٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } تفسير : [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من الله تعالى ما يقوي قلبه ويزيل خوفه فقال: {رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } لأنه كان في لسانه حبسة، إما في أصل الخلقة، وإما لأجل أنه وضع الجمرة في فيه عندما نتف لحية فرعون. أما قوله: {فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي } ففيه أبحاث: البحث الأول: الردء اسم ما يستعان به، فعل بمعنى مفعول به، كما أن الدفء اسم لما يدفأ به، يقال ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشب أو غيره لئلا يسقط. البحث الثاني: قرأ نافع (رداً) بغير همز والباقون بالهمز، وقرأ عاصم وحمزة (يصدقني) برفع القاف، ويروى ذلك أيضاً عن أبي عمرو والباقون بجزم القاف وهو المشهور عن أبي عمرو، فمن رفع فالتقدير ردءاً مصدقاً لي، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني أن أرسلته صدقني ونظيره قوله: { أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى } تفسير : [مريم: 5، 6] بجزم الثاء من يرثني. وروى السدي عن بعض شيوخه ردءاً كيما يصدقني. البحث الثالث: الجمهور على أن التصديق لهرون، وقال مقاتل: المعنى كي يصدقني فرعون والمعنى أرسل معي أخي حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون. البحث الرابع: ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد، ألا ترى إلى قوله: {وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ } وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا في مجرد قوله: صدقت. البحث الخامس: قال الجبائي: إنما سأل موسى عليه السلام أن يرسل هرون بأمر الله تعالى وإن كان لا يدري هل يصلح هرون للبعثة أم لا؟ فلم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أو لا يكون حكمة، ويحتمل أيضاً أن يقال إنه سأله لا مطلقاً بل مشروطاً على معنى، إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقوله الداعي في دعائه. البحث السادس: قال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي بواحد وآية واحدة. قال القاضي والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين، لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم، وإن لم ينظر فالحالة واحدة، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة، فإما إذا اختلفت وأمكن في إحداهما إزالة الشبهة ما لا يمكن في الأخرى، فغير ممتنع أن يختلفا ويصلح عند ذلك أن يقال إنهما بمجموعهما أقوى من إحداهما على ما قاله السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهرون عليهما السلام، لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة. أما قوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } فاعلم أن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد، يقال في دعاء الخير شد الله عضدك، وفي ضده فت الله في عضدك. ومعنى سنشد عضدك بأخيك سنقويك به، فإما أن يكون ذلك لأن اليد تشتد لشدة العضد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور، وإما لأن الرجل شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة. أما قوله: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } فالمقصود أن الله تعالى آمنه مما كان يحذر فإن قيل بين تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة وإن كانت هذه الآيات ظاهرة، قلنا إن الآية التي هي قلب العصا حية كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهرون عليهما السلام، لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة فجمعت بين الأمرين، فأما صلب السحرة ففيه خلاف فمنهم من قال ما صلبوا وليس في القرآن ما يدل عليه وإن سلمنا ذلك ولكنه تعالى قال: {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } فالمنصوص أنهم لا يقدرون على إيصال الضرر إليهما وإيصال الضرر إلى غيرهما لا يقدح فيه، ثم قال: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ } والمراد إما الغلبة بالحجة والبرهان في الحال، أو الغلبة في الدولة والمملكة في ثاني الحال والأول أقرب إلى اللفظ. أما قوله: {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا بَيّنَـٰتٍ } فقد بينا في سورة طه أنه كيف أطلق لفظ الآيات وهو جمع على العصا واليد. أما قوله: {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } فقد اختلفوا في مفترى، فقال بعضهم المراد أنه إذا كان سحراً وفاعله يوهم خلافه فهو المفترى، وقال الجبائي المراد أنه منسوب إلى الله تعالى وهو من قبله فكأنهم قالوا هو كذب من هذا الوجه ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم: {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ءابَائِنَا ٱلأَوَّلِينَ } أي ما حدثنا بكونه فيهم، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا مثله، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى عليه السلام ومجيئه بما جاء به. واعلم أن هذه الشبهة ساقطة لأن حاصلها يرجع إلى التقليد ولأن حال الأولين لا يخلو من وجهين، إما أن لا يورد عليهم بمثل هذه الحجة فحينئذ الفرق ظاهر أو أورد عليهم فدفعوه فحينئذ لا يجوز جعل جهلهم وخطئهم حجة، فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد {رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم اعتراضاً عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعاً ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو قوله: {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ } من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى: { أية : أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ * جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } تفسير : [الرعد: 22، 23] وقوله: { أية : وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّار } تفسير : [الرعد: 42] والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر؟ قلنا إنه قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازاً إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم.
ابن كثير
تفسير : لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فراراً منه وخوفاً من سطوته {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} يعني: ذلك القبطي، {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي: إذا رأوني، {وَأَخِي هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} وذلك أن موسى عليه السلام كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة حين خير بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي وَٱجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَـٰرُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } تفسير : [طه: 27 ــــ 32] أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد، ولهذا قال: {وَأَخِي هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءًا} أي: وزيراً ومعيناً، ومقوياً لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل، لأن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}. وقال محمد بن إسحاق: {فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ} أي: يبين لهم عني ما أكلمهم به؛ فإنه يفهم عني ما لا يفهمون، فلما سأل ذلك موسى، قال الله تعالى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} أي: سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبياً معك؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وقال تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 53] ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبياً ورسولاً معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى: {أية : وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} تفسير : [الأحزاب: 69]. وقوله تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً} أي: حجة قاهرة، {فَلاَ يَصِلُونَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـآيَـٰتِنَآ} أي: لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما؛ بسبب إبلاغكما آيات الله؛ كما قال تعالى: {أية : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67] وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} تفسير : [الأحزاب: 39] أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً ومؤيداً، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21] وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51] إلى آخر الآية، ووجه ابن جرير على أن المعنى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا}، ثم يبتدىء فيقول: {بِـآيَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} تقديره أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً } هو القبطي السابق {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } به.
