعل في حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل ففي الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله سبحانه أشد بطشاً وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو، وذكر حصر عيسى عليه السلام، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنصَارِى إِلَى اللهِ} مع الله، أو في السبيل إلى الله، أو من ينصرني إلى نصر الله. {الْحَوَارِيُّونَ} لبياض ثيابهم، أو كانوا قَصَّارين يبيّضون الثياب، أو هم خواص الأنبياء، لنقاء قلوبهم من الحور، وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام، استنصرهم ليمنعوه من قتل الذين أرادوا قتله، أو ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق، أو ليميز المؤمن من الكافر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} أي وجد وعرف وقيل: رأى والإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة والمعنى أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك عيسى منهم وعرف إصرارهم عليه وعزمهم على قتله. ذكر سبب القصة: قال أهل الأخبار والسير: لما بعث الله عيسى إلى بني إسرائيل وأمره بإظهار رسالته والدعاء إليه نفوه وأخرجوه من بينهم، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما وكان لتلك القرية ملك جبار معتد فجاء ذلك الرجل في بعض الأيام وهو مهموم حزين فدخل منزله عند امرأته فقالت مريم: ما شأن زوجك أراه كئيباً حزيناً فقالت: لا تسأليني فقالت مريم: أخبريني لعل الله أن يفرج كربته قالت المرأة: إن لنا ملكاً جباراً وقد جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه فيه هو وجنوده ويسقيهم الخمر وأن لم يفعل ذلك عاقبة واليوم نوبتنا وليس عندنا سعة لذلك فقالت لها قولي له: لا يهتم لذلك فأنا آمر ابني أن يدعو له فيكفي ذلك ثم قالت مريم لعيسى في ذلك فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر فقالت مريم: لا نبالي فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا فقال عيسى: قولي له إذا قرب ذلك الوقت فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله عيسى عليه السلام فتحول ماء القدور مرقاً ولحماً وماء الخوابي خمراً لم تر الناس مثله، فلما جاء الملك وأكل من ذلك الطعام وشرب من ذلك الخمر قال من أين لك هذا الخمر؟ فقال الرجل: هو من أرض كذا فقال الملك: إن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه فقال: هي من أرض أخرى فلما رآه الملك اختلط شدد عليه فقال الرجل: أنا أخبرك أن عندي غلاماً لا يسأل الله شيئاً إلاّ اعطاه إياه، وأنه دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه في ملكه وقد مات قبل ذلك بأيام وكان يحبه حباً شديداً فقال الملك: إن رجلاً دعا الله تعالى حتى صار الماء خمراً بدعوته ليستجيبن له في إحياء بني فطلب عيسى وكلمه في ذلك فقال له عيسى لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر فقال الملك: لا أبالي أليس أراه فقال: عيسى: إن أنا أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث نشاء. قال: نعم فدعا الله عيسى فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكة الرجل فقد عاش فبادروا إلى السلاح وقالوا: قد أكلنا هذا الملك حتى إذا دنا أجله يريد أن يستخلف علينا ابنه ليأكلنا كما أكلنا أبوه فقاتلوه وظهر أثر عيسى فقصدوا قتله وكفروا به وقيل: إن اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر به في التوراة وأنه ينسخ دينهم فلما أظهر عيسى الدعوة اشتد ذلك عليهم فأخذوا في أذاه وطلبوا قتله وكفروا به فاستنصر عليهم كما أخبر الله عز وجل عنه بقوله {قال} يعني عيسى عليه السلام {من أنصاري إلى الله} أي مع الله وقيل: معناه إلى أن أبين أمر الله وأظهر دينه وقيل: إلى بمعنى في أي في ذات الله وسبيله وقيل: إلى في موضعها والمعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله لي {قال الحواريون نحن أنصار الله} وذلك أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الله تعالى وتمردوا عليه وكفروا به خرج يسيح في الأرض فمر بجماعة يصطادون السمك، وكانوا اثنى عشر ورئيسهم شمعون ويعقوب فقال عيسى عليه السلام: ما تصنعون؟ قالوا: نصيد السمك قال: أفلا تمشون حتى نصيد الناس قالوا: ومن أنت؟ قال أنا عيسى ابن مريم عبدالله ورسوله فسألوه آية تدلهم على صدقه وكان شمعون قد رمي بشبكته في الماء فدعا الله عيسى فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق من كثرته فاستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤوا السفينتين من السمك فعند ذلك آمنوا به وانطلقوا معه واختلف في الحواريين فقيل: كانوا يصطادون السمك فلما آمنوا بعيسى صاروا يصطادون الناس ويهدونهم إلى الدين، سموا حواريين لبياض ثيابهم يقال: حورت الشيء بمعنى بيضته: وقيل: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها. وقيل: إن مريم سلمت عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر من سلمته إليه الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الصنعة وأنا خارج إلى السفر ولا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان، وقد علمت كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فأريد أن تفرغ منها وقت وقدومي. وخرج المعلم إلى سفره فطبخ عيسى حباً واحداً على لون واحد وأدخل فيه جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك ثم قدم الحواري والثياب كلها في الحب فقال لعيسى: ما فعلت؟ قال قد فرغت منها قال وأين هي؟ قال في الحب قال كلها: قال: نعم قال لقد أفسدت علي الثياب قال عيسى: لا ولكن قم فانظر وقام عيسى وأخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر وثوباً أسود حتى أخرجها كلها على الألوان التي يريد الحواري فجعل الحواري يتعجب من ذلك وعلم أن ذلك من الله تعالى فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه وهم الحواريون. وقيل: سموا حواريين لصفاء قلوبهم ولما ظهر عليهم من أثر العبادة ونورها وقيل: الحواريون الأصفياء وكانوا أصفياء عيسى وخاصته وقيل: الحواريون هم الخلفاء وقيل: هم الوزراء وكانوا خلفاء عيسى ووزراؤه وقيل: الحواريون هم الأنصار والحواري الناصر والحواري الرجل الذي يستعان به (ق) عن جابر بن عبدالله قال: ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي حوارياً وحواربي الزبير قال الحواريون: نحن أنصار الله يعني أنصار دين الله ورسوله وأعوانه {آمنا بالله} أي صدقنا بأن الله ربنا ورب كل شيء {واشهد} يعني أنت يا عيسى {بأنا مسلمون} قيل: معناه واشهد بأنا منفادون لما تريد من نصرك والذب عنك ومستسلمون لأمر الله عز وجل وقيل: هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين عيسى وكل الأنبياء قبله لا اليهودية والنصرانية.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ ٱتسَاقُ الآيات، تقديره: فجاء عيسَىٰ؛ كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، {فَلَمَّا أَحَسَّ}، ومعنى: {أَحَسَّ}: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، {قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱللَّهِ} وقوله: {إِلَى ٱللَّهِ}: يحتملُ معنيين: أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه. والثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلَىٰ نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلَىٰ» بمعنى «مع»؛ كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: {أية : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ} تفسير : [المائدة:6]، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ»، وهذه عُجْمَة. والحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسَىٰ صلى الله عليه وسلم، فدَعَاهم إلَىٰ نصرِهِ وٱتباعِ ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، وٱختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟ فقال ابنُ جُبَيْرٍ: لبياضِ ثيابِهِمْ، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ، وقال الضَّحَّاك نحوه، قال * ع *: وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلَىٰ هذا الحدِّ شبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ٱبْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «حديث : وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ»تفسير : . والأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة؛ إذ هي من الحَوَر، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته؛ ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ: الحَوَارِيَّاتِ؛ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ؛ ومنه قولُ أبِي جِلْدَةَ اليَشْكُرِيِّ: [الطويل]شعر : فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ تفسير : وقولُ الحواريِّين: {وَٱشْهَدْ} يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، أي: ٱشْهَدْ لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً للَّه تعالَىٰ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱشْهَدْ»تفسير : ، وقولهم: {رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ} يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسَىٰ، {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالَىٰ عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، فقال: {وَمَكَرُواْ}، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالَىٰ؛ بأنْ طرح شَبَهَ عيسَىٰ علَىٰ أحد الحواريِّين؛ في قول الجمهور، أو علَىٰ يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالَىٰ مَكْراً في قوله: {وَمَكَرَ ٱللَّهُ}، وذلك مَهْيَعٌ أنْ تسمَّى العقوبةُ بٱسْمِ الذنب. وقوله: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ}: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره»، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ٱبْنَ مِهْرَانَ؛ عن قولِهِ تعالَىٰ: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم. اهـ. ونحوه عن الجُنَيْدِ، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإِلَــٰـهِ الاِسْتِدْرَاجُ، قال اللَّه تعالَىٰ: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [القلم:44] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لَهُمْ نعمة. اهـ.

ابن عادل

تفسير : الإحساس: الإدراك ببعص الحواسّ الخمس وهي الذوق والشمُّ واللمس والسمع والبصر - يقال: أحسَسْتُ بالشيء وبالشيء وحَسَسْتُه وحَسَسْتُ به، ويقال: حَسَيْت - بإبدال سينه الثانية ياءً - وأحست بحذف أول سِينيه -. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 1486- سِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ تفسير : قال سيبويه: ومما شَذَّ من المضاعف - يعني في الحَذْف - فشبيه بباب أقمت، وليس وذلك قولهم أَحَسْتُ وأَحَسْنَ - يريدون: أحسست وأحسَسْنَ، وكذلك تفعل به في كل بناء يبنى الفعل فيه ولا تصل إليه الحركة، فإذا قلت: لم أحس، لم تحذف. وقيل: الإحساس: الوجود والرؤية، يقال: هل أحْسَسْتَ صاحبَك - أي: وجدته، أو رأيته؟ قال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ "الحِسّ" في القرآن على أربعة أضربٍ: الأول: بمعنى الرؤية، قال تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} [آل عمران: 52] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ} تفسير : [الأنبياء: 12] أي رأوه. وقوله {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} تفسير : [مريم: 98] أي: هل تَرَى منهم؟ الثاني: بمعنى القتل، قال تعالى: {أية : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}تفسير : [آل عمران: 152] أي: تقتلونهم. الثالث: بمعنى البحث، قال تعالى: {أية : فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} تفسير : [يوسف: 87]. الرابع: بمعنى الصوت، قال تعالى: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} تفسير : [الأنبياء: 102] أي: صَوْتَهَا. قوله: {مِّنْهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ "أحَسَّ" و "مِنْ" لابتداء الغاية أي: ابتداء الإحساس من جهتهم. الثاني: أنه متعلق بمحذوف، على أنه حال من الكفر، أي: أحس الكفر حال كونه صادراً منهم. فصل في هذا الإحساس وجهان: أحدهما: أنهم تكلَّمُوا كلمةَ الكُفْرِ فأحَسُّوا ذلك بإذنه. والثاني: أن يُحْمَلَ على التأويل، وهو أنه عرف منهم إصرارَهم على الكفر وعزمهم على قتله، ولما كان ذلك العلم عِلْماً لا شُبْهَةَ فيه، مثل العلم الحاصل من الحواس - لا جرم - عبر عنه بالإحساس، واختلفوا في السبب الذي ظهر فيه كفرهم على وُجُوهٍ: أحدها: قال السُّدِّيُّ: إنه - تعالى - لما بعثه إلى بني إسرائيل، ودعاهم إلى دينِ اللهِ تعالى فتمردوا وعصوا، فخافهم واختفى عنهم. وقيل: نفوه وأخرجوه، فخرج هو وأمُّه يَسِيحَانِ في الأرض، فَنَزَلا في قرية على رجل، فأضافهم، وأحسن إليهم، وكان بتلك المدينة ملك جَبَّار، فجاء ذلك الرجل يوماً حَزِيناً، مُهْتَمًّا، ومريم عند امرأته، فقالت مريم ما شأن زَوْجك؟ أراه كئيباً؟ قالت: لا تسأليني. فقالت: أخبريني، لعل الله يفرِّج كرْبَتَه، قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يطعمه ويطعم جنوده، ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل، عاقبه، واليوم نوبتنا، وليس لذلك عندنا سَعَةٌ، قالت: فقولي له: لا يهتم؛ فإني آمُرُ ابني فيدعو له، فيُكفى ذلك. فقالت مريم لعيسى يا ولدي ادع الله أن يكفيه ذلك، فقال: يا أمَّه، إن فعلتُ ذلك كان فيه شر فقالت: قد أحْسَنَ إلينا وأكرمنا، فقال عيسى: قولي له إذا قَرُب مجيء الملك فاملأ قُدُورَك وجوابيَك [ماءاً] ثم أعْلِمْني. ففعل ذلك، فدعا الله تعالى - فتحوَّل ما في القدور طبيخاً، وما في الجوابي خَمْراً، لم يرى الناس مثلَه، فلما جاء الملك أكل، فلما شرب الخمرَ، قال: من اين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا، قال الملك: إن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هذه من أرض أخرى، فلما خلط على الملك، واشتد عليه، قال: أنا أُخْبِرُك، عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً وكان للملك ابن يُريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيام - وكان أحبَّ الخلق إليه - فقال: إنه رجل دعا الله حتى جعل الماء خمراً ليُستجابَنَّ له حتى يُحْييَ ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش وقع الشر فقال: ما أبالي ما كان - إذا رأيته - قال عيسى: فإن أحيَيْتُهُ تتركني وأمي نذهب حيث شئنا؟ قال: نعم. فدعا الله تعالى - فعاش الغلامُ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلفَ علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه؟ فاقتتلوا. وذهب عيسى وأمُّه فمروا بالحواريِّين - وهم يصطادون السمكَ - فقال ما تصنعون؟ قالوا: نصطاد السمك، قال: أفلا تمشون حتى تصطادوا الناسَ؟ قالوا: مَنْ أنت؟ قال: عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله، {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}؟ فآمنوا به وانطلقوا معه وصار أمر عيسى مشهوراً في الخلق، فقصد اليهودُ قتلَه، وأظهروا الطعن فيه. وثانيها: أن اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشَّر به في التوراة، وأنه ينسخ دينَهم، فكانوا هم أوَّل طاعنين فيه، طالبين قَتْلَهُ، فلما أظهر الدعوةَ، اشتد غضبهُم، وأخذوا في إيذائه وطلبوا قتله. وثالثها: أن عيسى - عليه السلام - ظنّ من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به، وأن دعوته لا تنجع فيهم، فأحب أن يمتحنهم، ليتحقق ما ظنه بهم، فقال لهم: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} فما أجابه إلا الحواريُّونَ، فعند ذلك أحس بأن مَنْ سِوَى الحواريين كافرون، مصرون على إنكار دينه، وطلب قتله. قوله: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}؟ "أنْصَار" جمع نصير نحو شريف وأشراف. وقال قوم: هو جمع نَصْر المراد به المصدر، ويحتاج إلى حذف مضاف أي مَنْ أصْحَابُ نُصْرَتي؟ و "إلى" على بابها، وتتعلق بمحذوف؛ لأنها حال، تقديره: من أنصاري مضافين إلى الله، كذا قدره أبو البقاء. وقال قوم إن "إلَى" بمعنى مع أي: مع الله، قال الفرَّاء: وهو وجه حسن. وإنما يجوز أن تجعل "إلَى" في موضع "مع" إذا ضَمَمْتَ الشيء إلى الشيء مما لم يكن معه، كقول العرب: الذود إلى الذَّوْدِ إبل، أي: مع الذود. بخلاف قولك: قدم فلان ومعه مال كثير، فإنه لا يصلح أن يقال: وإليه مال، وكذا قوله: قدم فلان مع أهله، ولو قلت إلى أهله لم يصح، وجعلوا من ذلك أيضاً قوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ} تفسير : [النساء: 2]. وقد رد أبو البقاء كونَها بمعنى: "مع" فقال: [وقيل: هي بمعنى: "مع"] وليس بشيء؛ فإن "إلَى" لا تصلح أن تكون بمعنى "مع" ولا قياس يُعَضِّدُهُ. وقيل: إن "إلَى" بمعنى اللام من أنصاري لله؟ كقوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ}، كذا قدره الفارسي. وقيل: ضمَّن أنصاري معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصرتي، فيكون "إلَى الله" متعلقاً بنفس "أنصاري". وقيل: متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في "أنْصَارِي" أي: مَنْ أنصاري ذَاهِباً إلى الله ملتجِئاً إليه، قاله الزمخشريُّ. وقيل: التقدير: من أنصاري إلى أن أبَيِّن أمر الله، وإلى أن أظهر دينه، ويكون "إلَى" هاهنا غاية؛ كأنه أراد: من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي، ويظهر أمرُ الله؟ وقيل: المعنى: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه؟ وفي الحديث: أنه - عليه السلام - كان يقول - إذا ضَحَّى -: "حديث : اللَّهُمَّ مِنْكَ وإلَيْكَ" تفسير : أي تقرّبنا إليك. وقيل: "إلَى" بمعنى: "في" تقديره: من أنصاري في سبيل الله؟ قاله الحسنُ. فصل والحواريون، جمع حواري، وهو النّاصرُ، وهو مصروفٌ - وإن ماثل "مفاعل"؛ لأن ياء النسب فيه عارضة ومثله حَوَاليّ - وهو المحتال - وهذا بخلاف: قَمَارِيّ وَبخَاتِيّ، فإنهما ممنوعان من الصرف، والفرق أن الياء في حواريّ وحواليّ - عارضة، بخلافها في قَمَاري وبخاتيّ فإنها موجودة - قبل جمعهما - في قولك قُمْريّ وبُخْتِيّ. والحواريّ: الناصر - كما تقدم - ويُسَمَّى كل من تبع نبياً ونصره: حوارياً؛ تسمية له باسم أولئك؛ تشبيهاً بهم، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في الزبير: "حديث : ابن عمتي وحواريّ أمتي" تفسير : وفيه أيضاً - "حديث : إنَّ لكل نبي حواريًّا وحواريي الزُّبَيْر"تفسير : ، وقال معمر قال قتادة: إن الحواريّين كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدةِ بن الجراح، وعثمان بن مَظْعُون وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وَقّاصِ وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوامِ - رضي الله عنهم أجمعين. وقيل: الحواريّ: هو صفوة الرجل وخالصته واشتقاقه من جِرتُ الثوب، أي: أخلصت بياضَه بالغَسْل، ومنه سُمِّي القَصَّار حوارياً؛ لتنظيفه الثياب، وفي التفسير: إن أتباع عيسى كانوا قصارين. قال أبو عبيدة: سمي أصحاب عيسى الحواريون للبياض وكانوا قصارين. وقال الفرزدق: [البسيط] شعر : 1487- فَقُلْتُ: إنَّ الْحَوَارِيَّاتِ مَعْطَبَةٌ إذَا تَفَتَّلْنَ مِنْ تَحْتِ الْجَلاَبِيْبِ تفسير : يعني النساء؛ لبياضهن وصفاء لونهن - ولا سيما المترفِّهات - يقال لهن: الحواريات، ولذلك قال الزَّمَخْشَريُّ: وحواري الرَّجُلِ: صفوته وخالصته، ومنه قيل للحضريات: الحواريات؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن. [وأنشد لأبي حلزة اليشكري]: [الطويل] شعر : 1488- فَقُلْ للحَوَارِيَّاتِ: يبكين غيرَنا ولا تبكِنا إلا الكلابُ النوابحُ تفسير : ومنه سميت الحور العين؛ لبياضهن ونظافتهن، والاشتقاق من الحور، وهو تبيض الثياب وغيرها: وقال الضّحّاكُ: هم الغَسَّالون وهم بلغة النبط - هواري - بالهاء مكان الحاء -. قال ابن الأنباري: فمن قال بهذا القول قال: هذا حرف اشتركت فيه لغة العرب ولغة النبطِ وهو قول مقاتل بن سليمان إن الحواريين هم القصارون. وقيل: "هم المجاهدون" كذا نقله ابنُ الأنباريّ. وأنشد: [الطويل] شعر : 1489- وَنَحْنُ أُنَاسٌ تَمْلأُ البِيْضُ هَامُنَا وَنَحْنُ الحَوَارِيُّونَ يَوْمَ نُزَاحِفُ جَمَاجِمُنَا يَوْمَ اللِّقَاءِ تُرُوسُنَا إلَى الْمَوْتِ نَمْشِي لَيْسَ فِينَا تَجَانُفُ تفسير : قال الواحديُّ: والمختار - من هذه الأقوال عند أهل اللغة - أن هذا الاسم لزمهم للبياض ثم ذكر ما تقدم عن أبي عبيدة. وقال الراغبُ: حوَّرت الشيء: بيَّضته ودوَّرته، ومنه الخبز الحُوَّارَى، والحواريُّون: أنصار عيسى. وقيل: اشتقاقه من حار يَحُور - أي: رَجَع. قال تعالى: {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} تفسير : [الانشقاق: 14]. أي لن يرجع، فكأنهم الراجعون إلى الله تعالى حار يحور حَوَراً - أي: رجع - وحار يحور حَوَراً - إذا تردَّد في مكانه ومنه: حار الماء في القدر، وحار في أمره، وتحيَّر فيه، وأصله تَحَيْوَرَ، فقُلِبَت الواوُ ياءً، فوزنه تَفَيْعَل، لا تفعَّل؛ إذْ لو كان تفعّل لقيل: تحوَّر نحو تجوَّز ومنه قيل للعود الذي تُشَدُّ عليه البكرة: مِحْوَر؛ لتردُّدِهِ، ومَحَارة الأذُنِ، لظاهره المنقعر - تشبيهاً بمحارة الماء؛ لتردُّد الهواء بالصوت كتردُّد الماء في المحارة، والقوم في حوارى أي: في تَرَدُّد إلى نقصان، ومنه: "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" وفيه تفسيران: أحدهما: نعوذ بالله من التردُّد في الأمر بعد المُضِيِّ فيه والثاني: نعوذ بالله من النقصان والتردُّد في الحال بعد الزيادةِ فيها. ويقال: حَارَ بعدما كان. والمحاورة: المرادَّة في [الكلام]، وكذلك التحاورُ، والحوار، ومنه: {أية : وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} تفسير : [الكهف: 34] و {أية : وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ}تفسير : [المجادلة: 1] ومنه أيضاً: كلمته فما رجع إليَّ حواراً وحَوِيراً ومَحُورة وما يعيش بحَوْر - أي: بعَقْل يرجع إليه. والحور: ظهور قَلِيلِ بَيَاض في العين من السواد، وذلك نهاية الحُسْنِ في العينِ، يقال - منه -: أحورت عينه، والمذكر أحور، والمؤنث حوراء والجمع فيهما حور - نحو حُمر في جمع أحمر وحمراء -. وقيل: سُمِّيت الحوراءُ حوراء لذلك. وقيل: اشتقاقهم من نقاء القلب وخلوصه وصدقه، قاله أبو البقاء والضَّحَّاك، وهو راجع للمعنى الأول من خلوص البياض، فهو مجاز عن التنظيف من الآثام، وما يشوب الدين. قاله ابن المبارك: سُمُّوا بذلك؛ لما عليهم من أثر العبادة ونورها. وقال رَوْحُ بن قَاسِم: سألت قتادةَ عن الحواريِّين، فقال: هم الذين تَصْلُح لهم الخلافةُ، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء. والياء في "حواريّ وحواليّ" ليست للنسب، بل زيادة كزيادتها في كُرْسِيٍّ، وقرأ العامة "الْحَوَارِيُّونَ" بتشديد الياء في جميع القرآن، وقرأ الثَّقَفِي والنخعيّ بتخفيفها في جميع القرأن، قالوا: لأن التشديد ثقيل. وكان قياس هذه القراءة أن يُقال فيها: الحوارون؛ وذلك أنه يستثقل الضمة على الياء المكسور ما قبلها، فتنتقل ضمة الياءِ إلى ما قبلها، فتَسْكُن الياء، فيلتقي ساكنان، فيحذفوا الياء؛ لالتقاء الساكنين، وهذا نحو جاء القاضون، الأصل: القاضيون، فَفَعَلُوا به ما ذُكِر. قالوا: وإنما أقِرَّت ضمةُ الياء عليها؛ تنبيهاً على أن التشديد مُرادٌ؛ لأن التشديد يتحمل الضمة، كما ذهب الأخفشُ في "يَسْتَهْزِيُونَ" إذ أبدل الهمزةَ ياءً مضمومةً، وإنما بقيت الضمة؛ تنبيهاً على الهمزة. فصل في المراد بـ "الحواريين" اختلفوا في الحواريين، فقال مجاهد والسُّدِّيُّ: كانوا صيادين يصطادون السمك وسُمُّوا حواريين؛ لبياض ثيابهم، وذلك أن عيسى لما خرج سائحاً مَرَّ بجماعة يصطادون السمك وكان فيهم شمعون ويعقوب ويُوحَنَّا بني رودي وهم منه جملة الحواريين الاثني عشر، فقال لهم عيسى: أنتم تصيدون السمك، فإن اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناسَ بحياة الأبد، قالوا: ومن أنت؟ قال: عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله فطلبوا منه المعجز، وكان شمعون قد رَمَى شبكته تلك الليلة، فما اصطاد شيئاً، فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى فاجتمع في تلك الشبكة ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملئوا سفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى صلى الله عليه وسلم. وقال الحسنُ: كانوا قصَّارين، سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا يحوِّرون الثيابَ، أي يبيِّضونها. وقيل: كانوا ملاَّحين وكانوا اثني عشر رجلاً، اتَّبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روحَ الله جعنا، فيضرب بيده الأرضَ، فيخرج لكل واحد رغيفانِ، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا، فيضرب بيده الأرضَ فيخرج الماء، فيشربون، فقالوا: من أفضل منا؛ إذا شئنا أطُعِمْنَا، وإذا شئنا استقينا، وقد آمنا بك؟ فقال: أفضل منكم مَنْ يعمل بيده، ويأكل من كَسْبه، قال: فصاروا يَغْسِلُون الثيابَ بالكراء، فسُمُّوا حَوَاريِّين. وقيل: كانوا ملوكاً، وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلامُ على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: أتعرفونه؟ قالوا: نعم فذهبوا، فجاءوا بعيسى، فقال: من أنت؟ قال عيسى ابن مريم، قال: وأنا أترك ملكي وأتبعك، فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون. وقيل: إن أمه سلَّمته إلى صَبَّاغ، فكان إذا أراد أن يعلِّمَه شيئاً كان هو أعلم به منه، فأراد الصباغ أن يغيب يوماً لبعض مُهمَّاتِه، فقال له: هاهنا ثياب مختلفة، وقد جعلت على كل واحد علامةً معينةً، فاصبغها بتلك الألوان حتى يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب، فطبخ عيسى صلى الله عليه وسلم جُبًّا واحداً، وجعل الجميع فيه، وقال: كوني بإذن الله كما أريد، فرجع الصباغ، وسأله، فأخبره بما فعل، فقال: أفسدت عليَّ الثيابَ، قال: قم فانظر، فكان يخرج ثوباً أخضر، وثوباً أصفر، وثوباً أحمر، - كما كان يريد - إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه وآمنوا به، وهم الحواريُّونَ. قال القفَّال: ويجوز أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السَّمكِ، وبعضهم من القصَّارين، وبعضهم من الصبَّاغين، والكل سموا بالحواريين؛ لأنهم كانوا أنصار عيسى - عليه السلام - وأعوانه، والمخلصين في محبته وطاعته. قوله: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي: أنصار أنبيائه؛ لأن نُصْرَةَ اللهِ - في الحقيقة - محالٌ. {آمَنَّا بِٱللَّهِ} هذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى: أنه يجب علينا أن نكون من أنصار الله؛ لأجل أن آمنا به؛ فإن الإيمان بالله يوجب نُصْرَةَ دينِ الله، والذَّبَّ عن أوليائه، والمحاربة لأعدائه، ثم قالوا: {وَٱشْهَدْ} يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي: منقادون لما تريد منا من نُصْرَتِك. ويحتمل أن يكون ذلك إقراراً منهم بأن دينَهم الإسلام، وأنه دين كلّ الأنبياء - عليهم السلام - ولما أشهدوا عيسى على إيمانهم تضرَّعوا إلى الله، وقالوا: {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} عيسى {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين؛ لأن كل نبي شاهد أمته، وقد أجاب الله دعاءهم، وجعلهم مثل الأنبياء والرسل وأحيوا الموتى كما صنع عيسى - عليه السلام -. قال ابن عباس: مع محمد وأمته، قال تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنتَ ذكرَهم بذكرِك في قولك: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران: 18]. قوله: {مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} حال من مفعول {فَٱكْتُبْنَا} وفي الكلام حذف، أي: مع الشاهدين لك بالوحدانية. قوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} من باب المقابلة، أي: لا يجوز أن يوصف - تعالى - بالمكر إلاَّ لأجْل ما ذُكِرَ معه من لفظ آخر مسند لمن يليق به. هكذا قيل، وقد جاز ذلك من غير مقابلة في قوله: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ}تفسير : [الأعراف: 99] والمكر في اللغة أصله الستر، يقال: مكر اللَّيْلُ، أي أظلم وستر بظلمته ما فيه. قال القرطبي: وأصل المكر في اللغة: الاحتيال والخِداع، والمكر: خَدَالةُ الساق، والمكر: ضَرْب من النبات ويقال: بل هو المَغْرَة، حكاه ابنُ فارس، قالوا: واشتقاقه من المكر، وهو شجر ملقف، تخيلوا منه أن المكر يلتفّ بالممكور به ويشتمل عليه، وامرأة ممكورة الخَلْق، أي: ملتفة الجسم، وكذا ممكورة البَطْن. ثم أطلق المكر على الخُبْث والخداع، ولذلك عبر عنه بعض أهل اللغة بأنه السعيُ بالفساد، قال الزّجّاجُ هو من مكر الليل وأمكر أي أظلم، وعبر بعضهم عنه فقال هو صرف الغير عما يقصده بحيلةٍ، وذلك ضربان: محمود، وهو ان يتحرَّى به فِعْلَ جَميلٍ، وعلى ذلك قوله: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}. ومذموم، وهو أن يتحرَّى به فعل قبيح، نحو: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43]. فصل أمَّا مَكْرُهُمْ بعيسى - عليه السلام - فهو أن عيسى لما خرج عن قومه - هو وأمه - عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فَهَمُّوا بقتله، فذلك مكرهم به. وأما مكرُ الله بهم ففيه وجوه: أحدها: أن مكر الله استدرَاج العبد، وأخذه بغتةً من حيث لا يعلم، كما قال {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [القلم: 44]. وقال الزّجّاج: "مكر الله" مجازاتهم على مكرهم، فسَمَّى الجزاءَ باسم الابتداء؛ لأنه في مقابلته، كقوله: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} تفسير : [البقرة: 15] وقوله: {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142]. ومكر الله - تعالى - خاصة بهم في هذه الآية هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء وذلك أن اليهود أرادوا قتلَ عيسى، وكان جبريل لا يفارقه ساعةً واحدةً، وهو معنى قوله: {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [البقرة: 87] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه رَوْزَنَةٌ، فلما دخلوا أخرجه جبريل من تلك الروزنة، وكان قد ألقي شبهه على غيره، فأخِذ، وصُلِب، فتفرَّق الحاضرون ثلاث فرقٍ: فرقة قالوا: كان الله فينا فذهب. والأخْرَى قالت: ابن الله. والثالثة قالت: كان عبد الله ورسوله فأكرمه بأن رفعه إلى السماء فصار لكل فرقة جمع، وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنة إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحدٌ منهم، ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه، ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافقَ الذي كان منهم وقتلوه، وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، ثم قالوا: وجهه يُشْبِه وَجْه عيسى، وبدنه يشبه بدن عيسى صاحبنا، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فوقع بينهم قتالٌ عظيمٌ، حتى قتل بعضهم، فذلك هو مكرُ اللهِ بهم. الثالث: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: إن اليهودَ عَذبُوا الحواريين بعد أن رُفِع عيسى عليه السلام، ولَقُوا منهم الجهد، فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته، فقيل له: إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله، وأراهم إحياء الموتَى، وإبراء الأكْمَهِ والأبرصِ، وفَعَل وَفَعَل، فقال: لو علمتُ ذلك ما خَلَّيْتُ بينهم وبينه. ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى، فأخبروه وبايعوه على دينهم، وأنزل المصلوب، فغيبه، وأخذ الخشبة، فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيلَ وقتل منهم خَلْقاً عظيماً، ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم وكان اسم هذا الملك طباريس، وصار نصرانياً إلا أنه ما أظهَر ذلك، ثم جاء بعده ملك آخرُ يقال طبطيوس غزا بيت المقدس بعد رفع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى، ولم يترك في مدينة بيت المقدسِ حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظةُ والنضيرُ إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله تعالى به على تكذيب المسيح والهَمِّ بقَتْله. الرابع: أن الله تعالى سلَّط عليهم ملك فارس، فقتلهم، وسباهم، وهو قوله: {أية : بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ} تفسير : [الإسراء: 5] فهذا هو مكر الله - تعالى - بهم. الخامس: يحتمل أن يكون المراد منهم أنهم مكروا في إخفاء أمره، وإبطال دينه، ومكر الله بهم، حيثُ أعلى دينَهُ، وأظهر شَرِيعَتَهُ، وقهر بالذل أعداءَه - وهم اليهود. وفي قوله: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} إيقاعُ الظاهرِ موقعَ المضمر؛ إذ الأصل: ومكروا ومكر اللهُ، وَهُوَ خَيرُ بالْماكِرِينَ. قوله: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} في ناصبه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: قوله: {وَمَكَرَ ٱللَّهُ} أي: مكر الله بهم في هذا الوقت. الثاني: {خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}. الثالث: أنه "اذكرْ" - مقدَّراً - فيكون مفعولاً به كما تقدم تقريره. قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، فيه وجهان: أحدهما: وهو الأظهر - أن يكون الكلام على حاله - من غير ادعاء تقديم وتأخير فيه - بمعنى إني مستوفي أجلك ومؤخرك وعاصمك من أن يقتلكَ الكفارُ، إلى أن تموت حتفَ أنفِك - من غير أن تُقتَل بأيدي الكفار - ورافعك إلى سمائي. الثاني: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصلُ: رافعك إليَّ ومتوفيك؛ لأنه رُفِعَ إلى السماء، ثم يتوفى بعد ذلك، والواو للجمع، فلا فرق بين التقديمِ والتأخيرِ قاله أبو البقاء. ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كل واحد في مكانه مما تقدم من المعنى، إلا أن أبا البقاء حمل التوفي على الموت، وذلك إنما هو بَعْدَ رَفْعِه، ونزلوه إلى الأرض، وحُكمِه بِشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديثِ. فعلى الأول ففيه وجوهٌ: أحدها: إني متمم عمرك، وإذا تَمَّ عمرُك فحينئذٍ أتوفَّاك كما قدمناه. الثاني: إني مُميتُك، والمقصود منه ألا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله. وهو مروي عن ابن عبَّاسٍ ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجهٍ: الأول: قال وَهْبٌ: تُوفِّي ثلاثَ ساعاتٍ، ثم رُفِع وأحْيِيَ. الثاني: قال محمد بن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه. الثالث: قال الربيع بن أنس: إنه - تعالى - أنامه حال رفعه إلى السماء، قال تعالى {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42]. وثالثها: أن الواو لا تفيد الترتيب، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ثبت أنه حي، وأنه ينزل ويقتل الدجال ثم يتوفاه الله بعد ذلك. رابعها: إني متوفيك عن شهواتك، وحظوظ نفسك، فيصير حاله كحال الملائكة- في زوال [الشهوات] والغضب والأخلاق الذميمة -. خامسها: أن التَّوفِّيَ اخذ الشيء وافياً، ولما علم الله أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو رُوحهُ، لا جَسَدُهُ، ذكر ذلك؛ ليدل على أنه - عليه السلام - رفع بتمامه إلى السماء - بروحه وجسده. وسادسها: إني متوفيك، أي جاعلك كالمتوفى؛ لأنه إذا رفع إلى السماء، وانقطع خبره، وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن. وسابعها: أن التوفِّي هو القبض، يقال: فلان وفاني دراهمي، ووافاني، وتوفيتها منه، كما يقال سلم فلان دراهمي إلي، وتسلمتها منه. فإن قيل: فعلى هذا يكون التوفي في عين الرفع، فيصير قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} تكراراً، فالجواب: أن قوله {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} يدل على حُصُولِ التَّوفِّي، وهو جنس تحته أنواع، بعضها بالموتِ وبعضُها بالإصعادِ، فلما قال: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} صار تعييناً للنوع، فلم يكن تكراراً. ثامنها: أن يقدر حذف مضاف، أي: متوفي عملك، بمعنى مستوفي عملك، ورافعك إليَّ، أي: ورافع عملك إليّ، كقوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10] والمرادُ منه: أنه تعالى بشره بقبول طاعاتِهِ وأعماله، وعرَّفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق - في نشر دينه، وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يُضيع أجره، ولا يهدر ثوابهُ. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ليُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيْكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حكماً عدلاً، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَيَفِيضُ الْمَالُ، حَتَّى لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ ". تفسير : وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى: "حديث : وَيُهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّها إلاَّ الإسْلاَم وَيُهْلَكُ الدَّجَّال، فَيَمْكُثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ". تفسير : وقيل للحُسَيْن بن الفضل: هل تجدُ نزولَ عيسى في القرآن؟ قال: نعم، قوله: {وَكَهْلاً} وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه: {وَكَهْلاً} بعد نزوله من السماء. فصل قال القرطبيُّ: "والصحيح أن الله تعالى - رفعه من غير وفاةْ ولا نومٍ - كما قال الحسنُ وابنُ زيد - وهو اختيار الطبريِّ، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباس". وقال الضحاك: وكانت القصة أنهم لما أرادوا قَتْلَ عيسى عليه السلام اجتمع الحواريُّونَ في غرفة - وهم اثنا عشرَ رَجُلاً، فدخل عليهمُ المسيحُ من مشكاةِ الغرفةِ، فأخبر إبليس جَميع الْيَهُودِ، فركب منهم أربعة آلاف رجلٍ، فأخذوا بباب الغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيُّكُمْ يخرج، ويقتل، ويكون معي في الجنة؟ فقال واحدٌ منهم أنا يا نبيَّ الله، فألقَى إليه مدرعة من صوف، وعمامة من صوفٍ، ونَاوَلَه عُكَّازه، وألقي عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه، وصلبوه، وأما عيسى فكساه اللهُ الرِّيشَ، وألبسه النورَ، وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب، فَطَارَ مع الملائكة، ثم إن أصحابه تفرقوا ثلاث فرق: فقالت فرقة: كان اللهُ فينا، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهم النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبدُ الله ورسوله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء هم المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يَزَل الإسلامُ طامساً حتى بَعَثَ اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم {أية : فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ} تفسير : [الصف: 14] الآية على ما سيأتي من السورة إن شاء الله تعالى. قوله: {وَرَافِعُكَ إلَيَّ} تمسَّك القائلون بالاستعلاء بهذه الآية، وأجيبُوا عنها بوجوهٍ: أحدها: أن المراد إلى محل كرامتي، كقول إبراهيم: "إنِّي ذاهبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ" وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من "العراق" إلى "الشام"، ويُسَمَّى الحُجَّاجُ زُوَّارَ الله، والمجاورون جيران الله، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، فكذا هاهنا. وثانيها: أن معناه [رافعك إلى مكان] لا يملك الحكم عليه فيه غيرُ اللهِ؛ لأن في الأرض قد يتولى الخلقَ أنواعُ الحُكَّامِ، أمَّا السموات فلا حاكم هناك - في الظاهر وفي الحقيقة - إلا اللهُ. وثالثها: أن القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لانتفاعه، بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبهُ من الثواب والرَّوح والريحان والراحة، فلا بد من حمل اللفظِ على أن المراد: ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يَبْقَ في الآية دلالة على ما ذكروه. قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} معناه مُخْرِجك من بينهم، ومُنَجِّيك، فكما عظَّم شأنَه بلفظ الرفع، أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهيرِ، وكل ذلك مبالغة في إعلاء شأنَه وتعظيم منصبه عند الله تعالى. قوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} فيه قولان: أظهرهما: أنه خطاب لعيسى عليه السلام. الثاني: أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم فيكون الوقف على قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تاماً، والابتداء بما بعده، وجاز هذا؛ لدلالة الحال عليه. و {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ثاني مفعولي {وَجَاعِلُ} لأنه بمعنى مُصَيِّر فقط. و {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} متعلق بالجَعْل، يعني أن هذا الجعل مستمر إلى ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق الاستقرار المقدَّر في فَوْقَ أي: جاعلهم قاهرين لهم، إلى يَوْمِ القيامةِ، يعني أنهم ظاهرون على اليهود، وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا، فأما يوم القيامة، فَيَحْكُمُ اللهُ بينهم، فيدخل الطائع الجَنَّةَ، والعاصي النَّارَ وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا، وانقضائها؛ لأن لهم استعلاءً آخر غير هذا الاستعلاء. قال أبو حيّان: "والظاهر أن "إلى" تتعلق بمحذوف وهو العامل في "فَوْقَ" وهو المفعول الثاني لـ "َجَاعِل" إذْ معنى "جاعل" هنا مُصَيِّر، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة. وهذا على أن الفوقية مجاز، أما إن كانت الفوقية حقيقة - وهي الفوقية في الجنة - فلا تتعلق "إلى" بذلك المحذوف، بل بما تقدم من "مُتَوَفِّيك" أو من "رَافِعُكَ" أو من "مُطَهِّرُكَ" إذْ يصح تعلُّقه بكل واحد منها، أما تعلقه بـ "رَافِعُكَ" أو بـ "مُطَهِّرُكَ" فظاهر، وأما بـ "مُتَوَفِّيكَ" فعلى بعض الأقوال". يعني ببعض الأقوال أن التوفي يُرادُ به: قابضك من الأرض من غير موت، وهو قول جماعة - كالحسن والكلبي [وابن جريج] وابن زيد وغيرهم. أو يراد به ما ذكره الزمخشريُّ: وهو مُسْتَوْفٍ أجلك، ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلَكَ الكفارُ، ومؤخِّرُك إلى أجل كتبتُهُ لك، ومميتك حَتْفَ أنفكِ لا قَتْلاً بأيدي الكفار، وإن على قول مَنْ يقول: إنه تَوَفٍّ حقيقةً فلا يُتَصَوَّر تعلُّقه به؛ لأن القائلَ بذلك لم يَقُل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة، بل قائل يقول: إنه تُوُفِّي ثَلاثَ ساعاتٍ، بقدر ما رفع إلى سمائه حتّى لا يلحقَه خوفٌ ولا ذُعْرٌ في اليقظة. وعلى هذا الذي ذكره أبو حيان يجوز أن تكون المسألة من الإعمال، ويكون قد تنازع في هذا الجار ثلاثةُ عواملَ، وإذا ضَمَمْنَا إليها كَوَن الفوقية مجازاً تنازع فيها أربعة عوامل، والظاهر أنه متعلق بـ "جَاعِل". وقد تقدم أن أبا عمرو يسكن ميم "أحكم" ونحوه قبل الباء. فصل قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتل والكلبيُّ: الذين اتبعوه هم أهْلُ الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينَه في التوحيد من أمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين بالعزة، والمنعة، والحُجَّةِ. قال الضحاك: يعني الحواريين. وقيل: هم الروم. وقيل: النصارى، فَهُمْ فَوْقَ اليهود إلى يَوْمِ القيامةِ، فإن اليهود قد ذهب ملكُهم، وملك النصارى يدوم إلى قريب من قيام الساعة. وعلى هذا الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين، فإن النصارى - وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم مخالفون له أشَدَّ مخالفةٍ؛ لأن صريح العقل يشهد بأن عيسى ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجُهَّالُ، ومع ذلك فإنا نرى دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود، ولا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهوديًّا ولا بلدة مملوءة من اليهود، بل يكونون - أيْنَما كانوا - في الذلة والمسكنة، والنصارى بخلاف ذلك. فصل قال أهلُ التّاريخِ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاثَ عشْرَةَ سنةً، وولدت عيسى ببيت لحم لمضيّ خمس وستين سنةً من غلبة الاسكندر على أهل بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنةً ورفعه من بيت المقْدِس ليلة القدر في شهر رمضانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنة، فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمُّه مريم بعد رفعه ست سنين. فصل قال ابنُ الْخَطِيبِ: في مباحث هذه الآية موضعٌ مشكل، وهو أن نَصَّ القرآن يدل على أنه - تعالى - حين رفعه ألقى شبهه على غيره، على ما قال: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 157] والأخبار واردة أيْضاً بذلك، إلا أن الرواياتِ اختلفت، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شَبَهَهُ على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه، فقتلوه وصلبوه، وتارة يُرْوَى أنه صلى الله عليه وسلم رغَّب أحد خَوَاصِّ أصحَابه في أن يُلْقِيَ اللهُ شَبَهَهُ عليه حتى يُقْتَل في مكانه، وبالجملة ففي إلقاء شَبَهِهِ على الغير إشكالات: الأول: أنا لو جوَّزنا إلقاء شَبَه إنسان على إنسان آخر، لزم السفسطة؛ فإني إذا رأيتُ ولدي، ثم زينته ثانياً فحينئذ أجوِّزُ أن يكون هذا الذي أراه ثانياً ليس ولدي، بل هو إنسان آخر أُلْقِي شَبَهُهُ عليه وحينئذٍ يرتفع الأمانُ عن المحسوسات. وأيضاً فالصحابة الذين رأوْا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم يأمرهم، ويَنْهَاهُمْ، وجب أن لا يعرفوا أنه محمدٌ؛ لاحتمال أنه ألقي شبهه على الغير، وذلك يُفْضِي إلى سقوط الشرائعِ. وأيضاً فمدار الأمرِ في الأخبار المتواترةِ على أن يكون المُخْبر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا [جاز] الغلط في المبصرات كان سقوط الخبر المتواتر أولى، وبالجملة، فَفَتْحُ هذا البابِ أوله السفسطةُ، وآخره إبطالُ النبوات بالْكُلِّيَّةِ. الإشكال الثاني: أن اللهَ - تعالى - كان قد أمر جبريل عليه الصلاة والسلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال، كذا قاله المفسّرون في تفسير قوله تعالى: {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [المائدة: 110] ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي للعالم من البشر، فكيف لم يَكْفِ في منع أولئك اليهود عنه. وأيضاً إنه عليه السلام - لَمَّا كان قادراً على إحياء الموتَى، وإبراء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة اليهودِ الذين قصدوه بالسوء، وعلى إسْقامهم، وإلقاء الزمانة والفَلَج عليهم حتى يصيروا عاجزينَ عن التعرُّضِ له؟ الإشكال الثالث: أنه - تعالى - كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يدفعَه عنهم، ويرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء الشبه على الغير؟ وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القَتْل من غير فائدة ألبتة؟ الإشكال الرابع: أنه إذا ألقي شبهه على الغير، ثم إنه رُفِعَ بَعدَ ذلك إلى السماء فالقومُ اعتقدوا فيه أنه عيسى عليه السلام مع أنه ما كان عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى. الإشكال الخامس: أن النصارَى - على كثرتهم في مشارقِ الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح، وغلوّهم في أمره - أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً، مصلوباً، فلو أنكرنا ذلك، طعَنَّا فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكل ذلك باطل. الإشكال السادس: أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيًّا زماناً طويلاً فلو لم يكن ذلك عيسى - بل كان غيره - لأظهر الجزع، ولقال: إني لَسْتُ بعيسى - بل إنما أنا غيره - ولبالغ في تعريف هذا المعنى، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أنه ليس الأمر على ما ذكرتم. والجواب عن الأول: أنه كل من أثبت القادرَ المختارَ سلَّم أنه - تعالى - قادرٌ على أن يخلق إنساناً آخر على صورة زَيْدٍ - مثلاً - ثم إن هذا التجويز لا يوجب الشك المذكور، فكذا القول فيما ذكرتم. والجواب عن الثاني: أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه، أو أقدر الله عيسى على دَفْع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، وذلك غير جائز، وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث؛ فإنه - تعالى لو رفعه إلى السماء، وما ألْقَى شَبَهَهُ على الغير لبلغت تلك المعجزةُ إلى حَدِّ الإلجاء. والجواب عن الرابع: أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة؛ وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس. والجواب عن الخامس: أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين، ودخول الشبهة على الجَمْع القليل جائز، والتواتر إذا انتهى في حد الأمر إلى الْجَمْعِ القليلِ، لم يكن مُفِيداً للعلم. والجواب عن السادس: أن بتقدير أن يكون الذي أُلْقِيَ شَبَهُ عيسى عليه كان مُسْلِماً، وقَبِل ذلك عن عيسى عليه السلام جاز أن يسكت عن تعريف حقيقةِ الحالِ في تلك الواقعةِ. وبالجملة فالأسئلة المذكورة أمور تتطرق إليها الاحتمالات من بعض الوجوهِ، ولما ثبت بالمعجز القاطِع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملةِ معارِضَةً للنص القاطع عن الله. قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} في الآخرة {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من الدّينِ، وأمر عيسى عليه السلام؛ التفات من غيبة إلى خطابِ؛ وذلك أنه - تعالى - قدَّم ذِكْر مَنْ كَذَّب بعيسى وافترى عليه - وهم اليهود - وقدَّم - أيضاً - ذِكْرَ مَنْ آمن به - وهم الحواريون رضي الله عنهم - وقفَّى بعد ذلك بالإخبار بأنه يجعل مُتَّبِعِي عيسى فوق مخالفيه، فلو جاء النظم على هذا السياق - من غير التفات، لكان: ثم إليّ مرجعهم، فأحكم بَيْنَهُم فيما كانوا، ولكنه التفت إلى الخطاب؛ لأنه أبلغ في البشارة، وأزجر في النذارة. وفي ترتيب هذه الأخبار الأربعة - أعني: إني مُتَوفِّيكَ وَرَافِعُكَ وَمُطَهِّرُكَ وَجَاعِلُ - هذا الترتيب معنًى حَسَنٌ جِدًّا؛ وذلك أنه - تعالى - بشَّره - أولاً - بأنه متوفيه، ومتولّي أمره، فليس للكفار المتوعِّدين له بالقتل عليه سلطانٌ ولا سبيلٌ، ثم بَشَّرَه - ثانياً - بأنه رافعه إليه - أي: إلى سمائه محل أنبيائه وملائكته، ومحل عبادته؛ ليسكن فيها، ويعبدَ ربَّه مع عابديه - ثم - ثالثاً - بتطهيره من أوضار الكفرة وأذاهم وما قذفوه به، ثم رابعاً - برفعة تابعيه على من خالَفهم؛ ليتمَّ بذلك سروره، ويكمل فرحه. وقدم البشارة بما يتعلق بنفسه على البشارة بما يتعلق بغيره؛ لأن - الإنسان بنفسه أهم، وبشأنه أعْنَى، كقوله: {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6] وفي الحديث: "حديث : ابْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنَ تَعُولُ ". تفسير : قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في محل هذا الموصول قولان: أظهرهما - وهو الأظهر -: أنه مرفوع على الابتداء، والخبر الفاء وما بعدها. الثاني: أنه منصوب بفعل مقدَّر، على أن المسألة من باب الاشتغال، إذ الفعل بعده قد عمل في ضميره، وهذا وجه ضعيف؛ لأن "أمَّا" لا يليها إلا المبتدأ وإذا لم يَلِها إلا المبتدأ امتنع حمل الاسم بعدها على إضمار فعل، ومن جوَّز ذلك قال: بأنه يُضْمَر الفعلُ متأخِّراً عن الاسم، ولا يضمر قبله. قال: لئلا يَلِيَ "أمَّا" فعل - وهي لا يليها الأفعال ألبتة - فَتُقَدِّر - في قولك: أما زيداً فضربتُهُ - أما زيداً ضربتُ فضَرَبْتُه، وكذا هنا يُقَدَّر: فأما الذين كفروا أعَذِّبُ فأعَذِّبُهُم؛ قدر العامل بعد الصلة، ولا تقدره قبل الموصول؛ لما ذكرناه. وهذا ينبغي أن لا يجوز؛ لعدم الحاجة إليه مع ارتكابِ وجهٍ ضعيفٍ جدًّا في أفصح الكلامِ. وقد قرئ شاذًّا {وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] بنصب "ثمود" واستضعفها الناس. فصل عذاب الكفار - في الدنيا - بالقتل والسبي والجزية والذلة، وفي الآخرة بالنار أي: في وقت الآخرة بالنار {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}. فإن قيل: وصف العقاب بالشدة يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد، ولسنا نجد الأمر كذلك فإن الأمر تارة يكون على الكفار، وأخرى على المسلمين، ولا نجد بين الناس تفاوتاً. فالجوابُ: أن التفاوُتَ في الدنيا موجود؛ لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى - عليه السلام، وَنَرى الذِّلَّةَ والمسكنةَ لازمةً لهم. فإن قيل: أليس قد يمتنع على الأئمة وعلى المؤمنين قتل الكفار؛ بسبب العهد وعقد الذِّمَّة؟ فالجواب: أن المانع من القتل هو العهد، ولذلك إذا زالَ العهدُ حَلَّ قَتْلُه. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا} الكلام فيه كالكلام في الموصول قبله. وقد قرأ حفص عن عاصم والحسن "فَيُوَفِّيهِمْ" - بياء الغيبة - والباقون بالنون. فقراءة حفص على الالتفاتِ من التكلُّم إلى الغيبة؛ تفنُّناً في الفصاحةِ، وقراءة الباقين جاريةٌ على ما تقدم من إتِّسَاق النظم، ولكن جاء هناك بالمتكلم وحده، وهنا بالمتكلم وحده المعظم نفسه؛ اعتناءً بالمؤمنين، ورفْعاً من شأنهم؛ لمَّا كانوا مُعَظَّمِينَ عندَه. فصل دَلّتْ هذه الآية على أن العملَ الصالحَ خارجٌ عن مُسَمَّى الإيمان وقد تقدم ذلك، واستدلوا بالآية على أن العملَ علةٌ للجزاء؛ لقوله: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} فشبههم - في عبادتهم لأجل طلب الثّوابِ بالمستأجر. واحتج المعتزلة بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} - بمنزلة قوله: لا يريد ظُلْمَ الظالمين - على أنه تعالى - لا يريد الكفر والمعاصي، قالوا: لأن مُرِيدَ الشيء لا بد وأن يكون مُحِبًّا له إذا كان ذلك الشيء من الأفعال، وإنما تخالف المحبةُ الإرادة إذا علقناهما بالأشخاص، فقد يقال: أحبّ زيداً، ولا يقال: أريده. فأما إذا عُلِّقَتا بالأفعال فمعناهما واحد، إذا استُعْمِلَتَا على حقيقة اللغة، فصار قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} بمنزلة قوله: لا يريد ظلم الظالمين كذا قرره القاضي. وأجيب بأن المحبةَ عبارة عن إرادة إيصالِ الخيرِ إليه فهو - تعالى - وإن أراد كُفْرَ الكافرِ إلا أنه لا يريد إيصالَ الثواب إلَيْه. قوله: {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ} يجوز أن يكون "ذَلِكَ" مبتدأ، "نَتْلُوهُ" الخبر "مِنَ الآيَاتِ" حال أو خبر بعد خبر. ويجوز أن يكون "ذَلِكَ" منصوباً بفعل مقدَّر يفسِّره ما بعده - فالمسألة من باب الاشتغال - و "مِنَ الآيَاتِ" حال، أو خبر مبتدأ مُضمَرٍ [أي: هو من الآيات، ولكنّ الأحسن الرفعُ بالابتداء؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار، وعندهم "زيد ضربته" أحسن من "زيداً ضربته"، ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ مضمر]، يعني الأمر ذلك، و "نَتْلُوهُ" على هذا حال من اسم الإشارة، و {مِنَ الآيَاتِ} حال من مفعول "نَتْلُوهُ". ويجوز أن يكون "ذَلِكَ" موصولاً بمعنى "الذي" و "نَتْلُوهُ" صلة وعائد، وهو مبتدأ خبره الجار بعده أي: الذي نتلوه عليك كائن من الآيات، أي: المعجزات الدالة على نبوتك. جوَّز ذلك الزَّجَّاجُ وتبعه الزمخشريُّ، وهذا مذهب الكوفيين. أما البصريون فلا يُجيزُون أن يكون اسماً من أسماء الإشارة موصولاً إلا "ذَا" خاصةً، بشروطٍ تقدم ذكرها؛ ويجوز أن يكون "ذلك" مبتدأ، و "مِنَ الآيَاتِ" خبره، و "نَتْلُوهُ" جملة في موضع نصب على الحال، والعامل معنى اسم الإشارة. قوله: "نَتْلُوهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنه وإن كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنًى، أي: الذي قدمناه من قصة عيسى وما جرى له تلوناه عليك، كقوله: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} تفسير : [البقرة: 102]. والثاني: أنه على بابه؛ لأن الكلام لم يتم، ولم يفرغ من قصة عيسى - عليه السلام - إذْ بقي منها بقية. و "من" فيها وجهانِ: أظهرهما: أنها تبعيضية؛ لأن المَتلُوَّ عليه - من قصة عيسى - بعض معجزاته وبعض القرآن وهذا أوْجَهُ وأوضحُ. والمرادُ بالآيات - على هذا - العلامات الدالة على نبوتك. والثاني: أنها لبيان الجنسِ، وإليه ذهب ابنُ عَطِيَّةَ وبَدَأ به. قال أبو حيّان: وَلاَ يَتأتَّى ذلك من جهة المعنى إلا بمجاز؛ لأن تقدير "من" البيانية بالموصول ليس بظاهر؛ إذ لو قلتَ: ذلك تتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم لاحتجت إلى تأويل، وهو أن تجعل بعض الآيات والذكر آياتٍ وذكراً [على سبيل المجاز]. والحكيمُ: صيغة مبالغة محول من "فاعل". ووصف الكتاب بذلك مجازاً؛ لأن هذه الصفة الحقيقية لمنزِّله والمتكلم به، فوصف بصفة من هو من سببه - وهو الباري تبارك وتعالى - أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحْكِم في نظمه. وجوزوا أن تكون بمعنى "مُفْعَل" أي: مُحْكَم، كقوله: {أية : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}تفسير : [هود: 1] إلا أن "فعيل" بمعنى "مُفْعَل" قليل، قد جاءت منه أليْفَاظ، قالوا: عقدت العسل فهو عقيد ومعقد وحبست الفرس [في سبيل الله] فهو حبيس ومُحْبَس. وفي قوله: "نَتْلُوه" التفات من غيبة إلى تكلُّم؛ لأنه قد تقدمه اسم ظاهر - وهو قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} - كذا قاله أبو حيّان، وفيه نظرٌ؛ إذ يُحْتَمل أن يكون قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} جِيء به اعتراضاً بَيْنَ أبعاض هذه القصَّةِ. فصل التلاوة والقصص واحد؛ لأن معناهما يرجع إلى شيء يُذْكَر بعضُه على أثَر بعض ثم إنه تعالى أضاف القصص إلى نفسه فقال: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] كما أضاف التلاوة إلى نفسه في قوله: {أية : نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 3]، وذلك يدل على تشريف الملك وتعظيمه؛ لأن التالي على النبي إنما هو الملك، فَجَعلَ تِلاَوَةَ الْمَلَكِ جَارِيَةً مَجْرَى تِلاَوَتِهِ. والمراد بالذكر الحكيم هو القرآن. وقيل: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذي مِنْهُ نُقِلَت الْكُتُبُ المنزلةُ على الأنبياء - عليهم السلام - أخبر - تعالى - أنَّهُ أنزلَ هذه القَصصَ مما كُتِبَ هنالك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {فلما أحس عيسى منهم الكفر} قال: كفروا وأرادوا قتله. فذلك حين استنصر قومه. فذلك حين يقول {أية : فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة}تفسير : [الصف: 14]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {من أنصاري إلى الله} قال: من يتبعني إلى الله. وأخرج ابن جرير عن السدي {من أنصاري إلى الله} يقول: مع الله. وأما قوله تعالى: {قال الحواريون} الآية. أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم. كانوا صيادين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي أرطاة قال {الحواريون} الغسالون الذين يحورون الثياب: يغسلونها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحواريون} الغسالون وهو بالنبطية هواري، وبالعربية المحور. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال {الحواريون} قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به واتبعوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال {الحواريون} هم الذين تصلح لهم الخلافة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحواريون} أصفياء الأنبياء. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة قال: "الحواري" الوزير. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: "الحواري" الناصر. وأخرج البخاري والترمذي وابن المنذر عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن لكل نبي حوارياً وإن حواريِّ الزبير "تفسير : . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن يزيد قال {واشهد بأنا مسلمون} في مصحف عثمان ثلاثة أحرف.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} الآية. حين بَلَّغهم الرسالة واختلفوا - فمنهم من صدَّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون - عَلِمَ أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله قصده، وقال لقومه: مَنْ أنْصاري إلى الله ليساعدوني على التجرد لحقِّه والخلوص في قصده؟ فقال مَنْ انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك شيءٌ مما نحن فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما} الفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة وخروجه من القوة الى الفعل كأنه قيل فحملته فولدته فكان كيت وكيت وقال ذيت وذيت {احس عيسى} احس استعارة للعمل اليقينى الذى لا شبهة فيه كالاحساس وهو وجدان الشىء بالحاسة كأنه قبل فلما علم {منهم الكفر} علما لا شبهة فيه كما يدرك بالحواس من الضروريات منهم الكفر اى بنى اسرائيل وارادوا قتله وانهم لا يزدادون على رؤية الآيات الا الاصرار على الجحود {قال} لخلص اصحابه مستنصرا على الكفار {من انصارى} الانصار جمع نصير {الى الله} متعلق بمحذوف وقع حالا من الياء اى من انصارى متوجها الى الله ملتجئا اليه ومن اعوانى على اقامة الدين {قال الحواريون} جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخاصته وهم اثنا عشر بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القاصرين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين لانهم كانوا انصار عيسى عليه السلام واعوانه والمخلصين فى محبته وطاعته {نحن انصار الله} اى انصار دينه ورسوله قال تعالى {أية : إن تنصروا الله ينصركم} تفسير : [محمد: 7]. والله ينصر من ينصر دينه ورسله {آمنا بالله} استئناف جار مجرى العلة لما قبله فان الايمان به تعالى موجب لنصرة دينه والذب عن اوليائه والمحاربة مع اعدائه {واشهد بانا مسلمون} مخلصون فى الايمان منقادون لما تريد من امر نصرتك طلبوا منه عليه السلام الشهادة بذلك يوم القيامة يوم تشهد الرسل عليهم السلام لأممهم ايذانا بان مرمى غرضهم السعادة الاخروية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {من أنصاري إلى الله}: الجار يتعلق بحال محذوفة، أي: ذاهباً إلى الله إلى نَصْر دينه، أو مُضيفاً نفسه إلى الله، أو ملتجئاً إلى الله، أو يتعلق بـ {أنصاري}؛ مضمِّناً معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحواري الرجل: خاصته، الذي يستعين بهم في نوائبه، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : لكلِّ نبي حَوَاري، وحَوارِيي، الزُّبَيْر"تفسير : . وحواريوا عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحَوَرُ: البياض الخالص، وكل شيء بيَّضته فقد حوَّرْته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قًصَّارين، يُحَوِّرُون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكاً يلبسون البياض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فلما أحسن عيسى} من بني إسرائيل {الكفر}، وتحققه تَحَقُّقَ ما يدرك بالحواس، بعدما بُعث إليهم، وأرادوا قتله، فرَّ منهم واستنصر عليهم، و {قال من أنصاري} ملجئاً {إلى الله}، أو ذاهباً إلى نصر دينه، {قال الحواريون نحن أنصار الله} أي: أنصار دينه، {آمنا بالله وأشهد} علينا بأننا {مسلمون}؛ لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، {ربنا آمنا بما أنزلت} على نبيك من الأحكام، {واتبعنا الرسول} عيسى عليه السلام، {فاكتبنا مع الشاهدين} بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فإنهم شهداء على الناس. قال عطاء: سَلَمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصَّارين وصباغين، فأراد مُعلّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جُبّاً، واحداً، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواريُ، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوباً أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أنَّ ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون. ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمُّوا بقتله، وتواطؤوا عليه، {ومكروا} أي: دبروا الحيل في قتله، {ومكر الله} بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورُفع عيسى عليه السلام، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تُسند إلى الله إلى على حسب المقابلة والازدواج: كقوله:{أية : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : النِّساء: 142]، وقوله:{أية : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة: 15]، {والله خير الماكرين}. أي: أشدهم مكراً، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة؛ لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه. تنبيه: قيل للجنيد رضي الله عنه: كيف رَضِيَ المكرَ لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية: شعر : فديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَ ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَ أُحِبّك، لا بِبَعْضِي بل بكُلِّي وإن يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدي وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَ تفسير : فقال له السائل: أسألُك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إنَّ تخليته إياهم مع المكرية، مكرٌ منه بهم. هـ. قلت: وجه الشاهد في قوله: (وتفعله فيحسن منك ذاك)، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية: شعر : وَكلُّ قبِيح إنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِهِ أَتَتْكَ مَعَانِي الْحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ يُكَمِّلُ نُقصَانَ الْقَبِيحِ جَمَالُهُ فَما ثَمَّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ تفسير : وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيّاً إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا - عليه الصلاة والسلام -، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان. الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين يجعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح:"حديث : خَيْرُ مالِ المُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبَالِ يَفِرُّ مِنَ الْفِتَنِ"تفسير : . فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذي اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: {آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون} منقادون لما تريد منا، {ربنا آمنا بما أنزلت} من الأحكام الجلالية والجمالية، قد عرفناك في جميع الحالات، {فاكتبنا مع الشاهدين} لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فَغَيَّبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.

الطوسي

تفسير : اللغة: الاحساس هو الوجود بالحاسة، أحس يحس إحساساً. والحس القتل، لأنه يحس بألمه، ومنه قوله: {أية : إذ تحسونهم بإذنه}تفسير : والحس: العطف، لاحساس الرقة على صاحبه. والأصل فيه إدراك الشيء من جهة الملابسة. ومعنى الآية: فلما علم عيسى منهم الكفر، قال: {من أنصاري إلى الله}. والانصار جمع نصير مثل شريف وأشراف، وشهيد وأشهاد. وإنما لم يحمل على ناصر لأنه يجب أن يحمل على نظيره من فعيل وأفعال. المعنى: وقوله: {من أنصاري إلى الله} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - من أعواني على هؤلاء الكفار إلى معونة الله أي مع معونة الله في قول السدي، وابن جريج. وإنما جاز أن تكون (إلى) بمعنى (مع) لما دخل الكلام من معنى الاضافة ومعنى المصاحبة، ونظيره (الذود إلى الذود إبل) أي مع الذود. ومثله {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : أي مع أموالكم، وقولك: قدم زيد ومعه مال، فلا يجوز فيه إلى وكذلك قدم إلى أهله، لا يجوز فيه مع، لاختلاف المعنى. الثاني - قال الحسن من أنصاري في السبيل إلى الله، لأنه دعاهم إلى سبيل الله. الثالث - قال الجبائي: من أنصاري لله، كما قال: {أية : هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق}تفسير : ووجه ذلك أن العرض يصلح فيه اللام على طريق العلة وإلى طريق النهاية. فان قيل عيسى إنما بعث بالوعظ دون الحرب لم استنصر عليهم؟ قلنا: للحماية من الكافرين الذين أرادوا قتله عند اظهار الدعوة - في قول الحسن ومجاهد - وقال آخرون: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة وإنما قاله ليتميز الموافق من المخالف. وقوله: {قال الحواريون} اختلفوا في تسميتهم حواريين على ثلاثة أقوال قال سعيد بن جبير: سموا بذلك لنقاء ثيابهم. الثاني - قال ابن جريج عن أبي أرطاء أنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. الثالث - قال قتادة، والضحاك: لأنهم خاصة الأنبياء يذهب إلى نقاء قلوبهم كنقاء الابيض بالتحوير. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي. اللغة: وأصل الحواري الحور، وهو شدة البياض. ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه. ومنه الأحور، والحوراء لنقاء بياض العين، ومنه الحواريات نساء الانصار لبياضهن. قال أبو جلدة اليشكري: شعر : فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح تفسير : وقال بعض بني كلاب: شعر : ولكنه ألقى زمام قلوصه ليحيا كريماً أو يموت حواريا تفسير : أي ناصراً لرفاقه غير خاذل لهم. والمحور: الحديدة التي تدور عليها البكرة، لأنها تنصقل حتى تبيض وحار يحور: إذا رجع، لانقلابه في الطريق الذي جاء فيه كانقلاب المحور بالتحوير. المعنى: وفي الآية حجة على من زعم أن المسيح والذين آمنوا به، كانوا نصارى فبين الله تعالى أنهم كانوا مسلمين كما بين ذلك في قصة ابراهيم (ع) حيث قال {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً}.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} بعد ما دعاهم الى الله وأتمّ لهم الحجّة والمراد باحساس الكفر ادراكه اوّل الادراك ولذا فسّر فى الخبر بقوله (ع) لمّا سمع ورأى انّهم يكفرون {قَالَ} معرضاً عنهم مقبلاً على الله داعياً لمن يريد الموافقة له {مَنْ أَنصَارِيۤ} حمل الجمع على لفظ من باعتبار معناه اى من الّذين يذهبون معى بالاعانة لى {إِلَى ٱللَّهِ} او من انصارى مع الله لاظهار الدّين واعلانه؟ او من انصارى مع الله على معاداة الكفّار ومقاتلتهم؟ ويجوز ان يكون معيّة الله مع الانصار ومع المنصور؛ هكذا فسّرت الآية، لكنّ الاوّل هو المراد لانّه كما نقل كان كلّما احسّ من قوم كفراً ومعاداةً اعرض عنهم وفرّ منهم الى قوم آخر {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} سمّوا به لأنّهم كانوا قصّارين يبيّضون الثّياب روى انّهم اتّبعوا عيسى (ع) وكانوا اثنى عشر وكانوا اذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الارض سهلاً كان او جبلاً فيخرج لكلّ انسان منهم رغيفين يأكلهما، واذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا فيضرب بيده على الارض سهلاً كان او جبلاً فيخرج ماءً فيشربون؛ قالوا: يا روح الله من افضل منّا اذا شئنا اطعمتنا، واذا شئنا سقيتنا، وقد آمنّا بك واتّبعنا قال: افضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه، فصاروا يغسلون الثّياب بالكرى او لانّهم كانوا مبيّضى الثّياب، او لانّهم كانوا انصاراً له فانّ الحوارىّ يطلق على النّاصر وعلى ناصر الانبياء، او لانّهم كانوا مبيّضى القلوب مخلصين فى أنفسهم ومخلصين غيرهم من دنس الذّنوب واصله الحوار اتّصل به الياء المشدّدة للمبالغة وكأنّه لم يستعمل فى هذه المعانى بدون الياء {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} كان اقتضاء التّوافق فى الجواب ان يقولوا: نحن انصارك الى الله لكنّهم عدلوا الى هذا للاشعار بانّ نصرته نصرة الله من غير فرق {آمَنَّا بِٱللَّهِ} استئناف بيانىّ فى مقام التّعليل او لبيان حالهم {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} منقادون مطيعون، او المراد بالايمان الاذعان وبالاسلام البيعة العامّة، او المراد بالايمان والاسلام كليهما البيعة العامّة النبويّة وقبول دعوة الظّاهرة ثمّ صرفوا الخطاب عن عيسى (ع) وخاطبوا الله بقولهم {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ}.

