٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} يعني الشجرة قدم ضميرها عليها. {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي} {مِن} الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة. و{مِنَ الشَّجَرَةِ} بدل من قوله: {مِنْ شَاطِىءِ الْوَادِ} بدل الاشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء، وشاطىء الوادي وشطه جانبه، والجمع شُطَّان وشواطىء، ذكره القشيري. وقال الجوهري: ويقال شاطىء الأودية ولا يجمع. وشاطأت الرجل إذا مشيت على شاطىء ومشى هو على شاطىء آخر. {ٱلأَيْمَنِ} أي عن يمين موسى. وقيل: عن يمين الجبل. {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} وقرأ الأشهب العقيلي: {فِي الْبَقْعَةِ} بفتح الباء. وقولهم بِقعا يدلّ على بَقْعة؛ كما يقال جَفْنة وجِفَان. ومن قال بُقْعة قال بُقَع مثل غُرْفة وغُرَف. {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} أي من ناحية الشجرة. قيل: كانت شجرة العلَّيق. وقيل: سَمُرة وقيل: عَوْسج. ومنها كانت عصاه؛ ذكره الزمخشري. وقيل: عُنَّاب، والعَوْسج إذا عظم يقال له الغَرْقَد. وفي الحديث: إنه من شجر اليهود فإذا نزل عيسى وقتل اليهود الذين مع الدّجال فلا يختفي أحد منهم خلف شجرة إلا نطقت وقالت يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله إلا الغَرْقَد فإنه من شجر اليهود فلا ينطق. خرجه مسلم. قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى عليه السلام من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء. ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالانتقال والزوال وشِبه ذلك من صفات المخلوقين. قال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون مَن كلمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات، كما أن مَن خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته، ورزقه رؤيته يرى الله سبحانه منزّهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث، ولا مثل له سبحانه في ذاته وصفاته، وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى عليه السلام وغيره من المصطفين من الملائكة بكلامه. قال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في سماعه، وأنه قادر على مثله في جميع خلقه. واختلفوا في نبينا عليه السلام هل سمع ليلة الإسراء كلام الله، وهل سمع جبريل كلامه على قولين؛ وطريق أحدهما النقل المقطوع به وذلك مفقود، واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في عينه. وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام. قال أبو المعالي: وهذا مردود؛ بل يجب اختصاص موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقاً للعادة، ولو لم يُقَلَ ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه. والرب تعالى أسمعه كلامه العزيز، وخلق له علماً ضرورياً، حتى علم أن ما سمعه كلام الله، وأن الذي كلّمه وناداه هو الله رب العالمين. وقد ورد في الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال: سمعت كلام ربي بجميع جوارحي، ولم أسمعه من جهة واحدة من جهاتي. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مستوفى. {أَن يٰمُوسَىٰ} {أَنْ} في موضع نصب بحذف حرف الجر أي بـ{ـأَنْ يَا مُوسَى}. {إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } نفى لربوبية غيره سبحانه. وصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل لا من رسله؛ لأنه لا يصير رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة، والأمر بها إنما كان بعد هذا الكلام.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا أَتَٰهَا نُودِىَ مِن شٰطِىءِ } جانب {ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَٰنِ } لموسى {فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَٰرَكَةِ } بسماعه كلام الله فيها {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } بدل من شاطىء بإعادة الجار لنباتها فيه وهي شجرة (عُنَّاب) أو (عُلَّيق) أو (عوسج) {أن} مفسرة لا مخففة {يٰمُوسَىٰ إِنِّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} عَرَّفه وحدانيته ولم يَصِرْ بذلك رسولاً. لأنه لم يأمره بالرسالة وإنما صار بذلك من أصفيائه {الشَّجَرَةِ} العليق وهو العوسج "ع".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {نودي من شاطئ الواد الأيمن} قال: كان النداء من السماء الدنيا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {من شاطئ الواد الأيمن} قال: الأيمن عن يمين موسى عليه السلام عند الطور. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية قال: كان النداء من أيمن الشجرة. والنداء من السماء. وذلك في التقديم والتأخير. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نودي عن يمين الشجرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {من الشجرة} قال: أخبرت أنها عوسجة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الكلبي {من الشجرة} قال: شجرة العوسج. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى عليه السلام، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فاهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت. وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن موسى عليه السلام لما نودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: ومن أنت الذي تنادي؟ قال: أنا ربك الأعلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الثقفي قال: أتى موسى عليه السلام الشجرة ليلاً وهي خضراء والنار تتردد فيها، فذهب يتناول النار فمالت عنه، فذعر وفزع، فنودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: عن يمين الشجرة فاستأنس بالصوت، فقال: أين أنت. أين أنت؟ قيل: الصوت.. أنا فوقك قال: ربي؟! قال: نعم.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا أَتَـٰهَا} أي النَّارَ التي آنسَها {نُودِيَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ} أي أتاهُ النِّداءُ من الشاطيءِ الأيمنِ بالنسبةِ إلى مُوسى عليهِ السَّلامُ {فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} متصلٌ بالشَّاطيء أو صلةٌ لنُوديَ {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} بدلُ اشتمالٍ من شاطيءٍ لأنَّها كانتْ نابتةً على الشَّاطيءِ {أَن يٰمُوسَىٰ إِنّي أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وهذا وإنْ خالفَ لفظاً لما في طه والنَّملِ لكنَّه موافقٌ له في المَعنى المرادِ {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} عطفٌ على أنْ يا مُوسى وكلاهما مفسرٌ لنودَي والفاءُ في قولِه تعالى: {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ} فصيحةٌ مفصحةٌ عن جُمَلٍ قد حُذفتْ تعويلاً على دلالةِ الحالِ عليها وإشعاراً بغايةِ سرعةِ تحققِ مدلولاتِها أي فألقاهَا فصارتْ ثُعباناً فاهتزتْ فلمَّا رَآها تهتزُّ {كَأَنَّهَا جَانٌّ} أي في سُرعةِ الحركةِ مع غايةِ عظمِ جُثَّتِها {وَلَّىٰ مُدْبِراً} أي مُنهزماً من الخوفِ {وَلَمْ يُعَقّبْ} أيْ لم يرجعْ {يَا مُوسَىٰ} أي قيلَ يا مُوسى: {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} من المخاوفِ فإنَّه لا يخافُ لديَّ المُرسلون {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ} أي أَدخلْها فيهِ {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء} أي عيبٍ {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي يديك المبسوطتينِ لتتَّقي بهما الحيَّةَ كالخائفِ الفزعِ بإدخالِ اليمنى تحتَ العضد الأيسرِ واليسرى تحتَ الأيمنِ أو بإدخالِهما في الجيبِ فيكون تكريراً لغرضٍ آخرَ هو أنْ يكونَ ذلك في وجهِ العدوِّ إظهارَ جراءةٍ ومبدأ لظهورٍ معجزةٍ، ويجوزُ أنْ يرادَ بالضمِّ التَّجلدُ والثباتُ عند انقلابِ العَصَا ثعباناً استعارةٌ من حالِ الطَّائرِ فإنَّه إذَا خافَ نشَر جناحيِه وإذا أمنَ واطمأنَّ ضمَّهما إليهِ {مِنَ ٱلرَّهْبِ} أي من أجلِ الرَّهبِ أي إذا عراكَ الخوفُ فافعلْ ذلك تجلُّداً وضبطاً لنفسكَ. وقُرىء بضمِّ الراءِ وسكونِ الهاءِ وبضمِّهما، والكلُّ الغاتٌ {فَذَانِكَ} إشارةٌ إلى العَصَا واليدِ. وقُرىء بتشديدِ النُّونِ فالمخففُ مُثنَّى ذاكَ والمشدَّدُ مثنَّى ذلكَ {بُرْهَانَـٰنِ} حجَّتانِ نيِّرتانِ. وبُرهان فُعلان لقولِهم أبرَه الرَّجلُ إذا جاءَ بالبُرهانِ من قولِهم برهَ الرَّجلُ إذا ابـيضَّ ويُقال للمرأةِ البـيضاءِ برهاءُ وبَرَهْرَهةٌ، ونظيرُه تسميةِ الحجَّةِ سُلطاناً من السَّليطِ وهو الزَّيتُ لإنارتِها. وقيل: هو فُعلال لقولِهم برهنَ. ومِن في قوله تعالى: {مِن رَبّكَ} متعلقةٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لبرهانانِ أي كائنانِ منْهُ تعالى: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} واصلانِ ومنتهيانِ إليهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} خارجينَ عن حُدود الظُّلمِ والعُدوان فكانُوا أحِقَّاءَ بأنْ نُرسلَك إليهم بهاتينِ المُعجزتينِ الباهرتينِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ...} [الآية: 30]. قال الواسطى رحمة الله عليه: الوسائط فى الحقيقة لا أوزان لها ولا أخطار وإنما هى علل لضعف الطاقات، كما جعل الوسائط بين موسى وبين الشجرة ناداه فى البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى ثم رفع الواسطة ثانيًا فقال: {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ}تفسير : [الأعراف: 144]. قال القاسم: نودى من شاطئ الواد الأيمن لما سمع موسى الكلام خرّ صاعقًا فجاءه جبريل وميكائيل فروحاه خروجه الأنس حتى أفاق من الهيبة واستأنس بالأنس مع الله فزال الرعب والفزع من قلبه فقال له يا موسى أنا الذى أكلمك من علوى وأسمعك من دنوى، ففى دنوى لا أخلوا من علوى وفى علوى لا أخلوا من دنوى، يا موسى أنا الله الذى أدنيتك وقربتك وناجيتك عند ذلك قال له موسى: أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ قال له: أنا أقرب إليك منك. قال أبو سعيد القرشى: ذكر الشجرة فى وقت مخاطبته بالكلام ليطيق بذلك التعلل حمل موارد الخطاب عليه، كما تعلل النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : حُبّبَ إلى من دنياكم"تفسير : . أى لست منها ولا هى مِنِّى إنما لى منها تعلل أتحمل به موارد الوحى علىَّ. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: الجبل الذى كلَّم الله عليه موسى كان من عقيق. سمعت أبا بكر بن شاذان يقول: سمعت محمد بن على الكتانى يقول: بلغنى أن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب بم اتخذتنى كليمًا؟ فأوحى الله تعالى ذكره إليه تذكر يومًا كنت ترعى غنمًا لشعيب فشردت منك شاة فعدت وغدوت على إثرها حتى إذا لحقتها ضممتها الى صدرك وبُستها وقلت يا حبيبتى لقد اتعبتنى وأتعبت نفسك، فبرحمتك للبهيمة اصطفيتك فى ذلك اليوم. قال الكتانى رحمة الله عليه: ولم يبعث الله نبيًا من أنبيائه حتى استرعاه البهائم قبلاً وينظر كيف رحمته بهم ثم بعثه إلى الخلق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن...} الآية. أخفى تعيين قَدَم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال: "من شاطئ الواد الأيمن"، ثم قال: "في البقعة المباركة" ثم قال "من الشجرة". وأخْلِقْ بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سَمِعَ خطابَ مولاه بلا واسطة؛ وأعَزُّ الأماكنِ في العالمِ مَشْهَدُ الأحباب: شعر : وإنـي لأهــوى الـــدارَ ما يستعزنــي لهــــا الـود إلا أنـها من ديـاركـا تفسير : ويقال كم قَدَمٍ وَطَئَتْ لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابُها بها شيئاً!.. وكم ليلةٍ جَنَّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة!. ويقال: شتَّان بين شجرة وشجرة؛ شجرة آدم عندها ظهور محنتِه وفتنتِه، وشجرة موسى وعندها افتتاح نُبُوَّتِه ورسالتِه!. ويقال: لم يأتِ بالتفصيل نوعُ تلك الشجرة، ولا يُدْرَى ما الذي كانت تثمره، بل هي شجرة الوصلة؛ وثمرتها القربة، وأصلُها في أرض المحبة وفَرْعُها باسِقٌ في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تَنْفَتِقُ عن نسيم الرَّوْح والبهجة: فلمَّا سمع موسى تغيَّر عليه الحال؛ ففي القصة: أنه غُشِي عليه، وأرسل اللَّهُ إليه الملائكة لِيُرِّوحوه بمراوح الأُنْس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدئ مرفوقٌ به. وفي المرة الأخرى خرَّ موسى صَعِقاً، وكان يفيق والملائكة تقوله له: يا ابن الحَيْض. أمثلك مَنْ يسأل الرؤية؟!. وكذا الحديث والقصة؛ في البداية لُطْفٌ وفي النهاية عُنْفٌ، في الأولِ خَتْل وفي الآخرِ قَتْل، كما قيل: شعر : فلمَّا دارت الصهبــــاءُ دعــا بالنَّطـــع والسيـــفِ كــذا مَـــنْ يشـــرب الـــراحِ مع التِّنِّيـــن فــي الصيــفِ
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما اتاها} اى النار التى آنسها {نودى من شاطىء الوادى الايمن} اى اتاه النداء من الشاطىء الايمن بالنسبة الى موسى فالايمن مجرور صفة لشاطىء والشاطىء الجانب والشط وهو شفير الوادى والوادى فى الاصل الموضع الذى يسيل فيه الماء ومنه سمى المفرج بين الجبلين واديا {فى البقعة المباركة} متصل بالشاطىء او صلة لنودى والبقعة قطعة من الارض لا شجر فيها وصفت بكونها مباركة لانه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله اياه وهكذا محال تجليات الاولياء قدس الله اسرارهم {من الشجرة} بدل اشتمال من شاطىء لانها كانت ثابتة على الشاطىء وبقيت الى عهد هذه الامة كما فى كشف الاسرار وكانت عنابا او سمرة او سدرة او زيتونا او عوسجا والعوسج اذا عظم يقال له الغرقد بالغين المعجمة وفى الحديث "حديث : انها شجرة اليهود ولا تنطق"تفسير : يعنى اذا نزل عيسى وقتل اليهود فلا يختفى منهم احد تحت شجرة الان نطقت وقالت يامسلم هذا يهودى فاقتله الا الغرقد فانه من شجرهم فلا ينطق كما فى التعريف والاعلام للامام السهيلى {ان} مفسرة اى اى {ياموسى انى انا الله رب العالمين} اى انا الله الذى ناديتك ودعوتك باسمك وانا رب الخلائق اجمعين وهذا اول كلامه لموسى وهو ان خالف لفظا لما فى طه والنمل لكنه موافق له فى المعنى المقصود. قال الكاشفى [موسى در درخت نكاه كرد آتشى سفيد بى دود ديد وبدل فرونكريست شعله شوق لقاى حضرة معبود مشاهدة نمود از شهود اين در آتش نزديك بودكه شمع وجودش بتمام سوخته كردد شعر : هست درمن آتش روشن نميدانم كه جيست اين قدر دانم كه همجون شمع مى كاهم دكر تفسير : موسى عليه السلام از نداى {ان ياموسى} سوخته عشق وكداخته شوق شدة دربيش درخت بايستاد وآن ندا در مضمون داشت كه {انى أن الله رب العالمين}. قال فى كشف الاسرار موسى زير آن درخت متلاشى صفات وفانى ذات كشت وهمكى وى سمع شده وندا آمد بس خلعت قربت بوشيد شراب الفت نوشيد صدر وصلت ديد ريحنت رحمت بوييد] شعر : اى عاشق دلسوخته اندوه مدار روزى بمراد عاشقان كرددكار تفسير : قال بعضهم لما وصل موسى الى الشجرة ذهبت النار وبقى النور ونام موسى عن موسى فنودى من شجرة الذات باصوات الصفات وصار الجبل من تأثير التجلى والكلام عقيقا وغشى عليه فارسل الله اليه الملائكة حتى روحوه بمرواح الانس وقالوا له ياموسى تعبت فاسترح ياموسى قد باخت فلا تبرح جئت على قدر ياموسى: يعنى [مقدر بودكه حق سبحانه باتو سخن كند] وكان هذا فى ابتداء الامر والمبتدأ مرفوق به. وفى المرة الاخرى خر موسى صعقا فكان يصعق والملائكة تقول له ياابن النساء الحيض مثلك من يسأل الرؤية ياليت لو تعلم الملائكة اين موسى هناك لم يعيروه فان موسى كان فى اول الحال مريدا طالبا وفى الآخرة مرادا مطلوبا طلبه الحق واصطفاه لنفسه قيل شتان بين شجرة موسى وبين شجرة آدم عندها طهرت محنة وفتنة وعند شجرة موسى افتتحت نبوة ورسالة ياصاحبى لو يعلم قائل هذا القول حقيقة شجرة آدم لم يقل مثل هذا فى حق آدم فان شجرة آدم اشارة الى شجرة الربوبية ولذا قال {أية : ولا تقربا هذه الشجرة}تفسير : فان آدم اذا كان متصفا بصفات الحق اراد العيشة بحقيقتها فنهاه الحق عنها وقال هذا شىء لم يكن لك فان حقيقة الازلية ممتنعة من الاتحاد بالمحدثية هكذا قال ولكن اظهر ازليته من الشجرة وسكر آدم ولم يصبر عن تناولها فاكل منها حبة الربوبية فكبر حاله فى الحضرة ولم يطق فى الجنة حملها فاهبط منها الى معدن العشاق ومقر المشتاق فشجرة آدم شجرة الاسرار وشجرة موسى شجرة الانوار فالانوار للابرار والاسرار للاخيار. قال بعض الكبار اذا جاز ظهور التجلى من الشجرة وكذا الكلام من غير كيف ولاجهة فاولى ان يجوز ذلك من الشجرة الانسانية ولذا قسموا التوحيد الى ثلاث مراتب. مرتبة لا اله الا هو. ومرتبة لا اله الا انت. ومرتبة لا اله الا انا والمتكلم فى الحقيقة هو الحق تعالى بكلام قديم ازلى فان شئت الذوق فارجع الى الوجدان ان كنت من اهله والا فعليك بالايمان فان الكلام اما مع الوجدان او مع اهل الايمان فسلام على المصطفين الاخيار والمؤمنين الابرار اللهم ارنا الاشياء كماهى وانما الكون خيال وهو الحق فى الحقيقة فلا موجود الا هو كما لامشهود الا هو فاعرف يامسكين تغنم: قال الشيخ سعدى عن لسان العاشق شعر : مرا باوجود توهستى نماند بياد توام خود برستى نماند كرم جرم بينى مكن عيب من تويى سربر آورده ازجيب من تفسير : وقال شعر : سمندرنه كرد آتش مكرد كه مردانكى بايد آنكه نبرد تفسير : وهو اشارة الى من ليس حاله كحال موسى نسأل الله الوقوع فى نار العشق والوصول الى سر الفناء الكلى
