Verse. 3284 (AR)

٢٨ - ٱلْقَصَص

28 - Al-Qasas (AR)

اُسْلُكْ يَدَكَ فِيْ جَيْبِكَ تَخْــرُجْ بَيْضَاۗءَ مِنْ غَيْرِ سُوْۗءٍ۝۰ۡوَّاضْمُمْ اِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّہْبِ فَذٰنِكَ بُرْہَانٰنِ مِنْ رَّبِّكَ اِلٰى فِرْعَوْنَ وَمَلَا۟ىِٕہٖ۝۰ۭ اِنَّہُمْ كَانُوْا قَوْمًا فٰسِقِيْنَ۝۳۲
Osluk yadaka fee jaybika takhruj baydaa min ghayri sooin waodmum ilayka janahaka mina alrrahbi fathanika burhanani min rabbika ila firAAawna wamalaihi innahum kanoo qawman fasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اسلك» أدخل «يدك» اليمنى بمعنى الكف «في جيبك» هو طوق القميص وأخرجها «تخرج» خلاف ما كانت عليه من الأدمة «بيضاء من غير سوء» أي برص فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشى البصر «واضمم إليك جناحك من الرَّهَب» بفتح الحرفين وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه أي الخوف الحاصل من إضاءة اليد بأن تدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأولى وعبر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناح للطائر «فَذَانِّكَ» بالتشديد والتخفيف أي العصا واليد وهما مؤنثان وإنما ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره «برهانان» مرسلان «من ربك إلي فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين».

