٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} عطف على {أَنْ يَا مُوسَى} وتقدم الكلام في هذا في «النمل» و«طه». و{مُدْبِراً} نصب على الحال وكذلك موضع قوله: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} نصب على الحال أيضاً. {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ} قال وهب: قيل له ارجع إلى حيث كنت. فرجع فلفَّ دُرَّاعته على يده، فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله أن يصيبك بما تحاذر أينفعك لَفُّك يدك؟ قال: لا ولكني ضعيف خلقت من ضعف. وكشف يده فأدخلها في فم الحية فعادت عصا. {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ } أي مما تحاذر.
البيضاوي
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ} أي فألقاها فصارت ثعباناً واهتزت {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ }. {كَأَنَّهَا جَانٌّ} في الهيئة والجثة أو في السرعة. {وَلَّىٰ مُدْبِراً} منهزماً من الخوف. {وَلَمْ يُعَقّبْ} ولم يرجع. {يَا مُوسَىٰ} نودي يا موسى. {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} من المخاوف، فإنه لا {أية : يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ }تفسير : [النمل: 10] {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ} أدخلها. {تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} عيب. {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس، أو بإدخالهما في الجيب فيكون تكريراً لغرض آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جراءة ومبدأ لظهور معجزة، ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من حال الطائر فإنه إذا خاف نشر جناحيه وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه. {مِنَ ٱلرَّهْبِ} من أجل الرهب أي إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلداً وضبطاً لنفسك. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر بضم الراء وسكون الهاء، وقرىء بضمهما، وقرأ حفص بالفتح والسكون والكل لغات. {فَذَانِكَ } إشارة إلى العصا واليد، وشدده ابن كثير وأبو عمرو ورويس. {بُرْهَانَـٰنِ } حجتان وبرهان فعلان لقولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من قولهم بره الرجل إذا ابيض، ويقال برهاء وبرهرهة للمرأة البيضاء وقيل فعلال لقولهم برهن. {مِن رَبّكَ} مرسلاً بهما. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} فكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم. {قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} بها. {وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً} معيناً وهو في الأصل اسم ما يعان به كالدفء، وقرأ نافع «رداً» بالتخفيف. {يُصَدّقُنِى} بتخليص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة. {إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ} ولساني لا يطاوعني عند المحاجة، وقيل المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب، وقرأ عاصم وحمزة {يُصَدّقُنِى} بالرفع على أنه صفة والجواب محذوف. {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} سنقويك به فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور، ولذلك يعبر عنه باليد وشدتها بشدة العضد. {وَنَجْعَلَ لَكُمَا سُلْطَـٰناً} غلبة أو حجة. {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } باستيلاء أو حجاج. {بِـئَايَـٰتِنَا } متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو بـ {نَجْعَلِ } أي نسلطكما بها، أو بمعنى «لا يصلون» أي تمتنعون منهم، أو قسم جوابه «لا يصلون»، أو بيان لـ {ٱلْغَـٰلِبُونَ } في قوله: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ } بمعنى أنه صلة لما بينه أو صلة له على أن اللام فيه للتعريف لا بمعنى الذي. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا بَيّنَـٰتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } سحر تختلقه لم يفعل قبل مثله، أو سحر تعمله ثم تفتريه على الله؛ أو سحر موصوف بالإِفتراء كسائر أنواع السحر. {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } يعنون السحر أو ادعاء النبوة. {فِي ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ} كائناً في أيامهم. {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ } فيعلم أني محق وأنتم مبطلون. وقرأ ابن كثير «قال» بغير واو لأنه قال ما قاله جواباً لمقالهم، ووجه العطف أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد. {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } العاقبة المحمودة فإن المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأنها خلقت مجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها بالذات هو الثواب والعقاب إنما قصد بالعرض. وقرأ حمزة والكسائي {يَكُونَ } بالياء. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في العقبى. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى} نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه، ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد إليه ويتطلع على الحال بقوله: {فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ فَٱجْعَلْ لّي صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} كأنه توهم أنه لو كان لكان جسماً في السماء يمكن الترقي إليه ثم قال: {وَإِنّي لأظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ} أو أراد أن يبني له رصداً يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول وتبدل دولة، وقيل المراد بنفي العلم نفي المعلوم كقوله تعالى: {أية : أَتُنَبّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 18] فإن معناه بما ليس فيهن، وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها لك انتفاؤها، ولا كذلك العلوم الانفعالية، قيل أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظم؛ ولذلك نادى هامان باسمه بـ {يا} في وسط الكلام.{وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} بغير استحقاق. {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} بالنشور. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم. {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } كما مر بيانه، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر: 67] {فَٱنظُرْ} يا محمد. {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وحذر قومك عن مثلها. {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً} قدوة للضلال بالحمل على الإِضلال، وقيل بالتسمية كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }تفسير : [الزخرف: 19] أو بمنع الألطاف الصارفة عنه. {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} إلى موجباتها من الكفر والمعاصي. {وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ} بدفع العذاب عنهم. {وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} طرداً عن الرحمة، أو لعن اللاعنين يلعنهم الملائكة والمؤمنون. {وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} من المطرودين، أو ممن قبح وجوههم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } تتحرّك {كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها {وَلَّىٰ مُدْبِراً } هارباً منها {وَلَمْ يُعَقّبْ } أي يرجع فنودي { يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلأَمِنِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَلْقِ عَصَاكَ} ليعلم بذلك أن الذي سمعه كلام الله تعالى. {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يثبت مأخوذ من العقب الذي يثبت به القدم أو لم يتأخر لسرعة مبادرته. {الأَمِنِينَ} من الخوف فلا يصير رسولاً إلا بقوله {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ}، أو الآمنين المرسلين لقوله: {أية : لاَ تَخَفْ إِنِّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [النمل: 10] فيصير بذلك رسولاً. {بُرْهَانَانِ} اليد والعصا {الرَّهْبِ} الكُمْ، أو الخوف.
النسفي
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } ونودي أن ألق عصاك فألقاها فقلبها الله ثعباناً {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } تتحرك {كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية في سعيها وهي ثعبان في جثتها {وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ } يرجع فقيل له {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ } أي أمنت من أن ينالك مكروه من الحية {ٱسْلُكْ } أدخل {يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } جيب قميصك {تَخْرُجْ بَيْضَاء } لها شعاع كشعاع الشمس {مِنْ غَيْرِ سُوء } برص. {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } حجازي بفتحتين وبصري. {الرَّهب} حفص {الرُّهب} غيرهم ومعنى الكل الخوف والمعنى: واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من فرق أي لأجل الحية. عن ابن عباس رضي الله عنهما: كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه. وقيل: معنى ضم الجناح أن الله تعالى لما قلب العصا حية فزع موسى واتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، أو أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومعنى {من الرهب} من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك، جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه. ومعنى {واضمم إليك جناحك} و{اسلك يدك في جيبك} على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين لاختلاف الغرضين إذ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني إخفاء الرهب. ومعنى {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ } تفسير : [طه: 22] في «طه» أدخل يمناك تحت يسراك {فَذَانِكَ } مخففاً مثنى «ذاك» ومشدداً: مكي وأبو عمرو مثنى ذلك فإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة والمراد اليد والعصا {بُرْهَانَـٰنِ } حجتان نيرتان بينتان وسميت الحجة برهاناً لإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة {مِن رَّبّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإيهِ } أي أرسلناك إلى فرعون وملئه بهاتين الآيتين {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } كافرين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ولى مدبراً.. من الرهب} قال: هذا من تقديم القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واضمم إليك جناحك} قال: يدك. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {واضمم إليك جناحك} قال: كفه تحت عضده {من الرهب} قال: من الفرق {فذانك برهانان} قال: العصا، واليد. وفي قوله {ردءاً} قال: عوناً وفي قوله {ونجعل لكما سلطاناً} قال: الحجة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولم يعقب} قال: لم يلتفت من الفرق وفي قوله {اسلك يدك في جيبك} قال: في جيب قميصك {تخرج بيضاء من غير سوء} قال: من غير برص {واضمم إليك جناحك من الرهب} قال: من الرعب {فذانك برهانان} قال: آيتان من ربك... {فأرسله معي ردءاً} قال: عوناً لي. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {من الرهب} مخففة مرفوعة الراء وقرأ "فذنك" مخففة. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن كثير وقيس أنهما كانا يقرآن {فذنك برهانان} مثقلة النون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ردءاً يصدقني} كي يصدقني. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب نبأنا نافع بن أبي نعيم قال: سألت مسلم بن جندب رضي الله عنه عن قوله {ردءاً يصدقني} قال: الردء الزيادة أما سمعت قول الشاعر: شعر : واسمر خطى كأن كعوبه نوى القصب قد اردى ذراعاً على عشر تفسير : وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {سنشد عضدك بأخيك} قال: العضد: المعين الناصر قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول النابغة: شعر : في ذمة من أبي قابوس منقذة للخائفين ومن ليست له عضد تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان موسى عليه السلام قد ملىء قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، ففزع الله تعالى ما كان في قلب موسى وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك رضي الله عنه قال: دعاء موسى حين توجه إلى فرعون، ودعاء النبي عليه السلام يوم حنين، ودعاء كل مكروب "كنت وتكون وأنت حي لا تموت، تنام العيون وتكدر النجوم وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [الآية: 31]. قال سرى السقطى رحمة الله عليه: الخوف على ثلاثة أوجه خوف فى الدنيا وهو خوف العامة، وخوف عارض عند تلاوة القرآن، وخوف عاجل ينحل القلب ويهدم البدن ويذهب النوم وهو الخوف الحقيقى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}. يا موسى.. اخْلَعْ نعليكَ وألقِ عصاك، وأقِمْ عندنا هذه الليلة، فلقد تَعِبْتَ في الطريق - وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال. يا موسى.. كيف كُنْتَ في الطريق؟ كيف صَعَّدْتَ وكيف صوَّبت وكيف شرَّقْتَ وكيف غَرَّبْتَ؟ ما كنتَ في الطريق وحدَك يا موسى! أحصَيْنا خُطَاكَ - فقد أحصينا كلَّ شيءٍ عَدَداً. يا موسى.. تعِبْتَ فاسترحْ، وبعد ما جِئْتَ فلا تَبْرَحْ - كذلك العبدُ غداً إذا قطع المسافةَ في القيامةِ، وتبوَّأَ مَنْزِلَه من الجنة؛ فأقوامٌ إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم ثم يوم اللقاء يستحضرون، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة، وكذا العبد أو الخادم إذا دَخَلَ بَلَدَ سلطانِه. يبتدئ أولاً بخدمة الشُّدَّةِ العَلِيَّةِ ثم بعدها ينصرف إلى منزله. وكذلك اليوم أمرنا؛ إذا أصبحنا كلَّ يوم: ألا نشتغِلَ بشيءٍ حتى نَفْتَتِحَ النهارَ بالخطاب مع الحقِّ قبل أن نخاطِبَ المخلوق، نحضر بساط الخدمة - أي الصلاة - بل نحضر بساط الدنوِّ والقربة، قال تعالى: {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب}تفسير : [العلق: 19]: فالمُصَلِّي مُنَاج رَبَّه. ولو عَلِمَ المُصَلِّي مَن يناجي ما التفت؛ أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يميناً ولا شمالاً في التسليم الذي هو التحليل. قوله جل ذكره: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ}. عندما انقلبت العصا حَيَّةً وَلَّى موسى مُدْبِراً ولم يعقب، وكان موضع ذلك أن يقول: حديثٌ أَوَّلُه تسليطُ ثعبان! مَنْ ذا يُطِيقُ أوَّلَه؟!. فقيل له: لا تَخَفْ يا موسى؛ إن الذي يَقْدِرُ أَنْ يَقْلِبَ العصا حيةً أن يَخْلُقَ لك منها السلامة: {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ}: ليس المقصودُ مِنْ هذا أنت، إنما أثبت هذا لأسلطَه على عدوِّك، فهذه معجزتُك إلى قومك، وآيتُك على عدوِّك. ويقال: شتان بين نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وبين موسى عليه السلام؛ رجع من سماع الخطاب وأتى بثعبان سَلّطَه على عدوِّه، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - رجع بعد ما أُسْرِيَ به إلى السماء، وأوحى إليه ما أوحى - لِيُوَافِيَ أُمَّتَه بالصلاة التي هي المناجاة، وقيل له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: "حديث : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ".
