Verse. 3281 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

فَلَمَّا قَضٰى مُوْسَى الْاَجَلَ وَسَارَ بِاَہْلِہٖۗ اٰنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّوْرِ نَارًا۝۰ۚ قَالَ لِاَہْلِہِ امْكُثُوْۗا اِنِّىْۗ اٰنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّيْۗ اٰتِيْكُمْ مِّنْہَا بِخَبَرٍ اَوْ جَذْوَۃٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُوْنَ۝۲۹
Falamma qada moosaalajala wasara biahlihi anasa min janibi alttoori naran qala liahlihi omkuthoo innee anastu naran laAAallee ateekum minha bikhabarin aw jathwatin mina alnnari laAAallakum tastaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما قضى موسى الأجل» أي رعيه وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به «وسار بأهله» زوجته بإذن أبيها نحو مصر «آنس» أبصر من بعيد «من جانب الطور» اسم جبل «ناراً قال لأهله امكثوا» هنا «إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر» عن الطريق وكان قد أخطئها «أو جذوة» بتثليث الجيم قطعة وشعلة «من النار لعلكم تصطلون» تستدفئون والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : تزوج صغراهما وقضى أوفاهما » تفسير : أي قضى أوفى الأجلين، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ } يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل على أنه لم يزد عليه وقوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ } ليس فيه دلالة على أنه خرج منفرداً معها وقوله: {ٱمْكُثُواْ } فيه دلالة على الجمع. أما قوله: {إِنّى آنَسْتُ نَاراً } فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل. أما قوله: {لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون } ففيه أبحاث: الأول: قال صاحب «الكشاف» الجذوة باللغات الثلاث وقد قرىء بهن جميعاً وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال الزجاج الجذوة القطعة الغليظة من الحطب. الثاني: قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا برداً شديداً فعنده أبصر ناراً بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله: {آتيكم منها بخبر } أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله: {لعلي آتيكم منها بخبر } دلالة على إنه ضل وفي قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } دلالة على البرد. أما قوله: {فَلَمَّا أَتَـٰهَا نُودِىَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فاعلم أن شاطىء الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطىء الوادي من قبل الشجرة وقوله: {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } بدل من قوله: {مِن شَاطِىء ٱلْوَادِى } بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء كقوله: { أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ } تفسير : [الزخرف: 33] وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وههنا مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله: {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول: قول أبي منصور الماتريدي وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقاً في الشجرة ومسموعاً منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال الثاني: قول أبي الحسن الأشعري وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين، واحتج أهل السنة بأن محل قوله: {إِنّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله، والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا الله وكل ذلك باطل. المسألة الثانية: يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علماً ضرورياً بأن ذلك الكلام كلام الله، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟ قال لأني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطاً. المسألة الثالثة: قال في سورة النمل (8) { أية : نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } تفسير : وقال ههنا {نودي... إِنّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقال في طه (11، 12): { أية : نُودِىَ... إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } تفسير : ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء. المسألة الرابعة: قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164] وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف لأن قوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضاً بالوحي لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي. أما قوله: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلأَمِنِينَ } فقد تقدم تفسير كل ذلك، وقوله {كَأَنَّهَا جَانٌّ } صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه جان، فلا يكون هذا مناقضاً لكونه ثعباناً بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار، وقد تقدم الكلام في خوفه، ومعنى {وَلَمْ يُعَقّبْ } لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر في جوفها فحينئذ ولى، واختلفوا في العصا على وجوه: أحدها: قالوا إن شعيباً كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى بالليل إذا دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرني العصا فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له معها شأناً. وروي أيضاً أن شعيباً عليه السلام أمر ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم يقع في يدها غيرها، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا، قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه إياها فاختصما، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة، فتركها الشيخ له ورعى له عشر سنين وثانيها: روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها من موسى عليه السلام، وأنها كانت تكنسه وتنطفه، وكان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، وكان لبيرون أحد عشر ولداً من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله، فلم يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبي، وإن له مع هذه العصا لشأناً وثالثها: في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنيناً عظيماً فأخشى عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرأى عشباً كثيراً، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين مقتولاً فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية، وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريراً فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالاً مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأناً، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه إكراماً وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه ورابعها: قال بعضهم تلك العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلاً وخامسها: قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً أي أخذها من عرض الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير، وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة، والله أعلم بها. أما قوله تعالى: {أسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها: هذه وثانيها: قوله في طه (22) { أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء } تفسير : وثالثها: قوله في النمل (12) { أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } تفسير : قال العزيزي في غريب القرآن: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } أدخلها فيه. أما قوله: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } فأحسن الناس كلاماً فيه، قال صاحب «الكشاف»: فيه معنيان أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه الثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى قوله: {مِنَ ٱلرَّهْبِ } من أجل الرهب، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } وقوله: { أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ } تفسير : [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب «الكشاف» وهو في نهاية الحسن. أما قوله تعالى: {فَذَانِكَ } قرىء مخففاً ومشدداً، فالمخفف مثنى (ذا)، والمشدد مثنى (ذان)، قوله: {بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبّكَ } حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال: { أية : إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } تفسير : [القصص: 33] قال القاضي: وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف، لأنه ثبت أنه لا بد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي، وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم، فلعل هناك أنواعاً من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} قال سعيد بن جبير: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى. فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله ـ يعني ابن عباس ـ فقدمت عليه فسألته؛ فقال: قضى أكملهما وأوفاهما. فأعلمت النصراني فقال: صدق والله هذا العالم. وروي عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبريّ عن مجاهد أنه قضى عشراً وعشراً بعدها؛ قال ابن عطية: وهذا ضعيف. الثانية: قوله تعالى: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء؛ لما لَهُ عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمراً فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج. الثالثة: قوله تعالى: {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} الآية. تقدّم القول في ذلك في «طه». والجِذوة بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيـى، وفتحها عاصم والسُّلَمي وزرّ بن حُبيش. قال الجوهري: الجِذْوة والْجُذْوَة والْجَذْوَةُ الجمرة الملتهبة والجمع جِذاً وجُذاً وجَذاً. قال مجاهد في قوله تعالى: {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ} أي قطعة من الجمر؛ قال: وهي بلغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: والجِذْوة مثل الجِذمة وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نار أو لم يكن. قال ابن مقبل:شعر : بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا جَزْلَ الْجِذَا غَيْرَ خَوّارٍ وَلا دَعِرِ تفسير : وقال:شعر : وَأَلْقَى على قَيْسٍ منَ النَّار جِذْوَةً شديداً عليها حَمْيُها ولهيبُها

ابن كثير

تفسير : قد تقدم في تفسير الآية قبلها: أن موسى عليه السلام قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأتقاهما، وقد يستفاد هذا أيضاً من الآية الكريمة حيث قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} أي: الأكمل منهما، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قضى عشر سنين، وبعدها عشراً أخر، وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم. وقوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله، وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلاً، فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئاً، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك {ءَانَسَ مِن جَانِبِ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} أي: رأى ناراً تضيء على بعد، {قَالَ لأَِهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ ءَانَسْتُ نَاراً} أي: حتى أذهب إليها؛ {لَّعَلِّيۤ ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} وذلك لأنه كان قد أضل الطريق، {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلْنَّارِ} أي: قطعة منها؛ {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي: تستدفئون بها من البرد، قال الله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَـٰهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ} أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ}تفسير : [القصص: 44] فهذا مما يرشد إلى أن موسىٰ قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتاً في أمرها، فناداه ربه {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام سمرة خضراء ترف، إسناده مقارب. وقال محمد بن إسحاق عن بعض من لا يتهم عن وهب بن منبه قال: شجرة من العليق، وبعض أهل الكتاب يقول: إنها من العوسج. وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج. وقوله تعالى: {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره، ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته، وأقواله وأفعاله، سبحانه. وقوله: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} أي: التي في يدك؛ كما قرره على ذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 17 ــــ 18] والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها {أية : أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 19 ــــ 20] فعرف وتحقق أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون؛ كما تقدم بيان ذلك في سوره طه، وقال ههنا: {فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ} أي: تضطرب {كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً} أي: في حركتها السريعة، مع عظم خلقتها وقوائمها، واتساع فمها، واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد، فعند ذلك {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: ولم يكن يلتفت؛ لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال الله له: {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلأَمِنِينَ} رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله تعالى: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك، ثم أخرجتها، فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال: {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: من غير برص. وقوله تعالى: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة: من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية، والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهو يده، فإذا فعل ذلك، ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء، فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده، أو يخف إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم عن مجاهد قال: كان موسى عليه السلام قد ملىء قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، فنزع الله ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه، بال كما يبول الحمار. وقوله تعالى: {فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ} يعني: إلقاء العصا، وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه، فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ} أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لأمره ودينه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } أي رعيه وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به {وَسَارَ بِأَهْلِهِ } زوجته بإذن أبيها نحو مصر {ءَانَسَ } أبصر من بعيد {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ } اسم جبل {نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } هنا {إِنِّى ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِى ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن الطريق وكان قد أخطأها {أَوْ جَذْوَةٍ } بتثليث الجيم قطعة وشعلة {مّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون، والطاء بدل من تَاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها.

الماوردي

تفسير : قوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} يعني العمل الذي شُرِطَ عليه. {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي بزوجته. {ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً} أي رأى، وقد يعبر عن الرؤية بالعلم. {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: بخبر الطريق الذي أراد قصده هل هو على صوبه أو منحرف عنه. الثاني: بخبر النار التي رأها هل هي لخير يأنس به أو لشر يحذره. {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ} فيها أربعة أوجه: أحدها: الجذوة أصل الشجرة فيها نار، قاله قتادة. الثاني: أنها عود في بعضه نار وليس في بعضه نار، قاله الكلبي. الثالث: أنها عود فيه نار ليس له لهب، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنها شهاب من نار ذي لهب، قاله ابن عباس. قال الشاعر: شعر : وألقي على قبس من النار جذوة شديدٌ عليها حميها والتهابها تفسير : {لَعلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون. قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} يعني النار أي قرب منها. {نُودِيَ مِن شَاطِيءِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارََكَةِ} وهي البقعة التي قال الله فيها لموسى {اخلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}. واحتمل وصفها بالبركة وجهين: أحدهما: لأن الله كلم فيها موسى وخصه فيها بالرسالة. الثاني: أنها كانت من بقاع الخصب وبلاد الريف. ثم قال تعالى: {مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فأحل الله كلامه في الشجرة حتى سمعه موسى منها، لأنه لا يستطيع أن يسمعه من الله وهذه أعلى منازل الأنبياء أن يسمعوا كلام الله من غير رسول مبلغ وكان الكلام مقصوراً على تعريفه بأنه الله رب العالمين إثباتاً لوحدانيته ونفياً لربوبية غيره، وصار بهذا الكلام من أصفياء الله من رسله لأنه لا يصير رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة،والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام. فإن قيل: فكيف أضاف البركة إلى البقعة دون الشجرة والشجرة بالبركة أخص لأن الكلام عنها صدر ومنها سُمِعَ؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الشجرة لما كانت في البقعة أضاف البركة إلى البقعة لدخول الشجرة فيها ولم يخص به الشجرة فتخرج البقعةوصار إضافتها إلى البقعة أعم. الثاني: أن البركة نفذت من الشجرة إلى البقعة فصارت البقعة بها مباركة فلذلك خصّها الله بذكر البركة، قاله ابن عباس، والشجرة هي العليق وهي العوسج. قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ...} الآية وإنما أمره بإلقاء عصاه في هذا الحال ليكون برهاناً عنده بأن الكلام الذي سمعه كلام الله ثم ليكون برهاناً له إلى من يرسل إليه من فرعون وملئه. فإن قيل: فإذا كانت برهاناً إليه وبرهاناً له فلم ولَّى منها هارباً؟ قيل لأمرين: أحدهما: رأى ما خالف العادة فخاف. الثاني: أنه يجوز أن يظن الأمر بإلقائها لأجل أذاها فولَّى هارباً حتى نودي فعلم. {... ولَمْ يُعَقِّبْ} فيه وجهان: أحدهما: ولم يثبت، اشتقاقاً من العقب الذي يثبت القدم. الثاني: ولم يتأخر لسرعة مبادرته. ويحتمل ثالثاً: أي لم يلتفت إلى عقبه لشدة خوفه وسرعة هربه. {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مَنَ الآمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: الآمنين من الخوف. الثاني: من المرسلين لقوله تعالى: {إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولاً بهذا القول. وعلى التأويل الأول يصير رسولاً بقوله: {فَذَانِكَ بُرْهَاناَنِ مِنَ رَبِّكَ إلَى فِرْعَونَ وَمَلإِئْهِ} والبرهانان اليد والعصا. وفي قوله تعالى: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} وجهان: أحدهما: أن الجناح الجيب جيب القميص وكان عليه مدرعة صوف. الثاني: أن الجيب جنب البدن. {مِنَ الرَّهْبِ} فيه وجهان: أحدهما: أن الرهب الكُمّ، قاله مورق. الثاني: أنه من الخوف.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} وَفَّى العمل. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : "أَجَّر موسى نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه" فقيل: أي الأجلين قضى. قال: "أبرهما وأوفاهما"" تفسير : . {ءَانَسَ} رأى. {امْكُثُواْ} أقيموا مكانكم {جَذْوَةٍ} أصل شجرة فيها نار، أو عود في بعضه نار وليست في بعضه، أو عود في بعضه نار ليس له لهب، أو شهاب من نار ذو لهب "ع". {تَصْطَلُونَ} تستدفئون.