الأعقم

تفسير : {قال الحواريون نحن أنصار الله} يعني أنصار دينه، قيل: سموا حواريين لنقاء قلوبهم وإخلاص سرائرهم في طاعة الله تعالى أعلم أن الحواريين كانوا أصفياء عيسى وأولياءه وأنصاره ووزراءه، وكانوا إثني عشر رجلاً، واختلف العلماء فيهم ومَن هم ولِم سموا بهذه الأسماء فقال ابن عباس: كانوا صيادين يصيدون السمك فمرَّ بهم عيسى، فقال: "من أنصاري إلى الله؟" فقالوا: منْ أنت؟ قال: "أنا عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله" قالوا: فهل يكون أحد من الأنبياء فوقك؟ قال: "نعم النبي العربي فاتبعوه وآمنوا به وانطلقوا معه" وقيل: كانوا ملاحين، وقيل: كانوا قصارين يجورون الثياب أي يبيضونها، وقيل: كان الحواريون اثني عشر رجلاً تبعوا عيسى ابن مريم، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده إلى الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيخرج لكل واحد منهم رغيفين فيأكلهما، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا فيضرب بيده إلى الأرض فيخرج لهم ما يشربون، وقيل: الحواريون هم الأنصار، وروي أنهم قالوا: يا روح الله من افضل منّا؟ قال: "الذي يعمل بيده ويأكل من كسبه" فصاروا يغسلون الثياب بالكرى ويأكلون، وقيل: صنع ملك من الملوك طعاماً فدعا الناس إليه وكان عيسى (عليه السلام) على قصعة وكانت القصعة لم تنقص، فقال الملك: من أنت؟ قال: "أنا عيسى ابن مريم" فقال: إني أترك ملكي وأتبعك، فانطلق بمن اتبعه منهم فهم الحواريون {فاكتبنا مع الشاهدين} قيل: مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، ومع الذين يشهدون بالوحدانيَّة، وقيل: مع أمة محمد لأنهما شهداء على الناس {ومكروا} يعني بني إسرائيل الذي أحسَّ منهم بالكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلةً {ومكر الله} أي رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل {والله خير الماكرين} أي أقواهم وأنفذهم كيداً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب {إني متوفيك} أي مستوفي أجلك، ومعناه عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل أكتبه لك، قوله تعالى: {ورافعك إلي} أي إلى سمائي ومقر ملائكتي {ومطهرك من الذين كفروا} من سوء جوارهم وخبث صحبتهم، وقيل: متوفيك قابضك من الأرض، وقيل: متوفي نفسك بالنوم من قوله تعالى: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} تفسير : [الزمر: 42] ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} يعلونهم بالحجة والسيف ومتبعوه هم المسلمون، لأنهم متبعوه في الإِسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوا من اليهود والنصارى {ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم} تفسير قوله تعالى: {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} قوله تعالى: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم}، {ذلك} إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى (عليه السلام) وغيره {من الآيات} الخبر {والذكر الحكيم} القرآن، لأنه ينطق بالحكمة، وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى (عليه السلام)؟، قالوا: لأنه لا أب له، قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له، قالوا: كان يحيي الموتى، قال: فحزقيل أولى، لأن عيسى (عليه السلام) أحيى أربعة نفر وحزقيل (عليه السلام) أحيى ثمانية آلاف، قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، قال: فجرحيش أولى، لأنه طبخ وأحرق، ثم قام سليماً.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ}: تحقق عيسى منهم الكفر، كما يتحقق الشىء المحس بالإحساس من الحواس، وذلك أن الكفر معقول لا يحس بحاسة، ولكن شبه العلم به بعلم ما يعلم بالحاسة، ثم إنه لا مانع من أن يبقى أحسَّ على ظاهره، لأنه أحس كفرهم بأذنيه، إذ سمع منهم ألفاظ الكفر، والتلفظ بلفظ الكفر بلا حكاية الكفر. {قَالَ مَنْ أَنْصَارِى}: وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. {إِلَى اللَّهِ}: متعلق بمحذوف، والمحذوف حال، وهو كون خاص، وصاحب الحال الياء، أى من أنصارى ذاهباً إلى الله، أو ملتجئاً إلى الله، وأنصار: جمع ناصر، والمعنى من ينصرنى حال كونى ذاهباً إلى الله، أو ملتجئاً إليه، أو من ينصرنى ضاما نصره إياى، إلى نصر الله إياى، وصاحب الحال أيضاً الياء، ويجوز تعليقه بأنصار على تضمين معنى مضيفين، أى: من الذى يضيفون أنفسهم إلى الله فى نصرى، بأن ينصرونى مع الله، ويجوز تعليقه بأنصار، بلا تضمين، إن جعلنا {إلى} بمعنى "مع"، أو "فى" أو اللام، أى فى دين الله، أو لأجل الله، والمعية حاصلة مع إبقاء {إلى} على أصلها أيضاً، لأنك إذا أنهيت بشىء إلى شىء، فقد جمعتهما ولذلك أنكر الزجاج وغيره مجىء {إلى} بمعنى "مع" واستقلوا بذلك. {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ}: أى أنصار دين الله، والحوارى: صفى الرجل وخالصته من الحور، وهو البياض الخالص، يقال لنساء القرى: حواريات، لصفاء ألوانهن وخلوصه، وغلبة البياض عليهن. ويقال للدقيق: حوارى، لأنهُ الخالص من جملة الدقيق، وحوّرت الثوب: بيضته. قال أبو جلدة اليشكرى فى نساء القرى: شعر : فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا يبكنا إلا الكلاب النوائح تفسير : روى جابر بن عبد الله أنه ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل نبى حواريات، وحواريى الزبير"تفسير : . وفى رواية: "حديث : وحواريى من أمتى الزبير"تفسير : . فسمى أنصار عيسى حواريين لخلوص نياتهم، ونقاء سرائرهم، وظهور نور العبادة عليهم، وحواريو الأنبياء من أخلصوا نياتهم فى نصر الأنبياء، فهذا الاسم لقبهم الله به، بعد إجابة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، أو كانت نياتهم قبل ذلك خالصة فى الله، وعلى كل حال فهم فى الأزل مستحقون لهذا الاسم. وقيل: سموا لأنهم ملوك يلبسون الثياب البيض استنصر بهم عيسى على اليهود، وقيل: لأنهم قصارون، يحورون الثياب، أي يبيضونها. وبه قال الحسن، وعن مجاهد والسدى: سموا لبياض ثيابهم. وأما تفسير الحوارى الذى يستعان به فليس من اللغة، بل من حيث إن الرجل يستعين بصفيه لما علم عيسى على نبينا وعليهِ الصلاة والسلام، من بنى إسرائيل الكفر، وعلم أنهم أرادوا قتله، خرج هو وأمه يسيحان فى الأرض فدخلا قرية فأضافهما رجل، وأحسن إليهما وكان لتلك القرية ملك جبار، فجاء الرجل يوماً حزيناً، ومريم عند امرأته، فقالت مريم: ما شأن زوجك، أراه كئيباً حزيناً؟. قالت: لا تسألينى. قال مريم: أخبرينى لعل الله يفرج كربه. قالت المرأة: إن لنا ملكاً جباراً، وقد جعل على كل رجل منا يوماً يطعمهُ فيه هو وجنوده، ويسقيهم الخمر، وإن لم يفعل عاقبه، واليوم نوبتنا، وليس عندنا سعة لذلك. فقالت: قولى له لا يهتم بذلك، فأنا آمر ابنى أن يدعو له فيكفى ذلك. ثم قالت مريم لعيسى ففى ذلك، فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر. قالت مريم: لا تبالى وهو قد أحسن إلينا وأكرمنا. فقال أعيسى: قولى لهُ إذا قرب ذلك الوقت فاملأ قدورك وخوابيك ماءً ثم اعلمنى. ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - فتحول ماء القدور مرقاً ولحماً وماء الخوابى خمراً لم ير الناس مثلها، فلما جاء الملك وأكل من ذلك الطعام وشرب من تلك الخمر، قال: من أين لك هذا الخمر؟ فقال: من أرض كذا.. وقال الملك: إن خمرى منها وليست مثل هذه. فقال: هى من أرض أخرى.. فلما رآه قد خلط فى كلامه، شدد عليه، فقال الرجل: أنا أخبرك.. إن عندى غلاماً لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه وإنهُ دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً، وكان للملك ابن يريد استخلافه فى ملكه وقد مات قبل ذلك بأيام، وكان يحبه حبا شديداً، فقال الملك: إن رجلا دعا الله حتى صار الماء خمراً بدعوته، ليستجاب لهُ فى إحياء ابنى، فطلب عيسى وكلمهُ فى ذلك فقال له: لا تفعل فإنهُ إن عاش وقع شر، فقال الملك: لا أبالى إذا رأيته فقال عيسى: إن أحييتهُ تتركنى وأمى نذهب حيث نشاء؟ قال: نعم.. فدعا الله عيسى فعاش الغلام، فلما رآه أل مملكته قد عاش تبادروا إلى السلاح وقالوا: أكلنا هذا الملك حتى إذا دنا أجله أراد أن يستخلف علينا ابنه، فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فقاتلوه فظهر أمر عيسى وقصدوا قتله، وكفروا به، وقيل: إن اليهود عرفوا أنه المسيح المبشر به فى التوراة، وأنه ينسخ دينهم، ولما أظهر الدعوة اشتد عليهم ذلك، فأخذوا فى إيذائه وطلبوا قتله، وكفروا. فقيل: إنهُ ذهب يسيح فى الأرض، ومر بجماعة يصطادون السمك، وكانوا اثنى عشر رجلا ومعهُُ أمه. فقال عيسى عليه السلام: ما تصنعون. قالوا نصيد السمك. قال: أفلا تمشون حتى نصيد الناس لحياة الأبد، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله، فسألوه آية تدل على صدقه. وكان شمعون وهو رئيسهم، قد رمى بشبكة فى الماء، فدعا الله عيسى فاجتمع فى الشبكة من السمك ما كادت تتمزق من كثرته، ومعهُ يعقوب ويوحنا فاستعانوا بأهل سفينة أخرى، وملأوا السفينتين من السمك، فآمنوا به وانطلقوا يصطادون الناس إلى دين الله تعالى، فهم الحواريون القائلون: نحن أنصار الله، وروى أيضاً أن مريم عليها الصلاة والسلام، قد سلمت عيسى إلى أعمال شتى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وكان آخر من سلمته إليه قصارين صباغين، دفعته إلى رئيسهم ليتعلم منهم فاجتمع لهُ ثياب، وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الصنعة وأنا خارج للسفر ولا أرجع إلى عشرة أيام، وهذه ثياب مختلفة الألوان وقد علمت على كل واحدة بخيط، على الآخر الذى يصبغ له، وأريد أن تفرع منها وقت قدومى. وخرج المعلم إلى سفره، فطبخ عيسى حبا واحداً على لون واحد، وأدخل فيه جميع الثياب وقال: كونى بإذن الله على ما أريد منك، ثم قدم الرجل فقال لعيسى: ما فعلت؟ قال: فرغت منها. فقال: وأين هى؟ قال فى الحب. قال: كلها؟. قال نعم. قال: لقد أفسدت على الثياب. قال عيسى: لا.. ولكن قم فانظر. وقام عيسى وأخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر، وثوباً أصفر، وثوباً أسود، حتى أخرجها كلها على الألوان التى يريد، فجعل الرجل يتعجب، وعلم أن ذلك من الله تعالى، فقال للناس: تعالوا فانظروا، فآمن به هو وأصحابه، فهم الحواريون. وروى أن أحداً من الملوك صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وكان عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - على قصعة من قِصَاعه فكانت لا تنقص، فذكروا الواقعة لذلك الملك فقال لهم: أتعرفونهُ؟ قالوا: نعم.. فذهبوا وجاءوا بعيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إليه فقال: من أنت؟ قال عيسى بن مريم فقال له إنى أترك ملكى وأتبعك، وتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فهم الحواريون. والأظهر أن هؤلاء كلهم الحوارين، فمنهم ملوك، ومنهم قصارون وصباغون ومنهم صيادون. {آمَنَّا بِاللَّهِ}: إنه ربنا لا غيره. {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}: ديننا دين الإسلام، لا يهودية ولا نصرانية أو منقادون لما يأمر الله به، أو ينهى عنه، واستشهدوا عيسى بإسلامهم ليؤدى شهادته عنهم يوم القيامة. يوم تشهد به الرسل لمن أجابهم، وأجيز أن يكونوا طلبوا الشهادة من الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا أَحَسَّ} حصلت له ببعض حواسه المعرفة بكفرهم، أو تحتقاه كالمحسوس المشاهد كذبوه وأرادوا قتله، قيل: اشتد غضبهم عليه حين مر بامرأة تبكى عند قبر فيه ابنتها، فقال لها: ما لك؟ قالت: فى هذا القبر بنتى لا ولد لى سواها، فصلى ركعتين، فدعا، فنادى، يا فلانة، فتحرك القبر، ودعا فانشق، ودعا فخرجت، وقالت: اصبرى يا أماه، ما دعاك إلى أن أموت مرتين يا روح الله، ادع الله أن يوهِّن على الموت، فدعا، فاستوى عليها القبر، وهذا من كلام الله وقيل من كلام الملائكة، وفى الآية استعارة ما وضع لإدراك بإحدى الخمس، وهو الإحساس للعلم، استعارة أصلية واشتق على الاستعارة التبعية، أحس بمعنى علم، ولا يخفى أن ما أحس بإحداهن قد علم ولا بد فاطلق الملزوم وأراد اللازم، فيكون بهذا الاعتبار مجاراً مرسلا، والمعنى على كل حال، فلما علم {عِيسَى مِنْهُمُ} من بنى إسرائيل، اليهود {الْكٌفْرَ} به حتى أرادوا قتله، إذ عرفوا فى التوراة أنه المسيح المبشر به فيها، وأنه ينسخ بعض دينهم، وأظهر دعوته فاشتد عليهم وشرعوا فى إيذائه بقذف أمه كما قذفوها إذ ولدته، فكانوا يقولون ابن الزانية، حاشاهما {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللهِ} من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله فى نصرى، ينصروننى كما ينصرنى الله، أو ذاهبا إلى مربتة من إقامة دين الله، أو موضع اتجرد فيه لعبادة الله، أو ضامَّا نفسى إلى أولياء الله فى نصرة دينه، ومحاربة عدوه، أو ملتجئاً إلى الله معتصماً به، أو من أنصارى مع الله، أو فى دين الله، أو لله، وإلى متعلق بأنصارى فى جميع الوجوه إلا إذا قدرنا داها، أو ملتجأ فبمحذوف جوازاً لأنه كون خاص، والمفرد نصير كشريف وأشراف {قَالَ الْحَوارِيُّونَ} المفرد حوارى، وهو خالصة الرجل، من الحور، وهو البياض الخالص، والألف زائدة فى النسب، سموا لأنهم ملوك يلبسون البياض، أو قوم يبيضون الثياب للناس بالغسل، أو بشىء اثنا عشر رجلا، استنصر بهم على من عاداه من اليهود، أو لصفاء قلوبهم، أو لما فيهم من نور العبادة {نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ} أنصار أهل الله، أو أنصار دين الله، روى أنه مر بجماعة فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا يصطادون السمك ويلبسون الثياب البيض، فقال اتبعونى نصطد الناس للجنة، قالوا: من أنت؟ قال عيسى بن مريم عبد الله وسوله، فطلبوا المعجزة، وكان شمعون قد ألقى شبكته لك الليلة فما صاد شيئا، فأمره عيسى بإلقائها فامتلأت حتى كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى نملأوها فآمنوا، وروى أن ملكا صنع طعاما للناس، وكان عيسى على قصعة يأكل ولا تنقص يأكل الناس، فقال له: من أنت؟ قال: عيسى بن مريم، فترك ملكه وتبعه مع أقاربه، وقيل تبيض الثياب للناس بعد صحبتهم عيسى إذ جاعوا أو عطشوا أخرج لكل واحد رغيفين، أو الماء بضرب الأرض بيده، وقالوا: مَن أفضل منا؟ قال: من يأكل من كسبه، فكانوا يغسلون الثياب بأجرة، وقيل: سلمته أمه لصباغ، فأراد الخروج لهم وعلم له على ثياب بألوان يصبغها بعلامتها، فجعلها فى لون واحد، وقال: كونى بإذن الله كما أريد، ولما رجع أخبره أنه جعلها فى لون واحد، فقال: أفسدت علىَّ ثيابى، قال: فانظرها، فإذا هى على أحسن ألوان، علامتها أحمر وأخضر وأصفر، وهكذا، فأمن هو والحاضرون، وعلى كل قوله هم اثنا عشر، ولا مانع من أن يكون بعض صياداً وبعض مبيضا، وبعض صباغا، سموا مبيضين لصفاء قلوبهم أو لنور العبادة، وفى صحيح البخارى ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : لكل نبى حوارى حواريى الزبير"تفسير : ، أى خالصى، وقيل: هم تسعة وعشرون، ولعل الاثنا عشر أكابرهم أو الأسبقون، ونقول بجميع ما مر من الأقوال، فيجمعهم بياض القلوب القصاثرين وغير القصاثرين للملوك وغير الملوك، ولم يطلب النصر للقتال، بل النصر بالتصديق وإعانته، ورد من يقتله ولو بقتله، فإنه يجب على الإنسان الدفع عن نفسه {ءَامَنَّا بِاللهِ} إخباراً لا إنشاء، لتقديم إيمانهم على قولهم هذا، إلا أنه لا مانع من تعدد الإنشاء، ويجوز أن يكون إنشاء أولا {وَاشْهَدْ} لنا يوم القيامة يوم تشهد الرسل لأممهم وعلى أممهم، فإن غرضنا السعادة الأخروية، واشهد لنا فى الدنيا والآخرة، وهذا أعظم فائدة وتأكيدا للمخلص، قالوا ذلك بلا عطف فى وقت واحد، أو متعدد وذكره الله بالعطف، وليس فيه عطف إنشاء على إخبار، لأن المعنى قالوا آمنا، وقالوا أشهد، ويجوز أن يكون ذلك من كلامهم، والعطف لأن أشهد بمعنى إنشاء إيمان، وآمنا وإنشاء أول، كقولك بعت {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} هذا تكرير لما فى المائدة فسقطت نونه تخفيفا عن أصله، والمعنى مذعنون للعمل بمقتضى الإيمان.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } شروع في بيان مآل أحواله عليه السلام، وقيل: يحتمل أن يكون كله من قبل الملائكة شرحاً لطرف منها داخلاً تحت القول، ويحتمل أن يكون الكلام قد تم عند قوله تعالى: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [آل عمران: 49] ولا يكون {أية : أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ } تفسير : [آل عمران: 49] متعلقاً بما قبله، ولا يكون داخلاً تحت القول ويكون المحذوف هناك فجاء عيسى كما بشر الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم الآية، والفاء هنا مفصحة بمثل المقدر هناك على التقدير الثاني، وأصل الإحساس الإدراك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وقد استعير هنا استعارة تبعية للعلم بلا شبهة، وقيل: إنه مجاز مرسل عن ذلك من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم والداعي لذلك أن الكفر مما لا يحس، والقول ـ بأن المراد إحساس آثار الكفر ـ ليس بشيء، والمراد من الكفر إصرارهم عليه وعتوهم فيه مع العزيمة على إيقاع مكروه به عليه السلام، وقد صح أنه عليه السلام لقي من اليهود قاتلهم الله تعالى شدائد كثيرة. أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كان اليهود يجتمعون على عيسى عليه السلام ويستهزءون به ويقولون له: يا عيسى ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغد؟! فيخبرهم ويسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها فصلى عيسى ركعتين ثم نادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر. ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أماه اصبري واحتسبـي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله سل ربـي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون عليَّ كرب الموت/ فدعا ربه فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً» وروي عن مجاهد أنهم أرادوا قتله ولذلك استنصر قومه، و ـ من ـ لابتداء الغاية متعلق ـ بأحس ـ أي ابتدأ الإحساس من جهتهم؛ وجوز أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي لما أحس الكفر حال كونه صادراً منهم. {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } المقول لهم الحواريون كما يشير إليه آية ـ الصف [14] ـ {أية : كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ }تفسير : الآية. وكونه ـ جميع بني إسرائيل لقوله تعالى: {أية : فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ } تفسير : [الصف: 14] ـ ليس بشيء إذ الآية ليست بنص في المدعى إذ يكفي في تحقق الانقسام بلوغ الدعوة إلى الجميع، و ـ الأنصار ـ جمع نصير كالأشراف جمع شريف، وقال قوم: هو جمع نصر، وضعفه أبو البقاء إلا أن يقدر فيه مضاف أي من صاحب نصري، أو تجعله مصدراً وصف به، والجار والمجرور إما أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من الياء وهي مفعول به معنى، والمعنى من ينصرني حال كوني ملتجئاً إلى الله تعالى أو ذاهباً إلى الله، وإما أن يتعلق ـ بأنصاري ـ مضمناً معنى الإضافة أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله في نصري، وفي «الكشاف» في تفسير سورة الصف ما حاصله مما يخالف ما ذكره هنا أن إضافة ـ أنصار ـ للياء إضافة ملابسة أي من حزبـي ومشاركي في توجهي لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم الآتي ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لعدم المطابقة، وفيه أن عدم المطابقة غير مسلم إذ نصرة الله تعالى في الجواب ليست على ظاهرها بل لا بد من تجوز، أو إضمار في نصرهم لله تعالى، ويضمر ما تحصل به المطابقة، نعم كون {إِلَىٰ } بمعنى ـ مع ـ لا يخلو عن شيء فقد ذكر الفراء أنها إنما تكون كذلك إذا ضم شيء إلى آخر نحو الذود إلى الذود إبل أي إذا ضممته إليه صار إبلاً، ألا تراك تقول قدم زيد ومعه مال، ولا تقول: وإليه ـ وكذا نظائره ـ فالسالم عن هذا الحمل من التفاسير مع اشتماله على قلة الاضمار أولى، و من هنا اختار بعضهم كون إلى بمعنى اللام، وآخرون كونها بمعنى ـ في ـ. وقال في «الكشف»: لعل الأشبه في معنى الآية ـ والله تعالى أعلم ـ أن يحمل على معنى ـ من ينصرني منهياً نصره إلى الله تعالى ـ كما يقتضيه حرف الانتهاء دون تضمين كأنه عليه السلام طلب منهم أن ينصروه لله تعالى لا لغرض آخر مدمجاً أن نصرة الله تعالى في نصرة رسوله، وجوابهم المحكي عنهم بقوله سبحانه: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } شديد الطباق له كأنهم قالوا: نحن ناصروك لأنه نصر الله تعالى للغرض الذي رمز إليه، ولو قالوا مكانه: نحن أنصارك لما وقع هذا الموقع انتهى. وأنت تعلم أن جعل {إِلَىٰ } بمعنى اللام، أو في التعليليتين يحصل طلبة المسيح التي أشير إليها على وجه لعله أقل تكلفاً مما ذكر، وكأن اختيار ذلك لما قاله الزجاج من أنه لا يجوز أن يقال: إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر لكن الحرفين قد يتقاربان في الفائدة فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد وليس بذلك فليفهم. و ـ الحواريون ـ جمع حواري يقال: فلان حواري فلان أي خاصته من أصحابه وناصره، وليس الحواري جمعاً ككراسي على ما وهم بل هو مفرد منصرف كما صرح به المحققون، وذكر العلامة التفتازاني أنه مفرد وألفه من تغييرات النسب؛ وفيه أن الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في أمثاله، والحواري بخلافه لأن تخفيف يائه شاذ كما صرحوا به، وبه قرىء في الآية، وأصله من التحوير أي التبييض، ومنه الخبز الحواري الذي نخل مرة بعد أخرى؛ والحواريات للحضريات نساء المدن والقرى لما أنه يغلب فيهن البياض لعدم البروز للشمس، ويطلق الحواري على ـ القصار ـ أيضاً لأنه/ يبيض الثياب وهو بلغة النبط، هواري بضم الهاء وتشديد الواو وفتح الراء قاله الضحاك واختلف في سبب تسمية أولئك القوم بذلك فقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم ـ وهو المروي عن سعيد بن جبير ـ وقيل: لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب للناس ـ وهو المروي عن مقاتل وجماعة ـ وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ـ وإليه يشير كلام قتادة ـ وفي تعيين أنهم من أي الطوائف من الناس خلاف أيضاً فقيل: قوم كانوا يصطادون السمك فيهم يعقوب، وشمعون، ويوحنا فمر بهم عيسى عليه السلام فقال لهم: أنتم تصيدون السمك فإن اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية؟ فقالوا له من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئاً فأمر عيسى عليه السلام بإلقائها في الماء مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين فعند ذلك آمنوا به عليه السلام، وقيل: هم اثنا عشر رجلاً، أو تسعة وعشرون من سائر الناس اتبعوا عيسى عليه السلام وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا أسقيتنا وقد آمنا بك؟ فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ويأكلون. وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه السلام على قصعة فكانت القصعة لا تنقص فذكر ذلك للملك فذهب إليه الملك مع أقاربه فقالوا له: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم فقال الملك: إني تارك ملكي ومتبعك فتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون، وقيل: إن أمه دفعته إلى صباغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً وجده أعلم به منه فغاب الصباغ يوماً لمهم وقال له: هٰهنا ثياب مختلفة وقد جعلت على كل منها علامة فاصبغها بتلك الألوان فطبخ عيسى عليه السلام حباً واحداً وجعل الجميع فيه، وقال: كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما كان يريد فتعجب الحاضرون منه وآمنوا به وكانوا الحواريين. ونقل جمع عن القفال أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك، وبعضهم من الصيادين، وبعضهم من القصارين، وبعضهم من الصباغين، وبعضهم من سائر الناس وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام والمخلصين في محبته وطاعته. والاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق، ومأخذه إما أن يؤخذ حقيقياً وإما أن يؤخذ مجازياً وهو الأوفق بشأن أولئك الأنصار، وقيل: إنه مأخوذ من حار بمعنى رجع ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } تفسير : [الإنشقاق: 14] وكأنهم سموا بذلك لرجوعهم إلى الله تعالى. ومن الناس من فسر الحواري بالمجاهد فإن أريد بالجهاد ما هو المتبادر منه أشكل ذلك حيث إنه لم يصح أن عيسى عليه السلام أمر به؛ وادعاه بعضهم مستدلاً بقوله تعالى: {أية : فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ }تفسير : [الصف: 14] ولا يخفى أن الآية ليست نصاً في المقصود لجواز أن يراد بالتأييد التأييد بالحجة وإعلاء الكلمة، وإن أريد بالجهاد جهاد النفس بتجريعها مرائر التكاليف لم يشكل ذلك. نعم استشكل أن عيسى عليه السلام إذا لم يكن مأموراً بالقتال فما معنى طلبه الأنصار؟ وأجيب بأنه عليه السلام لما علم أن اليهود يريدون قتله استنصر للحماية منهم ـ كما قاله الحسن ومجاهد ـ ولم يستنصر للقتال معهم على الإيمان بما جاء به، وهذا هو الذي لم يؤمر به لا ذلك بل ربما يدعى أن ذلك مأمور به لوجوب المحافظة/ على حفظ النفس، وقد روي أن اليهود لما طلبوه ليقتلوه قال للحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى فيه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم، وفي بعض الأناجيل أن اليهود لما أخذوا عيسى عليه السلام سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بإذنه فقال له عيسى عليه السلام: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت، وقيل: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة ولتمييز الموافق من المخالف وذلك لا يستدعي الأمر بالجهاد كما أمر نبينا روح جسد الوجود صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر لمن أنصف، والمراد من أنصار الله أنصار دينه ورسوله وأعوانهما على ما هو المشهور. {ءامَنَّا بِٱللَّهِ } مستند لتلك الدعوى جارية مجرى العلة لها {وَٱشْهَدْ } عطف على {آمَنَّا} ولا يضر اختلافهما إنشائية وإخبارية لما تحقق في محله، وقيل: إن {آمَنَّا} لإنشاء الإيمان أيضاً فلا اختلاف {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي منقادون لما تريده منا ويدخل فيه دخولاً أولياً نصرتهم له، أو بأن ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك فهو إقرار معنى بنبوة من قبله عليه السلام وهذا طلب منهم شهادته عليه السلام لهم يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم إيذاناً ـ كما قال الكرخي ـ بأن مرمى غرضهم السعادة الأخروية وجاء في المائدة [111] {أية : بِأَنَّنَا }تفسير : لأن ما فيها ـ كما قيل ـ أول كلام الحواريين فجاء على الأصل، وما هنا تكرار له بالمعنى فناسب فيه التخفيف لأن كلاً من التخفيف والتكرار فرع، والفرع بالفرع أولى.