الأعقم
تفسير : {فلما أتاها} يعني موسى النار قرب منها {نودي} {يا موسى} أي أتاه النداء من شاطئ الوادي قيل: من طريق الوادي الأيمن في البقعة المباركة، قيل: كانت مباركة لكثرة الأشجار والثمار والخير والنعم، وقيل: لأنها معدن الخير والرسالة، وقيل: مباركة في الدين والدنيا من الشجرة، يعني كان الكلام مسموعاً من الشجرة وذلك معجزة لموسى كما خلق السح في الحجر في يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة له {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} ثم بيّن حال موسى لما أتى الطور فقال سبحانه: {وأن ألق عصاك} وهذا أمر بالإِلقاء {فلما رآها تهتز} تحرك {كأنها جان} والجان الحيَّة الصغيرة والثعبان الحيَّة العظيمة قيل: انقلبت بإذن الله ثعباناً عظيماً كأنها جان في سرعة حركتها {ولى مدبراً ولم يعقب} لم يرجع إلى ذلك الموضع الذي هرب منه فنودي أن {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} وروي أن آدم (عليه السلام) هبط بالعصا من الجنة ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ثم إلى موسى، وقيل: أخذها جبريل بعد موت آدم وكانت معه حتى لقى بها موسى ليلاً، وقيل: أودعها شعيباً ملك في صورة رجل فأمر بنته أن تأتيه بعصا فأتت بها فردها سبع مرات فلم يقع في يدها غيرها فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع فأتاهما الملك فقال: ألقياها فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها ورفعها موسى، وعن الحسن: ما كانت إلاَّ عصا من الشجر، وروي أنها من الشجرة التي نودي منها {اسلك يدك في جيبك}، قيل: كان عليه قميصاً بلا كمٍّ {تخرج بيضاء من غير سوءٍ}، قيل: كانت كالقمر من غير برص {واضمم اليك جناحك}، قيل: يدك، قيل: أمره أن يضم يده إلى صدره ليذهب ما ناله من الخوف، وقيل: هو استعارة فإن الطائر إذا خاف لم يلزم موضعه ولم يضم جناحه وإذا أمن ضم جناحه فجعله مثلاً {فذانك برهانان} أي العصا واليد برهانان أي حجّتان {إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوماً فاسقين} {قال} موسى {رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون} {وأخي هارون} هو أفصح {مني لساناً} وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه {فأرسله معي ردءاً يصدقني} يعني هارون على قوله، وقيل: يصدقني فرعون {إني أخاف أن يكذبون} {قال سنشد عضدك بأخيك} وهذا استعارة حسنة، والمراد نقويك به ونعينك {ونجعل لكما سلطاناً} حجة بينه {فلا يصلون إليكما} أي لا يقدرون أن يصلوا إليكما {أنتما ومن اتّبعكما الغالبون} القادرون {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلاَّ سحر} تمويه وتخييل {مفترى} مختلق، قوله تعالى: {وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} مثل عاد وثمود وغيرهم من استهزاء بالنبيين وقلدوا آبائهم فـ {قال موسى} مجيباً لهم {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} وهو التوحيد والعدل، وقيل: الحق من الباطل {ومن تكون له عاقبة الدار} أي العقبى المحمودة {إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يظفر بطلبه من ظلم الناس، وقيل: من ظلم نفسه، فلما رأى فرعون ما لم يكن عنده جواب أخذ في التلبيس، وقال: {يا أيها الملأ} أشراف قومه {ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين} قال جار الله: لما أمر فرعون هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيّدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع: وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلاَّ قد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون لعنه الله ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء، فأراد الله أن يفتنه فردت إليه وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت رب موسى، فعندها بعث الله جبريل لهدمه والله أعلم بصحته، وقوله: {وإني لأظنه من الكاذبين}، قيل: إنما شك لما رأى المعجزات وقبل كان جاهلاً بالصانع.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ} جانب. {الوَادِ الأَيْمَنِ} من جانب الوادي الذي عن يمين موسى أو الأيمن من اليمن وهو البركة والصحيح الأول. {فِي البُقْعَةِ} وقريء بفتح الباء المباركة لموسى لسماع كلام الله فيها ولجعله نبيا وارساله فيها وقيل المراد البقعة المقدسة وفي متعلقة بنودي او بمحذوف حال من شاطىء. {مِنَ الشَّجَرَةِ} بدل من قوله من شاطىء بدل اشتمال لأن الشجرة كانت نابتة بالشاطىء كذا قيل والظاهر انها ان كانت في الشاطىء فيدل بعض وهي شجرة عناب عند ابن عباس او عليق او عوسج قال السهيلي: العوسج اذا عظم قيل فيه الغرقد وعن ابن مسعود سمرة وعن بعضهم من ناحية الشجرة وهو واضح. {أَن يَا مُوسَى} ان مفسرة لا مخففة. {إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} ذكر بعضهم ان موسى عليه السلام لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم انه لا يقدر على الجمع بين النار وخضرة الشجر الا الله فعلم ان الكلام من الله وقد مر توجيهه وقيل خلق الله عز وجل علما ضروريا في موسى ان الكلام من الله وقيل علم ذلك لانه سمع الكلام بجميع اجزائه ومن جميع الجهات.
