٢٨ - ٱلْقَصَص
28 - Al-Qasas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} أي ظاهرات واضحات {قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} مكذوب مختلق {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ}. وقيل: إن هذه الآيات ما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية. وقيل: هي معجزاته. قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ} قراءة العامة بالواو. وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن: {قَالَ} بلا واو؛ وكذلك هو في مصحف أهل مكة. {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} أي بالرشاد. {مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ} قرأ الكوفيون إلا عاصماً: {يكون} بالياء والباقون بالتاء. وقد تقدّم هذا. {عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي دار الجزاء. {إِنَّهُ} الهاء ضمير الأمر والشأن {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ}. قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} قال ابن عباس: كان بينها وبين قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] أربعون سنة، وكذب عدوّ الله بل علم أن له ثَمَّ رَبّاً هو خالقه وخالق قومه. {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف: 87]. قال: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} أي اطبخ لي الآجرّ؛ عن ابن عباس رضي الله عنه. وقال قتادة: هو أوّل من صنع الآجرّ وبنى به. ولما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال ـ قيل خمسين ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ـ وأمر بطبخ الآجرّ والجص، ونشر الخشب، وضرب المسامير، فبنوا ورفعوا البناء وشيّدوا بحيث لم يبلغه بنيان منذ خلق الله السموات والأرض، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه، حتى أراد الله أن يفتنهم فيه. فحكى السدّي: أن فرعون صعد السطح ورمى بنُشَّابة نحو السماء، فرجعت متلطخة بدماء، فقال قد قتلت إله موسى. فروي أن جبريل عليه السلام بعثه الله تعالى عند مقالته، فضرب الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع؛ قطعة على عسكر فرعون قتلت منهم ألف ألف، وقطعة في البحر، وقطعة في الغرب، وهلك كل من عمل فيه شيئاً. والله أعلم بصحة ذلك. {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} الظن هنا شك، فكفر على الشك؛ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يُخِيل على ذي فطرة. قوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرَ} أي تعظّم {هُوَ وَجُنُودُهُ} أي عن الإيمان بموسى. {فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي بالعدوان، أي لم تكن له حجة تدفع ما جاء به موسى. {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} أي توهموا أنه لا معاد ولا بعث. وقرأ نافع وابن محيصن وشيبة وحميد ويعقوب وحمزة والكسائي: {لاَ يَرْجِعُونَ} بفتح الياء وكسر الجيم على أنه مسمى الفاعل. الباقون: {يُرْجَعُونَ} على الفعل المجهول. وهو اختيار أبي عبيد، والأوّل اختيار أبي حاتم. {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ} وكانوا ألفي ألف وستمائة ألف. {فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} أي طرحناهم في البحر المالح. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إِسَاف أغرقهم الله فيه. وقال وهب والسدّي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية الْقُلْزُم يقال له بطن مُرَيْرَة، وهو إلى اليوم غضبان. وقال مقاتل، يعني نهر النيل. وهذا ضعيف والمشهور الأوّل. {فَٱنظُرْ} يا محمد {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} أي آخر أمرهم. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} أي جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أكثر. وقيل: جعل الله الملأ من قومه رؤساء السّفلة منهم، فهم يدعون إلى جهنم. وقيل: أئمة يأتم بهم ذوو العبر ويتّعظ بهم أهل البصائر. {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} أي إلى عمل أهل النار {وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ}. {وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي أمرنا العباد بلعنهم فمن ذكرهم لعنهم. وقيل: أي ألزمناهم اللعن أي البعد عن الخير. {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} أي من المهلَكين الممقوتين. قاله ابن كيسان وأبو عبيدة. وقال ابن عباس: المشوَّهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقيل: من المبعَدين. يقال: قَبَحه الله أي نحاه من كل خير، وَقَبَحه وقَبَّحَه إذا جعله قبيحاً. وقال أبو عمرو: قَبَحت وجهه بالتخفيف معناه قَبَّحت. قال الشاعر:شعر : أَلاَ قَبَحَ اللَّهُ البراجِمَ كلَّها وقَبَّح يَرْبوعاً وقبَّح دَارِمَا تفسير : وانتصب يوماً على الحمل على موضع {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} واستغنى عن حرف العطف في قوله: {مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} كما استغنى عنه في قوله: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22]. ويجوز أن يكون العامل في {يوم} مضمراً يدّل عليه قوله: {هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} فيكون كقوله: {أية : يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الفرقان: 22]. ويجوز أن يكون العامل في {يوم} قوله: {هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} وإن كان الظرف متقدماً. ويجوز أن يكون مفعولاً على السعة، كأنه قال وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة، والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله عز وجل؛ من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك، وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا: {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي: مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك. وقوله: {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} يعنون: عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون: ما رأينا أحداً من آبائنا على هذا الدين، ولم نرَ الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى، فقال موسى عليه السلام مجيباً لهم: {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ} يعني: مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ولهذا قال: {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي: من النصرة والظفر والتأييد {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: المشركون بالله عز وجل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِئَايَٰتِنَا بَيّنَٰتٍ } واضحات حال {قَالُواْ مَا هَٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } مختلق {وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا } كائنا {فِى } أيام {ءَابائِنَا ٱلأَوَّلِينَ }.