النسفي

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} قال عليه السلام «حديث : قضى أوفاهما وتزوج صغراهما» تفسير : وهذا بخلاف الرواية التي مرت {وَسَارَ بِأَهْلِهِ } بامرأته نحو مصر. قال ابن عطاء: لما تم أجل المحنة ودنا أيام الزلفة وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه {ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ إِنّى ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِي ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن الطريق لأنه قد ضل الطريق {أَوْ جَذْوَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَـٰهَا نُودِىَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَـنِ} بالنسبة إلى موسى {فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ } بتكليم الله تعالى فيها {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } العناب أو العوسج {أَن يا مُوسَىٰ } «أن» مفسرة أو مخففة من الثقيلة {إِنّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال جعفر: أبصر ناراً دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلماً شريفاً أعطى ما سأل وأمن مما خاف، والجذوة باللغات الثلاث وقريء بهن، فعاصم بفتح الجيم، وحمزة وخلف بضمها، وغيرهم بكسرها. العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، و «من» الأولى والثانية لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطيء الوادي من قبل الشجرة. و {من الشجرة} بدل {من شاطىء الواد} بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء أي الجانب

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فلما قضى موسى الأجل} أي أتمه وفرغ منه {وسار بأهله} قيل مكث موسى بعد الأجل عند شعيب عشر سنين أخرى ثم استأذنه في العود إلى مصر فأذن له فسار بأهله أي بزوجته قاصداً إلى مصر {آنس} أي أبصر {من جانب الطور ناراً} وذلك أنه كان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق {قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر} أي عن الطريق لأنه كان قد أخطأ الطريق {أو جذوة من النار} أي قطعة وشعلة من النار وقيل: الجذوة العود الذي اشتعل بعضه {لعلكم تصطلون} أي تستدفئون {فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن} يعني من جانب الوادي الذي عن يمين موسى {في البقعة المباركة} جعلها الله مباركة لأن الله تعالى كلم موسى هناك وبعثه نبياً وقيل يريد البقعة المقدسة {من الشجرة} يعني من ناحية الشجرة قال ابن مسعود: كانت سمرة خضراء تبرق وقيل كانت غوسجة وقيل كانت من العليق وعن ابن عباس إنها العناب {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} قيل إن موسى لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم أنه لا يقدرعلى الجمع بين النار وخضرة الشجرة إلا الله تعالى فعلم بذلك أن المتكلم هو الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى خلق في نفس موسى علماً ضرورياً بأن المتكلم هو الله وأن ذلك الكلام كلام الله تعالى. وقيل: إنه قيل لموسى كيف عرفت أنه نداء الله قال إني سمعته بجميع أجزائي فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم بذلك أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى {وأن ألق عصاك} يعني فألقاها {فلما رآها تهتز} يعني تتحرك {كأنها جان} هي الحية الصغيرة والمعنى أنها في سرعة حركتها كالحية السريعة الحركة {ولى مدبراً} يعني هارباً منها {ولم يعقب} يعني ولم يرجع قال وهب إنها لم تدع شجرة، ولا صخرة إلا بلعتها حتى إن موسى سمع صرير أسنانها وقعقعة الشجر والصخر في جوفها فحينئذ ولى مدبراً ولم يعقب فنودي عند ذلك {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}. قوله عز وجل {اسلك يدك} يعني أدخل يدك {في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} يعني برص والمعنى أنه أدخل يده فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس {واضمم إليك جناحك من الرهب} يعني من الخوف والمعنى إذا هالك أمر يدك وما تراه من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى وقال ابن عباس: أمر الله موسى أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية وما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقيل المراد من ضم الجناح السكون أي سكن روعك واخفض عليك جناحك لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه. وقيل الرهب الكم بلغة حمير ومعناه اضمم إليك يدك وأخرجها من كمك لأنه تناول العصا ويده في كمه {فذانك} يعني العصا واليد البيضاء {برهانان} يعني آيتان {من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين} يعني خارجين عن الحق {قال رب إني قتلت منهم نفساً} يعني القبطي {فأخاف أن يقتلون} يعني به {وأخي هارون هو أفصح مني لساناً} يعني بياناً وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه {فأرسله معي ردءاً} يعني عوناً {يصدقني} يعني فرعون وقيل تصديق هارون هو أن يلخص الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل الكفار فهذا هو التصديق المفيد {إني أخاف أن يكذبون} يعني فرعون وقومه {قال سنشد عضدك بأخيك} يعني سنقويك به وكان هارون بمصر {ونجعل لكما سلطاناً} يعني حجة وبرهاناً {فلا يصلون إليكما} أي بقتل ولا سوء {بآياتنا} قيل معناه نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما {أنتما ومن اتبعكما الغالبون} يعني لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} قال ابن عباس: قضى أكملهمَا عَشْرَ سنينَ؛ وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَـٰهَا نُودِىَ...}، تَقَدَّمَ قصصُها، فانظرْه في محالِّه، قال البخاريُّ: والجَذْوَةُ قطعةٌ غلِيظةٌ مِنَ الخَشَبِ فيها لَهَبٌ، انتهى. قال العِراقيُّ و«آنس» معناه: أبصر، انتهى. وقوله: {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} يقتضي: أن موسى ـــ عليه السلام ـــ سَمِعَ ما سَمِعَ من جهة الشجَرةِ، وسمع وأدرك غَيْرُ مُكَيَّفٍ ولا محَدَّدٍ. قال السهيليُّ: قيل إن هذه الشجرةَ عَوْسَجَة، وقِيل: عُلَّيْقَة، والعَوْسَجُ إذا عَظُمَ قِيلَ له: الغَرْقَدُ، انتهى. {ولَمْ يُعَقِّبْ} معناه: لم يرجع على عَقِبهِ من تَوْلِيَتِه. وقوله تعالى: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} ذهبَ مجاهد وابن زيدٍ إلى: أنَّ ذَلكَ حقيقةٌ أَمَرَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وَذِرَاعِه؛ وهو الجَنَاحُ إلى جَنْبِه؛ لِيَخِفَّ بذلكَ فَزَعُه؛ ورهبُه، ومن شأن الإنسانِ إذا فَعَلَ ذلك في أوقات فزعه؛ أن يَقْوَىٰ قَلْبُهُ، وذهبت فرقةٌ إلى أن ذلك على المجازِ وأنه أُمِرَ بالعَزْمِ على ما أُمِرَ به، كما تقُولُ العربُ: اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ؛ وارْبِطْ جَأْشَكَ، أي: شَمِّرْ في أمْرِكَ وَدَعْ عَنْكَ الرَّهْبَ. وقوله تعالى: {فَذَٰنِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبِّكَ} قال مجاهد والسدي: هي إشَارة إلى العَصَا واليدِ. وقرأ الجمهور: «رِدْءاً» ـــ بالهَمْزِ ـــ. وقَرأ نافعٌ وَحْدَهُ «رِداً» ـــ بتنوين الدال دونَ هَمْزِ وذلك على التخفيف من رِدْءٍ، والرِّدْءُ: الوَزير المعين، وشَدُّ العَضُدِ: استعارةُ في المَعونةِ، والسلطان: الحجةُ. وقوله: {بِـئَايَـٰتِنَا}: متعلقٌ بقوله {ٱلْغَـٰلِبُونَ} أي: تغلبون بآياتنا؛ وهي المعجزاتُ، ثم إن فرعون استمر في طريق مخرقته على قومِه، وأمر هامان بأنْ يَطْبُخَ له الآجُرَّ وأن يَبْنيَ له صَرْحاً أي سَطْحاً في أعلى الهواء، مُوْهِماً لِجَهَلَةِ قَوْمهِ أنْ يَطَّلِعَ بزَعْمِهِ في السَّمَاء، ثم قال: {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} يعني: موسى في أنه أرسله مُرْسِلٌ و {نَبَذْنَـٰهُمْ} معناه: طرحناهم، واليَمُّ: بحرُ القُلْزُم في قول أكثر الناس؛ وهو الأشهرُ.

ابن عادل

تفسير : "آنسَ" أي: أبصر "{مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} وكان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، فقال {لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن الطريق لأنه اكن قد أخطأ الطريق. قوله "أَوْ جُذْوَةٍ" قرأ حمزة بضم الجيم، وعاصم بالفتح، والباقون بالكسر وهي لغات في العُود الذي في رأسه نار، هذا هو المشهور، قال السُّلَمي: شعر : 3991 - حَمَا حُبُّ هذي النَّارِ حُبَّ خَلِيلَتِي وَحُبُّ الغَوَانِي فهو دُونَ الحُبَاحِبِ وَبُدِّلْتُ بعدَ المِسْك وَالبَانِ شِقْوَةً دُخَان الجذَا في رأْسِ أَشْمَطَ شَاحِبِ تفسير : وقيده بعضهم فقال: في رأسه نار من غير لهب. قال ابن مُقبل: شعر : 3992 - بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمسن لَهَا جِزَالَ الجِذَا غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ تفسير : الخوَّار الذي يتقصف، والدَّعِرُ الذي فيه لهب. وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه، قال الشاعر: شعر : 3993 - وَأَلْقَى عَلَى قَبسٍ من النار جُذْوَةً شديداً عَلَيْها حَرُّها والتِهَابُهَا تفسير : وقيل: الجذوة: العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلا ما يكون في رأسه نارٌ. قوله "مِنَ النَّارِ" صفة لـ "جَذْوَة" ولا يجوز تعلقها بـ"آتِيكُم"، كما تعلق بها "مِنْهَا"، لأن هذه النار ليست النار المذكورة، والعرب إذا تقدَّمت نكرة وأرادت إعادَتَها أعادَتْها مضمرةً أو معرَّفةً بأل العهدية، وقد جُمِعَ الأمران هنا. "لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ" تستدفئون. قوله "مِنْ شَاطِىءِ" "مِنْ" لابتداء الغاية، و "الأَيْمَنِ" صفة للشاطىء أو للوادي، والأَيْمَنُ من اليُمْنِ، وهو البَرَكة، أو مِنَ اليمين المعادل لليسار من العضوين، ومعناه على هذا بالنسبة إلى موسى، أي: الَّذي على يمينك دون يسارِك، والشاطىء ضفة الوادي والنهر أي: حافته وطرفه، وكذلك الشَّطُّ والسيف والساحل كلها بمعنى، وجمع الشاطىء "أَشْطاءٌ" قاله الراغب، وشاطأت فلاناً: ماشيته على الشاطىء. قوله: "فِي البُقْعَة" متعلق (بـ "نُودِيَ" أي) بمحذوف على أنه حال من الشاطىء، وقرأ العامة بضم الباء، وهي اللغة الغالبة، وقرأ مسلمة والأشهب العقيلي بفتحها وهي لغة حكاها أبو زيد قال: سمعتهم يقولون: هذه بقعةٌ طيبة، (ووصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه). قوله: "مِنَ الشَّجَرَةِ" هذا بدل من "شَاطِىء" بإعادة العامل، وهو بدل اشتمال، لأن الشجرة كانت ثابتة على الشاطىء كقوله: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 33]. قوله: {أَن يَٰمُوسَىٰ} هي المفسرة، وجوِّز فيها أن تكون في المخففة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، وفيه بُعد. قوله {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ} العامة على الكسر على إضمار القول، أو على تضمين النداء معناه، وقرىء بالفتح، وفيه إشكال، لأَنَّهُ إنْ جعلت "أَنْ" تفسيرية، وجب كسر "إنِّي" للاستئناف المفسر للنداء بماذا كان، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير "أَنِّي" بمصدر، والمصدر مفرد، وضمير الشأن لا يفسر بمفرد، والذي ينبغي أن تُخرَّج عليه هذه القراءة أن تكون "أَنْ" تفسيرية و "أَنِّي" معمولة لفعل مضمر تقديره أَنْ يا موسى اعلم أَنِّي أنا الله، واعلم أنه تعالى قال في سورة النمل {أية : نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}تفسير : [النمل: 8] وقال ها هنا: نُودِي أَنِّي أنا اللَّه ربُّ العالمين، وقال في سورة طه {أية : نُودِيَ يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ}تفسير : [طه: 11-12]، ولا منافاة بين هذه الأشياء، فهو تعالى ذكر الكلّ إلا أنه تعالى حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه بعض ذلك النداء. قوله: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} تقدم الكلام على ذلك. وقوله: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} فقد عبّر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: إحداها هذه، وثانيها {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} تفسير : [طه: 22]، وثالثها {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ}تفسير : [النمل: 12] قوله "مِنَ الرَّهْبِ" متعلق بأحد أربعة أشياء، إمّا بـ "وَلَّى"، وإمَّا بـ "مُدْبراً"، وإمَّا بـ "اضمم"، ويظهر هذا الثالث إذا فسَّرنا الرَّهب بالكمِّ، وإمّا بمحذوف أي: تسكن من الرهب وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. والأخوان وابن عامر وأبو بكر بالضم والإسكان، والباقون بفتحتين، والحسن وعيسى والجحدري وقتادة بضمتين وكلها لغات بمعنى الخوف وقيل هو بفتحتين الكُمُّ بلغة حمير وحنيفة، قال الزمخشري "هُو من بدِع التفاسير" قال: وليت شعري كيف صحته في اللغة، وهل سُمِعَ من الثقات الأثبات التي تُرْتَضى عربيتهم، أم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفضل كسائر كلمات التنزيل، على أن موسى صلوات الله عليه ليلة المناجاة ما كان عليه إلاَّ زُرْمانِقَة من صُوفٍ لا كُمّ لها. الزُّرمانقة: المدرعةُ. قال أبو حيان: هذا مروي عن الأصمعي، وهو ثقة، سمعتهم يقولون أعطني ما في رهبك أي كُمِّكَ، وأما قوله: كيف موقعه؟ فقالوا: معناه: أخرج يدكّ من كُمِّكَ. قال شهاب الدين: كيف يستقيم هذا التفسير، يُفَسِّرُون "اضْمُمْ" بمعنى أَخْرِج. وقال الزمخشري: فإن قُلْتَ: قد جعل الجناح وهو اليَدُ في أحد الموضعين مضموماً، وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} وقوله {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ}تفسير : [طه: 22] فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد بالجناح المضموم: هو اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه هو اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. فصل قال الزمخشري: في {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} معنيان: أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لمَّا قلب الله له العصا حيَّةً فزع واضطرب واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنَّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها وقد انقلبت حية فأدخل يدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما منه غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناح الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. (الثاني: أن يراد بضم جناح ة تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حيَّة حتى لا يضطرب) ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نَشَرَ جناحية وأرخاهُما، وإلا فجناحاه منضمان إليه مستمران ومعنى قوله "مِنَ الرَّهْب" أي: من أجل الرهب إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك (ومعنى {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}) وقوله "اسْلُكْ يَدَكَ" على أحد التفسيرين واحد، وإنما خُولِفَ بين العبارتين وكرَّر المعنى لاختلاف الغرضين، وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. قال البغوي: المعنى إذا هَالَك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخِلْها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، والجناح اليد كلها وقيل: العضد. وقال عطاء عن ابن عباس: أمره الله (أن يَضُمَّ) يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية. وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: المراد من ضم الجناح السكون، أي: سكّن روعَك واحفظ عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب عليه قلبه وترتعد يداه، ومثله قوله: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ}تفسير : [الإسراء: 24] يريد: المرفق، وقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ}تفسير : [الشعراء: 215] أي: أرفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم، وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: واضمُمْ إليك عَصَاك. قوله: "فَذانك" تقدم قراءة التخفيف والتثقيل في النساء، وقرأ ابن مسعود وعيسى وشبل وأبو نوفل بياء بعد نون مكسورة، وهي لغة هذيل، وقيل تميم، وروى شبل عن كثير بياء بعد نون مفتوحة، وهذا على لغة من يفتح نون التثنية، كقوله: شعر : 3994 - عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتغِيبُ تفسير : والياء بدل من إحدى النونين (كَتَظَنَّيْتُ). وقرأ عبد الله بتشديد النون وياء بعدها، ونسبت لهذيل. قال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها، وكأن الكسرة هنا إشباع كقراءة هشام {أفئيدةٌ مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 37]. و"ذَانِكَ" إشارة إلى العصا واليد، وهما مؤنثتان، وإنما ذكَّر ما أشير به إليهما لتذكير خبرهما وهو "بُرْهَانَان"، كما أنه قد يؤنث لتأنيث خبره كقراءة {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُم إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الأنعام: 23] فيمن أَنَّثَ ونصب "فِتْنَتُهُمْ" وكذا قوله: شعر : 3995 - وَقَدْ خَابَ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ الغَدْرُ تفسير : وتقدم إيضاح هذا في الأنعام. والبرهان تقدم اشتقاقه، وهو الحجة، وقال الزمخشري هنا: فإنت قُلتَ: لم سميت الحجةُ برهاناً؟ قلت: لبياضها وإنارتها من قولهم (للمرأة البيضاء) برهرهة، بتكرير العين واللام، والدليل على زيادة النون قولهم أَبْره الرجلُ إذا جاء بالبرهان، ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السَّليط وهو الزيت لإنارتها. قوله "إلَى فِرْعَوْنَ" متعلق بمحذوف، فقدره أبو البقاء مرسلاً إلى فرعون، وغيره: اذْهَب إلى فرعون، وهذا المقدر ينبغي أن يكون حالاً من "بُرْهَانَانِ" أي: مرسلاً بهما إلى فرعون، والعامل في هذه الحال ما في اسم الإشارة.