الشوكاني
تفسير : لما سمع موسى قول الله سبحانه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبِّك إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} طلب منه سبحانه أن يقوّي قلبه، فقال: {رَبّ إِنّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً } يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } بها. {وَأَخِى هَـارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَاناً } لأنه كان في لسان موسى حبسة كما تقدّم بيانه، والفصاحة لغةً: الخلوص، يقال: فصح اللبن، وأفصح: فهو فصيح، أي خلص من الرغوة، ومنه فصح الرجل: جادت لغته، وأفصح: تكلم بالعربية. وقيل: الفصيح: الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق. وأما في اصطلاح أهل البيان فالفصاحة: خلوص الكلمة عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس. وفصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف، والتعقيد. وانتصاب {رِدْءاً } على الحال، والردء: المعين، من أردأته، أي أعنته، يقال: فلان ردء فلان: إذا كان ينصره، ويشدّ ظهره، ومنه قول الشاعر:شعر : ألم تر أن أصرم كان ردئي وخير الناس في قلّ ومال تفسير : وحذفت الهمزة تخفيفاً في قراءة نافع، وأبي جعفر، ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم: أردى على المائة: إذا زاد عليها، فكان المعنى: أرسله معي زيادة في تصديقي، ومنه قول الشاعر:شعر : وأسمر خطياً كأن كعوبه نوى القسب قد أردى ذراعاً على العشر تفسير : وروي البيت في الصحاح بلفظ قد أربى، والقسب: الصلب، وهو الثمر اليابس الذي يتفتت في الفم، وهو صلب النواة. {يُصَدّقُنِي } قرأ عاصم وحمزة: {يصدقني} بالرفع على الاستئناف، أو الصفة لـ {ردءاً}، أو الحال من مفعول أرسله، وقرأ الباقون بالجزم على جواب الأمر، وقرأ أبي وزيد بن عليّ: "يصدقون" أي فرعون وملؤه {إِنّي أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة. {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي نقويك به، فشدّ العضد كناية عن التقوية، ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك، وفي ضدّه: فتّ الله في عضدك. قرأ الجمهور: {عضُدك} بفتح العين. وقرأ الحسين وزيد ابنا عليّ بضمها. وروي عن الحسن أيضاً أنه قرأ بضمة وسكون. وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما. {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً } أي حجة وبرهاناً، أو تسلطاً عليه، وعلى قومه {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة، و{بِـئَايَـٰتِنَا } متعلق بمحذوف، أي تمتنعان منهم بآياتنا، أو اذهبا بآياتنا. وقيل: الباء للقسم، وجوابه {يصلون} وما أضعف هذا القول. وقال الأخفش وابن جرير: في الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ } بآياتنا، وأوّل هذه الوجوه أولاها، وفي: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ } تبشير لهما، وتقوية لقلوبهما. {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا بَيّنَـٰتٍ } البينات: الواضحات الدلالة، وقد تقدّم وجه إطلاق الآيات، وهي جمع على العصا، واليد في سورة طه {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } الذي جئت به من دعوى النبوّة، أو ما سمعنا بهذا السحر {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي كائناً، أو واقعاً في آبائنا الأوّلين. {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ } يريد نفسه، وإنما جاء بهذه العبارة؛ لئلا يصرّح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة، والله أعلم. قرأ الجمهور: {وقال موسىٰ} بالواو، وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن: "قال موسىٰ" بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً: "ومن يكون عاقبة الدار" بالتحتية على أن اسم يكون عاقبة الدار. والتذكير لوقوع الفصل؛ ولأنه تأنيث مجازي، وقرأ الباقون: {تكون} بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى، والمراد بالدار هنا: الدنيا، وعاقبتها: هي الدار الآخرة، والمعنى: لمن تكون له العاقبة المحمودة، والضمير في: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } للشأن أي: إن الشأن أنه لا يفلح الظالمون أي لا يفوزون بمطلب خير، ويجوز أن يكون المراد بعاقبة الدار خاتمة الخير. وقال فرعون: {يٰأَيُّهَا ٱلْملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}: تمسك اللعين بمجرّد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه، وقد كان يعلم أنه ربه الله عزّ وجلّ، ثم رجع إلى تكبره، وتجبره، وإيهام قومه بكمال اقتداره فقال: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } أي: اطبخ لي الطين حتى يصير آجرًّا {فَٱجْعَل لّي صَرْحاً } أي اجعل لي من هذا الطين الذي توقد عليه حتى يصير آجرًّا صرحاً، أي قصراً عالياً {لَّعَلّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } أي أصعد إليه {وَإِنّى لأظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } والطلوع والإطلاع واحد، يقال: طلع الجبل واطلع {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } المراد بالأرض: أرض مصر، والاستكبار: التعظم بغير استحقاق، بل بالعدوان؛ لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } أي فرعون، وجنوده، والمراد بالرجوع البعث والمعاد. قرأ نافع، وشيبة وابن محيصن وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي: "لاَ يَرْجِعُونَ" بفتح الياء وكسر الجيم مبنياً للفاعل. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الجيم مبنياً للمفعول، واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد. {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ } بعد أن عتوا في الكفر، وجاوزوا الحدّ فيه {فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ } أي طرحناهم في البحر، وقد تقدّم بيان الكلام في هذا {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي انظر يا محمد كيف كان آخر أمر الكافرين حين صاروا إلى الهلاك؟ {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } أي صيرناهم رؤساء متبوعين مطاعين في الكافرين، فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون أتباعهم إلى النار؛ لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليداً لهم. وقيل: المعنى: إنه يأتمّ بهم أي: يعتبر بهم من جاء بعدهم، ويتعظ بما أصيبوا به، والأول أولى {وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ } أي لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله {وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً } أي: طرداً وإبعاداً، أو أمرنا العباد بلعنهم، فكل من ذكرهم لعنهم، والأوّل أولى. {وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ } المقبوح: المطرود المبعد. وقال أبو عبيدة وابن كيسان: معناه: من المهلكين الممقوتين. وقال أبو زيد: قبح الله فلاناً قبحاً وقبوحاً أبعده من كل خير. قال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبحت بالتشديد، ومثله قول الشاعر:شعر : ألا قبح الله البراجم كلها وقبح يربوعاً وقبح دارما تفسير : وقيل: المقبوح المشوّه الخلقة، والعامل في يوم محذوف يفسره من المقبوحين، والتقدير: وقبحوا يوم القيامة. أو هو معطوف على موضع في هذه الدنيا، أي وأتبعناهم لعنة يوم القيامة، أو معطوف على لعنة على حذف مضاف، أي ولعنة يوم القيامة. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني: التوراة {مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأَولَىٰ } أي: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. وقيل: من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون. وانتصاب {بَصَائِرَ للنَّاسِ } على أنه مفعول له أو حال، أي آتيناه الكتاب لأجل يتبصر به الناس، أو حال كونه بصائر للناس يبصرون به الحق ويهتدون إليه وينقذون أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء به. {وَرَحْمَةً } لهم من الله رحمهم بها {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } هذه النعم، فيشكرون الله، ويؤمنون به، ويجيبون داعيه إلى ما فيه خير لهم. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: {رِدْءاً يُصَدّقُنِي } كي يصدقني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: لما قال فرعون {يٰأَيُّهَا ٱلْملأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } قال جبريل: يا ربّ طغى عبدك فائذن لي في هلكه، فقال: يا جبريل هو عبدي، ولن يسبقني، له أجل قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل، فلما قال: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } قال الله: يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي وقد جاء أوان هلاكه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : كلمتان قالهما فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } وقوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 24]"تفسير : قال: "حديث : كان بينهما أربعون عاماً {فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ }» تفسير : [النازعات: 25]. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني أن فرعون أوّل من طبخ الآجرّ. وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج البزار وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة، ألم تر إلى قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ }تفسير : . وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سعيد موقوفاً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {رِدْءاً} فيه وجهان: أحدهما: عوناً، قاله مجاهد. الثاني: زيادة، والردء الزيادة وهو قول مسلم بن جندب وأنشد قول الشاعر: شعر : وأسمر خطيّــــاً كأن كعوبه نوى القسب قد أردى ذِراعــاً على العشر
ابن عطية
تفسير : كان موسى عليه السلام قد امتحن بمخاوف فطلب شد العضد بأخيه {هارون} لأنه كان فصيح اللسان سجيح الخلق، وقرأ الجمهور "ردءاً" بالهمز، وقرأ نافع وحده "رداً" بتنوين الدال دون همز وهي قراءة أبي جعفر والمدنيين وذلك على التخفيف من ردء، والردء الوزر المعين والذي يسند إليه في الأمر، وذهبت فرقة إلى أنها من معنى الزيادة كما قال الشاعر [القرطبي]: [الطويل] شعر : وأسمر خطّي كأن كعوبه نوى القسب قد أردى ذراعاً على العشر تفسير : وهذا على ترك الهمز وأن يكون وزنه فعلا، وقرأ الجمهور "يصدقْني" بالجزم وذلك على جواب {فأرسله}، وقرأ عاصم وحمزة "يصدقني" أي مصدقاً فهو صفة للردء أو حال، و" شد العضد" استعارة في المعونة والإنهاض، وقرأ الحسن بضم العين "عضُد"، وقرأ عيسى بن عمر بفتح العين والضاد، و"السلطان"، الحجة، وقوله {بآياتنا} يحتمل أن تتعلق الباء بقوله {ونجعل لكما} أو بـ {يصلون} وتكون باء السبب، ويحتمل أن تتعلق بقوله {الغالبون} أي تغلبون بآياتنا، والآيات هي معجزاته عليه السلام، ولما كذبوه ورموه بالسحر قارب موسى عليه السلام في احتجاجه وراعه تكذيبهم فرد الأمر إلى الله عز وجل وعول على ما سيظهره في شأنهم وتوعدهم بنقمة الله تعالى منهم، وقرأ ابن كثير "قال موسى" بغير واو، وقرأ غيره وجميع السبعة "وقال" بواو، وقرأ الجمهور "تكون" بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي "يكون" بالياء على التذكير إذ هي بمنزلة العاقب فهي كالصوت والصيحة والوعظ والموعظة، واستمر فرعون في طريق مخرقته على قومه وأمر {هامان} بأن يطبخ له الآجر وأن يبني له {صرحاً} أي سطحاً في أعلى الهواء، وليس الصرح إلا ما له سطح، ويحتمل أن يكون الإيقاد على الطين كالبرامي، وترجى بذلك بزعمه أن يطلع في السماء، فروي عن السدي أنه بناه أعلى ما يمكن ثم صعد فيه ورمى بالنبل فردها الله تعالى إليه مخضوبة بالدم ليزيدهم عمى وفتنة، فقال فرعون حينئذ: إني قتلت إله موسى، ثم قال {وإني لأظنه من الكاذبين} يريد في أن موسى أرسله مرسل، فالظن على بابه وهو معنى إيجاب الكفر بمنزلة التصميم على التكذيب، وقرأ حمزة والكسائي ونافع "لا يَرجِعون"، وقرأ الباقون والحسن وخالد "لا يرجعون" بضم الياء وفتح الجيم.
النسفي
تفسير : {قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} به بغير يا ء وبالياء: يعقوب { وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ } حفص {رِدْءاً } حال أي عونا يقال ردأته أعنته، وبلا همز: مدني {يُصَدّقُنِى } عاصم وحمزة صفة أي ردأ مصدقاً لي، وغيرهما بالجزم جواب لـــــ {أرسله} ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه لا أن يقول له صدقت، ألا ترى إلى قوله {هو أفصح مني لساناً فأرسله} وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان لا لقوله صدقت فسحبان وباقل فيه يستويان {إِنّى أَخَافُ أَنْ يُكَذّبُونِ}. {يكذبوني} في الحالين: يعقوب { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } سنقويك به إذ اليد تشد بشدة العضد لأنه قوام اليد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً } غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـايَـٰتِنَا } الباء تعلق بـــــ {يصلون} أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام، أو بـــــ {نجعل لكما سلطاناً} أي نسلطكما بآياتنا أو بمحذوف أي إذهبا بآياتنا، أو هو بيان لـــــ {الغالبون} لا صلة، أو قسم جوابه {لا يصلون} مقدماً عليه {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ }
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} اعلم أنه تعالى لمَّا قال: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}تفسير : [القصص: 32] تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من يقوِّي قلبه فقال: {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً}، لأنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه عندما (نتف لحية) فرعون. قوله "هُوَ أَفْصَحُ" الفصاحة لغةً الخلوصُ، ومنه: فصُحَ وأَفْصَحَ فهو مفصِحٌ وفصيحٌ، أي: خلُصَ من الرِّغوة، ومنه قولهم: شعر : 3996 - وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الفَصِيحُ تفسير : ومنه: فصُحَ الرَّجُلُ جادت لغته، وأفصح: تكلَّم بالعربية، وقيل: بالعكس، وقيل: الفصيح، الذي ينطق، والأعجم: الذي لا ينطق، ومن هذا استعير أَفصحَ الصُّبحُ، أي: بَدَا ضوؤُهُ، وأفصح النصراني: دنا فصحُه بكسر الفاء، وهو عيد لهم. وأما في اصطلاح أهل البيان، فهو خُلُوص الكلمة من تنافر الحروف، كقوله: تَرَعَى الهُعْخُعَ، ومن الغرابة كقوله: شعر : 3997 - وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا تفسير : ومن مخالفة القياس اللُّغوي كقوله: شعر : 3998 - العَــلِـــيِّ الأَجْـلَــــلِ تفسير : وخلوص الكلام منن ضعف التأليف كقوله: شعر : 3999 - جَــزَى رَبُّــهُ عَنِّــي عَـدِيَّ بْـنَ حَاتِـمٍ تفسير : ومن تنافر الكلمات كقوله: شعر : 4000 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَـانِ قَفْرٍ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْــرُ تفسير : ومن التعقيد وهو إما إخلال نظم الكلام فلا يُدْرَى كيف يتوصل إلى معناه، كقوله: شعر : 4001 - وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكاً أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُه تفسير : وإما عدم انتقال الذهب من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي هو لازمه والمراد به ظاهِراً كقوله: شعر : 4002 - سَأَطْلُبُ بَعْدَ الدَّارَ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا تفسير : وخلوص (المتكلم من) النطق بجميع ذلك، فصارت الفصاحة يوصف بها ثلاثة أشياء: الكلمةُ والكلامُ والمتكلمُ، بخلاف البلاغة فإنه لا يوصف بها إلا الأخيران، وهذا ليس (موضع) إيضاحه وإنما ذكرناه تنبيهاً على أصله، ولساناً: تمييز. قوله "رَِدْءاً" (منصوب) على الحال، والرِّدْءُ: العَوْنُ وهو فعل بمعنى مفعول كالدِّفْء بمعنى المدفوء به، وَرَدَأتُهُ على عدوه أي: أَعنتُهُ عليه، وردأْتُ الحائط: دعمتُهُ بخشبةٍ لِئلاَّ يسقط، وقال النحاس: يقال: رَدَأْتُهُ وَأَرْدَأْتُهُ، وقال سلامة بن جندل: شعر : 4003 - وَرِدْئِي كل أَبْيَضَ مَشْرَفيٍّ شَحِيذَ الحدِّ أبيض ذِي فُلُولِ تفسير : وقال آخر: شعر : 4004 - ألم تر أنَّ أَصْرَمَ كان رِدْئِي وَخَيْرُ النَّاسِ في قُلٍّ ومَالِ تفسير : وقرأ نافع بغير همزة "رِداً" بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينوِّنْه، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلاَّ هُنا، وقيل: ليس نَقْلٌ وإنما هو من أردى على كذا، أي: زَادَ، قال: شعر : 4005 - وَأَسْمَرَ خَطِّيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْدَى ذِرَاعاً على العَشْرِ تفسير : أي: زاد، وأنشده الجوهري (قد أَرْبَى)، وهو بمعناه. قوله: "يُصَدِّقُنِي" قرأ حمزة وعاصم بالرفع على الاستئناف أو الصفة لـ "رِدْءاً" أو الحال من (هاء) "أَرْسِلْهُ"، أو من الضمير في "رِدْءاً"، أي: مصدِّقاً، والباقون بالجزم جواباً للأمر، وزيد بن علي وأُبيّ "يُصَدِّقُونِي"، أي: فرعون وملأه، قال ابن خالويه: هذا شاهد لِمَنْ جزم، لأنه لو كان رفعاً، لقال: "يُصَدِّقُونَنِي". يعني بنونين، وهذا سهو من ابن خالويه، لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجه: أحدها: الحذف، فهذا يجوز أن يكون مرفوعاً، وحذفت نونه، فمن رفع القاف فالتقدير ردءاً يصدقني، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني: إن أرسلته صدَّقني، ونظيره: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي}تفسير : [مريم: 5-6]، وروى السُّدِّي عن بعض شيوخه: "ردءاً كَيْمَا يُصَدِّقني". والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يُصدِّقنِي فرعون {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} يعني فرعون وقومه، وقال ابن الخطيب: ليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له صدقت أو يقول الناس: صَدَقَ مُوسَى، وإنما هو أن يخلص بلسانه الفصيح وجوه الدلائلِ ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ألا ترى إلى قوله {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ}، وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا مجرد قوله: "صَدقت". فصل قال السُّدِّيّ: إنَّ نبيَّيْن وآيتين أقوى من نبيٍّ واحدٍ وآية واحدة قال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأمَّا مِنْ حيث الدلالة فلا فرق بين معجز ومعجزين. قوله "عَضُدَكَ" العامة على فتح العين وضم الضاد، والحسن وزيد بن علي (بضمهما) وعن الحسن بضمة وسكون، وعيسى بفتحهما، وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد، وفيه لغة سادسة فتح العين وسكون الضاد، وهذا كناية عن التقوية له بأخيه وكان هارون يومئذ بمصر. قوله {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي: حُجَّةً وبرهاناً {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا}. فإن قيل: بيَّن تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات، أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة؟ فإن كانت هذه الآيات ظاهرة فالجواب: أن الآية التي هي قلب العصا حيَّة كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون، لأنهم علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة، وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهُم ذلك عن الإقدام عليها، فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة وجمعت بين الأمرين، وأما صلب السَّحرة ففيه خلاف، فقيل: إنهم ما صُلِبوا، وليس في القرآن ما يدل على ذلك، وإن سلم فوصول الضرر لغيرهما لا يقدح في عدم الوصول إليهما. قوله: "بآياتِنَا" يجوز فيه أوجه أن يتعلق بـ "نَجْعَلُ" أو بـ "يَصِلُونَ" أو بمحذوف أي: اذهبا، أو على البيان فيتعلق بمحذوف أيضاً، أو بـ "الغَالِبُونَ" على أن (أل) ليس موصولة أو موصُولة، واتِّسع فيه ما لا يتسع في غيره، أو قسمٌ وجوابه متقدم، وهو "فَلاَ يَصِلُونَ"، أو من لغو القسم، قالهما الزمخشري، ورد عليه أبو حيان بأن جواب القسم لا تدخله الفاء عند الجمهور. ويريد: بلغو القسم أن جوابه محذوف أي: وحقّ آياتِنَا لَتَغْلِبُنَّ، ثم قال: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} أي: لكما ولأتباعكما الغلبة. قوله: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} واضحات وقد تقدم كيفية إطلاق لفظ الآيات - وهو جمع - على العصا واليد في سورة طه. {قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} مختلق، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم، وهو قولهم {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي: ما حُدِّثنا بهذا الذي تدعونا إليه. قوله: "وقَالَ مُوسَى" هذه قراءة العامة بإثبات واو العطف، وابن كثير حذفها. وكل وافق مصحفه، فإنها ثابتة في المصاحف غير مصحف مكة؛ وإثباتها وحذفها واضحان، وهو الذي يسميه أهل البيان: الوَصْلُ والفَصْلُ. قوله {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ} بالمحق من المبطل. قوله: "وَمَنْ تَكُونُ" قرأ العامة "تكون" بالتأنيث، و "لَهُ" خبرها، و "عَاقِبَةُ" اسمها، ويجوز أن يكون اسمها ضمير القصة، والتأنيث لأجل ذلك. و {لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} جملة في موضع الخبر، وقرىء بالياء من تحت على أن تكون "عَاقِبَةُ" اسمها، والتذكير للفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبر كما تقدم، ويجوزُ أن تكون تامة وفيها ضمير يرجع إلى "مَنْ" والجملة في موضع الحال، ويجوز أن تكون ناقصة واسمها ضمير "مَنْ" والجملة خبرها، والمعنى: "مَنْ يَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ" أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ جَنَّاتٌ عَدْنٍ}تفسير : [الرعد: 22-23]، والمراد من الدار: الدُّنيا. وعاقبتها وعقباها أنْ يُخْتَم للعبد بالرحمة والرضوان، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ}، أي: الكافرون.