النسفي
تفسير : واضحات {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } أي سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ءابَائِنَا ٱلأَوَّلِينَ } حال منصوبة عن هذا أي كائناً في زمانهم يعني ما حدثنا بكونه فيهم {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي ربي أعلم منكم بحال من أهله الله للفلاح الأعظم حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون ساحراً مفترياً لما أهله لذلك لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين ولا ينبيء الساحرين ولا يفلح عنده الظالمون. وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ }تفسير : [الرعد: 22] والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى والغفران. {قال موسى} بغير واو: مكي وهو حسن لأن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم موسى عند تسميتهم مثل تلك الآيات العظام سحراً مفترى، ووجه الأخرى أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن الناظر بين القول والمقول ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر. ربي أعلم حجازي وأبو عمرو و{من يكون} حمزة وعلي. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده أي ما لكم من إله غيري أو هو على ظاهره وأن إلهاً غيره غير معلوم عنده {فَأَوْقِدْ لِى يٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطّينِ } أي اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين هذا لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة بهذه العبارة، ولأنه أفصح وأشبه بكلام الجبابرة إذ أمر هامان وهو وزيره بالإيقاد على الطين منادى باسمه بـــــ «يا» في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر {فَٱجْعَل لّى صَرْحاً } قصراً عالياً {لَّعَلّي أَطَّلِعُ } أي أصعد والاطلاع الصعود {إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } حسب أنه تعالى في مكان كما كان هو في مكان {وَإِنّى لأظُنُّهُ } أي موسى {مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } في دعواه أن له إلهاً وأنه أرسله إلينا رسولاً. وقد تناقض المخذول فإنه قال {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً وأخبر أنه غير متيقن بكذبه وكأنه تحصن من عصا موسى عليه السلام فلبّس وقال {لعلى أطلع إلى إله موسى} روي أن هامان جمع خمسين ألف بناء وبنى صرحاً لم يبلغه بناء أحد من الخلق، فضرب الصرح جبريل عليه السلام بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا هلك
الخازن
تفسير : {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} يعني واضحات {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} يعني مختلق {وما سمعنا بهذا} يعني بالذي تدعونا إليه {في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} يعني أنه يعلم المحق من المبطل {ومن تكون له عاقبة الدار} يعني العقبى المحمودة في الدار الآخرة {إنه لا يفلح الظالمون} يعني الكافرون {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} فيه إنكار لما جاء به موسى من توحيد الله وعبادته {فأوقد لي يا هامان على الطين} يعني اطبخ لي الآجر قيل إنه أول من اتخذ آجراً وبنى به {فاجعل لي صرحاً} أي قصراً عالياً وقيل منارة. قال أهل السير لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء وطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، وأمر بالبناء فبنوه ورفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وأراد الله أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دماً فقال: قد قتلت إله موسى وكان فرعون يصعده راكباً على البراذين فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منهم على عسكره فقتلت منهم ألف رجل ووقعت قطعه منه في البحر وقطعة في المغرب فلم يبق أحد عمل شيئاً فيه إلا هلك فذلك قوله {لعلي أطلع إلى إله موسى} يعني أنظر إليه وأقف على حاله {وإني لأظنه} يعني موسى {من الكاذبين} يعني في زعمه أن للأرض والخلق إلهاً غيري وأنه أرسله {واستكبر هو وجنوده في الأرض} يعني تعظموا عن الإيمان ولم ينقادوا للحق بالباطل والظلم {بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} يعني للحساب والجزاء {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} يعني فألقيناهم في البحر وهو القلزم {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} يعني حين صاروا إلى الهلاك {وجعلناهم أئمة} يعني قادة ورؤساء {يدعون إلى النار} أي الكفر والمعاصي التي يستحقون بها النار لأن من أطاعهم ضل ودخل النار {ويوم القيامة لا ينصرون} يعني لا يمنعون من العذاب {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} يعني خزياً وبعداً وعذاباً {ويوم القيامة هم من المقبوحين} يعني المبعدين وقيل المهلكين. وقال ابن عباس من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقوله عز وجل {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ممن كانوا قبل