البقاعي

تفسير : ذكر المضمون هذا من التوراة: قال في أول السفر الثاني منها: وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام، دخل كل امرىء وأهل بيته روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وإيساخار وزيلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير، وكان عدد ولد يعقوب الذين خرجوا من صلبه سبعين نفساً مع يوسف عليه الصلاة والسلام الذي كان بمصر، فتوفي يوسف وجميع إخواته وجميع ذلك الحقب، وبنو إسرائيل نموا وولدوا وكثروا واعتزوا جداً جداً، وامتلأت الأرض منهم، فملك على مصر ملك جديد لم يكن يعرف يوسف فقال لشعبه: هذا شعب بني إسرائيل قد كثر عددهم فهم أكثر وأعز منا، هلموا نحتال لهم قبل أن يكثروا، لعل أعداءنا يأتونا يقاتلونا فيكونوا عوناً، لأعدائنا علينا فيخرجونا من الأرض، فولى عليهم ولاة ذوي فظاظة وقساوة ليتعبدوهم، وجعلوا يبنون قرى لأجران فرعون واهرائه وفي نسخة: وبنوا لفرعون مدناً محصنة فيسترم في الفيوم وفي عين شمس، وفي نسخة: فيثوم ورعمسيس، وفي نسخة: وأكوان التي هي مدينة الشمس، واشتد تعبدهم لهم، وذلهم أياهم، وكانوا يزدادون كثرة ويعتزون، فاشتد غمهم وحزنهم بسبب بني إسرائيل، وكان المصريون يتعبدون بني إسرائيل بشدة وقساوة، ويمرون حياتهم بالكد والتعب الصعب الشديد بالطين وعمل اللبن وفي كل عمل الحقل، وكان تعبدهم إياهم في جميع ما استعملوهم بالشدة والفظاظة والقسوة، فقال ملك مصر: وجعلنا لقوابل العبرانيات التي تسمى إحداهما فوعا والأخرى شوفرا، وأمرهما: إذا أنتما قبلتما العبرانيات فانظرا إذا سقط الولد، فإن كان ذكراً فاقتلاه، وإن كانت أنثى فاستبقياها فاتقت القابلتان الله ولم يفعلا ما أمرهما به ملك مصر، وجعلتا تستحييان الغلمان، فدعا ملك مصر القابلتين وقال لهما؟ ما بالكما؟ جاوزتما أمري وأحييتما الغلمان؟ فقالتا لفرعون: إن العبرانيات لسن كالمصريات لأنهن قوابل، ويلدن قبل أن تدخل القابلة عليهن، فأحسن الله إلى القابلتين لصنعهما هذا، فكثر الشعب وعز جداً، فلما اتقت القابلتان الله أنماهما وجعل لهما بنين، وفي نسخة: بيوتاً، فأمر فرعون جميع قومه قائلاً: كل غلام يولد لهم فألقوه في النهر، وكل جارية تولد فاستبقوها، فانطلق رجل من آل لاوي فتزوج إحدى بنات لاوي، فحبلت المرأة فولدت ابناً فرأته حسناً جداً، فغيبته ثلاثة أشهر ولم تقدر أن تغيبه أكثر من ذلك، فأخذت تابوتاً من خشب الصنوبر، وطلته بالقار والزفت ووضعت فيه الغلام ووضعته في الضحضاح على شاطىء النهر، وقامت أخته من بعيد لتنظر ما يكون من أمره، فخرجت بنت فرعون تغتسل في النهر، فنظرت إلى التابوت في المخاضة، فأرسلت جواريها فأتوا به ففتحته فرأت الغلام، فإذا هو يبكي فرحمته، وقالت: هذا من بني العبرانيين، فقالت أخته لابنة فرعون: هل لك أن أنطلق أدعو لك ظئراً من العبرانيات فترضع هذا الغلام؟ فقالت لها ابنة فرعون: نعم! انطلقي، فانطلقت الفتاة ودعت أم الغلام، فقالت لها ابنة فرعون: خذي هذا الصبي فأرضعيه وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت المرأة الغلام فأرضعته فشب الغلام فأتت به إلى ابنة فرعون فتبنته، وسمته موسى لأنها قالت: إني انتشلته من الماء. فلما كان بعد تلك الأيام نشأ موسى عليه السلام وخرج إلى إخوته فنظر إلى ذلهم، فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من إخوته من بني إسرائيل، فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فقتل المصري، فمات ودفنه في الرمل، ثم خرج يوماً آخر فإذا هو برجلين عبرانيين يصطحبان، فقال للمسيء منهما: ما بالك؟ تضرب أخاك؟ فقال له: من جعلك علينا رئيساً وحاكماً؟ لعلك تريد أن تقتلني كما قتلت المصري أمس؟ ففرق موسى وقال: حقاً لقد فشا هذا الأمر، فبلغ فرعون الأمر وأراد موسى، فهرب موسى من فرعون وانطلق إلى أرض مدين، وجلس على طوي الماء، وكان لحبر مدين سبع بنات، فكن يأتين فيدلن الماء فيملأن الحياض ليسقين غنم أبيهن، وكان الرعاة يأتون فيطردونهن، فقام موسى فخلصهن وأسقى غنمهن، فأتين إلى رعوئيل أبيهن فقال لهن: ما بالكن؟ أسرعتن السقي اليوم؟ فقلن له: رجل مصري خلصنا من أيدي الرعاة، فاستقى لنا الماء، وسقى غنمنا، فقال لبناته: وأين هو؟ لم تركتن الرجل، انطلقن وادعونه فيأكل عندنا خبزاً، ففعلن ذلك، فأعجب موسى أن ينزل على ذلك الرجل فزوجه صفورا ابنته فتزوجها فولدت له ابناً فسماه جرشون، لأنه قال: إني صرت ساكناً في أرض غريبة. وولدت لموسى ابناً آخر، فسماه اليعازار، لأنه قال: إن إله آبائي خلصني من حرب فرعون. وقوله: إن المتخاصمين في اليوم الثاني عبرانيان، إن أمكن تنزيل ما في القرآن عليه فذاك، وإلا فهو مما بدلوه، وقوله: إن بنات شعيب سبع لا يخالف ما في القرآن الكريم، بل أيده الزمخشري بتعيينهما بقوله "هاتين" لكن تقدم ما يشير إلى أن ذلك غير لازم. ولما كان من المعلوم أن التقدير: فلما التزم موسى عليه السلام زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه، بنى عليه قوله: {فلما قضى} أي وفى وأتم، ونهى وأنفذ {موسى} صاحبه {الأجل} أي الأوفى وهو العشر، بأن وفى جميع ما شرط عليه من العمل، فإنه ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، وتزوج من المرأتين صغراهما، وهي التي جاءت فقالت: يا أبت استأجره روى الطبراني في الأوسط معناه عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً، والظاهر أنه مكث عنده بعد الأجل أيضاً مدة، لأنه عطف بالواو قوله: {وسار} ولم يجعله جواباً للما {بأهله} أي امرأة راجعاً إلى أقاربه بمصر {آنس} أي أبصر {من جانب الطور ناراً} آنسته رؤيتها وشرحته إنارتها، وكان مضروراً إلى الدلالة على الطريق والاصطلاء بالنار. ولما كان كأنه قيل: ماذا فعل عندما أبصرها قيل: {قال لأهله} ولما كان النساء أعظم ما ينبغي ستره، أطلق عليها ضمير الذكور فقال: {امكثوا} وإن كان معه بنين له فهو على التغليب، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً، لاستبعاد أن يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نار: {إني آنست ناراً} فكأنه قيل: فماذا تعمل بها؟ فقال معبراً بالترجي لأنه أليق بالتواضع الذي هو مقصود السورة، وهو الحقيقة في إدراك الآدميين في مثل هذا، ولذا عبر بالجذوة التي مدار مادتها الثبات: {لعلي آتيكم منها} أي من عندها {بخبر} ينفعنا في الدلالة على المقصد {أو جذوة} أي عود غليظ {من النار} أي متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ذكرها؛ ثم استأنف قوله {لعلكم تصطلون*} أي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتنعطفوا عليها لتدفؤوا، وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء {فلما أتاها} أي النار. ولما كان آخر الكلام دالاً دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه، بنى للمفعول قوله دالاًّ على ما في أول الأمر من الخفاء: {نودي} ولما كان نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب، وكان مع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف، إما بأن يكون أول السماع منه أو غير ذلك أو يكون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسلام فيه قال: {من} أي كائناً موسى عليه السلام بالقرب من {شاطئ} أي جانب {الواد} عن يمين موسى عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال: {الأيمن} وهو صفة للشاطىء الكائن أو كائناً {في البقعة المباركة} كائناً أول أو معظم النداء أو كائناً موسى عليه الصلاة والسلام قريباً {من الشجرة} كما تقول: ناديت فلاناً من بيته، ولعل الشجرة كانت كبيرة، فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى وسطها، فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع - وهو فيها - الكلام من الله تعالى حقيقة، وهو المتكلم سبحانه لا الشجرة، قال القشيري: ومحصل الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع تلك الليلة كلام الله، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة، وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة، بلا كم ولا كيف، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة، والشجرة قال البغوي: قال ابن مسعود رضي الله عنه: كانت سمرة خضراء تبرق، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة، وقال وهب: من العليق، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها العناب. ثم ذكر المنادي بقوله: {أن يا موسى} وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال: {إني أنا الله} أي المستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى. ولما كان هذا الاسم غيباً، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان فقال: {رب العالمين*} أي خالق الخلائق أجمعين ومربيهم {وأن ألق عصاك} أي لأريك فيها آية. ولما كان التقدير: فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة، وهي مع عظمها في غاية الخفة، بنى عليه قوله: {فلما رآها} أي العصا {تهتز كأنها} أي في سرعتها وخفتها {جان} أي حية صغيرة {ولّى مدبراً} خوفاً منها ولم يلتفت إلى جهتها، وهو معنى قوله: {ولم يعقب} أي موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفاً من الإدراك في الطلب فقيل له: {يا موسى أقبل} أي التفت وتقدم إليها {ولا تخف} ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله: {إنك من الآمنين*} أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين؛ ثم زاد طمأنينته بقوله: {اسلك} أي ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة {يدك في جيبك} أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس، أو هو الكم، كما يدخل السلك وهو الخيط الذي ينظم فيه الدرر، تنسلك على لونها وما هي عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته، وأخرجها {تخرج بيضاء} أي بياضاً عظيماً يكون له شأن خارق للعادات {من غير سوء} أي عيب من حريق أو غيره، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، فالآية من الاحتباك. ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال: {واضمم إليك} أي إلى جسدك. ولما كان السياق للتأمين من الخوف، عبر بالجناح، لأن الطائر يكون آمناً عند ضم جناحه فقال: {جناحك} أي يديك التي صارت بيضاء، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك {من الرهب} أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل بياضها في لون جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له الهرب، ويجوز أن يكون المراد بالرهب الكم، فيكون إدخالها في الفتى - التي ليست موضعها بل الرأس - للبياض، وإدخالها في الكم - الذي هو لها - لرجوعها إلى عادتها، وفي البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: وما من خائف بعد موسى عليه الصلاة والسلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وأظهر بلفظ الجناح من غير إضمار تعظيماً للمقام وتنبيهاً على أن عودها إلى حالها الأول آية مستقلة، وعبر عنها بلفظ الجناح تنبيهاً على الشكر بتعظيم نفعها. ولما تم كوناً آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال: {فذانك} أي العصي واليد البيضاء، وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية لها لتعادل الأسماء المتمكنة، وذكر لزيادة التقوية {برهانان} أي سلطانان وحجتان قاهرتان {من ربك} أي المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره {إلى} أي واصلان، أو أنت مرسل بهما إلى {فرعون وملئه} كلما أردت ذلك وجدته، لا أنهما يكونان لك هنا في هذه الحفرة فقط، ثم علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله مؤكداً تنبيهاً على ان إقدامه على الرجوع إليهم فعل من يظن أنهم رجعوا عن غيهم، وإعلاماً بمنه عليه بالحماية منهم بهذه البراهين: {إنهم كانوا} أي جبلة وطبعاً {قوماً} أي أقوياء {فاسقين*} أي خارجين عن الطاعة، فإذا رأوا ذلك هابوك، فلم يقدروا على الوصول إليك بسوء، وكنت في مقام أن تردهم عن فسقهم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلما قضى موسى الأجل‏} ‏ قال‏:‏ عشر سنين، ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي قال عبد الله بن عباس‏.‏ لما قضى موسى الأجل سار بأهله فضل عن الطريق، وكان في الشتاء‏.‏ ورفعت له نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله فقال لأهله ‏{‏امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر‏} ‏ فإن لم أجد خبراً آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون من البرد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏آنس‏} ‏ قال‏:‏ أحس وفي قوله ‏ {‏إني آنست ناراً‏}‏ قال‏:‏ أحسست‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏لعلي آتيكم منها بخبر‏}‏ قال‏:‏ لعلي أجد من يدلني على الطريق‏.‏ وكانوا قد ضلوا الطريق‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏جذوة‏} ‏ قال‏:‏ شهاب‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏جذوة‏} ‏ قال‏:‏ أصل شجرة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏جذوة‏}‏ قال‏:‏ أصل شجرة في طرفها نار‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال ‏{‏الجذوة‏} ‏ عود من حطب فيه النار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏أو جذوة‏"‏ بنصب الجيم‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي المليح قال‏:‏ أتيت ميمون بن مهران لأودعه عند خروجي في تجارة فقال‏:‏ لا تيأس أن تصيب في وجهك هذا في أمر دينك أفضل مما ترجو أن تصيب في أمر دنياك، فإن صاحبة سبأ خرجت وليس شيء أحب إليها من ملكها، فأخرجها الله إلى ما هو خير من ذلك، فهداها إلى الإِسلام، وأن موسى عليه السلام خرج يريد أن يقتبس لأهله ناراً، فأخرجه الله إلى ما هو خير من ذلك‏:‏ كلمه الله تعالى‏. وأخرج الخطيب عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران عليه السلام خرج يقتبس ناراً فرجع بالنبوّة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} فصيحةٌ، أي فعقدا العقدينِ وباشر موسى ما التزمه فلما أتمَّ الأجلَ {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} نحوَ مصرَ بإذنٍ من شُعيبٍ عليهما السَّلامُ. رُوي أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قضَى أبعدَ الأجلينِ ومكثَ عنَدُه بعد ذلك عشرَ شنينَ ثمَّ عزمَ على العودِ إلى مصرَ فاستأذنَه في ذلكَ فأذنَ له فخرجَ بأهلِه {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} أي أبصرَ من الجهةِ التي تلي الطُّورَ {نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُواْ إِنّي ءانَسْتُ نَاراً لَّعَلِي ءاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ} أي بخبرِ الطِّريقِ وقد كانُوا ضلُّوه {أَوْ جَذْوَةٍ} أي عُودٍ غليظٍ سواء كانتْ في رأسِه نارٌ أو لا، قال قائلُهم:[البسيط] شعر : باتتْ حواطبُ لَيْلَى يلتمسنَ لها جزلَ الجَذَى غيرَ خوَّارٍ ولا دعِرِ تفسير : وقال: [الطويل] شعر : وألقى على قبْسٍ من النَّار جذوة شديداً عليها حرُّها والتهابُها تفسير : ولذلك بـيَّن بقولِه تعالى {مِنَ ٱلنَّارِ} وقُرىء بكسرِ الجيمِ وبضمِّها، وكلَّها لغاتٌ {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئونَ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [الآية: 29]. قال ابن عطاء: لما تم له أجل المحبة ودنا أيام القربة والزلفة وإظهار أنوار النبوة عليه سار بأهله ليشترك معه فى لطائف الصُّنع. قوله تعالى: {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً} [الآية: 29]. قال جعفر: أبصر نارًا دلَّته على الأنوار لأنه رأى النور على هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاط به جلاليب الأنس فخوطب بألف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار ملكًا شريفًا مقرّبًا أعطى ما سأل وأمِنَ مما خاف، وذلك قوله: {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً}. قوله تعالى: {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} [الآية: 29]. قال أبو بكر بن طاهر: آنس سره برؤية النار لما كان فيه من عظيم الشأن، وعلوّ المرتبة فأخرج الرؤية بلطف، آنست أى أرى هذه النار مستأنس بها لا مستوحش منها فدنى منها فأنسه طهارة الموضع وما سمع فيه من مناجاة ربه وكلامه فتحقق بالأنس.