البقاعي
تفسير : ولما كان كأنه قيل: ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق؟ قيل: ثبت، علماً منه بصعوبة المقام وخطر الأمر، فاشترط لنفسه حتى رضي، وتلك كانت عادته ثباتاً وحزماً، وحلماً وعلماً، ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه السلام والتحية والإكرام من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة، ولذلك كله {قال رب} أي أيها المحسن إليّ {إني} أكده لأن إرسال الله سبحانه له فعل من لا يعتبر أن لهم عليه ترة، فذكر ذلك ليعلم وجه عدم اعتباره {قتلت منهم} أي آل فرعون {نفساً} وأنت تعلم ما خرجت إلا هارباً منهم من أجلها {فأخاف} إن باديتهم، بمثل ذلك {أن يقتلون*} لذنبي إليهم ووحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج. ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف، كان التقدير: فأرسل معي أخي هارون - إلى آخره، غير أنه قدم ذكره اهتماماً بشأنه فقال: {وأخي هارون} والظاهر أن واوه للحال من ضمير موسى عليه الصلاة والسلام، أو عاطفة على مقول القول، والمعنى أنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول، لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها، وصرح بما يكفي من الثاني، فكأن التقدير: إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود، ولا يحمني من ذلك إلا أنت، وإن لساني فيه عقدة، وأخي - إلى آخره؛ وزاد في تعظيمه بضمير الفصل فقال: {هو أفصح مني لساناً} أي من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون {فأرسله} أي بسبب ذلك {معي ردءاً} أي معيناً، من ردأت فلاناً بكذا، أي جعلته له قوة وعاضداً، وردأت الحائط - إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط؛ وقراءة نافع بغير همز من الزيادة. ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه، نبه على ذلك بإجابة السؤال بقوله: {يصدقني} أي بأن يلخص بفصاحته ما قتله وبينته، ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحاً، فيكون - مع تصديقه لي بنفسه - سبباً في تصديق غيره لي؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءاً. ثم علل سؤاله هذا، وبين أنه هو المراد، لا أن يقول له: صدقت، فإن قوله لهذه اللفظة لا تعلق له بالفصاحة حتى يكون سبباً للسؤال فيه، بقوله مؤكداً لأجل أن من كان رسولاً عن الله لا يظن به أن يخاف: {إني أخاف أن يكذبون*}. ولما كان ما رأى من الأفعال، وسمع من الأقوال، مقتضياً للأمن من أن يكذبوه، وكان عالماً بما هم عليه من القساوة والكبر، أشار إلى ذلك بالتأكيد، أي وإذا كذبوني عسرت عليّ المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم عند تمالؤ الخصوم على العناد، والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل، وقريب من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بإنذار قومه " حديث : إذن يثلغوا رأسي فيجعلوه خبزة"تفسير : وكأن مراد السادة القادة عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام الاستعلام عن الأمر هل يجري على العادة أو لا؟ فإن كان يجري على العادة وطنوا أنفسهم على الموت، وإلا ذكر لهم الأمر الخارق فيكون بشارة لهم، ليمضوا في الأمر على بصيرة، ويسيروا فيه على حسب ما يقتضيه من السيرة. ولما أكد أمر الطلب بهارون عليهما الصلاة والسلام، أكد له سبحانه أمر الإجابة بقوله مستأنفاً: {قال سنشد} وذكر أولى الأعضاء بمزاولة المكاره فقال: {عضدك} أي أمرك {بأخيك} أي سنقويك ونعينك به إجابة لسؤالك صلة منك لأخيك، وعوناً منه لك {ونجعل لكما سلطاناً} أي ظهوراً عظيماً عليهم، وغلبة لهم بالحجج والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف {فلا} أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا {يصلون إليكما} بنوع من أنواع الغلبة {بآياتنا} أي نجعل ذلك بسبب ما يظهر على أيديكما من الآيات المعظمة بنسبتها إلينا، ولذلك كانت النتيجة {أنتما ومن اتبعكما} أي من قومكما وغيرهم {الغالبون*} أي لا غيرهم، وهذا يدل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء مما هددهم به، لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين لأنفسهم في الله، وكأنه حذف أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوده بدليل ما كرر من ذكرهم، وقد كشفت العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده، بل من حزب الله وجنده، ومع ذلك فقد أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها، وسيأتي في آخر سورة الحديد عن تاريخ ابن عبد الحكم أنهم خلصوا ورجع بعضهم إلى مصر فكانوا أول من ترهب. شرح ما مضى من التوراة، قال بعدما تقدم: وكان من بعد أيام كثيرة مات فرعون ملك مصر فاستراح بنو إسرائيل من شدة تعبدهم، فصلوا فسمع الله صلاتهم، وعرف تعبدهم، وسمع ضجتهم، وذكر عهده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأبصر الله بني إسرائيل، وعرف ذلهم، فكان موسى يرعى غنم يثرو ختنه حبر مدين، فساق بالشاء إلى طرف البرية وأتى إلى حوريب جبل الله، فتراءى له ملك الله بلهب النار من جوف العوسج، تشتعل فيه النار، ولم يكن العوسج يحترق، فقال موسى: لأعدلن فأنظر إلى هذه الرؤيا العظيمة؛ ما بال هذه العوسجة لم تحترق؟ فرأى الرب أنه قد عدل لينظر، فدعاه الله من جوف العوسج وقال له: يا موسى يا موسى! فقال: هأنذا! قال: لا تدن إلى ههنا، اطرح خفيك عن قدميك، لأن المكان الذي أنت واقف عليه مكان طاهر، وفي نسخة: مقدس، وقال الله: أنا إله أبيك إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، فغطى موسى وجهه لأنه فرق أن يمد بصره نحو الرب، وقال الرب: إني قد رأيت ذل شعبي بمصر، وسمعت ضجتهم التي ضجوا من تعبدهم، لأني عارف براءتهم، فنزلت لأخلصهم من أيدي المصريين، وأن أصعدهم من تلك الأرض إلى أرض صالحة واسعة، تغل السمن والعسل: أرض الكنعانيين والحاثانيين والأمورانيين والفرزانيين والحاوانيين واليابسانيين، والآن هو ذا ضجيج بني إسرائيل قد ارتفع إليّ، ورأيت ضر المصريين لهم، فهبطت الآن حتى أرسلك إلى فرعون. وأخرج شعبي بني إسرائيل من مصر، فقال موسى للّه: من أنا حتى أنطلق إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر، فقال الله: أنا أكون معك وهذه الآية لك أني أرسلتك: إنك إذا أخرجت الشعب من مصر تعبدون الله في هذا الجبل، فقال موسى: ها أنذا منطلق إلى بني إسرائيل وأقول لهم: الرب إله آبائكم أرسلني إليكم، فإن قالوا لي: ما اسمه؟ ما الذي أقول؟ فقال الرب لموسى: قل لهم: الأزلي الذي لم يزل، وفي نسخة: لا يزول، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل: أهيا شر أهيا أرسلني إليكم، وقال الرب أيضاً لموسى هكذا قل لبني إسرائيل: الله ربكم إله آبائكم إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب أرسلني إليكم هذا اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى حقب الأحقاب، انطلق فاجمع أشياخ بني إسرائيل وقل لهم: الرب إله آبائكم اعتلن لي، وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لكم: قد ذكرتكم وذكرت ما صنع بكم بمصر، ورأيت إخراجكم من تعبد أهل مصر إلى ارض الكنعانيين - ومن تقدم معهم - إلى الأرض التي تعل السمن والعسل، فإذا قبلوا منك فادخل أنت وأشياخ بني إسرائيل إلى ملك مصر فقولوا له: الرب إله العبرانيين ظهر علينا فننطلق الآن مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح الذبائح لله ربنا، وأنا أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تخرجون، ولا بيد واحدة شديدة، حتى أبعث بآفتي وأضرب المصريين بجميع العجائب التي أحدثها فيهم، ومن بعد ذلك يرسلكم فأجعل للشعب في أعين المصريين رأفة ورحمة، فإذا انطلقتم فلا تنطلقوا عطلاً صفراً، بل تستعير المرأة منكم من جاراتها وساكنة بيتها حلي ذهب وفضة وكسوة، وألبسوها بنيكم وبناتكم، وأخربوا أهل مصر، فأجاب موسى وقال: إنهم لا يصدقونني، ولا يقبلون قولي، لأنه يقولون: لم يتراءى لك الرب، فقال له الرب: ما هذه التي في يدك؟ فقال: هي عصاي، فقال: ألقها في الأرض، فألقاها في الأرض، فصارت ثعباناً، فهرب منه موسى، فقال له الرب: يا موسى! مد يدك، فخذ بذنبها، فمد يده فأمسكه فتحول في يده عصا، فقال: لكي يصدقوا أن الله إله آبائهم قد تراءى لك، إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب، وقال الرب لموسى: اردد يدك في ردنك، وفي نسخة: في كمك، فأدخلها ثم أخرجها فإذ بيده بيضاء كالثلج، فقال له: اردد يدك في حضنك، وفي نسخة: في كمك، فردها ثم أخرجها فإذا هي مثل جسده، فإن هم لم يؤمنوا ولم يسمعوا بالآية الأولى فإنهم يؤمنون ويسمعون بالآية الأخرى، فإن لم يؤمنوا بالآيتين، ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من الأرض، وفي نسخة: النيل، فاصببه على الأرض، فإنه ينقلب ويصير دماً في اليبس، فقال موسى للرب: أطلب إليك يا رب لست رجلاً ناطقاً منذ أمس ولا قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك فيه، لأني ألثغ المنطق عسر اللسان، فقال له الرب: من الذي خلق المنطق للإنسان؟ ومن الذي خلق الأخرس والأصم والمبصر والمكفوف؟ أليس أنا الرب الذي أصنع ذلك؟ فانطلق الآن وأنا أكون معك، وراقباً للسانك وألقنك ما تنطق به، فقال: موسى أطلب إليك يا رب! أرسل في هذه الرسالة غيري، فقال: هذا أخوك هارون اللاوي، قد علمت أنه ناطق لسن، وهو أيضاً سيلقاك، ويشتد فرحه بك، وأخبره بالأمر، ولقنه كلامي، وأنا أكون راقباً على فيك وفيه وأعلمكما ما تصنعان، وهو يكلم الشعب عنك؛ فيكون لك مترجماً، وأنت تكون له إلهاً، وفي نسخة: أستاذاً ومدبراً، وخذ في يديك هذه العصا لتعمل بها الآيات، فرجع موسى منطلقاً إلى ثيرو ختنه وقال له: إني راجع إلى إخوتي بمصر، وناظر هل هم أحياء بعد؟ فقال: ثيرو لموسى: انطلق راشداً سالماً، وقال الرب لموسى في مدين: انطلق راجعاً إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوا جميعاً - إلى آخر ما مضى في الأعراف، وفي هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في شرعنا على مخلوق، وهو الإله، وهو في لغة العبرانيين بمعنى العالم والحاكم، وفيه أيضاً أن فرعون مات قبل رجوع موسى فإن كان المراد الذي ربى موسى عليه الصلاة والسلام في بيته فهو مما بدلوه.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} بمقابلتِها {وَأَخِي هَـارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً} أي مُعيناً وهو في الأصلِ اسمُ ما يُعان به كالدِّفءِ، وقُرىء (رِدَاً) بالتخفيف {يُصَدّقُنِى} بتلخيصِ الحقِّ وتقريرِ الحجَّةِ بتوضيحِها وتزيـيفِ الشُّبهةِ {إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ} ولسانِي لا يُطاوعني عند المُحاجةِ. وقيل المرادُ تصديقُ القومِ لتقريرِه وتوضيحِه لكنَّه أسندَ إليه إسناد الفعلِ إلى السببِ. وقُرىء يصدقْني بالجزمِ على أنَّه جوابُ الأمرِ {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} أي سنقويكَ به فإنَّ قوَّةَ الشَّخصِ بشدة اليدِ على مُزاولةِ الأمورِ ولذلكَ يعبّرُ عنه باليدِ وشدَّتِها بشدَّة العضدِ {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً} أي تسلطاً وغلبةً وقيل حجَّةً وليس بذاكَ {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} باستيلاءٍ أو محاجة {بِـئَايَـٰتِنَا} متعلقٌ بمحذوفٍ قد صُرِّح به في مواضعَ أُخَر أي اذهَبا بآياتِنا، أو بنجعل أي تسلطكما بآياتِنا أو بمعنى لا يصَلون أي تمتنعونَ منهم بها، وقيل هو قسمٌ وجوابُه لا يصلونَ وقيلَ هو بـيانٌ للغالبونَ في قولِه تعالى: {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ} بمعنى أنَّه صلةٌ لِمَا يبـينُه