موسى {بصائر للناس} ليبصروا ذلك فيهتدوا به {وهدى} يعني من الضلالة لمن عمل به {ورحمة} يعني لمن آمن به {لعلهم يتذكرون} يعني بما فيه من المواعظ {وما كنت} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي وما كنت يا محمد {بجانب الغربي} يعني بجانب الجبل الغربي قال ابن عباس يريد حيث ناجى موسى ربه {إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون {وما كنت من الشاهدين} يعني الحاضرين ذلك المقام الذي أوحينا إلى موسى فيه فتذكره من ذات نفسك {ولكنا أنشأنا قروناً} يعني خلقنا بعد موسى أمماً {فتطاول عليهم العمر} يعني طالت عليهم المدة فنسوا عهد الله وتركوا أمره وذلك أن الله عهد إلى موسى وقومه عهوداً في محمد والإيمان به فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها {وما كنت ثاوياً} أي مقيماً {في أهل مدين} أي كمقام موسى وشعيب فيهم {تتلوا عليهم آياتنا} يعني تذكرهم بالوعد والوعيد وقيل معناه لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم {ولكنا كنا مرسلين} أي أرسلناك رسولاً وأنزلنا إليك كتاباً فيه هذه الأخبار لتتلوها عليه ولولا ذلك لما علمتها أنت ولم تخبرهم بها.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فأتاهم كما أمر الله، وعاضده أخوه كما أخبر الله، ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهرا ما أمرا به من الآيات، بنى قوله مبيناً بالفاء سرعة امتثاله: {فلما جاءهم} أي فرعون وقومه. ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسلام إنما هي تأييد لموسى عليه الصلاة والسلام، أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي، فقال: {موسى بآياتنا} أي التي أمرناه بها، الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها {بينات} أي في غاية الوضوح {قالوا} أي فرعون وجنوده {ما هذا} أي الذي أظهره من الآيات {إلا سحر مفترى} أي هو خيال لا حقيقة له كجميع أنواع السحر، متعمداً التخييل به، لا أنه معجزة من عند الله {وما سمعنا بهذا} أي الذي تقوله من الرسالة عن الله {في آبائنا} وأشاروا إلى البدعة التي قد أضلت أكثر الخلق، وهي تحكيم عوائد التقليد، ولا سيما عند تقادمها على القواطع في قوله: {الأولين*} وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام يوسف عليه السلام "وما بالعهد من قدم" فقد قال لهم الذي آمن {أية : يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب تفسير : [غافر: 34] - إلى قوله: أية : ولقد جاءكم يوسف من قبله بالبينات}تفسير : [غافر:34]. ولما أخبر تعالى بقولهم عطف عليه الإخبار بقول موسى عليه الصلاة والسلام ليوازن السامع بين الكلامين، ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما "فبضدها تتبين الأشياء" هذا على قراءة الجماعة بالواو، واستأنف جواباً لمن كأنه سأل عن جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها، فإن الموضع موضع بحث عما أجابهم به عند تسميتهم الآيات الباهرات سحراً، استعظاماً لذلك فقال: {وقال موسى} أي لما كذبوه وهم الكاذبون، مشيراً لذي البصر إلى طريق يميزون به الأمرين في سياق مهدد لهم: {ربي} أي المحسن إليّ بما ترون من تصديقي في كل ما ادعيته بإظهار ما لا تقدرون عليه على قوتكم من الخوارق، ومنع هذا الظالم العاتي المستكبر من الوصول إليّ بسوء {أعلم بمن جاء} بالضلال ظلماً وعدواناً، فيكون مخذولاً لكونه ساحراً فمحرقاً مفترياً على الله، ويكون له سوء الدار، وأعلم بحاله، ولكنه قال "بمن جاء" {بالهدى} أي الذي أذن الله فيه، وهو حق في نفسه {من عنده}، تصويراً لحاله، وتشويقاً إلى أتباعه {ومن تكون له} لكونه منصوراً مؤيداً {عاقبة الدار} أي الراحة والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة والسرور والظفر بجميع المطالب في الحالة التي تكون آخر الحالات مني ومنكم، فيعلم أنه أتى بما يرضي الله وهي وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر، لكنها لا يراد بها إلا ما يقصد للعاقل حتى تكون له، وأما عاقبة السوء فهي عليه لا له؛ ثم علل ذلك بما أجرى الله به عادته؛ فقال معلماً بأن المخذول هو الكاذب، إشارة إلى أنه الغالب لكون الله معه، مؤكداً لما استقر في الأنفس من أن التقوي لا يغلبه الضعيف {إنه لا يفلح} أي يظفر ويفوز {الظالمون*} أي الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل، فهم لا يضعون قدماً في موضع يثقون بأنه صالح للمشي فيه، لا تبعة فيه فستنظرون {ولتعلمن نبأه بعد حين} {وقال فرعون} جواباً لهذا الترغيب والترهيب بعد الإعذار، ببيان الآيات الكبار، قانعاً في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام برهاناً، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة: {يا أيها الملأ} أي الأشراف، معظماً لهم استجلاباً لقلوبهم {ما علمت لكم} وأعرق في النفي فقال: {من إله غيري} نفى علمه بذلك إظهاراً للنصفة، وأنه ما قصد غشهم، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم، إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات، وظاهر