القشيري

تفسير : مَضَتْ عَشْرُ حِجَجٍ، وأراد موسى الخروجَ إلى مصر، فَحَمَلَ ابنَه شعيب، وسارَ بأهله متوجِّهاً إلى مصر. فكان أهلُه في تسييره وكان هو في تسيير الحقِّ، ولمَّا ظَهَرَ ما ظهر بامرأته من أمر الطِّلْقِ استصعب عليه الوقتُ، وبينا هو كذلك آنَسَ من جانب الطور ناراً - أي أبصر ورأى - فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوعُ أُنْسٍ: وإنَّ اللَّهَ إِذا أراد أمراً أجْرَى ما يليق به، ولو لم تقع تلك الحالةُ لم يخرج موسى عندها بإيناس النار، وقد تَوَهَّمَ - أول الأمر - أنَّ ما يستقبله في ذلك الوقت من جملة البلايا، ولكنه كان في الحقيقة سَبَبَ تحقيق النبوة. فلولا أسرار التقدير - التي لا يهتدي إليها الخَلْقُ - لما قال لأهله: {ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}. ويقال: أراح له ناراً ثم لَوَّح له نوراً، ثم بدا ما بدا، ولا كان المقصودْ النَّارَ ولا النورَ. وإنما سماع نداء: {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} افهم ان مواقيت الانبياء والاولياء وقت سير الاسرار من بدو الارادة الى عالم الانوار وانفاسهم من بدو الارادة بل من وقت الولادة بل من كون الروح من العدم فى مشاهدة القدم ومنقسمة على شرائف الاحوال فى كل نفس لهم سر وحال ووجد وخطاب ومقام وكشف ومشاهدة فاجل الارادة اجل المعاملات واجل الحالات فاذا تم اوائل المعارف وامارات الكواشف لموسى ولم يبق عليه حق الارادات والمقامات والمعاملات وظهر له عين القدم فى عين الجمع وبان نور الازل فى النار بعد انقضاء الاجل قال {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} والحكمة فى ذلك ان طبع الانسانية يميل الى الاشياء المعهودة لذلك تجلى النور فى الناس لاستيناسه بلباس الالتباس فاخبر عن حال الاستيناس وقال انّى انست نارا اى ابصرتها وأنتسها ولا تخلق النار من الاستيناس خاصة فى الشتاء وكان شتاء تجلى الحق بالنور فى لباس الناس لانه كان فى طلب النار فاخذ الحق مراده وتجلى من حيث ارادته وهذا سنته تعالى الا ترى الى جبرائيل انه اذا علم ان النبى صلى الله عليه وسلم احب وحيه فاكثر اتيانه اليه كان على صورة حية فلما وصل موسى الى المقصود ذهب النار وبقى النور وذهب الانس وبقى القدس ثم ذهب النور وظهر عين الصفة ثم عين الذات فلما وله تحير فى صولة الازل وبان العيان لم يبق له العرفان وظن ظنونا منها انه كان فى سره اين انا وايش ما ارى هل يكون لموسى ما يرى موسى او ان موسى نام عن موسى وما يرى لا يرى او يرى ولا يعرف فكاد ان يضمحل فى الحيرة اذ بان الكشف بالبداهة خارجا عن العادة فناداه الحق اين انت يا موسى انى انا الله فاوقعه بطيب الخطاب من الفناء الى البقاء ومن التفرقة الى الجمع حتى انس بالانس ثم القدس وبقى مع الحق بنعت الفرقان فى محل العيان فاوائل الاحوال كان رسما ثم وسما ثم واسطة ثم حقيقة فارتفع الوسائط وبقى الحقائق وذلك بقوله {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ} اتى من الاكوان والحدثان الى بساط الرحمن ونودى له من شاطئ واد الازل فى ساحة القدم من شجرة الذات باصوات الصفات ان يا موسى انى انا اشارة البعد فى القرب والقرب فى البعد والغيبة فى الحضور والحضور فى الغيبة اشار الى الهوية ثم الى كشف العيان بقوله {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ} اى اخرج انت من انت من حيث انت فانى انا الله ابقى لك فانظر الىّ بعين منا حتى ترى الالوهية وتعلم الحقيقة قال ابن عطا فى قوله فلما قضى موسى الاجل التام اجل للجنة ودنا ايام القربة والزلفة واظهار انوار النبوة عليه سار باهله ليشترك معه فى لطائف الصنع وقال جعفر فى قوله أنس من جانب الطور نار ابصرنها دالة على الانوار لانه راى النور على هيئة النار فلما دنا منها شملته انوار القدس واحطات به جلابيب الانس فخوطب باللطف خطابا واستدعى منه احسن جواب فصار بذلك مكلما شريفا مقربا اعطى ما سأل واومن مما خاف وفنك قوله أنس من جانب الطور نار قال ابو بكر بن طاهر أنس سره برؤية النار لما كان فيه من عظيم الشان وعلو المرتبة فاخرج الرؤية بلفظ أنست اى أرى هذه النار رؤية مستانس بها لا مستوحش منها فدنا منها فانسه طهارة الموضع وما سمع فيه من مناجاة ربه وكلامه فتحقق بالانس وقال الواسطى الوسائط فى الحقيقة لا اوزان لها ولا اخطار وانما هى علل الضعف الطاقات كما جعل الواسطة به موسى بينه الشجرة نادى فى النفعة المباركة من الشجرة ان يا موسى ثم دفع الواسطة ثانيا فقال يا موسى انى اصطفيتك قال ابو سعيد القرشى ذلك الشجرة فى مخاطبة الكلام تعلل التطيق بذلك التعلل حمل موارد الخطاب عليه كما تعلل النبى صلى الله عليه وسلم بقوله حبيب اليّ من دنياكم ثلث أى انست منها ولا هى منى فى شئ انما لى منها تعلل اتحمل به موارد الوحى على قال ابو على----- بارى الجبل الذى كلم الله موسى عليه كان من عقيق قال القاسم لما سمع موسى الكلام خرَّصا عتما فجاء جبرئيل وميكائيل فروحاه بمروحة الانس حتى افاق من الهيبة واستانس بالانس مع الله فزال الرعب والفزع من قلبه فقال له يا موسى انا الذى اكلمك من علوى واسمعك من دنوى ------- ومن علوى الا خلوا من دنوى يا موسى انى انا الذى ادبقك قريتك وناجيتك عند ذلك له موسى اقريب انت فاناجيك ام بعيد فاناديك قال له انا اقرب اليك منك قال الاستاذ فى قوله انى انست نارا لاح له ثم لوح نورا ثم بدا ما بدا فلا كان المقصود النار ولا النور وظهر النداء انى انا الله قيل شتان بين شجرة وشجرة فشجر أدم عندها ظهرت محنة وفتنة وشجرة موسى عندها افتتحت نبوته ورسالته يا صاحبى لو يعلم قايل هذا القول احقيقة شجرة أدم لم يقل مثل هذا فى حق أدم فان شجرة أدم اشكر الى شجرة الربوبية لذلك قال ولا تقربا هذه الشجرة فان أدم اذا كان متصفا بصفات الحق اراد العينة بحقيقتها فنها الحق عنها فقال هذا شئ لم يكن لك فان حقيقة الازلية ممتنعة من الاتحاد بالحدثية هكذا قال ولكن اظهر ازليته من الشجرة وكسر أدم لم يصبر عن تناولها فاكل منها حبة الربوبية فكبر حاله فى الحضرة ولم يطق الجنة حملها فاهبط الى معدن العشاق فشجرة أدم الاسرار وشجرة موسى الانوار كم بين الاسرار والانوار الانوار للابرار والاسرار للاخيار فمال صال أدم بصولة السكر انهزم من سطوات عظمته ولم يحتمله الجنة بعد ذلك لذلك قيل اهبط وقيل فى القصة ان موسى لما سمع كلام الحق سبحانه غشى عليه فارسل الله اليه الملائكة حتى روحوه بمراوح الانس كان هذا فى ابتداء الامر والمبتدى مرفوق به وفى المرة الاخرة خرّ موسى صعقا وكان يفيق والملائكة تقول له يا ابن الحيض مثلك من يسال الرؤية يا ليت لو يعلم الملائكة ابن موسى هناك لم يعيروه فان موسى كان فى اول الاحوال مريدا وفى الاخر مرادا مطلوباً طلبه الحق واصطفاه لنفسه وقال واصطنعتك لنفسى وهيجه الى سوال رؤية بعد ان ناجاه وناداه باصوات اللطف وقال انى انا الله فشاهد موسى بين الجلال والجمال حقيقة الذات فظن انه خارج الحجاب من غلبة العيان قال رب ارنى فاجابه الحق وقال لن ترانى اى انت فى مشاهدتى وتارنى فمن اين تطلبنى وهانا فى عينك ترانى بعينى وفيه الف الاستفهام وغائبة مضمرة لا يدركها بالفهم الا اهل الحقائق فيا ليت لو يعملم الملائكة ان موسى فى ذلك مراد الحق اراد ان يريه نفسه وهيجه الى سؤال رؤيته ولولا ذلك فمن اين يجد الحدث ظهور وجود القدم وتلك الصعقة لموسى انه كا فى بداية الخطاب طمع الرؤية فلما تجلى الحق سبحانه للجبل له واسطة طمع وصول حقيقة القدم فماج بحر الربوبية موجا فالقت موسى اى سر الحيرة حتى صعق كما كان أدم يراه من الشجرة فتعربد كما تعربد الكليم فاهبطه من دار الوصلة الى دار المحبة وكذا يكون من اقبل الازل بنعت الاجل وصارع مع اسد القدم بصف العدم شعر : ندعى غير منسوب الشئ من الحيف سقا وشل ما يشرب كفعل الضيف بالضيف فلما دارت الكاس دعا بالنطع والسيف كذا من يشرب المراج مع التنين فى الصيف تفسير : قيل فى البداية لطف وفى النهاية عنف ويقال فى الاول اختل وفى الاخر قتل وقال الاستاذ فى وصف الشجرة الشجرة هى شجرة الوصلة ثمرتها القربة اصلها فى ارض المحبة وفرعها باسق فى سماء الصفوة اوراقها الزلفة ازهارها وانوراها تنفتق عن تسليم الروح والبهجة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما قضى موسى الاجل} الفاء فصيحة اى فعقد العقدين وباشر ماالتزمه فلما اتم الاجل المشروط بينهما وفرغ منه روى انه قضى ابعد الاجلين وهى عشر سنين: يعنى [ده سال شبانى كردبس اورا آرزورى وطن خاست] فبكى شعيب وقال ياموسى كيف تخرج عنى وقد ضعفت وكبرت فقال له قد طالت غيبتى عن امى وخالتى وهارون اخى واختى فى مملكة فرعون فقام شعيب وبسط يديه وقال يارب برحمة ابراهيم الخليل واسماعيل الصفى واسحاق الذبيح ويعقوب الكظيم ويوسف الصديق رد قوتى وبصرى فامن موسى على دعائه فرد الله عليه بصره وقوته ثم اوصاه بابنته {وسار} موسى باذن شعيب نحو مصر والسير المضى فى الارض {باهله} بامرأته