اسماعيل حقي
تفسير : {وان الق عصاك} عطف على ان ياموسى وكلاهما مفسر لنودى اى ونودى ان الق واطرح من يدك عصاك فالقاها فصارت حية فاهتزت {فلما رآها تهتز} اى تتحرك تحركا شديدا {كأنها جان} فى سرعة الحركة او فى الهيئة والجثة فانها انما كانت ثعبانا عند فرعون والجان حية كحلاء العين لاتؤذى كثيرة فى الدور {ولى مدبرا} اعرض حال كونه منهزما من الخوف {ولم يعقب} اى لم يرجع. قال الخليل عقب اى رجع على عقبه وهو مؤخر القدم فنودى {ياموسى اقبل} [بيش آي] {ولا تخف} [ومترس ازين مار] {انك من الآمنين} من المخاوف فانه لايخاف لدى المرسلون كما سبق فى النمل. فان قلت ماالفائدة فى القائها. قلت ان يألفها ولا يخافها عند فرعون اذا ناظره بقلب العصا وغيره من المعجزات كما فى الاسئلة المقحمة. وفيه اشارة الى القاء كل متوكأ غير الله فمن اتكأ على الله أمن ومن اتكا على غيره وقع فى الخوف. قال فى كشف الاسرار [جاى ديكر كفت خذها ولا تخف ياموسى عصا مى دار ومهر عصا دردل مدار وآنرابناه خود مكيراز روى اشارت بدنيا دار ميكويد دنيا ميدار ومهر دنيا در دل مدار وآنرابناه خود مساز] (حب الدنيا رأس كل خطيئة) ويقال شتان بين نبينا صلى الله عليه وسلم وبين موسى عليه السلام موسى رجع من سماع الخطاب واتى بثعبان سلطه على عدوه ونبينا عليه السلام اسرى به الى محل الدنو فاوحى اليه مااوحى ورجع واتى لامته بالصلاة التى هى المناجاة فقيل له السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته فقال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
الطوسي
تفسير : قرأ {من الرهب} بفتح الراء والهاء - ابن كثير ونافع وابو جعفر وابو عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الهاء - إلا حفصاً، فانه قرأ - بفتح الراء وسكون الهاء - وقرأ ابن كثير وابو عمرو {فذانك} مشددة النون. الباقون بالتخفيف. وقرأ نافع {رداً} بفتح الدال من غير همز منوناً. وقرأه ابو جعفر بالف بعد الدال من غير همز وغير تنوين. الباقون بسكون الدال وبعدها همزة مفتوحة منونة. وقرأ عاصم وحمزة {يصدقني} بضم القاف. الباقون بالجزم. الرهب والرهب لغتان مثل النهر والنهر، والسمع والسمع. وقيل في تشديد {ذانك} ثلاثة اقوال: احدها - للتوكيد، الثانى - للفرق بين النون التي تسقط للاضافة. وبين هذه النون. الثالث - للفرق بين بنية الاسم المتمكن وغير المتمكن. وروي عن ابن كثير انه قرأ {فذانيك} قال ابو علي: وجه ذلك انه أبدل من احدى النونين ياء، كما قالوا: تظنيت وتظننت. ومن جزم {يصدقني} جعله جواباً للامر وفيه معنى الشرط. وتقديره: إن ارسلته صدقني ومن رفع جعله صفة للنكرة. وتقديره ردءاً مصدقاً لي. وقال مقاتل: الرهب الكم، ويقال وضعت الشيء في رهبي اي في كمي، ذكر الشعبي انه سمع ذلك من العرب. ومن شدد {ذانك} جعله تثنية (ذلك) ومن خفف جعله تثنية (ذاك). اخبر الله تعالى انه لما قال لموسى {إني أنا الله رب العالمين} أمره ايضاً ان يلقي عصاه، وانه