الدلالات؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلماً له صنعة الآجر لأنه أول من عمله، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول: اصنع لي آجراً: {فأوقد لي} أضاف الإيقاد إليه إعلاماً بأنه لا بد منه {يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي المتخذ لبناً ليصير آجراً؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله: {فاجعل لي} أي منه {صرحاً} أي بناء عالياً يتاخم السماء، قال الطبري: وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر، وقال الزجاج: كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} أي الذي يدعوا إليه، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهماً لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى بأنه موجود، وهو قاطع بخلاف ذلك، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه؛ ثم زادهم شكاً بقوله، مؤكداً لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسلام: {وإني لأظنه} أي موسى {من الكاذبين*} أي دأبه ذلك، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة العريقة في العدوان، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل السماء؛ ثم علل على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها، ثم على تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها. ولما قال هذا مريداً به - كما تقدم - إيقاف قومه عن إتباع الحق، أتبعه تعالى الإشارة إلى أنهم فعلوا ما أراد، وإن كان ذلك هو الكبر عن الحق فقال تعالى: {واستكبر} أي وأوجد الكبر بغاية الرغبة فيه {هو} بقوله هذا الذي صدهم به عن السبيل {وجنوده} بانصدادهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع للباطل {في الأرض} أي أرض مصر، ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل {بغير الحق} أي استكباراً مصحوباً بغير هذه الحقيقة، والتعبير بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس كبراً وإن كانت صورته كذلك، وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله، وعطف على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة أيضاً ولذا لم يعطفه بالفاء، فقال: {وظنوا} أي فرعون وقومه ظناً بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين الذي لا يكون إلا بقاطع {أنهم إلينا} أي إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عنده انقطاع الأسباب {لا يرجعون*} أي لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلذلك اجترؤوا على ما ارتكبوه من الفساد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فلما جاء موسى بآياتنا}؛ معجزاتنا التسع {بيناتٍ}؛واضحات {قالوا ما هذا إلاّ سِحْرٌ مُفْتَرى}؛ سحر تعمله أنت، ثم تفتريه على الله، أو: سحر موصوف بالافتراء، كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله، {وما سمعنا بهذا}، يعني: السحر، أو: ادعاء النبوة، {في آبائنا الأولين}، الجار: حال منصوبة بهذا، أي: ما سمعنا بهذا كائناً في آبائنا، أي: ما حُدِّثْنَا بكونه فيهم، ولا موجوداً في آبائهم. {وقال موسى ربي أعلمُ بمن جاء بالهُدَى من عنده}، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون، وقرأ ابن كثير: "قال"؛ بغير واو؛ جواباً لمقالتهم. {ومَن تكونُ له عاقبةُ الدار} أي: العاقبة المحمودة، فإن المراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة؛ لأن الدنيا خلقت مَعْبراً ومجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها، بالذات، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم، أوالعقاب الأليم، {إنه لا يُفلِحُ الظالمون}؛ لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى. قال النسفي: قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم؛ حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك؛ لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا يُنَبِّىءُ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة؛ لقوله تعالى:{أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ جَنِّـٰتِ عَدْنٍ} تفسير : [الرعد: 22]. والمراد بالدار: الدنيا، وعاقبتها: أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. هـ. {وقال فرعونُ يا أيها الملأُ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري}، قصد بنفي علمه بإله غيره نَفِيَ وُجُودِهِ، أي: مالكم إله غيري. قاله؛ تجبراً ومكابرة، وإلا فهو مقر بالربوبية؛ لقوله تعالى؛ حاكياً عن موسى عليه اسلام: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} تفسير : [الإسراء: 102]، ورُوي أنه كان إذا جن الليل، لبس المسوح وتمرغ في الرماد، وقال: يا رب إني كذاب فلا تفضحني. ثم أَمَرَ ببنيان الصرح زيادة في الطغيان، بقوله: {فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطين} أي: اطبخ لي الآجر واتخذه. وإنما لم يقل مكان الطين: آجرّ؛ لأنه أول من عمله، فهو معلمه الصنعة بهذه