اطفيش
تفسير : {فلما أتاها} بلغها بعد الذهاب إليها، وما للنار التى آنس {نُودى من شاطئ} شفير {الوادى الأيْمَن} نعت لشاطئ أى نودى من الجانب الأيمن بالنسبة الى إتيان موسى، ويجوز أن يكون من اليمن والبركة على موسى، فهو نعت للوادى أو لشاطئ {فى البقعة} متعلق بنودى، او حال من شاطئ، والبقعة الأرض التى تخالف الأرض التى بجنبها {المباركة} بآيات الله عز وجل وأنواره، ودون ذلك ما قيل مباركة بالأرزاق والثمار الطيبة، فنقول المباركة بذلك كله، ولو كان المقام لغير الرزق والثمار، مع أنه مناسب لهما من حيث إن موسى وأهله فى سفر، وهو محل احتياج، كما أنه أنسب بالآيات والأنوار {من الشجرة} الجار والمجرور، بدل من قوله: {من شاطئ} بدل اشتمال، فيقدر الرابط أى من الشجرة فيه وفيه حال من الشجرة. ومن العجيب ما يقال: إن الشجرة بدون من بدل من لفظ شاطئ وأنه اعيد العامل وهو من، لأن البدل على نية تكرار العامل إذ لا يحتاج الى هذا لأنه تبدل الكلمة من الكلمة، والكلمتان من الكلمتين، وهكذا فأبدل الجار والمجرور من الجار والمجرور، مع أن العامل الأقوى نودى، والشجرة سمرة عند ابن مسعود وعناب عند ابن عباس وعوسجة عند بعض، وعليقة عند بعض {أن يا موسى} أن تفسير للنداء، أو يقدر بأنه يا موسى حذفت الباء وضمير الشأن، وإحدى النونين، وفسر الشأن بقوله: {إنِّى أنا اللهُ ربُّ العالمين} ثم تذكرت أن بعد هذا وأن ألق عصاك فعينت أنها تفسيرية هذا نفس قوله: "أية : إنى أنا ربك"تفسير : [طه: 12] ونفس قوله: "أية : أن بورك من فى النار"تفسير : [النمل: 8] والذى بورك فى النار هو رب العالمين، وهو رب موسى أو النداء ثلاث فى تلك الليلة، حكى في كل سورة بعضها، والنداء بصوت خلقه الله فى الهواء، أو فى الشجرة أو فى الشاطىء أو فى جميع جسده، ويقال إنه قال: علمته من الله عز وجل، سمعته من جميع الجهات، وبجميع جسدى لا بأذنى خاصة ولقومنا هنا تخاليط تؤدى إلى التشبيه يردها المبتدىء المعتقد أنه لا يشبهه شىء، ولا يشبه شقئا، فيفتضحون، ويقولون بلا كيف كقولهم: ناداه بكلامه القديم الذى لا صوت فيه، وقولهم: باتجلى له بما شاء حتى سمع كلامه بصوت، ومن وجبت مخالفته للحوادث سبحانه وتعالى وجب أن لا تحسه الحوادث بأذن ولا عين ولا بغيرها، وإلا ناقض المحالفة.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا أَتَـٰهَا} أي النار التي آنسها. {نُودِىَ مِن شَاطِىء ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ } أي أتاه النداء من الجانب الأيمن بالنسبة إلى موسى عليه السلام في مسيره فالأيمن صفة الشاطىء وهو ضد الأيسر، وجوز أن يكون الأيمن بمعنى المتصف باليمن والبركة ضد الأشأم، وعليه فيجوز كونه صفة للشاطىء أو الوادي، و {مِنْ } على ما اختاره جمع لابتداء الغاية متعلقة بما عندها، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً من ضمير موسى عليه السلام المستتر في {نودي} أي نودي قريباً من شاطىء الوادي، وجوز على الحالية أن تكون من بمعنى في كما في قوله تعالى: {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ }تفسير : [الأحقاف: 4] أي نودي كائناً في شاطىء الوادي. وقوله تعالى: {فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ} في موضع الحال من الشاطىء أو صلة لنودي، والبقعة القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها وتفتح باؤها كما في «القاموس»، وبذلك قرأ الأشهب العقيلي ومسلمة. ووصفت بالبركة لما خصت به من آيات الله عز وجل وأنواره. وقيل: لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة وليس بذاك، وقوله سبحانه: {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } بدل من قوله تعالى: {مِن شَاطِىء } أو الشجرة فيه بدل من {شاطىء} وأعيد الجار لأن البدل على تكرار العامل وهو بدل اشتمال فإن الشاطىء كان مشتملاً على الشجرة إذ كانت نابتة فيه، و {مِنْ } هنا لا تحتمل أن تكون بمعنى في كما سمعت في (من) الأولى، نعم جوز فيها أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ } تفسير : [نوح: 25] متعلقة بالمباركة أي البقعة المباركة لأجل الشجرة، وقيل: يجوز تعلقها بالمباركة مع بقائها للابتداء على معنى أن ابتداء بركتها من الشجرة، وكانت هذه الشجرة على ما روي عن ابن عباس عناباً، وعلى ما روي عن ابن مسعود سمرة، وعلى ما روي عن ابن جريج والكلبـي ووهب عوسجة، وعلى ما روي عن قتادة ومقاتل عليقة وهو المذكور في التوراة اليوم. و(أن) في قوله تعالى: {أَن يٰمُوسَىٰ } تحتمل أن تكون تفسيرية وأن تكون مخففة من الثقيلة والأصل بأنه، والجار متعلق بنودي، والنداء قد يوصل بحرف الجر أنشد أبو علي:شعر : ناديت باسم ربيعة بن مكدم أن المنوه باسمه الموثوق تفسير : والضمير للشأن وفسر الشأن بقوله تعالى: {إِنّى أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقرأت فرقة {أني} بفتح الهمز، واستشكل بأن (أن) إن كانت تفسيرية ينبغي كسر إن وهو ظاهر وإن كانت مصدرية واسمها ضمير الشأن، فكذلك إذ على الفتح تسبك مع ما بعدها بمفرد وهو لا يكون خبراً عن ضمير الشأن وخرجت على أن (أن) تفسيرية و(أني) الخ في تأويل مصدر معمول لفعل محذوف، والتقدير أي يا موسى اعلم أني أنا الله الخ، وجاء في سورة [طه: 11-12] {أية : نُودِىَ يٰمُوسَىٰ إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } تفسير : وفي سورة النمل [8] {أية : نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ } تفسير : وما هنا