القاها أي طرحها واخرجها من يده إلى الارض فانقلبت باذن الله ثعباناً عظيماً {تهتز} باذن الله {كأنها جان} في سرعة حركته، وشدة اهتزازه، فعلم موسى عند ذلك ان الذي سمعه من الكلام صادر من الله، وان الله هو المكلم له دون غيره، لأن ذلك إنما يعلمه بضرب من الاستدلال. وقوله {ولى مدبراً، ولم يعقب} اي لم يرجع، اي خاف بطبع البشرية وتأخر عنها ولم يقف، فقال الله تعالى له {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} من ضررها. والعصا عود من خشب كالعمود، وفي انقلابه حية دليل على ان الجوهر من جنس واحد، لأنه لا حال ابعد إلى الحيوان من حال الخشب. وما جرى مجراه من الجماد، وذلك يقتضي صحة قلب الأبيض إلى حال الاسود، والاهتزاز شدة الاضطراب في الحركة، والحيوان له حركة تدل عليه إذا رإي عليها لا يشك في انه حيوان بها. وهي التصرف بالنفس من غير ريح، ولا سبب يولد التصرف مع كونه على البنية الحيوانية. وقيل: ان الله امره ان يدخل يده في فيها، ففعل فعادت عصاً كما كانت. ثم امره الله ان يسلك يده في جيبه، أي بأن يدخلها فيه، وكانت سمرة شديدة السمرة فلما اخرجها خرجت بيضاء نقية {من غير سوء} اى من غير برص. وقوله {واضمم إليك جناحك} قال ابن عباس ومجاهد: يعني يدك {من الرهب} يعني من الرعب، والفرق الذي لحقه لأجل الحية - في قول مجاهد، وقتادة - وقال قوم: ان معناه امر له بالعزم على ما اريد له مما امر به، وحثه على الجد فيه، ويمنعه ذلك من الخوف الذي لحقه، ولا يستعظم ذلك، فيكون ذلك مانعاً مما امر به، كما قال {سنشد عضدك بأخيك} ولم يرد خلاف الحل فكذلك الضم ليس يراد به الضم المزيل للفرجة. ومثله قول الشاعر: شعر : اشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيك ولا تجزع من الموت إذا حل يواديك تفسير : وانما يريد تاهب له. ثم قال {فذانك} يعني قلب العصا حية واخراج اليد البيضاء {برهانان} أي دليلان، واضحان من الله في ارسالك إلى فرعون واشراف قومه. ثم اخبر تعالى أن فرعون وقومه {كانوا قوماً فاسقين} خارجين من طاعة الله إلى معاصيه. ثم حكى تعالى ما قال موسى، فانه قال يا رب {إني قتلت منهم نفساً} يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه {فأخاف أن يقتلوني} بدله. وقال ايضاً {وأخي هارون هو افصح مني لساناً} لان موسى كان في لسانه عقدة ولم يكن كذلك هارون، وسأل الله تعالى أن يرسل هارون معه {ردءاً} أي عوناً، والردء العون الذي يدفع السوء عن صاحبه، ومنه ردء الشيء يردأه رداءاً فهو ردئ، فالرد المعين في دفع الردا عن صاحبه. ويقال: ردأته اردأه ردءاً إذا أعنته. واردأته ايضاً لغتان. وقوله {يصدقني} من جزمه جعله جواباً للامر، ومن رفعه جعله صفة للنكرة، وتقديره ردءاً مصدقاً {إني أخاف أن يكذبون} في ادعاء النبوة والرسالة، وقيل: ان موسى ما سأل ذلك إلا باذن الله، لانه لا يجوز ان يسأل نبي أن يرسل معه إنساناً آخر نبياً، وهو لا يعلم أنه يصلح لذلك، فلا يجاب