أو صلةٌ له على أنَّ اللامَ للتعريفِ لا بمعنى الذي {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا بَيّنَـٰتٍ} أي واضحات الدِّلالةِ على صحَّةِ رسالةِ مُوسى عليه السَّلام منه تعالى، والمرادُ بها العَصَا واليدُ إذ هُما اللتانِ أظهرَهُما مُوسى عليه السَّلام إذْ ذاكَ، والتَّعبـيرُ عنْهمَا بصيغةِ الجمعِ قد مرَّ سرُّه في سورةِ طه. {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي سحرٌ مختلقٌ لم يُفعل قبلَ هذا مثلُه أو سحرٌ تعمله ثم تفتريهِ على الله تعالى أو سحرٌ موصوفٌ بالافتراءِ كسائرِ أصنافِ السِّحِر {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي السِّحرِ أو ادعاءِ النُّبوةِ {في آبائنا الأولين} أي واقعاً في أيَّامِهم. {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ} يريدُ به نفسَه. وقُرىء قالَ بغيرِ واوٍ لأنَّه جوابٌ عن مقالِهم. ووجهُ العطفِ أنَّ المرادَ حكايةُ القولينِ ليوازنَ السَّامعُ بـينهما فيميِّز صحيحَهما من الفاسدِ {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي العاقبةُ المحمودُة في الدَّارِ وهي الدُّنيا، وعاقبتُها الأصليةُ هي الجَّنة لأنَّها خُلقتْ مجازاً إلى الآخرةِ ومزرعة لها والمقصودُ بالذاتِ منها الثَّوابُ، وأمَّا العقابُ فمن نتائجِ أعمالِ العُصاةِ وسيئاتِ الغُواة. وقُرىء يكونُ بالياءِ التحتانيَّةِ {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي لا يفوزونَ بمطلوبٍ ولا ينجون عن محذُورٍ.
القشيري
تفسير : تَعلَّلَ بكلِّ وجهٍ رَجَاءَ أن يُعَافَى من مشقةِ التبليغ ومقاساةِ البلاءِ؛ لأنه عَلِمَ أنَّ النبوةَ فيها مَشَقّةٌ، فلم يَجِدْ الرُّخصةَ والإعفاءَ مِمَّا كُلِّفَ، وأجاب سُؤْلَه في أخيه حيث سأله أنْ يجعلَ له رِدْءاً، وضمن لهما النصرة. ثم إنهما لَمَّا أتَيَا فرعونَ قابلهما بالتكذيب والجحد، ورماهما بالخطأ والكذب والسحر، وجاوباه بالحجة، ودَعَوَاه إِلى سَوَاءِ المحجَّة، فأَبَى إِلاَّ الْجَحْدَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} موسى {رب} [اى بروردكار من] {انى قتلت منهم} اى من القوم وهم القبط {نفسا} وهو فاتون خباز فرعون {فاخاف ان يقتلون} بمقابلتها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قال} موسى - لما كُلف بالرسالة إلى فرعون: {ربِّ إني قتلتُ منهم نفساً فأخاف أن يقتلونِ} بها، {وأخي هارونُ هو أفصح من لساناً فأرسِلْه معي رِدْءاً}؛ أي: عوناً. يقال: ردأته: أعنته. وقرأ نافع: بالتخفيف، {يُصَدِّقني}: جواب الأمر، ومن رفعه؛ جعله صفة لردء، أي: ردءاً مصدقاً لي. ومعنى تصديقه: إعانته بزيادة البيان، في مظان الجدال، إن احتاج إليه؛ ليثبت دعواه، لا أن يقول له: صدقت، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان، وأما قوله: صدقت؛ فسَحْبَانُ وبَاقِلٌ فيه مستويان. {إِني أخاف أن يُكذبون} في دعوى الرسالة. {قال ستنشُدُّ عَضُدَك بأخيك} أي: سنقويك به؛ إذ اليد تشد بشدة العضد؛ لأنه قوام اليد، فشد العضد كناية عن التقوية؛ لأن العضد، إذا اشتد، قَوِيَ على محاولة الأمور، أي: سنعينك بأخيك، {ونجعلُ لكما سلطاناً}؛ غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء، {فلا يَصِلُون إليكما بآياتنا}؛ بسبب آياتنا، القاهرة لهم عن التسلط عليكم، فالباء تتعلق بيصلون، أو: بنجعل لكما سلطاناً، أي: تسلطاً بآياتنا، أو: بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا، أو: هو بيان لغالبون، أي: {أنتما ومن اتبعكما الغالبون}،أي: المنصورون. الإشارة: إذا اجتمع في زمانٍ نبيان، أو: وليان، لا تجدهما إلا متخالفين في القوة والليونة، أو في السكر والصحو، فكان مُوسَى في غاية القوة، وأخوه في غاية الليونة، وكان موسى عليه السلام في أول الرسالة غالباً عليه الجذب، وأخوه غالباً عليه الصحو، فلذلك استعان به. قال الورتجبي: افهَمْ أن مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق وأسراره، بعبارة لا تكون بشيعة في موازين العلم. وهذا حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "حديث : أنا أفصح العرب" تفسير : و"حديث : بُعثتُ بجوامع الكلم"تفسير : . وهذه قدرته قادرية اتصف بها العارف المتمكن، الذي بلغ مشاهدة الخاص، ومخاطبة الخاص، وكان موسى عليه السلام في محل السكر في ذلك الوقت، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان؛ لأن كلامه، لو خرج على وزان حاله، يكون على نعوت الشطح، عظيماً في آذان الخلق، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق، لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله: {واحلل عقدة من لساني}؛ لأن كلامه من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة، التي كان مخصوصاً بها عن أخيه. هـ. ثم ذكر عناد فرعون وتجبّره، فقال: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا...}
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} فى الجواب استعفاءً او طلباً للمظاهرة بهارون على ما مضى عند قوله {أية : فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} تفسير : [الشعراء:13] من سورة الشّعراء انّ الظّاهر انّ موسى (ع) استغفى اوّلاً وبعد ردعه من استعفائه طلب المظاهرة بأخيه {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً} الرّدء العون والمادّة والعدل الثّقيل، وقرئ رداً بتخفيف الهمزة {يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} ولا ينطلق لسانى فردّهم وردعهم وان اتيت بحجّةٍ فى جوابهم بلسانٍ غير طلقٍ لا يقبلوا منّى لقتلى منهم نفساً وغيظهم علىّ.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ} يا رب. {إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} يعني القبطي. {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} به.