ابن عاشور

تفسير : آذَنَ شرطُ لَما بجمل محذوفة، تقديرها: فوُلِد عيسى، وكَلم الناس في المهد بما أخبرت به الملائكة مريم، وكلم الناس بالرسالة. وأراهم الآيات الموعودَ بها، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته، فكفروا به، فلما أحسّ منهم الكفر قال إلى آخره. أي أحسّ الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله: {أية : وأطيعون}تفسير : [آل عمران: 50] أي سمع تكذيبهم إياه وأُخبر بتمالئهم عليه. «ومنهم» متعلق بأحسّ. وضمير منهم عائد إلى معلوم من المقام يفسره وصف الكفر. وطَلَبُ النصرِ لإظهار الدعوة لله، موقفٌ من مواقف الرسل، فقد أخبر الله عن نوح «فدعا رَبه أنّي مغلوب فانتصر» وقال موسى: {أية : واجعل لي وزيراً من أهلي}تفسير : [طه: 29] وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب لينصروه حتى يُبلغ دعوة ربّه. وقوله: {قال من أنصاري إلى الله} لعله قاله في ملإ بني إسرائيل إبْلاغاً للدعوة، وقطعاً للمعذرة. والنصر يشمل إعلان الدين والدعوة إليه. ووصل وصْفَ أنصاري بإلى إما على تضمين صفة أنصار معنى الضم أي مَن ضامون نصرهم إياي إلى نصر الله إياي، الذي وعدني به؛ إذ لا بدّ لحصول النصر من تحصيل سببه كما هي سنّة الله: قال تعالى: {أية : إن تنصروا الله ينصركم}تفسير : [محمد: 7] على نحو قوله تعالى: {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2] أي ضامِّينها فهو ظرف لغو، وإما على جعله حالاً من ياء المتكلم والمعنَى في حال ذهابي إلى الله، أي إلى تبليغ شريعته، فيكون المجرور ظرفاً مستقراً. وعلى كلا الوجهين فالكون الذي اقتضاه المجرور هو كون من أحوال عيسى عليه السلام ولذلك لم يأت الحواريون بمثله في قولهم نحن أنصار الله. والحواريون: لقب لأصحاب عيسى، عليه السلام: الذين آمنوا به ولازموه، وهو اسم معرَّب من النبطية ومفرده حواري قاله في الإتقان عن ابن حاتم عن الضحّاك ولكنه ادّعى أنّ معناه الغسال أى غسّال الثياب. وفسّره علماء العربية بأنه من يكون من خاصّة من يضاف هو إليه ومن قرابته. وغلب على أصحاب عيسى وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لكل نبيٍّ حَوَارِيٌّ وحَوارِيّ الزُّبَيْر بنُ العوام »تفسير : . وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه وكلّ ذلك إلصاق بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصحّ منه شيء. والحواريون اثنا عشر رجلا وهم: سَمْعَان بطرس، وأخوه أندراوس، ويوحنا بن زبْدي، وأخوه يعقوب - وهؤلاء كلّهم صيادو سَمك - ومتَّى العشَّار وتوما وفيليبس، وبرثو لماوس، ويعقوب بن حلفي، ولباوس، وسمعان القانوى، ويهوذا الأسخريوطي. وكان جواب الحواريين دالاّ على أنهم علموا أنّ نصر عيسى ليس لذاته بل هو نصر لدين الله، وليس في قولهم: {نحن أنصار الله} ما يفيد حصراً لأنّ الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفاً، فلم يحصل تعريف الجزأين، ولكنّ الحواريين بادروا إلى هذا الانتداب. وقد آمن مع الحواريّين أفراد متفرّقون من اليهود، مثل الذين شفى المسيح مرضاهم، وآمن به من النساء أمّه عليها السلام، ومريم المجدلية، وأم يوحنا، وحماة سمعان، ويوثا امرأة حوزي وكيل هيرودس، وسوسة، ونساء أخر ولكنّ النساء لا تطلب منهنّ نصره. وقوله: {ربنا آمنا} من كلام الحواريين بقية قولهم، وفرّعوا على ذلك الدعاء دعاءً بأن يجعلهم الله مع الشاهدين أي مع الذين شهدوا لرسل الله بالتبليغ، وبالصدق، وهذا مؤذن بأنهم تلقوا من عيسى - فيما علّمهم إياه - فضائل من يشهد للرسل بالصدق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} الآية. لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في نصرة الله ودينه، وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 14] الآية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أحس منهم الكفر: علم منهم الكفر وبما جاء به، وهمهم بأذيتّه. الحواريون: جمع حواري، والمراد بهم أصفياؤه وأصحابه. مسلمون: منقادون لأمر الله ورسوله مطيعون. الشاهدين: الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، ويعبدونه بما يجب أن يعبد به. مكروا: دبروا القتل للمسيح عليه السلام. ومكر الله: دبر تعالى لإِنجائه وخيَّبهم فيما عزموا عليه. خير الماكرين: أحسن المدبرين لإِنقاذ أوليائه وإهلاك أعدائه. متوفيك: متمم لك ما كتبت لك من أيام بقائك مع قومك. ورافعك إلّي: إلى جواري في الملكوت الأعلى. ومطهرك: منزهك ومبعدك من رجسهم وكفرهم. ذلك نتلوه عليك: ذلك المذكور من أمر عيسى نقرؤه عليك من جملة آيات القرآن الحكيم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحِجَاج مع وفد نصارى نجران فذكر تعالى من شأنه أنه لما علم عيسى بكفر قومه وهمِّهم بقتله غيلة استصرخ المؤمنين قائلا: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} فأجابه الحواريون وهم أصفياؤه وأحباؤه قائلين: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} آمنا بالله واشهد يا روح الله بأنّا مسلمون {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ} لك بالوحدانية ولرسلك بالرسالة. قال تعالى ونفذ اليهود مكرهم في محاصرتهم منزل عيسى ليأخذوه ويصلبوه، ومكر الله تعالى وهو خير الماكرين إذ قال لعبده ورسوله عيسى إني متوفيك أي قابضك ورافعك إلى جواري فقبضه تعالى فأخرجه من رَوزنَة المنزل ورفعه إليه وألقى الشبه على رئيس شرطة المهاجمين فظنوه هو المسيح فقتلوه وصلبوه فسبحان المدبر الحكيم، وهكذا {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} وقوله له ومطهرك من الذين كفروا يريد منزهه من تهم اليهود الباطلة إذ قالوا ساحر وابن زنى، ومبعده من ساحة مجتمعهم الذي تعفن بكفرهم والخبث والشر والفساد وواعده بأنه سيجعل الذين اتبعوه فيما جاء به من الإِيمان والإسلام والإحسان فوق الذين كفروا بذلك إلى يوم القيامة وقد أنجز الله تعالى وعده فأعز أهل الإِسلام ونصرهم، وأذل اليهود والكفار وأخزاهم. كما واعده أيضاً أن يرد الجميع إليه يوم القيامة ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في الدنيا من الإِيمان والكفر، والصلاح والفساد ويجزي كل فريق بما كسب من خير أو شر فقال: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} في الدنيا بالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وفي الآخرة بعذاب النار، وما لهم من ناصرين يخلصونهم من عذابنا، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجور إيمانهم وصالح أعمالهم في الدنيا نصراً وتمكيناً وفي الآخرة جنّات ونعيماً، والله عز وجل لا يحب الظالمين فكيف يظلم عباده إذ جازاهم بأعمالهم؟ إنه لا يظلم أحداً من عباده مؤمنهم وكافرهم مثقال ذرة بل يجزي بعدله ويرحم بفضله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- قيام الحجّة على نصارى نجران إذ أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي فقرَّر به بطلان ألوهية عيسى عليه السلام بذكر أوصافه وأحواله مع قومه، وكرامة الله تعالى له، ولأتباعه معه ومن بعده في الدنيا والآخرة. 2-الإِسلام دين الأنبياء وسائر الأمم البشرية ولا دين حق غيره فكل دين غيره باطل. 3- تقرير حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في أن لكل نبيّ حواريين وأنصاراً. 4- فضل أهل لا إله إلا الله إذ هم الشاهدون بالحق والناطقون به. 5- تقرير قبض الله تعالى لعيسى ورفعه إليه حياً. ونزوله في آخر الدنيا ليحكم زمناً ثم يموت الموتة التي كتب الله على كل إنسان، فلم يجمع الله تعالى له بين موتتين. هذا دليل أنه رفع إلى السماء حيّاً لا ميّتاً. 6- صادق وعد الله تعالى بعزة أهل الإِسلام، وذلة اليهود على مدى الحياة.

القطان

تفسير : أحس: شعر وأدرك. الانصار: الاعوان المناصرون. الحواريون: مفرده حواريّ وهو صفي الانسان وناصره. المكر، من العبد: تدبير سيء خفي، ومن الله: إبطال تدابيرهم السيئة. فلما شعر عيسى من قومه اليهود إصراراً على نكران رسالته وتكذيباً لمعجزاته وصُدوفاً رغم كل ما قدمه لهم من نصائح ومواعظ ـ قال لأتباعه وتلاميذه: من الذين ينصرونني باتّباعي، وينصرفون الى تأييد الله ودينه ورسوله؟ فقال خاصة أصحابه: نحن أنصار دين الله ومحبوه، لقد آمنّا بك وبرسالتك من عنده، فاشهد علينا أيها الرسول أنّا مؤمنون بدعوتك، منقادون لربّك، مخلصون في عبادتنا له. وقد طلبوا شهادة عيسى لهم لأن الرسل يشهدون لأممهم يوم القيامة، ثم تضرّعوا الى الله بقولهم: ربنا، آمنا بما أنزلتَ واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين لرسولك بالتبليغ، وعلى بني اسرائيل بالكفر والجحود. أما الذين أعرضوا عن عيسى من قومه فقد طفقوا يكيدون له ويمكرون في تلفيق شيء يحاربون به دعوته، لكن الله أبطل كيدهم فلم ينجحوا، واللهُ أحكم المدبِّرين وأقواهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} (52) - فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى عِيسَى رَسُولاً إلى قَوْمِهِ بَني إِسْرَائِيلَ، دَعَاهُمْ إلى دِينِ اللهِ القَوِيمِ، فَأَبَى أَكْثَرُهُمْ وَسَخِرُوا مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَشْعَرَ عِيسَى مِنْهُمْ الكُفْرَ وَالاسْتِمْرارَ فِي العِنَادِ وَالضَّلاَلَةِ، وَقَصْدِ الإِيذَاءِ، سَأَلَ النَّاسَ قَائِلاً: مَنْ يَتْبَعُنِي إلى اللهِ، وَيَنْصُرُ دَعْوتِي إليهِ؟ فَقَالَ الحَوَارِيُّونَ (أيِ الأنْصَارُ) نَحْنُ عَلَى استعدادٍ لِنُصْرَتِكَ فِي سَبيلِ دَعْوَتِكَ إلى اللهِ، فَقَدْ آمَنَّا بِاللهِ، وَاشْهَدْ عَلينا بأنَّنا أَسْلَمْنَا إليهِ وُجُوهَنَا، وَنَحْنُ مُنْقَادُونَ لأوَامِرِهِ. (وَفِي هذا دَليلٌ عَلَى أنَّ الإِسْلاَمَ هُوَ دِينُ اللهِ عَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيِّ). أحَسَّ - عَلِمَ أوْ شَعَرَ. الأنْصَارُ - وَاحِدُهُمْ نَصِيرٌ وَهُوَ المُعِينُ وَالمُظَاهِرُ. الحَوَارِيُّ - الصَّفِيُّ وَالنَّاصِرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد ذكر عيسى ابن مريم القضية الجامعة المانعة أولاً حين قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}تفسير : [آل عمران: 51]. وأوضح عيسى ابن مريم بما لا يقبل الجدل: "أنا معكم سواء في مربوبيتنا إلى إله واحد، وأنا لم أجيء أعلمكم لأني تميزت عنكم بشيء. فيما يتعلق بالعبادة نحن سواء، فالله رب لي ورب لكم، والصراط المستقيم هو عبادة الله الحق. ونحن ساعة نسمع "الصراط المستقيم" فإننا نتخيل على الفور الطرق الموصلة إلى الغاية، ونعرف جميعاً أنه لا يوجد طريق في الحياة مصنوع لذات الطريق، إنما الطريق يصنع ليوصل إلى غاية. وساعة تسمع "صراط" فإننا نفهم على الفور الغاية التي نريد أن نصل إليها. والحق سبحانه يقول: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تفسير : [الأنعام: 153]. وما دام هناك طريق لغاية ما فلا بد أن نحدد الغاية أولاً، وتحديد الغاية إنما يهدف إلى إيضاح السبيل أمام الإنسان ليسلك الطريق الموصل إلى تلك الغاية. وهكذا يقول الحق على لسان عيسى ابن مريم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} تفسير : [آل عمران: 51]. والعبادة هي إطاعة العابد لأمر المعبود، وهكذا يجب أن نفطن إلى أن العبادة لا تقتصر على إقامة الأركان التعبدية في الدين من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، إن هذه هي أركان الإسلام ولا يستقيم أن ينفصل الإنسان المسلم عن ربه بين أوقات الأركان التعبدية، إن الأركان التعبدية لازمة، لأنها تشحن الطاقة الإيمانية للنفس حتى تقبل على العمل الخاص بعمارة الدنيا، ويجب أن نفطن إلى أن العبادة في الدنيا هي كل حركة تؤدي إلى إسعاد الناس وعمارة الكون. ويجب أن نعرف أن الأركان التعبدية هي تقسيم اصطلاحي وضعه العلماء في الفقه كباب العبادات وباب المعاملات، لكن علينا أن نعرف أن كل شيء يأمر به الله اسمه "عبادة". إذن فالعبادة منها ما يصل العبد بالمعبود ليأخذ الشحنة الإيمانية من خالقه، خالق الكون، ومنها ما يتصل بعمارة الكون. ولذلك قلنا: إنك حينما تتقبل من الله أمراً بعبادة ما، فأنت تتلقاه وأنت موصول بأسباب الله بحثاً عن الرزق وغير ذلك من أمور الحياة، والمثل الواضح لذلك هو قول الحق:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة: 9]. إن هذا الأمر بالصلاة الجامعة يوم الجمعة يخرج بالإنسان من أمر البيع، وهذا الأمر بالصلاة لم يأخذ الإنسان من فراغ، إنما أخذ الإنسان من عمل، هو البيع .. ولو نظرنا إلى دقة الأداء في البيع لوجدناها قمة الأخذ المباشر للرزق. إن كلام الله يصل في دقته إلى ما لا يصل إليه كلام بشر، فلم يقل الله مثلاً "اتركوا الصنعة" "اتركوا الحرث" ولكن الحق جاء بالبيع هنا لأنه قمة النفعية العاجلة. إن الذي يحرث ويزرع ينتظر وقتاً قد يطول حتى تنضج الثمار، لكن الذي يبيع شيئاً، فإنه ينال المنفعة فوراً، لقد جاء الأمر بترك هذه الثمرة العاجلة لأداء صلاة الجمعة، ويتضمن هذا الأمر ترك كل الأمور التي قد تأتي ثمراتها من بعد ذلك لأداء الصلاة. إن البيع هو التعبير الدقيق لأن المتكلم هو الله، والحق لم يتكلم هنا مثلاً عن الشراء، لأن الشاري قد يشتري وهو كاره، لكن البائع يملأه السرور وهو يبيع فقد يذهب رجل لشراء أشياء لبيته فيسمع الأذان فيسرع إلى الصلاة ويقول لأهله من بعد ذلك: لقد ذهبت إلى الشراء، لكن المؤذن قد أذن لصلاة الجمعة، ذلك أن الإنسان يجب ألا يدفع نقوداً، لكن البائع يستفيد بقمة الفائدة. لذلك يخرجنا الحق من قمة "كل الأعمال ونهاية كل الأعمال وهي مبادلة السلع بأثمانها". لكن ماذا بعد انقضاء الصلاة؟ {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10]. لقد أخرجنا من الصلاة إلى الحياة نبتغي من فضل الله، ولذلك يكون الانتشار في الأرض والبحث عن الرزق عبادة. ولننظر إلى الدقة في قوله الحق: "فانتشروا في الأرض" إن الانتشار يعني أن ينساح البشر لينتظموا في كل حركات الحياة، وبذلك تعمر كل حركة فيها. إن كل حركة في الحياة هي عبادة، وهكذا نستوعب قوله الحق على لسان عيسى ابن مريم: "إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" ومن بعد ذلك يقول الحق: "فلما أحس عيسى منهم الكفر" لقد حسم عيسى بن مريم أمر العقيدة حينما قال: "إن الله ربي وربكم" إن في ذلك تحذيراً من أن يقول أتباع عيسى أي شيء آخر عن عيسى غير أنه عبد الله خاضع لله، مأمور بالطاعة والعبادة لله. ووضع أمامهم المنهج، فقال: "هذا صراط مستقيم". وقول الحق: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} [آل عمران: 52] يدل على أن كل صاحب فكرة، وكل صاحب مهمة، وكل صاحب هدف لا بد أن يكون يقظ الأحاسيس، لأن صاحب الفكرة وخاصة الدينية يخرج الناس من الظلمات إلى النور. وقد يقول قائل: لماذا يعيش الناس في الظلام ولا يتجهون إلى النور من أول الأمر؟ وتكون الإجابة: إن هناك أناساً يستفيدون من وجود جموع الناس في الظلمات، لذلك يكون بينهم أناس ظالمون وأناس مظلومون، والظالم الذي يأخذ - اغتصاباً - خيرَ الآخرين ويعربد في الكون يخاف من رجل الدعوة الذي ينهاه عن الظلم ويدعوه إلى الهداية إلى منطق العقل، ومثل هذا الظالم عندما يسمع كلمة المنطق والدعوة إلى الإيمان لا يحب أن تُنطق هذه الكلمة، إنه يكره الكلمة والقائل لها. إن الداعية مأمور من الله بأن يكون يقظاً لأنه إن اهتدى بكلماته أناس وسعدوا بها، فإنّه يغضب أناساً آخرين، ذلك أن المجتمع الفاسد يوجد به المستفيدون من الفساد، فالداعية عليه أن يعرف يقظة الحس، ويقظة الحس معناها الالتفاف إلى الأحاسيس الخفية الموجودة عند كل إنسان، ونحن نسمى الأشياء الظاهرة منها الحواس الخمس، اللمس، والرؤية، والسمع، والتذوق، والشم. إن رجل الدعوة مأمور بأن تعمل كل حواسه حتى يعرف من الذي يجبن ويرتجف لحظة أن تأتي دعوة الخير، ومن الذي يطمئن ويحسن الراحة لدعوة الخير. إن رجل الدعوة مأمور بدقة اليقظة والإحساس ليميز بين الذي تتغير سحنته لحظة دعوة الخير، ومن الذي يستبشر ويفرح. وعندما أعلن عيسى ابن مريم منهج الحق، وجد أنصار الظلم وأنصار البغي، وأنصار الظلمات غير معجبين بالمنهج الواضح للإيمان بالله، لذلك أحس منهم الكفر لقد كان مليئاً باليقظة والانتباه. إنه يعلم أنه قد جاء برسالة من الله؛ ليخرج أناساً من مفسدة إلى مصلحة. وعندما أحس منهم الكفر، أراد أن ينتدب جماعة ليعينوه على أمر الدعوة. {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]؟ إن الدعوة تحتاج إلى معركة، والمعركة تحتاج إلى تضحية. والتضحية تكون بالنفس والنفيس، لذلك لا بد أن يستثير ويحرك من يجد في نفسه العون على هذه المسألة. وهو لم يناد أفراداً محددين، إنما طرح الدعوة ليأتي الأنصار الذين يستشرفون في أنفسهم القدرة على حمل لواء الدعوة، ولتكون التضحية بإقبال نفس لا استجابة لداع. {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52] وكلمة "أنصار" هي جمع "نصير". والنصير هو المعين لك بقوة على بُغْيَتِك. وعندما سأل عيسى: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]؟ كانت إلى في السؤال تفيد الغاية، وهي الله، أي من ينصرني نصراً تصير غايته إلى الله وحده لا إلى أهواء البشر؟ إنه لا يسأل عن أناس يدخلون في لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو يدخلون من أجل الجاه, أو غير ذلك, إنه يسأل عن أهل العزم ليكون كل منهم متجهاً بطاقته إلى نصرة الله وحده. ومثال ذلك ما دار بين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين رجال من المدينة في أثناء مبايعتهم له في العقبة فقد قال لهم رسول الله: حديث : "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون فيه نساءكم وأبناءكم" فأخذ الداء بن معرور بيده ثم قال: "نعم, والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مِما نمنع منه أزرنا" فبايعوا رسول الله على ذلك فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين اليهود حبالاً وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعنَا"؟ فتبسم رسول الله ثم قال: "بل الدم الدم, والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني, أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم" أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم . تفسير : أقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستمتلكون الأرض, وستسودون الدنيا، أو ستنتصرون على أعدائكم؟ لا. بل قال صلى الله عليه وسلم أنا منكم وأنتم مِنِّي. لماذا؟ لأنه لو قال لهم ستنتصرون على أعدائكم، فقد يدخلون المعركة، ويموت واحد منهم؛ ولا يرى النصر، لكن الأمر الذي سيراه كل المؤمنين أن رسول الله منهم وأنهم من رسول الله وما داموا كذلك فسيدخلون معه الجنة وهي الغاية الأصيلة. وعندما سأل عيسى ابن مريم {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52] فكأنه كان يسأل: من يعينني معونة غايتها الله؟ ولماذا نأخذ هذا المعنى؟ تكون الإجابة: أنا آخذ المعنى على قدر ذهني؛ لأن مرادات الله في كلماته لا تتناهى كمالاً، وقد يأتي غيري ويأخذ منها معنى آخر. ومعنى "النصير": هو "من ينصر بجهد وقوة". وننظر النصر في الإيمان كيف يأتي؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن النصر في الإيمان قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. إذن فالنصر منا لله بأن نُطبق دينه، وهذا مراد الله، ولذلك يأتي النصر مرة من المؤمن لربه، ومرة من الرب لمربوبه، وقد يكون مراد عيسى - عليه السلام - من الذي ينصرني كي ينضم إلى الله في النصر؟ ونحن هنا أمام معسكرين, معسكر الإيمان، ومعسكر الكفر. لقد سأل عيسى {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52] أي أنه يسأل عن الذين بإمكانهم أن ينضموا إلى غاية هي الله, ونتفهم نحن هذا المعنى على ضوء ما قاله الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. ونعرف أيضاً أن هناك نصراً من المؤمن لله، وهناك نصر من الله للمؤمن. وهكذا يكون سؤال عيسى ابن مريم {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]؟ قد أفاد المعنيين معاً. وكانت الإجابة: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ, آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]. والحواريون مأخوذة من الحور، وهو شدة البياض, وهم جماعة أشرقت في وجوههم سيماء الإيمان, فكأنها مشرقة بالنور. ونور الوجه لا يقصد به البشرة البيضاء، ولكن نور الوجه في المؤمن يكون بإشراقة الإيمان في النفس، ولذلك يصف الحق المؤمنين برسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ..}تفسير : [الفتح: 29]. فحتى لو كان المؤمن أسود اللون فإن له سمة على وجهه. كيف ولماذا؟ لأن الإنسان مكون من أجهزة، ومكون من ذرات، وكل جهاز في الإنسان له مطلوب محدد وساعة أن تتجه كل الأجهزة إلى ما أراده الله، فإن الذي يحدث للإنسان هو انسجام كل أجهزته، وما دامت الأجهزة منسجمة فإن النفس تكون مرتاحة، ولكن عندما تتضارب مطلوبات الأجهزة، تكون السحنة مكفهرة. عندما قال عيسى: {مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52] سمع الاستجابة من الحواريين، والحواريون قوم لهم إشراقات انسجام النفس مع الإيمان، أو هم قوم بيض المعاني, أي أن معانيهم بيضاء ومشرقة. والنبي صلى الله عليه وسلم سمى بعضاً من صحابته حواري رسول الله, وهم الذين جعلهم رسول الله معه طوال الوقت. وحين قال الحواريون: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} [آل عمران: 52] كان ذلك يعني أن كل إنسان منهم يريد نصرة الله. فينضم إلى الله ناصراً للمنهج, وهذا يتطلب أن يعرف كل منهم المنهج. ونحن نعرف مقومات النصرة لله. إنه الإيمان: وما الإيمان؟ إنه اطمئنان القلب إلى قضية ما، هذا هو الإيمان في عمومه. فلو لم أكن مؤمناً بأن الطريق الذي أسير فيه موصلٌ إلى غاية مطلوبة لي لما سرت فيه. مثال ذلك المسافر من القاهرة إلى دمياط لو لم يعتقد صحة الطريق لما سلك هذا الطريق، وإن لم اعتقد أنني إن لم أذاكر دروسي سوف أرسب لما ذاكرت. إذن فكل أمر في الدنيا يتم بناؤه على الإيمان، لكن إذا أُطلق الإيمان بالمعنى الخاص، فهو اطمئنان القلب إلى قمة القضايا، وهي الإيمان بالله، لذلك فأسلحة النصر إلى الله هي: إسلام كل جوارح الإنسان إلى الله. ولذلك قال الحواريون: {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ, آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]. لماذا يشهد الرسول لهم؟ لأن المفروض في الرسول أن يبلغ القوم عن الله، فيشهد عليهم كما قال الله سبحانه وتعالى: {أية : وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}تفسير : [الحج: 78]. ولنا أن نلحظ أن الحق أورد على لسانهم - الحواريين - الإيمان أولاً، لأنه أمر غيبي عقدي في القلب، وجاء من بعد ذلك على لسان الحواريين طلب الشهادة بالإسلام؛ لأن الإسلام خضوع لمطلوبات الإيمان وأحكامه. إن قولهم: {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] هو أيضاً طلب منهم يسألونه لعيسى ابن مريم أن يبلغهم كل مطلوبات الإسلام قل لنا افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا إنهم قالوا: "آمنا" وما داموا قد أعلنوا الإيمان بالله، فهم آمنوا بمن بلغهم عن الله، والمطلوب من عيسى ابن مريم أن يشهد بأنهم مسلمون، ولا تتم الشهادة إلا بعد أن يبلغهم كل الأحكام وقد بلغهم ذلك وعملوا به وقالوا من بعد ذلك: {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن قصة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وقد ذكر تعالى في الآيات السابقة بشارة مريم بالسيد المسيح، ثم أعقبها بذكر معجزاته وكلها براهين ساطعة تدل على نبوته عليه السلام، ومع كل البراهين والمعجزات التي أيده الله بها فإِنَّ الكثيرين من بني إِسرائيل لم يؤمنوا به وقد عزم أعداء الله "اليهود" على قتله فنجّاه الله من شرهم ورفعه إِلى السماء. اللغَة: {أَحَسَّ} عرف وتحقق وأصله من الإِحساس وهو الإِدراك ببعض الحواس الخمس {ٱلْحَوَارِيُّونَ} جمع حواري وهو صفوة الرجل وخاصته ومنه قيل للحضريات حواريات لخلوص ألوانهن وبياضهن قال الشاعر: شعر : فقلْ للحواريات يَبْكينَ غيرنا ولا تَبْكنا إِلا الكلابُ النوابحُ تفسير : والحواريون أتباع عيسى كالصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم سمّوا حواريين لصفاء قلوبهم ونقاء سرائرهم {مَكَرُواْ} المكر: الخداع وأصله السعي بالفساد في خفية قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إِذا أظلم، ومكرُ الله استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون حكي عن الفراء وغيره {نَبْتَهِلْ} نتضرع في الدعاء، وأصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء باللعن، والبهلةُ اللعنة. سَبَبُ النّزول: لما قدم وفد نصارى نجران، وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: مالك تشتِم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إِنه عبد قال: أجل إِنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إِلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إِنساناً قط من غير أب؟ فإِن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} الآية وروي أنه عليه السلام لما دعاهم إِلى الإِسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك، فقال: كذبتم يمنعكم من الإِسلام ثلاث: قولكم اتخذ الله ولداً، وأكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب فقالوا: فمن أبوه فأنزل الله {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ .. إلى قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إِِلى المباهلة، فقال بعضهم لبعض: إِن فعلتم اضطرم الوادي عليكم ناراً فقالوا أما تعرض علينا سوى هذا؟ فقال: الإِسلام أو الجزية أو الحرب فأقروا بالجزية. التفسِير: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي استشعر من اليهود التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال وإِرادتهم قتله {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي من أنصاري في الدعوة إِلى الله قال مجاهد: أي من يتبعني إِلى الله {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي قال المؤمنون الأصفياء من أتباعه نحن أنصار دين الله {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي صدقنا بالله وبما جئتنا به واشهد بأننا منقادون لرسالتك مخلصون في نصرتك {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِين} أي آمنا بآياتك واتبعنا رسولك عيسى فاكتبنا مع من شهد لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق، ثم أخبر تعالى عن اليهود المتآمرين الذين أرادوا قتل عيسى فقال {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} أي أرادوا قتله فنجّاه الله من شرهم ورفعه إِلى السماء دون أن يمسَّ بأذى وألقى شبهه على ذلك الخائن "يهوذا" وسمّي مكراً من باب المشاكلة ولهذا قال {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} أي أقواهم مكراً بحيث جعل تدميرهم في تدبيرهم وفي الحديث "حديث : اللهمَّ امكرْ لي ولا تمكر عليَّ" تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أي إِني رافعك إِلى السماء ثم مميتك بعد استيفائك كامل أجلك والمقصود بشارته بنجاته من اليهود ورفعه إِلى السماء سالماً دون أذى قال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره إِني رافعك إِليَّ ثم متوفيك بعد ذلك، وقد ذكره الطبري فقال: وقال آخرون معنى ذلك: إِذ قال الله يا عيسى إِني رافعك إِليَّ ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إِنزالي إِيّاك إِلى الدنيا {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي مخلصك من شر الأشرار الذين أرادوا قتلك قال الحسن: طهّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي جاعل أتباعك الذين آمنوا بك فوق الذين جحدوا نبوتك ظاهرين على من ناوأهم إِلى يوم القيامة وقال في تفسير الجلالين: {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} أي صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي ثم مصيركم إِلى الله فأقضي بين جميعكم بالحق فيما كنتم تختلفون فيه من أمر عيسى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي أما الكافرون بنبوتك المخالفون لملتك فإِني معذبهم عذاباً شديداً في الدنيا بالقتل والسبي، وبالآخرة بنار جهنم {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ليس لهم ناصر يمنع عنهم عذاب الله {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي وأما المؤمنون فيعطيهم جزاء أعمالهم الصالحة كاملةً غير منقوصة {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يحب من كان ظالماً فكيف يظلم عباده؟ {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد {مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} أي من آيات القرآن الكريم المحكم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ} أي إِن شأن عيسى إِذ خلقه بلا أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي خلقَ آدم من غير أب ولا أم ثم قال له كن فكان، فليس أمر عيسى بأعجب من أمر آدم {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} أي هذا هو القول الحق في عيسى فلا تكن من الشاكين {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي من جادلك في أمر عيسى بعدما وضح لك الحق واستبان {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} أي هلمّوا نجتمع ويدعو كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إِلى المباهلة وفي صحيح مسلم لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسناً وحُسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} أي نتضرع إِلى الله فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن عيسى، فلما دعاهم إِلى المباهلة امتنعوا وقبلوا بالجزية عن ابن عباس أنه قال "لو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً" قال أبو حيان: "وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بصدقه شاهد عظيم على صحة نبوته" ثم قال تعالى {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا شك فيه {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يوجد إِله غير الله، وفيه ردٌّ على النصارى في قولهم بالتثليث {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي هو جل شأنه العزيز في ملكه الحكيم في صنعه {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} أي إِن أعرضوا عن الإِقرار بالتوحيد فإِنهم مفسدون والله عليم بهم وسيجازيهم على ذلك شر الجزاء. البَلاَغَة: 1- {فَلَمَّآ أَحَسَّ} قال أبو حيان: فيها استعارة إِذ الكفر ليس بمحسوس وإِنما يُعلم ويفطن به فإِطلاق الحسّ عليه من نوع الاستعارة. 2- {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} بين لفظ مكروا والماكرين جناس الاشتقاق وهو من باب المشاكلة. 3- {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} فيه التفات من ضمير التكلم إِلى ضمير الغيبة للتنوع في الفصاحة. 4- {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إِلى الرسول لتشريفه عليه الصلاة والسلام. 5- {فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} هو من باب الإِلهاب والتهييج لزيادة التثبيت أفاده أبو السعود. لطيفَة: قال صاحب البحر المحيط: سأل رجل الجنيد فقال: كيف رضي الله سبحانه لنفسه المكر وقد عاب به غيره، فقال: لا أدري ما تقول ولكن أنشدني فلان الظهراني: شعر : ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا تفسير : ثم قال له: قد أجبتك إِن كنت تعقل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} معناهُ عَرَفَ مِنْهُمْ الكُفْرَ. تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْحَوَارِيُّونَ} هُم صَفْوةُ الأَنبياءِ عليهم السَّلامُ واحدُهم حَواري. والحَوارِياتُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي يَسكُنَّ القُرَى. وَلاَ يَسْكُنَّ البَوادي.

الأندلسي

تفسير : {فَلَمَّآ أَحَسَّ} الإِحساس الإِدراك بالحاسة ولما كان كفرهم واضحاً مصرحاً به جعل كأنه مبصر مسموع. ويقال: أحس متعدياً لمفعول به وحسست متعدياً بالباء وقد أبدلت سين حسست الثانية ياء إذا اتصل بها بعض الضمائر وقد حذفت قالوا أحسْستُ وكذلك سين أحس مع بعض الضمائر، تقول: أحست والكفر كفرهم بنبوته وطلب قتله ولذلك: {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي أنصاري مضافين إلى نصر الله إياي، والحواريون أصفياء عيسى: قاله ابن عباس، وقال مصعب: الحواريون كانوا اثني عشر رجلاً يسيحون معه يخرج لهم ما احتاجوا إليه من الأرض. {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار نبي الله ودينه ثم أخبروا بما حملهم على النصرة وهو الإِيمان بالله وأكدوا ذلك بقولهم: {وَٱشْهَدْ} فجاز أن يكون الضمير عائداً على عيسى أو عائداً على الله، أي وأشهر يا ربنا. وأكدوا ذلك بقولهم: {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ} الآية. {وَمَكَرُواْ} الضمير عائد على الذين أحس منهم الكفر. ومكرهم باحتيالهم على قتله وقتل أصحابه ومكر الله: مجازاتهم على مكرهم، سمي ذلك مكراً لأن المجازاة لهم ناشئة عن المكر، كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]. {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ} القول بواسطة ملك. لأنه عليه السلام لم يكن مكلماً كموسى عليه السلام. {مُتَوَفِّيكَ} والظاهر أن معنى "متوفيك" مميتك ورافعك إلى. والواو لا تقتضي ترتيباً أي مميتك بعد رفعك أليّ. وبدأ بقوله: {مُتَوَفِّيكَ}؛ إخباراً بأنه مخلوق من مخلوقاته ليس بآله. وقيل: معنى متوفيك أي بالنوم أو قابضك من الأرض، وأجمعت الأمة على أن عيسى عليه السلام حي في السماء وسينزل الى الأرض إلى آخر الحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} الرفع النقل من سفل الى علو. {وَمُطَهِّرُكَ} أي مخلصك جعلهم نجساً. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} أي على دينك وما جئت به عن الله من الدين والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإلزام الناس شريعته. {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم اليهود وشردهم الله أي تشريد بأنه ليس لهم ملك ولا مدينة يختصمون بها بل هم مغرقون في أقطار الأرض تحت قهر المسلمين وتحت قهر النصارى وتحت قهر المجوس. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} هذا إخبار بالحشر والبعث. والمعنى ثم إلى حكمي. وهذا من الإِلتفات، لأنه سبق ذكر مكذبيه وهم اليهود وذكر من آمن به وهم الحواريون وأعقب ذلك قوله: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا. فذكر متبعيه والكافرين ولو جاء على نمط هذا السياق لكان التركيب ثم إلي مرجعهم، ولكنه التفت على سبيل الخطاب للجميع ليكون الاخبار أبلغ في التهديد وأشد زجراً لمن ينزجر، ثم ذكر لفظة: إليّ، ولفظة: فأحكم، بضمير المتكلم ليعلم أن الحاكم هناك من لا تخفى عليه خافية، وذكر أنه يحكم فيما اختلفوا فيه من أمر الأنبياء واتباع شرائعهم وأتى بالحكم مبهماً ثم فصل المحكوم بينهم إلى كافر ومؤمن وذكر جزاء كل واحد منهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من النفس وصفاتها الكفر، {قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]، أعواني في الله {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} [آل عمران: 52]؛ يعني: القلب وصفاته {نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} [آل عمران: 52]؛ أي: أعوان الله في نصرة الحق {آمَنَّا بِٱللَّهِ} [آل عمران: 52]؛ أي: بوحدانيته والتبري عن غيره {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه {رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ} [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} [آل عمران: 53]، الوارد من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك {فَٱكْتُبْنَا} [آل عمران: 53]، فاجعلنا {مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ} [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ويشاهدون أنوار جمالك {وَمَكَرُواْ} [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح {وَمَكَرَ ٱللَّهُ} [آل عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حباً وهو المتوفى بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إليَّ بجذبات العناية، وهذا كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى {أية : قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 55]؛ أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ} [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال الباطنة وهي الطريقة، {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما اتبعه حقيقة من دعاء رباً وابن الله، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} [آل عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح، {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [آل عمران: 55] بالقبول والرد، والثواب والعقاب، {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله تعالى، {وَٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على خلاصهم من العذاب.