32

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} الآية؛ تقدّم القول فيه. {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} {من} متعلقة بـ{ـوَلَّى} أي ولّى مدبراً من الرهب. وقرأ حفص والسُّلَميّ وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق: {مِنَ الرَّهْبِ} بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر والكوفيون إلا حفص بضم الراء وجزم الهاء. الباقون بفتح الراء والهاء. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: {أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} تفسير : [الأنبياء: 90] وكلها لغات وهو بمعنى الخوف. والمعنى إذا هَالَك أمرُ يَدِك وشعاعها فأدخلها في جيبك وارددها إليه تعد كما كانت. وقيل: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية. عن مجاهد وغيره ورواه الضحاك عن ابن عباس؛ قال: فقال ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى عليه السلام، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. ويحكى عن عمر ابن عبد العزيز رحمه الله: أن كاتباً كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض. فقال له عمر: خذ قلمك واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. وقيل: المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف. وكان موسى يرتعد خوفاً إما من آل فرعون وإما من الثعبان. وضم الجناح هو السكون؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}تفسير : [الإسراء: 24] يريد الرفق. وكذلك قوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 215] أي ارفق بهم. وقال الفراء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب الكُمّ بلغة حمير وبني حنيفة. قال مقاتل: سألتني أعرابية شيئاً وأنا آكل فملأت الكف وأومأت إليها فقالت: هاهنا في رهبي. تريد في كُمّي. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول لآخر أعطني رهبك. فسألته عن الرهب فقال: الكُمّ؛ فعلى هذا يكون معناه اضمم إليك يدك وأخرجها من الكُم؛ لأنه تناول العصا ويده في كمه وقوله: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} يدلّ على أنها اليد اليمنى؛ لأن الجيب على اليسار. ذكره القشيري. قلت: وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدلّ على أن الجيب موضعه الصدر. وقد مضى في سورة «النور» بيانه. الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن الرهب الكُم بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغةٰ وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضى عربيتهم، ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية، وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل؛ على أن موسى صلوات الله عليه ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زُرْمَانِقَة من صوف لا كمين لها. قال القشيري: وقوله: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} يريد اليدين إن قلنا أراد الأمن من فزع الثعبان. وقيل: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي شمر واستعد لتحمل أعباء الرسالة. قلت: فعلى هذا قيل: {إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} أي من المرسلين؛ لقوله تعالى: {أية : إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ }تفسير : [النمل: 10]. قال ابن بحر: فصار على هذا التأويل رسولاً بهذا القول. وقيل: إنما صار رسولاً بقوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} والبرهانان اليد والعصا. وقرأ ابن كثير: بتشديد النون وخففها الباقون. وروى أبو عمارة عن أبي الفضل عن أبي بكر عن ابن كثير، {فَذَانِّيكَ} بالتشديد والياء. وعن أبي عمرو أيضاً قال لغة هذيل: {فَذَانِيكَ} بالتخفيف والياء. ولغة قريش {فَذَانِكَ} كما قرأ أبو عمرو وابن كثير. وفي تعليله خمسة أقوال: قيل شدّد النون عوضاً من الألف الساقطة في ذانك الذي هو تثنية ذا المرفوع، وهو رفع بالابتداء، وألف ذا محذوفة لدخول ألف التثنية عليها، ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين؛ لأن أصله فذاانك فحذف الألف الأولى عوضاً من النون الشديدة. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. مكي: وقيل إن من شدّد إنما بناه على لغة من قال في الواحد ذلك، فلما بنى أثبت اللام بعد نون التثنية، ثم أدغم اللام في النون على حكم إدغام الثاني في الأوّل، والأصل أن يدغم الأوّل أبداً في الثاني، إلا أن يمنع من ذلك علّة فيدغم الثاني في الأوّل، والعلّة التي منعت في هذا أن يدغم الأوّل في الثاني أنه لو فعل ذلك لصار في موضع النون التي تدلّ على التثنية لام مشدّدة فيتغير لفظ التثنية فأدغم الثاني في الأوّل لذلك؛ فصار نوناً مشدّدة. وقد قيل: إنه لما تنافى ذلك أثبت اللام قبل النون ثم أدغم الأوّل في الثاني على أصول الإدغام فصار نوناً مشدّدة. وقيل: شدّدت فرقاً بينها وبين الظاهر التي تسقط الإضافة نونه؛ لأن ذان لا يضاف. وقيل: للفرق بين الاسم المتمكن وبينها. وكذلك العلّة في تشديد النون في {اللذان} و{هذان}. قال أبو عمرو: إنما اختص أبو عمرو هذا الحرف بالتشديد دون كل تثنية من جنسه لقلة حروفه فقرأه بالتثقيل. ومن قرأ: {فَذَانِيكَ} بياء مع تخفيف النون فالأصل عنده {فَذَانِّكَ} بالتشديد فأبدل من النون الثانية ياء كراهية التضعيف، كما قالوا: لا أملاه في لا أَمَلُّه فأبدلوا اللام الثانية ألفاً. ومن قرأ بياء بعد النون الشديدة فوجهه أنه أشبع كسرة النون فتولدت عنها الياء. قوله تعالى: {فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً} يعني معيناً مشتق من أردأته أي أعنته. والردء العون. قال الشاعر:شعر : ألم تر أنّ أصْرمَ كان رِدئي وخيرَ الناسِ في قُلٍّ ومال تفسير : النحاس: وقد أردأه ورداه أي أعانه؛ وترك همزه تخفيفاً. وبه قرأ نافع: وهو بمعنى المهموز. قال المهدوي: ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أَردى على المائة أي زاد عليها، وكأن المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي. قاله مسلم بن جندب. وأنشد قول الشاعر:شعر : وأسمر خَطِّيًّا كأنّ كُعوبَه نوى القَسْب قد أردَى ذراعاً على العَشْر تفسير : كذا أنشد الماوردي هذا البيت: قد أردى. وأنشده الغزنوي والجوهري في الصحاح قد أرمى؛ قال: والقسب الصلب، والقسب تمر يابس يتفتت في الفم صلب النواة. قال يصف رمحاً: وأسمر. البيت. قال الجوهري: ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي فاسد، وأردأته أفسدته، وأردأته أيضاً بمعنى أعنته؛ تقول؛ أردأته بنفسي أي كنت له رِدءاً وهو العون. قال الله تعالى: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي}. قال النحاس: وقد حكي ردأته: رِدءاً وجمع ردءٍ أَرْدَاءٌ. وقرأ عاصم وحمزة: {يُصَدِّقُنِي} بالرفع. وجزم الباقون؛ وهو اختيار أبي حاتم على جواب الدعاء. واختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في {أَرْسِلْهُ} أي أرسله ردءاً مصدّقاً حالة التصديق؛ كقوله: {أية : أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ}تفسير : [المائدة: 114] أي كائنة؛ حال صرف إلى الاستقبال. ويجوز أن يكون صفة لقوله: {رِدْءاً}. {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} إذا لم يكن لي وزير ولا معين؛ لأنهم لا يكادون يفقهون عني، فـ{قَالَ} الله عزّ وجل له: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} أي نقوّيك به؛ وهذا تمثيل؛ لأن قوّة اليد بالعضد. قال طَرَفة:شعر : بَنِي لُبَيْنَى لستُمُ بيدٍ إِلاّ يداً ليست لها عَضد تفسير : ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك. وفي ضدّه: فتّ الله في عضدك. {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي حجة وبرهاناً. {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} بالأذى {بِآيَاتِنَآ} أي تمتنعان منهم {بِآيَاتِنَا} فيجوز أن يوقف على {إِلَيْكُمَا} ويكون في الكلام تقديم وتأخير. وقيل: التقدير {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} بآياتنا. قاله الأخفش والطبري. قال المهدوي: وفي هذا تقديم الصلة على الموصول، إلا أن يقدّر أنتما غالبان بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون. وعنى بالآيات سائر معجزاته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱسْلُكْ } ادخل {يَدَكَ } اليمنى بمعنى الكفّ {فِى جَيْبِكَ } هو طوق القميص وأخرجها {تَخْرُجْ} خلاف ما كانت عليه من الأدمة {بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } أي برص فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشي البصر {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } بفتح الحرفين وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه أي الخوف الحاصل من إضاءة اليد بأن تدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأولى وعبر عنها بالجناح لأنها للإِنسان كالجناح للطائر {فَذَانِكَ } بالتشديد والتخفيف أي العصا واليد وهما مؤنثان وإنما ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره {بُرْهَٰنانِ } مرسلان {مِن رَّبّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَٰسِقِينَ }.