الالوسي
تفسير : {قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ } لذلك {أَن يَقْتُلُونِ } بمقابلتها، والمراد بهذا الخبر طلب الحفظ والتأييد لإبلاغ الرسالة على أكمل وجه لا الاستعفاء من الإرسال، وزعمت اليهود أنه عليه السلام استعفى ربه سبحانه من ذلك. وفي التوراة التي بأيديهم اليوم أنه قال يا رب ابعث من أنت باعثه وأكد طلب التأييد بقوله: {وَأَخِى هَٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً...}.
ابن عاشور
تفسير : جرى التأكيد على الغالب في استعمال أمثاله من الأخبار الغريبة ليتحقق السامع وقوعها وإلا فإن الله قد علم ذلك لما قال له {أية : اضمم إليك جناحك من الرهب}تفسير : [القصص: 32]. والمعنى: فأخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني. فهذا كالاعتذار وهو يعلم أن رسالة الله لا يتخلص منها بعذر، ولكنه أراد أن يكون في أمن إلهي من أعدائه. فهذا تعريض بالدعاء، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إني قتلت منهم نفساً: أي نفس القبطي الذي قتله خطأ قبل هجرته من مصر. أفصح مني لساناً: أي أبين مني قولاً. ردءاً: أي معيناً لي. سنشد عضدك بأخيك: أي ندعمك به ونقويك بأخيك هارون. ونجعل لكما سلطاناً: أي حجة قوية يكون لكما بها الغَلَبُ. فلا يصلون إليكم: أي بسوء. بآياتنا: أي اذهبا بآياتنا. فلما جاءهم موسى بآياتنا: أي العصا واليد وغيرهما من الآيات التسع. بينات: أي واضحات. سحر مفترى: أي مختلق مكذوب. عاقبة الدار: أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة. إنه لا يفلح الظالمون: أي المشركون الكافرون. معنى الآيات: لما كلف الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون وحمله رسالته إليه قال موسى كالمشترط لنفسه {رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً} يريد نفس القبطي الذي قتله خطأ أيام كان شاباً بمصر {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي يقتلوني به إن لم أبين لهم وأفهمهم حجتي {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} أي أبين مني قولاً وأكثر إفهاماً لفرعون وملئه {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً} أي عوناً {يُصَدِّقُنِي} أي يلخص قولي ويحرره لهم فيكون ذلك تصديقاً منه لي، لا مجرد أني إذا قلت قال صدق موسى. وقوله {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} فيما جئتهم به. فأجابه الرب تعالى قائلاً {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} أي نقويك به ونعينك {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً} أي برهاناً وحجة قوية يكون لكما الغلب بذلك. وقوله {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} أي بسوء أبداً وقوله {بِآيَاتِنَآ} أي اذهبا بآياتنا أو يكون لفظ بآياتنا متصلاً بسلطاناً أي سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً بآياتنا {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} وعلى هذا فلا نحتاج إلى تقدير فاذهبا وقوله تعالى {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا} العصا واليد وغيرهما {بَيِّنَاتٍ} أي واضحات {قَالُواْ مَا هَـٰذَآ} أي الذي جاء به موسى من الآيات {إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي مكذوب مختلق {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي الذي جئت به يا موسى في {آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} أي في أيامهم وعلى عهدهم. وهنا رد موسى على فرعون بأحسن رد وهو ما أخبر تعالى به عنه بقوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ} أي من عند الرب تعالى {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي العاقبة المحمودة يوم القيامة، ولم يقل له اسكت يا ضال يا كافر إنك من أهل النار بل تلطف معه غاية اللطف امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44] وقوله {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} أي الكافرون والمشركون بربهم هذا من جملة قول موسى لفرعون الذي تلطف فيه وألانه غاية اللين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن القصاص كان معروفاً معمولاً به عند أقدم الأمم، وجاءت الحضارة الغربية فأنكرته فتجرأ الناس على سفك الدماء وإزهاق الأرواح بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية ولذلك صح أن تسمى الخسارة البشرية بدل الحضارة الغربية. 2- مشروعية طلب العون عند التكليف بما يشق ويصعب من المسؤولين المكلفين. 3- مشروعية التلطف في خطاب الجبابرة وإلانة القول لهم، بل هو مشروع مع كل من يدعى إلى الحق من أجل أن يتفهم القول ولا يُفِلقْ عليه بالإِغلاظ له.
القطان
تفسير : ردءا: معينا. يصدقني: يوضح ما أقوله، ويجادل عني المشركين. سنشدّ عضُدك: سنقوّيك ونعينك بأخيك. ونجعل لكما سلطانا: قوة وغلبة. مفترى: مختلَق. ومن تكون له عاقبة الدار: ومن الذي يفوز. قال موسى: يا رب لقد قتلتُ من قوم فرعونَ نفساً، فأخاف ان يقتصّوا مني.... إن أخي هارون أفصحُ مني لساناً فأرسلْه معي معينا يُصدِّقني بحجتي ويجادل عني، لأني أخاف ان يكذّبوني. هذا كما أن لساني لا يطاوعني عند المجادلة. قال الله: سنُعينك ونقوّيك بأخيك هارون، ونجعل لكما قوةً وحجة دافعة فلا يصلون إليكما.... اذهبا بآياتنا اليهم، فأنتما ومن اتبعكما الغالبون. قراءات: قرأ نافع: رِدا بكسر الراء وفتح الدال بغير همزة. والباقون: ردءا بكسر الراء وسكون الدال بعدها همزة. وقرأ عاصم وحمزة: يصدقُني: بضم القاف. والباقون: يصدقني بسكون القاف.
د. أسعد حومد
تفسير : (33) - فَقَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: إِنَّهُ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ يَخَافُ إِنْ ذَهَبَ إِليهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فما زال موسى - عليه السلام - خائفاً من مسألة قتْل القبطيِّ؛ لذلك يطلب من ربه أنْ يؤيده، ويعينه بأخيه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):