غير ذلك بل ما في كل غير ما في الآخر فاستشكل ذلك. وأجيب بأن المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرة. وذهب الإمام إلى أنه تعالى حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف مّا والظاهر أن النداء منه عز وجل من غير توسيط ملك، وقد سمع موسى عليه السلام على ما تدل عليه الآثار كلاماً لفظياً قيل: خلقه الله تعالى في الشجرة بلا اتحاد وحلول، وقيل: خلقه في الهواء كذلك وسمعه موسى عليه السلام من جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات، وأنا وإن كان كل أحد يشير به إلى نفسه فليس المعنى به محل لفظه. وذهب الشيخ الأشعري والإمام الغزالي إلى أنه عليه السلام سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، وهذا كما ترى ذاته عز وجل بلا كيف ولا كم، وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت وكان ذلك بعد ظهوره عز وجل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، وقد جاء في «الصحيح» أنه تعالى يتجلى لعباده يوم القيامة في صورة، فيقول: أنا ربكم فينكرونه ثم يتجلى لهم بأخرى فيعرفونه، والله تعالى وصفاته من وراء حجب العزة والعظمة والجلال فلا يحدثن الفكر نفسه بأن يكون له وقوف على الحقيقة بحال من الأحوال.شعر : مرام شط مرمى العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد تفسير : وذكر بعض السلفيين أنه عليه السلام إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت منكر الظهور في المظاهر عادّاً القول به من أعظم المناكر، ولابن القيم كلام طويل في تحقيق ذلك، وقد قدمنا لك في المقدمات ما يتعلق بهذا المقام فتذكر والله تعالى ولي الأفهام، وقال الحسن: إنه سبحانه نادى موسى عليه السلام نداء الوحي لا نداء الكلام ولم يرتض ذلك العلماء الأعلام لما فيه من مخالفة الظاهر وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكليم من بين الأنبياء عليهم السلام، ووجه الاختصاص على القول بأنه سمع كلامه تعالى الأزلي بلا حرف ولا صوت ظاهر، وكذا على القول بأنه عليه السلام سمع صوتاً دالاً على كلامه تعالى بلا واسطة ملك أو كتاب سواء كان من جانب واحد لكن بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شأن سماعنا أو من جميع الجهات لما في كل من خرق العادة، وأما وجهه عند القائلين بأن السماع كان بعد التجلي في المظهر فكذلك أيضاً إن قالوا بأن هذا التجلي لم يقع لأحد من الأنبياء عليهم السلام سوى موسى. ثم إن علمه عليه السلام بأن الذي ناداه هو الله تعالى حصل له بالضرورة خلقاً منه سبحانه فيه؛ وقيل: بالمعجزة، وأوجب المعتزلة أن يكون حصوله بها فمنهم من عينها ومنهم من لم يعينها زعماً منهم أن حصول العلم الضروري ينافي التكليف، وفيه بحث.
ابن عاشور
تفسير : {فَلَمَّآ أَتَـٰهَا نُودِىَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّىۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ * ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}. تقدم مثل هذا في سورة النمل إلا مخالفة ألفاظ مثل {أتاها} هنا و {جاءها} هناك [النمل: 8] و {إني أنا الله} هنا، و{أية : إنه أنا الله}تفسير : هناك [النمل: 9] بضمير عائد إلى الجلالة هنالك، وضمير الشأن هنا وهما متساويان في الموقع لأن ضمير الجلالة شأنه عظيم. وقوله هنا{رب العالمين} وقوله هنالك {أية : العزيز الحكيم}تفسير : [النمل: 9]. وهذا يقتضي أن الأوصاف الثلاثة قيلت له حينئذ. والقول في نكتة تقديم صفة الله تعالى قبل إصدار أمره له بإلقاء العصا كالقول الذي تقدم في سورة النمل لأن وصف {رب العالمين} يدل على أن جميع الخلائق مسخرة له ليثبت بذلك قلب موسى من هول تلقي الرسالة. و {أن ألق} هنا و{أية : ألق عصاك}تفسير : [النمل: 10]، و {اسلك} هنا {أية : وأدخل}تفسير : هناك [النمل: 12]. وتلك المخالفة تفنن في تكرير القصة لتجدد نشاط السامع لها، وإلا زيادة {من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة} وهذا واد في سفح الطور. وشاطئه: جانبه وضفته. ووصف الشاطىء بالأيمن إن حمل الأيمن على أنه ضد الأيسر فهو أيمن باعتبار أنه واقع على يمين المستقبل القبلة على طريقة العرب من جعل القبلة هي الجهة الأصلية لضبط الواقع وهم ينعتون الجهات باليمين واليسار يريدون هذا المعنى قال امرؤ القيس: شعر : على قطن بالشيم أيمن صوبه وأيسره على الستار فيذبل تفسير : وعلى ذلك جرى اصطلاح المسلمين في تحديد المواقع الجغرافية ومواقع الأرضين، فيكون الأيمن يعني الغربي للجبل، أي جهة مغرب الشمس من الطور. ألا ترى أنهم سموا اليمن يمناً لأنه على يمين المستقبل باب الكعبة وسموا الشام شاماً لأنه على شآم المستقبل لبابها، أي على شماله، فاعتبروا استقبال الكعبة، وهذا هو الملائم لقوله الآتي {أية : وما كنت بجانب الغربي}تفسير : [القصص: 44]. وأما جعله بمعنى الأيمن لموسى فلا يستقيم مع قوله تعالى {أية : وواعدناكم جانب الطور الأيمن}تفسير : [ طه: 80] فإنه لم يجر ذكر لموسى هناك. وإن حمل على أنه تفضيل من اليُمن وهو البركة فهو كوصفه بــــ{المقدس} في سورة [النازعات: 16] {أية : إذ ناداه ربه بالوادِي المقدس طُوى}تفسير : . و{البقعة} بضم الباء ويجوز فتحها هي القطعة من الأرض المتميزة عن غيرها. و{المباركة} لما فيها من اختيارها لنزول الوحي على موسى. وقوله {من الشجرة} يجوز أن يتعلق بفعل {نُودِي} فتكون الشجرة مصدر هذا النداء وتكون {من} للابتداء، أي سمع كلاماً خارجاً من الشجرة. ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً نعتاً ثانياً للواد أو حالاً فتكون {من} اتصالية، أي متصلاً بالشجرة، أي عندها، أي البقعة التي تتصل بالشجرة. والتعريف في {الشجرة} تعريف الجنس وعدل عن التنكير للإشارة إلى أنها شجرة مقصودة وليس التعريف للعهد إذ لم يتقدم ذكر الشجرة، والذي في التوراة أن تلك الشجرة كانت من شجر العُلَّيق (وهو من شجر العضاه) وقيل: هي عوسجة والعوسج من شجر العضاه أيضاً. وزيادة {أقبل} وهي تصريح بمضمون قوله {أية : لا تخف}تفسير : في سورة [النمل: 10] لأنه لما أدبر خوفاً من الحية كان النهي عن الخوف يدل على معنى طلب إقباله فكان الكلام هنالك إيجازاً وكان هنا مساواة تفنناً في حكاية القصتين، وكذلك زيادة {إنك من الآمنين} هنا ولم يحك في سورة النمل وهو تأكيد لمفاد {ولا تخف}. وفيه زيادة تحقيق أمنه بما دل عليه التأكيد بــــ(إن) وجعله من جملة الآمنين فإنه أشد في تحقيق الأمن من أن يقال: إنك آمن كما تقدم في قوله تعالى {أية : أن أكون من الجاهلين}تفسير : في سورة [البقرة: 67]. وقوله {واضمم إليك جناحك من الرهب} خفي فيه محصل المعنى المنتزع من تركيبه فكان مجال تردد المفسرين في تبيينه، واعتكرت محامل كلماته فما استقام محمل إحداها إلا وناكده محمل أخرى. وهي ألفاظ: جناح، ورهب، وحرف {من}. فسلكوا طرائق لا توصل إلى مستقر. وقد استوعبت في كلام القرطبي والزمخشري. قال بعضهم: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً وإن قوله {من الرهب} متعلق بقوله {ولى مدبراً} على أن {من} حرف للتعليل، أي أدبر لسبب الخوف، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه إذ لا داعي لتقديم وتأخير ما زعموه على ما فيه من طول الفصل بين فعل {ولى} وبين {من الرهب}. وقيل الجناح: اليد، ولا يحسن أن يكون مجازاً عن اليد لأنه يفضي إما إلى تكرير مفاد قوله {اسلُك يدك في جيبك} وحرف العطف مانع من احتمال التأكيد. وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في «الكشاف» بعيد، أو يؤول بأن وضع اليد على الصدر يذهب الخوف كما عُزي إلى الضحاك عن ابن عباس وإلى مجاهد وهو تأويل بعيد. وهذا ميل إلى أن الجناح مجاز مرسل مراد به يد الإنسان. وللجناح حقيقة ومجازات بين مرسل واستعارة وقد ورد في القرآن وغيره في تصاريف معانيه وليس وروده في بعض المواضع بمعنى بقاض بحمله على ذلك المعنى حيثما وقع في القرآن. ولذا فالوجه أن قوله {واضمم إليك جناحك} تمثيل بحال الطائر إذا سكن عن الطيران أو عن الدفاع جعل كناية عن سكون اضطراب الخوف. ويكون {من} هنا للبدلية، أي اسكن سكون الطائر بدلاً من أن تطير خوفاً. وهذا مأخوذ من أحد وجهين ذكرهما الزمخشري قيل: وأصله لأبي علي الفارسي. و{الرهب} معروف أنه الخوف كقوله تعالى {أية : يدعوننا رغباً ورهباً}تفسير : [الأنبياء: 90]. والمعنى: انكفف عن التخوف من أمر الرسالة. وفي الكلام إيجاز وهو ما دل عليه قوله بعده {أية : قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون}تفسير : [القصص: 33] فقوله {واضمم إليك جناحك من الرهب} في معنى قوله تعالى {أية : فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}تفسير : [القصص: 35]. وقرأ الجمهور {الرهب} بفتح الراء والهاء، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بضم الراء وسكون الهاء. وقرأه حفص عن عاصم بفتح الراء وسكون الهاء وهي لغات فصيحة. {فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ فاسقين}. تفريع على قوله {واضمم إليك جناحك من الرهب} والإشارة إلى العصا وبياض اليد. والبرهان: الحجة القاطعة. و{من} للابتداء، و{إلى} للانتهاء المجازي أي حجتان على أن أرسل بهما إليهم. وجملة {إنهم كانوا قوماً فاسقين} تعليل لجملة {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه} لتضمنها أنهم بحيث يقرعون بالبراهين فبين أن سبب ذلك تمكن الكفر من نفوسهم حتى كان كالجبلة فيهم وبه قوام قوميتهم لما يؤذن به قوله {كانوا}. وقوله {قوماً} كما تقدم في قوله تعالى {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. والفسق: الإشراك بالله. وقرأ الجمهور {فذانك} بتخفيف النون من (ذانك) على الأصل في التثنية. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بتشديد نون {فذانك} وهي لغة تميم وقيس. وعلّلها النحويون بأن تضعيف النون تعويض على الألف من (ذا) و(تا) المحذوفة لأجل صيغة التثنية. وفي «الكشاف»: أن التشديد عوض عن لام البعد التي تلحق اسم الإشارة فلذلك قال «فالمخفف مثنى ذاك والمشدد مثنى ذلك». وهذا أحسن.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 30- فلما جاء موسى إلى النار التى أبصرها، سمع من ناحية الجانب الأيمن له من الشجرة النابتة فى البقعة المباركة بجانب الجبل نداء علويا يقول له: يا موسى، إنى أنا الله الذى لا يستحق العبادة سواه، خالق العالمين وحاميهم وحافظهم ومربيهم. 31- ونودى: أن ألق عصاك. فألقاها فقلبها الله ثعبانا، فلما أبصرها موسى تتحرك كأنها حية فى سعيها خاف وفر فزعا ولم يرجع، فقيل له: يا موسى أقبل على النداء وعُد إلى مكانك ولا تخف،إنك فى عداد الآمنين من كل مكروه. 32- وأدخل يدك فى طوق ثوبك تخرج شديدة البياض من غير عيب ولا مرض، واضمم يدك إلى جانبك فى ثبات من الخوف، ولا تفزع من رؤية العصا حية ومن رؤية اليد بيضاء، فهاتان المعجزتان من الله تواجه بهما فرعون وقومه حينما يقابلون رسالتك بالتكذيب خارجين عن طاعة الله. 33- قال موسى - متخوفا وطالبا العون - يا رب، إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلونى به قصاصا. 