اليه، فان ذلك ينفر عنه. فقال الله تعالى {سنشد عضدك بأخيك} أي سنقويك به بأن نقرنه اليك في الرسالة لنقوي بعضكما ببعض. {ونجعل لكما سلطاناً} يعني حجة وقوة، وهي التي كانت لهما بالعصا. والسلطان القوة التي يدفع بها على الأمر. والسلطان الحجة الظاهرة، وتقديره ونجعل لكما سلطاناً ثابتاً {فلا يصلون اليكما} فيه تقديم وتأخير. ثم قال تعالى {فلا يصلون إليكما} يعني فرعون، وقومه لا يتمكنون من قتلكما، ولا أذاكما، ثم قال {بآياتنا} أي بحججنا وبراهيننا {أنتما ومن اتبعكما} من بني إسرائيل وغيرهم {الغالبون} لفرعون، فعلى هذا يكون {أنتما} مبتدءاً، {ومن اتبعكما} عطفاً عليه {والغالبون} خبره و {بآياتنا} متعلق بقوله {الغالبون}. وعلى الوجه الآخر يكون {بآياتنا} متعلقاً بقوله {ويجعل لكما سلطاناً.... بآياتنا} قال الزجاج: يجوز أن يكون {بآياتنا} متعلقاً بقوله {فلا يصلون إليكما} بآياتنا وحججنا، وكل ذلك محتمل.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ} عطف على ان يا موسى {عَصَاكَ} فألقيها فصارت حيّةً حيّةً متحرّكة {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} هى الحيّة الّتى تكون كحلاء العينين لا توذى {وَلَّىٰ مُدْبِراً} ولم يكن خوفه (ع) من النّار وعدوه منها ولا خوفه من الحيّة نقصاً، بل الخوف منه فى مثل تلك الحال الّتى انسلخ فيها من كلّ الكثرات ورجع الى مقام الوحدة يدلّ على كماله وقوّة نفسه في مقام بشريّته لعدم زوال كثراته وعدم فنائه عن اهل مملكته فى مثل تلك الحال الّتى يفنى كلّ من حصلت له عن جميع كثراته وعن جميع اهل مملكته ولا يحفظ حقّ شيءٍ من كثراته، وحقّ البشريّة الخوف والفرار من النّار المحرقة ومن الحيّة الموذية وحفظ حقوق الكثرات فى مثل تلك الحال من اتمّ الدّلائل على الكمال، وهكذا الحال فى طلب الدّليل بعد سماع انّى انا الله من الشّجرة {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يلتفت الى عقبه او لم يرجع على عقبه بخلاف حال فراره من النّار {يٰمُوسَىٰ} قيل او نودى يا موسى {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} من المخاوف.
اطفيش
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها واهتزت. {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} تتحرك. {كَأَنَّهَا جَانٌّ} أي حية في الهيئة والخفة او في السرعة وقد مر ذلك. {وَلَّىَ مُدْبِراً} حال مؤكدة لعاملها وهو ولي فان التولية والادبار بمعنى وهو الرجوع الى خلف او توليتك ظهرك لغيرك مع الذهاب وقيل مدبرا بمعنى هاربا استعمالا للعام في الخاص فالحال مؤسسة. {وَلَمْ يُعَقِّبْ} لم يرجع اليها بعد توليه وادباره وقيل لم يلتفت وكان يراها تبلع الصخور والعظام والشجر العظام ويسمع صرير اسنانها والدخان خارج من ذلك. {يَا مُوسَى} أي فقيل له يا موسى. {أَقْبِلْ} أيتها. {وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} عن المخاوف فانه لا يخاف لدي المرسلون.