العبارة، {فاجعل لي صرحاً} أي: قصراً عالياً، {لعَلِّي أَطَّلِعُ} أي: أصعد. فالطلوع والاطلاع: الصعود، {إلى إِلهِ موسى}، حسب الجاهل أنه في مكان مخصوص، كما كان هو في مكان، {وإِني لأظنه} أي: موسى {من الكاذبين} في دعواه أن له إلهاً، وأنه أرسله إلينا رسولاً. وهذا تناقض من المخذول، فإنه قال أولاً: {ما علمتُ لكم من إله غيري}، ثم أظهر حاجته إلى هامان، وأثبت لموسى إلهاً، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه، وهذا كله تهافت. وكأنه تحصن من عصى موسى فلبّس وقال: {لعلِّي أطلعُ إلى إله موسى}. رُوي أنه لما أمر وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامانُ العمال، خمسين ألف بنّاء، سوى الأتباع والأُجراء – فبنوا، ورفعوه بحيث لم يبلغه بنيان قط، منذ خلق الله السموات والأرض. أراد الله أن يفتنهم فيه، فصعده فرعون وقومه، ورموا بُنُشّابة نحو السماء، فرجعت مُلَطَّخَةَ بالدم، فقال: قد قتلنا إله السماء، فضرب جبريل الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون، فقتلت ألفَ ألفِ رجل، وقطعة على البحر، وقطعة في الغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك. هـ. {واستكبر هو وجنوده}؛ تعاظم {في الأرض}؛ أرض موسى {بغير الحق}؛ بغير استحقاق، بل بالباطل، فالاستكبار بالحق هو لله تعالى، وهو المتكبر المتعالي، المبالغ في كبرياء الشأن، كما في الحديث القدسي:"حديث : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته"تفسير : ، أو: ألقيته في النار، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق. {وظنوا أنهم إلينا لا يُرجَعُون} بالبعث والنشور. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: بالبناء للفاعل. والباقي: للمفعول. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء، وهو عالم الجبروت، فما هبطت إلى عالم الأشباح، وكلفت بالعبودية، وبالخضوع لقهرية الربوبية، شق عليها، ونفرت من التواضع والذل، وبطشت إلى أصلها؛ لأنها من عالم العز، فبعث الله الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها. من الذل والتواضع والخضوع للحق، حتى تصل إلى الحق، فمن سبق له الشقاء؛ أنف، وقال: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، واستكبر وطغى، فغرق في بحر الردى. ومن سبقت له السعادة؛ تواضع، وذل لعظمة مولاه، فوصله إلى العز الدائم، في حضرة جماله وسناه. ولذلك قيل: للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون، حيث قال: أنا ربكم الأعلى. وهذه الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها، حيث برزت من عالم الجبروت؛ قال تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} ولكن لم يفتح لها الباب إلا من جهة العبودية والذل والافتقار، كما قال الشاعر: شعر : تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى؛ لِتَكْسِبَ عِزَّةً فَكَمْ عِزَّةٍ قَدْ نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ تفسير : ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قائل القائل: شعر : أدَبُ الْعَبْـدِ تَـذَلُّـلٌ وَالْعَبْــدُ لاَ يَــدَعُ الأدَبْ فَإذَا تَكَـامَـلَ ذُلّـــهُ؛ نَــالَ الْمَـوَدَّةَ، وَاقْتَـرَبْ تفسير : ثم ذكر وبال من تكبّر على الله، فقال: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ...}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير {قال موسى} بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. الباقون - بالواو - وكذلك هو في المصاحف. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {من يكون} بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء فلأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي. ومن قرأ بالتاء، فلأن لفظه مؤنث. وتقدير الكلام إن موسى مضى إلى فرعون {فلما جاءهم موسى بآياتنا} أي حججنا {بينات} أي ظاهرات {قالوا} يعني فرعون وقومه ليس {هذا} الذي يدعيه {إلا سحر مفترى} أي مختلق مفتعل. والفرق بين (لو) و (لما) أن (لو) لتقدير وقوع الثاني بالاول، و (لما) للايجاب في وقوع الثاني بالاول. وقولك: ولو جاءهم موسى بآياتنا قالوا، ليس فيه دليل انهم قالوا وفي (لما) دليل على انهم قالوا عقيب مجيء الآيات. وقوله {سحر مفترى} اي سحر مختلق لم يبن على اصل صحيح، لأنه حيلة موهم خلاف الحقيقة، فوصفوا الآيات بالسحر والاختلاق، على هذا المعنى جهلا منهم وذهاباً عن الصواب. وقوله {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} أي لم نسمع ما يدعيه ويدعو اليه في آبائنا الذين كانوا قبلنا، وانما قالوا {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} مع شهرة قصة قوم نوح وصالح وغيرهم من النبيين الذين دعوا إلى توحيد الله واخلاص عبادته لأحد امرين: احدهما - للفترة التي دخلت بين الوقتين وطول الزمان جحدوا أن تقوم به حجته. والآخر - إن آباءهم ما صدقوا بشيء من ذلك، ولا دانوا به، ووجه الشبهة في أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الاولين أنهم