القشيري

تفسير : قيل له: اسلُكْ يَدَكَ في جيبك، لأنَّ المدرعةَ التي كانت عليه لم يكن لها كُم. وفي هذا إِشارة إلى أنه ينبغي على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمَّر، وأن يجِدَّ، وأن يُخْرجَ يَدَه من كُمِّه. وإنه قال لموسى: أدْخِلْ يَدَكَ في جيبك تخرج بيضاءَ، وألق عصاكَ نجعلْها ثعباناً، بلا ضَرْبِكَ بها، وبلا استعمالِك لها يا موسى: الأمرُ بِنَا لا بِكَ، وأنا لا أنت. {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ}: يا موسى، في وصف خضوعك تَجِدني، وبتبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وَقُوَّتِك تَصِل إليَّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {اسلك يدك فى جيبك} ادخلها فى مدرعتك وهى ثوب من صوف يلبس بدل القميص ولا يكون له كم بل ينتهى كمه عند المرفقين: وبالفارسية [در آردست خودرا در كريبان جامه خود] {تخرج بيضاء} اى حل كونها مشرقة مضيئة لها شعاع كشعاع الشمس {من غير سوء} عيب كالبرص: يعنى [سفيدىء او مكروه منفر نباشد جون بياض برص] {واضمم اليك جناحك} جناح الانسان عضده ويقال اليد كلها جناح اى يديك المبسوطتين تتقى بهما الحية كالخائف الفزع بادخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس او بادخالهما فى الجيب فيكون تكرير لاسلك يدك لغرض آخر وهو ان يكون ذلك فى وجه العدو اظهار جرأة ومبدأ لظهور معجزة ويجوز ان يكون المراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من حال الطائر فانه اذا خاف نشر جناحيه واذا امن واطمأن ضمهما اليه فعلى هذا يكون تتميما لمعنى انك من الآمنين لاتكريرا لاسلك يدك {من الرهب} الرهب مخافة مع تحزن واضطراب اى من اجل الرهب اى اذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلدا او ضبطا لنفسك {فذانك} اشارة الى العصا واليد {برهانان} حجتان نيرتان ومعجزتان باهرتان وبرهان فعلان من قولهم ابره الرجل اذا جاء بالبرهان او من قولهم بره الرجل اذا ابيض ويقال برهاء وبرهة للمرأة البيضاء ونظيره تسمية الحجة سلطانا من السليط وهو الزيت لانارتها وقيل هو فعلال لقولهم برهن {من ربك} صفة لبرهانان اى كائنان منه تعالى واصلان {الى فرعون وملائه} ومنتهيان اليهم {انهم كانوا قوما فاسقين} خارجين عن حدود الظلم والعدوان فكانوا احقاء بان نرسلك اليهم بهاتين المعجزتين

الجنابذي

تفسير : {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} يعنى من غير علّة البرص فادخلها فى جيبه واخرجها منه فاضاءت له الدّنيا {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ} من اجل الرّهب حتّى يسكن خوفك فانّ وضع اليد والعضد على القلب يعين على سكونه عن اضطرابه {فَذَانِكَ} قرئ بتخفيف النّون وتشديدها {بُرْهَانَانِ} اى احياء العصا وابيضاض اليد ناشئان {مِن رَّبِّكَ} منتهيان {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} لمّا استفاد موسى (ع) انّ انتهاء البرهانين الى فرعون وملائه ليس الاّ على يده.

الهواري

تفسير : {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} أي: أدخل يدك في جيبك. أي: في جيب قميصك {تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: من غير برص. قال الحسن: أخرجها والله كأنها مصباح. {وَاضْمُم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي: يدك {مِنَ الرَّهْبِ} أي: من الرعب. قال بعضهم: أي: واضمم يدك إلى صدرك فيذهب ما في صدرك من الرعب، وكان قد دخله رعب وفَرَق من آل فرعون فأذهب الله ذلك عنه. قوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} أي: بيانان من ربك، يعني العصا واليد وقال بعضهم: برهانان، أي بيّنتان من ربّك. والبرهان في قول الحسن: الحجّة. أي: حجتان من ربك. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: وقومه {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} أي: مشركين. {قَالَ} موسى: {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} أي: القبطي {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}. {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} يعني العقدة التي كانت في لسانه. {فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدءًا} أي: عوناً، في تفسير الحسن. {يُصَدِّقُنِي}. وقال الكلبي: {مَعِي رِداً يُصَدِّقْنِي} أي: كيما يصدقني، أي: كي يكون معي في الرسالة. {إِنِّي أَخَافُ أَن يُّكَذِّبُونِ}.