صفوريا وولده فانها ولدت منه قبل السير كما فى كشف الاسرار. وقال الكاشفى [وببرد كسان خودرا] فالباء على هذا للتعدية. قال ابن عطاء لما تم له اجل المحبة ودنت ايام القربة والزلفة واظهار انوار النبوة عليه سار بأهله ليشترك معه فى لطائف الصنع. قال فى كشف الاسرار [نماز بيشين فراره بود همى رفت تاشب درآمد] كان فى البرية والليلة مظلمة باردة فضرب خيمته على الوادى وادخل اهله فيها وهطلت السماء بالمطر والثلج [واغنام ازبرف وباد ودمه متفرق شده يعنى اغنام كه اورا شعيب داده بود] وقد كان ساقها معه وكانت امرأته حاملا فاخذها الطلق فاراد ان يقدح فلم يظهر له نار فاغتنم لذلك فحيئنذ {آنس من جانب الطور نارا} اى ابصر من الجنة التى تلى الطور نارا يقال جانب الحائط للجهة التى تلى الجنب والطور اسم جبل مخصوص والنار يقال للهب الذى يبدو للحاسة وللحرارة المجردة ولنار جهنم. قال بعضهم ابصر نارا دالة على الانوار لانه رأى النور على هيئة النار لكون مطلبه النار والانسان يميل الى الاشياء المعهوده المأنوسة ولا تخلوا النار من الاستنئناس خاصة فى الشتاء وكان شتاء تجلى الحق بالنور فى لباس النار على حسب ارادة موسى وهذه سنته تعالى ألاترى الى جبريل انه علم ان النبى عليه السلام احب دحية فكان اكثر مجيئه اليه على صورة دحية {قال} موسى {لاهله امكثوا} المكث ثبات مع انتظار اى قفوا مكانكم واثبتوا {انى آنست نارا لعلى} [شايد كه من] {آتيكم} [بيارم از براى شما] {منها} [ازان آتش] {بخبر} [بيامى يعنى از نزد كسانى كه برسر آن آتش اند بيارم خبر طريق كه راه مصر از كدام طرفست] وقد كانوا ضلوه {او جذوة} عود غليظ سواء كانت فى رأسه نار اولا ولذلك بين بقوله {من النار} وفى المفردات الجذوة التى يبقى من الحطب بعد الالتهاب وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى التجريد فى الظاهر والى التفريد فى الباطن فان السالك لا بد له فى السلوك من تجريد الظاهر عن الاهل والمال وخروجه عن الدنيا بالكلية فقد قيل المكاتب عبد مابقى عليه درهم ثم من تفريد الباطن عن تعلقات الكونين فبقدر تفرده عن التعلقات يشاهد شواهد التوحيد فاول مايبدو له فى صورة شعلة النار كما كان لموسى والكوكب كما كان لابراهيم عليهما السلام ومن جملتها اللوامع والطوامع والسواطع والشموس والاقمار الى ان يتجلى نور الربوبية عن مطلع الالوهية {لعلكم تصطلون} الاصطلاء [كرم شدن بآتش]. قال فى كشف الاسرار الاصطلاء التدفؤ بالصلاء وهو النار فتح الصاد وكسرها فالفتح بالقصر الكسر بالمد. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اوصاف الانسانية جامدة من برودة الطبيعة لاتتسخن الا بجذوة نار المحبة بل نار الجذبة الآلهية: قال الكمال الخجندى شعر : بجشم اهل نظر كم بود زبروانه دلى سوخته آتش محبت نيست تفسير : فترك موسى اهله فى البرية وذهب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلما قضى موسى الأجلَ}، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قضى أبعدهما وأطيبهما" تفسير : ، وفي رواية: "أبرهما وأوفاهما" {وسارَ بأهله} أي: امرأته، نحو مصر، قال مجاهد: ثم استأذن موسى أن يزور أهله بمصر، فأذن له، فسار بأهله إلى البَرِّيَّةِ، فأوى إلى جانب الطور الغربي الأيمن، في ليلة مظلمة شديدة البرد، وكان أخذ على غير طريق، يخاف ملوك الشام - قلت: ولعلهم كانوا من تحت يد قرعون - فأخذ امْرَأَتَهُ الطَّلقُ، فقدح زنده، فلم يور، فآنس من جانب الطور ناراً. هـ. وقال ابن عطاء: لما تم أجل المحنة، ودنت أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة، سار بأهله؛ ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه. هـ. {آنس} أي: أبصر {من جانب الطُور} أي: من الجهة التي تِلْوَ الطورِ {ناراً قال لأهله امكثوا إني آنستُ ناراً لعلي آتيكم منها بخبر} عن الطريق؛ لأنه كان ضل عنها، {أو جذوة من النار} أي: قطعة وشُعلة منها، والجُذوة - مثلثة الجيم: العُود الذي احترق بعضه، وجمعه: "جِذّى". {لعلكم تصطلون}؛ تستدفئون بها. والاصطلاء على النار سُنَّة المتواضعين. وفي بعض الأخبار: "اصطلوا؛ فإن الجبابرة لا يصطلون". {فلما أتاها نُودي من شاطىء الوادِ الأيمنِ} بالنسبة إلى موسى، أي: عين يمين موسى، {في البقعة المباركةِ} بتكليم الله تعالى فيها، {من الشجرة}؛ بدل من "شاطىء": بَدَلَ اشتمالٍ أي: من ناحية الشجرة، وهو العنَّاب، او العوسج، أو: سمرة. وقال وهب: عُليقاً. {أن يا موسى}. أي: يا موسى، أو: إنه يا موسى {إني أنا الله ربُّ العالمين}، قال البيضاوي: هذا، وإن خالف ما في "طه" و "النمل"؛ لفظاً، فهو طبْقُهُ في المقصود. هـ. قال جعفر الصادق: أبصر ناراً، دلته على الأنوار؛ لأنه رأى النور على هيئة النار، فلما دنا منها؛ شملته أنوار القدس، وأحاطت به جلابيب الأنس، فخاطبه الله بألطف خطاب، واستدعى منه أحسن جواب، فصار بذلك مُكَلَّماً شريفاً، أُعْطِيَ ما سأل، وأمن ممن خاف. هـ. قال القشيري: فكان موسى عند الشجرة، والنداء من الله لا منها، وقد حصل الإجماع أن موسى، تلك الليلة، سمع كلام الله، ولو كان النداء من الشجرة؛ لكانت المتكلمة هي، فلأجل الإجماع قلنا: لم يكن النداء منها، وإلا فنحن نجوز أن يخلق الله نداء في الشجرة. هـ. قلت: وسيأتي في الإشارة ما لأهل التوحيد الخاص، وما قاله - هو مذهب أهل الظاهر. ثم قال تعالى: {وأن أَلْق عَصَاكَ}، أي: نودي: أن ألق عصاك، فألقاها، فقلبها الله ثعباناً، {فلما رآها تهتزُّ}؛ تتحرك {كأنها جانٌّ}؛ حية رقيقة. فإن قيل: كيف قال في موضع: (كأنها جان)، وفي أخرى: {أية : فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأعراف: 143]؟ قلت: هي في أول أمرها جان، وفي آخر أمرها ثعبان؛ لأنها كانت تصير حية على قدر العصا، ثم لا تزال تنتفخ حتى تصير كالثعبان، أو: يُريد في سرعة الجان وخفته، وفي قوة الثعبان. فلما رآها كذلك {ولّى مُدْبِراً ولم يُعقِّبْ}؛ ولم يرجع عقبه. فقيل له: {يا موسى أقبلْ ولا تخفْ إنك من الآمنين}، أي: أمنت من أن ينالك مكروه من الحية. و {اسلكْ}: أَدْخِلْ {يدكَ في جَيْبِكَ}؛ جيب قمصيك {تخرج بيضاءَ} لها شعاع كشعاع الشمس {من غير سُوءٍ}؛ برص. {واضمم إليك جناحكَ من الرَّهْبِ}، أي: الخوف، فيه لغات: "الرُّهبُ"، بفتحتين، وبالفتح والسكون، وبالضم معه، وبضمتين. والمعنى: واضمم يدك إلى صدرك؛ يذهب ما لحقك من الخوف لأجل الحية، وعن ابن عباس رضي الله عنه: (كل خائف، إذا وضع يده على صدره، ذهب خوفه). وقيل: المراد بضم يده إلى جناحه تجلده، وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية، حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف؛ نشر جناحيه وأرخاهما. {فذانِك} أي: اليد والعصا، ومن شدد؛ فإحدى النونين عِوَضٌ من المحذوف، {بُرهانان} أي: حجتان نيرتان. وسميت الحجة برهاناً؛ لإنارتها، من قولهم: بَره الشيء: إذا ابيض، والمرأة بَرهَاءُ وَبرَهْرَهَةٌ: أي: بيضاء. {من ربك إلى فرعون وملئه} أي: أرسلناك إلى فرعون وقومه بهاتين الحجتين، {إنهم كانوا قوماً فاسقين}: خارجين عن الحق، كافرين بالله ورسوله. الإشارة: قد تقدم في سورة "طه" بعض إشارتها. ويؤخذ من الآية أن تزوج المريد، بعد كمال تربيته، كمال، وأما قبل كماله: فإن كان بإذن شيخه؛ فلا يضره. وربما يتربى له اليقين أكثر من غيره. وقوله تعالى: {وسار بأهله}؛ قال الورتجبي: افهم أن مواقيت الأنبياء والأولياء وقت سير الأسرار من بدء الإرادة إلى عالم الأنوار. هـ. وقوله تعالى: {آنست ناراً}؛ قال الورتجبي: الحكمة في ذلك: أن طبع الإنسانية يميل إلى الأشياء المعهودة، لذلك تجلى النور في النار؛ لاستئناسه بلباس الاستئناس، ولا تخلوا النار من الاستئناس، خاصة في الشتاء، وكان شتاءً، فتجلى الحق بالنور في لباس النار؛ لأنه كان في طلب النار، فأخذ الحق مراده، وتجلى مِنْ حَيْثُ إِرَادَاته، وهو سنة الله تعالى. هـ. وقوله تعالى: {من الشجرة}؛ أي: نودي منها حقيقة؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره، فيكلم عباده من حيث شاء منها. قال في العوارف: الصوفي؛ لتجرده، يشهد التالي كشجرة موسى، حيث أسمعه الله خطابه منها، بأني أنا الله لا إله إلا أنا. هـ. فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من الله، بلا واسطة، قد سقطت الوسائط في حقهم، حين غرقوا في بحر شهود الذات، فافهم. وقال في القوت: كانت الشجرة وجهة موسى عليه السلام، كلمة الله عز وجل منها، كما قال بعضهم: إن قوله تعالى:{أية : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} تفسير : [الأعراف: 107، والشعراء: 32]، أي: بالجبل، كان الجبل من جهة الحس حجاباً لموسى، كشفه الله عنه، فتجلى به، كما قال: {من الشجرة}؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السلام هـ، بإيضاح. والله تعالى أعلم. ثم ذكر اعتذار موسى وطلبه الإعانة بأخيه، فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ...}