الكثير الذين لو كان حقاً لأدركوه، لأنه لا يجوز أن يدرك الحق الأنقص في العقل والرأي، ولا يدركه الافضل منهما، وهذا غلط، لأن ما طريقه الاستدلال قد يصيبه من سلك طريقه ولا يصيبه من لم يسلك طريقه. ثم حكى ما قال موسى بأنه قال {ربي أعلم بمن جاء بالهدى} أي بالدين الواضح والحق المبين من عنده، ووجه الاحتجاج بقوله {ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده} أنه عالم بما يدعو إلى الهدى مما يدعو إلى الضلال، فلا يمكن من مثل ما أتيت به من يدعو إلى الضلال، لأنه عالم بما في ذلك من فساد العباد. ثم بين هذا بقوله {إنه لا يفلح الظالمون} وان عاقبة الصلاح لأهل الحق والانصاف، وهو كما تقول على طريق المظاهرة بحمل الخطاب: الله أعلم بالمحق منا من المبطل وحجتي ظاهرة، فاكسرها ان قدرت على ذلك {ومن تكون له عاقبة الدار} يعني الجنة والثواب في الآخرة {إنه لا يفلح} أي لا يفوز بالخير من ظلم نفسه وعصى ربه وكفر نعمه. ثم حكى تعالى ما قال فرعون عند سماع كلام موسى لقومه فانه قال لهم {يا أيها الملاء ما علمت لكم من إله غيري} فلا تصغوا إلى قوله، حين أعياه الجواب وعجز عن محاجته. ثم قال لهامان {أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً} قال فالصرح البناء العالي كالقصر، ومنه التصريح شدة ظهور المعنى قال الشاعر: شعر : بهن نعام بناها الرجا ل تحسب اعلامهن الصروحا تفسير : جمع صرح وهي القصور، وقال قتادة: اول من طبخ الآجر وبنى به فرعون ويقال: الآجر بالتخفيف، والتثقيل والآجور ثلاث لغات. وقوله {لعلي أطلع إلى إله موسى} فالاطلاع الظهور على الشيء من عل، وهو الاشراف عليه. وقوله {وإني لأظنه من الكاذبين} حكاية ما قال فرعون فانه قال: أظن موسى من جملة الذين يكذبون، ثم اخبر تعالى ان فرعون استكبر، وكذلك جنوده، واستكبروا {في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} إلى الله وإلى ثوابه وعقابه. وقوله {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} اخبار منه تعالى انه اخذ فرعون وجنوده أي جمعهم وطرحهم في البحر، وغرقهم. والنبذ الالقاء، قال ابو الاسود الدؤلي: شعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا تفسير : وقال قتادة: البحر الذى غرق فيه فرعون يقال له: اسناد، على مسيرة يوم من مصر.
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} الباء للتّعدية او للمصاحبة والمراد بالآيات العصا واليد البيضاء وجمعهما لانّ فى كلٍّ كان دلالات على صدقه فى رسالته وتوحيد الله، او المراد هاتان مع الحجج الدّالّة على صدقه {قَالُواْ} جهلاً وعناداً {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ} قد مضى بيان السّحر وتحقيقه فى سورة البقرة عند قوله يعلّمون النّاس السّحر {مُّفْتَرًى} على الله {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الّذى ادّعاه من توحد الآله {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ وَقَالَ} وقرئ بغير واوٍ {مُوسَىٰ} بعدما انكروه وانكروا رسالته ولم يقبلوا معجزاته وحججه مستشهداً بالله وعلمه {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} يعنى العاقبة المحمودة كانّ العاقبة الغير المحمودة ليست بعاقبة عرّض بنفسه كأنّه قال ربىّ اعلم بانّى جئت بالهدى وانّ لى العاقبة المحمودة فلا ابالى بردّكم وانكاركم {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} حقّ العبارة ان يقول وبمن لا يجيء بالهدى ولا يكون له عاقبة الدّار لكنّه عدل اليه تعريضاً بهم واثباتاً لظلمهم ونفياً للهدى وحسن العاقبة عنهم بالبرهان كأنّه قال: انّه لا يفلح الظّالمون بالهدى وحسن العاقبة وانتم ظالمون بانكار الله الّذى هو خالق الخلق وعبادة غيره وانكار رسالتى.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} واضحات حال. {قَالُوا مَا هَذَا} اي هذا المذكور وهو الآيات وافرد الاشارة لأنه يجيء بآياته شيئا فشيئا وكلما اتى بشيء قالوا هذا سحر. {إِلا سِحْرٌ مُّفْتَرىً} تعمله انت ثم تفتريه على الله تقول انه من الله ولم يعمل أحد مثله قبلك أو سحر تعلمه ثم تفتريه على الله، أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر ولم يكن معجزة من الله. {وَمَا سَمِعْنَا بِهَذا} اي السحر أو ادعاء البنوة. {فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} أي كائنا فيهم أي في زمانهم واياهم.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا جاءهُم مُوسى بآياتنا} اليد والعصا، أطلق الجمع أو أراد غيرهما معهما وقد أريدتا فى طه {بينات} واضحات الدلالة على دعواهما {قالُوا ما هذا} ما الذى جئت به {إلاَّ سِحْرٌ مفْتَرى} محدث لم يتقدم قبلك، أو تعلمته، وكذبت به عن الله، أو مموه وكثيرا يكون السحر له حقيقة، فالنعت فى ذلك كله مخصص {ما سَمعْنا بهذا} بمثل هذا الذى جاء به، أو بهذا النوع من السحر، أو بادعاء النبوّة، وكذبوا، فقد سمع من يوسف عليه السلام إن كان هو فرعون يوسف، أو فرعونه غيره إن صح قربه، أو ما سمعنا سماعا صحيحا بادّعاء النبوّة أو ما سمعنا بادعاء لها صحيح، فكان ينكر النبوّة رأسا كالبراهمة، وكثير من الإفرنج، والباء للإلصاق أى ما اتصلنا بهذا، أو صلة فى المفعول به {فى آبائنا} فى زمان آبائنا {الأوَّلين} لا يتعلق بسمعنا، لأن سمعهم بعد مضى آبائهم لا يكون فى زمان آبائهم، بل متعلق بحال محذوف، أى واقفا فى آبائنا أو بمضاف محذوف، أى بوقوع هذا فى آبائنا.