اطفيش

تفسير : {اسْلُكْ} ادخل. {يَدَكَ} اليمين وهي الكف وأصابعها. {فِي جَيْبِكَ} هو طرف القميص. {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} وقد خرجت كالشمس وكالمصباح. {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي برص أو عيب ولقد بسط ذلك. {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ} أي الى نفسك كذا يقدرون في مثل ذلك حذرا من تسلط فعل على ضميرين لواحد الذي يظهر لي انه يجوز ذلك اذا كان تسلطه على أحدهما بحرف كما هنا فلا يحتاج الى تقدير. {جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر بضم الراء واسكان الهاء وقرأ بعض بضمهما وبعض بفتح الراء واسكان الهاء والجناح اليدان سماهما جناحا لأنه بسطهما يتقي بهما الحية ويد الانسان بمنزلة جناحي الطائر وانه اذا خاف بسطهما ومن للتعليل والرهب الخوف لما قلب الله العصا حية خاف واضطرب فاتقاها بيده كما يقدم الخائف من الشيء يده وقاية مع انها لا ترد عنه الحية فأمر بترك ذلك الاتقاء وبادخالها تحت إبطه فذلك هو الضم فيظهر للأعداء انك غير مكترث بتلك الحية مع اتيانك بتلك المعجزة التي هي الحية مع الأخرى وهي اليد البيضاء والرهب حاصل من الحية وقيل من اليد البيضاء وما من خائف بعد موسى إلا اذا وضع يده تحت ابطه زال خوفه تحت ابطه زال خوفه ولا سيما ان وضع هذه اليد تحت ابط هذه وهذه تحت ابط هذه كما هو المراد في الآية في احد احتمالات وقيل اذا وضع يده على صدره زال خوفه وبه قال ابن عباس وقيل المراد بضم الجناحخ ادخال اليدين معا في الجيب بعد قلب العصا اظهارا لعدم اكتراثه بالحية وهو غير ادخال السابق قبله وقيل أمر بضمهما لابطيه او لصدره لازالة الرهب الحاصل من بياضها وقيل حصل له رهب من بياضها فأمر بضمهما وهو ادخالهما في الكم وقيل المعنى اني اذا قلبت العصا حية أو أخرجت يدك بيضاء وحصل لك فزع فاز له بادخالها تحت الابطين وضمهما فيه الى الابطين كل واحد الى ابط الاخرى او أهالك شعاعها فافعل ذلك او اذا هالك خوف ما فافعل ذلك يزل ويجوز ان يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس عند انقلاب العصا حية وعند خروج اليد بيضاء حتى لا تضطرب استعادة من فعل الطائر فانه كما مر اذا خاف نشر جناحيه كما يروى ان كاتبا لعمر بن عبدالعزيز كان يكتب بين يديه فرخجت منه ريح فخجل فقام فضرب بقلمه الأرض فقال له عمر خذ قلمك واضمم اليك جناحك وليفرج روعك فاني ما سمعتها من احد اكثر مما سمعتها مني قال في (طه) {أية : واضمم يدك إلى جناحك }تفسير : وهنا {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحِكَ} لأن المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى وبالمضموم اليسرى وكل يد جناح ومجموعهما جناحان فيتحصل من السورتين معا انه ادخل يمناه تحت عضد يسراه وبالعكس وقيل الجناح اليدان فيتحصل ذلك من كل من السورتين وقيل الرهب الكم بلغة حمير وردة جار الله بأن لباسه وقت ذلك لا كم له وانه لا يطابق ذلك التفسير نظم الآية وانه لم يسمع ذلك من الاثبات الثقات الذين ترضى عربيتهم. {فَذانِكَ} وقرأ بعضهم بالتشديد وهو ابن كثير وابو عمرو ورويس والاشارة لليد والعصا وانما ذكرهما في الاشارة لان الخبر مذكر. {بُرهَانَانِ} حجتان سمي الحجة برهانا لبياضها وانارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام وبرهاء وبره الرجل ابيض والنون زائدة فالبرهان فعلان لما رأيت من اسقاط النون في ذلك وفي قولهم ابره الرجل اي اتى بالبرهان وقيل أصل لقولهم برهن بوزن فعلل لمدحرج لكن يحتمل زيادة النون للالحاق. {مِن رَّبِّكَ} أي اتيان او مرسلان من ربك. {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِيْهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} خارجين عن الطاعة فهم أحقاء ان يرسل اليهم او الفسق الشرك.