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} فى حديث قال موسى (ع) لشعيب (ع) بعدما رعى له عشر سنين: لا بدّ لى ان ارجع الى وطنى وامّى واهل بيتى فمالى عندك؟- فقال شعيب (ع): ما وضعت اغنامى فى هذه السّنة من غنم بلق فهو لك فعمد موسى (ع) عندما اراد ان يرسل الفحل على الغنم الى عصاه فقشر منها بعضها وترك بعضها وغزّزها فى وسط مربض الغنم والقى عليها كساء ابلق ثمّ ارسل الفحل على الغنم فلم تضع الغنم فى تلك السّنة الاّ بُلقا فلمّا حال عليه الحول حمل موسى (ع) امرأته وزوّده شعيب (ع) من عنده وساق غنمه فلمّا اراد الخروج قال لشعيب (ع): ابغى عصاً تكون معى وكانت عصى الانبياء (ع) عنده قد ورثها مجموعة فى بيتٍ فقال له شعيب (ع): ادخل هذا البيت وخذ عصا من بين العصىّ فدخل فوثبت اليه عصا نوح وابراهيم (ع) وصارت فى كفّه فأخرجها ونظر اليها شعيب (ع) فقال: ردّها وخذ غيرها، فردّها ليأخذ غيرها فوثبت اليه تلك بعينها، فردّها حتّى فعل ذلك ثلاث مرّاتٍ، فلمّا رأى شعيب (ع) ذلك قال له: اذهب فقد خصّك الله عزّ وجلّ بها فساق غنمه فخرج يريد مصر فلمّا صار فى مفازة ومعه اهله اصابهم برد شديد وريحٌ وظلمة وجنّهم اللّيل، فنظر موسى (ع) الى نارٍ قد ظهرت كما قال الله تعالى فلمّا قضى موسى الاجل (الآية) {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} وجنّهم اللّيل وتفرّقت ماشيته واصابهم برد شديد وريح وابتليت زوجته بالطّلق كما قيل {آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً}. اعلم، انّ الله اذا اراد بعبدٍ خيراً ابتلاه اوّلاً بشدائد سدّت جهات حيله وقطعت طرق رجاء خياله من غير الله حتّى اضطرّ الى التّوجّه الى الله وسأله بلسان حاله او قاله فيجيبه تعالى على حسب استعداده واستحقاقه، لانّه يجيب المضطرّ اذا دعا بحاله او قاله، كما اراد مقام الرّسالة لموسى (ع) فابتلاه بظلمة اللّيل والسّحاب وبالثّلج والبرد وتفرّق الماشية ووضع حمل الاهل وعدم ظهور النّار من زناده حتّى انقطع جهات حيل خياله وطرق رجائه فاضطرّ الى التّوجّه الى جهة غيبه، فانّ موسى (ع) لمّا اضطرّ الى التّوجّه الى جهة غيبه ظهر له من جانب طور النّفس الّذى هو البقعة المباركة والجانب الايمن من النّفس نور بصورة النّار الظّاهرة من الشّجرة وقد ظهرت تلك النّار وتلك الشّجرة فى جبلٍ كان يسمّى بالطّور او سمّى بعد ذلك بالطّور، وقد مضى الاختلاف فى محلّ ذلك الجبل فلمّا آنس من جانب الطّور ناراً توجّه اليه واطمئنّ من استيحاشه ولمّا اطمئنّ من استيحاشه {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تسلية لها وتسكيناً لفزعها ووحشتها {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} اى بخبر الطّريق او خبر النّار وصاحبها او خبر من نأنس به او خبر المعمورة {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ} فى الجذوة ثلاث لغات؛ بتثليث الجيم وقرئ بها وهى القطعة المشتعلة من النّار او الجمرة او الجذمة الّتى هى قطعة خشب متوقّدة بالنّار بعضها يكون ناراً وبعضها خشباً غير مشتعلٍ {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ} اى ايمن موسى (ع) او ايمن النّفس او هو وصف من اليمن بمعنى البركة {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} كثيرة الخير لانّها كانت من الشّام وبركة اراضى الشّام ظاهرة، وكذا بركات طور النّفس عن الصّادق (ع) شاطئ الوادى الايمن الّذى ذكره الله تعالى فى القرآن هو الفرات، والبقعة المباركة هى كربلاء {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} قيل: كانت نابتة على الشّاطئ {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} ذكر فى الحديث: انّه اقبل نحو النّار يقتبس منها فاذا شجرة ونار تلتهب عليها، فلمّا ذهب نحو النّار يقتبس منها اهوت اليه ففزع وعدا ورجعت النّار الى الشّجرة؛ فالتفت اليها وقد رجعت الى الشّجرة، فرجع الثّانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا وتركها، ثمّ التفت وقد رجعت الى الشّجرة فرجع اليها الثّالثة فأهوت اليها فعدا ولم يعقّب اى لم يرجع فناداه الله عزّ وجلّ ان يا موسى (ع) انّى انا الله ربّ العالمين قال موسى: فما الدّليل على ذلك؟- قال الله عزّ وجلّ: ما فى يمينك يا موسى؟- قال: هى عصاى، قال: القها يا موسى فالقيها فاذا هى حيّة تسعى، ففزع منها موسى وعدا؛ فناداه الله عزّ وجلّ: خذها ولا تخف انّك من الآمنين، وقد مضى وجه تكرار هذه القصّة اكثر من سائر القصص، ووجه اختلاف الالفاظ المكرّرات لكون الحكايات ترجماتٍ للمحكىّ، والتّرجمة تؤدّى بالفاظٍ مختلفةٍ او لكثرة السّؤال والجواب والاقوال فى المحكىّ وقد نقل فى كلّما ذكر القصّة بعض من المحكىّ.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} بفرضه وهو ثمان سنين ونفلة وهو سنتان وزعم بعض انه مكث بعد ذلك عشر أخرى. {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} بزوجته باذن ابيها الى نحو مصر ليدخلها. {آنَسَ} أبصر من بعيد. {مِن جَانِبِ الطُّورِ} اسم جبل ومن بمعنى في متعلقة بمحذوف حال من نار او للابتداء لأن النار تراءت له من جانب الطور وانما لم اعلقه بآنس لانه لم يصدر منه الايناس وهو في جانب الطور وان قلنا انه حينئذ من جانبه علقناه به. {نَاراً} هي نور على مامر. {قَالَ لأَهْلِهِ} وقريء بضم الهاء. {امْكُثُوا} هنا. {إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيَ آتِيكُم} فعل مضارع أو وصف وانما خاطب زوجته بمضير الجماعة تعظيما أو لأن معها ولدا ولدته هنالك او لغير ذلك مما مر والاثنان يخاطبان بخطاب لجمع مجازا وقيل حقيقة. {مِّنْهَا بِخَبَرٍ} عن الطريق وكان قد أخطأها في ليلة مظلمة شديدة البرد وقد أخذ الطلق امرأته او ولدت. {أَوْ جَذْوَةٍ} وقرأ عاصم بفتح الجيم وهمزة بضمة وهما لغتان وهو عود غليظ لا نار فيه او فيه نار ولذلك بين علي ان فيه نارا بقوله. {مِّنَ النَّارِ} وقيل لا يقال جذوة إلا لعود اشتعل طرفه وسكن غير نافع وابن كثير وأبي عمرو ياء {إِنَّي آنَسْتُ} وياء {أية : إني أنا الله }تفسير : وياء {أية : إني أخاف }تفسير : وياء {أية : ربي أعلم }تفسير : وياء {أية : عندي أو لم }تفسير : وياء {أية : ربي أعلم }تفسير : وفتحهن هؤلاء وروى أبو ربيعة عن قنبل عن البزي { أية : عندي أو لم }تفسير : بالاسكان وسكن غير نافع ياء {أية : إني أريد }تفسير : و {أية : ستجدني }تفسير : وسكن الكوفيون بأي {لَعَلِّي آتِيكُم} و {أية : ولعلي أطلع }. تفسير : {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} تنتفعون من الصلى أبدلت الطاء من التاء والثلاثي صلى بكسر اللام وفتحها والاسطلاء الاستدفاء.