34- وأخى هارون أفصح منى لسانا، فأرسله معى عونا فى التبليغ، لأنى أخاف أن يكذبون. 35- قال الله - استجابة لدعائه -: سنقويك بهارون، ونجعل لكما سلطانا وتأييدا بالمعجزات فلا يستطيعون الاعتداء عليكما، وأنكما ومن اتبعكما واهتدى بكما الغالبون المنتصرون على هؤلاء الكافرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَتَاهَا} {شَاطِىءِ} {ٱلْوَادِي} {ٱلْمُبَارَكَةِ} {يٰمُوسَىٰ} {ٱلْعَالَمِينَ} (30) - فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى النَّارَ التِي أَبْصَرَهَا عَنْ بُعْدٍ نُودِي مِنْ جَانِبِ الوَادي، (مِمَّا يَلِي الجَبَلَ عَنْ يَمِينِهِ، مِنْ نَاحِيَةِ الغَرْبِ، كَمَا جَاءَ في آيةِ أُخرى) - فَلَمَّا اقتَرَبَ مُوسَى وَجَدَ النَّارَ تَشْتَعِلُ في شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ في لِحْفِ جبلٍ، مِمَّا يَلِي الوَادِي، فَوقَفَ مُوسَى بَاهِتاً مُتَحَيِّراً في أَمرِها، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: إِنَّ الذِي يُكَلِّمُكَ هُوَ اللهُ رَبُّكَ وَرَبُّ العَالَمِينَ، الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يعطينا خريطة تفصيلية للمكان، فهناك مَنْ قال: من جانب الطور، والجانب الأيمن من الطور. وهنا: {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ..} [القصص: 30] . ومضمون النداء: {يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [القصص: 30] سمع موسى هذا النداء يأتيه من كل نواحيه، وينساب في كل اتجاه؛ لأن الله تعالى لا تحيزه جهة؛ لذلك لا تقُلْ: من أين يأتي الصوت؟ وليس له إِلْفٌ بأن يخاطبه الرب - تبارك وتعالى. ومع النداء يرى النار تشتعل في فرع من الشجرة، النار تزداد اشتعالاً، والشجرة تزداد خضرة، فلا النار تحرق الشجرة بحرارتها، ولا الشجرة تُطفِىء النار برطوبتها. فهي - إذن - مسألة عجيبة يحَارُ فيها الفكر، فهل يستقبل كُلَّ هذه العجائب بسهولة أم لا بُدَّ له من مراجعة؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ} معناهُ من جَانبِهِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلَمَّآ أَتَاهَا} [القصص: 30] أي: أتى موسى القلب بعد التفريد متوجهاً إلى رتبة التوحيد {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ} [القصص: 30]، وهو السر {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} شجرة الإنسانية {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} [القصص: 30]، وبقوله: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص: 31] يشير إلى إلقاء كل متوكأ غير الله للسالك {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً} [القصص: 31] لأنه شاهد أنه ما اتخذ للاتكاء من دون الله هو حية فيها هلاكه فلما ولى عنه: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يرجع إلى اتخاذه متكأ راجعاً إلى الله بالكلية نودي موسى القلب، {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ} [القصص: 31] بعد التولي عنه والرجوع إلى {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [القصص: 31] عن مكائد الخائنين ملتجأ بحضرة رب العالمين. وبقوله: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص: 32] يشير إلى مسك اليد عن التصرفات في الكونين وقطع التعلق عنها {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ} [القصص: 32] نقية من لوث الطمع {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} [القصص: 32] أي: من غير مضرة يعيبها في ذلك الترك وقطع التعلق عنها {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} [القصص: 32] جناح همتك عن طيران شر النفس في طلب صفة الدنيا وعن طيران بازي القلب في طلب طاووس نعيم الآخرة {مِنَ ٱلرَّهْبِ} أي: رهبة من فوات وصلات الحضرة وصلاتها {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} في الإعراض عن الدنيا والآخرة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} النفس {وَمَلَئِهِ} من الصفات بأن تظفر بهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [القصص: 32]، خارجين عن طاعة الله وعبوديته {قَالَ} موسى القلب {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} [القصص: 33] أي: صفة من صفات النفس {فَأَخَافُ} إن رجعت إليهم للدعوة إلى الحضرة أو لإهلاكهم {أَن يَقْتُلُونِ} [القصص: 33] بالاستيلاء والغلبة فإن لهم أعوان من الشيطان والدنيا وإخوان السوء {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} [القصص: 34] به يشير إلى هارون العقل فإنه معدن الأسرار ومنبع الأنوار {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} فيما أقول مع من يكذبني تقوية لي على المكذبين وذلك قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34]، فإن من خاصية تمرد فرعون النفس تكذيب الناطق بالحق، ومن خصوصية هارون العقل تصديق الناطق بالحق.
همام الصنعاني
تفسير : 2214- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}: [الآية: 30] قَالَ: شجرة العَوْسَج. 2215- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: كان عصا موسَى مِنْ عَوْسَج، والشجَرة أيضاً من العَوْسج.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):