اطفيش

تفسير : {اسْلُك} أدخل {يدك} اليمنى {فى جَيْبك} مخرج العنق والرأس من الجبة والقميص وإطلاق الجيب على ما يخاط الى ذلك حقيقة عرفية في مضاب، وأصله المجاز لعلاقة الجوار، والمراد فى الآية المخرج المذكور. {تخرُجْ} وأخرجها تخرج {بيضاءَ} كالشمس تلمع وتغلب الأبصار {من غَيْر سُوءٍ} عيب كبرص، وكدوامها كذلك، وكتوقع ضر منها بذلك، {واضْمُم} عطف على ألْق بمعنى أنه أمر مطلقاً بضم اليد الى الجناح مطلقا إذا خاف لا بقيد الخوف من العصا، أو بياض اليد {إليْك} الى بدنك، والمراد جانبه {جَناحِكَ} الأيمن وهو اليد اليمنى، واليدان للإنسان كالجناحين للطائر فى الاستعانة، وأيضا يتقى بهما أمره بضم يده اليمنى الى ما يليها تحتها من البدن أو الى ما تحت الإبط من الجانب الآخر، أو أراد بالجناح الجنس، فالإضافة للجنس، فشمل اليدين بضم كل واحدة على ما يليها، أو على ما تحت إبط الأخرى، أو إحداهما على ما يليها، والأخرى تحت هذه، وفى ذلك كله زوال الخوف. قيل: أو بادخالهما معا فى الجيب بحضرة العدو كفرعون، إظهاراً بأنه لا تكترث به، وإذا ضم إليه جناحه زال خوفه من العصا فيقبضها بلا حاجة الى لف يده بشىء ككم قميصه بحضرة عدوه، وإذا أخرجها بيضاء عقب فعل العصا أبهم العدو بهما والله سبحانه وتعالى يعلمه ما يفعل بعد "أية : سنعيدها سيرتها الأولى"تفسير : [طه: 21] أو ضم جناحيه إليه عبارة عن أمره بالتجلد لا ضم اليد على الاستعارة بالكناية، شبه تجلده بتجلد الطائر عند الخوف، ورمز إليه بضم الجناح الذى هو فعل الطائر إذا خلى {من الرَّهْب} لأجل الخوف إذا جاءك من العصا، أو فرعون أو غيره. {فذانك} اهتزاز العصا، وبياض اليد، وهما مذكران، وإن أشير الى اليد والعصا وهما مؤنثان فالتذكير لتذكير الخبر {برهانان} حجتان نيرتان، أو قاطعتان من البره بمعنى البياض، أو من البره بمعنى القطع، والنون زائد، وأما قولهم برهن بمعنى أتى بالحجة فكلمة مولدة مبنية من الأصل، وما زيد للإلحاق بالرباعى، كما يزاد حرف رابع إلحاقاً بدحرج {من ربِّك الى فرعَوْن وملئه} متعلقان بنعت واحد، أى مرسلان من ربك الى فرعون وملئه على الاستمرار بعد، ولما كان ما فى الآية وقع بغير حضرة فرعون، احتاج بعض المحققين تقديرا ذهب بهما الى فرعون وملئه {إنهم} أى فرعون وملئه {كانُوا قَوماً فاسقين} مبالغين فى الخروج عن الحق الدينى والدينوى، ويقوى تقدير اذهب بقوله: {قال ربِّ} يا رب {إِنِّى قَتلتُ منْهُم نَفْساً فأخافُ أن يقْتُلون} بها فإنه ولو ناسب قوله: مرسلان الى فرعون وقومه إلا أنه أنسب باذهب، إذ قد يخبر بالعصا واليد بلا ذهاب، وأراد موسى بقوله: {رب إنى} الخ التضرع الى الله عز وجل، بأنه قد فعل فيهم ما يشتد معه عليه لقاؤهم، وأن يمده بما يبلغ الرسالة بلا إخلال، ومن شأن اليهود الكفر حتى زعموا عن التوراة كذبا عليها أنه قال: أرسل غيرى، فيكون قال كقولهم: "أية : فاذهب أنت وربك"تفسير : [المائدة: 24] إلخ، وإنما ذلك منه استعداد كما قال: {وأخى هارونَ} بدل {هو أفْصَح منِّى لساناً فأرسْله معى ردءًا يُصدقُنى} يقوّ صدقى بقوة كلامه، أو يظهره، وإذا قال مثل قوله، أو زاد ما يناسبه، فذلك تصديق حقيقة وعرفا، ولا تختص بأن يقول صدقت، أو صادق كما قيل {إنِّى أخافُ أن يكذِّبون} أفصح اسم تفضيل ومن تفضيلية ولموسى فصاحة فهو فصيح الجواب، أن المراد بالفصاحة هنا قدر ما يفهمون عنه ولو ببعض تكلف، وردئى زيادة لموسى من رديت عليه زدت: كما هو بصورة ياء، وأما على أنه من الردأ بالهمزة بمعنى المعين نقلت حركتها الى الدال فمن شذوذ خط المصحف، إذ كتب بالياء لا بالألف ثم تحققت أنه بالألف فى النسخ المغربية.