اطفيش

تفسير : {فلمَّا قَضَى مُوسَى الأجل} عشر حجج صداقاً للبنت الصغرى، كما قاله الحسن بن على، وابن عباس، وأبو سعيد الخدرى، وكما روى ان رجلا من اليهود، سأل سعيد بن جبير فى الحيرة، فقال: حتى أسأل حبر العرب، فسأل ابن عباس فقال بذلك، عن وهب بن منبه أنه تزوج الكبرى، والجمهور على الأول، وروى عن أبى ذر مرفوعاً: إذا سئلت فقل تزوج الصغرى القائلة يا أبت استأجره، كما روى عن أبى سعيد الخدرى: أنه سأله رجل عن ذلك فقال: لا أدرى حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال: "حديث : حتى أسأل جبريل"تفسير : فسأله فقال: "حديث : حتى أسأل ميكائيل"تفسير : فسأله فقال: "حديث : حتى أسأل لارفيع"تفسير : فسأله فسأل: "حديث : حتى أسأل إسرافيل" تفسير : عليهم السلام فقال حتى أسأل ذا العزة فقال بصوته الأشد: "حديث : يا ذا العزة أى الأجلين قضى موسى؟" فقال: "أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين ". تفسير : والمعنى تزوجها، وكان ما كان، فلما قضى إلخ قيل قال له شعيب بعد العقد: خذ عصا من عصى فى هذا البيت، فأخذ العصا التى نزل بها آدم من الجنة، قيل أخذها ليلا وتوارثها الأنبياء حتى وصلت شعيبا، فقال خذ غيرها، فردها فتناول، وما وقع فى يده غيرها سبع مرات، فعلم أن له شأنا قلت: ولو توارثها الأنبياء لشهرت عندهم، ولوصلت أفضلهم صلى الله عليه وسلم. وقيل: أخذها جبريل من آدم بعد موته، وحفظها لموسى، وأعطاه إياها ليلاً، وكانت من آس الجنة، أعطاه إياها جبريل، وقيل: أودعها ملك بصورة رجل شعيبا، ولما قال لابنته: أعطه عصا، أعطته إياها، فقال: أعطه غيرها فما تناولت سواها سبع مرات، فتركها فندم لأنها وديعة، فجعل بينهما أول آت، فأتى ملك بصورة رجل فقال: ألقياها فى الأرض فمن أخذها فله، فعالجها شعيب فلم يقدر، وأخذها موسى، وقيل هى عصا من سائر الشجر، أخذها فجعل الله سبحانه فيها ما جعل، وقيل: من شجرة العوسج التى نودى عليها، فتكون بعد فراق شعيب، والمشهور أنها عقب التزوج، ورعى بها غنم شعيب. وروى أنه قال له: إذا بلغت مفرق الطرق، فخذ اليسار، فان اليمين ولو كان فيه الكلأ فيه تنين أخشاه عليك وعلى الغنم، ولم يقدر أن يرد الغنم عنه، فنام وخرج فقتلته العصا، فرجعت ملطخة، ولما استيقظ رآها والتنين مقتولا، وارتاح لذلك، ورجعت الغنم ملأى البطون، وأخبر شعيبا بذلك، ففرح وعلم ان لموسى والعصا شأنا، ويقال: بكى شعيب حتى عمى، فرد الله بصره ثلاث مرات، فأوحى الله تعالى اليه: اتبكى شوقا الى الجنة، أو خوفا من النار؟ فقال: بل شوقا إليك، فقال الله تعالى: هنيئاً لك، فلذلك أخدمتك كليمى. {وسَار} نحو مصر لزيارة أمه وأخيه وأخته وقرابته، ظاناً يخفى أمره لطول مدة الجناية، كما دخلها حين قتل القبطى، والأولى أنه سار نحو بيت المقدس {بأهْلِه} زوجه، وسائر من تحت يده، فان لم يخرج غنمه من ملكه فقد سار بها، فان شعيبا وهب له حين رجعت اليه الغنم ملأى من الجهة اليمنى كل ما تلده من أدرع أو درعاء وروى أبلق أو بلقاء، فأوحى الله إليه فى النوم: أن اضرب بعصاك مستقى الغنم، أو ألقها فيه، فكل واحدة وضعت أدرع أو درعاء، وقيل كل ما خالف شية أمه. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه لما أراد موسى فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها من غنمه ما يعيشون به، فوهب لها كل ما ولدت على قالب واحد، وكانت غنمه سوداء حسناء، فوضع عصاه فى الحوض، فكان النتاج على قالب واحد، إلاَّ شاة أو شاتين، فلعله أقام مقدار ما تستغنى عن أمهاتها"تفسير : أو كان السؤال عند قرب تمام الأجل، وقد قيل: خرج وله ولدان: الأكبر جيرشوم، والأصغر العيازر ولدهما عند إقامته عند شعيب، وعن مجاهد، أقام عنده عشر سنين أخرى، فاحتمل انه ولد فيها، ولو على القول بأنه لم يدخل حتى أتم الأجل، واحتمل أنه ولدهما فى العشر الأولى. {آنَسَ} أبْصَر بعينه، وأصله الاحساس بعين أو أذن أو غيرهما، وقيل: الايناس الابصار البين، وقيل إبصار ما يسكن إليه، ويناسب الثانى تسمية موضع النظر من العين إنسان العين، لأنه يبين المنظرو، والانسان إنسانا لظهوره {منْ جانِبِ الطُّور} فى جهة الطور حال من قوله: {ناراً} أى ثابتة فى جانب، أو متعلق بحال خاصة، أى لامعة من جانب الطور، وعليه فمن للابتداء، أو بمعنى فى وهى نور فى صورة النار، عبر باسمها، لأن موسى يظله نار، أو لأن مراده النار ليستدفئ بما يقبس منها، وليدله صاحبها على الطريق، وهو فى ليلة مثلجة شديد البرد كما قال: {لعلكم تصطلون} وزوجه حامل قريبة الوضع، لا يدرى أتلد ليلا ام نهارا، بل قيل: أخذها الطلق فقدح زناده فأصلد فنظر تلك النار، وكان يأخذ على غير الطريق خوفا من ملك الشام فيما قيل: ويقال: لأنه شديد الغيرة، يفارق الرفقة نهارا فضل علنها الى الليل. {قال لأهله} لم يقل: قال لهم ليذكرهم باسم ما يوجب النفع لهم، وهو كونهم أهلا له يسعى فيما ينفعهم من نار ودلالة على طريق، ولأنه فى جواب سؤال كأنه قيل: فماذا فعل؟ أو قال: فقيل قال لأهله، أو لأن أهله الأولى بمعنى زوجة، أى سار بزوجة لتمام الشرط، والثانى بمعنى ما يعمها، وما تحت يده والله أعلم {امْكثُوا} أقيمُوا {إنِّى} المعنى لأنى {آنستُ ناراً لعَلى آتيكُم مِنْها} من أهلها على حذف مضاف، أو من النار إذ هى جهة يؤتى منها وإليها {بخَبَر} على الطريق، كما قيل: إنه ضل عن الطريق، فإن وجد من يد له عليها، مع ان الذهاب إليها ليتصل بالرفقة أليق لهم، ذهب واستغنى عن الجذوة {أوْ جَذْوة} عود غليظ فيه نار كما قال {من النَّار} نستغنى بها إذ لم نجد دالاً على الطريق أو وجدناه، وكان الأليق عدم الذهاب، ومن للبيان لأن الجذوة العود الغليظ ولو بلا نار، ولكن تسميته نارا مبالغة، لأن حقيقتها ذلك الجسم الملتهب، وأل للجنس، وقيل نفس تلك الجمرة الغليظة فى طرف عود حقيقة بلا لهب، كما يستعمل بلا نار، وعليه فمن للابتداء وأل للعهد {لعلَّكم تصْطَلُون} تستدفئون.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } أي أتم المدة المضروبة لما أراد شعيب منه، والمراد به الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن بن علي بن أبـي طالب رضي الله تعالى عنهما. وأخرج البخاري وجماعة عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبـي هارون حديث : عن أبـي سعيد الخدري أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى فقال: لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام فسأل ميكائيل فقال: لا أدري حتى أسأل الرفيع فسأل الرفيع فقال: لا أدري حتى أسأل إسرافيل عليه السلام فسأل إسرافيل فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة جل جلاله فنادى إسرافيل بصوته الأشد يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى قال: أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين تفسير : قال علي بن عاصم: فكان أبو هارون إذا حدث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو سعيد عن النبـي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن / الرفيع عن إسرافيل عن ذي العزة تبارك وتعالى: أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين والفاء قيل: فصيحة أي فعقدا العقدين وباشر موسى ما أريد منه فلما أتم الأجل. {وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قيل: نحو مصر بإذن من شعيب عليه السلام لزيارة والدته وأخيه وأخته وذوي قرابته وكأنه عليه السلام أقدمه على ذلك طول مدة الجناية وغلبة ظنه خفاء أمره، وقيل: سار نحو بيت المقدس وهذا أبعد عن القيل والقال. {ءانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ } أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر، وأصل الإيناس على ما قيل الإحساس فيكون أعم من الإبصار، وقال الزمخشري: هو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه إنسان العين لأنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل: الجن لاستتارهم، وقيل: هو إبصار ما يؤنس به. {نَارًا } استظهر بعضهم أن المبصر كان نوراً حقيقة إلا أنه عبر عنه بالنار اعتباراً لاعتقاد موسى عليه السلام، وقال بعض العارفين: كان المبصر في صورة النار الحقيقية وأما حقيقته فوراء طور العقل إلا أن موسى عليه السلام ظنه النار المعروفة. {قَالَ لأَِهْلِهِ ٱمْكُثُواْ } أي أقيموا مكانكم وكان معه عليه السلام على قول امرأته وخادم ويخاطب الإثنان بصيغة الجمع، وعلى قول آخر كان معه ولدان له أيضاً اسم الأكبر جيرشوم واسم الأصغر اليعازر ولدا له زمان إقامته عند شعيب وهذا مما يتسنى على القول بأنه عليه السلام دخل على زوجته قبل الشروع فيما أريد منه، وأما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى أتم الأجل فلا يتسنى إلا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين، وقد قيل به، أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: قضى موسى عشر سنين ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى، وعن وهب أنه عليه السلام ولد له ولد في الطريق ليلة إيناس النار، وفي «البحر» أنه عليه السلام خرج بأهله وماله في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل لا يدري أليلاً تضع أم نهاراً فسار في البرية لا يعرف طرقها فالجأه السير إلى جانب الطور الغربـي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وقيل: كان لغيرته على حرمه يصحب الرفقة ليلاً ويفارقهم نهاراً فأضل الطريق يوماً حتى أدركه الليل فأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فأصلد فنظر فإذا نار تلوح من بعد فقال امكثوا. {إِنّى ءانَسْتُ نَاراً لَّعَـلّى ءاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } أي بخبر الطريق بأن أجد عندها من يخبرني به وقد كانوا كما سمعت ضلوا الطريق، والجملة استئناف في معنى التعليل للأمر {أَوْ جَذْوَةٍ } أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار كما في قوله:شعر : وألقى على قبس من النار جذوة شديداً عليها حرها والتهابها تفسير : أو لم تكن كما في قوله:شعر : باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر تفسير : ولذا بينت كما قال بعض المحققين بقوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّارِ } وجعلها نفس النار للمبالغة كأنها لتشبث النار بها استحالت ناراً، وقال الراغب: الجذوة ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه قول أبـي حيان: عود فيه نار بلا لهب، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد قال: هي عود من حطب فيه النار. / وأخرج هو وجماعة عن قتادة أنها أصل شجرة في طرفها النار، قيل: فتكون {من} على هذا للابتداء، والمراد بالنار هي التي آنسها. وقرأ الأكثر {جذوة} بكسر الجيم والأعمش وطلحة وأبو حيوة وحمزة بضمها {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون وتتسخنون بها، وفيه دليل على أنهم أصابهم برد.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة مريم. واعلم أنا ربما تركنا كثيراً من الآيات التي تقدم إيضاحها من غير إحالة عليها لكثرة ما تقدم إيضاحه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قضى موسى الأجل: أتم المدة المتفق عليها وهي ثمان أو عشر سنوات. آنس: أبصر. أوجذوة من النار: عود غليظ في رأسه نار. لعلكم تصطلون: أي تَسْتَدْفِئون. نودي: أي ناداه الله تعالى بقوله يا موسى إني أنا الله رب العالمين. في البقعة المباركة: قطعة الأرض التي عليها الشجرة الكائنة بشاطئ الوادي. تهتز كأنها جانُّ : تضطرب وتتحرك بسرعة كأنها حية من حيات البيوت. ولى مدبراً ولم يعقب: رجع هارباً ولم يعقب لخوفه وفزعه منها. اسلك يدك في جيبك: أدخلها في جيب قميصك. من غير سوء: أي عيب كبرص ونحوه. واضمم إليك جناحك من الرهب: اضمم إليك يدك بأن تضعها على صدرك ليذهب روعك. فذانك برهانان: أي آيتان من ربك على صدق رسالتك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصص موسى وهو في طريقه بتدبير الله تعالى إلى مصر، إنه لما قضى الأجل الذي تعاقد مع صهره شعيب وقد أتم خير الأجلين وأوفاهما وهو العشر حجج قفل ماشياً بأهله زوجته وولده في طريقه إلى مصر لزيارة والدته وإخوته حدث أن ضل الطريق ليلاً، وكان الفصل شتاء والبرد شديد فإذا به يأنس {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} أي جبل الطور {نَاراً} فقال لأهله امكثوا هنا {إِنِّيۤ آنَسْتُ} أي أبصرت {نَاراً} سأذهب إليها {ۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} إذ قد أجد عندها من يدلنا على الطريق أو آتيكم بجذوة من النار أي خشبة في رأسها نار مشتعلة {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي من أجل اصطلائكم بها أي استدفائكم بها، هذا ما دلت عليه الآية [29] وقوله تعالى في الآية الثانية {فَلَمَّآ أَتَاهَا} أي أتى النار {نُودِيَ} أي ناداه منادٍ {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ} أي ناداه ربه {يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها فاهتزت واضطربت وتحركت بسرعة {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي حية عظيمة من الحيات المعروفة بالجنّان {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي فزع منها فرجع من الفزع إلى الوراء {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي ولم يرجع إليها من الرعب، فقال له ربه تعالى {أَقْبِلْ} أي على العصا {وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} أي الذين آمنهم ربهم فلا يخافون شيئاً. وقال له بعد أن رجع {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي أدخل يدك في جيب قميصك وهو الشق الذي يدخل معه الرأس في الثوب ليلبس وقوله {تَخْرُجْ} أي اليد {بَيْضَآءَ} كالنور {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي برص أو نحوه {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي يدك مع العضد إلى صدرك {مِنَ ٱلرَّهْبِ} أي الخوف فإن يذهب عنك بحيث تعود يدك عادية لا نور فيها كما كانت من قبل إدخالها في جيبك أولاً. ثم قال تعالى له {فَذَانِكَ} أي العصا واليد البيضاء. {بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} أي آيتان تدلان على رسالتك المرسل بها إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين خارجين عن طاعة الله حيث كفروا به وعبدوا غيره وظلموا عباده، لتدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته وإرسال بني إسرائيل معك لتذهب بهم إلى أرض المعاد أي فلسطين وما حولها من أرض الشام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الأنبياء أوفياء فموسى قضى أوفى الأجلين وأتمهما وهو العشر. 2- مشروعية السفر بالأهل وقد يحصل للمرء أنه يضل الطريق أو يحتاج إلى شيء ويصبر. 3- فضل تلك البقعة التي كلم الله تعالى موسى عليه السلام وهي من جبل الطور. 4- مشروعية حمل العصا لا سيما للمسافر وراعي ماشية أو سائقها. 5- مشروعية التدريب على السلاح قبل استعماله. 6- لا يلام على الخوف الطبيعي. 7- آية العصا واليد. 8- من خاف، وضع يده على صدره زال خوفه إن شاء الله تعالى. 9- التنديد بالفسق وأهله.