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَىٰ بأَيَـٰتِنَا بَيّنَـٰتٍ } أي واضحات الدلالة على صحة رسالته عليه السلام منه عز وجل، والظاهر أن المراد بالآيات العصا واليد إذ هما اللتان أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك وقد تقدم في سورة طه سر التعبير عنهما بصيغة الجمع {قَالُواْ مَا هَـٰذَا } الذي جئت به {إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } أي سحر تختلقه لم يفعل قبله مثله فالافتراء بمعنى الاختلاق لا بمعنى الكذب أو سحر تتعلمه من غيرك ثم تنسبه إلى الله تعالى كذباً فالافتراء بمعنى الكذب لا بمعنى الاختلاق والصفة على هذين الوجهين مخصصة، وقيل: المراد بالافتراء / التمويه أي هو سحر مموه لا حقيقة له كسائر أنواع السحر، وعليه تكون الصفة مؤكدة والافتراء ليس على حقيقته كما في الوجه الأول. والحق أن من أنواع السحر ماله حقيقة فتكون الصفة مخصصة أيضاً. {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا } أي نوع السحر أو ما صدر من موسى عليه السلام على أن الكلام على تقدير مضاف أي بمثل هذا أو الإشارة إلى ادعاء النبوة ونفيهم السماع بذلك تعمد للكذب فقد جاءهم يوسف عليه السلام من قبل بالبينات وما بالعهد من قدم. ويحتمل أنهم أرادوا نفي سماع ادعاء النبوة على وجه الصدق عندهم وكانوا ينكرون أصل النبوات ولا يقولون بصحة شيء منها كالبراهمة وككثير من الإفرنج ومن لحس من فضلاتهم اليوم. والباء كما في «مجمع البيان» إما على أصلها أو زائدة أي ما سمعنا هذا {فِى ءابَائِنَا ٱلأَوَّلِينَ } أي واقعاً في أيامهم، فالجار والمجرور في موضع الحال من هذا بتقدير مضاف والعامل فيه سمعنا. وجوز أن يكون {بهذا} على تقدير بوقوع هذا، ويكون الجار متعلقاً بذلك المقدر، وأشاروا بوصف آبائهم بالأولين إلى انتفاء ذلك منذ زمان طويل.
ابن عاشور
تفسير : طوي ما بين نداء الله إياه وبين حضوره عند فرعون من الأحداث لعدم تعلق العبرة به. وأسند المجيء بالآيات إلى موسى عليه السلام وحده دون هارون لأنه الرسول الأصلي الذي تأتي المعجزات على يديه بخلاف قوله {أية : فاذهبا بآياتنا}تفسير : في سورة الشعراء (15)، وقوله {أية : بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون}تفسير : [ القصص: 35] إذ جعل تعلق الآيات بضميريها لأن معنى الملابسة معنى متسع فالمصاحب لصاحب الآيات هو ملابس له. والآيات البينات هي خوارق العادات التي أظهرها، أي جاءهم بها آية بعد آية في مواقع مختلفة، قالوا عند كل آية {ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. والمفترى: المكذوب. ومعنى كونها سحراً مكذوباً أنه مكذوب ادعاء أنه من عند الله وإخفاء كونه سحراً. والإشارة في قوله {وما سمعنا بهذا} إلى ادعاء الرسالة من عند الله لأن ذلك هو الذي يسمع وأما الآيات فلا تسمع. فمرجع اسمي الإشارة مختلف، أي ما سمعنا من يدعو آباءنا إلى مثل ما تدعو إليه فالكلام على حذف مضاف دل عليه حرف الظرفية، أي في زمن آبائنا. وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة إلى آبائهم حتى تصل إليهم بواسطة آبائهم الأولين، دليلاً على بطلانها وذلك آخر ملجأ يلجأ إليه المحجوج المغلوب حين لا يجد ما يدفع به الحق بدليل مقبول فيفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36- فلما واجههم موسى بدعوته مؤيدة بالمعجزات الواضحة أنكروا ما شاهدوا، قالوا: ما هذا إلا سحر تفتريه على الله، ولم نسمع بهذا الذى تدَّعيه فيمن سبقنا من آبائنا الأولين. 37- وقال موسى - ردا على فرعون وقومه -: ربى يعلم أنى جئت بهذه الآيات الدالة على الحق والهدى من عنده، فهو شاهد لى على ذلك إن كذبتمونى، ويعلم أن العاقبة الحميدة لنا ولأهل الحق، إنه لا يفوز بالخير الكافرون. 38- وقال فرعون - عندما عجز عن محاجة موسى، تماديا فى طغيانه - يا أيها الملأ، ليس لى علم بوجود إله لكم غيرى. وأمر وزيره هامان أن يصنع له الآجُرّ ويُشيد له صرحاً شامخاً عالياً ليصعد عليه، وينظر إلى الإله الذى يدعو إليه موسى، ويؤكد فرعون مع ذلك أن موسى من الكاذبين فى ظنه. 39- وظل فرعون وجنوده مستكبرين فى أرض مصر بالباطل، وظنوا أنهم لن يُبعثوا فى الآخرة للحساب والجزاء. 40- فانتزعنا فرعون من سلطانه، واستدرجناه هو وجنوده إلى اليَم، وأغرقناهم فيه نابذين لهم بسبب ظلمهم. فتدبر يامحمد، وحذر قومك كيف كانت نهاية الظالمين فى دنياهم؟ وإنك لمنصور عليهم. 