الالوسي

تفسير : {ٱسْلُكْ يَدَكَ } أي أدخلها {فِى جَيْبِكَ } هو فتح الجبة من حيث يخرج الرأس {تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } أي عيب {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } أي من أجل المخالفة، قال مجاهد وابن زيد أمره سبحانه بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوى قلبه، وقال الثوري: خاف موسى عليه السلام أن يكون حدث به سوء فأمره سبحانه أن يعيد يده إلى جنبه لتعود إلى حالتها الأولى فيعلم أنه لم يكن ذلك سوءاً بل آية من الله عز وجل؛ وقريب منه ما قيل: المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها فاضممها إليك يسكن خوفك. وفي «الكشاف» فيه معنيان: أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله تعالى العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومعنى {من الرهب} من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك، جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه، ومعنى {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } وقوله تعالى: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرعب اهـ، وضم الجناح على الثاني كناية عن التجلد والضبط نحو قوله:شعر : اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك تفسير : وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعار من فعل الطائر عند هذه الحالة ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلاً فيه وكناية عنه، وعليه يكون تتميماً لمعنى {أية : إِنَّكَ مِنَ ٱلأَمِنِينَ }تفسير : [القصص: 31] وهذا مأخوذ من كلام أبـي علي الفارسي فإنه قال: هذا أمر منه سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحض على الجد فيه لئلا يمنعه الجد الذي يغشاه في بعض الأحوال عما أمر بالمضي فيه. وليس المراد بالضم الضم المزيل للفرجة بين الشيئين وهو أبعد عن المناقشة مما ذكره الزمخشري، ومثله في البعد عن المناقشة ما قاله البقاعي: من أنه أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند خروج يده بيضاء حتى لا يحذر ولا يضطرب من الخوف. وأراد بأحد التفسيرين الوجه الأول لأن المعنى عليه أدخل يدك اليمنى تحت عضدك اليسرى، وقال بعضهم: إن المعنى اضمم يديك المبسوطتين بإدخال اليمنى تحت العضد الأيسر واليسرى تحت الأيمن أو بإدخالهما في / الجيب. وظاهره أنه أريد بالجناح الجناحان، وقد صرح الطبرسي بذلك في نحو ما ذكر وقال: إنه قد جاء المفرد مراداً به التثنية كما في قوله:شعر : يداك يد إحداهما الجود كله وراحتك اليسرى طعان تغامره تفسير : فإن المعنى يداك يدان بدلالة قوله إحداهما. وفي «الكشاف» أيضاً من بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون: أعطني ما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة؟ وهل سمع من الأثبات الثقات التي ترضي عربيتهم؟ ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل؟ على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين لها اهـ. وما أشار إليه من أن ذاك لا يطابق بلاغة التنزيل مما لا ريب فيه فإن الذاهبين إليه قالوا: المعنى عليه واضمم إليك يدك مخرجة من الكم لأن يده كانت في الكم؛ وهو معنى كما ترى ولفظه أقصر منه في الإفادة. وأما أمر سماعه عن الأثبات فقد تعقبه في «البحر» بأنه مروي عن الأصمعي وهو ثقة ثبت. وقال الطيبـي: قال محـي السنة: قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك أي ما في كمك. وزعم بعضهم أن استعمال الرهب في الكم لغة بني حنيفة أيضاً وهو عندهم وكذا عند حمير بفتح الراء والهاء. والحزم عندي عدم الجزم بثبوت هذه اللغة. وعلى تقدير الثبوت لا ينبغي حمل ما في التنزيل الكريم عليها. والظاهر أن {من الرهب} متعلق باضمم وقال أبو البقاء: هو متعلق بولي. وقيل بمدبراً. وقيل بمحذوف: أي تسكن من الرهب، وقيل باضمم. ولا يخفى ما في تعلقه بسوى اضمم وإن أشار إلى تعلقه بولى أو مدبراً كلام ابن جريج على ما أخرجه عنه ابن المنذر حيث جعل الآية من التقديم والتأخير. والمراد ولي مدبراً من الرهب. وقرأ الحرميان: {مِنَ ٱلرَّهْبِ } بفتح الراء والهاء، وأكثر السبعة بضم الراء وإسكان الهاء. وقرأ قتادة، والحسن وعيسى والجحدري بضمهما والكل لغات. {فَذَانِكَ } أي العصا واليد والتذكير لمراعاة الخبر وهو قوله تعالى: {بُرْهَانَـٰنِ } وقيل: الإشارة إلى انقلاب العصا حية بعد إلقائها وخروج اليد بيضاء بعد إدخالها في الجيب فأمر التذكير ظاهر، والبرهان الحجة النيرة وهو فعلان لقولهم: أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من بره الرجل إذا ابيض ويقال للمرأة البيضاء: برهاء وبرهرهة. وقال بعضهم: هو فعلان من البره بمعنى القطع فيفسر بالحجة القاطعة، وقيل: هو فعلال لقولهم برهن ونقل عن الأكثر أن برهن مولد بنوه من لفظ البرهان، وقرأ أبو عمرو وابن كثير {فذانك} بتشديد النون وهي لغة فيه، فقيل: إنه عوض من الألف المحذوفة من ذا حال التثنية لألفها نون وأدغمت، وقال المبرد: إنه بدل من لام ذلك كأنهم أدخلوها بعد نون التثنية، ثم قلبت اللام نوناً لقرب المخرج وأدغمت وكان القياس قلب الأولى لكنه حوفظ على علامة التثنية، وقرأ ابن مسعود وعيسى وأبو نوفل وابن هرمز وشبل (فذانيك) بياء بعد النون المكسورة وهي لغة هذيل، وقيل: بل لغة تميم، ورواها شبل عن ابن كثير، وعنه أيضاً (فذانيك) بفتح النون قبل الياء على لغة من فتح نون التثنية نحو قوله:شعر : على أحوذيين استقلت عشية فما هي إلا لمحة وتغيب تفسير : وعن ابن مسعود أنه قرأ بتشديد النون مكسورة بعدها ياء، قيل