القطان

تفسير : قضى الأجل: اتم المدةَ المتفق عليها. آنس: أبصر. جذوة: جمرة ملتهبة. تصطلون: تستدفئون. البقعة المباركة: المكان الذي بارك الله فيه. جانّ: حية سريعة الحركة. ولم يعقّب: لم يرجع. اسلك يدَك: أدخِلها. الرهب: المخافة، الخوف. فلما أتم موسى المدة التي اتفق عليها مع عمه حنّ الى وطنه، فاستأذن بالرحيل وسار بزوجته وما معه من الغنم التي حصل عليها من صهره عائدا الى مصر. وكان الجو باردا، وقد أظلم الليل، فضلّ موسى الطريق. وبينما هو كذلك رأى ناراً من ناحية جبل الطور، فقال لزوجته: امكثي، اني رأيت ناراً، لعلّي آتيك منها بخبر عن الطريق، او آتيك بشيء من النار تستدفئين بها. فلما وصل الى المكان الذي رأى فيه النار، سمع مناديا من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة يقول له: يا موسى، إني انا الله ربّ العالمين.. ألقِ عصاك. فألقاها موسى. فلما رآها تهتز كأنها حيّة هرب منها ولم يرجع اليها. فناداه ربّه: أقدم يا موسى ولا تخفْ، إنك من الآمنين. أدخِل يدك في جيبك تخرج بيضاءَ من غير مرض ولا عيب، (وكان موسى اسمر اللون)، هاتان معجزتان من الله، تواجه بهما فرعونَ وقومه. ولما اعترى موسى الخوفُ من العصا وأخذته الدهشةُ من شعاعِ يده - أمره ربه ان يضع يدَه على صدره ليزول ما به من الخوف فقال: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}. قال ابن عباس: كل خائف اذا وضع يده على صدره زال خوفه. قراءات: جذوة: مثلثة الجيم وقرىء بها جميعا. وقرأ حفص: من الرَهْب بفتح الراء وسكون الهاء. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو: من الرَهَب بفتح الراء والهاء. وقرأ حفص: من الرَّهْب بفتح الراء وسكون الهاء. والباقون: من الرُهْب بضم الراء وسكون الهاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فذانّك بتشديد النون، والباقون: فذانِك: بكسر النون دون تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {آنَسَ} {آنَسْتُ} {آتِيكُمْ} (29) - فَلَمَّا أَوْفَى مُوسَى الأَجَلَ المُتَّفَقَ عَلَيهِ، سَارَ بأَهْلِهِ مِنْ مَدْيَنَ باتِّجَاهِ مِصْرَ، لِزِيَارَةِ أَهلِهِ خِفْيَةً مِنْ فِرْعَوْنَ، فَسَلَكَ بِهِم فِي لَيلَةٍ مَطِيرَةٍ حَالِكَةِ الظَّلامِ، شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَنَزَلَ مَنْزِلاً، فَجَعَلَ كُلَّمَا أَوْرَى زَنْدَهُ، لا يَظْهَرُ منْهُ شَرَرٌ، فَتَعَجَّبَ. فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ رَأَى نَاراً تُضِىءُ عَنْ بُعدٍ مِنْ جَانِبِ جَبَل الطُّورِ، فَقَالَ لأَهلِهِ: ابقُوا حَيْثُ أَنْتُمْ (امْكُثُوا)، حَتَّى أَذْهَبَ إِلى النَّارِ لَعَلِّي أَسْأَلُ مَنْ عَلَيها مِنَ النَّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ، أَوْ آتِيكُمْ بِقَبَسٍ مِنَ النَّارِ (جَذْوَةٍ أو قِطْعَةٍ) أُوقِدُ لَكُمْ بِهِ نَاراً تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا. آنَسَ - أَبْصَرَ بِوُضُوحٍ. جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ - عُودٍ فيهِ نَارٌ، بِلاَ لَهَبٍ. تَصْطَلُونَ - تَسْتَدْفِئُونَ بِهَا مِنَ البَرْدِ.

الثعلبي

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أبعدهما وأطيبهما ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن زيد، عن علي بن رباح، عن عتبة بن التيب وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسكن الشام،ومات في زمن عبد الملك قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أبرهما وأوفاهما ". تفسير : وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب يعني ابن عباس فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: "حديث : تزوج صغراهما وقضى أوفاهما" تفسير : فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قضى موسى الأجل ومكث بعد ذلك عند صهره عشراً أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهاراً، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زنداً فلم تور (المقدحة شيئاً)، فآنس من جانب الطور ناراً {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ} قطعة وشعلة {مِّنَ ٱلنَّارِ} وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جُذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجُذي غير خوار ولا دعر {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ} جانب {ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ} عن يمين موسى {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} وقرأ أشهب العقيلي {فِي ٱلْبُقْعَةِ} بفتح الباء {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} أي من ناحية الشجرة {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} تتحرك {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته {وَلَّىٰ مُدْبِراً} هارباً منها {وَلَمْ يُعَقِّبْ} ولم يرجع، فنودي {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ (*) ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} فخرجت كأنّها مصباح {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء)، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء)، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء)، دليلهم قوله سبحانه: {أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً}تفسير : [الأنبياء: 90] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفَرَق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم: أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّنْ روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] يريد الرفق، وقوله سبحانه: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}[الشعراء: 215] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكُم بلغة حمير وبني حنيفة، وحُكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: عطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكُم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكُم؛ لأنّه تناول العصا ويده في كُمّه. {فَذَانِكَ} قراءة العامة بتخفيف (النون)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضاً من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله {فَذَانِكَ} فحذفت الألف الأُولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شُدّدت فرقاً بينها وبين التي تسقط للإضافة؛ لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن،وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية {فَذَانِكَ} يعني العصا واليد البيضاء {بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ (*) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (*) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} وأحسن بياناً، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً} معيناً، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلباً للخفّة {يُصَدِّقُنِي} قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءاً مصدقاً حاله التصديق كقوله سبحانه: {أية : رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ}تفسير : [المائدة: 114] أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} أن نقويك ونعينك {بِأَخِيكَ} وكان هارون يومئذ بمصر {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} قوة وحجة وبرهاناً {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ..} [القصص: 29] أي: الذي اتفق عليه مع شعيب عليه السلام {وَسَارَ بِأَهْلِهِ ..} [القصص: 29] قلنا: إن الأهل تُطلق على الزوجة، وفي لغتنا العامية نقول: معي أهلي أو الجماعة ونقصد الزوجة؛ ذلك لأن الزوجة تقضي لزوجها من المصالح ما لا يقدر عليه إلا جماعة، بل وتزيد على الجماعة بشيء خاص لا يؤديه عنها غيرها، وهو مسألة المعاشرة؛ لذلك حَلَّتْ محلَّ جماعة. ومعنى {آنَسَ ..} [القصص: 29] يعني: أبصر ورأى أو أحسَّ بشيء من الأُنْس، {ٱلطُّورِ ..} [القصص: 29] اسم الجبل {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ ..} [القصص: 29] انتظروا {إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ..} [القصص: 29] يخبرها بوجود النار، وهذا يعني أنها لم تَرَها كما رآها هو. وهذا دليل على أنها ليست ناراً مادية يُوقِدها بشر، وإلا لاستوى أهله معه في رؤيتها، فهذا - إذن - أمر خاص به {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ..} [القصص: 29] يعني: رجاءَ أنْ أجد مَنْ يخبرنا عن الطريق، ويهدينا إلى أين نتوجه {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29]. الجذوة: قطعة من نار متوهجة ليس لها لَهَب، ومعنى تصطلون أي: تستدفئون بها، وفي موضع آخر قال: {أية : بِشِهَابٍ قَبَسٍ ..}تفسير : [النمل: 7] يعني: شعلة لها لسان ولهب، فمأربهم - إذن - على هذه الحال أمران: مَنْ يخبرهم بالطريق حيث تاهَتْ بهم الخُطَى في مكان لا يعرفونه، ثم جذوة نار يستدفئون بها من البرد. وفي موضع آخر لهذه القصة لم يذكر قوله تعالى: {ٱمْكُثُوۤاْ ..} [القصص: 29] وهذا من المآخذ التي يأخذها السطحيون على أسلوب القرآن، لكن بتأمل الموقف نرى أنه أخذ صورة المحاورة بين موسى وأهله. فزوجة وزوجها ضَمَّهما الظلام في مكان موحش، لا يعرفون به شيئاً، ولا يهتدون إلى طريق، والجو شديد البرودة، فمن الطبيعي حين يقول لها: إني رأيت ناراً سأذهب لأقتبس منها أن تقول له: كيف تتركني وحدي في هذا المكان؟ فربما تضلّ أنت أو أضلّ أنا، فيقول لها {ٱمْكُثُوۤاْ ..} [القصص: 29] إذن: لابُدَّ أن هذه العبارة تكررتْ على صيغتين كما حكاها القرآن الكريم. كذلك في: {أية : سَآتِيكُمْ ..} تفسير : [النمل: 7] وفي مرة أخرى {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ ..} [القصص: 29] قالوا: لأنه لما رأى النار قال: {أية : سَآتِيكُمْ ..} تفسير : [النمل: 7] على وجه اليقين، لكن لما راجع نفسه، فربما طفئت قبل أن يصل إليها استدراك، فقال {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ ..} [القصص: 29] على سبيل رجاء غير المتيقن. {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ} معناهُ قِطعةٌ منهَا.

الجيلاني

تفسير : {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} أي: أقصى الأجلين، ومكث عنده عشراً أخر بعدما تزوج ابنته؛ للاسترشاد والاستكمال، وبعدما كمل بصحبة المرشد الكامل المكمل أراد أن يرجع إلى قومه فخرج من عنده {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} نحو مصر، وهي حاملة فجاءها الطلق في ليلة شاتية مظلمة، وهم على جناح السفر ضالين عن الطريق {آنَسَ} أي: أبصر موسى {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} أي: من الجهة التي تجاه الطور {نَاراً} ففرح من رؤيتها {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ} ساعة {إِنِّيۤ آنَسْتُ} وأبصرت {نَاراً} ومن هذا يُعلم أن أهله لم يروها، أذهب إليها {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} من الطريق أستخبر من عندنا {أَوْ جَذْوَةٍ} أي: عود غليظ معي شيء {مِّنَ ٱلنَّارِ} إن لم أجد عندها أحداً {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29] تستدفئون من البرد، فمكثوا. فبادر إليها سريعاً {فَلَمَّآ أَتَاهَا} وقرب إليها {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي} أي: شفيره وجانبه {ٱلأَيْمَنِ} باليمن، والكرامة الواقعة {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} التي كثر الخير والبركة فيها {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} أي: نُودي من الشجرة التي تعقد النار عليها نداءً عجيباً معرباً عن اسمه، مصرحاً به: {أَن يٰمُوسَىٰ} المتحير في بيداء الطلب، القلق الحائر في فيافي التعب {إِنِّيۤ} مع كمال إطلاقي وإن ظهرت على صورة نار، وتقيدت بها متنزهاً عن كمال تنزهي عن عموم الصور والتعينات {أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [القصص: 30] الجامع لجميع الأسماء والصفات، المتجلي لجميع الصور والشئون، وعموم الهياكل والتماثيل، المتعالي عن الحلول في شيء والاتحاد به والمعية معه مطلقاً، فاطلبني تجد جميع حوائجك عندي؛ لأني رب العالمين، أي: مربٍ الكل ومدبره بعدما أظهرت الأشياء وأوجدتها من كتم العدم. وبعدما سمع موسى ما سمع استوحش من هذا النداء، وارتعد من هيبة هذا الصدى؛ لأنه في ابتداء انكشافه وشهوده أنس معه ربه؛ إزالةً لرعبه ووحشتها، فقال مخاطباً له، آمراً: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} التي في يدك؛ حتى ترى عجائب وغرائب حكمتنا وليزول استبعداك من ظهورنا على صورة الناس فألقاها، فإذا هي حية تسعى {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} وتتحرك على وجه السرعة {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} أي: حية صغيرة سريعة السير {وَلَّىٰ} موسى، وانصرف عنها {مُدْبِراً} بعدما أدبر مرعوباً مرهوباً {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: لم يرجع ولم يلتفت إلى أخذها خائفاً مها هائباً، قلنا له منادياً؛ إزالةً لرعبة: {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ} إلى عصاك وخذها {وَلاَ تَخَفْ} منها {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [القصص: 31] عن ضرر ما ظهرت عليك من الصورة الحادثة المهبية، فإنَّا سنعيدها سيرتها الأولى.

همام الصنعاني

تفسير : 2212- معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}: [الآية: 29]، قال شعلة من النار. 2213- قال معمر، وقال قتادة: أصل الشجرة في طرفها النَّار، قال: فذلك قوله: {جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}: [الآية: 29].