اطفيش
تفسير : {وأن ألْقِ عَصاك} أى فألقاها، فصارت تتحرك وتهتزّ {فلمَّا رآها تهتزُّ كأنَّها جانٌّ} حية صغيرة فى حفة الحركة والسرعة، وكأنها ثعبان عظيم فى عظم الجثة، أو تارة كالحية المذكورة، وتارة كالثعبان، وهكذا يجمع بين الآيات {ولَّى مُدبراً} حال مؤكدة لشدة هروبه خوفا {ولَمْ يعقِّب} لم يرجع {يا موسى} نودى، أو قيل: يا موسى، كما يناسب ما قبله، أو قلنا يا موسى كما هو أنسب بتعظيم الإخبار بالخطاب الذى زال خوفه به {أقْبِل} الى حيث النار {ولا تَخفْ} منا ولا مما رأيت من العصا {إنَّك من الآمنينَ} ممن رسخ له تحقيق الآمن من المخاوف لا يخاف لدى المرسلون. فذلك أقوى من أن يقال إنك آمن.
الالوسي
تفسير : {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } عطف على {أية : أَن يٰمُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 30] والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } فصيحة مفصحة عن جمل حذفت تعويلاً على دلالة الحال عليها وإشعاراً بغاية سرعة تحقق مدلولاتها أي فألقاها فصارت حية فاهتزت فلما رآها تهتز وتتحرك {كَأَنَّهَا جَانٌّ } هي حية كحلاء العين لا تؤذي كثيرة في الدور، والتشبيه بها باعتبار سرعة حركتها وخفتها لا في هيئتها وجثتها. فلا يقال: إنه عليه السلام لما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فكيف يصح تشبيهها بالجان، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد تشبيهها بها في الهيئة والجثة ولا ضير في ذلك لأن / لها أحوالاً مختلفة تدق فيها وتغلظ، وقيل: الجان يطلق على ما عظم من الحيات فيراد عند تشبيهها بها في ذلك والأولى ما ذكر أولاً {وَلَّىٰ مُدْبِراً } منهزماً من الخوف {وَلَمْ يُعَقّبْ } أي ولم يرجع {يٰمُوسَىٰ } أي نودي أو قيل: يا موسى {أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلأَمِنِينَ } من المخاوف فإنه لا يخاف لدى المرسلون.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَآهَا} {يٰمُوسَىٰ} {ٱلآمِنِينَ} (31) - ثُمَّ أَمرَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى قَائِلاً: أَلْقِ عَصَاكَ التِي هِيَ فِي يَدِكَ اليُمْنَى، فَأَلْقَاهَا فإِذا هِيَ تَهْتَزُّ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ كَأَنَّها جَانٌّ مِنَ الحَيَّاتِ، فَخَافَ مُوسَى، وَوَلَّى مُدْبِراً، وَلَمْ يَلْتَفِتْ (وَلَمْ يُعَقِّبْ)، فَقَالَ لَهُ اللهُ تَعَالَى: ارجِعُ إلى المَكَانِ الذِي كُنْتَ تَقِفُ فِيه أولاً، وَلاَ تَخَفْ فَلَنْ يُصِيبَكَ أذىً مِنها فهيَ عَصَاكَ، أردْنا أَنْ نُرِيَكَ فِيها آيةً كُبرَى، لِتَكُونَ عَوْناً لَكَ حِينَما تَذهَبُ إِلى فِرعَونَ، وَتَدعُوهُ إِلى عِبَادَةِ اللهِ. فَرَجَعَ مُوسَى وَوَقَفَ حَيْثُ كَانَ يَقِفُ. تَهْتَزُّ - تَتَحَرَّكُ بِشِدَّةٍ واضْطِرابٍ. كَأَنَّها جَانٌّ - حَيَّةٌ خَفِيفَةٌ في سُرْعَتِهَا وَحَرَكَتِها. لَم يُعَقَّبْ - لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبَيهِ أوْ لَمْ يَلْتَفِتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي موضع آخر يسأله ربه ليُؤنسه: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 17] وقلْنا: إن موسى - عليه السلام - أطال في هذا الموقف ليطيل مُدَّة الأُنْس بربه، فلما أحسَّ أنه أسرف وأطال قال: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] فأطنب أولاً ليزداد أُنْسه بربه، ثم أوجز ليظل أدبه مع ربه. أما هنا فيأتي الأمر مباشرة ليُوظِّف العصا: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ..} [القصص: 31]. وقوله: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ..} [القصص: 31] لأنه رأى عجيبة أخرى أعجب مما سبق فلو سلَّمنا باشتعال النار في خُضْرة الشجرة، فكيف نُسلِّم بانقلاب العصا جاناً يسعى ويتحرك؟ وكان من الممكن أنْ تنقلبَ العصا الجافة إلى شجرة خضراء من جنس العصا، وتكون أيضاً معجزة، أما أنْ تتحول إلى جنس آخر، وتتعدَّى النباتية إلى الحيوانية والحيوانية المتحركة المخيفة، فهذا شيء عجيب غير مألوف. وهنا كلام محذوف؛ لأن القرآن الكريم مبنيٌّ على الإيجاز، فالتقدير: فألقى موسى عصاه {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً ..} [القصص: 31] ذلك ليترك للعقل فرصة الاستنباط، ويُحرِّك الذِّهْن لمتابعة الأحداث. والجانُّ، قُلْنا هو فرخ الحية، وقد صُوِّرَتْ العصا في هذه القصة بأنها: جانٌّ، وثعبان، وحية. وهي صورة ثلاثة للشيء الواحد، فهي في خفَّتِها جانٌّ، وفي طولها ثعبان، وفي غِلَظها حية. ومعنى {وَلَّىٰ مُدْبِراً ..} [القصص: 31] يعني: انصرف خائفاً، {وَلَمْ يُعَقِّبْ ..} [القصص: 31] لم يلتفت إلى الوراء، فناداه ربه: {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ ..} [القصص: 31] يعني: ارجع ولا تخَفْ من شيء، ثم يعطيه القضية التي يجب أن تصاحبه في كل تحركاته في دعوته {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [القصص: 31] فلم يقل ارجع فسوف أؤمنك في هذا الموقف إنما {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [القصص: 31]. يعني: هي قضية مستمرة ملازمة لك؛ لأنك في مَعيّة الله، ومَنْ كان في معية الله لا يخاف، وإلا لو خِفْتَ الآن، فماذا ستفعل أمام فرعون. وهكذا يعطي الحق - سبحانه وتعالى - لموسى - عليه السلام - دُرْبة معه سبحانه، ودُرْبة حتى يواجه فرعون وسَحرته والملأ جميعاً دون خوف ولا وَجَل، وليكون على ثقة من نصر الله وتأييده في جولته الأخيرة أمام فرعون. وقد انتفع موسى - عليه السلام - بكل هذه المواقف، وتعلَّم من هذه العجائب التي رآها فزادتْه ثقةً وثباتاً؛ لذلك لما كاد فرعون أنْ يلحقَ بجنوده موسى وقومه، وقالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] استعاد موسى عليه السلام قضية {إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} [القصص: 31] فقال بملء فيه: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. فحيثية الثقة عند موسى - عليه السلام - هي معيّة الله له، قالها موسى، ويمكن أنْ تكذب في وقتها حالاً، فهاجم البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم، لكنها ثقة مَنْ أمَّنه الله، وجعله في معيَّته وحِفْظه. وهذا الأمن قد كفله الله تعالى لجميع أنبيائه ورسله، فقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-173]. وقال: {أية : يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [النمل: 10]. وقد قُصَّ هذا كله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فانتفع به ووثق في نصر الله، فلما قال له الصِّديق وهما في الغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميْه لرآنَا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين، الله ثالثهما ". تفسير : وحكى القرآن قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ..} تفسير : [التوبة: 40] وما دُمْنا في معيَّة مَنْ لا تدركه الأبصار، فلن تدركنا الأبصار. ثم ينقل الحق - تبارك - وتعالى - موسى عليه السلام إلى آية أخرى تضاف إلى معجزاته: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):