وهي لغة هذيل، وقال المهدوي: بل لغتهم تخفيفها. و {مِنْ } في قوله تعالى: {مِن رَبّكَ } متعلق بمحذوف هو صفة لبرهانان أي كائنان من ربك و {إِلَىٰ } في قوله سبحانه: {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَملَئِهِ} متعلق بمحذوف أيضاً هو على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم صفة بعد صفة له أي واصلان إليهم، وعلى ما يقتضيه ظاهر كلام آخرين حال منه أي مرسلاً أنت بهما إليهم. وفي «البحر» أنه متعلق بمحذوف دل عليه المعنى تقديره اذهب إلى فرعون {إِنَّهُمْ } أي فرعون وملأه {كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } أي خارجين عن حدود الظلم والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك بهاتين المعجزتين الباهرتين إليهم، والكلام في {كانوا} يعلم مما تقدم في نظائره.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَذَانِكَ} {بُرْهَانَانِ} {َمَلَئِهِ} {فَاسِقِينَ} (32) - وَقَالَ اللهُ تَعَالى لِمُوسَى: أَدْخِلْ يَدَكَ في فَتْحَةِ ثَوبِكَ عِنْدَ الصَّدرِ (جَيْبِكَ) فَإِنَّهَا سَتَخْرُجُ بَيْضَاءَ تَتَلأْلأُ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَلا مَرَضٍ، فَفَعَلَ فَخَرَجَتْ بَيْضَاءَ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْخَلَهَا، فَعَادَتْ إِلى خِلْقَتِهَا الأُولى. ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَضُمَّ إِليهِ جَنَاحَهُ (عَضُدَهُ - أَو يَدَهُ) إِذا شَعَرَ بِخَوْفٍ فَيزُولَ الخَوفُ عنْهُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِمُوسَى إِنَّهُ جَعَلَ العَصَا حَيَّةً تَسْعَى، وَجَعَلَ يَدَهُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ إِذا أَدْخَلَها فِي جَيبهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ آيةً وبُرهَاناً لَهُ مِنْ رَبِّه، عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَنْ جَرَتْ هَاتَانِ الخَارقَتَانِ عَلَى يَديهِ. ثُمَّ أَمَرهُ اللهُ تَعَالى بِأَنْ يَتَوجَّهَ بِهَاتَينِ الآيَتَيْنِ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ لِيَدْعُوَهُمْ إِلى عِبادَةِ اللهِ تَعَالى، وإِلى الإِيمانِ بهِ، لأَنَّهُمْ قَومٌ ظَالِمُونَ، فَاسِقُونَ، خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {ٱسْلُكْ يَدَكَ ..} [القصص: 32] يعني: أدخلها {فِي جَيْبِكَ ..} [القصص: 32] الجيب: فتحة الثوب من أعلى، وسَمَّوْها جَيْباً؛ لأنهم كانوا يجعلون الجيوب مكان حِفْظ الأموال في داخل الثياب حتى لا تُسرق، فكان الواحد يُدخِل يده في قبَّة الثوب لتصل إلى جيبه. ونلحظ هنا دقة الأداء القرآني {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ ..} [القصص: 32] ولم يقُلْ بصيغة الأمر: وأخرجها كما قال {ٱسْلُكْ يَدَكَ ..} [القصص: 32] وكأن العملية عملية آلية منضبطة بدقة، فبمجرد أن يُدخِلها تخرج هي بيضاء، فكأن إرادته على جوارحه كانت في الإدخال، أما في الإخراج فهي لقدرة الله. وكلمة {بَيْضَآءَ ..} [القصص: 32] أي: مُنوّرة دون مرض، والبياض لا بُدَّ أن يكون عجيباً في موسى - عليه السلام - لأنه كان أسمر اللون؛ لذلك قال {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..} [القصص: 32] حتى لا يظنوا به بَرصاً مثلاً، فهو بياض طبيعي مُعْجِز. وقوله تعالى: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ ..} [القصص: 32] الجناحان في الطائر كاليدين في الإنسان، وإذا أراد الإنسان أن يعوم مثلاً يفعل كما يفعل الطائر حين يطير، فالمعنى: اضمُمْ إليك يديك يذهب عنك الخوف. وهذه العملية يُصدِّقها الواقع، فنرى المرأة حين ترى ولدها مثلاً يسئ التصرف تضرب صَدْرها وتولول، وسيدنا ابن عباس يقول: كل من خاف يجب عليه أن يضرب صدره بيديه ليذهب عنه ما يلاقي، ولك أن تُجرِّبها لتعلم صِدْق هذا الكلام. ومعنى {فَذَانِكَ ..} [القصص: 32] ذا: اسم إشارة للمفرد ونقول: ذان اسم إشارة للمثنى، والكاف للخطاب، والمراد: الإشارة لمعجزتي العصا واليد {بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ..} [القصص: 32] أي ربك الحق {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ ..} [القصص: 32] الرب الباطل، ولا يمكن أنْ يجتمع الحق والباطل، لا بد للباطل أنْ يزهق؛ لأنه ضعيف لا يصمد أمام قوة الحق {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ..}تفسير : [الأنبياء: 18]. والبرهان: هو الحجة والدليل على صِدْق المبرهَن عليه {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ..} [القصص: 32] لأن فرعون ادَّعى الألوهية، وملؤه استخفهم فأطاعوه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [القصص: 32] أي: جميعاً فرعون والملأ {فَاسِقِينَ} [القصص: 32] أي: خارجين عن الطاعة من قولنا فسقتِ الرُّطَبة يعني: خرجتْ من قشرتها. والمراد هنا الحجاب الديني الذي يُغلِّف الإنسان، ويحميه ويعصمه أنْ يتأثر بعوامل المعصية، فإذا انسلخ من هذا الثوب، ونزع هذا الحجاب، وتمرَّد على المنهج تكشفتْ عورته، وبانتْ سَوْءَته.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {مِنَ ٱلرَّهْبِ} [الآية: 32]. يعني: من الفرق. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ} [الآية: 32]. قال: العصا واليد. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {رِدْءاً} [الآية: 34]. قال: عونا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} [الآية: 35]. قال: يقول: نجعل لكما حجة بآياتنا {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} [الآية: 35]. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن المبارك عن ابن جريج في قوله: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} [الآية: 38]. قال: يعني على المدر. يقول أطبخه. يعني: الآجر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} معناه يَدُكَ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أمر سبحانه ثانياً؛ تأكيداً لتأنيسه إياه بقوله: {ٱسْلُكْ} وأدخل {يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ} على الفور {بَيْضَآءَ} مضيئة منيرة، محيرة للعقول والأبصار؛ من كمال إشراقها وضوئها، مع أنها {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: مرض من برص وبهق، فأدخل وأخرج فرأى ما رأى {وَ} بعدما رأى موسى يده في غاية البياض والصفاء استوحش أيضاً منها واسترهب عن عروض المرض إليها، أمره سبحانه ثالثاً؛ إزالة لحزنه بقوله: {ٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي: يديك، وأطوِ كشحك {مِنَ ٱلرَّهْبِ} أي: الخوف والحزن، وهذا كناية عن الطمأمنينة والوقار، وعدم إخطار الخوف في البال. {فَذَانِكَ} أي: العصا واليد والبيضاء {بُرْهَانَانِ} أي: شاهدان على نبوتك ورسالتك، ومعجزتان باهرتان لك لمن يعارض معك وأنكر عليك رسالتك، منتشئان {مِن} أمر {رَّبِّكَ} تأييداً لك ولأمرك حين أرسلك {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} لتدعوهم إلى توحيد الحق وصراط مستقيم، وتنذرهم عمَّا هم عليه من الإفراط والتفريط {إِنَّهُمْ} من غاية انهماكهم في الغفلة والغرور {كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [القصص: 32] خارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة في شرائع الأنبياء الماضين، والرسل المنقرضين. ثمَّ لمَّا سمع موسى من ربه ما سمع {قَالَ} معتذاراً مستظهراً: {رَبِّ} يا من رباني بسوابق النعم {إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} خطأ، وأنت أعلم به مني {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [القصص: 33] ويبادرون إلى قتلى قبل دعوتهم إلى دينك وتوحيدك لو ذهبت إليهم وحيداً فريداً بلا ظهير ومعين. {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} وأوضح بياناً، وأتم تقريراً وتبياناً {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ} وأشركه في أمري؛ ليكون {رِدْءاً} أي: معاوناً في أمري {يُصَدِّقُنِي} لدى الحاجة {إِنِّيۤ} من كمال عداوتهم معي، وشدة شكيمتهم وغضبهم عليَّ {أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34] دفعة، ولا ينطلق لساني بمجادلتهم؛ بسبب لكنتي فأفوت بلكنتي حكمة رسالتي، وأحكام دعوتي ونبوتي. {قَالَ} له سبحانه على وجه التأييد والتعضيد: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} ونقويك {بِأَخِيكَ} مع ذلك لا تيأس من توفيقنا إياك؛ إذ بعدما أرسلناكما إلى فرعون وملئه {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} حجة قاطعة بها تغلبان عليهم {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} بقهر واستيلاء {بِآيَاتِنَآ} أي: بسبب آياتنا التي معكما، ولا تخافا عن غلبتهم عليكما؛ بسبب شوكتهم وكثرة عَددهم وعُددهم، بل {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا} من المؤمنين هم {ٱلْغَالِبُونَ} [القصص: 35] المقصورون على الغلبة، لا تتعدة الغلبة عنكم، وهم المغلوبون المنحصرون على المغلوبية، لا يتجاوزون عنها أصلاً. {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ} مؤيداً {بِآيَاتِنَا} الدالة على صدقها في دعواه، مع كونها {بَيِّنَاتٍ} ظاهرات واضحات أنها من عندنا بلا تردد وريب {قَالُواْ} من كمال قسوتهم وانهماكهم في الضلال: {مَا هَـٰذَآ} الذي أتى به على صورة المعجزة والبرهان {إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} اختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله افتراءً وترويجاً لباطله من صورة الحق {وَ} من شدة حرصه على ترويج ما زخرفه من عند نفسه سمَّاه ديناً وهدايةً ورشداً، ونسبه إلى الوحي والإنزال من الإله الواحد الموهوم، مع أنَّا {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي: بوحدة الإلهة المرسل للرسل، والمنزل للكتب بالوحي والإلهام، الواضع للأديان والشرائع بين الأنام كائناً ثابتاً {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [القصص: 36] إن هو إلا إفك افتراه، ولبَّس على الأنام أمره؛ تغريراً عليهم، وتضليلاً لهمز {وَ} بعدما أبصروا الآيات القاطعة والبراهين الساطعة، ونسبوها من غاية غيهم وضلالهم إلى لاسحر والشعوذة، مع أنها بمراحل عنها {قَالَ مُوسَىٰ} بعدما قنط من إيمانهم وصلاحهم: {رَبِّيۤ} الذي رباني بأنواع الكرامات {أَعْلَمُ} منِّي {بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} والرشد المنزل {مِنْ عِندِهِ} بمقتضى وحيه وإلهامه، ومن اهتدى واسترشد به {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} يعني: العاقبة الحميدة المترتبة على هذه النشأة التي هي دار الابتلاء والاختبار، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه بمقتضى عدله وحكمته {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} [القصص: 37] الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية، ولا يفوزون بما فاز المتقون من المثوبة العظمى والدرجة العليا.

همام الصنعاني

تفسير : 2203- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مِنَ ٱلرَّهْبِ}: [الآية: 32]، قال: من الرعب.