41- قال تعالى: وجعلناهم دعاة يدعون إلى الكفر الذى يؤدى إلى النار، ويوم القيامة لا يجدون من ينصرهم ويخرجهم من هذا العذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {بَيِّنَاتٍ} {آبَآئِنَا} (36) - فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلى فِرْعَونَ وَمَلَئِهِ، وَعَرَضَا عَلَيهِمْ ما آتاهُما اللهُ مِنَ المُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ، والدَّلاَلاَتِ القَاهِرَاتِ على صِدْقِهِما، لَمْ يَجِدْ فِرْعَونُ وَمَنْ مَعَهُ مَا يَدْحَضُونَ بِهِ بَراهينَ اللهِ وَحُجَجَهُ، فَعَدَلُوا إِلى العِنادِ والمُبَاهَتَةِ استِكْبَاراً مِنْهُم عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ، فَقَالُوا: مَا هذا الذِي جَاءَ بِهِ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفَتَعَلٌ وَمَصْنُوعٌ (مُفْتَرًى)؛ وَقَالُوا إِنهُم لَمْ يَسْمَعُوا فيما تَنَاقَلُوه عَنْ آبائِهِمِ الأَوَّلِينَ أَنَّ أَحَداً عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ بهِ شَيئاً. مُفْتَرىً - يَنْسُبُهُ إِلى اللهِ كَذِباً.
الثعلبي
تفسير : {فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الذي تدعونا إليه {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَىٰ} قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم {رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ} بالمحق من المبطل {وَمَن تَكُونُ لَهُ} ( قرأ) بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. {عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ} أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} لا ينجح الكافرون. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير: لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلةحتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأُجَراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دماً. فقال: قد قتلتُ إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) (عند) غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلاّ هلك، فذلك قوله تعالى: {فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ} ، {فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً} قصراً {لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} أنظر إليه وأقف على حاله. {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ} يعني موسى {مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله {وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ} فألقيناهم {فِي ٱلْيَمِّ} يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ} {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} قادة ورؤساء {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} حزناً وعذاباً {وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ} الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل (اللغة) يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحاً {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : ما أهلك الله عز وجل قوماً ولا قرناً ولا أُمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الارض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ} الآية ". تفسير : {وَمَا كُنتَ} يا محمد {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} أي غربي الجبل {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا} أحدّثنا وخلقنا {قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الحديد: 16]، {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً} مقيماً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم)بما تشاهده، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ ..} [القصص: 36] أي: بمعجزاتنا واضحات باهرات، فلما بُهِتوا أمام آيات الله، وحاروا كيف يخرجون من هذا المأزق، فقد جاءهم موسى ليهدم عرش الألوهية الباطلة عند فرعون، ولم يملكوا إلا أنْ قالوا {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [القصص: 36]. لذلك يُعلِّم الحق - تبارك وتعالى - موسى عليه السلام مُحَاجَّة هؤلاء، فكأنه قال له: أنت مُقبل على أُنَاس متمسكين بالباطل، حريصين عليه، منتفعين من ورائه، ولا بُدَّ أنْ يغضبوا إنْ قضيتَ على باطلهم، وصرفتهم عنه إلى الحق، فقد أَلِفُوا الباطل، فإنْ أخرجتَهم مما أَلِفوا إلى ما لا يألفون فلا بُدَّ لك من اللين وألاَّ تُهيِّجهم حين تجمع عليهم قسوة تَرْك ما ألِفوه مع قسوة الدعوة إلى ما لم يألفوه. ويكفي أنك ستسلبهم سلطان الألوهية الذي عاشوا في ظله، فإنْ زِدْتَ في القسوة عليهم ولّدْتَ عندهم لدداً وعناداً في الخصومة. لذلك قال تعالى: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ..} تفسير : [طه: 44] يعني: اعذروه فيما يلاقي حين تُسلَب منه ألوهيته، ويصير واحداً من الرعية. وإنْ قابلوك هم بالقسوة حين قالوا: {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ} [القصص: 36] فقابلهم أنت باللين.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} معناه مُفْتَعلٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):